← Акыда

Акыда · id 8622

الصارم المنكي في الرد على السبكي

ابن عبد الهادي

Полный текст (343 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الموضوعات عن الإثبات، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار، كان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه. الثالث: أن في طريقة جابر وهو الجعفي لم يكن بثقة، قال أبو حاتم الرازي (١) عن أحمد بن حنبل: تركه يحيى وعبد الرحمن، وقال أبو حنيفة (٢) : ما رأيت أحداً أكذب من جابر الجعفي. وقال يحيى بن معين: كان جابر الجعفي كذاباً لا يكتب حديثه ولا كرامة ليس بشيء، وقال السعدي: كذاب، سألت عنه أحمد بن حنبل: فقال: تركه ابن مهدي فاستراح،وقال النسائي (٣) : متروك الحديث، وقال في موضع آخر ليس بثقة، ولا يكتب حديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال ابن حبان (٤) : كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول أن علياً يرجع إلى الدنيا، ثم روى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان جابر الجعفي يؤمن بالرجعية، وقال زائدة: أما جابر الجعفي، فكان والله كذاباً يؤمن بالرجعة. الرابع: أن محمد بن علي (٥) الذي روى عنه جابر هو أبو جعفر الباقر، ولم يدرك جد أبيه علي بن أبي طالب ﵁. وفي الجملة ليس هذا الخبر مما يصلح الاستشهاد به ولا الاعتبار ولا يحتج به إلا من هو أجهل الناس بالعلم. وقد قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه على حديث حفص بن سليمان بعد أن ذكر ضعف حفص وكلام أئمة الجرح والتعديل فيه قال: ونفس المتن باطل فإن الأعمال التي فرضها الله تعالى ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة، بل في الصحيحين

стр. 72

عنه ﷺ أنه قال: ((لو اتفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (١) فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه. وكان الشيخ قد بحث قبل هذا مع بعض من اعترض عليه من المالكية، واحتج في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحي بعد أن ذكر الشيخ ما استدل به فقال: قال المعترض المناقض: وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في الله، ولفظ الحديث: أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في تلك القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا إلا أني أحببته في الله، فقال: إن رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته فيه (٢) ، وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه سمعت رسول الل ﷺ هـ يقول: أي عن الله ((ووجبت محبتي للمتحابين في، والمتجلسين في والمتزاورين في والمتباذلين في)) (٣) . قال: فقد علمت أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الإخوان وما أعد الله بها للزائرين من الفضل والإحسان، فكيف بزيارة منهو حي الدارين وإمام الثقلين الذي جعل الله حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته، ومن شرفه الحق بما أعطاه من جميع صفاته ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم وعصمنا به من الشيطان الرجيم، ومن هو آخذ بحجرنا أن تقتحم في نار الجحيم ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم؟ قال الشيخ: والجواب أما زيارة الأخ الحي في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته في حياته يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبل كزيارته حياً كما قاسه هذا المعترض، فهذا قياس ما علمت أحداً من علماء المسلمين قاسه، ولا علمت أحداً منهم احتج في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحي المحبوب

стр. 73

في الله، وهذا من أفسد القياس، فإنه من المعلوم أن من زار الحي حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك مما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه. وليس رؤية قبره أوريؤة الجدار الذي بنى على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا لكان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه ومعلوم أن هذا من أباطل الباطل. وأيضاً فالسفر إليه في حياته إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح فيكون المسافر إليه مسافراً للمقام عنده بالمدينة مهاجراً من المهاجرين إليه، وهذا السفر انقطع بفتح مكة، فقال: ((لا هجرة بعد الفتح ولمن جهاد ونية)) (١) ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجراً امره أن يرجع إلى مكة، وكذلك سائر الطلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا. وإما أن يكون المسافر إليه وافداً إليه ليسلم ويتعلم منه ما يبلغه قومه كالوفود الذين كانوا يفيدون عليه، لا سيما سنة تسع وعشر سنة الوفود، وقد أوصى في مرضه بثلاث فقال: ((أخرجوا النصارى من جزيرة العرب وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم)) (٢) ومن الوفود وفقد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين (٣) ، لكن هؤلاء أسلموا قديماً قبل فتح مكة وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد. وكان السفر إليه في حياته لتعلم الإسلام والدين ولمشاهدته، وسماع كلامه، وكان خير محضاً، ولم يكن أحد من الأنبياء والصالحين عبد في حياته بحضرته، فإنه كان ينهى

стр. 74

من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي، فكيف بالشرك، كما نهى الذين سجدوا (١) له، ونهى الذين صلوا خلفه قياماً، وقال: ((إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم فلا تفعلوا)) (٢) رواه مسلم. وفي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: ((لم يكن شخص أحب إليهم من (٣) رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك)) وفي الصحيح أن جارية قالت عنده ((وفينا نبي يعلم ما في غده)) فقال ﷺ : ((هذا وقولي الذي كنت تقولين)) (٤) ، ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته، فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكراً يقر عليه. إلى أن قال: ومعلوم أنه لو كان حياً في المسجد من أفضل العبادات وقصد القبر الذي اتخذ مسجداً مما نهى عنه، ولعن أهل الكتاب على فعله (٥) : وأيضاً فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين، وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع (٦) ، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرسول ﷺ التعظيم التام والمحبة والتامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان. وزيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر بمجردة بالعكس مفسدة راجحة، وهناك بفعل من حقوقه ما يشرع في سائر المساجد، وهذا مما يتبين به كذب الحديث الذي يقال فيه: ((من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي)) وهذا الحديث هو معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري صاحب عاصم، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن

стр. 75

ابن عمر قال: قال رسول الله: ((من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) (١) وقد رواه عنه غير واحد وعندهم معروف من طريقة وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية، حجة في القرآن قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة، وقال البخاري: تركوه. ثم سرد الشيخ كلام الأئمة فيه، وقال (٢) : وقد رواه الطبراني في المعجم من حديث الليث بن بنت ليث بن أبي سليم عن زوجة جده عائشة عن ليس، وهذا الليث وزوجه جده مجهولان، ونفس المتن باطل، فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة، بل في الصحيحين (٣) عنه أنه قال: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذاك إما أن يكون مهاجراً إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلمون الإسلام ويبلغونه عنهم إلى قومهم، وهذا عمل لا يمكن أحداً بعدهم أن يفعل مثله. ومن شبه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه، والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على جنازته والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا كالصلاة عليه والسلام عليه، وطلب الوسيلة له مشروع في جميع الأمكنة لا يختص بقبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك يمكن فعله في سائر البقاع. لكن مسجده أفضل من غيره فالعبادة فيه فضيلة يكونها في مسجده كما قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٤) والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه، مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي ﷺ في حجرته، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد، ولم يتحدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي ﷺ وغير ما شرعه هو لأمته، ورغبهم فيه ودعاهم إليه، وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه، كل ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في

стр. 76

سائر المسجد بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصلاة،وهو ﷺ قد جعلت له ولأمته الأرض مسجداً وطهوراً، فحيث ما أدركت أحداً الصلاة فليصل فإنه مسجد،كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه ﷺ (١) . وفي ظن أن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد وإنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ، لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين، وإنما غلط في هذا بعض المتأخرين، وغاية ما نقل عن بعض الصحابة كابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر يقف عن القبر ويسلم (٢) ،وجنس السلام عليه مشروع في المسجد وغير المسجد قبل السفر وبعده. وأما كونه عند القبر فهذا كان يفعله ابن عمر إذا قدم من سفر، وكذلك الذين استحبوه من العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها من أهلها، وللوارد والصادر من المسجد من الغرباء،مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك ولا فرق أكثر السلف بني الصادر والوارد، بل كلهم ينهون عما نهى عنه رسول الله ﷺ . وقد قال أوب الوليد الباجي: إنما فرق بين أهل المدينة وغيرها، لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، ولم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، قال: وقال النبي ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وقال: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) (٣) . وهذا الذي ذكره من أدلة سوى في النهي، فإنه قوله لا تجعلوا ولا تتخذوا بيتي عيداً، نهي لكل أمة أهل المدينة والقادمين إليها، وكذلك نهيه عن اتخاذ القبور مساجد وخبرة بأن غضب الله اشتد على من فعل ذلك، هو متناول للجميع وكذلك دعاؤه بأن لا يتخذ قبره وثناً، عام. وما ذكره من أن الغرباء قصدوا لذلك تعليق على العلة ضد مقتضاها فإن القصد

стр. 77

لذلك منهي عنه، كما صرح به مالك وجمهور أصحابه، وكما نهى عنه، وإذا كان منهياً عنه أو ليس بقربه لم يشرع الإعانة عليه، وابن عمر ﵄ لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر، بل المدينة وطنه، فكان يخرج منها لبعض الأمور، ثم يرجع إلى وطنه فيأتي المسجد، فيصلي فيه ويسلم،ـ فأما السفر لأجل القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة، بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس ولا يزور قبل الخليل ﷺ : وكذلك أبوه عمر ﵁ ومن معه من المهاجرين والأنصار قدموا إلى بيت المقدس، ولم يذهبوا إلى قبر الخليل ﵇، وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وسائر أهل الشام لم يعرف عن أحد منهم أنه سفر إلى قبر الخليل ﵇ ولا غيره كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وما كان قربه للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل البقيع، وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن قربة لغيرهم كاتخاذ بيته عيداً واتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها والطواف بها وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين، فإن هذا بإجماع المسلمين ينهي عنه الغرباء، كما ينهىلا عنه أهل المدينة ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين. وبالجملة: فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء عليه ﷺ ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر للواردين والصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وأما ما كان سؤالاً له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين يدعونه مع البعد فلا يختص هذا عندهم بالقبر، وأما نفس داخل بيته عند قبره فلا يمكن أحد الوصول إلى هناك ولم يشرع هناك عمل يكون هناك أفضل منه في غيره، ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة، بل قد قال: ((لا تتخذوا بيتي عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم)) (١) صلوات الله وسلامه عليه. وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز الداروردي، عن سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فناداني فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ ، قم قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تتخذوا بيتي عيداً وصلوا علي

стр. 78

حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) (١) ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء، وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام مثل معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء وغيرهم لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل، ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. فإن قيل: الزائر في الحياة إنما أحبه لله لكونه يحبه في الله، والمؤمنون يحبون الرسول أعظم، وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين، فإذا زارهم أثيبوا على هذه المحبة، قيل حب الرسول من أعظم واجبات الدين وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) (٢) وفي الحديث الصحيح عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (٣) رواه البخاري عن أبي هريرة قال: والذي نفسي بيده. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخر بيد عمر فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي ﷺ : ((لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك)) فقال عمر، فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي قال الآن يا عمر (٤) ، وتصديق ذلك في القرآن قوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة ٠٢٤) وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ (المجادلة ٠٢٢)

стр. 79

وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة)) اقرأوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (١) (الأحزاب ٠٠٦) وذكر الحديث، وفي حديث آخر: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) (٢) لكن حبه وطاعته وتعزيزه وتوقيره، وسائر ما أمر الله به من حقوقه مأمور به في كل مكان لا يختص بمكان دون مكان، وليس من مكان في المسجد عند القبر بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر. ومعلوم أن مجرد زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده والذي يشرع في مسجده يشرع في سائر المساجد، لكن مسجده أفضل من سائرها إلا المسجد الحرام على نزاع في ذلك وما يجده مسلم في قلبه من محبته والشوق إليه والأنس بذكره وذكر أحواله فهو مشروع له في كل مكان، ,ليس في مجرد زيارة ظاهرة الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتخذ ذلك المكان عيداً وأمر أن يصلي عليه حيث كان العبد ويسلم عليه، فلا يخص بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا تسليم عليه، فكيف بما ليس كذلك (٣) . وإذا خص قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره بنقص حبه

стр. 80

وتعظيمه وتعزيزه ومولاته والثناء عليه عند غيره قبره عما يفعل عند قبره ما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظمونه يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكون بخلاف ذلك، والرسول ﷺ هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة، مع أن ذلك لو شرع لهم لأشتغلوا بحقوقهم عن حقه واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع فيدخلون في الشرك بالخالق،وفي ترك حق المخلوق فينقص تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان وأن لا يتخذوا بيته عيداً ولا مسجداً، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه، كما تزار القبور، فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب ﵎ وكمال إيمانهم بالرسول ﷺ ومحبته وتعظيمه حيث كانوا واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإن طاعته هي مدار السعادة، وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك. والذين يقصدون الحج إلى قبره وغبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أنداداً من أهل معصيته ومخالفته لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه، وإن ظنوا أن هذا من مولاته ومحبته، كما يظن النصارى أن ما هم إلا من الغلو في المسيح والتربك به من جنس محبته ومولاته، وكذلك دعائهم للأنبياء الموتى كإبراهيم وموسى وغيرهم ﵈، ويظنون أن هذا من محبتهم ومولاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم، ولهذا يتبرؤن منهم يوم القيامة. وكذلك الرسول ﷺ يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء ٢١٥-٢١٦) فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرؤا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة ٠٠٤) وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبروهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم، والرسول ﷺ يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه

стр. 81

وفضائله،وما من الله به عليه، وما من على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له، لا بنفس رؤية القبر. ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم، وإنما قصد جمهورهم التأكل والترأس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رئاسة أو مأكلة، لا ليزدادوا هم حباً وخيراً. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((وإن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد)) (١) . وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه ﷺ ، والأمر فوق ما ذكره أضعافاً مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له، واتباع سنته والتأسي به، والاقتداء به ومحبتنا له وتعظيمنا له، موالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الحق ووسيلتهم إلى الله تعالى، ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهمبإحسان، وهو ﷺ قد قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) (٢) ، وقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٣) يحذر ما فعلوا، وقال: لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني (٤) ، وقال: خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (٥) رواه مسلم، وقال ((إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كبيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة

стр. 82

ضلالة (١) إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجاج إلى القبور هم من المخالفين للرسول ﷺ الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له، كما قد بسط في غير هذا الموضع. قال المعترض الحديث الخامس: ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)) رواه عدي في الكامل وغيره، قم قال: أخبرناه أدنا ومشافهة عبد المؤمن وآخرون عن ابي الحسن بن المقير البغدادي، عن أبي الكرم بن الشهرزوري، أنبأنا إسماعيل بن مسعدة الاسماعيلي، أنبأنا حمزة بن يوسف السهمي، أنبأنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا محمد بن محمد بن النعمان، حدثني جدي، قال: حدثي مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)) (٢) . وذكر ابن عدي أحاديث للنعمان ثم قال: هذه الأحاديث عن نافع عن ابن عمر يحدث بها النعمان بن شبل عن مالك، ولا أعلم رواه عن مالك غير النعمان بن شبل؟ ولم أر في أحاديثه حديثاً غريباً، قد جاوز الحد فأذكره، وروى في صدر ترجمته عن عمران بن موسى الزجاجي أنه ثقة، وعن موسى بن هارون أنه منهم، وهذه التهمة غير مفسرة فالحكم بالتوثيق مقدم عليها، وذكر أبو الحسن الدارقطني هذا الحديث في أحاديث مالك بن أنس الغرائب التي ليست في الموطأ، وهو كتاب ضخم، قال: حدثنا أبو عبد الله الأأبلي وعبد الباقي، قال: حدثنا محمد بن محمد بن النعمان بن شبل، حدثنا جدي حدثنا مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)) قال الدارقطني: نفرد به هذا الشيخ وهو منكر، هذه عبارة الدارقطني، والظاهر أن هذا الإنكار منه بحسب تفرد به هذا الشيخ وهو منكر، هذه عبارة الدارقطني، والظاهر أن هذه الإنكار منه بحسب تفرده وعدم احتماله له بالنسبة إلى الإسناد المذكور؛ ولا يلزم من ذلك أن يكون المتن في نفسه منكراً، ولا موضوعاً، وقد ذكر ابن الجوزي في الموضوعات (٣) ، وهو سرف منه، ويكفي في الرد عليه ما قاله ابن عدي، وقال ابن الجوزي عن الدارقطني، أن الحمل فيه على محمد بن محمد بن النعمان لا على جدة، وكلام

стр. 83

الدارقطني الذي ذكرناه محتمل لذلك، ولأن يكون المراد تفرد النعمان كما قاله ابن عدي. وأما قول ابن حبان أن النعمان يأتي عن الثقات بالطامات، فهو مثل كلام الدارقطني إلا أنه بالغ في الإنكار،وقد روى ابن حبان في كتاب (المجروحين) عن أحمد بن عبيد عن محمد بن محمد، وقول ابن الجوزي في كتاب (الضعفاء) أن الدارقطني طعن في محمد بن محمد بن النعمان، فالذي حكيناه من كلام الدارقطني هو الإنكار لا التضعيف، فيحصل من هذا إبطال الحكم عليه بالوضع، لكن غريب كما قال الدارقطني، وهو لأجل كلام ابن عدي صالح لأن يعتضد به غيره. وهذا الحديث كان ينبغي تقديمه على الأول لكونه من طريق نافع، ولكن أخرناه لأجل ما وقع من الكلام. ومما يجب أن ينتبه له أن حكم المحدثين بالإنكار والاستغراب قد يكون بحسب تلك الظروف فلا يلزم من ذلك رد متن الحديث بخلاف إطلاق الفقيه أن الحديث موضوع، فإن حكم على المتن من حديث الجملة، فلا جزم قبلنا كلام الدارقطني، ورددنا كلام ابن الجوزي والله أعلم. انتهى كلام المعترض على هذا الحديث وهو كما ترى ملفق مزوق غير محقق ولا مصدق، بل فيه من الوهم والإبهام والتلبيس والخبط والتخليط ودفع الحق وقبول الباطل ما سننبه على بعضه إن شاء الله تعالى. واعلم أن هذا الحديث المذكور منكر جداً لا أصل له، بل هو من المكذوبات والموضوعات، وهو كذب موضوع على مالك مختلق عليه، لم يحدث به قط ولم يروه إلا من جمع الغرائب والمناكير والموضوعات،ولقد أصاب الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في ذكره في الموضوعات (١) ، وأخطأ هذا المعترض في رده وكلامه، والحمل في هذا الحديث على محمد بن محمد بن النعمان لا على جده، كما ذكره الدارقطني في الحواشي على كتاب (المجروحين) لأبي حاتم بن حبان البستي. هذا المعترض لم يقف على كلام الدارقطني الذي نحكيه عنه، قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: النعمان بن شبل أبو شبل من أهل البصرة يروي عن أبي عوانة ومالك

стр. 84

والبصريين والحجازيين، روى عنه ابن أبنه محمد بن محمد بن النعمان بن شبل، حدثنا مالك عن نافع، عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني)) حدثنا أحمد بن عبيد (١) بهمذان، حدثنا محمد بن محمد (٢) بن النعمان بن شبل أبو شبل حدثنا جدي حدثنا مالك (٣) . هذا جميع ما ذكره ابن حبان في ترجمة النعمان بن شبل، وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني في الحواشي، على كتابه: هذا حديث غير محفوظ عن النعمان بن شبل إلا من رواية ابن ابنه، عن ابنه، والطعن فيه عليه لا على النعمان، ولقد صدق الحافظ أبو الحسن في هذا القول، فإن النعمان بن شبل إنما يعرف برواية هذا الحديث عن محمد بن الفضل بن عطية المشهور بالكذب، ووضع الحديث عن جابر الجعفي عن محمد بن علي عن علي بن أبي طالب، هكذا رواه الحافظ أبو عمر وعثمان بن خزاذ عن النعمان بن شبل كما تقدم ذكره. هذا الحديث الموضوع لا يليق أن يكون إسناده إلا مثل هذا الإسناد الساقط ولم يروه عن النعمان بن شبل عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر إلا ابن ابنه محمد بن محمد بن النعمان، وقد هتك محمد في رواية هذا الحديث ستره وأبدى عن عورته وافتضح بروايته حيث جعله عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (٤) ، ومن المعلوم أن أدنى من له علم ومعرفة بالحديث أن تفرد مثل محمد بن محمد بن النعمان بن شبل المتهم بالكذب والوضع عن جده النعمان بن شبل الذي لم يعرف بعدالة ولا ضبط ولم يوثقه إمام يعتمد عليه، بل اتهمه موسى بن هارون الحمال أحد الأئمة الحفاظ المرجوع إلى كلامهم في الجرح والتعديل الذي قال فيه عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ هو أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله ﷺ في وقته عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر بمثل هذا الخبر المنكر الموضوع من أبين الأدلة وأوضح البراهين على فضيحته وكشف عورته وضعف ما

стр. 85

تفرد به وكذبه ورده وعدم قبوله، ونسخه مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة معروفة مضبوطة رواها عن أصحابه رواة الموطأ وغير رواة الموطأ، وليس هذا الحديث منها، بل لم يروه مالك قط ولا طرق سمعه. ولو كان من حديثه لبادر إلى روايته عنه بعض أصحابه الثقات المشهورين، بل لو تفرد بروايته عنه ثقة معروف من بينسائر أصحابه لأنكره الحفاظ عليه، ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة، فكيف وهو حديث لم يروه عنه ثقة قط، ولم يخبر عنه عدل. وما ذكره المعترض عن عمران بن موسى أنه وثق النعمان بن شبل ليس بصحيح عنه، وعمران ليس م أئمة الجرح والتعديل المرجوع إلى أقوالهم، فلو ثبت عنه ما حكاه المعترض لم يرجع إلى قوله فكيف وهو لم يثبت عنه، فإنه ابن عدي قال في كتاب الكامل (١) حدثنا صالح بن أحمد بن أبي مقاتل، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا النعمان بن شبل وكان ثقة، هذا هو الذي حكاه ابن عدي من توثيق النعمان، ومنه نقل المعترض كما ذكره، وصالح بن أحمد بن أبي مقاتل شيخ ابن عدي يعرف بالقيراطي، وهو متهم بالكذب والوضع وسرقة الأحاديث فإن كان هو الموثق للنعمان بن شبل لم يقبل توثيقه، لأنه ضعيف في نفسه، فكيف يقبل توثيقه لغيره؟ وإن كان الموثق هو عمران بن موسى كما ذكره المعترض لم تقبل رواية صالح بن أحمد بن أبي مقاتل عنه ذلك، لأنه غير ثقة. وقال الدارقطني (٢) هو متروك كذاب دجال أدركناه ولم نكتب عنه يحدث بما لم يسمع، وقال ابن عدي (٣) يسرق الأحاديث ويرفع الموقوف ويصل المرسل وهو بين الأمر جداً وقال ابن حبان (٤) كتبنا عنه ببغداد يسرق الحديث ويقلبه،ولعله قد قلب أكثر من

стр. 86

عشرة آلاف حديث لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال البرقاني (١) : هو ذاهب الحديث وقال الخطيب (٢) ، كان يذكر بالحفظ غير أن حديثه كثير المناكير. فإذا كانت هذه حال صالح بن أحمد بن أبي مقاتل عن أئمة الجرح والتعديل فكيف يقبل توثيقه لرجل غير ثقة أو بصار إلى روايته التوثيق لغير عدل عمن لا يرجع إلى قوله ولا يلتفت إلى كلامه؟ فكيف يقدم مثل هذا التوثيق للنعمان بن شبل على قوم موسى بن هارون الحمال؟ إنه منهم وقد عرف أنه أراد تهمة الكذب، مع العلم بأن موسى بن هارون من كبار أئمة الصنعة وعلماء هذا الشأن العارفين بعلل الأحاديث المرجوع إلى قولهم وجرحهم وتعديلهم ولم يخالفه أحد في قوله هذا، بل وافقه عليه أبو حاتم بن حبان وغيره كما تقدم. ولو ثبت أن النعمان بن شبل وثقة من يعتمد على توثيقه ويرجع إلى تعديله لميكن في ذلك ما يتقضي قبول ما روى عنه في الزيادة، ولا قوته، فإن الحمل فيه على غيره والطعن فيه على ابن ابنه محمد بن محمد بن النعمان، كما ذكر ذلك شيخ الصنعة إمام عصره وفريد دهره ونسيج وحده الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني، ولم يخالفه أحد يعتمد على قوله (٣) . ومن العجب قول هذا المعترض في آخر كلامه على الحديث: فلا جرم قبلنا كلام الدرقطني ورددنا كلام ابن الجوزي مع أن كلام الدارقطني، وكلام ابن الجوزي متفق غير مختلف. فإن الدارقطني ذكر أن الحديث منكر، وأن الطعن والعمل فيه على محمد بن محمد بن النعمان وابن الجوزي ذكره في الموضوعات، وحكى قول الدارقطني محتجاً به، ومعتمداً عليه فقبول المعترض قول أحدهما ورده قول الآخر مع اتفاقهما في المعنى من باب الخبط والتخبيط وليس ذلك ببدع في كلامه وتصرفاته. والحاصل أن هذا الحديث الذي تفرد به محمد بن محمد بن النعمان عن جده عن مالك لا يحتج به ويعتمد عليه إلا من أعمى الله قبله، وكان من أجهل الناس بعلم المنقولات، ولو فرض أنه خبر صحيح وحديث مقبول لم يكن فيه حجة إلا على الزيارة

стр. 87

الشرعية وقد ذكرنا غير مرة أن شيخ الإسلام لا ينكر الزيارة الشرعية وإنما ذكر في جواب السؤال المشهور في السفر مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين قولين لأهل العلم (١) ، وذكر أن قوله من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء فيه احتراز عن السفر المشروع كالسفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ ، إذا سافر السفر المشروع فساف إلى مسجده، فصلى فيه وصلى عليه وسلم عليه ودعا، وأثنى كما يحبه الله ورسوله، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور،بل للصلاة في المسجد،فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لابد فيه من أن يقصد المسجد ويصلي فيه لقوله ﷺ : ((لقوله صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٢) ولقوله: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) (٣) . والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة قبر النبي، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين ولم يقل أحد من المسلمين أن السفر إلى زيارة قبر محرم مطلقاً، بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول كان هذا مستحباً مشروعاً باتفاق المسلمين، لم يكن هذا مكروهاً عند أحد منهم، لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره، وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ ، وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره لكن هم يعلمون ويقولون: إنه إنما يصلي إلى مسجده، وعلى اصطلاح هؤلاء من سافر إلى

стр. 88

مسجده وصلى فيه وزار قبره الزيارة الشرعية لم يكن هذا محرماً عند أئمة المسلمين بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه. فالسؤال والجواب كان من جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين كما يفعل أهل البدع ويجعلون ذلك حجاً أو أفضل من الحج أو قريباً من الحج، حتى روى بعضهم حديثاً ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من زار الخليل قال فيه: وقال وهب بن منبه إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم، فإن زيارته تعدل حجة، وهذا كذب على وهب بن منبه كما أن قوله من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة، كذب على رسول الله ﷺ (١) . وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكذابون لما فتح بيت المقدس واستنفذ من أيدي النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة فإن النصارى نقبوا قبل الخليل، وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحضرة، وأما على عهد الصحابة والتابعين وهب بن منبه وغيره فلم يكن هذا ممكناً، ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه سفر إلى قبل الخليل ﵇، ولا إلى قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ ولا غيرهم، ووهب بن منبه كان باليمن لم يكن بالشام ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء المتقدمين مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما. وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا ولكن أهل الضلال افتروا آثاراً مكذوبة على الرسول وعلى الصحابة والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي، أو الحسين أو إلى قبور الأئمة كموسى والجواد وغيرهما من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر، ليس لهم غرض في الحج إلى قبر الخليل وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً، فالكل قوم هدى يخالف هدي الآخرين قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا

стр. 89

فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ () مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ () مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم ٠٣٠) وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج وتارة نظير الحج، وتارة بدلاً عن الحج. فالجواب كان عن مثل هؤلاء، ولكن كان ذكر قبر نبينا لشمول الأدلة الشرعية، فإنه إذا احتج بقوله: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد لا إلى مجرد القبر، كما قال مالك للسائل الذي سأله من نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء ((لا تعمل المطي، إلا إلى ثلاثة مساجد)) وهذا كما لو نهى الناس أن يحلفوا بالمخلوقات، وذكر لهم قول النبي: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) (١) وقوله: لا تحلفوا بالله ونحوه، وقيل: إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم، فإذا قيل: ولا بالنبي لزم طرد الدليل، فقيل: ولا يحلف بالنبي ﷺ ، كما قاله جمهور العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، ومن الناس من يستثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف فجوز الحلف به وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلي وأتباعه وخصوه بذلك، وبعضهم طرد ذلك من الأنبياء، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات، لكن قول الجمهور أصح لأن النهي هو عن الحلف بالمخلوقات كائناً من كان كما وقع الني عن عبادة المخلوق، وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه وجعله نداً لله، وهذا متناول لكل مخلوق، نبينا وسائر الأنبياء والملائكة وغيرهم، فكذلك الحلف بهم والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه., ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال قيل تقصر الصلاة مطلقاً في كل سفر لزيارة القبور، وقيل:لا تقصر في شيء من ذلك: وقيل: تقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة وقيل: بل لزيارة قبره وسائر قبور الأنبياء، فالذين استثنوا نبينا قد يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق، فتقصر فيه الصلاة بخلاف السفر إلى قبر

стр. 90

غيره،فإنه سفر لمجرد القبر، وقد يستنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في الحلف، ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء. والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده ثم إن الناس أقسام منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده، ثم إذا صار إلى مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره فعلى ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استجابة وقصر الصلاة فيه، ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر ولا يقصد الصلاة في المسجد أولا يصلي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع ومنهم من يقصد هذا وهذا، فهذا لم يذكر في الجواب، إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ومن الناس من لا يقصد إلا القبر، لكن إذا أتى المسجد صلى فيه، فهذا أيضاً يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد والصلاة على النبي ﷺ والسلام عليه ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه ومحبته وموالاته والشهادة له بالرسالة والبلاغ وسؤال الله الوسيلة له ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده بأبي هو وأمي ﷺ . ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة فلا يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده، ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية فإذا رأى المسجد والحجرة تبني له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه وفعل ما يشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر بخلاف قبر غيره والله أعلم. قال المعترض وحديث آخر من رواية ابن عمر ذكره الدارقطني في العلل في مسند ابن عمر في حديث: ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل)) قال: حدثنا جعفر بن محمد الواسطي حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن الحسن الختلي، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا عون بن موسى، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً)) قيل للختلي إنما هو سفيان بن موسى، قال: اجعلوه عن ابن موسى، قال موسى بن هارون: ورواه إبراهيم بن الحجاج عن وهيب، عن أيوب، عن نافع مرسلاً عن النبي فلا أدري سمعه من إبراهيم بن الحجاج أم لا

стр. 91

وإنما لم أفرد الحديث بترجمة، لأن نسخة العلل للدارقطني التي نقلت منها سقيمة انتهى ما ذكره المعترض على هذا الحديث. والجواب أن يقال: هذا اللفظ المذكور غلط في هذا الحديث، حديث نافع عن ابن عمر ولفظ الزيارة فيه غير محفوظة (١) ، ولو كان محفوظاً لم يكن فيه حجة على محل النزاع، والمحفوظ في هذا عن أيوب السختياني ما رواه هشام الدستوائي وسفيان بن موسى عنه، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها كنت له شفيعاً أو شهيداً)) هذا هو حديث أيوب عن نافع ليس فيه ذكر الزيارة أصلاً، وكذلك رواه الحسن بن أبي جعفر الجعفري، وهو ضعيف عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ورواه وهيب عن أيوب، عن نافع مرسلاً عن النبي ﷺ ، ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب قال: نبئت عن نافع قال: قال رسول الله ﷺ ، قال موسى بن هارون، ووهيب وابن علية أثبت من الدستوائي، ومن الجعفري، ومن سفيان بن موسى، وقد ذكرنا ألفاظ هذا الحديث فيما تقدم، وذكرنا من رواه عن نافع من أصحابه، وحكينا ما ذكره الدارقطني وغيره في ذلك. وقد وقف على هذا المعترض على ما ذكره الدارقطني في كتاب العلل من الاختلاف في إسناد الحديث ومتنه، ولم ينقل منه إلا طريقاً واحدة أخطأ فيه الراوي ولفظاً واحداص وهم فيه الناقل وأعرض عن ذكر الطرق الواضحة والألفاظ الصحيحة، وهل هذا إلا عين الخذلان أن ينظر الرجل في ألفاظ الحديث، وطرقه في موضع واحد، فينقل منها الضعيف السقيم، ويدع القوي الصحيح من غير بيان لذلك، ثم يعتل بأن النسخة التي نقل منها سقيمة، وهذا الحديث الذي نقله المعترض من كتاب العلل للدارقطني أخطأ رواية في إسناده ووهم في متنه. أما خطؤه في إسناده فقوله عن عون بن موسى: وإنما هو سفيان بن موسى وهو شيخ من أهل البصرة، روى له مسلم في صحيح حديثاً واحداً متابعة يرويه عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة ووضع العشاء فابدوا بالعشاء، وقد

стр. 92

ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل عنه أباه فقال: مجهول (١) ، وذكره ابن حبان في كتاب (٢) الثقات. وأما وهمه في متنه فقوله: من زارني إلى المدينة، ولفظ الزيارة في حديث أيوب عن نافع ليس بصحيح، والمعروف من حديثه عنه: من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل، وأصح منه اللفظ الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة، وقد سبق هذا الحديث وذكر ألفاظه والكلام على معناه بما فيه كفاية وبالله تعالى التوفيق. قال المعترض الحديث السادس: ((من زار قبري أومن زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً)) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٣) ، قال: وقد سمعت المسند المذكور كله متفرقاً على أصحاب ابن حنبل، ثم أطال بذكر إسناده إلى أبي داود الطيالسي، قال: حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال: حدثني رجل من آل عمر، عن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: من زار قبري أو قال: من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة. والجواب أن يقال: هذا الحديث ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه، ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابهم فيه جعله المعترض ثلاثة أحاديث، وهو حديث واحد ساقط الإسناد، لا يجوز الاحتجاج به، ولا يصلح الاعتماد على مثله، كما سنبين إن شاء الله تعالى، وقد خرجه البيهقي في كتاب شعب الإيمان، وفي كتاب السنن الكبير. وقال في كتاب السنن بعد تخريجه، هذا إسناد مجهول (٤) ، قلت وقد خالف أبا

стр. 93

داود غيره في إسناده ولفظه، وسوار بن ميمون شيخه يقلبه بعض الرواة، ويقول ميمون بنسوار وهو شيخ مجهول لا يعرف بعدالة ولا ضبط ولا يشتهر بحمل العلم ونقله، وأما شيخ سوار في هذه الرواية، رواية ابي داود فإنه شيخ مهم،وهو أسوأ حالاً من المجهول، وبعض الرواة يقول فيه عن رجل من آل عمر كما في هذه الرواية، وبعضهم يقول عن رجل من ولد حاطب، وبعضهم يقول من آل الخطاب. وقد قال البخاري في تاريخه ميمون بن سوار العبدي عن هارون أبي قزعة عن رجل من ولد حاطب عن رسول الله ﷺ : ((من مات في أحد الحرمين)) قاله يوسف بن راشد. حدثنا وكيع حدثنا ميمون، هكذا سماه البخاري ميمون من رواية وكيع عنه ولم يذكر فيه عمر، وزاد فيه ذكر هارون وقال عن رجل من ولد حاطب، وفي هذا مخالفة لرواية أبي داود من وجوه. وقال في حرف الهاء من التاريخ (١) : هارون أبو قزعة عن رجل من ولد حاطب عن النبي ﷺ : ((من مات في أحد الحرمين)) روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه. وقال العقيلي في كتاب الضعفاء (٢) : هارون بن قزعة مدني، روى عنه سوار بن ميمون حدثني آدم قال: سمعت البخاري يقول: هارون بن قزعة مدني لا يتابع عليه هكذا ذكر العقيلي هارون بن قزعة والذي في تاريخ البخاري هارون أبو قزعة، وقد يكون اسم أبي هارون قزعة وهارون يكنى بأبي قزعة. ثم قال العقيلي: حدثنا محمد بن موسى، حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي، حدثنا شعبة عن سوار بن ميمون، عن هارن بن قزعة عن رجل من آل الخطاب، عن النبي ﷺ قال: ((من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة)) . قال العقيلي بعد ذكر هذا الحديث: والرواية في هذا لينة (٣) . قلت هكذا في هذه

стр. 94

الرواية عن رجل من آل الخطاب، وهو يوافق رواية الطيالسي، عن رجل من آل عمر وكأنه تصحيف من حاطب، والذي في تاريخ البخاري عن رجل من ولد حاطب، وليس في هذه الرواية التي ذكرها العقيلي ذكر عمر كما في رواية الطيالسي، وكذلك رواية وكيع التي ذكرها البخاري ليس فيها ذكر عمر أيضاً، فالظاهر أن ذكر وهم من الطاليسي وكذلك إسقاطه هارون من روايته وهم أيضاً، ومدار الحديث على هارون وهو شيخ مجهول لا يعرف له ذكر إلا في هذا الحديث، وقد ذكره أبو الفتح الأزدي، وقال: هو متروك الحديث لا يحتج به. وقال أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي (١) في كتاب الضعفاء والمتروكين له هارون أبو قزعة: روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه قاله البخاري. وقال أبو أحمد عدي في كتاب الكامل في معرفة الضعفاء وعلل الأحاديث (٢) : هارون أبو قزعة سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: هارون أبو قزعة روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه، قال ابن عدي، وهارون أبو قزعة لم ينسب، وإنما روى الشيء الذي أشار إليه البخاري. هذا جميع ما ذكره ابن عدي في ترجمة هارون، ولو كان عنده شيء من أمره غير ما قاله البخاري لذكره، كما هي عادته، فقد تبين أن مدار هذا الحديث على هارون أبي قزعة وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث الضعيف ولم يشتهر من حاله ما يوجب قبول خبره، ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولا ذكره الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى، ولم يذكره النسائي في كتاب الكنى أيضاً: وقد تفرد بهذا الحديث عن هذا الرجل المبهم الذي لا يدري من هو ولا يعرف أين من هو، ومثل هذا لا يحتج به أحد ذاق طعم الحديث أو عقل شيئاً منه، هذا مع أن رواية عن هارون شيخ مختلف في أسمه غير معروف يحتمل العلم ولا مشهور بنقله ولم يوثقه أحد من الأئمة ولا قوى خبره أحد منهم، بل طعنوا فيه وردوه ولم يقبلوه.

стр. 95

وقد خلط المعترض في هذه المواضع تخليطاً كثيراً، وجعل هذا الحديث الضعيف المضطرب ثلاث أحاديث، وأخذ يقويه على عادته في تقوية الضعيف، ثم أخذ يناقش من تكلم فيه ويبين حاله من الأئمة الحفاظ، وهذا دأب هذا المعترض يقوي الضعيف ويضعف القوي. قال: وسوار بن ميمون روى عنه شعبة، وروايته عنه دليل على ثقته عنده فلم يبق في الإسناد من ينظر فيه إلا الرجل الذي من آل عمر، والأمر فيه قريب لا سيما في هذه الطبقة التي هي طبقة التابعين. فيقال: لا نعرف رواية شعبة عن سوار إلا في هذا الحديث الضعيف المضطرب الإسناد، وقد زاد في روايته عنه على رواية الطيالسي ذكر هارون بن قزعة الجهول الذي لم يتابع على ما رواه، وأسقط ذكر عمر الذي ذكره الطيالسي، فإن كانت رواية شعبة عن سوار هي المحفوظة فالحديث غير صحيح لانقطاعه وجهالة رواته، فهو على التقديرين غير صحيح ولا ثابت، سواء صحت رواية شعبة عن سوار، أولم تصح، ولو روى شعبة خبراً عن شيخ له لم يعرف بعدالة ولا جرح عن تابعي ثقة عن صحابي كان لقائل أن يقول هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره، وليس في إسناد خبره من يحتاج إلى النظر غيره، فأما إذا كان في إسناد الخبر الذي رواه شعبة من الرواة من لا يحتج به غير شيخه، كما في هذا الخبر الذي رواه عن سوار لم يلزم أن يكون صحيحاً ولا قوياً. على أن الغالب على طريقة شعبة الرواية عن الثقات، وقد يروي عن جماعة من الضعفاء الذين اشتهر جرحهم والكلام فيهم الكلمة والشيء والحديث والحديثين وأكثر من ذلك، وهذا مثل روايته عن إبراهيم بن مسلم الهجري (١) وجابر الجعفي (٢) وزيد بن الحواري

стр. 96

العمي (١) وثوير بن أبي فاختة (٢) ومجالد بن سعيد (٣) وداود بنيزيد الأودي (٤) ، وعبيدة بن معتب الضبي (٥) ،ومسلم الأعور (٦) ، وموسى بن عبيدة الربذي (٧) ، ويعقوب بن عطاء بن أبي رباح (٨) ،

стр. 97

وعلي بن زيد بن جدعان (١) ، وليث بن أبي سليم (٢) ، وفرقد السخي (٣) ، وغيرهم ممن تكلم فيه ونسب إلى الضعف وسوء الحفظ وقلة الضبط ومخالفة الثقات. وسوار بن ميمون إن صحت رواية شعبة عنه من هذا النمط، بل هو دون كثير من هؤلاء الذين سميناهم ممن روى عنهم، وهو متكلم فيه، فإن بعض هؤلاء له حديث كثير وروايته تصلح للمتابعة والاعتضاد والاستشهاد (٤) . وأما سوار بن ميمون فإنه شيخ مجهول الحال قليل الرواية، بل لا يعرف له رواية إلا هذا الحديث الضعيف المضطرب، ومع هذا قد اختلف الرواة في أسمه ولم يضبطوه فبعضهم يقول ميمون بن سوار وبعضهم يقول: بالقلب سوار بن ميمون، والله أعلم هل كان اسمه سواراً أو ميموناً، فكيف يحسن الاحتجاج بخبر منقطع مضطرب نقلته غير معروفين وروائه في عداد المجهولين والله الموفق. ثم قول المعترض، ((فلم يبق في الإسناد من ينظر فيه إلا الرجل الذي من آل عمر والأمر فيه قريب)) كلام ساقط جداً، وقد بينا الاضطراب في هذا الرجل والاختلاف

стр. 98

في إسناد حديثه، وقول من قال فيه عن رجل م ولد حاطب وكون الرجل المبهم الذي هو أسوأ حالاً من المجهول في إسناد الحديث هو من بعض أسباب ضعفه. والحاصل أن هذا الحديث الذي رواه هذا الرجل المبهم حكم عليه بالضعف وعدم الصحة لأمور متعددة وهي: الاضطراب والاختلاف والانقطاع والجهالة والإبهام، فقول المعترض عن الرجل المبهم: ((والأمر فيه قريب)) كلام لا ينفعه ولا يحصل غرضه، بل لو ناقضه غيره، وقال، والأمر فيه بعيد لكان كلامه أقرب إلى الصحة وأبعد عن الخطأ من كلامه والله أعلم. ثم قال المعترض: وأما قول البيهقي هذا إسناد مجهول، فإن كان سببه جهالة الرجل الذي من آل عمر فصحيح، وقد بينا قرب الأمر فيه، وأن كان سببه عدم علمه بحال سوار بن ميمون فقد ذكرنا رواية شعبة عنه وهي كافية. والجواب أن يقال: هذا الذي ذكره البيهقي هو أحد أسباب رد الحديث وضعفه وعدم قبوله، وهو جهالة إسناده، وهذه الجهالة ثابتة للإسناد، محكوم بها عليه من جهة الرجل المبهم، ومن جهة الراوي عنه هارون بن أبي قزعة، ومن جهة سوار بن ميمون أيضاً فالإسناد محكوم عليه بالجهالة لإجماع هؤلاء المجهولين في سنده، مع أن الرجل المبهم فيه يكفي في الحكم عليه بالجهالة، فكيف إذا كان معه مجهول غيره. وقول المعترض: أنه قد بين قرب الأمر فيه، دعوى مجردة غير مطابقة فتقابل بالمنع والرد وعدم القبول، وقد تكلمنا على رواية شعبة عن سوار بما فيه كفاية وبينا أن الحديث ليس بصحيح سواء ثبتت روايته عنه أولم تثبت ونبهنا على أن شعبة قد يروي عمن لا يحتج به من الرواة الكلمة والشيء والخبر والخبرين وأكثر من ذلك والله أعلم. ثم قال المعترض الحديث السابع: ((من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة)) رواه أبو جعفر العقيلي وغيره من رواية سوار بن ميمون المتقدم على وجه آخر غير ما سبق، أخبرنا الحافظ أبو محمد إذناً قال: أنبأنا ابن الشبرازي في كتابه، أنبأنا ابن عساكر سماعاً، أنبأنا الشحامي، أنبأنا البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني علي بن عمر الحافظ، حدثنا أحمد بن محمد الحافظ، حدثني داود بن يحي، قال ابن عساكر، وأخبرنا أبو البركات بن الأنماطي، أنبأنا أبو بكر الشامي، أنبأنا أبو الحسن العتيقي، أنبأنا ابن الدخيل، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي، حدثنا محمد بن موسى، قالا: حدثنا

стр. 99

أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي، حدثنا شعبة عن سوار بن ميمون عن. . وفي حديث الشاحمي حدثنا هارون بن قزعة عن رجل من آل الخطاب عن النبي ﷺ قال: ((من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة)) زاد الشحامي، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت بلائها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة، وقالا: ((ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين)) وقال الشحامي: من الأمنين يوم القيامة. قال: وهارون بن قزعة ذكره ابن حبان في الثقات، والعقيلي لما ذكره في كتابه لم يذكر فيه أكثر من قول البخاري أنه لا يتابع عليه فلم يبق فيه إلا الرجل المبهم وإرساله وقوله فيه من آل الخطاب، كذا وقع في هذه الرواية وهو يوافق قوله في رواية الطيالسي من آل عمر، وقد أسنده الطيالسي عن عمر كما سبق، لكن أخشى أن يكون الخطاب تصحيفاً من حاطب، فإن البخاري لما ذكره في التاريخ قال: هارون أبو قزعة، عن رجل من ولد حاطب عن النبي ﷺ : ((من مات في أحد الحرمين)) روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه، وقال ابن حبان: إن هارون بن قزعة يروي عن رجل من ولد حاطب المراسيل، وعلى كلا التقديرين، فهو مرسل جيد، وأما قول الأذدي أن هارون: متروك الحديث لا يحتج به فلعل مسنده فيه ما ذكره البخاري والعقيلي وبالغ في إطلاق هذه العبارة، لأنها إنما تطلق حيث يظهر من حال الرجل ما يستحق به الترك وقد عرفت أن ابن حبان ذكره في الثقات، وابن حبان أعلم من الأزدي وأثبت، انتهى ما ذكره المعترض. والجواب أن يقال: هذا الحديث السابع الذي ذكره هو الحديث السادس بعينه فجعل المعترض له حديثين بل ثلاثة أحاديث، وهو حديث واحد ضعيف مضطرب مجهول الإسناد من أوهى المراسيل وأضعفها هو من باب التهويل والتكثير بما لا يحتج به، وما كفاه هذا حتى أخذ يقويه ويناقش من رده ويتكلم فيه، وقد علم أن ضعفه حصل بأمور متعددة وأشياء مختلفة، وهي: الاضطراب والاختلاف والجهالة والإرسال والانقطاع، وبعض هذه الأمور تكفي في ضعف الحديث ورده وعدم الاحتجاج به عند أئمة هذا الشأن فكيف باجتماعها في خبر واحد. وقوله: إن هارون بن قزعة ذكره ابن حبان في الثقات، ليس فيه ما يقتضي صحة الحديث الذي رواه ولا قوته، وقد علم أن ابن حبان ذكر في هذا الكتاب الذي جمعه في الثقات عدداً كبيراً وخلقاً عظيماً من المجهولين الذين لا يعرف هو ولا غيره أحوالهم،وقد

стр. 100

صرح ابن حبان بذلك في غير موضع من هذا الكتاب، فقال في الطبعة الثالثة (١) : سهل يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يعقوب ولست أعرفه، ولا أدري من أبوه، هكذا ذكر هذا الرجل في كتاب الثقات، ونص على أنه لا يعرفه. وقال أيضاً حنظلة (٢) شيخ يروي المراسيل لا أدري من هو؛ روى ابن المبارك عن إبراهيم بن حنظلة عن أبيه، وهكذا ذكره لم يزد، وقال أيضاً: الحسن أبو عبد الله (٣) شيخ يروي المراسيل، روى عنه أيوب النجار لا أدري من هو ولا ابن منهو، وقال أيضاً جميل (٤) شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة، روى عنه عبد الله بن عون، لا أدري من هو ولا ابن من هو. وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلفاً كثيراً من هذا النمط، وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح، وإن كان مجهولاً لم يعرف حاله، وينبغي أن ينبه لهذا ويعرف أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق، على أن ابن حبان قد اشترط في الاحتجاج بخبر من يذكره في هذا الكتاب شروطاً ليست موجودة في هذا الخبر الذي رواه هارون، فقال في أثناء كلامه، والعدل: من لم يعرف منه الجرح،إذ الجرح ضد التعديل، فمن لم يعرف بجرح فهو عدل يتبين ضده (٥) ، إذ لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الاشياء غير المغيب عنهم (٦) . هذه طريقة ابن حبان في التفرقة بين العدل وغيره، وقد وافقه عليها بعضهم وخالفه الأكثرون، وليس المقصود هنا تحرير الكلام على هذا، وإنما المراد التنبيه على إصلاح ابن حبان وطريقته، قال (٧) : فكل ن أذكر في الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا

стр. 101

تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن ذكرته في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره، أو يكون دونه رجل واه لا يحتج بخبره، أو الخبر يكون مرسلاً لا يلزمنا به الحجة، أو يكون منقطعاً لا تقوم بمثله الحجة، أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه. هذا كله كلام ابن حبان في كتاب الثقات، ثم أنه قال (١) : فيه هارون أبو قزعة يروي عن رجل من ولد حاطب المراسيل، كذا قال، ولم يذكر لهارون شيخاً غير هذا الرجل ولد حاطب، فلو قدرنا الرجوع إلى توثيق ابن حبان لهارون لم يلزم من ذلك الحكم بصحة خبره المذكور لفقد أكثر الشروط التي ذكرها ابن حبان في جواز الاحتجاج بالخبر فإن الشيخ الذي فوق هارون مبهم لا يحتج بخبره، والشيخ الذي دونه أيضاً لا يحتج بخبره والخبر مع هذا من أوهى المنقطعات، وأضعف المراسيل، فلو كان توثيق ابن حبان لهارون مقبولاً لم يكن في ذلك ما يقتضي صحة خبره المذكور فكيف وطريقة ابن حبان في هذا قد عرف ضعفها مع أنه قد ذكر في كتاب الثقات خلقاً كثيراً، ثم أعاد ذكرهم في المجروحين وبين ضعفهم وذلك من تناقضه وغفلته، أو من تغير اجتهاده وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن الصلاح عنه أنه غلط الغلط الفاحش في تصرفه. وأما قول المعترض في أثناء كلامه على الحديث: وعلى كلا التقديرين فهو مرسل جيد فإن قوله ساقط، بل هو من أضعف المراسيل وأسقطها، وكيف يكون مرسلاً جيداً ومرسله مجهول العين والحال واسم الأب، غير معروف بنقل العلم ولا مشهور بحمله، بل لم يأت ذكره إلا في هذا الحديث الضعيف المضطرب. ولو اطلع هذا المعترض على بعض كلام الشافعي وغيره من الأئمة في الاحتجاج ببعض المراسيل وترك الاحتجاج ببعضها لم يقل مثل هذا القول الساقط الذي يعرف بطلانه أدنى من يعد من طلبة الحديث. وها أنا أذكر طرفاً من كلام الأئمة على حكم المراسيل ليطلع عليه من أحب الوقوف عليه، ويتبين له أن قول المعترض على هذا الخبر أنه مرسل جيد، من أظهر الكلام بطلاناً. قال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل.

стр. 102

باب ما ذكر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحي بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً ويقول، هو بمنزلة الربح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه، حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، حدثنا علي بن المديني، قال: قلت ليحيى بن سعيد سعيد بن المسيب عن أبي بكر قال: ذاك شبه الريح، وبه قال: حدثنا علي بن المديني قال: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير،، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. وبه قال: حدثنا علي يعني ابن المديني قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء قلت: مرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاووس؟ قال: ما أقربهما، وبه قال: سمعت يحيى يقول: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلى من سفيان عن إبراهيم، قال يحيى: وكل ضعيف. حدثنا صالح حدثنا علي قال: سمعت يحيى يقول: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء، لأنه لو كان فيه إسناد لصاح به، وبه قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات أبي إسحاق يعني الهمداني عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي، ويحيى بن أبي كثير يعني مثله، وبه قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات ابن أبي خالد يعني إسماعيل بن أبي خالد ليس بشيء ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلى، وبه قال: سمعت يحي يقول: مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم وبيه قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: أي والله وسيفان بن سعيد، قلت: مرسلات مالك بن أنس، قال: هي أحب إلي، ثم قال: ليس في القوم أصح حديثاً من مالك، وبه قال: سمعت يحي يعني ابن سعيد القطان يقول: كان شعبة يضعف إبراهيم عن علي.

стр. 103

وقال ابن أبي حاتم:سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة (١) ، وروى الفضل بن زياد عن الإمام أحمد بن حنبل قال: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كان يأخذان عن كل أحد وروى عباس الدوري، عن يحي بن معين،قال: مراسيل الزهري ليس شيء. وقال البيهقي في كتاب المدخل: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعت عمي أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا ترى أصح من مرسلاته أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبوالعباس محمد بن يعقوب، أنبأنا الربيع بن سليمان أنبأنا الشافعي قال (٢) . والمنقطع مختلف فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور منها أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه، وإن الفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما يتفرد به من ذلك ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإنه وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله وهي أضعف من الأولى، وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروي عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن النبي ﷺ كان هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ ، ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمي من روي عنه لم يسم مجهولاً، ولا مرغوباً عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما روي عنه، ويكون إذا أشرك أحد من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كتاب في هذه دلائل

стр. 104

على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحداً قبول مرسله. قال: وإذا وجدنا الدليل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة ثبتت بها ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمي، وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحداً من حيث لو سمي لم يقبل، وإن قول بعض أصحاب رسول الله ﷺ إذا قال برأيه: لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظرنا فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب رسول الله ﷺ يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء. قال الشافعي: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم واحداً منهم يقبل مرسله لأمور: أحدها: أنهم تجوزوا فيمن يروون عنه. والآخر: أنهم تؤخذ عليهم الدلائل فيما أرسلوا لضعف مخرجه، والآخر كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه. هذا كله كلام الشافعي وقد تضمن أموراً: أحدها:أن المرسل إذا أسند من وجه آخر دل ذلك على صحة المرسل. الثاني: أنه إذا لم يسند من وجهة آخر نظر هل يوافقه مرسل آخر أم لا، فإن وافقه مرسل آخر قوي، لكنه يكون أنقص درجة من المرسل الذي أسند من وجه آخر. الثالث: أنه إذا لم يوافقه مرسل آخر ولا أسند من وجه لكنه وجد عن بعض الصحابة قول له يوافق هذا المرسل عن النبي ﷺ دل على أن له أصلاً ولا يطرح. الرابع: أنه إذا وجد خلق كثير من أهل العلم يفتون بما يوافق المرسل دل على أن له أصلاً. الخامس: أن ينظر في حال المرسل، فإن كان إذا سمي شيخه سمي ثقة وغير ثقة لم يحتج بمرسله، وإن كان إذا سمى لم يسم إلا ثقة لم يسم مجهولاً، ولا ضعيفاً مرغوباً الرواية عنه كان ذلك دليلاً على صحة المرسل، وهذا فصل النزاع في المرسل وهو من أحسن ما يقال فيه.

стр. 105

السادس: أن ينظر إلى هذا المرسل له، فإن كان إذا شرك غيره من الحفاظ في حديث وافقه فيه، ولم يخالف، دل ذلك على حفظه، وإن خالفه ووجد حديثه أنقص، إما نقصان رجل يؤثر في اتصاله أو نقصان رفعه بأن يقفه، أو نقصان شيء من متنه كان في هذا دليل على صحة مخرج حديثه، وإن له أصلاً، فإن هذا يدل على حفظه وتحريه بخلاف ما إذا كانت مخالفته بزيادة، فإن هذا يوجب التوقف والنظر في حديثه. وهذا دليل من الشافعي ﵁ على أن زيادة الثقة عنده لا يلزم أن تكون مقبولة مطلقاً، كما يقوله كثير من الفقهاء من أصحابه وغيرهم، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه ولم يعتبر المخالف بالزيادة وجعل نقصان هذا الرواي من الحديث دليلاً على صحة مخرج حديثه، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضر ذلك بحديثه، ولو كانت الزيادة عنده مقبولة مطلقاً لم يكن مخالفته بالزيادة مضراً بحديثه. السابع: أن المرسل العاري عن هذه الاعتبارات والشواهد التي ذكرها ليس بحجة عنده. الثامن: أن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به ولا يلزم لزوم الحجة بالمتصل وكأنه رضي عنه سوغ الاحتجاج به ولم ينكر على مخالفه. التاسع: أن مأخذ رد المرسل عنده إنما هو احتمال ضعف الواسطة، وأن المرسل لو سماه لبان أنه لا يحتج به، وعلى هذا المأخذ، فإذا كان المعلوم من عادة المرسل أنه إذا سمي لم يسم إلا ثقة، ولم يسم مجهولاً كان مرسله حجة، وهذا أعدل الأقوال في المسألة وهو مبني على أصل وهو أن رواية الثقة عن غيره هل هي تعديل له أم لا. وفي ذلك قولان مشهوران هما:روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، والصحيح: حمل الروايتين على اختلاف حالين، فإن الثقة إذا كان من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كانت روايته عن غير تعديلاً له،إذ قد علم ذلك من عادته، وإن كان يروي عن الثقة وغيره لم تكن روايته تعديلاً لمن روى عنه وهذا التفصيل اختيار كثير من أهل الحديث والفقه والأصول،وهو صحيح. العاشر: إن المرسل من بعد كبار التابعين لا يقبل ولم يحك الشافعي عن أحد قبوله لتعدد الوسائط ولأنه لو قبل لقبل مرسل المحدث اليوم وبينه وبين الرسول ﷺ أكثر من عشرة، وهذا لا يقوله أحد من أهل الحديث.

стр. 106

إذا عرفت هذا ظهر لك خطأ المعترض في قوله عن خبر هارون أبي قزعة عن رجل من ولد حاطب أنه مرسل جيد، وتبين لك أن مثل هذا القول لم يقله أحد من أئمة أهل الحديث، ويكف يكون مرسلاً جيداً، ومرسله ليس بمعروف أصلاً، بل هو مجهول العين، والحال، والبلد، والاسم، واسم الأب، وراويه عنه مجهول لم يتابع على ما رواه، وراويه عنه أيضاً مجهول لم يعرف من حاله ما يوجب قبول روايته، بل قد اختلف الرواة في اسمه، واسم أبيه، ولا يعرف ذكره في غير هذا الخبر المرسل الضعيف المضطرب الذي رده الأئمة وطعنوا فيه ولم يقبلوه، ولم نعلم أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين قوي هذا الخبر واحتج به غير هذا المعترض على شيخ الإسلام، وجميع ما تفرد به خطأ فاعلم ذلك والله الموفق. ثم قال المعترض وقد روى عن هارون بن قزعة أيضاً مسنداً بلفظ آخر: وهو الحديث الثامن: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حاتي)) رواه الدارقطني وغيره، أخبرنا الحافظ أبو محمد الدمياطي سماعاً عليه في كتاب السنن للدارقطني، قال: أنبأنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل، أنبأنا الويرج، أنبأنا الأخشيد، أنبأنا إبراهيم بن عبد الرحيم، أنبأنا الدارقطني، حدثنا أبو عبيد والقاضي أبو عبد الله، وابن مخلد قالوا: حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا وكيع، حدثنا خالد بن أبي خالد، وأبو عون، عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة عن رجل من آل حاطب، عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات بأحد الحرمين بعث من الأمنين يوم القيامة)) . هكذا هو في سنن الدارقطني، وأنبأنا به أيضاً عبد المؤمن، أنبأنا ابن الشيرازي أنبأنا ابن عساكر، أنبأنا قراتكين التركي، أنبأنا الجوهري، أنبأنا علي بن محمد بن لؤلؤ، أنبأنا زكريا الساجي، قال ابن عساكر: وأنبأ أحمد بن محمد البغدادي، أنبأ ابن شكرويه، ومحمد بن أحمد السمسار، قالا: أنبأنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأنا المحاملي قال: حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا وكيع، حدثنا خالد بن أبي خالد وابن عون عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة، وأنبأ عبد المؤمن أيضاً أنبأ أبو نصر، أنبأ ابن عساكر، أنبأ علي بن إبراهيم الحسيني، أنبأنا رشاء بن نظيف المقري، أنبأنا المحسن بن إسماعيل الضراب، أنبأنا أحمد بن مروان المالكي، حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري، حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا وكيع بن الجراح، عن خالد

стр. 107

وابن عون، عن هارون بن أبي قزعة، مولى حاطب، عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين يبعث يوم القيامة من الآمنين)) . كذا وقع في رواية أحمد بن مروان المالكي، وهو صاحب المجالسة: عن هارون عن حاطب، والذين رووا عن رجل، عن حاطب كما تقدم أولى بأن يكون الصواب معهم، انتهى ما ذكره المعترض. والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي جعله حديثاً ثامناً هو بعينه الحديث السادس والسابع فهو حديث واحد ضعيف مضطرب الإسناد وهذه الرواية التي ذكرها تزده إلا اضطراباً في الإسناد، وفي المتن أيضاً، وقد خرجها البيهقي في كتاب (شعب الإيمان) من طريق الدارقطني، ثم قال: كذا وجدته في كتابي، وقال غيره: سوار بن ميمون: وقيل ميمون بن سوار، ووكيع هو الذي يروي عنه أيضاً وفي تاريخ البخاري ميمون بن سوار العبدي، عن هارون ابن قزعة، عن رجل من ولد حاطب عن رسول الله ﷺ : ((من مات في أحد الحرمين)) قال يوسف بن راشد: حدثنا وكيع، حدثنا ميمون. والحاصل أن هذه الرواية المذكورة عن محمد بن الوليد، عن وكيغ لم تزد الحديث إلا ضعفاً واضطراباً في إسناده، وفي لفظه، فالحديث حديث واحد ضعيف مجهول الإسناد مضطرب اضطراباً شديداً، ومداره على هارون أبي قزعة، وقيل ابن قزعة، وبعض الرواة يذكره وبعضهم يسقطه، وشيخه الرجل المبهم بعضهم يذكره وبعضهم يسقطه وبعضهم يقول فيه: عن رجل من آل عمر، وبعضهم يقول:عن رجل من آل الخطاب، وبعضهم يقول: عن رجل من ولد حاطب، ثم بعضهم يسنده عن عمر، وبعضهم يسنده عن حاطب، وبعضهم يرسله ولا يسنده، لا عن حاطب، ولا عن عمر وهو الذي ذكره البخاري وغير واحد. ثم الراوي عن هارون يسميه بعض الرواة سوار بن ميمون ويقلبه بعضهم فيقول ميمون بن سوار، ويسميه بعضهم الأسود بن ميمون، ولا يرتاب من عنده أدنى معرفة بعلم المنقولات أن مثل هذا الاضطراب الشديد من أقوى الحجج وأبين الأدلة على ضعف الخبر وسقوطه ورده وعدم قبوله، وترك الاحتجاج به، ومع هذا الاضطراب الشديد في الإسناد فاللفظ مضطرب أيضاً اضطراباً شديداً مشعراً بالضعف وعدم الضبط. وأما ما وقع من الزيادة في الإسناد عن وكيع عن خالد بن أبي خالد، وأبي عون أو

стр. 108

ابن عون عن الشعبي، أو بإسقاط الشعبي، فإنها زيادة منكرة غير محفوظة، وليس للشعبي مدخل في إسناد هذا الحديث، وخالد بن أبي خالد، وأبو عون أو ابن عون قد ذكر في الرواية الأولى أنهما يرويان عن الشعبي، وفي الأخرى أنهما يرويان عن هارون بن أبي قزعة ولم يذكر في الأولى عمن أسند الشعبي الحديث وأسقط في الآخر ذكره بالكلية وذكر الرجل الذي يروي عنه هارون الحديث، وكل ذلك مشعر بشدة الضعف وعدم الضبط. وقوله عن خالد بن أبي خالد وهم،وإنما هو ابن أبي خلده، قال البخاري في تاريخه (١) ، خالد بن أبي خلدة الحنفي الأعور سمع الشعبي وإبراهيم، وروى عنه الثوري ومروان بن معاوية منقطع. وقال ابن أبي حاتم (٢) : خالد بن أبي خلده الحنفي الأعور، روى عن الشعبي وإبراهيم النخعي وذر روى عنه الثوري وابن عيينة ومروان بن معاوية سمعت أبي يقول ذلك. والحاصل: أن ذكر هذه الزيادة المظلمة في الإسناد لم تزد في الحديث قوة، بل لم تزده إلا ضعفاً واضطراباً، فقد تبين أن هذا الحديث الذي احتج به المعترض على شيخ الإسلام وجعله ثلاثة أحاديث هو حديث واحد غير صحيح، ولو فرض أنه حديث صحيح ثابت لم يكن فيه دلالة على غير الزيادة على الوجه المشروع، وقد قدمنا غير مرة أن شيخ الإسلام لم ينكر الزيادة الشرعية ولم ينهه عنها ولم يكرها، بل ندب إليها واستحبها وحض على فعلها. وقد قال في أثناء كلامه في الجواب عما اعترض به عليه بعض المالكية بعد أن ذكر لفظنه فقال (٣) : قال المعترض: وورد في زيادة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح. قال: والجواب من وجوه:

стр. 109

أحدهما: أن يقال لو ورد في ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيادة وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيادة ولا حكى في ذلك نزاع في ذلك الجواب، وإنما فيه ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع. الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء أنه يستحب زيارة قبره ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلم عليه ويصلي عليه ويدعي له ويثني عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويصل إليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب، وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع، فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يتسحب هذا وهو المراد بزيارة قبره، فزيارة قبره بهذا المعنى، من مواقع الإجماع لا من موارد النزاع. الثالث: أن نقول قول القائل: أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة قول لم يذكر عليه دليلاً، فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب وهو لم يذكر شيئاً من تلك الأحاديث كما ذكر قوله: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) (١) وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئاً من الحديث الصحيح فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع. الرابع: أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيحين، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئاً من ذلك ولا أرباب السنن المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي، والترمذي، ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك ولا في مسند الشافعي، نحو ذلك شيء من ذلك،

стр. 110

ولا احتج إمام من الأئمة المسلمين كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث، ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن. الوجه الخامس:قوله وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح لكنها يجوزالاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح، فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده أن الأحاديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف، والضعيف قد يكون موضوعاً فعلم أنه كذب وقد لا يكون كذلك فما ليس بصحيح إن كان حسناً على هذا الإصطلاح احتج به وهو لم يذكر حديثاً وتبين أنه حسن يجوز الاستدلال به،فيقول له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة فتقابل بالمنع. الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به بل كلها ضعيفة بل موضوعة كما قد بسط في مواضع وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثاً، بل ولا عرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفاً عندهم، ولهذا كره مالك التكلم، به بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقاً، فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه وفي القرآن الكريم ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر ٠٠١-٠٠٢) لكن معناه عندالأكثرين الموت وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر. وأما لفظ قبر النبي ﷺ المخصوص فلا يتعرف لا عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه وكل ما يروى فيه هو ضعيف، بل هو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث كما قد بسط هذا في مواضع. الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل، وأبي داود احتجوا إما بفعل ابن عمر (١) كما احتج بذلك مالك وأحمد وغيرهما، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه
следующие страницы →