← Акыда

Акыда · id 8622

الصارم المنكي في الرد على السبكي

ابن عبد الهادي

Полный текст (343 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أولا يسافر إلا للحج، والقادم قد يقيم بالمدينة الشعر والشهر، فهذا يرد عليه عشر مرات في اليوم والليلة وأكثر كلما دخل وكلما خرج وذلك المدني المقيم لا يرد عليه قط في عمره ولا مرة. وأيضاً استحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة وهو الذي يسمى طواف القدوم التحية وطواف الورود وعند الصدر، وهو الذي يسمى طواف الوداع، وهذا تشبيه لبيت المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالاجماع، بل ولا الصلاة إليها كما ثبت عنه ﷺ في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) (١) . وأيضاً فالطواف بالبيت يشرع لأهل مكة ولغيرهم، كلما دخلوا المسجد، والوقوف عند القبر كلما دخل المدينة لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة، ولا نظير في الشريعة، ولا هو بما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة، فلا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسننه، وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أنه يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعاً من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من سنة الرسول ﷺ وشريعته وحكمه ولم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز. ونظير هذا مسحه للقبر، قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله يعني الإمام أحمد بن حنبل، قبل النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ قال: ما أعرف هذا قلت له فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم، قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه مسح على المنبر (٢) ، قال: ويرونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، قلت: ويروي عن يحيى بن سعيد، يعني الأنصاري شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسن ذلك، ثم قال: لعله

стр. 142

عند الضرورة والشيء، قلت لأبي عبد الله: أنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر، وقلت

стр. 143

له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحيته فيسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل ذلك، ثم قال أبو عبد الله، بأبي وأمي ﷺ . وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضاً في منسك المرودي نظير ما نقل عن ابن عمر، وابن المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله إنما يدل على التسويغ، وإن هذا مما فعله بعض الصحابة فلا يقال: انعقد اجماعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيء من عنده. وأما أن يقال: أن الرسول ﷺ ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف، ولا يجوز أن

стр. 144

يقال أن الله ورسوله يحب ذلك أو يكره وأنه سن ذلك وشرعه، أو نهى ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا سيما إن عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ونظائر هذا متعددة والله أعلم. والمؤمن قد يتحرى الدعاء والصلاة في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك، فمثل هذا إذا لم يكن منهياً عنه، فلا بأس به، ويكون ذلك مستحباً في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون؛ وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له، وكونه أرغب فيه، وهو أحب إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه، فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع كما ثبت أن الصلاة أفضل ثم القراءة. ثم الذكر بالادلة الشرعية، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة، لأنه نهي أن يقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً وكفضيلة الدعاء في الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائر هذا متعددة وبسط هذا له موضع آخر. لكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل: أنه مستحب للأمة وقد نبدهم إليه الرسول ﷺ ورغبهم فيه، فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف إلى الرسول ﷺ إلا ما صدر عنه، والرسول ﷺ هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته واتابعه وإيجاب ما أوجبه، وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه، وبه فرق الله بين الهدى والضلال: والرشاد والبغي والحق والباطل، والمعروف والمنكر. وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم وأنه على صراط مستقيم، الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء ٠٨٠) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (النساء ٠٦٤) وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن

стр. 145

الإيمان به وإتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور (١) ، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف ٠٠٦) وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه، وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة، ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء ٠١٣-٠١٤) والوعد بسعادة الدنيا والآخرة والوعيد بشقاوة الدنيا والآخرة يتعلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم، وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى، وأصحابها هم أولياء الله المتقون، وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، والمخالفون لهم هم أعداء الله حزب إبليس اللعين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان ٠٢٧-٠٢٩) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب ٠٦٦-٠٦٨) وقال تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران ٠٣٢) وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء ٠٦٥) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور ٠٦٣) وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ

стр. 146

الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء ٠٦٩) ذلك الفضل من الله. وجميع الرسل أخبروا بأن الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (النساء ٠٦٤) يأمرون بعبادة الله وجده وتقواه وحده وخشيته وحده ويأمرون بطاعتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور ٠٥٢) وقال نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (نوح ٠٠٣) وقال في الشعراء ((فاتقوا الله وأطيعون)) وكذلك قال هود وصالح ولوط وشعيب، والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول ﷺ وطاعته في كل زمان ومكان ليلاً ونهاراً سفراً وحضراً، سراً وعلانية، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب، بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته. وكما قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (الليل ٠١٤-٠١٦) أي كذب بما أخبر به وتولى عن طاعته، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (القيامة ٠٣١-٠٣٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (٠) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (المزمل ٠١٥-٠١٦) وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ (النساء ٠٤١-٠٤٢) والله تعالى قد سماه سراجاً منيراً، وسمي الشمس سراجاً وهاجاً، والناس إلى السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم يحتاجون إليه ليلاً ونهاراً سراً وعلانية، وهو أنفع لهم، فإنه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى. ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول ﷺ والإيمان به وطاعته، ومحبته وموالاته وتعظيمه وتعزيزه وتوقيره عامة في كل مكان وزمان، كان ما يؤمر به من حقوقه عاماً لا يختص بقبره، فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلاً بقدر الرسول ﷺ وقدر ما أمر الله به من حقوقه، وكل من اشتغل بما أمر الله به من طاعته شغله ذلك عما نهى عنه من البدع المتعلقة بقبره وقبر غيره، ومن اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به

стр. 147

الرسول ﷺ من حقه، فطاعته هي مناط السعادة والنجاة والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول ﷺ وأشركوا بالرب ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد، والإيمان بالرسول ﷺ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذين الأصلين ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين كما بسط هذا في موضعه، والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين يدخلون المسجد، ويصلون فيه الصلوات الخمس ويصلون على النبي ﷺ ويسلمون عليه عند دخول المسجد وبعد دخوله ولم يكونوا يذهبون ويقفون إلى جانب الحجرة ويسلمون عليه هناك، وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد، ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار. ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتاً جبر بن عبد الله وهو توفي خلافة عبد الملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد توفي سنة ست وثمانين وتوفي سنة ست وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك. وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة التميري في كتاب أخبار مدينة رسول الله ﷺ عن إشاخة وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه، ثم ذكر الشيخ الآثار المروية في عمارة عمر بن عبد العزيز المسجد وزيادته فيه، وذكر أن حكم الزيادة حكم المزيد فقال (١) : وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة (٢) ، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه

стр. 148

والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجاً منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمة حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون عن العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. قال أبو زيد: حدثني محمد بن يحيى، حدثني من أثق (١) به أن عمر زاد في المسجد من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم، قال، فأما الذي لا يشك فيه أهل بلدنا أن عثمان هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم، ثم لم تغير بعد ذلك قال أبو زيد، حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن عثمان، عن مصعب بن ثابت، عن خباب أن النبي ﷺ قال يوماً وهو في مصلاه: ((لو أردنا في مسجدنا)) وأشار بيده نحو القبلة (٢) .

стр. 149

حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذلب قال: قال عمر: لو مد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه، حدثنا محمد بن يحيى عن سعيد بن سعيد، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو بني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي)) فكان أبو هريرة يقول: والله لومد هذا المسجد إلى داري ما عدوت أن أصلي فيه (١) . حدثنا محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن فليح بن سليمان، عن ابن أبي عمرة قال: زاد عمر في المسجد في شاميه، ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ (٢) ، قال: وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل على كلام الأئمة المتقدمين وعملهم فإنهم قالوا: إن الصلاة الفرض خلف الإمام أفضل وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان فإن كليهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا لكن رأيت بعض المتأخرين، قد ذكر أن الزيادة ليس من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفاً من العلماء. قال (٣) : وهذه الأمور تبنها عليها هاهنا، فإنه يحتاج إلى معرفتها. أكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك، وكان المقصود أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة، كان قد مات عامة الصحابة، ولم يبق إلا من أدرك النبي ﷺ ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطاهرة والصلاة، ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين. وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين، وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة، ويقال لها سنة

стр. 150

الفقهاء، وجابر بن عبد الله، وكان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة ولم يكن بقي من هؤلاء غيره لما مات، وذلك قبل تغيير المسجد بسنين، ولم يبق بعد ممن كان بالغاً حين موت النبي ﷺ إلا سهل بن سعد الساعدي، فإنه توفقي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، ولهذا قيل فيه: أنه آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ ، كما قال أبو حاتم البستي وغيره، وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغاراً مثل السائب بن يزيد الكندي ابن أخت نمر، فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل: أنه مات بعده عبد الله بن أبي طلحة الذي حنكه النبي ﷺ ، وكذلك محمود بن الربيع الذي عقل مجه ومجها رسول ﷺ في وجه من بئر كان في دارهم وله خمس سنين، مات سنة تسع وتسعين وله ثلاث وتسعون سنة، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سماه النبي ﷺ أسعد باسم أسعد بن زراره مات سنة مائة. لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته من التميز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة مثل ما ينقلها جابر وسهل بن سعد وغيرهما، وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك بعد قتل ابن الزبير بمكة سنة أربع وسبعين، وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة ثمان وستنين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغير المسجد وإدخال الحجرة فيه، وأنس بن مالك كان بالبصرة، ولم يكن بالمدينة وقيل: أنه آخر من مات بها من الصحابة. وكان حجر أزواج النبي شرقي المسجد وقليلة، وقبل، وشامية فاشتريت من ملاكها ورثة أزواجه وزيدت في المسجد، فدخلت حجرة عائشة، وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة فسد باب الحجرة وبنوا حائطاً آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلم عليه لما كان جداراً واحداً. قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعاً في المسجد لكان له حد ذراع أو ذراعان، أو ثلاثة فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب فيه هذا السلام والمكان الذي لا يستحب فيه، فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه، قيل: وكذلك من كان خارج المسجد، وإلا فما الفرق حينئذ فيلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في كل صلاة كما ظنه بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك، وإن قيل: يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة، قيل: فما حد ذلك وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة، كما استحب ذلك مالك وغيره، ولكن

стр. 151

يقال فما حد ذلك القرب، وإذا جعل له حد، فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب، وآخرون من المتآخرون يستحبون التباعد عن الحجرة كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فهل هو يذراع، أو باع أو أكثر وقدرة من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع، فإنهم قالوا: يكون حين يسلم عليه مستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ولا يدنوا أكثر من ذلك، وهذا والله أعلم قاله المتقدمون، لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جوابه المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد ولا يستقبل به القبلة ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد. وبالجملة: فمن قال أنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد فلا بد من تحديد مكان ذلك، فإن قال: إلى أن يسمع ويرد السلام، فإن حد في ذلك ذراعاً، أو ذراعين أو عشرة أذرع، أو قال: إن ذلك في المسجد كله، أو خارج المسجد، فلا بد له من دليل والأحاديث الثابتة عنه فيها أن الملائكة يبلغونه صلاة من صلى عليه وسلم من يسلم عليه ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه ذلك، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان، فلا بد له من حد معلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، وما أحد يحد في ذلك حداً إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق. وأيضاً فذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأصوات وانخفاضها، والسنة للمسلم في السلام عليه خفض الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك بخلاف المسلم من الحجرة فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته فالمسلم عليه إذا رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في المسجد وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على صاحبه، كما يصلي على من صلى عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر. وبالجملة فهذا الموضوع فيه نزاع قديم بين العلماء وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم، ولهذا لما تتبعت وجدت روايتها إما كذاب وإما ضعيف سيئ الحفظ ونحو ذلك، كما قد بين في غير هذا الموضع، وهذا الحديث الذي فيه: ((ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى

стр. 152

أرد ﵇) (١) ، قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، وقيل: هو على شرط مسلم وهو معروف من حديث حيوه من شريح المصري الرجل الصالح الثقة، عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، وأبو صخر هذا متوسط، ولهذا اختلف فيه عن يحيى بن معين فمرة، قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي ومرة قال: لا بأس به ووافقه أحمد. فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث، ولو أريد إثبات سنة رسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفاً فيه فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه، ومسلم روى بهذا الإسناد قوله ﷺ : ((من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد،ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)) (٢) وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة (٣) وعائشة (٤) من غير هذا الطريق، ومسلم قد يروي عن الرجل المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كثير من أهل العلم يمتنعوا أن يقولوا في مثل ذلك: هو على شرط مسلم، أو البخاري، كما بسط هذا في موضعه. الوجه الثامن: من أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف عن الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروف عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ ، فلما كرهوا هذا القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر لا عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه.

стр. 153

الوجه التاسع: إن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره، إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لمن قد يختلف الحكم بينه كما تقدم، وأما زيارة قبره كما هو المعروف في زيارة القبور، فلهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع، وبهذا يظهر أن الذين كرهوا أن يسموا هذا زيارة لقبره قولهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها أو في غير المساجد أيضاً، ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة لقبره، ولا فيه ما يختص بالقبر، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر كان قول من كره أن يسمي هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص والاجماع، والذين قالوا: يستحب زيارة قبره، إنما أرادوا هذا فليس بين العلماء خلاف في المعنى، بل في التسمية والإطلاق. والمجيب لم يحك نزاعاً في استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده وبعضهم يسميها زيارة لقبره، وبعضهم يكره أن تسمي زيارة لقبره والمجيب يستحب منا يستحب بالنص والإجماع وقد ذكر ما فيه النزاع كان الحاكي عند خلاف ذلك كاذباً مفترياً يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين. ثم حكى الشيخ عن المعترض المالكي أنه قال: وتضافرت النصوص عن الصحابة والتابعين، وعن السادة العلماء المجتهدين بالحض على ذلك والندب إليه والغبطة لمن سارع لذلك وداوم عليه، حتى نحا بعضهم في ذلك إلى الوجوب، ورفعه عن درجة المباح والمندوب، ولم يزل الناس مطبقين على ذلك قولاً وعملاً لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه حولاً. وفي مسند ابن أبي شيبة: ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائباً سمعته)) (١) قال الشيخ: هكذا في النسخة التي حضرت إلي مكتوبة عن المعترض، وقد صحح على (سمعه) وهو غلط، فإن لفظ الحديث من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائباً بلغته، هكذا ذكره الناس، وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة

стр. 154

وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض. وهذا الحديث قد رواه البيهقي من حديث العلاء بن عمرو الحنفي، حدثنا أبو عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائباً بلغته)) قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر وقد مضى ما يؤكده. قلت (١) : هو تبليغ صلاة أمته وسلامه عليه، كما في الأحاديث المعروفة، مثل الحديث الذي في سنن أبي داود عن حسين الجعفي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت، فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) . وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، ورواه أبو حاتم، قال البيهقي: وله شواهد، وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة، وله شواهد أجود مما ذكره البيهقي، منها ما رواه ابن ماجه، حدثنا عمرو بن سواد المصري، حدثنا عبد الله بن وهيب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه مشهود وتشهد الملائكة، وإن أحداً لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها، قال: قلت وبعد الموت؟ قال وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ، ورواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار من حديث سعيد بن أبي هلال كما تقدم. ومنها ما رواه أبو داود وغيره، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي أنه قال ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) وهذا له شواهد مراسيل من وجوه مختلفة يصدق بعضها بعضاً، منها ما رواه سعيد بن منصور في سننه، حدثنا، حبان بن علي، حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد

стр. 155

مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) . وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ،فقال: إذا دخل المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن النبي ﷺ : ((لا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، ما أنت ومن بالأندلس منه إلا سواء)) رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ ولفظه: وقال: ما لي رأتيك وقفت، قلت: وقفت أسلم على النبي ﷺ ، فقال: ((إذ دخلت المسجد فسلم)) ، وذكر الحديث ولم يذكر قول الحسن، وقال إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، عن وهيب، عن أيوب السختياني قال: بلغني والله أعلم أن ملكاً موكل بكل من صلى على النبي ﷺ حتى يبلغه النبي ﷺ . وأما السلام ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((إن لله ملائكة سياجين يبلغونني عن أمتي السلام)) وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلي الموصلي، وقد تقدم إسناده عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فنهاه، وقال ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)) . فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان تصدق بعضها بعضاً، وهي منفقة على أن من صلى عليه وسلم من أمته فإنه ذلك يبلغه ويعرض عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي عليه والمسلم بنفسه، إنما فيها إن ذلك يعرض عليه ويبلغه ﷺ تسليماً، ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذي أمر الله به، سواء صلى عليه وسلم في مسجده، أو مدينته، أو مكان آخر، فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه. وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه، وذلك كالسلام على سائر المؤمنين، ليس هو من خصائصه ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشراً، كما يصلي

стр. 156

على من صلى عليه عشراً، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان، وقد تقدم حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع في معنى كونه عند القبر هل المراد في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى، إنما هو لمن كان عند قبورهم قريباً منها، أو يراد به من كان في الحجرة، كما قاله طائفة من السلف والخلف. وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أولاً يستحب بحال، وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة، فأما ذاك الحديث وإن كان معناه صحيحاً فإسناده لا يحتج به، وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير عن الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة بالحديث، وهو عندهم موضوع على الأعمش. قال عباس الدوري عن يحيى بن معين (١) : محمد بن مروان ليس بثقة، وقال البخاري (٢) ، سكتوا عنه لا يكتب حديثه البته، وبقال الجوزجاني: ذاهب الحديث، وقال النسائي (٣) ، متروك الحديث، وقال صالح جزره: كان يضع الحديث، وقال أبو حاتم الرازي (٤) والأزدي: متروك الحديث، وقال الدارقطني (٥) ، ضعيف وقال ابن حبان (٦) : لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً ولا الاحتجاج به بحال، وقال ابن عدي (٧) ، عامة ما يرويه غير محفوظ والضعف على رواياته بين. فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث مع أنا قد بينا صحة معناه بأحاديث أخر، وهو لو كان صحيحاً فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى نائباً، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما قد

стр. 157

وجدته منقولاً عن هذا المعترض، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، إنما بقوله بعض الجهال يقولون: إنه يوم الجمعة وليلة الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من صلى عليه، فالقول: بأنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة، وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من بعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه، فهذه مكابرة، وإن أراد إنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من البعد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف ٠٨٠) وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (المجادلة ٠٠٧) إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المجادلة ٠١٠) وليس أحد من البشر، بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى، الذين يقولون إن المسيح هو الله، وإنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ () لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ () أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ () مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ () قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (المائدة ٠٧٢-٠٧٦) فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضراً ولا نفعاً، بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (الجن ٠٢١) وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (الأنعام ٠٥٠) وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف ١٨٨)

стр. 158

وقوله: ((إلا ما شاء الله)) فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله وقيل: هو منقطع والمخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً بحال، فقوله ((إلا ما شاء الله)) استثناء منطقة، أي لكن يكون من ذلك ما شاء الله كقوله الخليل: ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا﴾ (الأنعام ٠٨٠) أي لا أخاف أن يفعلوا شيئاً لكن إن شاء الله ربي شيئاً كان، وإلا لم يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئاً. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف ٠٨٦) فيه قولان أصحهما: أنه استثناء منقطع أي لكن من شهد بالحق تنفعه الشهادة وتنفع شفاعته كقوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ ٠٢٣) وقال: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ (الزمر ٠٤٤) وبسط هذا له موضع آخر. قال الشيخ (١) : وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحض على ذلك وإطباق الناس عليه قولاً وعملاً، فيقال: الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به الأحاديث الصحيحة هو السفر إلى مسجده، والصلاة والسلام عليه في مسجده، وطلب الوسيلة له، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم وهذا هو مراد العلماء الذين قالوا إنه يستحب السفر إلى زيارة قبر نبينا ﷺ ، لإن مرادهم بالسفر لزيارته هو السفر إلى مسجده، وذكروا مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره، وهذا هو مراد من ذكر الاجماع على ذلك كما ذكر القاضي عياض. قال: وزيارة قبره سنة من المسلمين مجتمع عليه وفضيلة مرغب فيها، فمرادهم الزيارة التي بينوها وشرحوها كما ذكر ذلك القاضي عياض في هذا الفصل، فصل زيارة قبره. قال: وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه، وما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي ﷺ والتربك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه، وملامس يديه ومواطئ قدمه والعمود الذي يستند إليه، ونزل جبريل بالوحي عليه فيه وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين والاعتبار بلك كله. قلت: وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة

стр. 159

وبدعة، وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا مسجده لا يدخل أحد بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره، فإنهم دفنوه في الصحراء كما في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال في مرض موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا)) (١) . قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً، فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجداً ولا وثناً ولا عيداً. فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٢) وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) . وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: قبل أن يموت بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)) (٤) فلكا لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيراً لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره عيداً، دفن في حجرته لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها فلم يكن في حياتها أحد يدخل لذلك، إنما يدخلون إليها هي: ولما توقيت لم يبق بها أحد، ثم لما أدخلت في المسجد سدت وبني الجدار البراني عليها فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره سواء كانت سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده، ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره البتة، ولم يتكلموا بذلك وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا في كلامهم، فإن المعنى ممتنع عندهم، فلا يعبروا عن وجوده، وهو نهي عن اتخاذ بيته وقبره عيداً وسأل الله تعالى أن لا يجعل وثناً، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد فقال النبي ﷺ : ((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٥) .

стр. 160

ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ، ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة، وهم أعلم الناس بمثل ذلك، ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفة هؤلاء ولم يكرهه مالك وأمثاله من علماء المدينة الأخبار بلفظ تكلم به الرسول ﷺ فقد كان ﵁ يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث، فكيف يكره النطق بلفظه؟ لكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره، وهم لا يخالفون مالكاً ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة ونحو ذلك، في مسجد يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذا زيارة لقبره، وأولئك كرهوا أن يسموا هذا زيارة لقبره. وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة كسؤاله الاستغفار، وزاد بعض جهال العامة ما هو محرم، أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه. ومبدأ ذلك من الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره وظن هؤلاء أن الأنبياء والصالحين تزار قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثاناً حتى قد يفضلون تلك البقعة على المساجد وأن بنى عليها مسجد فضلوه على المساجد التي بنيت لله وحتى قد يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت العتيق إلى غير ذلك مما هو كفر ورده عن الإسلام باتفاق المسلمين، فالذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة قولاً وعملاً عن السفر إلى مسجد المجاور لقبره والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده، كما يقام بذلك في غير مسجده، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المساجد الحرام عند الجمهور. وقيل: إنه أفضل مطلقاً كما نقل عن مالك وغيره، ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره، ولا ورد بذلك حديث صحيح ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة، ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة، وقد ذكر مالك وغيره، أن هذا من البدع التي لم تنقل عن السف، وإن هذا منهي عنه. وهذا الذي قاله مالك مما يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن يعرفون أن الصحابة لم يكونوا يزورون قبره لعملهم بأنه قد نهى عن ذلك، ولو كان قبره يزار كما تزار

стр. 161

القبور، قبور أهل البقيع والشهداء شهداء أحد لكان الصحابة يفعلون ذلك، إما بالدخول إلى حجرته، وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد، وهم لم يكونوا يفعلون لا هذا ولا هذا، بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة العلم، وهذا مما ذكره القاضي عياض، وهو الذي قال: زيارة قبره سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها، وهو في هذا الفضل ذكر عن مالك أنه كره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ، وذكر فيه أيضاً قال مالك في المبسوط وليس يلزم من دخل المسجد أو خرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء، وقال مالك في المبسوط أيضاً، ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر (١) ، قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة يقدمون من سفر ولا يريدون يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. فقد بين مالك أنه لم يبلغ عن السلف من الصحابة المقيمين بالمدينة أنهم كانوا يقفون بالقبر عند دخول المسجد إلا لمن قدم من سفر، مع أن الذي يقصد السفر فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع، وقد ذكر القاضي عيا عن أبي الوليد الباجي أنه احتج لما كره مالك فقال: أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، وقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، أشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وقال: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) (٢) . قلت: فهذا يبين أو وقوف أهل المدينة بالقبر هو الذي يسمى زيارة لقبره من البدع التي لم يفعلها الصحابة، وإن ذلك منهي عنه بقوله: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وقوله: ((لا تتخذوا قبري عيداً)) ، وإذا كانت هذه الزيارة مما نهى عنها في الأحاديث، فالصحابة أعلم بنهيه وأطوع له، فلهذا لم يكن بالمدينة منهم من يزور قبره باتفاق العلماء، وهذا الوقوف الذي يسميه غير

стр. 162

مالك زيارة لقبره الذي بين مالك وغيره أنه بدعة لم يفعلها السلف هي زيارة مقصود صاحبها الصلاة والسلام عليه، كما بين ذلك في السؤال لمالك. لكن لما قال النبي ﷺ : ((لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)) وروي مثل ذلك في السلام عليه علم أنه كره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام، بل يصلي عليه ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل إليه. فإذا كان مثل هذه الزيارة للقبر بدعة منهياً عنها، فكيف بمن يقصد ما يقصده من قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم ويستغيث بهم ليس قصده الدعاء لهم.ومعلوم أن هذا أعظم في كونه بدعة وضلالة فالسلف والخلف إنما تطابقوا على زيارة قبره بالمعنى المجمع عليه من قصد مسجده والصلاة فيه كما تقدم، وهذا فرق بينه وبين سائر قبور الأنبياء والصالحين، فإنه يشرع عند قبره لمسجده الذي أسس على التقوى. فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين والصلاة مقصورة فيه باتفاق المسلمين، ومن قال أن هذا السفر لا تقتصر فيه الصلاة، ف، هـ يستتاب فإنه تاب وإلا قتل، وليس ذلك سفراً لمجرد الزيارة، بل لابد أن يقصد إتيان المسجد والصلاة فيه، وإن لم يقصد القبر، فهذا يندرج في كلام المجيب حيث قال: أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين: فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرد قصد زيارة القبور، أما من سافر لقص الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ ، فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد. فالسائل سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ ففصل مالك في الجواب بين أن يريد القبر أو المسجد، مع أن اللفظ إنما هو أن يأتي القبر، فعلم أن لفظ إتيان القبر وزيارة القبر والسفر إلى القبر ونحو ذلك يتناول من قصد المسجد، وهذا مشروع ويتناول من لم يقصد إلا القبر، وهذا منهي عنه كما دلت عليه النصوص وبينه العلماء مالك وغيره. فمن نقل عن السلف إنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد بحيث لا يقصد المسافر المسجد، ولا الصلاة فيه، بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها مالك فهذا

стр. 163

لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلاً عن إجماعهم عليه. وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده وطاعة له ولرسوله، وبر وتقوى، وقيام بحق الرسول وما هو شرك وبدعة منهي عنها لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين، لكن إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. وقد تقدم عن مالك وغيره أنه إذا نذر إتيان المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد، وإلا لم يوف بنذره، وأما إذا نذر إتيان المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة فلم يجعل السفر إلى المدينة سفراً مأموراً به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد، وهو الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره لقوله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) (١) . وجعل من سافر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفراً منهياً عنه لا يجوز أن يفعله وأن نذره، وهذا قول جمهور العلماء فمن سافر إلى مدينة الرسول، أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور، أومن آثار الأنبياء والصالحين كان سفره محرماً عند مالك والأكثرين، وقيل: أنه سفر مباح ليس بقربه كمال قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وهو قول ابن عبد البر، وما علمنا أحد علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب. فدعوى من ادعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر، وكذلك إن ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة، أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذاب بلا ريب،وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الائمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن تعرف صحة نقله نقل قولاً شاذاً مخالفاً لإجماع السلف مخالفاً لنصوص الرسول، فكفى بقوله فساداً أن يكون قولاً مبتدعاً في الإسلام مخالفاً للسنة والجماعة لما سنه الرسول ﷺ ولما أجمع عليه سلف الأمة وأثمتها. والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب، وأقل ما في الباب أن يجعل من طولب بصحة نقله والألفاظ المجملة والتي يقولها طائفة قد

стр. 164

عرف مرادهم، وعياض نفسه الذي ذكر أن زيارته سنة مجمع عليها قد بين الزيارة المشروعة في ذلك. وقد ذكر عياض في قوله: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ما هو ظاهر مذهب مالك أن السفر إلى غيرها محرم فهو أيضاً يقول: أن السفر لمجرد زيارة القبور محرم كما قاله مالك وسائر أصحابه مع ما ذكره من استحباب الزيارة الشرعية مع ما ذكر من كراهة مالك أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ والله أعلم. قال المعترض الحديث التاسع: ((من حج حجة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلى علي في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه، رواه الحافظ أبو الفتح الأزدي في الثاني من فوائد، أخبرنا به أبو النجم شهاب بن علي المحسني قراءة عليه وإنا اسمع بالقرافة الصغرى في سنة سبع وسبعمائة، وأبو الفتح بن إبراهيم بقراءتي عليه سنة ثلاث وعشرين، قالات: أنبأنا أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح الأزدي المعروف بابن رواج، قال: الأول سماعاً، وقال: الثاني إجازة، قال: أنبأنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة السلفي الأصبهاني قراءة عليه، وأنا أسمع أنبأنا أبو طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف بغداد، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، أنبأنا أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الحافظ. حدثنا النعمان عن هارون بن أبي الدلهاث، حدثنا أبو سهل بدر بن عبد الله المصيصي، حدثنا الحسن بن عثمان الزيادي، حجثنا عمار بن محمد، حدثي خال سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله: ((من حجة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلى علي في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه)) . قال عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري، روى له مسلم والحسن بن عثمان الزيادي، قال الخطيب، كان أحد العلماء الأفاضل من أهل المعرفة والثقة والأمانة ولي قضاء الشرقية في خلافة المتوكل، وذكره غير الخطيب أيضاً، وكان صالحاً ديناً فهما قد عمل الكتب وكانت له معرفة بأيام الناس، وله تاريخ حسن، وكان كريماً واسعاً مفضالاً وأبو سهل بدر بن عبد الله المصيصي ما علمت من حاله شيئاً والنعمان بن هارون بن أبي

стр. 165

الدلهاث حدث ببغداد عن جماعة كثيرين، وروى عنه محمد بن المظفر وعلي بن عمر السكري، قال الخطيب: وما علمت من حالة إلا خيراً وصاحب الجزء أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن عبد الله بن يزيد بن النعمان الأزدي الموصلي، من أهل العلم والفضل، كان حافظاً صنف كتاباً في علوم الحديث. ذكر الخطيب في التاريخ وابن السمعاني في الأنساب أثنى عليه محمد بن جعفر بن علان، وذكره بالحفظ وحسن المعرفة بالحديث، وقال أبو النجيب الأرموي رأيت أهل الموصل يوهنونه جداً ولا يعدونه شيئاً، وسئل البرقاني عنه فأشار إلى أنه كان ضعيفاً، وذكر كلاماً أشد من هذا، انتهى ما ذكره المعترض. والجواب أن يقال: هذا الحديث موضوع على رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب عند أهل المعرفة بالحديث،ولم يحدث به عبد الله بن مسعود قط ولا علقمة، ولا إبراهيم ولا منصور، ولا سفيان الثوري، وأدنى من يعد من طلبة هذا العلم يعلم أن هذا الحديث مختلق مفتعل على سفيان الثوري، وأنه لم يطرق سمعه قط، وما كانت أظن أن الجهل بلغ بالمعترض إلى أن يروي مثل هذا الحديث الموضوع المكذوب ولا يبين أنه من الموضوعات المكذوبات، بل يذكره في مقام الاحتياج والاعتماد أو الأعضاء والاستشهاد ويأخذ في ذكر الثناء على بعض رواته ومدحهم بما لا يغني شيئاً. ولقد افتضح واضع هذا الحديث حيث جعله عن سفيان الثوري، عن منصور عن إبراهيم ولو جعله عن سفيان عن بعض شيوخه الضعفاء كان استر له، وعمار بن محمد هو أبو اليقظان الكوفي وهو ابن أخت سفيان، وهو بريء من عهده هذا الحديث، وإن كان فيه كلام لبعض الأئمة. وقال ابن حبان في كتاب المجروحين: عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري كنيته أبو اليقظان من أهل الكوفة يروي عن الأعمش والثوري، روى عنه الحسن بن عرفة والعراقيون، كان ممن فحش خطؤه وكثر وهمه حتى استحق الترك من أجله، هكذا قال ابن حبان (١) ، وفي كلامه مبالغة، وقد أثنى على عمار جماعة أعلم من ابن حبان، وتكلم فيه بعضهم بكلام قريب، وروى له مسلم في صحيحه، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (٢) ، سيف وعمار أبناء أخت سفيان الثوري ليسا بالقويين في الحديث؛ قال الخطيب في التاريخ: أما سيف فقد ذكره غير واحد بالضعف، وأما عمار فوثقوه، ثم روى

стр. 166

عن البخاري أنه قال: قال لي عمرو بن محمد: حدثنا عمار بن محمد أبو اليقظان، وكان أوثق من سيف، وروى عن يزيد بن الهيثمقال: سمعت يحيى بن معين يقول وعمار ابن أخت سفيان ليس به بأس وأخوه سيف كذاب وعمار أكبرهما وعن عباس بن محمد الجوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سيف ابن أخت سفيان ليس بشيء، وهو سيف بن محمد أخو عمار وعمار لم يكن به بأس (١) . وعن أحمد بن علي الأبار،جدثنا علي بن حجر قال: كان عمار بن محمد ثبتاً ثقة وقال الأبار: سمعت أبا معمر يقول: عمار بن محمد ابن أخت سفيان ثقة وقال: الأبار سمعت عباد بن موسى يقول: بلغني عن سفيان الثوري، قال: إن نحا أحد من أهل بيتي بعمار، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) ، سمعت الحسن بن عرفة، وذكر عمار بن محمد فقال: كان لا يضحك، وكنا لا نشك أنه من الأبدال، وقال محمد بن سعيد: عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري توفي في المحرم سنة اثنين وثمانين ومائة في خلافة هارون، وكان ثقة. قال ابن أبي حاتم (٣) ، سألت أبي عنه فقال: ليس به بأس يكتب حديثه، قال وسألت أبا زرعة عنه فقال: ليس بقوي وهو أحسن حالاً من سيف، فقد تبين بما ذكرناه عن هؤلاء الأئمة أن عمار بن محمد صدوق وأنه لا يستحق الترك، وظهر أن كلام ابن حبان فيه مشتمل على المبالغة،وتجاوز الحد فهو يرى من عهده هذا الحديث الموضوع الذي لم يصل إليه، بل الحمل فيه على غيره،وكذلك الحسن بن عثمان أبو حسان الزيادي، بريء من عهدته أيضاً فإنه معروف بالصدق والأمانة، والحمل في هذا الحديث على بدر بن عبد الله المصيصي الذي لم يعرف بثقة ولا عدالة ولا أمانة، أو على صاحب الجزء أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فإنه متهم بالوضع، وإن كان من الحفاظ. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الضعفاء (٤) : محمدبن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي الموصلي حدث عن أبي يعلي وابن جرير وغيرهما، وكان حافظا

стр. 167

ولكن في حديثه مناكير وكانوا يضعفونه، أخبرنا الفرار، أنبأنا الخطيب، قال: حدثني محمد بن صدقة الموصلي أن أبا الفتح وضع حديثاً، وقد ذكره الخطيب في تاريخه (١) وذكر أن في حديثه مناكير وإن البرقاني ضعفه، وأن أهل الموصل كانوا يضعفونه ولا يعدونه شيئاً وأنه اتهم بوضع الحديث، ومن هذه حالة لا يعتمد على رويته ولا يحتج بحديثه ولا يخفى أن هذا الحديث الذي رواه في فوائد (٢) موضوع مركب مفتعل إلا على من لا يدري علم الحديث، ولا شم رائحته والله الموفق. قال المعترض الحديث العاشر: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي)) رواه أبو الفتوح سعيد بن محمد بن إسماعيل اليعقوبي في جزء له فيه فوائد مشتملة على بعض شمائل سيدنا رسول الله ﷺ وآثاره وما ورد في فضل زيارته ودرجة زواره، وهذا الجزء رواية المحدث إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنصاري المالكي المشهور بابن الأنماطي. ونقلت من خطة قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علوان بن هبة الله بن ريحان الحوطي التكريتي الصوفي قراءة عليه وأنا أسمع عنه بالحرم الشريف على دكة الصوفية بجانب باب بني شيبة تجاه الكعبة المعظمة زادها الله شرفاً، قال: حدثنا أبو الفتوح سعيد بن محمد بن إسماعيل السمعاني اليعقوبي في ربيع الأول سنة اثنين وخمسين وخمسمائة وقال: حدثنا الإمام ابن السمعاني، ثنا أبو سعد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ إملاء في الروضة بين قبر النبي ﷺ ومنبره في الزورة الثانية، أنبأنا أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذكواني، أنبأنا أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ، حدثنا الحسن بن محمد السوسي، أنبأنا أحمد أن سهل بن أيوب حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، قال: سمعت سعيداً المقبري يقول:سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي ومن زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) . قال المعترض خالد بن يزيد إن كان هو العمري، فقد قال ابن حبان: أنه منكر

стр. 168

الحديث، وأحمد بن سهل بن أيوب أهوازي، قال الصيريفيني: مات بالأهواز يوم التروية سنة إحدى وتسعين ومائتين. والجواب: أن يقال هذا حديث منكر لا أصل له، وإسناده مظلم، بل هو حديث موضوع على عبد الله العمري الصغير المكبر المضعف، والحسن بن محمد السوسي وأحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، يرويان المنكر لا يحتج بخبرهما ولا يعتمد على روايتهما، وخالد بن يزيد هو العمري بلا شك، وهو متروك الحديث منهم بالكذب، قال ابن أبي حاتم (١) ، خالد بن يزيد العمري وأبي العصر ثابت بن قيس، سمعت أبي يقول ذلك، روى عنه علي بن حرب الموصلي، وكتب عنه أبو زرعة وترك الرواية عنه حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني قال سمعت يحيى بن معين يقول: خالد بن يزيد العمري كذاب، سئل أبي عنه فقال: كان كذاباً أتيته بمكة ولم أكتب عنه وكان ذاهب الحديث، وقال أبو حاتم بن حبان في كتاب المجروحين (٢) : خالد بن يزيد العمري أبو الوليد شيخ كان يسكن مكة ينتحل مذهب الراي يروي عن الثوري منكر الحديث جداً أكثر من كتب عنه أصحاب الرأي لا يشتغل بذكره، لأنه يروي الموضوعات عن الإثبات. ثم ذكر له حدثنا في غزوة البحر، وقال العقيلي (٣) : خالد بن يزيد العمري الحذاء مولى لهم يحدثنا بالخطأ، ويحكي عن الثقات ما لا أصل له، وقال الأزدي: متروك الحديث. وقال الدارقطني والبيهقي (٤) : ضعيف، وقال الحاكم أبو أحمد في الكنى: أبو الوليد خالد بن يزيد العمري المالكي: ذاهب الحديث. ثم روى عن محمد بن سليمان، عن محمد يعني ابن إسماعيل البخاري قال خالد بن يزيد العمري مكي ذاهب الحديث (٥) ، وقال أبو أحمد بن عدي في الكامل: خالد بن يزيد العدوي ابو الوليد وكان بمكة، ثم ذكر له أحاديث وقال: ومقدار ما يرويه

стр. 169

عمن رواه لا يتابع عليه،وذكر روايته عن الثوري وإبراهيم بن سعيد وعمر بن صهبان وأبي العصر ثابت بن قيس، ثم قال بعده، خالد بن يزيد العمري المالكي يكنى أبا الهيثم، ثم ذكر له أحاديث يرويها عن الثوري وابن جريج وابن أبي ذئب. ثم قال: وله غير ما ذكرت أحاديث وعامتها مناكير، وهكذا فرق بينهما وهو رجل واحد كنيته أبو الوليد على الأصح، وهو ساقط الحديث منكره، وقال ابن عدي: سمعت إبراهيم بن محمد بن عيسى الجهني يقول: سمعت موسى بن هارون الحمال يقول: مات العمري المسكي بمكة وهو ضعيف الحديث سنة تسع وعشرين ومائتين. فإذا كانت هذه حال خالد بن يزيد العمري عند أئمة هذا الشأن فكيف يعتمد على حديث رواه، أو يحتج بخبر هو في طريقه، هذا لو كان الإسناد إليه واضحاً فكيف هو إسناد مظلم، وقد ذكر له ابن عدي وغيره من الحفاظ أحاديث منكرة يستدل بها على ضعف روايته وسقوط خبره، منها قال ابن عدي: حدثنا مكي بن عبدان، حدثنا قطن بن إبراهيم، حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ولد له ثلاثة فلم يسم أحدهم محمداً فهو من الجفاء وإذا سميتموه محمداً فلا تسبوه ولا تجبهوه ولا تعيبوه ولا تضربوه وشرفوه وعظموه وأكرموه وبروا قسمه)) . قال ابن عدي (١) ، هذا حديث منكر، ومنها قال عبد الله بن محمد بن المنهال: حدثنا أحمد بن كبر أبو سعيد البالسي، حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شهيداً يوم القيامة)) . قال ابن عدي روي هذا الحديث عن ابن جريح مع خالد بن يزيد إسحاق بن نجيح الملطي (٢) ، وهو شر منه. ومنها قال ابن عدي (٣) : أخبرنا محمد بن منير، حدثنا علي بن حرب، حدثنا

стр. 170

خالد بن يزيد العدوي، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: طلع رسول الله ﷺ ذات يوم بين أبي بكر وعمر قال:على حسبته، قال: يده اليمنى على أبي بكر، ويده اليسرى على عمر، فقال: ((هكذا أبعث يوم القيامة بين هذين)) . قال ابن عدي وهذا عن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد منكر ليس يرويه عن إبراهيم غير خالد بن يزيد،وذكر له ابن عدي أحاديث منكرة غير هذه، وفيما ذكره كفاية ودليل على رد حديثه وعدم قبول روايته والله أعلم. قال المعترض الحديث الحادي عشر: ((من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً) وفي رواية: ((من زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة، أنبأ الدمياطي وابن هارون وغيرهما قال: أنبأنا محمد بن هبة الله، قال: أنبأنا علي بن الحسن الحافظ سماعاً أنبأنا زاهر، أنبأنا البيهقي، أنبأنا أبو سعيد بن أبي عمر، قال الحافظ: أنبأنا أبو سعيد البغدادي، أنبأنا أبو نصر محمد بن أحمد بن سيبويه، أنبأنا أبو سعيد الصيرفي، أنبأنا محمد بن عبد الله الصقار، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثني سعيد بن عثمان الجرجاني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن ابي فيدك، أخبرني أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي، وفي حديث زاهر العتكي، قال الحافظ: وأخبرنا ابن السمرقندي، أنبأنا ابن مسعدة، أنبأنا حمزة، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسماعيل بجرجان، حدثنا أبو عوانة موسى بن يوسف القطان، حدثنا عباد بن موسى الختلي، حدثنا ابن أبي فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: ((من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً)) وفي حديث عباد: ((كنت له شهيداً أو شفيعاً، وقالا: يوم القيامة)) . وذكره ابن الجوزي في مثير العزم الساكن، ومن خطة نقلت بسنده إلى ابن أبي الدنيا بإسناده المذكور، وبالإسناد إلى البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا بن عيسى، حدثنا أحمد بن عبدوس بن حمدوية الصفار النيسابوري،حدثنا أيوب بن الحسن، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك بالمدينة، حدثنا سليمان بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ومن زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة)) .

стр. 171

هذه الأسانيد الثلاثة دارت على محمد بن إسماعيل، أبي فديك وهو مجمع عليه وسليمان بن يزيد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم الرازي: إنه منكر الحديث ليس بقوي، انتهى ما ذكره. والجواب أن يقال: هذا الحديث ليس بصحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد منقطع، ولو كان ثابتاً لم يكن فيه دليل على محل النزاع، ومداره على أبي المثنى سليمان بن يزيد الكعبي الخزاعي المديني وهو شيخ غير محتج بحديثه، وهو بكنيته أشهر منه باسمه، ولم يدرك أنس بن مالك فروايته عنه منطقة غير متصلة، وإنما يروي عن التابعين وأتابعهم، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (١) في أتباع التابعين وذكره أيضاً في كتاب المجروحين، قال في كتاب الثقات: سليمان بن يزيد أبو المثنى الكعبي من أهل المدينة يروي عن عمر بن طلحة، روى عنه ابن أبي فديك، هكذا ذكره. وقال في كتاب المجروحين (٢) : ابو المثنى شيخ يروي عن هشام بن عروة، روى عنه عبد الله بن نافع الصائغ يخالف الثقات في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا للاعتبار. روى عن هشام بن عروة، عن أبية عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: ((ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من هراقة دم)) وذكر الحديث. ثم قال:حدثنا ابن سالم بيت المقدس عن أبيه عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: ((ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من هراقة دم)) وذكر الحديث. ثم قال: حدثناه ابن سالم ببيت المقدس، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا أبو المثنى عن هشام بن عروة، هكذا ذكره في كتاب المجروحين ولم يذكر اسمه، قال الدارقطني في الحواشي على هذا الكتاب، اسم ابي المثنى هذا سليمان بن يزيد الكعبي مديني، وقال في كتاب العلل (٣) : هو ضعيف. وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل (٤) : سليمان بن يزيد أبو المثنى الكعبي الخزاعي المديني، ثم ذكر أنه يروي عن سعيد المقبري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعباد بن إسحاق، وإسماعيل بن إبراهيم بن

стр. 172

عقبة، وأنه يروي عنه عبد الله بن نافع الصائغ وابن أبي فديك، وابن وهب، ثم قال: أبي يقول:أبو المثنى هذا منكر الحديث ليس بقوي. وقال البخاري في تاريخه (١) : سليمان بن يزيد الكعبي أبو المثنى المدني عن عمر بن طلحة وإبراهيم بن عبد الله بن سفيان سمع منه ابن أبي فديك قال: حسن، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا أبو المثنى سليمان بن يزيد الخزاعي، حدثنا عباد بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة القرشي عن أبي عبيدة بن محمد سأل جابراً عن المسح على الخفين فقال: سنة، وقال النسائي في الكي أبو المثنى سليمان بن يزيد عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، روى عنه ابن وهب، وقال الحاكم: أبو أحمد في الكنى أبو المثنى سليمان بن يزيد بن قنفذ الخزاعي الكعبي المدني، ثم ذكر أنه يروي عن سعيد المقبري ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمر بن طلحة وأنه يروي عنه ابن أبي فديك، ويحيى بن حسان وغيرهما. وقال أبو عمر بن عبد البر في الكنى: أبو المثنى المدني روى عن هشام بن عروة اسمه سليمان بن يزيد، روى عنه ابن أبي فديك، وعبد الله بن نافع الصائغ. فقد تبين أن ابن حبان تناقض في ذكره أبا المثنى في الكتابين كتاب الثقات وكتاب المجروحين، وكأنه توهم أنه رجلان، وذلك خطأ، بل هو رجل واحد منكر الحديث غير محتج به لم يسمع من أنس، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة، ولو فرض أن روايته عنه صحيحة متصلة، وأنه من جملة الثقات المشهورين لم يكن في هذا الخبر الذي رواه حجة على جواز شد الرجال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبر، بل إنما فيه ذكر الزيارة فقط، والمراد بها الزيارة الشرعية، وتلك لا ينكرها شيخ الإسلام، بل يندب إليها ويحض عليها، كما تقدم ذكره غير مرة وبالله التوفيق. قال المعترض الحديث الثاني عشر: ((ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر)) قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار في كتاب ((الدرة الثمينة في فضائل المدينة أنبأنا أبو محمد بن علي، أنبأنا أبو يعلي الأزدي، أنبأنا أبو إسحاق البجلي أنبأنا سعيد بن أبي سعيد النيسابوري، أنبأنا إبراهيم بن محمد المؤدب، أنبأنا إبراهيم بن

стр. 173

محمد، حدثنا محمد بن محمد، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا جعفر بن هارون، سمعان بن المهدي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني وليس له عذر)) . هكذا ذكر المعترض هذا الحديث وخرس بعد ذكره فلم ينطق بكلمة، وهو حديث موضوع مكذوب مختلف مفتعل مصنوع من النسخة الموضوعة المكذوبة الملصقة بسمعان المهدي قبح الله واضعها، وإسنادها إلى سمعان ظلمات بعضها فوق بعض، وأما سمعان فهو من الحيوانات التي لا تدري هل أوجدت أم لا، وهذا المعترض إن كان لا يدري أن هذا الحديث من أقبح الموضوعات، فهو من أجل الناس، وإن كان يعلم إنه موضوع ثم يذكره في معرض الاحتجاج ويتكثر به ولا يبين حاله، فهو داخل في قوله ﷺ : ((من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)) (١) فهو إما جاهل مفرط في الجهل، أو معاند صاحب هوى متبع لهواه، نعوذ الله من الخذلان. قال أبو حاتم بن حبان البستي: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت ميمون بن أبي شبيب يحدث عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: ((من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كاذب فهو أحد الكاذبين)) . حدثنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حدث عني حدثنا وهوع يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على صحة ما ذكرنا أن المحدث إذا روى، لم يصح عن النبي ﷺ مما تقول عليه، وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد، وذلك أنه قال ﷺ : ((من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب)) ولم يقل إنه يتيقن أنه كذب، فكل شاك فيما يروي أنه صحيح، أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب

стр. 174

هذا الخبر، ولو لم يتعلم التاريخ، وأسماء الثقات والضعفاء ومن يجوز الاحتجاج بأخبارهم ممن لا يجوز إلا لهذا الخبر الواحد لكان الواجب على كل من ينتحل السنن أن لا يقصر في حفظ التاريخ حتى لا يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ . وقد ذكر ابن حبان قبل هذا حديث جبير بن معطم، عن النبي ﷺ قال: ((نصر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أرادها إلى من لم يسمعها)) (١) . وحديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: ((بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (٢) . ثم قال ابن حبان في أمر رسول الله أمته بالتبليغ عنه من بعدهم مع ذكر إيجاب النار للكاذب عليه دليل على أنه إنما أمر بالتبليغ عنه ما قاله ﷺ ، أو ماكان من سننه فعلاً أوة سكوتا عند المشاهدة لا إنه يدخل في قوله: ((نضر الله امرأ)) المحدثون بأسرهم، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح حديث رسول الله دون سقيمة، وإني خائف على من روي ما سمع من الصحيح والسقيم أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ إذا كان عالماً بما يروي. ثم قال ابن حبان: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر، حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا علي بن حفص المدائني، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : ((كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)) (٣) . قال أبو حاتم: في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم على اليقين صحته، ثم يحدث به دون ما لا يصح على حسب ما ذكرناه قبل.

стр. 175

قال المعترض الحديث الثالث عشر: ((من زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال شفيعاً)) ذكره الحافظ أبو جعفر العقبلي في كتاب الضعفاء في ترجمة فضالة بن سعيد بن زميل المازني، قال: حدثنا سعيد بن محمد الحضرمي، حدثنا فضالة بن سعيد بن زميل المازني، حدثنا محمد بن يحيى المازني عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول ﷺ : ((من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قاله شفيعاً)) . وذكره الحافظ ابن عساكر من جهته أيضاً: أنبأنا به أبو محمد الدمياطي، عن ابن هبة الله بسماعه منه قال: ((أنبأنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، أنبأنا أبو بكر محمد بن المظفر الشامي، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أنبأنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي، فذكره بإسناد إلا أنه قال: ((من زارني في المنام كان كمن زارني في حياتي)) والباقي سواء. ووقع في روايته أيضاً شعيب بن محمد الحضرمي، ولعله تصحيف، وفضالة بن سعيد، قال العقيلي في ترجمته، حديثه غير محفوظ لا يعرف إلا به. هكذا رأيته في كتاب العقيلي. وذكر الحافظ بن عساكر عنه أنه قال: لا يتابع على حديثه من جهة تثبت ولا يعرف إلا به، ومحمد بن يحي المازني ذكره ابن عدي في كتاب الكامل وقال: إن أحاديثه مظلمة منكرة، ولم يذكر ابن عدي هذا الحديث في أحاديثه ولم يذكر فيه ولا العقيلي في فضالة شيء من الجرح سوى التفرد والنكارة، انتهى ما ذكره المعترض على هذا الحديث. وهو حديث منكر جداً ليس بصحيح، ولا ثابت، بل هو حديث موضوع (١) ابن جريح، وقد وقع تصحيف في متنه وفي إسناده. أما التصحيف في متنه فقوله: ((من زارني)) من الزيارة وإنما هو ((من رآني في المنام

стр. 176

كان كمن زارني في يحياتي (هكذا رأيته في كتاب العقيلي في نسخه ابن عساكر (من رآني) من الرؤية وعلى هذا يكون معناه معنى الحديث الصحيح: (من زارني في المنام فقد رآني لأن الشيطان لا يتمثل بي) وفي رواية: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة،أو فكأنما في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي) . وأما التصحيف في اسنادة فقوله: سعيد بن محمد الحضرمي، والصواب شعيب بن محمد، كما في رواية ابن عساكر. والحديث ليس بثابت على كل حال، سواء كان بلفظ الزيادة، أو الرؤية، ورواية فضالة بن سعيد بن زميل المازني شيخ مجهول لا يعرف له ذكر إلا في هذا الخبر الذي تفرد به ولم يتابع عليه. وأما محمد بن يحيى المازني، فإنه شيخ معروف لكنه مختلف في عدالته، وقد ذكره ابن عدي في كتاب الضعفاء (١) ، وقال: وهو منكر الحديث. ثم قال: حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن إبان البلخي، حدثنا خطاب بن عمرو الهنداني الصنعاني، قال: حدثني محمد بنيحيى المازني عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع محفوظات وسبع ملعونات)) . فأما المحفوظات: فمكة، والمدينة، وبيت المقدس، ونجران. وأما الملعونات: فبرذعة، وصهب أو صهر، وصعدة، ويافث، وبكلا، ودلان، وعدن. قال ابن عدي (٢) : وهذا منكر بهذا الإسناد، وروي له حديثاً آخر ثم قال: وإنما ذكرت محمد بن يحيى لأن أحاديثه مظلمة منكرة، ولم يذكر ابن عدي في ترجمته هذا الحديث الذي ذكره العقيلي في ترجمة فضالة بن سعيد، والأولى ذكره في ترجمة فضالة كما فعل، ولا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير العقيلي في كتاب الضعفاء، أو من ذكره من طريقة والله أعلم.

стр. 177

قال المعترض الحديث الرابع عشر: ((من لم يزر قبري فقد جفاني)) قال أبو الحسن يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني في كتاب أخبار المدينة، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبو أحمد الهمداني، حدثنا النعمان بن شبل،حدثنا محمد بن الفضل المديني سنة ست وسبعين عن جابر عن محمد بن علي، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ولم يزرني فقد جفاني)) . وقال الحافظ أبو عبد الله بن النجار في الدرة الثمينة: روى عن علي ﵁ أنه قال: رسول الله: ﷺ : ((من لم يزر قبري فقد جفاني)) ،وقال أبو سعيد عبد الملك بن محمد بن إبراهيم بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزر قبري فقد جفاني)) وهذا الكتاب في ثمان مجلدات،ومصنفه عبد الملك النيسابوري، صنف في علوم الشريعة كتاباً، توفي سنة ست وأربعمائة بنيسابور وقبره بها مشهور يزار ويترك به (١) ، وشيخه في الفقه أبو الحسن الماسرجسي. انتهى ما ذكره المعترض. والجواب: أن يقال: هذا الحديث من الموضوعات المكذوبة على علي بن أبي طالب ﵁، والنعمان بن شبل [ليس] بشيء، ولا يعتمد عليه (٢) ، ومحمد بن الفضل بن عطية (٣) ، كذاب مشهور بالكذب ووضع الحديث، وجابر هو الجعفي ولم يكن بثقة (٤)

стр. 178

ومحمد علي أبو جعفر الباقر (١) ، ولم يدرك جد أبيه علي بن أبي طالب، فلو كان الإسناد صحيحاً إليه كانت روايته عن علي منقطعة، فكيف والإسناد إليه ساقط مظلم، وقد تقدم ذكر هذا الحديث وبيان حاله، وكلام الأئمة في رواية بما فيه كفاية والله أعلم. ثم قال المعترض: وقد روى حديث علي ﵁ من طريق أخرى ليس فيه تصريح بالرفع، ذكر هذا ابن عساكر، أنبأنا عبد المؤمن وآخرون عن ابن الشيرازي، أنبأنا ابن عساكر، حدثنا أبو العز أحمد بن عبد الله، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا علي بن محمد بن أحمد بن نصير بن عرفة، حدثنا محمد بن إبراهيم الصلحي، حدثنا منصور بن قدامة الواسطي، حدثنا المضاء بن الجارود، حدثنا عبد الملك بن هارون بن عسرة عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من سأل لرسول الله ﷺ الدرجة الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، ومن زار قبر رسول الله ﷺ كان في جوار رسول الله ﷺ . قلت: وهذا من المكذوبات أيضاً على علي ﵁، وعبد الملك بن هارون بن عسرة متهم بالكذب ووضع الحديث. قال أبو حاتم بن حباب (٢) في كتاب المجروحين (٣) : كان ممن يضع الحديث لا يحل كتب حديثه إلا على جهة الاعتبار، وهو الذي روى عن أبيه عن جده عن علي قال

стр. 179

: قال رسول الله ﷺ : ((أربعة أبواب من أبواب الجنة مفتحة في الدنيا أولها، الإسكندرية وعسقلان وقزوين، وعبدان، وفضل جدة على هؤلاء كفضل بيت الله الحرام على سائر البيوت)) . قال البخاري في تاريخه (١) : عبد الملك بن هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني منكر الحديث، وهكذا قال في كتاب الضعفاء (٢) ، ثم روي له حديث: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً شافعاً وشهيداً)) وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول (٣) : عبد الملك بن هارون بن عنترة ضعيف الحديث، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين (٤) عبد الملك بن هارون بن عنترة كذاب، وقال أبو حاتم الرازي (٥) : متروك الحديث ذاهب الحديث، وقال الجوزجاني (٦) : دجال، كذاب، وقال أبو عبد الرحمن النسائي (٧) ، وأبو بشر الدولابي (٨) : متروك الحديث، وقال الحاكم: روي عن أبيه أحاديث موضوعة. وقال أبو بكر البرقاني: سألت الدارقطني (٩) عن عبد الملك بن هارون بن عنترة قال: متروك يكذب، وأبوه يحتج به وجده يعتبر به حدث عن علي، وقال ابن عدي (١٠) في ترجمة عبد الملك بن هارون: حدثنا محمد بن أبي علي الخوارزمي، حدثنا الحسن بن محمد بن رافع البغدادي عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال للمسكين أبشر فقد وجبت له الجنة)) قال ابن عدي، وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، قال: وعبد الملك بن هارون له أحاديث، عن أبيه، عن جده، عن الصحابة لا يتابعه عليها

стр. 180

أحد فقد تبين أن ما روي عن علي في هذا الباب مرفوعاً وموقوفاً ليس له أصل، بل هو من الكذب المفترى عليه والله أعلم. قال المعترض الحديث الخامس عشر: من أتى المدينة زائراً، قال يحيى الحسيني في أخبار المدينة في باب ما جاء في زيارة قبر النبي ﷺ وفي السلام عليه حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن وهب عن رجل عن بكير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ((من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة ومن مات في أحد الحرمين بعث آمناً)) . قال وقد وردت أحاديث أخرى في ذلك منها من لم يمكنه زيارتي فليزر قبر إبراهيم الخليل ﵇، وسأذكر ذلك إن شاء الله تعالى في الكلام على زيارة سائر الأنبياء والصالحين، انتهى ما ذكره المعترض. وهذا آخر الأحاديث التي ذكرها في الباب الأول وهو حديث باطل لا اصل له وخبر معضل لا يعتمد على مثله، وهو من أضعف المراسيل وأوهى المنقطعات، ولو فرض أنه من الأحاديث الثابتة لم يكن فيه دليل على محل النزاع. أما ما ذكره من قوله: ((من لم يمكنه زيارتي فليزر قبر إبراهيم الخليل)) فإنه من الأحاديث المكذوبة والأخبار الموضوعة وأدنى من يعد من طلبة العلم بعلم أنه حديث موضوع وخبر مفتعل مصنوع، وأن ذكر مثل هذا الحديث المكذوب من غير تبيين لحالة القبيع بمن ينتسب إلى العلم. فقد تبين أن جميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب ليس فيها حديث صحيح، بل كلها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها، وكم من حديث له طرق أضعاف هذه الطرق التي ذكرها المعترض، وهو موضوع عند أهل هذا الشأن فلا يعتبر بكثرة الطرق وتعددها، وإنما الاعتماد على ثوبتها وصحتها. والحاصل: أن ما سلكه المعترض من جميع الطرق في هذا الباب وتصحيح بعضها واعتماده عليه، وجعل بعضها شاهداً لبعض ومتابعاً له، هو مما تبين خطوة فيه، وظهر تعصبه وتحامله في فعله، وأن ما ذهب إليه شيخ الإسلام من تضعيفها وردها وعدم قبولها هو الصواب، وقد قال في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)) (١) .
следующие страницы →