← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سمعه من طريق لم يمر عليه، كما ذكر الخطيب في "الرحلة"، وهذا جابر ابن عبد الله ﵄ صحابي جليل، يقول: بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم أسمعه منه، قال: فابتعت بعيراً فشددت عليَّ رحلي فسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري قال: فأرسلتُ إليه أن جابراً على الباب، قال: فرجع إليَّ الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. قال: فرجع الرسول إليه فخرج إليَّ فاعتنقني واعتنقته، قال: قلت: حديثاً بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه. وهذا أبو زرعة ومحمد بن نصر وغيرهم يقطعون الفيافي على الأقدام كل هذا في سبيل تحصيل العلم، فهم يقطعون المسافات الشاسعة التي تنقطع دونها رقاب المطي مع ما يصاحب ذلك من التعب وعناء الطريق، ومع ذلك فإن لذة العلم التي وضعها الله في قلوبهم أنستهم عناء الطريق وبعد الشقة. فكم قد حدثنا التاريخ أن بعض الرحَّالة في طلب العلم اشتد به الجوع والظمأ، وضاع في الصحاري والقفار، وخشي على نفسه الهلاك وانقطعت به السبل، فمنهم من شرب بوله، ومنهم من بال دماً، ومنهم من أنفق كل أمواله في الرحلة في طلب العلم، ومنهم من ترك أهله وأولاده

стр. 107

حتى قال أحدهم: خلفتُ عرسي يوم السير باكية … يا ابن المبارك تبكيني برنات خلفتها سحراً في النوم لم أرها … وفي فؤادي منها شبه كيات أهلي وعرسي وصبياني تركتهمُ … وسرت نحوك في تلك المفازات أخاف والله قطاع الطريق بها … وما أمنت بها من لدغ حيات مستوفزات بها رقط مشوهة … أخاف صولتها في كل ساعات اجلس لنا كل يوم ساعة بكراً … إن خفَّ ذاك وإلا بالعشيات يا أهل مرو أعينونا بكفكم … عنا وإلا رميناكم بأبيات لا تضجرونا فإنا معشر صبر … وليس نرجو سوى رب السماوات وقال بعضهم: تغرب عن الأوطان في طلب العلى … وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيشة … وعلم وآداب وصحبة ماجد وقال آخر: ارحل بنفسك من أرض تضام بها … ولا تكن من فراق الأهل في حرق فالعنبر الخام روث في مواطنه … وفي التغرب محمول على العنق والكحل نوع من الأحجار تنظره … في أرضه وهو مرمي على الطرق لما تغرَّب حاز الفضل أجمعه … فصار يحمل بين الجفن والحدق

стр. 108

(٢٥) حديث: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) . (لا أصل له) (١) قال العلامة الألباني ﵀-في "الضعيفة" (٨): هذا الحديث لا أصل له وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة (١). … (٢) قالت اللجنة الدائمة في "الفتاوى" (٢٩/ ٢٦٩) رقم (١٣٧٩٣): ذلك ليس بحديث مرفوع عن الرسول ﷺ . (٣) قال شيخنا ابن عثيمين في "شرح الأربعين النووية" (ص: ٣٩١): وهذا يروى حديثاً عن النبي ﷺ ولكنه ليس بحديث. وقال أيضاً في "فتاوى نورعلى الدرب" (٢/ ٢٣٤): هذا القول المشهور لا يصح عن النبي ﷺ فهو من الأحاديث الموضوعة. قلت: وقد أفرد هذا الحديث برسالة مستقلة أحد المعاصرين بعنوان: (إياك أن تغتر بحديث اعمل لدنياك) قرر في هذه الرسالة عدم وجود أصل لهذا الحديث بهذا النص إلى رسول الله ﷺ .

стр. 109

التعليق: قلت: قال العلامة الألباني ﵀ معلقاً على هذا الحديث (١): ثم إن هذا السياق ليس نصاً في أن العمل المذكور فيه هو العمل للدنيا، بل الظاهر منه أنه يعني العمل للآخرة، والغرض منه الحض على الاستمرار برفق في العمل الصالح وعدم الانقطاع عنه، فهو كقوله ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه. وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين (٢) ﵀: هذا القول المشهور لا يصح عن النبي ﷺ فهو من الأحاديث الموضوعة، ثم إن معناه ليس هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس، من العناية بأمور الدنيا والتهاون بأمور الآخرة، بل معناه على العكس، وهو المبادرة والمسارعة في إنجاز أعمال الآخرة، والتباطؤ في إنجاز أمور الدنيا، لأن قوله: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً) يعني أن الشيء الذي لا ينقضي اليوم ينقضي غداً، والذي لا ينقضي غداً ينقضي بعد غدٍ، فاعمل بتمهل وعدم تسرع، لو فات اليوم فما يفوت اليوم يأتي غداً وهكذا، أما الآخرة (فاعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) أي بادر بالعمل ولا تتهاون، وقدركأنك تموت غداً بل أقول قدركأنك تموت قبل غد، لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، وقد

стр. 110

قال ابن عمر ﵄: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) هذا هو معنى هذا القول المشهور، إذن فالجواب أن هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وأن معناه ليس كما يفهمه كثير من الناس من إحكام عمل الدنيا، وعدم إحكام عمل الآخرة، بل معناه المبادرة في أعمال الآخرة، وعدم التأخير والتساهل فيها، وأما أعمال الدنيا فالأمر فيها واسع ما لا ينقضي اليوم ينقضي غداً وهكذا. قلت: الشطر الثاني من الحديث يدعو إلى قصر الأمل في هذه الدنيا وهذا تدعمه الأدلة الصحيحة منها، حديث ابن عمر ﵄ في البخاري (١)، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمكنبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. قال العلامة ابن عثيمين (٢) ﵀: قال النبي ﷺ لابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) سبحان الله أعطى الله نبيه جوامع الكلم هاتان الكلمتان، يمكن أن تكونا نبراساً يسير الإنسان عليه في

стр. 111

حياته (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، والفرق بينهما أن عابر السبيل ماشٍ يمر بالقرية وهو ماش منها، وأما الغريب فهو مقيم فيها حتى يرتحل عنها يقيم فيها يومين أو ثلاثة أو عشرة أو شهراً، وكل منهما لم يتخذ القرية التي هو فيها وطناً وسكناً وقراراً، فيقول الرسول ﵊ كن في الدنيا كهذا الرجل، إما غريب أو عابر سبيل، فالغريب وعابر السبيل لا يستوطن، يريد أن يذهب إلى أهله وإلى بلده، لو أن الإنسان عامل نفسه في هذه الدنيا بهذه المعاملة لكان دائماً مشمراً للآخرة لا يريد إلا الآخرة، ولا يكون أمام عينيه إلا الآخرة حتى يسير إليها سيراً يصل به إلى مطلوبه، وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، المعنى أنك لا تؤمل أنك إذا أصبحت أمسيت، وإذا أمسيت أصبحت، فكم من إنسان أمسى ولم يصبح، وكم من إنسان لبس ثوبه ولم يخلعه إلا الغاسل، وكم من إنسان خرج من أهله قد هيأوا له غداءه أو عشاءه ولم يأكله، وكم من إنسان نام ولم يقم من فراشه، المهم أن الإنسان لا ينبغي له أن يطيل الأمل، بل يكن حذراً حاذقاً حازماً كيساً، هذا معنى قوله: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح … ) إلخ.

стр. 112

(٢٦) حديث: (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه) . (ضعيف) أخرجه أبو داود مع العون (٤١٠٦)، والترمذي (٢٩٤٠)، وأحمد في "المسند" (٢٦٥٣٧)، والطحاوي في"مشكل الآثار" (١/ ٢٦٥) رقم (٢٨٨) والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ٩١)، والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٢٠) عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت أنا وميمونة عند النبي ﷺ إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال ﷺ : احتجبا منه فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟). قلت: هذا إسناد ضعيف علته: نبهان، وهو المخزومي أبو يحيى المدني مولى أم سلمة مجهول. كما قال ابن حزم ونقله عنه الذهبي في "المغني" (٢/ ٦٦٤) وأقره. ولم يرو عنه سوى الزهري ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة. وقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا الحديث وحديث: (إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه). وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يُعرف إلا برواية الزهري عنه.

стр. 113

والحديث ضعَّفه جمع من أهل العلم، منهم: (١) الإمام أحمد (١) ﵀. (٢) القرطبي ﵀ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (٦/ ٨٥) قال: هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل، لأن راويه عن أم سلمة نبهانُ مولاها، وهو ممن لا يحتج بحديثه. (٣) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٥٩٥٨) و"الإرواء" (١٨٠٦) (٢). (٤) شيخنا الوادعي ﵀. (٥) العلامة ابن باز ﵀ في "التحفة الكريمة" (١٨). (٦) العلامة ابن عثيمين-﵀ في "شرح رياض الصالحين" (٤/ ٢٨٢). (٧) الأرنؤوط في "تحقيق صحيح ابن حبان" (١٢/ ٣٨٧) رقم (٥٥٧٥)، و"تحقيق مشكل الآثار" (١/ ٢٦٥). (٨) سليم الهلالي في "بهجة الناظرين" (٣/ ١٤٦). (٩) العدوي في "أحكام النساء" (٥/ ٥٢٢).

стр. 114

التعليق: مسألة: حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي. الجواب: لا يخلو نظر المرأة إلى الرجل من حالين: الحال الأولى: أن يكون نظر المرأة إلى ما بين السرة والركبة من الرجل، بمعنى أن المرأة تنظر إلى عورة الرجل، فهذا مما جاءت الشريعة بحسم مادته وبيان حكمه، فهذا النظر حرام بالاتفاق، سواء كان هذا النظر بشهوة أو بغير شهوة. الحال الثانية: أن يكون نظر المرأة إلى ما فوق السرة وتحت الركبة من الرجل، وهذا النظر إما أن يكون بشهوة أو بغير شهوة. فإن كان هذا النظر بشهوة فهوحرام أيضاً قولاً واحداً، وإن كان بلا شهوة فهو موطن السؤال. وللجواب عليه يقال: إن من يجمع النصوص المتعلقة بنظر المرأة إلى الرجل من الكتاب والسنة يجدها متقابلة متعارضة فيما يظهر، ولهذا صار محصلة آراء العلماء قولين متقابلين. القول الأول: إن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي محرم مطلقاً سواء كان النظر إليها بشهوة أو بغير شهوة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً.

стр. 115

قلت: وقد استدل المانعون بقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ﴿النور: ٣٠ - ٣١﴾. فالأمر بغض البصر هنا عام في كل نظر سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. القول الثاني: إن نظر المرأة للرجل جائز إذا كان بلا شهوة، واستدلوا على ذلك بأدلة أشهرها ما يلي: • حديث فاطمة بنت قيس في أمر النبي ﷺ لها بالعدة في بيت ابن أم مكتوم بقوله: (اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك … ) رواه مسلم. وهذا أمر صريح لها بالسكنى عند ابن أم مكتوم، فلو كان النظر إلى الرجل حراماً لأمرها بغض بصرها عنه عقب أمره لها بالسكنى عنده، وهذه الحادثة في آخر حياة النبي ﷺ بعد فتح مكة بدليل سؤالها للنبي ﷺ بعد انقضاء عدتها، واستشارتها له في نكاح رجال خطبوها منهم معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية ﵁ من مسلمة الفتح. • حديث عائشة ﵂ قالت: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم) متفق عليه. وهذا الإذن من النبي ﷺ لعائشة فيه دليل على أن النظر إلى الرجال بلا شهوة غير محرم.

стр. 116

مناقشة القائلين بالتحريم والمنع: ويمكن مناقشة أدلة القائلين بالمنع بأن قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عام والأحاديث التي تبيح النظر إلى الرجال خاصة، والعام إذا خص فلا يعمل به وإنما يعمل بالدليل المخصص فلا حجة في ذلك، ويبقى عمل الآية فيما بقي على عمومه مما أمر النساء بكف البصر عنه. وقد قال ابن سعدي في معناها ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عن النظر إلى العورات والرجال بشهوة ونحو ذلك. وأما حديث أم سلمة فيمكن الجواب عنه: أن الحديث لا يصح. مناقشة القائلين بالجواز: وجه إلى الدليل الأول، وهو حديث فاطمة بنت قيس، بأنها يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه، ولا يخفى بعده. وأما حديث عائشة فقالوا: إنها كانت تنظر إلى لعبهم ولا تنظر إليهم. وقالوا أيضاً: إنها كانت وقتئذ صغيرة لم تبلغ، بدليل قولها: (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن). وأجيب عليه بأن الروايات الأخرى تذكر أن ذلك بعد قدوم وفد الحبشة، ووفد الحبشة كان في السنة السابعة من الهجرة فيكون عمر عائشة حينئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغاً.

стр. 117

الترجيح: والقول الراجح هو القول بالمنع مطلقاً، فقد أمر العلي العليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور الرجال والنساء بغض أبصارهم وحفظ فروجهم ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ﴿النور: ٣٠ - ٣١﴾. فدل على أن النساء كالرجال في تحريم النظر، ووجوب غض البصر. والمنع أيضاً من باب سد الذريعة، فالنظر يجر إلى مفاسد كثيرة، وهذا القول هو الذي عليه أكثر أهل العلم (١). والله أعلم.

стр. 118

(٢٧) حديث: (أقامها الله وأدامها) عند قول المؤذن: (قد قامت الصلاة) . (ضعيف) … رواه أبو داود (٥٢٨)، والبيهقي في "السنن" (١/ ٦٠٥) رقم (١٤٩٠)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص: ٤١) رقم (١٠٤) عن أبي أمامة ﵁ أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ . وتمامه: أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما بلغ (قد قامت الصلاة) قال النبي ﷺ : (أقامها الله وأدامها). وفي سنده: (١) رجل مجهول لم يُسم. (٢) شهر بن حوشب، ضعيف. (٣) محمد بن ثابت وهو العبدي، ضعيف. والحديث ضعَّفه جمع من أهل العلم، منهم: (١) البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٦٠٥) رقم (١٩٤٠). (٢) النووي في "المجموع" (٣/ ١٣٠). (٣) الحافظ ابن حجر ﵀ في "التلخيص الحبير" (١/ ٢١١).

стр. 119

(٤) العلامة الألباني في "إرواء الغليل" (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) رقم (٢٤١) و"الثمر المستطاب" (١/ ٢١٦ - ٢١٧) (١) وقال: هو حديث ضعيف اتفاقاً. (٥) شيخنا العلامة الوادعي في "إجابة السائل" (ص: ٤٦). (٦) شيخنا العلامة ابن عثيمين في "مجموع الفتاوى" (١٢/ ٢٠١) سؤال رقم (١٣٠) و"المناهي اللفظية" (ص: ٢٨ - ٢٩). التعليق: قلت: تبين لك ضعف هذا الحديث، وأنه ليس من السنة قول: (أقامها الله وأدامها) عند إقامة الصلاة، بل هو من البدع المحدثة كما قرر ذلك أهل العلم فتنبه. لكن السنة أن تقول ما يقوله المقيم، فإن إجابة المقيم كإجابة المؤذن سواء، ويقول مثل قول المقيم: (قد قامت الصلاة)، لقوله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) رواه مسلم وغيره، والإقامة أذان لقوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) رواه البخاري ومسلم. قال العلامة الألباني-﵀: وعلى من يسمع الإقامة مثل ما على من يسمع الأذان من الإجابة والصلاة على النبي ﷺ ، وطلب الوسيلة له

стр. 120

لعموم قوله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ولأن الإقامة أذان لغة وكذلك شرعاً لقوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) يعني أذاناً وإقامة (١). اهـ.

стр. 121

(٢٨) حديث: (اقرأوا على موتاكم يس) . (ضعيف) رواه أحمد (٢٠٣٠١)، وأبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨)، وابن حبان (٧/ ٢٦٩) رقم (٣٠٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢١٢٧) عن معقل بن يسار ﵁. وهذا الحديث ضعيف فيه ثلاث علل: (١) جهالة أبي عثمان، وليس بالنهدي. (٢) جهالة أبيه. (٣) الاضطراب. "التلخيص الحبير" (٢/ ١٠٤) رقم (٧٣٤). وقد نصَّ جمع من العلماء على تضعيف هذا الحديث، منهم: (١) ابن القطان كما في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٠٤) رقم (٧٣٤). (٢) نقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث. (٣) النووي في "الأذكار" (ص: ١٩٢) رقم (٤٤٥). (٤) الصنعاني في "سبل السلام" (٢/ ١٨٦).

стр. 122

(٥) الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٢٩) رقم (١٣٦٩). (٦) الألباني في "إرواء الغليل" (٣/ ١٥٠) رقم (٦٨٨) (١). (٧) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٢١٢٧) (٢). (٨) اللجنة الدائمة (٤/ ٤١ - ٤٢). (٩) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (٢٠٣٠١). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ضعيف لا يصح، وعلى تقدير صحة هذا الحديث، فالمراد به قراءته على من حضرته الوفاة، ليتذكر ويكون آخر عهده بالدنيا سماع تلاوة القرآن لا قراءتها على من مات بالفعل. قال الحافظ ابن حجر (٣): قال ابن حبان في صحيحه عقب حديث معقل قوله: (اقرأوا على موتاكم يس) أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يُقرأ عليه. وبهذا قالت اللجنة الدائمة (٤).

стр. 123

أما مسألة إهداء ثواب قراءة القرآن للميت هل يصل إليه أم لا؟ فالجواب: أن قراءة القرآن وجعل ذلك للموتى على قسمين: أحدهما: متفق على منعه بين العلماء. والثاني: مختلف فيه. أما القسم المتفق على منعه: فقراءة القرآن للموتى بأجرة. فقراءته بأجرة للموتى لاينتفع بها الموتى باتفاق العلماء؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ وكذلك ابن أبي العز في "شرح الطحاوية" (٢) قال: وأما استئجار قوم يقرأونه ويهدونه للميت فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين ولا رخص فيه، والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف. وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء (٣) برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: عن حكم استئجار من يقرأ القرآن على قبر الميت أو على روحه؟ فأجابت: بعدم الجواز … إلخ. وسئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (٤) ﵀: عن حكم استئجار قارئ ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت؟

стр. 124

فأجاب ﵀: أن هذا من البدع … إلخ. وسئل شيخنا الوادعي (١) ﵀ عن هذه المسألة فقال: بعدم الجواز. أما الجزء الثاني من هذه المسألة: وهي قراءة القرآن للميت وإهداء ثوابها له بغير أجرة. فهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء قديماً وحديثاً كما تقدم فمنهم من منع ومنهم من أجاز: فذهب الجمهور إلى الجواز، وأن قراءة القرآن وإهداء ثوابها جائز، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز، منهم: • الإمام الشافعي ﵀. • الإمام مالك ﵀. • الإمام النووي (٢) ﵀. • الإمام ابن كثير (٣) ﵀. • الإمام ابن باز (٤) ﵀.

стр. 125

• العلامة الألباني (١) ﵀: إلا أن تكون قراءة القرآن من الولد لأنه من كسب أبيه. • العلامة الوادعي (٢) ﵀. • العلامة الفوزان (٣) -حفظه الله-. والخلاصة: ما ذكره الإمام ابن كثير تحت قوله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ ﴿النَّجم: ٣٩﴾ أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية استنبط الإمام الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات مقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذلك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. اهـ.

стр. 126

(٢٩) حديث: (الأقربون أولى بالمعروف) . (لا أصل له) اشتهر هذا الكلام على ألسنة كثير من الناس على أنه حديث عن النبي ﷺ ، والصحيح أنه لا أصل له بهذا اللفظ في كتب السنة، كما قال ذلك أهل العلم، منهم: (١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٩٦) رقم (١٤١). (٢) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٨٣) رقم (٣٧٦). (٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (٤٣٦). (٤) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٣٧٧) رقم (٣٧٦). التعليق: قلت: يتوهم بعض العامة أن هذا الكلام آية في كتاب وهذا غلط، وإنما في القرآن قوله تعالى ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ﴿البقرة: ٢١٥﴾. وقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ ﴿البقرة: ١٨١﴾. وجاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة ﵁: (أرى أن تجعلها في الأقربين).

стр. 127

وهذا كله إذا أوقف أو أوصى لأقاربه، وإليه الإشارة في التنزيل … ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ﴿الأحزاب: ٦﴾ (١). فيكون معنى هذا القول صحيحاً، والله أعلم.

стр. 128

(٣٠) حديث: (أكثروا ذكرالله حتى يقولوا مجنون) . (ضعيف) أخرجه أحمد (١١٦٧٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢/ ١٣٠) رقم (١٣٧١)، وابن حبان (٣/ ٩٩) رقم (٨١٧)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٦٨٣) رقم (١٨٩١)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١١)، والبيهقي في "الشعب" (١/ ٣٩٧) رقم (٥٢٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁. وفي سنده: درَّاج بن سمعان أبو السمح المصري، في روايته ضعف عن أبي الهيثم؛ ودرَّاج ذو مناكير، وهذا من جملة مناكيره. كما قال ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٦). وقد ضعَّف هذا الحديث: (١) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٦). (٢) العلامة الألباني في "الضعيفة" رقم (٥١٧) (١). (٣) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (١/ ٦٨٣) رقم (١٨٩٢). (٤) شعيب الأرنؤوط في "تحقيق المسند" رقم (١١٦٧٤).

стр. 129

التعليق: قلت: وإن كان هذا الحديث ضعيفاً، فقد جاء في الكتاب والسنة الصحيحة ما يُغني عنه، فقد أمر الله في كتابه عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، بالليل والنهار، وفي البر والبحر، وفي السفر والحضر، وفي الغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، وفي السر والعلن، وفي كل حال، ورتب على ذلك جزيل الأجر، وعظيم الثواب، وجميل المآب قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا … (٤٤)﴾ ﴿الأحزاب: ٤١ - ٤٤﴾. ففي هذه الآيات الحث على الإكثار من ذكر الله تعالى، وبيان ما يترتب على ذلك من أجر عظيم، وخير عميم وقوله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ فيه أعظم الترغيب في الإكثار من ذكر الله، وأحسن حظ على ذلك، أي: أنه سبحانه يَذكُركم فاذكروه أنتم فهو نظير قوله تعالى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ ﴿البقرة: ١٥١ - ١٥٢﴾.

стр. 130

فالجزاء من جنس العمل، فمن ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في ملأٍ ذكره الله في ملأٍ خير منه، ومن نسي الله نسيه الله، فالمكثرون من ذكر الله لهم الحظ الأوفر والنصيب الأكمل من ذكر الله لهم، وصلاته عليهم وملائكته. روي عن ابن عباس ﵄ في معنى الآية أنه قال: فإذا فعلتم ذلك، أي: أكثرتم من ذكر الله صلى الله عليكم هو وملائكته. ويقول الله تعالى في آية أخرى مبيناً فضل الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، منوهاً بشأنهم، معلياً لذكرهم مبيناً لعظيم أجرهم وثوابهم ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿الأحزاب: ٣٥﴾ أي: هيأ لذنوبهم الصفح والغفران، ولأعمالهم الصالحة الأجر العظيم، والدرجات العالية في الجنان، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب إنسان. إن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، هم المُفرِّدون السابقون إلى الخيرات، المحظوظون بأرفع الدرجات وأعلى المقامات، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له: جمدان فقال: (سيروا هذا جمدان، سبق المفردون) قالوا: وما المفردون؟ قال: (الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) وقد فسر رسول الله ﷺ المفردين بأنهم

стр. 131

الذاكرون الله كثيراً والذاكرات، وأصل المفردين كما يقول ابن قتيبة وغيره: الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم وبقوا يذكرون الله تعالى. إن من يتأمل هذه النصوص وغيرها من النصوص الكثيرة الواردة في بيان عظيم أجر الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وجزيل ثوابهم، وما أعد الله لهم من النعيم المقيم، والثواب الكبير يوم القيامة لتتحرك نفسه شوقاً وطمعاً ويهتز قلبه حباً ورغباً في أن يكون من هؤلاء، أهل هذا المقام الرفيع والمنزلة العالية. لكن بمَ ينال العبد ذلك؟ هذا سؤال عظيم يجدر لكل مسلم أن يقف عنده ويعرف جوابه، وقد جاء عن السلف في معنى الذاكرين الله كثيرا والذاكرات نُقُولٌ عديدة، منها: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وقد سئل أبو عمرو بن الصلاح فيما نقله النووي عنه في كتاب "الأذكار" عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات؟ فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء

стр. 132

في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في كتاب "عمل اليوم والليلة"، كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. ويقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في "تيسير الكريم الرحمن": وأقل ذلك أن يلازم الإنسان أوراد الصباح والمساء، وأدبار الصلوات الخمس، وعند العوارض والأسباب، وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات على جميع الأحوال، فإن ذلك عبادة يسبق بها العامل وهو مستريح، وداع إلى محبة الله ومعرفته، وعون على الخير، وكف اللسان عن الكلام القبيح. أسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى أن يجعلني وإياكم من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، من الذين أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير (١). اهـ. ملحوظة: لقد اشتهر بين العامة أن من أكثر من القراءة في الكتب أنه يُصاب في عقله بالجنون. وهذا جنون، فإن القراءة في كتاب الله وفي كتب العلم النافعة تزيد في العقل والدين، ففي العلم شفاء وفي الكتب النافعة دواء.

стр. 133

وأما من يُصاب في عقله بالجنون فهذا نتيجة القراءة في كتب السحر والشعوذة فهي تسبب الجنون والصرع والهوس لأنها كتب ضلال مليئة بالمحرمات والمخالفات والشركيات والخزعبلات، مثل: كتاب "شمس المعارف"، و"المندل السليماني"، و "السبعة العهود"، و"نتيجة فلكي بيت الفقيه"، وغيرها من كتب السحر والضلال. فنعوذ بالله من الزيغ والضلال.

стр. 134

(٣١) حديث: (إكرام الميت دفنه) . (لا أصل له) … لقد اشتهر هذا الكلام على ألسنة كثير من الناس على أنه حديث عن النبي ﷺ ، ولا أصل له مرفوعاً كما قال ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: (١) السخاوي في "المقاصد الحسنه" (ص: ١٠١) رقم (١٥٠) قال: لم أقف عليه مرفوعاً، وإنما أخرجه ابن أبي الدنيا من جهة أيوب السختياني قال: كان يُقال: (من كرامة الميت على أهله تعجيله إلى حفرته). (٢) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٣٠). (٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٩١) رقم (٥٠٤). (٤) البيروتي في "أسنى المطالب" (٢٤٩). (٥) العلامة الألباني في "أحكام الجنائز" (ص: ٢٤). التعليق: قلت: اتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يُخاف من الإسراع انفجار الميت ونحوه. ذكر الاتفاق ابن قدامة (١).

стр. 135

وقال الإمام أبو شامة الشافعي (١): ومما يفعله الناس اليوم في الجنائز بدع كثيرة، ومخالفة لما ثبت في السنة من ترك الإسراع بها … إلخ. وقد قال الإمام ابن القيم (٢) في معرض سياق هدي النبي ﷺ في الجنائز: وكان يأمر بالإسرع بها حتى وإن كانوا يرملون بها رملاً، وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود. وقال الإمام الصنعاني (٣): قال القرطبي: مقصود الحديث يعني حديث أسرعوا بالجنازة، أن لايتباطأ بالميت عن الدفن ولأن البطء ربما أدى إلى التباهي والاختيال. اهـ. والأصل في الإسرع بالجنازة قوله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة … ) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن الأربع عن أبي هريرة ﵁. وقوله ﷺ : (إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني) أخرجه البخاري وغيره عن أبي سعيد ﵁. وعن عبد الرحمن بن جوشن قال: كنت في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، فجعل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير،

стр. 136

ثم يقولون: رُويداً رُويداً بارك الله فيكم، فلحقهم أبو بكرة في بعض سكك المدينة، فحمل عليهم بالبغلة وشد عليهم بالسوط، وقال: (خلوا والذي أكرم وجه أبي القاسم ﷺ لقد رأيتُنا في عهد النبي ﷺ لنكاد أن نرمل بها رملاً) (١).

стр. 137

(٣٢) حديث: (أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم) . (ضعيف جداً) … رواه ابن ماجه (٣٦٧١)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢١٤) رقم (٢٦١)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ٢٨٨) عن أنس ﵁ مرفوعاً. وفي سنده: (١) الحارث بن النعمان. روى العقيلي (١/ ٢١٤) رقم (٢٦١) عن البخاري أنه قال فيه: منكر الحديث. وساق له هذا الحديث. (٢) سعيد بن عمارة. قال الأزدي: متروك، وقال ابن حزم: مجهول. وقال الحافظ: ضعيف. وقال الذهبي: جائز الحديث. قال العلامة الألباني: والأقرب قوله في "الكاشف" مستور. "تهذيب التهذيب" (٤/ ٥٩) رقم (٢٤٦٠)، و"التقريب" (٢٣٨٠)، و"الميزان" (٢/ ١٥٣) رقم (٣٢٤٤). وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) البخاري كما نقل عنه العقيلي وغيره. (٢) العقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢١٤) رقم (٢٦١).

стр. 138

(٣) الذهبي في "الميزان" (٢/ ١٥٣). (٤) البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٢٢٢). (٥) ابن حجر في "تهديب التهذيب" (٤/ ٥٩). (٦) السيوطي في "الجامع الصغير" مع الفيض (١٤١٩). (٧) المناوي في "فيض القدير" (٢/ ١١٥). (٨) الألباني في "الضعيفة" (١٦٤٩) (١). التعليق: قلت: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، لكن معناه صحيح. قال المناوي (٢): (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم) بأن تعلموهم رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، وتخرجوهم في الفضائل وتمرنوهم على المطلوبات الشرعية، ولم يرد إكرامهم بزينة الدنيا وشهواتها. والأدب استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً واجتماع خصال الخير، أو وضع الأشياء موضعها، أو الأخذ بمكارم الأخلاق، أو الوقوف مع كل مستحسن، أو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك، أو الظرف وحسن التنازل، أو مجالسة الخلق على بساط الصدق، ومطالعة الحقائق بقطع العلائق.

стр. 139

قال بعض العارفين: الأدب طبقات فأكثر طبقات أدب أهل الدنيا في الفصاحة والبلاغة، وحفظ العلوم وأشعار العرب، وأدب أهل الدين رياضة النفس وترك الشهوات، وأدب الخواص طهارة القلوب. اهـ. قلت: لا شك أن الإسلام أمر بإكرام الأولاد، وتربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة، ورتب على ذلك الأجر العظيم، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ﴿التَّحريم: ٦﴾. فالآباء والأمهات مسؤولون أمام الله عن تربية هذا الجيل، فإن أحسنوا تربيته سَعِدَ وسعدوا في الدنيا والآخرة، وإن أهملوا تربيته شقي، وكان الوزر في أعناقهم، ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه: (كلكلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فبشرى لكم أيها الآباء بقوله ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. فليكن إصلاحك لنفسك أيها الأب قبل كل شيء، فالحَسَن عند الأولاد ما فعلت، والقبيح ما تركت، وإن حُسن سلوك الآباء والأمهات أمام الأولاد أفضل تربية لهم، لأن الأبوين هما القدوة الحسنة، في نظر الأبناء. قال بعض العلماء موجهاً الآباء في تربية الأولاد:

стр. 140

لا يرضع إلا صالحة لا تأكل الحرام فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة له، وإذا رضع منه مال طبعه إلى ما يناسبه من الخبائث، ثم يعلمه آداب الأكل بحيث لا يوالي اللقم ولا يلطخ يده وثوبه، ويذم عنده سيئ الأخلاق من الصبيان، ويمدح حسان أخلاقهم، ثم يجب أن يقدم إلى المكتب لتعليم القرآن، ويذكر عنده أحاديث الأنبياء ومناقب الصلحاء، ويحفظه عمن لا يضبط لسانه عن الفحش ولا جوارحه عن القبائح كالشعراء، فإذا صدر منه خلق جميل أو فعل حسن يكرم ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح به بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك أحيانا يتغافل ولا يكشف، فإن عاد ثانياً يعاقب سراً ويهدده ويجعل الأمر عظيماً، ولا يكثر التخويف بالعقاب في كل حين، والأم تخوفه بالأب وتزجره بالقبائح، ويعود الخشونة من الطعام والملبس والمفرش، ويعود التواضع والحلم والإكرام لكل من عاشره، ويعلم العطاء ويمنع الأخذ من كل أحد، ويقبح إليه الدراهم والدنانير والطمع، ويعلم آداب الجلوس عند الناس ويمنع من كثرة الكلام، ويؤذن بعد المكتب أو التعليم باللعب اليسير لئلا يذهب ذكاؤه ويموت قلبه، ويعلم طاعة الوالدين وطاعة معلمه ومؤدبه ومن هو أكبر سناً منه، وقواعد إكرامهم ويمنع من اللعب في محضرهم ويعلمه من حدود الشرع، ويخوفه من نحو السرقة والحرام ومن نحو الغيبة والكذب وفحشيات الكلام، ويعلمه فناء الدنيا وزوالها

стр. 141

وأن الموت منتظر في كل ساعة، ويرغبه في نعيم الجنة وما يدعو إليها، ويخوفه النار وما يكون باعثاً إليها ويقول إن الجنة لمن كان قارئاً وعالماً والنار لمن كان جاهلاً وفاسقاً. واعلم أن الصبي خلق جوهرة قابلة للنقش للخير والشر جميعاً، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين، قال ﷺ : (كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) فأكل الحرام منشأ لكون الولد شريراً فإنهما عند عدم اجتنابهما من الحرام يكون طبع الولد مائلا إلى كل الشر، وفي هذا الزمان أكثر الناس شريراً وفاسقاً إنما هو من حصولهم من لقمة الحرام كذا في التبيين وفي الشرعة، ويعلم الكتاب إذا عقل وما يحتاج إليه من الفرائض والسنن، ويعلم السباحة والرمي، ولا يرزقه إلا طيباً، وأن الولد أمانة الله أودعه إياها طاهراً مطهراً، فيجتهد في صيانة دينه وعرضه، ويؤدبه بآداب الله، فإن ذلك خير له من كثير من القرب فإنه مسئول عنه يوم القيامة ومؤاخذ بالتقصير، فإذا تكلم يعلمه أولاً كلمة التوحيد لا إله إلا الله، ويعوده على فعل الخيرات وثوابه للوالد، ويسوي بين أولاده في العطاء، ويعاشر الأولاد بالمرحمة والعطف واللين، ويقبلهم عن شفقة ورأفة ويباسطهم في الكلام واللعب المباح، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يدلع لسانه للحسن، فإذا رأى الصبي حمرة لسانه يفرح.

стр. 142

(٣٣) حديث: (أكرموا عمتكم النخلة) . (موضوع) أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٥٦) رقم (١٨٥٣)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٨٣) رقم (١٩١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٣٢) رقم (٨٠٦٧) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خُلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوالد الرطب، فإن لم يكن رطباً فتمراً). والحديث في إسناده: مسرور بن سعيد التيمي. وهو منكر الحديث كما قال ابن عدي في "الكامل"، وابن حبان في "المجروحين". قلت: وقد حكم جمع من أهل العلم ببطلان هذا الحديث، منهم: (١) ابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٨٣) رقم (١٩١٠) قال: هذا حديث عن الأوزاعي منكر، وعروة بن رزيم عن علي ليس بالمتصل، ومسرور بن سعيد غير معروف، لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث. (٢) ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٤٤ - ٤٥).

стр. 143

(٣) ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٩٠) رقم (٣٨٥). (٤) ابن كثير في "التفسير" (٣/ ١٦٠). (٥) السخاوي في "المقاصد" (ص: ١٠٥) رقم (١٥٦). (٦) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٤٢). (٧) ابن عراق الكناني في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٠٩) رقم (٧٥). (٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٩٥) رقم (٥١١). (٩) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٤٣٧) رقم (٦٠). (١٠) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٢٨٢، ٢٨٣) رقم (٢٦١، ٢٦٣) و"ضعيف الجامع" (١١٣٦). وجاء الحديث عن ابن عمر بلفظ: (أحسنوا إلى عمتكم النخلة … ) رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٠٠) رقم (٣٤٨). وفي إسناده: جعفر بن أحمد بن علي الغافقي، وضَّاع. قال ابن عدي: لا أشك أنه وضع هذا الحديث. التعليق: قلت: هناك ما يُغني عن هذا الحديث الذي لم يثبت عن النبي ﷺ في فضل النخلة، فقد ذكر الشيخ الفاضل الدكتور عبد الرزاق بن عبد

стр. 144

المحسن البدر -حفظه الله- في كتابه "الفوائد المنثورة" (١) كلاماً نفسياً تحت عنوان: (مماثلة المؤمن للنخلة). قال-حفظه الله-: إن الشجرة الكريمة المباركة أعني -النخلة- التي هي أفضل الشجر وأطيبه وأحسنه، قد جعلها الله في كتابه الكريم مثلاً لعبده المؤمن يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٤ - ٢٥﴾. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ماهي؟). فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي النخلة) (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مثل المؤمن مثل النخلة، ما أخذت منها من شيء نفعك) (٣).

стр. 145

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بقناع عليه رطب، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ (٢٥)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٤ - ٢٥﴾. قال: (هي النخلة). ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٦﴾. قال: (هي الحنظل). قال: فأخبرت أبا العالية، فقال: صدق وأحسن (١). والنخلة إنما حازت هذه الفضيلة العظيمة بأن جعلت مثلاً لعبد الله المؤمن، لأنها أفضل الشجر، وأكثره عائدةً، ويكفيها فضيلة أنها خُصت من بين سائر الشجر بأن جعلت مثلاً للمؤمن، مما يدل على كريم فضلها ورفيع قدرها، وتنوع فضائلها كثبات أصلها وارتفاع فرعها، وإيتائها أكلها كل حين، ووصفها بالبركة وأنها لايؤخذ منها شيء إلا نفع، ونحو ذلك مما يدل على فضل النخلة وتميزها، وتشابهها مع المؤمن المطيع لله الذي قامت في قلبه كلمة الإيمان وانغرست في صدره، وأخذت تثمر الثمار اليانعة والخير المتنوع.
следующие страницы →