(٤٠) حديث: (أنزلوا الناس منازلهم) .
(ضعيف)
أخرجه أبو داود (٤٨٤٢)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص: ٤٩) عن عائشة رضي لله عنها، أنه مر بها سائل فأعطته كسرة خبز، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال رسول الله ﷺ : (أنزلوا الناس منازلهم).
هذا الحديث ضعيف لسببين:
(١) الانقطاع بين ميمون بن أبي شبيب وعائشة ﵂. قال أبو داود ﵀: ميمون لم يدرك عائشة.
(٢) حبيب بن أبي ثابت: مُدلس وقد عنعن.
قلت: والحديث ذكره الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٧٠) تعليقاً، وشرطه في المقدمة ليس كشرطه في الصحيح.
وقد أشار لضعفه بقوله: ويُذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت … فذكره.
وقد ضعَّف الحديث أيضاً:
(١) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٧٥) رقم (٢٧٣٥) و (٢٧٣٦).
стр. 177
(٢) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٨٩٢) و (١٨٩٤)(١).
والحديث ذكره السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١١٨) رقم (١٧٩)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٤١) رقم (٦٢٩)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ٣٤).
التعليق:
قلت: لا شك أن معنى هذا الحديث صحيح، فمراعاة مراتب الناس ومكانتهم، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، فيُكرم الكريم ويُعز العزيز، ويُقال لذوي الهيئات عثراتهم، هذا أمر نادت به الشريعة، وبُعث ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق.
قال المناوي (٢): (أنزلوا الناس منازلهم) أي: احفظوا حرمة كل أحد على قدره، وعاملوه بما يلائم حاله في دين وعلم وشرف، فلا تسووا بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس، فإنه يورث عداوة وحقداً في النفوس.
وقال العسكري: هذا مما أدب به المصطفى ﷺ أمته من إيفاء الناس حقوقهم من تعظيم العلماء والأولياء، وإكرام ذي الشيبة وإجلال الكبير وما أشبه ذلك.
стр. 178
وقال الإمام مسلم: فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق فيه حقه من قوله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ ﴿يوسف: ٧٦﴾ وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها، وقد سوى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأشباهها مما هو معروف (١).
فائدة:
جاء عند أبي داود ﵀ وغيره عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) (٢).
وقال ﵀: روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: (وذووا الهيئات الذين يقالون عثراتهم) الذين ليسوا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة.
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": ويُستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل ابن عبد البر وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم، وهي محمولة على ما لم يبلغ الإمام (٣).
стр. 179
(٤١) حديث: (إن تحت كل شعرة جنابة) .
(ضعيف)
رواه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧، ٥٩٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣/ ١٩) رقم (٢٧٤٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ٤٨٠) رقم (٥١١) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁.
ومداره على الحارث بن وجيه، وهو ضعيف.
قال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو داود: حديثه منكر، وهو ضعيف.
وقال الترمذي: شيخ ليس بذاك. انظر "تهذيب التهذيب" (٢/ ١٤٩).
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على ضعف هذا الحديث، منهم:
(١) الإمام الشافعي قال: هذا الحديث ليس بثابت.
(٢) البيهقي قال: أنكره أهل العلم بالحديث، كـ:
(٣) البخاري.
(٤) وأبي داود وغيرهم. اهـ. انظر"سنن البيهقي" (١/ ٢٧٠ - ٢٧٦) و"التلخيص الحبير" (١/ ١٤٢).
стр. 180
(٥) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٨٣) رقم (٣١٧).
(٦) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٤٠).
(٧) العجلوني في "كشف الخفاء" رقم (٢٦٨) و (٩٥٢).
(٨) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٣٨٠١)(١).
(٩) شيخنا العلامة الوادعي في "قمع المعاند" (ص: ٤٣٢ - ٤٣٣) و"فتاوى المراة المسلمة" (ص: ٩٠).
قلت: وجاء عند أبي داود وغيره عن علي ﵁: (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل الله به كذا وكذا من النار).
وقد ضعَّف هذا الحديث العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٩٣٠) والإرواء (١٣٣).
التعليق:
قال العلامة الألباني ﵀: وقد ثبت في غير ما حديث صحيح أنه لا يجب على المرأة أن تنقض شعرها في غسل الجنابة، فالرجل مثلها إن كان له شعر مظفور كما هو معروف من عادة العرب قديماً، واليوم أيضاً عند بعض القبائل، وأما في الحيض فيجب نقضه هذا هو الأرجح
стр. 181
الذي تقتضيه الأحاديث الواردة في هذا الباب، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها في الحيض: (انقضي شعرك واغتسلي).
وقال ﵀: استدل الصنعاني بالحديث على أن نقض الشعر من المرأة الحائض في غسلها ليس واجباً عليها بل هو على الندب لذكر الخطمي والأشنان فيه، قال: (إذ لا قائل بوجوبهما فهو قرينة على الندب).
قلت (الألباني): وإذا عرفت ضعف الحديث فالاستدلال به على ما ذكر الصنعاني غير صحيح، لا سيما وقد ثبت من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها في الحيض: (انقضي شعرك واغتسلي) ولهذا كان أقرب المذاهب إلى الصواب التفريق بين غسل الحيض فيجب فيه النقض، وبين غسل الجنابة فلا يجب، كما بينت ذلك في الكلام على حديث عائشة في الأحاديث الصحيحة (١٨٨).
قلت: ومذهب الجمهور أنه إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجب النقض.
стр. 182
(٤٢) حديث: (إن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً) .
(ضعيف جداً)
أخرجه أحمد (٢٤٨٤٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٤٢) رقم (٣١١)، والطبراني في "الكبير" (٢٦٤) و (٥٤٠٧)، وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ١٣٢) عن حبيب بن أبي مرزوق قال: قَدِمَتْ عير لعبد الرحمن بن عوف، قال: فكان لأهل المدينة يومئذ رجَّة، فقالت عائشة ﵂: ما هذا؟
قيل لها: عير لعبد الرحمن قدمت، فقالت عائشة ﵂: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط، يميل به مرة ويستقيم أخرى، حتى يفلت ولم يكد، قال: فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، قال: هي وما عليها صدقة، قال: وما كان عليها أفضل منها، قال: وهي يومئذ خمسمائة راحلة).
قلت: حبيب بن أبي مرزوق لم يدرك عائشة ﵂، بل قال في "التقريب" (١٠٩٥): متروك، كذَّبه أبو داود وجماعة.
ومن طريق أخرى، أخرجه الحاكم (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢) رقم (٥٤٢٥) أن رسول الله ﷺ قال: (يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفاً فأقرض الله يطلق قدميك)، قال: فما أقرض الله؟ قال: (تتبرأ مما
стр. 183
أنت فيه)، قال: يا رسول الله من كله أجمع؟ قال: (نعم) فخرج ابن عوف وهو يهمّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، فقال: (أتاني جبريل، فقال: مر ابن عوف فليضف الضيف، ويطعم المسكين، وليعطِ السائل وليبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه).
وهذا الحديث ضعيف جداً: في سنده خالد بن يزيد بن أبي مالك.
قال أحمد: ليس بشيء.
وقال النسائي: غير ثقة.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال الحافظ: ضعيف مع كونه فقيهاً، وقد اتهمه ابن معين.
"ميزان الاعتدال" (١/ ٦٤٥) رقم (٢٤٧٥). "التقريب" (١٦٩٨).
ومن طريق أخرى أخرجه أحمد.
قال الشوكاني: وفي إسناده عماره بن زاذان، وهو يروي المناكير، وقد قال أحمد: هذا حديث كذب منكر.
وقال النسائي: الحديث موضوع.
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب": ورد من حديث جماعة من الصحابة (أن عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة حبواً لكثرة ماله).
ولا يسلم أجودها من مقال. "الفوائد المجموعة" (ص: ٣٥٦ - ٣٥٧).
стр. 184
وقال الحافظ في "القول المسدد": والذي أراه عدم التوسع في الكلام فإنه يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب. "تنزيه الشريعة" لابن عراق (٢/ ١٥).
قلت: قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨): باطل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية "في مجموع الفتاوى" (١١/ ١٢٨ - ١٢٩): كلام موضوع لا أصل له.
وقد ضعّف الحديث العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٧٧٢).
وشيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٥٤٢٥).
التعليق:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: ما روي أن ابن عوف يدخل الجنة حبواً كلام موضوع لا أصل، فإنه قد ثبت في الكتاب والسنة أن أفضل الأمة أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، والعشرة مفضلون على غيرهم.
وقال ابن الجوزي (٢) ﵀: وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جهلة المتزهدين، ويرون أن المال مانع من السبق إلى الخير، ويقولون: إذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفاً لأجل ماله كفى ذلك في ذم المال.
стр. 185
قلت: حاشا عبد الرحمن بن عوف المشهود له بالجنة، الذي شهد بدراً وأحداً، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ أن يمنعه ماله من السبق، لأن جمع المال مباح، وإنما المذموم كسبه من غير وجهه، ومنع الحق الواجب فيه، وأن يكون سبباً في صدك عن الخير، وقد قال النبي ﷺ : (نعم المال الصالح للرجل الصالح) رواه أحمد وغيره.
وقد كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ كثير الإنفاق في سبيل الله ، أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً.
(وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بعده بأربعين ألف دينار) (١).
стр. 186
(٤٣) حديث: (إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج) .
(لا أصل له) …
لقد اشتهر هذا الحديث على ألسِنة كثير من الأئمة عند تسويتهم للصفوف في الصلاة، وهو حديث لايصح ولا يثبت عن النبي ﷺ .
(١) قال العلامة ابن باز ﵀: لا أصل له. كما نقل عنه الطيار في "لقاءاتي مع الشيخين ابن باز وابن عثيمين" اللقاء السادس.
(٢) قال شيخنا المحدث مقبل الوادعي ﵀ في "المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح" (ص: ١١ - ١٢): … بعض الائمة عند تسوية الصفوف يقول: (استووا فإن الله لاينظر إلى الصف الأعوج). وهذا لايثبت عن النبي ﷺ ، ويكفي أن تقول: استووا؛ فإن النبي ﷺ يقول: (لتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم).
(٣) قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في كتابه العظيم "الشرح الممتع على زاد االمستقنع" (٣/ ١٤): وهاهنا حديث مشهور بين الناس وليس له أصل، وهو: (إن الله لاينظر إلى الصف الأعوج). وتكلَّم ﵀ بكلام عظيم عن مسألة تسوية الصف فانظره إن شئت.
стр. 187
(٤) قالت اللجنة الدائمة في "الفتاوى" (٣٢/ ٣٢٨) رقم الفتوى (١٦٧٤٤): هذا اللفظ في تسوية الصفوف: مشتهر على الألسنة، وهو لا أصل له عن النبي ﷺ ، فلا يشرع أن يقال لتسوية الصفوف به، ويكتفى بما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك، مثل قوله ﷺ : (استووا اعتدلوا) ونحوهما.
(٥) قال الشيخ مشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٢١٤): هذا الحديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله ﷺ بل لا أصل له.
التعليق:
قلت: كثير من أئمة المساجد يستدلون به عند خطابهم للمصلين بتسوية الصفوف (١)، فالواجب على الإمام أن يتحرى الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وأن يبتعد عن الأحاديث الضعيفة والواهية، وهناك نصوص كثيرة في الأمر بتسوية الصفوف تغني عن هذا الحديث الذي لا أصل له.
وقد بوب العلامة الألباني ﵀ في "الصحيحة" (٢): "باب وجوب إقامة الصفوف في صلاة الجماعة".
стр. 188
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (أقيمت الصلاة، وأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم -ثلاثاً -، والله لَتُقِيمُنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم).
قال ﵀: ففي هذين الحديثين فوائد هامه:
الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها للأمر بذلك والأصل فيه الوجوب، إلا لقرينة كما هو مقرر في الأصول، والقرينة هنا تؤكد الوجوب وهو قوله ﷺ : (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) فإن مثل هذا التهديد لا يُقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى.
الثانية: أما التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب وحافة القدم بالقدم، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة ﵃ حين أمِروا بإقامة الصفوف والتراص فيها، ولهذا قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس، وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته.
стр. 189
ومن المؤسف أن هذه السُّنَّة من التسوية قد تهاون بها المسلمون بل أضاعوها إلا القليل منهم، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث فإني رأيتهم في مكة سنة (١٣٦٨ هـ) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى ﵊، بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة -لا أستثني منهم حتى الحنابلة- فقد صارت هذه السنة عندهم نسياً منسياً، بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره كما جاء مفصلاً في الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٢٠٧)، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة، وإنما هو مجرد رأي، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة كما تقتضيه القواعد الأصولية.
وخلاصة القول: إنني أهيب بالمسلمين وخاصة أئمة المساجد الحريصين على اتباعه ﷺ واكتساب فضيلة إحياء سنته ﷺ ، أن يعملوا بهذه السُّنَّة ويحرصوا عليها ويدعوا الناس إليها، حتى يجتمعوا عليها جميعاً وبذلك ينجون من تهديد (أو ليُخالفنَّ الله بين قلوبكم).
وأزيد في هذه الطبعة فأقول: لقد بلغني عن أحد الدعاة أنه يهوِّن من شأن هذه السُّنَّة العملية التي جرى عليها الصحابة، وأقرهم النبي ﷺ عليها، ويلمح إلى أنه لم يكن من تعليمه ﷺ إياهم ولم ينتبه والله أعلم
стр. 190
إلى أن ذلك فَهْم منه أولاً، وأنه ﷺ قد أقرهم عليه ثانياً، وذلك كافٍ عند أهل السنة في إثبات شرعية ذلك لأن الشاهد يرى مالا يرى الغائب، وهم القوم لا يشقى متَّبع سبيلهم.
الثالثة: في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهي رؤيته ﷺ من ورائه ولكن ينبغي أن يُعلم أنها خاصة في حالة كونه ﷺ في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السُّنَّة أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضاً. والله أعلم.
الرابعة: في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس وإن كان صار معروفاً في علم النفس، وهو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن، والعكس بالعكس، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة لعلنا نتعرض لجمعها وتخريجها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.
الخامسة: أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن: (قد قامت الصلاة) بدعة لمخالفتها للسُّنَّة الصحيحة، كما يدل على ذلك هذان الحديثان، لا سيما الأول منهما؛ فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجباً ينبغي عليه القيام به، وهو أمر الناس بالتسوية مذكراً لهم بها، فإنه مسؤول عنهم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته … ) (١).
стр. 191
(٤٤) حديث: (إن الله يحب المؤمن المحترف) .
(ضعيف) …
رواه الطبراني في "الكبير" (١٣٢٠٠) و"الأوسط" (٨٩٢٩)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٥٠)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠) رقم (٩٦٨)، والديلمي في "الفردوس" (٥٧٠)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٨٨) رقم (١٢٣٧).
وفي سنده: أبو الربيع السَّمَّان.
قال هشيم: كان يكذب.
وقال الدارقطني: متروك. انظر "مجمع الزوائد" (٤/ ٦٢).
وممن ضعَّف هذا الحديث:
(١) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠) رقم (٩٦٨).
(٢) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٦٢).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٩١) تحت حديث (٧٦٣).
(٤) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٣) رقم (١٣) كتاب المعاملات.
(٥) الألباني في "الضعيفة" (١٣٠١) و"الترغيب والترهيب" (١٠٤٣).
стр. 192
التعليق:
قلت: ويُغني عن هذا الحديث الضعيف ما جاء في "صحيح البخاري" وغيره عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).
وقال ﷺ : (ما كسب الرجل كسباً أطيب من عمل يده) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
стр. 193
(٤٥) حديث: (إن الله يحب الملحين في الدعاء) .
(باطل) …
رواه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٤٥٢)، وابن عدي في "الكامل" (٥٠٠)، والطبراني في "الدعاء" عن عائشة ﵂.
وفي سنده: يوسف بن السفر، وهو كذَّاب.
قال البخاري: كان يكذب.
وقال أبو زرعة: كان متروك الحديث.
وقال النسائي: متروك الحديث. "الكامل" (٨/ ٤٩٧ - ٥٠٠).
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على بطلان هذا الحديث، منهم:
(١) ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٠٨٧) وقال قال أبى: هذا حديث منكر نرى أن بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعى.
(٢) العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٤٥٢).
(٣) ابن عدي في "الكامل" (٥٠٠).
(٤) البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٣٨) رقم (١١٠٩).
(٥) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٢٦).
стр. 194
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (٣٣٠).
(٧) الألباني في "الضعيفة" (٦٣٧)، و"الإرواء" (٦٧٧).
التعليق:
تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ ، أما من جهة المعنى فإن المقصود من الإلحاح في الدعاء تكراره، وقد ثبت ذلك من فعل النبي ﷺ ، كما عند مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً).
قال النووي (١) ﵀: فيه استحباب تكرير الدعاء ثلاثاً.
وقوله: (وإذا سأل) هو الدعاء، لكن عطفه لاختلاف اللفظ توكيداً.
وقال البخاري-﵀: باب تكرير الدعاء، ثم ذكر فيه حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ دعا الله تعالى، وكرر الدعاء لما سحره لبيد بن الأعصم اليهودي.
قالت عائشة ﵂: (حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة دعا رسول الله ﷺ ثم دعا ثم دعا … ) الحديث. رواه البخاري ومسلم واللفظ له (٢).
стр. 195
وقال ابن القيم (١) ﵀: ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء.
وفي كتاب "الزهد" (٢) للإمام أحمد ﵀: عن قتادة قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة فهو يدعو: يارب، يارب، لعل الله أن ينجيه.
стр. 196
(٤٦) حديث: (أنفق ما في الجيب يأتك ما في الغيب) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، على أنه حديث عن النبي ﷺ ، وليس كذلك إنما هو من كلام الناس، كما قال:
(١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٣١) رقم (٢٠٣).
(٢) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٥٨) رقم (٥٤).
(٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٣٧).
(٤) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٤٥) رقم (٦٤١).
(٥) الصالحي في "الشذرة" (١/ ١٤٠) رقم (١٨٢).
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (٤٠٣).
(٧) القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص: ١٤٠).
(٨) الصعدي في "النوافح العطرة" (٢٨٨).
التعليق:
قلت: ويُغني عنه قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ … الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ ﴿سبأ: ٣٩﴾. والحديث القدسي: (أنْفق أُنفق عليك) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
وحديث: (اللهم أعطِ منفقاً خلفاً وممسكاً تلفاً) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
стр. 197
(٤٧) حديث: - زيادة - ( … إنك لا تخلف الميعاد) .
(شاذة) …
هذه الزيادة أخرجها البيهقي في "السنن الكبرى": (١/ ٦٠٣) رقم (١٩٣٣)، وهي شاذة لأنها لم ترد في جميع طرق الحديث الذي يُقال بعد الأذان.
وأصل الحديث عند أحمد والبخاري والأربعة عن جابر ﵁ كلهم بدون ذكر هذه الزيادة، أن النبي ﷺ قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي).
وقد ضعَّف هذه الزيادة:
(١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٥٤).
(٢) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٨٣) رقم (١٢٨٩).
(٣) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٩٩) رقم (١٦٣).
(٤) شيخنا الوادعي في "الشفاعة" (ص: ٢٣٥) قال: زيادة تفرد بها محمد بن عوف الطائي، وقد خالف البخاري، وأحمد، ومحمد بن سهل بن عسكر البغدادي، وإبراهيم بن يعقوب وهوالجوزجاني، وعمرو بن منصور، ومحمد بن يحيى وهو الذهلي، والعباس بن الوليد
стр. 198
الدمشقي، ومحمد بن أبي الحسين، وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، وموسى بن سهل. هؤلاء عشرة يروون الحديث عن علي بن عياش وليس فيه هذه الزيادة: (إنك لاتخلف الميعاد) ويُعتبر محمد بن عوف الطائي شاذاً ويُحكم على زيادته بالضعف؛ والله أعلم.
(٥) العلامة الألباني في "الإرواء" (١/ ٢٦٠) قال: زيادة (إنك لا تخلف الميعاد) في آخر الحديث عند البيهقي وهي شاذة، لأنها لم ترد في جميع طرق الحديث عن علي بن عياش. وقال أيضاً في تحقيقه لكتاب "إصلاح المساجد" للقاسمي (ص: ١٣١): وأما زيادة (الدرجة الرفيعة) و (إنك لا تخلف الميعاد) فبدعة لم ترد (١).
(٦) العلامة بكر أبو زيد في "تصحيح الدعاء" (ص: ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٧) العلامة ربيع المدخلي في تحقيقه "للتوسل والوسيلة" (ص: ٦٩) حاشية.
(٨) العلامة محمد بن آدم الأتيوبي في "شرح سنن النسائي" (٨/ ١٧٤ - ١٧٥).
(٩) القوصي في "كتاب الأذان" (ص: ١٧٥ - ١٧٨).
(١٠) مشهور بن حسن في "أخطاء المصلين" (ص: ١٨٣).
(١١) الشقيري في "السنن والمبتدعات" (ص: ٤٠) أشار إلى بدعيتها.
стр. 199
التعليق:
المشروع بعد الأذان للمؤذن وغيره أن يصلي على النبي ﷺ هذا أولاً.
ثم يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته) لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) رواه مسلم.
تنبيه: قد يقول قائل: إن الله يقول في كتابه الكريم ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ﴿آل عمران: ١٩٤﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ ﴿آل عمران: ٩﴾.
الجواب: نعم إن الله لا يخلف الميعاد، لكن هل أمرك الله أن تقول هذا بعد الأذان؟
الجواب: لا لأنه لم يثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، فما ثبت قلناه وما لم يثبت تركناه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ﴿الحشر: ٧﴾. وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
стр. 200
(٤٨) حديث: ( … إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) .
(ضعيف)
رواه الترمذي -مع التحفة- (٢٥٧٨) وغيره، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ مصلاه فرأى ناساً كأنهم يكتشرون قال: (أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللَّذات لشغلكم عما أرى، فأكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يأتِ على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإذا دُفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلاً، أما إن كنتَ لأحب من يمشي على ظهري إليَّ، فإذا وليتك اليوم وصرتَ إليَّ فسترى صنيعي بك فيتسع له مدَّ بصره ويُفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً، أما إن كنتَ لأبغضَ من يمشي على ظهري إلىَّ فإذا وليتك اليوم وصرت إلىَّ فسترى صنيعي بك. قال: فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه. قال: قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض قال: ويُقَيَّض له سبعون تِنِّيناً لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه حتى يُفضَى به إلى الحساب. قال: قال رسول الله ﷺ : إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار).
стр. 201
وفي سنده:
(١) عبيد الله بن الوليد الوصَّافي، وهو واهٍ كما قال المنذري.
(٢) عطية العوفي، ضعيف مدلس.
والحديث ضعَّفه:
(١) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١١٨) رقم (١٨٥٣).
(٢) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٨٩).
(٣) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٤٩٩٠)(١).
التعليق:
قلت: هذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح، فإن القبر إما روضة من رياض الجنة لأهل الإيمان والصلاح، وإما حفرة من حفر النار لأهل الكفر والفساد، فقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين. فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا تتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول.
стр. 202
فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تُعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا.
فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام:
أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً.
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.
الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه.
الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها إليه التفات البته، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المُسَلِّم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه.
وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.
الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق به، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً، فالنوم أخو الموت فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة، وليس السؤال في القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين.
стр. 203
وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن متصلة به.
واعلم أن عذاب القبر هوعذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه (قبر أو لم يُقبَر)، أكلته السباع، أو احترق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور …
بل أعجب من هذا أن الرجلين، أحدهما يُدفن إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حرّ ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه.
وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مُولعة بالتكذيب بما لم تحط به علماً.
وقد أرانا الله في هذه الدار عجائب قدرتة ما هو أبلغ من هذا بكثير.
وإذا شاء الله أن يُطلع على ذلك بعض عباده أطلعه، وغَيَّبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولمَا تدافن الناس كما جاء في الصحيح عنه ﷺ : (لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته (١).
стр. 204
(٤٩) حديث: (أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها، فقال: يا رب فيها عبدٌ لم يعصك طرفة عين، قال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر فيَّ ساعة قط) وفي رواية: (أن به فابدأ … ).
(ضعيف جداً)
رواه ابن الأعرابي في "معجمه" (١٩٩/ ١).
وفي إسناده: عمار بن سيف.
أورده الذهبي في "الضعفاء"، وقال: قال الدارقطني وغيره: متروك. …
"الضعيفة" (١٩٠٤).
قلت: وقد نصَّ على ضعف هذا الحديث:
(١) البيهقي في "الشعب" (٧٥٩٤) و (٧٥٩٥).
(٢) الحافظ العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (٢/ ٤٣٤).
(٣) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٠).
(٤) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٩٠٤).
(٥) الحلبي في تعليقه على "الداء والدواء" (ص: ٧٢).
стр. 205
التعليق:
قلت: من المقرر عند أهل العلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من الواجبات الكفائية، إذا قام به ما يكفي سقط الإثم عن الآخرين، وقد أمر الله به، وأمر به النبي ﷺ في السنة الصحيحة الصريحة المتواترة، وإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن هذا سبب لهلاكهم، قال تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ ﴿المائدة: ٧٨ - ٧٩﴾. فالواجب التحذير من المنكرات بجميع صورها وعدم حضور أماكنها، فإن هذا من أسباب النجاة بإذن الله. قال تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ ﴿الأعراف: ١٦٥﴾. أما حضور المنكرات وعدم إنكارها فإن هذا من أسباب الهلاك والعياذ بالله، إذ أن حاضر المنكر كفاعله كما هو مقرر في الشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة، كما في الحديث أنه قال: (من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر).
стр. 206
ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر، فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم صائماً، فقال: ابدءوا به، أفما سمعتم الله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ﴿النساء: ١٤٠﴾.
بيّن عمر بن عبد العزيز ﵁ أن الله جعل حاضر المنكر كفاعله، ولهذا قال العلماء: إذا دُعي إلى وليمة فيها منكر كالخمر والزمر لم يجز حضورها، وذلك أن الله تعالى قد أمرنا بإنكار المنكر بحسب الإمكان، فمن حضر باختياره ولم ينكره فقد عصى الله ورسوله، بترك ما أمره به من بغض إنكاره والنهي عنه، وإذا كان كذلك، فهذا الذي يحضر مجالس الخمر باختياره من غير ضرورة ولا ينكر المنكر كما أمره الله هو شريك الفساق في فسقهم فيلحق بهم. اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان فإنه يكون معهم الصالح والطالح، العقوبة إذا وقعت تعم ولا تترك أحداً، ثم يوم القيامة يُبعثون على نياتهم قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ ﴿الأنفال: ٢٥﴾.
стр. 207
(٥٠) حديث: (أُوقد على النَّار ألف سنةٍ حتى احمرَّت ثمَّ أوقد عليها ألف سنةٍ حتى ابيضت ثمَّ أوقد عليها ألف سنةٍ حتى اسودت فهي سوداء مظلمة) .
(ضعيف) …
أخرجة الترمذي (٢٧١٧)، وابن ماجه (٤٣٢٠) عن أبي هريرة ﵁.
وفي سنده: شريك بن عبد الله النخعي القاضي، وهو سيئ الحفظ.
وقد ضعَّف هذا الحديث:
(١) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٣٠٥)(١).
(٢) شيخنا العلامة مقبل الوادعي ﵀.
قلت: وجاء عند البيهقي في"شعب الإيمان" (٧٩٩) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ﴿البقرة: ٢٤﴾.
فقال: (أوقد عليها … ) وهذا الحديث ذكره السيوطي في "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).
стр. 208
التعليق:
قلت: ويُغني عن هذا الحديث الضعيف ما جاء في كتاب الله الكريم من الآيات الكثيرة في وصف النار، وما جاء في السنة الصحيحة من أحاديث تصف النار من ذلك أن رسول الله ﷺ قال: (ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) قيل يارسول الله: إن كانت لكافية. قال: (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهنَّ مثل حرها) متفق عليه عن أبي هريرة.
ورواه أحمد وابن حبان في "صحيحه" والبيهقي فزادوا فيه: (وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد) *.
وفي رواية للبيهقي أن رسول الله ﷺ قال: (تحسبون أن نار جهنم مثل ناركم هذه؟ هي أشد سواداً من القار) *. والقار: الزفت.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لوكان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه) (١) رواه أبو يعلى.
стр. 209
(٥١) حديث: (أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم؛ فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم؛ فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: لا) .
(ضعيف) …
رواه مالك في "الموطأ" (ص: ٧٥٦) رقم (١٩) باب ما جاء في الصدق والكذب. والبيهقي في"شعب الإيمان" (٤/ ٢٠٧) رقم (٤٨١٢) عن صفوان ابن سليم.
(١) قال ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (١٦/ ٣٧٣): لا أحفظ هذا الحديث مسنداً بهذا اللفظ من وجه ثابت، وهو حديث حسن مرسل.
(٢) قال المنذري ﵀ في "الترغيب والترهيب" (٣/ ١٠٨٣): مرسل.
(٣) قال العلامة الألباني-﵀ في "الترغيب والترهيب" (٣/ ١٠٨٣) رقم (١٧٥٢)، والمشكاة (٣/ ١٣٦٤) رقم (٤٨٦٢): مرسل ضعيف.
(٤) قالت اللجنة الدائمة في فتاوى اللجنة (٤/ ٤٣٢): هو حديث مرسل كما قال المنذري، والمرسل من قسم الأحاديث الضعيفة.
(٥) قال شيخنا الوادعي ﵀: ضعيف. (سماعاً).
(٦) قال سليم الهلالي في تحقيقه "للموطأ" (٤/ ٥١٨): ضعيف.
стр. 210
التعليق:
قال ابن عبد البر ﵀ (١): ومعنى الحديث أن المؤمن لا يكون كذاباً يريد أنه لا يغلب عليه الكذب، حتى لا يكاد يصدق، هذا ليس من أخلاق المؤمن، وأما قوله في المؤمن: أنه يكون جباناً وبخيلاً هذا يدل على أن البخل والجبن قد يوجدان في المؤمن وهما خلقان مذمومان، قد استعاذ رسول الله ﷺ منهما، فهذا معناه إن صح أن المؤمن قد يكون فيه من الأخلاق ما لا يحمد ولا يرضى، لأن البخل والجبن مذمومان بكل لسان، ومن جُبل عليهما فقد جُبل على خلق غير محمود. اهـ.
وقال في "مرقاة المفاتيح": أيكون المؤمن جباناً أي بالطبع أو مطلقاً وهو بفتح الجيم وتخفيف الموحدة ضد الشجاع قال: نعم أي يكون ولا ينافي الإيمان فقيل له: أي لرسول الله ﷺ أيكون المؤمن بخيلاً أي بالطبع كما قال تعالى ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ ﴿الإسراء: ١٠٠﴾ أو بإخراج ما يجب عليه من المال لميله على وجه الكمال، قال نعم أي يكون ولا ينافيه مطلق الإيمان أو كماله، فقيل: أي له أيكون المؤمن كذاباً أي كثير الكذب مبالغاً فيه أو ذا كذب بحسب الطبع والخلقة قال: لا. اهـ.
стр. 211
(٥٢) حديث: (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا مرضاً مفسداً، وهرماً مفنداً، أو غناً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر) .
(ضعيف جداً) …
رواه الترمذي (٢٣٠٦)، والعقيلي (٤/ ٢٣٠) رقم (١٨٢٢)، وابن عدي (٨/ ١٩٦)، والحاكم (٧٩٨٧) عن أبي هريرة ﵁.
وفي سنده: محرز بن هارون وهو متروك.
قال العقيلي: قال البخاري: محرز بن هارون منكر الحديث.
وقال النسائي: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان: يروي عن الأعرج ما ليس من حديثه، لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به.
وقال الدارقطني: ضعيف.
стр. 212
وقال الساجي: منكر الحديث. وذكره العقيلي وابن عدي في الضعفاء. "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٩) رقم (٦٨٠٢).
والحديث ضعَّفه:
(١) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٦٦٦)(١).
(٢) شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "المستدرك" رقم (٧٩٨٧) بلفظ: (ما ينظر أحدكم إلا غناً مطغياً … ).
التعليق:
قلت: تبين لك أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وأما معناه فقد قال المناوي ﵀ في "فيض القدير": (بادروا بالأعمال سبعاً) أي سابقوا وقوع الفتن بالإشتغال بالأعمال الصالحة، واهتموا بها قبل حلولها.
(هل تنتظرون إلا فقراً منسياً) أي نسيتموه ثم يأتيكم فجأة.
(أو غنى مطغياً) أي ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ﴿العلق: ٦ - ٧﴾.
(أو مرضاً مفسداً) للمزاج مشغلاً للحواس. (أو هرماً مفنداً) أي موقعاً في الكلام المحرف عن سنن الصحة من الخرف والهذيان.
стр. 213
(أو موتاً مجهزاً) أي سريعاً يعني فجأة ما لم يكن بسبب مرض كقتل وهدم بحيث لا يقدر على التوبة، من أجهزت على الجريح أسرعت قتله.
(أو الدجال) أي خروجه (شر منتظر) بل هو أعظم الشرور المنتظرة.
(أو الساعة والساعة أدهى وأمر).
قال العلائي: مقصود هذه الأخبار الحث على البداءة بالأعمال قبل حلول الآجال، واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات، وقد كان ﷺ من المحافظة على ذلك بالمحل الأسمى والحظ الأوفى، قام في رضا الله حتى تورمت قدماه. اهـ.
وقال ابن رجب (١) ﵀: والمرادُ من هذا أنَّ هذه الأشياء كلَّها تعوقُ عن الأعمال، فبعضُها يشغل عنه، إمَّا في خاصّة الإنسان، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته، وبعضُها عامٌّ، كقيام الساعة، وخروج الدجال، وكذلك الفتنُ المزعجةُ، كما جاء في حديث (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم).
وبعضُ هذه الأمور العامّة لا ينفع بعدها عملٌ، كما قال تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا … لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ﴿الأنعام: ١٥٨﴾.
стр. 214
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (لا تقومُ السَّاعةُ حتّى تطلع الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً).
стр. 215
(٥٣) حديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعفُّ نساؤكم) .
(ضعيف جداً)
رواه الطبراني في "الأوسط" (٢/ ٨) رقم (١٠٠٦) عن ابن عمر ﵄، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦٦)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٢٦٥) رقم (٧٣٣٩)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٥٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٢٤٩) رقم (١٢٤٩) عن جابر ﵁.
وفي سنده: علي بن قتيبة الرفاعي.
قال عنه الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (٧٥٣): كذَّاب.
وقال الدارقطني: كان ضعيفاً ولا يثبت حديثه هذا.
وقال العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٢٤٩) رقم (١٢٤٧): علي بن قتيبة الرفاعي يحدث عن الثقات بالبواطيل، وما لا أصل له.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٥٤): علي بن قتيبة الرفاعي منكر الحديث. وانظر "الضعفاء والمتروكين" (٢/ ١٩٨).
والحديث ضعَّفه:
(١) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٨٣) رقم (١٥١٦).