(٥٢) حديث: (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا مرضاً مفسداً، وهرماً مفنداً، أو غناً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر) .
(ضعيف جداً) …
رواه الترمذي (٢٣٠٦)، والعقيلي (٤/ ٢٣٠) رقم (١٨٢٢)، وابن عدي (٨/ ١٩٦)، والحاكم (٧٩٨٧) عن أبي هريرة ﵁.
وفي سنده: محرز بن هارون وهو متروك.
قال العقيلي: قال البخاري: محرز بن هارون منكر الحديث.
وقال النسائي: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان: يروي عن الأعرج ما ليس من حديثه، لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به.
وقال الدارقطني: ضعيف.
стр. 212
وقال الساجي: منكر الحديث. وذكره العقيلي وابن عدي في الضعفاء. "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٩) رقم (٦٨٠٢).
والحديث ضعَّفه:
(١) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٦٦٦)(١).
(٢) شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "المستدرك" رقم (٧٩٨٧) بلفظ: (ما ينظر أحدكم إلا غناً مطغياً … ).
التعليق:
قلت: تبين لك أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وأما معناه فقد قال المناوي ﵀ في "فيض القدير": (بادروا بالأعمال سبعاً) أي سابقوا وقوع الفتن بالإشتغال بالأعمال الصالحة، واهتموا بها قبل حلولها.
(هل تنتظرون إلا فقراً منسياً) أي نسيتموه ثم يأتيكم فجأة.
(أو غنى مطغياً) أي ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ﴿العلق: ٦ - ٧﴾.
(أو مرضاً مفسداً) للمزاج مشغلاً للحواس. (أو هرماً مفنداً) أي موقعاً في الكلام المحرف عن سنن الصحة من الخرف والهذيان.
стр. 213
(أو موتاً مجهزاً) أي سريعاً يعني فجأة ما لم يكن بسبب مرض كقتل وهدم بحيث لا يقدر على التوبة، من أجهزت على الجريح أسرعت قتله.
(أو الدجال) أي خروجه (شر منتظر) بل هو أعظم الشرور المنتظرة.
(أو الساعة والساعة أدهى وأمر).
قال العلائي: مقصود هذه الأخبار الحث على البداءة بالأعمال قبل حلول الآجال، واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات، وقد كان ﷺ من المحافظة على ذلك بالمحل الأسمى والحظ الأوفى، قام في رضا الله حتى تورمت قدماه. اهـ.
وقال ابن رجب (١) ﵀: والمرادُ من هذا أنَّ هذه الأشياء كلَّها تعوقُ عن الأعمال، فبعضُها يشغل عنه، إمَّا في خاصّة الإنسان، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته، وبعضُها عامٌّ، كقيام الساعة، وخروج الدجال، وكذلك الفتنُ المزعجةُ، كما جاء في حديث (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم).
وبعضُ هذه الأمور العامّة لا ينفع بعدها عملٌ، كما قال تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا … لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ﴿الأنعام: ١٥٨﴾.
стр. 214
وفي "الصحيحين" عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (لا تقومُ السَّاعةُ حتّى تطلع الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً).
стр. 215
(٥٣) حديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعفُّ نساؤكم) .
(ضعيف جداً)
رواه الطبراني في "الأوسط" (٢/ ٨) رقم (١٠٠٦) عن ابن عمر ﵄، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦٦)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٢٦٥) رقم (٧٣٣٩)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٥٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٢٤٩) رقم (١٢٤٩) عن جابر ﵁.
وفي سنده: علي بن قتيبة الرفاعي.
قال عنه الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (٧٥٣): كذَّاب.
وقال الدارقطني: كان ضعيفاً ولا يثبت حديثه هذا.
وقال العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٢٤٩) رقم (١٢٤٧): علي بن قتيبة الرفاعي يحدث عن الثقات بالبواطيل، وما لا أصل له.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٥٤): علي بن قتيبة الرفاعي منكر الحديث. وانظر "الضعفاء والمتروكين" (٢/ ١٩٨).
والحديث ضعَّفه:
(١) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٨٣) رقم (١٥١٦).
стр. 216
(٢) ابن عبد البر في "التمهيد" (٥/ ٤٠٤، ٤٠٥) قال: لا أصل له.
(٣) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٣٩).
(٤) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٦١).
(٥) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٦) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٣٣٥) رقم (٩٠٠) و (٢/ ٧٩) رقم (١٧٣٨).
(٧) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٣٥) رقم (٤) و (ص: ٢٣٤) رقم (١٣٠).
(٨) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢٠٤٣، ٢٠٣٩) (١).
(٩) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٧٣٣٩).
التعليق:
قلت: تبين لك أيها القارئ الكريم ضعف هذا الحيث لكن هل معناه صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀، في الرجل الذي يزني بنساء الناس: فإِنهُ إذَا كَانَ يَزنِي بِنسَاء النَّاسِ كَان هَذَا مِما يَدعو المَرأَةَ إلى
стр. 217
أَنْ تُمَكِّنَ مِنها غَيْرَهُ، كما هو الواقع كثيراً، فلم أَرَ من يزني بنساءِ الناس، إلا فيحمل امرأَته على أَنْ تَزنِيَ بِغيره مُقابلةً على ذَلِكَ وَمغايظةً.
وأَيضاً: فإِذا كان عادته الزنَا استغنى بالبغايا، فلم يكف امرأَته في الإعفاف، فتحتاج إلى الزنا.
وَأَيضاً: فإِذا زنى بنساء الناس طلب الناس أَنْ يزنوا بنسائه، كما هو الواقع، فامرأَة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة، وإن استحلت ما حرمه اللهُ كانت مشركة؛ وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك، فلا يكاد يعرف في نساء الرجال الزناة المصرين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأَة سليمة سلامة تامة، وطبع المرأَة يدعو إلى الرجال الأَجانب إذا رأَت زوجها يذهب إلى النساء الأَجانب. اهـ.
وقال العلامة الالباني (١) ﵀ تحت حديث: (ما زنى عبد فأدمن على الزنا إلا ابتلي في أهل بيته).
ومما يؤيد بطلان هذا الحديث أنه يؤكد وقوع الزنا في أهل الزاني، وهذا يتنافى مع الأصل المقرر في القرآن ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
﴿النَّجم: ٣٩﴾.
стр. 218
نعم، إن كان الرجل يجهر بالزنا ويفعله في بيته فربما سرى ذلك إلى أهله والعياذ بالله تعالى، ولكن ليس ذلك بحتم كما أفاده هذا الحديث، فهو باطل. اهـ.
قلت: أما بر الوالدين والإحسان إليهما فقد أمر الله به في أكثر من آية في كتابه الكريم، وكذلك النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة المتواترة عنه. والجزاء من جنس العمل، والواقع يشهد بذلك.
стр. 219
(٥٤) حديث: (البِرُّ لا يبلى، والإثم لا يُنسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تُدان) .
(ضعيف) …
أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ١٩٧) رقم (١٣٢)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٣٤٨)، وابن الجوزي في "ذم الهوى" (٢١٠)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ١٧٨ - ١٧٩) رقم (٢٠٢٦٢) عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
وعلة هذا الحديث: الإرسال.
فإن أبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، تابعي وقد أرسله.
والحديث له طرق أخرى معلولة.
وممن ضعَّف هذا الحديث:
(١) البيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ١٩٧) رقم (١٣٢) قال بعد ذكره: مرسل.
(٢) السيوطي في "الجامع الصغير" (٣١٩٩).
(٣) الحافظ في "الإصابة" (٧/ ٦٤ - ٦٥) رقم (٩٧١٢).
(٤) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٢٨٥) رقم (٣١٩٩).
стр. 220
(٥) والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٨٣٤).
(٦) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢٥).
(٧) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٣٣٦) رقم (٩٠٢).
(٨) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٤/ ٧٧) رقم (١٥٧٦) و (٤١٢٤)، و"ضعيف الجامع" (٢٣٦٩).
التعليق:
قلت: هذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح.
قال المناوي (١) ﵀: (البر)، بالكسر (لا يبلى) أي: لا ينقطع ثوابه ولا يضيع، بل هو باق عند الله.
وقيل: المراد بقوله ﷺ : (البر لا يبلى) أي: الإحسان وفعل الخير، لا يبلى ثناؤه وذكره في الدنيا والآخرة و (الذنب لا ينسى) أي: لا بد أن يجازى عليها ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ ﴿طه: ٥٢﴾ ونبه به على شيء دقيق يغلط الناس فيه كثيراً وهو أنهم لا يرون تأثير الذنب فينساه الواحد منهم ويظن أنه لا يغير بعد ذلك وأنه كما قال:
إذا لم يغير حائط في وقوعه … فليس له بعد الوقوع غبار
стр. 221
قال ابن القيم ﵀: سبحان الله كم أهلكت هذه البلية من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وما أكثر المفترين بها من العلماء فضلاً عن الجهال، ولم يعلم المفتري أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السم والجرح المندمل على دغل، (والديان لا يموت) فيه جواز إطلاق الديان (١) على الله لو صح الخبر)، (اعمل ما شئت) تهديد شديد، وفي رواية: (فكن كما شئت، كما تدين تدان) أي: كما تُجَازِي تُجَازَى، يقال: دنته بما صنع، أي: جزيته. ذكره الديلمي ومن مواعظ الحكماء: عباد الله الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنه غفر، ولقد أمهل حتى كأنه أهمل.
قلت: وقريباً من هذا الحديث قوله ﷺ : (أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس) (٢).
стр. 222
(٥٥) حديث: (تحية البيت الطواف) .
(لا أصل له)
وجاء بلفظ: (من أتى البيت فليحيه بالطواف).
وقد نصَّ على عدم ثبوت هذا الحديث كثير من العلماء منهم:
(١) الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (٣/ ٥١) رقم (٤١٧١) أشار إلى أنه لا أصل له بقوله: غريب جداً.
(٢) الحافظ ابن حجر في "الدراية" (ص: ١٩٢) قال: لم أجده.
(٣) السخاوي في "المقاصد الحسنة" قال: لم أره بهذا اللفظ كما نقله عنه "العجلوني في كشف الخفاء" (١/ ٣٥٤).
(٤) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٥٧).
(٥) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٧٦) رقم (١٠١) قال: ليس بحديث.
(٦) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٣/ ٧٣) رقم (١٠١٢) قال: لا أعلم له أصلاً، وإن اشتهر على الألسنة، ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه.
стр. 223
التعليق:
قال الحافظ في "الفتح": والذي يظهر من قولهم: (إن تحية المسجد الحرام الطواف) إنما هو في حق القادم ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالباً وهو المقصود، ويختص المسجد الحرام بزيادة الطواف.
وقال العلامة الألباني (١) ﵀: ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه، بل عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضاً، والقول بأن تحية البيت الطواف مخالف للعموم المشار إليه فلا يقبل إلا بعد ثبوتها وهيهات لا سيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام الموسم والحمد لله الذي جعل في الأمر سعة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٧٨)﴾ ﴿الحج: ٧٨﴾ وإن مما ينبغي التنبه له أن هذا الحكم إنما هو بالنسبة لغير المحرم وإلا فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف ثم بالركعتين بعده.
стр. 224
قلت: نعم هذه هي السنة للمحرم أنه إذا أتى البيت يبدأ بالطواف أولاً، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: (أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت … ) الحديث.
стр. 225
(٥٦) حديث: (تخرج الدابة ومعها عصا موسى ﵇، وخاتم سليمان ﵇ فتخطم الكافر بالخاتم وتجلو وجه المؤمن بالعصا) .
(ضعيف)
أخرجه أبو داود الطيالسي (ص: ٣٣٤) رقم (٢٥٦٤)، والترمذي (٣٤١٦)، وابن ماجه (٤٠٦٦)، وأحمد (٧٩٣٧)، والحاكم (٤/ ٦٥٤) رقم (٨٥٥٩) عن أبي هريرة ﵁.
وفي سنده:
١ - علي بن زيد بن جدعان، ضعيف. كما في "التقريب" (٤٧٦٨).
٢ - أوس بن خالد، مجهول. كما في "التقريب" (٥٧٩).
وذكره البخاري في الضعفاء، وقال ابن القطان: له عن أبي هريرة ﵁ ثلاثة أحاديث منكرة. "الميزان" (١/ ٢٧٧) رقم (١٠٤٤).
والحديث ضعَّفه:
(١) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١١٠٨)(١).
стр. 226
(٢) شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ٦٥٤) رقم (٨٥٥٩).
(٣) شعيب الأرنؤوط في تحقيق"مسند أحمد" (١٣/ ٣٢١) رقم (٧٩٣٧).
التعليق:
قلت: ظهور دابة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب الساعة، وهذه العلامة ثابتة بالكتاب والسنة، قال تعالى ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا … بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ ﴿النمل: ٨٢﴾.
وقال ﷺ : (ثلاث إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا … لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ﴿الأنعام: ١٥٨﴾: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: (تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يغمرون - أي يكثرون- فيكم حتى يشتري الرجل البعير فيقول ممن اشتريته فيقول: من الرجل المخطم) (١).
стр. 227
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
أما خروج الدابة ومعها عصا موسى ﵇ وخاتم سليمان فإن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، والكلام عن الدابة، وعن صفتها، وعن مكان خروجها، وعن عملها، مظانه في الكتب التي بحثت أشراط الساعة فراجعها إن شئت غير مأمور ولا مجبور.
стр. 228
(٥٧) حديث: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) .
(لا يصح)
قلت: قال الحافظ العراقي ﵀: رواه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ مختصراً دون قوله: (فإن العرق دساس).
وروى أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أنس ﵁: (تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس).
وروى أبو موسى المديني في كتابه "تضييع العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللئام" من حديث ابن عمر ﵁: (وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس) وكلاهما ضعيف.
"الإحياء وبذيله المغني" (٢/ ٥٩).
وذكر ابن الجوزي ﵀ ألفاظاً متقاربة لهذا الحديث في "العلل المتناهية" (٢/ ٦١٢ - ٦١٥) وقال: هذه الأحاديث لا تصح.
وقال المناوي ﵀ في "فيض القدير" (٢/ ٩٢): وأورده ابن الجوزي بلفظ: (أقل من الدَّين تعش حراً، وأقل من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس) وقال: هذا حديث لا يصح.
стр. 229
وذكر السخاوي ﵀ في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٨٦) ألفاظاً كثيرة لهذا الحديث وضعَّفها.
وضعَّف الحديث العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٣٤٠١) بلفظ: (تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس) بل قال: موضوع.
وسئل العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ كما في "فتاوى نور على الدرب"، هل هذا حديث صحيح: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس؟).
فأجاب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فالحديث المذكور نصَّ أهل العلم على أنه غير صحيح، فليس بمعتمد.
التعليق: …
قلت: وإن كان هذا الحديث ضعيفاً إلإ أن معناه صحيح فإن العرق دساس، فقد قال ﷺ : (تخيروا لنطفكم، فأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال النبي ﷺ : (هل لك من إبل؟) قال: نعم. قال: (فما لونها؟) قال: حمر. قال: (فهل يكون فيها من
стр. 230
أورق؟) قال: إن فيها لورقاً. قال: (فأنى أتاها ذلك؟) قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: (وهذا عسى أن يكون نزعة عرق) متفق عليه.
ومعنى هذا الحديث: أنه ولد لرجل من قبيلة فزارة غلام خالف لونه لون أبيه وأمه فصار في نفس أبيه شك منه، فذهب إلى النبي ﷺ مُعَرِّضاً بقذف زوجه، وأخبره بأنه ولد له غلام أسود، ففهم النبي ﷺ مراده من تعريضه، فأراد ﷺ أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلاً مما يُعرف ويُؤلف، فقال ﷺ : (هل لك إبل؟) قال: نعم. قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر. قال: (فهل فيها من أورق؟) - الأسود الذي لم يخلص سواده وإنما فيه غبره- مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لورقاً فقال: (فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟)، قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق وأصل من آبائه وأجداده، فقال: فابنك كذلك عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود فجذبه في لونه، فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من الخواطر (١).
قال المناوي (٢) تحت قوله: (فإن العرق دساس) أي دخَّال-بالتشديد- لأنه ينزع في خفاء ولطف، يُقال دسست الشيء إذا أخفيته وأخملته، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ ﴿الشمس: ١٠﴾ أي: أخمل
стр. 231
نفسه وأبخس حضها، وقيل معنى: دساس، خفي قليل، وكل من أخفيته وقللته فقد دسسته، والمعنى أن الرجل إذا تزوج في منبت صالح يجيء الولد يشبه أهل الزوجة في العمل والأخلاق ونحوها وعكسه بعكسه.
стр. 232
(٥٨) حديث: (تزوجوا فقراء يغنكم الله) .
(لا أصل له)
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الأحاديث "الضعيفة والباطلة" رقم (٥٤): لا أعرفه.
(٢) قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٣/ ٣٨٣) "تفسير سورة النور": وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث (تزوجوا فقراء يغنكم الله) فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه.
(٣) أشار إلى عدم ثبوته السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٠٨) رقم (١٦٢) و (ص: ١٨٧) رقم (٣٣٠).
(٤) قال السيوطي في "الدرر المنتثرة" (١٦٥): لا يُعرف.
(٥) قال ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٥٨، ٣١): هذا من كلام العوام.
(٦) قال العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٧٧): لا يُعرف.
(٧) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (٥٢٨، ٩٧٢): لا يُعرف.
(٨) قال البيروتي في "أسنى المطالب" (٢٦٤): ليس بحديث.
стр. 233
(٩) قال الصعدي في "النوافح العطرة" (٥٢١): لا يعرف بهذا اللفظ.
(١٠) قال الأزهري في "تحذير المسلمين" (٤٤): يدور على ألسِنة العوام.
وجاء بلفظ: (تزوجوا النساء فإنهن يأتين بالمال) رواه البزار وغيره عن عائشة ﵂. وضعفه العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٣٤٠٠) و "ضعيف الجامع" (٢٤٢٧).
التعليق:
قلت: ويُغني عن هذا الحديث الذي لا أصل له قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ ﴿النور: ٣٢﴾.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى، فقال ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى … ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
стр. 234
وعن ابن مسعود ﵁: التمسوا الغنى في النكاح يقول الله تعالى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر بنحوه.
وعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف) (١).
وقد زوج النبي ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، فقال له النبي ﷺ : (التمس ولو خاتماً من حديد) متفق عليه عن سهل بن سعد ﵁.
ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله (٢).
وقد يقول قائل: كم من شخص قد تزوج ولم يغنه الله تعالى بل أصيب بفقر شديد مدقع، فكيف تجمع بين هذا الواقع، وبين قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ ﴿النور: ٣٢﴾.
الجواب: لأهل العلم في ذلك أقوال:
стр. 235
أحدها: أن ذلك مقيد بالمشيئة بمعنى يغنهم الله من فضله إن شاء، كما قال تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ ﴿التوبة: ٢٨﴾.
وكما قال تعالى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ ﴿الأنعام: ٤١﴾.
الثاني: أن هذا في الغالب، فأغلب من يتزوج يرزقه الله.
الثالث: إن كان المتزوج يريد بتزوجه العفاف فإن الله يغنيه.
الرابع: أن المراد إن هم اتقوا الله وأخذوا بالأسباب التي شرعها الله لهم.
الخامس: أن المراد بالغنى غنى النفس.
السادس: أن المراد يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا.
السابع: أن رزق الزوج يجتمع مع رزق الزوجة عند الزواج (١).
стр. 236
(٥٩) حديث: (تلقين الميت بعد الدفن) .
(ضعيف جداً)
رواه الطبراني في "الكبير" (٧٩٧٩) من حديث سعيد بن عبد الله الأودي قال شهدت أبا أمامة الباهلي ﵁ وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ فقال: (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب عليه، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل يا فلان ابن فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: ارشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما، قال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فينسبه إلى حواء يا فلان ابن حواء).
قلت: هذا الحديث ضعَّفه جمع من أئمة الحديث:
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٩٦) عندما سئل عن مسألة التلقين بعد الموت فقال: فيه حديث عن النبي ﷺ لكنه مما لا يحكم بصحته.
стр. 237
(٢) قال ابن القيم ﵀ في "الزاد" (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣) و"الروح" (ص: ١٢): هذا حديث لا يصح. وقال في "حاشيته على سنن أبي داود" تحت حديث (٤٧٨١) (باب في تغيير الأسماء): ولكن هذا الحديث -أي حديث التلقين- متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلاً عن أن يُعارض به ما هو أصح منه.
(٣) قال العز بن عبد السلام ﵀ في "فتاواه" (ص: ٩٦): لم يصح في التلقين شيء وهو بدعة.
(٤) أشار القرطبي في "التذكرة" (ص: ١٠٧) إلى تضعيفه.
(٥) قال ابن الصلاح: ليس إسناده بالقائم. "الضعيفة" (٢/ ٦٥).
(٦) وقال الحافظ العراقي: منكر. "الإحياء وبذيله المغني " (٥/ ١٧٥).
(٧) قال الحافظ ابن حجر في "أمالي الأذكار" بعد تخريجه فيما ذكره ابن علان في "الفتوحات الربانية" (٤/ ١٩٦): حديث غريب وسند الحديث من الطريقين ضعيف جداً. "زاد المعاد" (١/ ٥٢٣) حاشية.
(٨) قال الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (٣/ ٤٥): رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم.
стр. 238
(٩) قال النووي ﵀ في "المجموع" (٥/ ٣٠٤): إسناده ضعيف. وقال في "فتاواه" (ص: ٥٤): ضعيف.
(١٠) قال السيوطي-﵀ في "الدرر المنتثرة" (٤٦٩): سنده ضعيف.
(١١) قال السخاوي ﵀ في "المقاصد الحسنة" (٣٤٦): ضعيف.
(١٢) قال ابن الديبع ﵀ في "التمييز" (ص: ٦١): ضعَّفه ابن الصلاح ثم النووي وابن القيم والعراقي وابن حجر في بعض تصانيفه.
(١٣) قال العجلوني-﵀ في "كشف الخفاء" (١٠١٦): إسناده ضعيف.
(١٤) قال المقبلي-﵀ في "المنار" (١/ ٢٧٧): لا يشك الحديثي بل العاقل أن ألفاظ ذلك الحديث تدل على وضعه.
(١٥) قال الصنعاني-﵀ في "سبل السلام": قال في "المنار": إن حديث التلقين لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه. ثم قال: ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله.
стр. 239
(١٦) أورده الشوكاني-﵀ في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص: ٢٤٢) رقم (١٩٠) و"نيل الأوطار" (٤/ ١٠٩).
(١٧) قال الألباني ﵀ في"الإرواء" (٧٥٣) و"الضعيفة" (٥٩٩): ضعيف.
(١٨) قال العلامة ابن باز ﵀ في "مجموع فتاوى ومقالات" (١٣/ ٢٠٦): ورد في ذلك - أي في التلقين بعد الدفن - أحاديث موضوعة ليس لها أصل.
(١٩) وقالت اللجنة الدائمة فتوى (٧٤٠٨): تلقين الميت بعد الدفن بدعة؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا خلفاءه الراشدون، ولا بقية الصحابة ﵃، والأحاديث الواردة في ذلك غير صحيحة.
(٢٠) وسئل شيخنا الوادعي ﵀ كما في "إجابة السائل" (ص: ٥٣٩) هل ورد حديث في التلقين في القبر؟ فقال: هذا ورد به حديث ضعيف، والحديث موجود في كتاب "الروح" لابن القيم وفي "سبل السلام" للصنعاني.
(٢١) قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في "فتاوى أركان الإسلام" (ص: ٤٠٤): لا يثبت.
стр. 240
(٢٢) ضعَّفه الشيخ حمدي السلفي في تحقيقه "المعجم الكبير" (٨/ ١٤٩).
(٢٣) ضعَّفه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه "زاد المعاد" (١/ ٥٢٣).
(٢٤) ضعَّفه الحلبي في رسالته "القول المبين في ضعف حديث التلقين".
التعليق:
قلت: بعد الكلام على إسناد هذا الحديث وأن أئمة هذا الشأن قد أطبقوا على تضعيفه بقي الكلام على متنه، فقد ذكر الحلبي حفظه الله وجوه نقد متن هذا الحديث في رسالة له قيمة بعنوان "القول المبين في ضعف حديث التلقين".
قال: أولاً: قول أبي أمامة في أوله: (كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا) فهذا الأمر النبوي لو كان صحيحاً ثابتاً لسارع الصحابة رضوان الله عليهم إلى العمل به، والدعوة إليه وبخاصة أن الموت واقعة لا يكاد يخلو منها يوم، ولم ينقل عن أحد منهم بالسند الصحيح أنه فعل ذلك بل المنقول عنهم نقيضه فدل هذا على بطلانه.
ثانياً: أن قوله في الحديث: (يا فلان ابن فلانة) مخالف لواقع النبي ﷺ وصحابته في تسمية الناس ونسبتهم لأبائهم دون أمهاتهم، بل عند البخاري في صحيحه عن ابن عمر مرفوعاً: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان).
стр. 241
ثالثاً: قوله: (فإنه يسمعه) مخالف لنصوص شرعية كثيرة، فالصواب عندنا أن الأموات لا يسمعون إلا إذا تولى عنهم الناس، فيسمعون قرع نعالهم ليتهيئوا لسؤال الملكين، وفي المسألة تفصيل أوسع وأعظم تراه مجموعاً في كتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات" للعلامة نعمان الألوسي وهو مطبوع بتحقيق شيخنا الألباني وموشى بتعليقاته.
رابعاً: أن قول الملكين: (انطلق ما نقعد عند من قد لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما) مخالف للنصوص الكثيرة المتظافرة وقد ساقها ابن كثير في "تفسيره" في أن الذي يسأل الناس في قبورهم هما الملكان الموكلان بذلك وليس في واحد منهما وأنهما ينطلقان على المسؤول إذا لقن ونحو ذلك.
وليس أيضاً في أي: حديث أن الله سبحانه هو الذي يسأل الأموات في قبورهم إذا لقنوا.
خامساً: والقائلون بهذا الحديث يلزمهم أن يعطلوا عمل هذين الملكين الموكلين.
سادساً: يلزمهم التسوية بين الطائع والعاصي. اهـ. …
قلت: أما حكم تلقين الميت بعد الدفن، فقد حكم جماعة من العلماء بأنه أمر مبتدع محدث، لم يكن على عهد النبي ﷺ ومن هؤلاء العلماء:
• العز بن عبد السلام ﵀ قال في "فتاواه" (ص: ٤٢٧): لا يصح في التلقين شيء وهو بدعة.
стр. 242
• ابن القيم ﵀ قال في "زاد المعاد" (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣): ولم يكن -أي النبي ﷺ يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم.
• الصنعاني ﵀ قال في "سبل السلام" (٢/ ٢٣٠): ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أن حديث التلقين ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله.
• الألباني ﵀ في أحكام الجنائز (ص: ١٩٧ - ١٩٨).
• ابن باز ﵀ قال في "مجموع فتاواه" (١٣/ ٢٠٦): … بدعة وليس له أصل فلا يلقن بعد الموت وإنما التلقين يكون قبل الموت.
• شيخنا الوادعي ﵀ قال في "إجابة السائل" (ص: ٥٣٩) عندما سئل هل ورد حديث في التلقين في القبر؟ فضعَّف الحديث، وقال: فهذا التلقين يكون عند موته، الرسول ﷺ يأمرنا بتلقين المحتضر، يقول: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله.
• شيخنا ابن العثيمين ﵀ قال في "فتاوى أركان الإسلام" (ص: ٤٠٤): وأما التقلين بعد الدفن فإنه بدعة لعدم ثبوت الحديث عن النبي ﷺ في ذلك، ولكن الذي ينبغي أن يفعل ما
стр. 243
رواه أبو داود حيث كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل). وأما القراءة عند القبر وتلقينه فهذا بدعة لا أصل له.
• شيخنا صالح الفوزان -حفظه الله- سئل كما في "المنتقى من فتاواه" (١/ ١٩٨) عن تلقين الميت بعد الدفن؟ فقال: هذا ما يسمى بالتلقين ويروى فيه حديث عن النبي ﷺ فلا يجوز فعله ويجب إنكاره، لأنه بدعة. والثابت عن النبي ﷺ أنه إذا فرغ من دفن الميت وقف على قبره هو وأصحابه وقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل، وذلك بان يقال: اللهم اغفر له اللهم ثبته، ولا ينادى الميت ويلقن كما يفعل هؤلاء الجهال.
قلت: وتختلف صيغ تلقين الميت في قبره بعد موته من بلد إلى بلد فعندنا في اليمن مثلا: يقال يا عبد الله يا ابن عبديه إذا جاءك الملكان الموكلان … إلخ.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 244
(٦٠) حديث: (توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) .
(لا أصل له)
لقد شاع هذا الحديث وذاع بين كثير من الجهلة وأهل الابتداع، وهو حديث باطل مكذوب موضوع لا أصل له.
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى الكبرى" (٢/ ٤٣٣) و"الصغرى" (١/ ٣١٩): وما يرويه بعض العامة من أنه قال: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) فهو حديث كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في الدين. … وقال ﵀ في الرد على البكري (١/ ١٣٠، ٧٠): وما يرويه بعض العامة (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) كذب موضوع ومن الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام. قال الإمام أحمد ﵀: للناس أحاديث يتحدثون بها على أبواب دورهم ما سمعنا بشيء منها، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لم نعلم، والقول على رسول الله ﷺ قول عليه لأن ما قاله الرسول ﷺ من أمر فالله أمرنا به فلو كان قد قال لكنا مأمورين به ولا يجوز أن نقول إن الله أمرنا مالم نعلم أن الله أمر به، فكيف إذا لم يذكره عالم ولا عارف؟ فكيف إذا كان أهل
стр. 245
المعرفة بالحديث يقطعون أنه كذب موضوع، والعلم بذلك علم مُسَلمٌ لأهله، لهم فيه طرق ومعارف يختصون بها. (١)(٢) قال الشوكاني ﵀ في "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" (ص ٦٥) حديث: (توسلوا بجاهي): موضوع، لم يختلف في وضعه اثنان.
(٣) قال الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٢٢): لا أصل له.
(٤) قال العلامة ابن باز ﵀ في "التحفة الكريمة" (ص: ٣٧) رقم (١٥): هذا حديث كذب.
التعليق:
قال العلامة الألباني (٢) ﵀: ومما لا شك فيه أن جاهه ﷺ ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ ﴿الأحزاب: ٦٩﴾ ومن المعلوم أن نبينا محمداً ﷺ أفضل من موسى، فهو بلا شك أوجه منه عند ربه ، لكن هذا شيء والتوسل بجاهه ﷺ شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل البعض، إذ أن التوسل بجاهه ﷺ يقصد به من يفعله أنه أرجى لقبول دعائه، وهذا أمرلا يمكن معرفته بالعقل إذ أنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها
стр. 246
فلا بد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل به ﷺ تنقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، أما الصحيح فلا دليل فيه البتة على المدعي مثل توسلهم به ﷺ في الاستسقاء، وتوسل الأعمى به ﷺ فإنه توسل بدعائه ﷺ لا بجاهه ولا بذاته ﷺ ، ولما كان التوسل بدعائه ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به ﷺ بعد وفاته غير ممكن وغير جائز، ومما يدل على هذا أن الصحابة ﵃ لما استسقوا في زمن عمر ﵁ توسلوا بعمه ﷺ العباس، ولم يتوسلوا به ﷺ وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه ﷺ ولذلك توسلوا بعده ﷺ بدعاء عمه لأنه ممكن ومشروع، كذلك لم ينقل أن أحداً من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، ذلك لأن السر ليس في قول الأعمى: (اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمه … ) وإنما السر الأكبرفي دعائه ﷺ له كما يقتضيه وعده ﷺ إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه: (اللهم شفعه فيَّ) أي: أقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه فيَّ (وشفعني فيه) أي أقبل شفاعتي أي دعائي في قبول دعائه ﷺ فيَّ فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء كما يتضح للقارئ الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكر الامام أبو حنيفة فقال: (أكره أن يسأل الله إلا بالله) كما في "الدر المختار" وغيره من كتب الحنفية.
стр. 247
وأما قول الكوثري في "مقالاته" (ص: ٣٨١) وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل "تاريخ الخطيب" بسند صحيح. فمن مبالغاته بل مغالطاته فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال نبأنا علي بن ميمون قال سمعت الشافعي يقول: (إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى)، فهذه رواية ضعيفة بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو عمرو -بفتح العين- ابن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي وقد ترجمه الخطيب (١٢/ ٢٢٦) وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجاً سنة (٣٤١ هـ) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (٢٤٧ هـ) على أكثر الأقوال فبين وفاتيهما نحو مائة سنة ويبعد أن يكون قد أدركه، وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل.
وقد ذكر شيخ الإسلام في "إقتضاء الصراط المستقيم" معنى هذه الرواية ثم أثبت بطلانها فقال (ص: ١٦٥): هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفاً، وقد رأى الشافعي في
стр. 248
الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟! ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف.
وأما القسم الثاني من أحاديث التوسل: فهي أحاديث ضعيفة تدل بظاهرها على التوسل المبتدع فيحسن في هذه المناسبة التحذير منها والتنبيه عليها فمنها: (الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين).
و حديث: (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطرا … أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له ألف ملك).
وحديث: (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يارب لما
стр. 249
خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليَّ ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك) فهذه الأحاديث لا يصح منها شيء.
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀ في "مجموع فتاواه" (٢/ ٣٤٥): وعلى هذا نقول: التوسل بالرسول ﷺ ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يتوسل بالإيمان به واتباعه وهذا جائز في حياته وبعد مماته.
القسم الثاني: أن يتوسل بدعائه أي بأن يطلب من الرسول ﷺ أن يدعو له فهذا جائز في حياته لا بعد مماته لأنه بعد مماته متعذر.
القسم الثالث: أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله فهذا لا يجوز لا في حياته ولا بعد مماته لأنه ليس وسيلة إذ أنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده لأنه ليس من عمله.
قلت: هذا كلام أهل العلم والإتقان والحجة والبرهان في كل زمان ومكان.
стр. 250
(٦١) حديث: (التوبة تجب ما قبلها) .
(لا أصل له)
قلت: اشتهر على ألسنة كثير من الناس هذا القول، على أنه حديث عن رسول الله ﷺ وليس كذلك بل هو من كلام الناس.
قال العلامة الألباني ﵀ في الضعيفة (١٠٣٩): لا أعرف له أصلاً.
التعليق:
قلت: ويُغني عنه حديث: (الإسلام يَجُب ما قبله).
وحديث: (وإن الهجرة تجب ما كان قبلها من الذنوب، والحج يهدم ماكان قبله).
وحديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (١).
وإليك أخي الكريم هذا الكلام الماتع العظيم في مسألة (التائب من الذنب) للإمام ابن القيم (٢) ﵀ حيث قال: إن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ثم تاب من ذنبه، هل