← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فلا بد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل به ﷺ تنقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، أما الصحيح فلا دليل فيه البتة على المدعي مثل توسلهم به ﷺ في الاستسقاء، وتوسل الأعمى به ﷺ فإنه توسل بدعائه ﷺ لا بجاهه ولا بذاته ﷺ ، ولما كان التوسل بدعائه ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به ﷺ بعد وفاته غير ممكن وغير جائز، ومما يدل على هذا أن الصحابة ﵃ لما استسقوا في زمن عمر ﵁ توسلوا بعمه ﷺ العباس، ولم يتوسلوا به ﷺ وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه ﷺ ولذلك توسلوا بعده ﷺ بدعاء عمه لأنه ممكن ومشروع، كذلك لم ينقل أن أحداً من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، ذلك لأن السر ليس في قول الأعمى: (اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمه … ) وإنما السر الأكبرفي دعائه ﷺ له كما يقتضيه وعده ﷺ إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه: (اللهم شفعه فيَّ) أي: أقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه فيَّ (وشفعني فيه) أي أقبل شفاعتي أي دعائي في قبول دعائه ﷺ فيَّ فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء كما يتضح للقارئ الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكر الامام أبو حنيفة فقال: (أكره أن يسأل الله إلا بالله) كما في "الدر المختار" وغيره من كتب الحنفية.

стр. 247

وأما قول الكوثري في "مقالاته" (ص: ٣٨١) وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل "تاريخ الخطيب" بسند صحيح. فمن مبالغاته بل مغالطاته فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال نبأنا علي بن ميمون قال سمعت الشافعي يقول: (إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى)، فهذه رواية ضعيفة بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو عمرو -بفتح العين- ابن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي وقد ترجمه الخطيب (١٢/ ٢٢٦) وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجاً سنة (٣٤١ هـ) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (٢٤٧ هـ) على أكثر الأقوال فبين وفاتيهما نحو مائة سنة ويبعد أن يكون قد أدركه، وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل. وقد ذكر شيخ الإسلام في "إقتضاء الصراط المستقيم" معنى هذه الرواية ثم أثبت بطلانها فقال (ص: ١٦٥): هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفاً، وقد رأى الشافعي في

стр. 248

الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟! ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف. وأما القسم الثاني من أحاديث التوسل: فهي أحاديث ضعيفة تدل بظاهرها على التوسل المبتدع فيحسن في هذه المناسبة التحذير منها والتنبيه عليها فمنها: (الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين). و حديث: (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطرا … أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له ألف ملك). وحديث: (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يارب لما

стр. 249

خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليَّ ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك) فهذه الأحاديث لا يصح منها شيء. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀ في "مجموع فتاواه" (٢/ ٣٤٥): وعلى هذا نقول: التوسل بالرسول ﷺ ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتوسل بالإيمان به واتباعه وهذا جائز في حياته وبعد مماته. القسم الثاني: أن يتوسل بدعائه أي بأن يطلب من الرسول ﷺ أن يدعو له فهذا جائز في حياته لا بعد مماته لأنه بعد مماته متعذر. القسم الثالث: أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله فهذا لا يجوز لا في حياته ولا بعد مماته لأنه ليس وسيلة إذ أنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده لأنه ليس من عمله. قلت: هذا كلام أهل العلم والإتقان والحجة والبرهان في كل زمان ومكان.

стр. 250

(٦١) حديث: (التوبة تجب ما قبلها) . (لا أصل له) قلت: اشتهر على ألسنة كثير من الناس هذا القول، على أنه حديث عن رسول الله ﷺ وليس كذلك بل هو من كلام الناس. قال العلامة الألباني ﵀ في الضعيفة (١٠٣٩): لا أعرف له أصلاً. التعليق: قلت: ويُغني عنه حديث: (الإسلام يَجُب ما قبله). وحديث: (وإن الهجرة تجب ما كان قبلها من الذنوب، والحج يهدم ماكان قبله). وحديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (١). وإليك أخي الكريم هذا الكلام الماتع العظيم في مسألة (التائب من الذنب) للإمام ابن القيم (٢) ﵀ حيث قال: إن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ثم تاب من ذنبه، هل

стр. 251

يعود إلى مثل ما كان؟ أو لا يعود، بل إن رجع رجع إلى أنزل من مقامه وأنقص من رتبته؟ أو يعود خيراً مما كان؟ فقالت طائفة: يعود بالتوبة إلى مثل حاله الأُولى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا محى أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأَنه لم يكن، فيعود إلى مثل حاله. قالوا: ولأَن التوبة هى الرجوع إلى الله بعد الإباق منه، فإن المعصية إباق العبد من ربه، فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه وإذا كان مسمى التوبة هو الرجوع، فلو لم يعد إلى حالته الأُولى مع الله لم تكن توبته تامة، والكلام إِنما هو فى التوبة النصوح. قالوا: ولأن التوبة كما ترفع أثر الذنب فى الحال بالإقلاع عنه وفى المستقبل بالعزم على أن لا يعود فكذلك ترفع أثره فى الماضى جملة، ومن أَثره فى الماضى انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده، فلابد من ارتفاع هذا الأثر بالتوبة، وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله. قالوا: ولأَنه لو بقى نازلاً من مرتبته منحطاً عن منزلته بعد التوبة كما كان قبلها لم تكن التوبة قد محت أثر الذنب ولا أفادت فى الماضى شيئاً، وإِن عاد إلى دون منزلته ولم يبلغها فبلوغه تلك الدرجة إنما كان بالتوبة فلو ضعف تأْثير التوبة عن إعادته إلى منزلته الأُولى لضعف عن

стр. 252

تبليغه تلك المنزلة التى وصل إليها، وإن لم تكن التوبة ضعيفة التأْثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ضعيفة التأْثير عن إِعادته إلى المنزلة الأولى. قالوا: وأيضاً فالله سبحانه ربط الجزاء بالأعمال، ربط الأسباب بمسبباتها، فالجزاء من جنس العمل، فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعاً تاماً رجع الله عليه بمنزلته وحاله، بل ما رجع العبد إلى الله حتى رجع الله بقلبه إليه أولاً فرجع الله إليه وتاب عليه ثانياً، فتوبة العبد محفوفة بتوبتين من الله: توبة منه إذناً وتمكيناً فتاب بها العبد، وتاب الله عليه قبولاً ورضى. فتوبة العبد بين توبتين من الله، وهذا يدل على عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب، فكيف يقال: إنه لا يعيده مع هذا اللطف والبر إلى حاله؟ قالوا: وأيضاً فإن التوبة من أجلِّ الطاعات وأوجبها على المؤمنين وأعظمها عناءً عنهم، وهم إليها أحوج من كل شئ، وهى من أحب الطاعات إلى الله سبحانه فإنه يحب التوابين، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، وإذا كانت بهذه المثابة فالآتى بها آت بما هو أفضل القربات وأجل الطاعات، فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة فبالتوبة يحصل له مزيد تقدم وعلو درجة، فإن لم تكن درجته بعد التوبة أعلى فإنها لا تكون أنزل.

стр. 253

قالوا: وأيضاً فإنا إذا قابلنا بين جناية المعصية والتقرب بالتوبة وجدنا الحاصل من التوبة أرجح من الأثر الحاصل من المعصية والكلام إنما هو فى التوبة النصوح الكاملة، وجانب العدل ولهذا كان من جانب العدل آحاد بآحاد وجانب الفضل أرجح من جانب الفضل آحاد بعشرات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وهذا يدل على رجحان جانب الفضل وغلبته، وكذلك مصدرهما من الغضب والرحمة فإن رحمة الرب تغلب غضبه. قالوا: وأيضاً فالذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه فى حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيراً مما كانت وأكمل، وفى مثل هذا قال الشاعر: لعل عتبك محمود عواقبه … وربما صحت الأجسام بالعلل وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: أنه يعود خيراً بالتوبة مما كان قبل التوبة واحتجوا لقولهم أيضاً بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط فى حصولها، وإن حصل له محبة أُخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله، فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التى كان

стр. 254

عليها أولاً انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذى كان له منه قبل الجناية، واحتجوا فى ذلك بأثر إسرائيلى مكذوب أن الله قال لداود ﵇: (يا داود، أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود). وهذا كذب قطعاً، فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضاً فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه. وتأمل سر اقتران هذين الاسمين فى قوله تعالى ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ … الْوَدُودُ (١٤)﴾ ﴿البروج: ١٣ - ١٤﴾ تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبداً، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفى ذلك ما يهيج القلب السليم ويأْخذ بمجامعه ويجعله عاكفاً على ربه- الذى لا إله إلا هو ولا رب له سواه- عكوف المحب الصادق على محبوبه الذى لا غنى له عنه، ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبداً. واحتجوا أيضاً بأن العبد قد يكون بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة لأن الذنب يحدث له من الخوف والخشية والانكسار والتذلل لله والتضرع بين يديه والبكاء على خطيئته والندم عليها والأسف والإشفاق

стр. 255

ما هو من أفضل أحوال العبد وأنفعها له فى دنياه وآخرته، ولم تكن هذه الأُمور لتحصل بدون أسبابها إذ حصول الملزوم بدون لازمة محال، والله يحب من عبده كسرته وتضرعه وذله بين يديه واستعطافه وسؤاله أن يعفو عنه ويغفر له ويتجاوز عن جرمه وخطيئته، فإذا قضى عليه بالذنب فترتبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاءُ خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن. ولهذا قال بعض السلف: لو لم تكن التوبة أحب الأشياءِ إليه لما أصاب بالذنب أكرم الخلق عليه. وقيل: إن فى بعض الآثار يقول الله تعالى لداود ﵇: يا داود، كنت تدخل على دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل على دخول العبيد على الملوك. قالوا: وقد قال غير واحد من السلف: كان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ … (٢٥)﴾ ﴿ص: ٢٥﴾. فزاده على المغفرة أمرين: الزلفى وهى درجة القرب منه وقد قال فيها سلف الأُمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم، ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف.

стр. 256

والثانى: حسن المآب وهو حسن المنقلب وطيب المأْوى عند الله. قالوا: ومن تأمل زيادة القرب التى أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا، وأن العبد بعد التوبة يعود خيراً مما كان. قالوا: وأيضاً فإن للعبودية لوازم وأحكاماً وأسراراً وكمالات لا تحصل إلا بها ومن جملتها تكميل مقام الذل للعزيز الرحيم، فإن الله سبحانه يحب من عبده أن يكمل مقام الذل له، وهذه هى حقيقة العبودية واشتقاقها يدل على ذلك، فإن العرب تقول: طريق معبَّد أى مذلل بوطءِ الأقدام. والذل أنواع: أكملها ذل المحب لمحبوبه. الثانى: ذل المملوك لمالكه. الثالث: ذل الجانى بين يدى المنعم عليه المحسن إليه المالك له. الرابع: ذل العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدى القادر عليها التى هى فى يده وبأمره. وتحت هذا قسمان: أحدهما: ذل له فى أن يجلب له ما ينفعه. والثانى: ذل له فى أن يدفع عنه ما يضره على الدوام. ويدخل فى هذا ذل المصائب كالفقر والمرض وأنواع البلاء والمحن.

стр. 257

فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها وشهدها كما ينبغى وعرف ما يراد به منه وقام بين يدى ربه مستصحباً لها شاهداً لذله من كل وجه ولعزة ربه وعظمته وجلاله كان قليل أعماله قائماً مقام الكثير من أعمال غيره. قالوا: وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام، فمن لا نصيب له منها فلا يضره أَنْ يخلى المطى وحاديها، ويعطى القوس باريها. فللكثافة أَقوام لها خلقوا … وللمحبة أَكباد وأجفان. قالوا: وأيضاً فقد ثبت عن النبى ﷺ أنه قال: (للهُ أَشدُّ فرحاً بتوبة عبده من أحدكم ضل راحلته). قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله، فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهى مركبه الذى يقطع به مسافة سفره، فلو عدمه لانقطع فى طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه. ثم إنه عدمها فى أرض دوّية لا أَنيس بها ولا معين ولا من يأْوى له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماءَ بها ولا طعام، فلما أَيس من الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت، إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه، فأَى فرحة تعدل فرحة هذا؟

стр. 258

ولو كان فى الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبى ﷺ ، ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاءُ، فإِن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادى الخفا وهو وادى المحرّفين للكلم عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه، فهو واد قد سلكه خلق وتفرقوا فى شعابه وطرقه ومتاهاته ولم تستقر لهم فيه قدم ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق، بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل. مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها، فكيف يليق به أَنْ يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأُمة فى أودية التأْويلات شعاب الاحتمالات والتجويزات، سبحانك هذا بهتان عظيم. وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له غير تأْويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجى. والحمد لله رب العالمين.

стр. 259

(٦٢) حديث: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) . (ضعيف) رواه ابن ماجه (٧٥٠)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٧٣) رقم (٣٦٩)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٧٥)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨) رقم (١٣٧٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٧٧) رقم (٢٢٠٦٨)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١/ ٤٤١ - ٤٤٢) رقم (١٧٢٦). وعلة هذا الحديث: الحارث بن نبهان. قال شيخنا الوادعي ﵀: وهو متفق على ضعفه. اهـ. وفي بعض طرقه أيضاً: العلاء بن كثير الدمشقي. قال البيهقي-﵀: منكر الحديث. وقال ابن المديني-﵀: ضعيف. وقال أحمد-﵀: ليس بشيء. وقال أبو حاتم-﵀: ضعيف الحديث. "تهذيب التهذيب" (٨/ ١٦٤) رقم (٥٤٧٣). وقد نصَّ على عدم ثبوت هذا الحديث جمع من العلماء: (١) البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة " (٢/ ٤١) رقم (٩٩٨).

стр. 260

(٢) البزار، قال: لا أصل له. "أصل صفة صلاة النبي ﷺ " للألباني (١/ ٣٩١) حاشية. (٣) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣). (٤) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٥). (٥) المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ١٦٨). (٦) عبد الحق الإشبيلي قال: لا أصل له. "أصل صفة صلاة النبي ﷺ " للألباني (١/ ٣٩١) حاشية. (٧) الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٣٩١) سورة النور. (٨) القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٦/ ١٢/ ٢٥١). (٩) الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ٦٥٤) و (١٣/ ١٦٨) و"التلخيص الحبير" (٣/ ٦٧) تحت رقم (١٣٠٩) و (٤/ ١٨٨) رقم (٢٠٨٨) و"المطالب العالية" (١/ ١٠٠، ٣٥٧). (١٠) العيني في "عمدة القاري" (٤/ ٣٢٥). (١١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢١٠) رقم (٣٧٢). (١٢) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣) رقم (٣٦٠١). (١٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٦٥).

стр. 261

(١٤) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٠٠) رقم (١٠٧٧). (١٥) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٠٦) قم (١٧٩). (١٦) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٤٥) رقم (٣٨) و"نيل الأوطار" (٢/ ١٤٤). (١٧) الصنعاني في "سبل السلام" (١/ ٣٢٣). (١٨) العلامة الألباني في" أصل صفة صلاة النبي ﷺ " (١/ ٣٩١) قال: ضعيف لا يحتج به اتفاقاً (١). (١٩) شيخنا الوادعي في "إجابة السائل" (ص: ١٩١). (٢٠) مشهور بن حسن في "أخطاء المصلين" (ص: ٢٨٦). التعليق: قال الشوكاني (٢) ﵀: … وقد عارض هذين الحديثين الضعيفين حديث أمامة المتقدم وهو متفق عليه، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره … ) رواه أحمد.

стр. 262

وحديث أنس أن النبي ﷺ قال: (إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تُفتن أمه) متفق عليه. قلت: وبنى كثير من العوام على هذا الحديث اعتقاد منع الصبيان بيوت الله ، وقد سُئل الإمام مالك ﵀ عن الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد أيستحب ذلك؟ قال: إن كان قد بلغ موضع الأدب وعرف ذلك ولا يعبث بالمسجد فلا أرى بأساً، وإن كان صغيراً لا يقِرّ فيه ويعبث فلا أحب ذلك. وقال ابن رشد: المعنى فى هذه المسألة مكشوف لا يفتقر إلى بيان ذلك إذ لا إشكال في إباحة دخول الولد إلى المسجد قال تعالى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ ﴿آل عمران: ٣٧﴾. وكان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي في الصلاة فيتجوز في الصلاة مخافة أن تفتن أمه، وإلا فالكراهة في دخولهم المسجد إذا كانوا لا يقرون فيه ويعبثون لأن المسجد ليس موضع العبث واللعب وبالله التوفيق. اهـ. هذا وقد شهدت خطر هذا الحديث الواهي عندما رأيت بعض العامة من الجهلة يطردون الناشئة من بيوت الله محتجين بهذا الحديث وينفرونهم من الدين، على حين تفتح المؤسسات التبشيرية والأندية وأماكن الفساد صدرها وذراعيها لأبناء المسلمين (١).

стр. 263

وقال العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: والصحيح عدم جواز إبعاد الصبي عن مكانه في الصف لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه) (٢). ولأن فيه اعتداء على حق الصبي، وكسراً لقلبه، وتنفيراً له عن الصلاة، وزرعاً للبغضاء والحقد في قلبه … وقال ﵀: لا يمنع الصبيان من الصلاة في الصف الأول من المسجد إلا إذا حصل منهم أذيه، أما ما داموا مؤدبين فلا يجوز إخراجهم من الصف الأول لأن النبي ﷺ قال: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) رواه أبو داود وغيره. وهؤلاء سبقوا إلى ما لم يسبقهم إليه أحد، فكانوا أحق به من غيرهم .. الخ وقد سئلت اللجنة الدائمة (٦/ ٢٧٥) عن حكم دخول الأطفال والمجانين المسجد؟ فقالت: على ولي أمر المجنون منعه من دخول المسجد دفعاً لأذاه عن المسجد والمصلين، والسعي في علاجه، أما الأطفال فلا يمنعون من دخول المسجد مع أولياء أمورهم أو وحدهم إذا كانوا مميزين وهم أبناء سبع سنين فأكثر، ليؤدوا الصلاة مع المسلمين.

стр. 264

(٦٣) حديث: (الجنة تحت أقدام الأمهات من شئن أدخلن ومن شئن أخرجن) . (موضوع) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٨/ ٦٤) عن ابن عباس ﵄. وفي سنده: موسى بن محمد بن عطاء الدمياطي، وهو ممن اتفقت كلمات الأئمة على تكذيبه واطراح حديثه. "لسان الميزان" (٦/ ١٦٥ - ١٦٧) و "الضعفاء" للعقيلي (١٧٤٣). وأخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" والخطيب في "الجامع" عن أنس ﵁. وفي سنده: منصور بن المهاجر وأبو النضر الأبار، لا يعرفان. وقد نصَّ على عدم ثبوت هذا الحديث جمع من أهل العلم منهم: (١) شيخ الإسلام ابن تيمية في "الأحاديث الموضوعة والباطلة" (٥٦). (٢) ابن طاهر كما في "المقاصد" (٣٧٣). (٣) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢١١ - ٢١٢) رقم (٣٧٣). (٤) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٦٦). (٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٠١) رقم (١٠٧٨). (٦) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٥٩٣) و"ضعيف الجامع" (٢٦٦٦).

стр. 265

التعليق: قلت: ويُغني عن هذا الحديث قوله ﷺ : (الزم رجلها فثَمَّ الجنة) (١) وقوله ﷺ : (الزمها فإن الجنة تحت أقدامها) (٢) يعني: الأم. والمراد من الحديثين التواضع لهنَّ وترضِّيهنَّ فإنه يكون سبب لدخول الجنة. وقال بعض العلماء: المراد أنه يكون في برها وخدمتها كالتراب تحت قدميها، مقدماً لها على هواه، مؤثراً برها على بر كل عباد الله، لتحملها شدائد حمله ورضاعه وتربيته.

стр. 266

(٦٤) حديث: (حب الدنيا رأس كل خطيئة) . (موضوع) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٣٢٣) رقم (١٠٤٥٨)، وعبد الله بن أحمد في "الزهد" (ص: ٩٢). وقد نصَّ جمع من أهل العلم على بطلان هذا الحديث وأنه لا أصل له عن النبي ﷺ ، منهم: (١) شيخ الإسلام ابن تيمية (١). (٢) ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: ٢٩٩). (٣) العراقي في "شرح الألفية". كما نقل عنه السيوطي. (٤) ابن الجوزي في "الموضوعات". كما نقل عنه المناوي. (٥) البيهقي. كما نقل عنه المناوي. (٦) السيوطي في "تدريب الراوي" (ص: ٢٨٧). (٧) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٨٧) رقم (٣٦٦٢). (٨) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢١٨) رقم (٣٨٤). (٩) الألباني في "الضعيفة" (١٢٢٦).

стр. 267

(١٠) شيخنا ابن عثيمين في "شرح نزهة النظر" (ص: ٥١). التعليق: قلت: معنى هذا الحديث صحيح، قال المناوي (١): (حب الدنيا رأس كل خطيئة) بشاهد التجربة والمشاهدة، فإن حبها يدعو إلى كل خطيئة ظاهرة وباطنة، سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيُسكر عاشقها حبها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها، وعن كراهتها واجتنابها، وحبها يوقع في الشبهات، ثم في المكروه ثم في المحرم، وطالما أوقع في الكفر، بل جميع الأمم المكذِّبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم حب الدنيا، فإن الرسل لما نهوا عن المعاصي التي كانوا يلتمسون بها حب الدنيا حملهم على حبها تكذيبهم، فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا، ولا تنسى خطيئة الأبوين فإن سببها حب الخلود، ولا تنسى خطيئة إبليس فإن سببها حب الرياسة، التي هى شر من حب الدنيا، وكفر فرعون وهامان وجنودهما، فحبها هو الذي عمر النار بأهلها، وبغضها هو الذي عمر الجنة بأهلها، ومن ثم قيل الدنيا خمر الشيطان، فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلا في عسكر الموتى خاسراً نادماً. … قلت: وللعلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀ بحث نفيس في الكلام على هذا الحديث انظره إن شئت في "الفتح الرباني" من فتاوى الإمام الشوكاني (٤/ ١٧٨١ - ١٨١٩).

стр. 268

(٦٥) حديث: (حب الوطن من الإيمان) . (موضوع) لقد اشتهرت هذه المقولة على ألسِنة كثير من الناس على أنها حديث نبوي شريف، وليست كذلك بل هي من كلام الناس. وقد بيَّن أهل العلم عدم ثبوت هذه المقولة عن النبي ﷺ . (١) قال الصاغاني في "الموضوعات" (ص: ٤٧) رقم (٨١): موضوع. (٢) قال القاري في "المصنوع" (١٠٦): لا أصل له عند الحفاظ. (٣) قال الزركشي: لم أقف عليه. "الأسرار المرفوعة" (ص: ١٨٠). (٤) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٨٦): لم أقف عليه. (٥) قال ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٦٨): قال شيخنا لم أقف عليه. (٦) ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤١٣) رقم (١١٠٢) ونقل كلام السخاوي والصاغاني. (٧) قال العامري في "الجد الحثيث" (١٢٥): ليس بحديث. (٨) قال اللكنوي في "ظفر الأماني" (ص: ٢٦٩): اشتهر بين الناس قال في مجمع البحار: لا أصل له.

стр. 269

(٩) قال البيروتي في "أسنى المطالب" (٥٥١): موضوع. (١٠) قال الصالحي في "الشذرة" (٣٤٣): لم أقف عليه. (١١) قال الألباني في "الضعيفة" (١/ ٥٥) رقم (٣٦): موضوع. (١٢) قال شيخنا الوادعي في "المقترح" (ص: ٩): هذا حديث قد شاع وذاع ولم يثبت عن النبي ﷺ . (١٣) قالت "اللجنة الدائمة" (٤/ ٤٦٦): ليس بحديث وإنما هو كلام جرى على ألسنة الناس. (١٤) قال شيخنا ابن عثيمين في "شرح نزهة النظر" (ص: ٥١): ليس له أصل. وقال في كتاب "العلم": مكذوب على النبي ﷺ . التعليق: قلت: لكن هل معنى هذا الحديث صحيح؟ الجواب: اختلف أهل العلم في صحة معناه، فقال السخاوي: معناه صحيح. قال اللكنوي (١) معقباً على كلام السخاوي: ونازعه في حكمه بصحة معناه بعضهم بأنه عجيب إذ لا ملازمة بين حب الوطن والإيمان، ويرده قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا

стр. 270

مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿النساء: ٦٦﴾ فإنه دال على حبهم وطنهم مع عدم تلبسهم بالإيمان فإن الضمير للمنافقين، وأجيب عنه بأنه ليس في كلام السخاوي أنه لا يحب الوطن إلا المؤمن، وإنما فيه أن حب الوطن لا ينافي الإيمان، ورده على القاري في بعض رسائله بأن هذا الجواب مدخول، وفي النظر الصحيح معلول فإن السخاوي، أراد أنه جاء في القرآن حكاية عن أهل الإيمان ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ ﴿البقرة: ٢٤٦﴾ فعارضه بقوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، فدلت الآيتان على أن حب الوطن من خصوصية الإنسان لا من خصوصية أهل الإيمان، فلا يصح أن يكون علامة عليه، ولا يبعد أن يكون مراد السخاوي بقوله: صحيح المعنى أن يقصد بالوطن الجنة فإنها المسكن الأول لآدم أو مكة فإنها أمُّ قرى العالم. اهـ. وقال العلامة الألباني (١) ﵀: ومعناه غير مستقيم إذ أن حب الوطن كحب النفس والمال كل ذلك غريزي في الإنسان لا يمدح بحبه ولا هو من لوازم الايمان، ألا ترى أن الناس كلهم مشتركون في هذا الحب لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم؟

стр. 271

وقال بعضهم: وأما معناه فهو أن حب الوطن بعض من الإيمان، وهذا لا يستقيم من الناحية الشرعية، لأن حب الوطن أمر طبيعي جِبِلِّي يستوي فيه الفاسق والمؤمن والكافر، ولاعلاقة له بالدين وإلاَّ للزم منه أن يكون سلمان الفارسي الذي أحب البلاد العربية وعلى الأخص المدينة المنورة، ولم يحب فارس الذي ولد فيه هو وأباؤه وأجداده فيها وتربى فيها والتي هي وطنه ومسقط رأسه أن يكون قد نقص جزء من إيمانه. كما أنه سيلزم أن يكون أبو جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهما من كفار قريش قد ملكوا جزءاً من الإيمان أو اتصفوا بجزء من الإيمان، لأنهم كانوا يحبون وطنهم مكة، واللازم باطل وكذلك الملزوم.

стр. 272

(٦٦) حديث: -زيادة لفظة- (ثلاث) في حديث (حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) . (لا أصل لها) قلت: لقد تكلم أهل العلم على هذه الزيادة وهي لفظة (ثلاث) وبيَّنوا أنه لا أصل لها في شيء من طرق الحديث، بل هي مفسدة للمعنى كما لا يخفى، لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا. وهذه الزيادة لم يقف عليها الحفاظ في شيء من كتب السنة كما نصَّوا على ذلك: (١) شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣١). (٢) الزركشي في "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة". (٣) العراقي في "أماليه" كما نقل عنه المناوي في "فيض القدير". (٤) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ١١٦) رقم (١٤٣٥). (٥) السيوطي في "الدررالمنتثرة" (ص: ١٠٩) رقم (١٨٦). (٦) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٨٩). (٧) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢١٥) رقم (٣٨٠).

стр. 273

(٨) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٦٧). (٩) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٠٥) رقم (١٠٨٩). (١٠) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٢٤). (١١) القاري في "المصنوع" (١٠٣)، و"الأسرار المرفوعة". (١٢) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١١٧ - ١١٨) رقم (٢٣) كتاب النكاح، و"نيل الأوطار" (١/ ١٦٣). (١٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٢٢) رقم (٥٤٨). (١٤) الألباني في "المشكاة" (٣/ ١٤٤٨) رقم (٥٢٦١). (١٥) شيخنا الوادعي (سماعاً). التعليق: وبناءً على هذا فزيادة لفظة (ثلاث) في الحديث غير صحيحة من جهة الرواية ومن جهة الدراية، وإنما أوردها الزمخشري في "الكشاف"، والغزالي في "الإحياء"، وزيادتها تفسد المعنى حيث تكون الصلاة من أمور الدنيا مثل الطيب والنساء. والحديث الصحيح: (حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) (١). بدون زيادة لفظة (ثلاث).

стр. 274

قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: لما كانت الصلاة جامعة لفضائل الدنيا والآخرة، خصها بزيادة صفة، وقدم الطيب لإصلاحه النفس، وثنى بالنساء لإماطة أذى النفس بهن، وثلث بالصلاة لأنها تحصل حينئذ صافية عن الشوائب، خالصة عن الشواغل. فوائد من هذا الحديث: • مشروعية حب النساء، وأنه لا ينافي مقام النبوة. • ما كان عليه النبي ﷺ من قوة محبته لله حيث لم يؤثر فيه حبَّه للنساء، بل ازداد به القرب من الله تعالى والزلفى. • أنه يدل على أن محبته للنساء والطيب ليس من جنس المحبة المجردة الشهوية، كسائر عامة الناس، بل لكونه طريقاً لنشر الشريعة التي لا تنقل من طرق الرجال، بل من طرق الأزواج اللآتي يلازمنه في نومه، ويقظته وأكله وشربه، وسائر أحواله التي يكون عليها من حين يدخل بيته إلى أن يخرج منه. • بيان أن محبة النساء، وسائرملاذ الدنيا إذا لم يؤدّ إلى الإخلال بأداء حقوق العبودية لا يكون نقصاً (١).

стр. 275

(٦٧) حديث: (حبك الشيء يعمي ويصم) . (ضعيف) رواه أحمد (٢١٦٩٤، ٢٧٥٤٨)، وأبو داود في "السنن" (٥١٣٠)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١٨٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٤٣٥٦)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٢١٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" كما في"فتح الوهاب" (١/ ١٩٢) رقم (١٥٠) عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً. وفي سنده: أبو بكر بن أبي مريم، فإنه كان اختلط مع سوء حفظه. وقد نصَّ جمع من أهل العلم على عدم ثبوت هذا الحديث، منهم: (١) الحافظ العراقي، قال: إسناده ضعيف؛ كما نقل عنه المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٩٢، ٤٩٣). (٢) الزركشي، قال: روي من طرق في كل منها مقال. (٣) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢١٦) رقم (٣٨١) قال: وقد بالغ الصاغاني وحكم عليه بالوضع. (٤) ذكره العامري في "الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" (٤٣٧). (٥) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٣٢) قال: ذكره ابن الجوزي والصاغاني في "الموضوعات" وهو في "سنن أبي داود" بسند ضعيف، فيه بقية، وابن أبي مريم، وهما ضعيفان وليسا ممن يضع.

стр. 276

(٦) ضعَّفه المعلمي في تعليقه على"الفوائد المجموعة" (ص: ٢٣٢). (٧) الألباني في "الضعيفة" (٤/ ٣٤٨) رقم (١٨٦٨) (١). (٨) شيخنا الوادعي في تحقيق "تفسير ابن كثير" (١/ ٢٣٦) قال: الحديث ضعيف من أجل أبي بكر بن أبي مريم مختلط. (٩) العلامة ابن باز في "التحفة الكريمة" (ص: ٣١) رقم (١٠) قال: ضعيف لأن في إسناده أبا بكر ابن أبي مريم، وهو ضعيف. قلت: وقد جاء هذا الحديث موقوفاً على أبي الدرداء ﵁ كما في "مسند أحمد" (٢١٦٩٤)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ١٠٧). قال السيوطي في "الدرر المنتثرة": وهو أشبه -أي: الوقف- ومال إليه الألباني ﵀ (٢). وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق "مسند أحمد" (٢١٦٩٤): صحيح موقوفاً. التعليق: قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: ولكن معناه صحيح نسأل الله العافية.

стр. 277

وقال المناوي (١) ﵀ ": حبك الشيء يعمي ويصم، أي يجعلك أعمى عن عيوب المحبوب، أصم عن سماعها حتى لا تبصر قيبح فعله ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى القبيح منه حسناً وتسمع منه الخنا جميلاً وهذا معنى قول كثير يعمي العين عند النظر إلى مساويه ويصم الأذن عن العذل فيه، أو يعمي ويصم عن الآخرة أو عن طرق الهدى، وفائدته النهي عن حب مالا ينبغي الإغراق في حبه، وهذا الحديث قد عده العسكري من الأمثال، والحب لذة تعمي عن رؤية غير المحبوب وتصمه عن سماع العذل فيه، والمحبة إذا استولت على القلب سلبته عن صفاته وقال القائل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا وقال بعضهم: وكذبت طرفي فيك والطرف صادق وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع وقال أيضا: أَصَمَّني الحب إلا عن تسارره فمن رأى حُبَّ حِبٍّ يورث الصمما وكفَّني الحب إلا عن رعايته … والحب يعمي وفيه القتل إن كُتِمَا

стр. 278

(٦٨) حديث: (حَثْو التراب في وجوه الجيش القادم من غزوة مؤتة، وقولهم: يا فرار في سبيل الله، فيقول ﷺ : ليسوا بفرار، ولكنهم كرار إن شاء الله) . (ضعيف) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٩٨) وابن هشام في "السيرة" (٤/ ٢٤ - ٢٥) قال ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دآبة فقال: (خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه) قال: وجعل الناس يحثُون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله، قال: فيقول رسول الله ﷺ : (ليسو بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله). قال ابن كثير (١) ﵀ بعد أن ساق هذا الإسناد: وهذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة، وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان الذين فروا حين التقى الجمعان وأما بقيتهم فلم يفروا بل نُصروا كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ

стр. 279

المسلمين وهو على المنبر بقوله: (ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه) فما كان المسلمون ليسمونهم فرار بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراماً وإعظاماً، وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك (١). وقال العلامة الألباني ﵀ في "الدفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات الدكتور البوطي في كتابه فقه السيرة" (ص: ٤٠) تعليقاً على هذه الحادثة: هذا منكر بل باطل ظاهر البطلان، إذ كيف يُعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عَدَده وعُدَده على جيش الروم المتفوق عليهم في العَدَد والعُدَد أضعافاً مضاعفة، كيف يُعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم ورميهم بالفُرّار من الجهاد وهم لم يفروا بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله وفتح عليهم كما في حديث البخاري ( … حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم). اهـ. قلت: وموطن الشاهد قوله ﷺ : (حتى فتح الله عليهم) وفي هذا دلالة على أن النصر والفتح كان حليف المسلمين حين تولى خالد القيادة وتسلم الراية.

стр. 280

(٦٩) حديث: (حجة الجمعة باثنتين وسبعين حجة) . (لا أصل له) قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (١/ ٦٥): وأما ما استفاض على ألسِنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة (أي حجة الجمعة) فلا أصل له عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين. وقال العلامة الألباني-﵀ في "الضعيفة" (١١٩٣): لا أصل له. قلت: جاء حديث آخر في فضل حجة الجمعة بلفظ: (حجة الجمعة حجة المساكين) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "الأحاديث الضعيفة والباطلة" (٣٥). وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٠٠): رواه القضاعي عن ابن عباس ﵄ وفي سنده مقاتل ضعيف. وقال الصاغاني: موضوع. التعليق: قلت: ولا يعني ضعف الحديث أن الوقوف بعرفة يوم الجمعة ليس له مزية بل له مزية. قال العلامة ابن القيم (١) ﵀: ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة:

стр. 281

أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام. الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع. الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله ﷺ . الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه. الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة، ولذلك كره لمن بعرفة صومه، وفي النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة) وفي إسناده نظر، فإن مهدي ابن حرب العبدي ليس بمعروف ومداره عليه، ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل: (أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه). وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة: فقالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا هو قول الخرقي وغيره.

стр. 282

وقال غيرهم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل عليه الحديث الذي في السنن عنه أنه قال: يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام. قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيداً في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم، والمقصود أنه إذا اتفق يوم عرفة ويوم جمعة فقد اتفق عيدان معاً. السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينه لعباده المؤمنين وإتمام نعمته عليهم كما ثبت في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب، قال جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال يا أمير المؤمنين آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ونعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيداً قال أي آية قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿المائدة: ٣﴾. فقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة يوم جمعة ونحن واقفون معه بعرفة. السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر والموقف الأعظم يوم القيامة فإن القيامة تقوم يوم الجمعة كما قال النبي ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس

стр. 283

يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه) ولهذا شرع الله لعباده يوماً يجتمعون فيه فيذكرون المبدأ والمعاد والجنة والنار وادخر الله تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة إذ فيه كان المبدأ وفيه المعاد ولهذا كان النبي يقرأ في فجره سورتي السجدة، وهل أتى على الإنسان، لاشتمالهما على ما كان وما يكون في هذا اليوم من خلق آدم وذكر المبدأ والمعاد ودخول الجنة والنار فكان يذكر الأمة في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون فهكذا يتذكر الإنسان بأعظم مواقف الدنيا وهو يوم عرفة الموقف الأعظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه ولا يتنصف حتى يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم. الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة وليلة الجمعة أكثر منها في سائر الأيام حتى إن أكثر أهل الفجور يحترمون يوم الجمعة وليلته ويرون أن من تجرأ فيه على معاصي الله عجل الله عقوبته ولم يمهله وهذا أمر قد استقر عندهم وعلموه بالتجارب وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله واختيار الله سبحانه له من بين سائر الأيام ولا ريب أن للوقفة فيه مزية على غيره. التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة وهو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في واد أفيح وينصب لهم منابر من لؤلؤ ومنابر من ذهب ومنابر من

стр. 284

زبرجد وياقوت على كثبان المسك فينظرون إلى ربهم ﵎ ويتجلى لهم فيرونه عياناً ويكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحاً إلى المسجد وأقربهم منه أقربهم من الإمام فأهل الجنة مشتاقون إلى يوم المزيد فيها لما ينالون فيه من الكرامة وهو يوم جمعة فإذا وافق يوم عرفة كان له زيادة مزية واختصاص وفضل ليس لغيره. العاشر: أنه يدنو الرب ﵎ عشية يوم عرفة من أهل الموقف ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء أشهدكم أني قد غفرت لهم وتحصل مع دنوه منهم ﵎ ساعة الإجابة التي لا يرد فيها سائلاً يسأل خيراً فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة ويقرُب منهم تعالى نوعين من القُرب أحدهما قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة والثاني قربه الخاص من أهل عرفة ومباهاته بهم ملائكته فتستشعر قلوب أهل الإيمان هذه الأمور فتزداد قوة إلى قوتها وفرحاً وسروراً وابتهاجاً ورجاءً لفضل ربها وكرمه فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها. اهـ.

стр. 285

(٧٠) حديث: (حجوا قبل أن لا تحجوا) . (موضوع) … أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٦١٨) رقم (١٦٤٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٥٥٦) رقم (٨٦٦٨) عن علي ﵁ مرفوعاً: (حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصمع أفدع بيده معول يهدمها حجراً حجراً). وفي سنده: حصين بن عمر الأحمسي. قال الذهبي: حصين واهٍ. وقال ابن خراش وغيره: كذَّاب. وقال ابن حبان: روى الموضوعات عن الأثبات. "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٤٧) رقم (١٤٤٩). قلت: والحديث جاء بلفظ آخر: (حجوا قبل أن لا تحجوا يقعد أعرابها على أذناب أوديتها فلا يصل إلى الحج أحد) وهو حديث باطل. أخرجه البيهقي في " الكبرى" (٤/ ٥٥٧) رقم (٨٧٠٢) وغيره. وفي سنده: محمد بن أبي محمد المدني. قال العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ١٣٥) رقم (١٦٩٣): محمد بن أبي محمد مجهول بالنقل ولا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.
следующие страницы →