أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام.
الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.
الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله ﷺ .
الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه.
الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة، ولذلك كره لمن بعرفة صومه، وفي النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة) وفي إسناده نظر، فإن مهدي ابن حرب العبدي ليس بمعروف ومداره عليه، ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل: (أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه).
وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة:
فقالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا هو قول الخرقي وغيره.
стр. 282
وقال غيرهم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل عليه الحديث الذي في السنن عنه أنه قال: يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام.
قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيداً في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم، والمقصود أنه إذا اتفق يوم عرفة ويوم جمعة فقد اتفق عيدان معاً.
السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينه لعباده المؤمنين وإتمام نعمته عليهم كما ثبت في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب، قال جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال يا أمير المؤمنين آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ونعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيداً قال أي آية قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿المائدة: ٣﴾.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة يوم جمعة ونحن واقفون معه بعرفة.
السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر والموقف الأعظم يوم القيامة فإن القيامة تقوم يوم الجمعة كما قال النبي ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس
стр. 283
يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه) ولهذا شرع الله لعباده يوماً يجتمعون فيه فيذكرون المبدأ والمعاد والجنة والنار وادخر الله تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة إذ فيه كان المبدأ وفيه المعاد ولهذا كان النبي يقرأ في فجره سورتي السجدة، وهل أتى على الإنسان، لاشتمالهما على ما كان وما يكون في هذا اليوم من خلق آدم وذكر المبدأ والمعاد ودخول الجنة والنار فكان يذكر الأمة في هذا اليوم بما كان فيه وما يكون فهكذا يتذكر الإنسان بأعظم مواقف الدنيا وهو يوم عرفة الموقف الأعظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه ولا يتنصف حتى يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم.
الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة وليلة الجمعة أكثر منها في سائر الأيام حتى إن أكثر أهل الفجور يحترمون يوم الجمعة وليلته ويرون أن من تجرأ فيه على معاصي الله عجل الله عقوبته ولم يمهله وهذا أمر قد استقر عندهم وعلموه بالتجارب وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله واختيار الله سبحانه له من بين سائر الأيام ولا ريب أن للوقفة فيه مزية على غيره.
التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة وهو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في واد أفيح وينصب لهم منابر من لؤلؤ ومنابر من ذهب ومنابر من
стр. 284
زبرجد وياقوت على كثبان المسك فينظرون إلى ربهم ﵎ ويتجلى لهم فيرونه عياناً ويكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحاً إلى المسجد وأقربهم منه أقربهم من الإمام فأهل الجنة مشتاقون إلى يوم المزيد فيها لما ينالون فيه من الكرامة وهو يوم جمعة فإذا وافق يوم عرفة كان له زيادة مزية واختصاص وفضل ليس لغيره.
العاشر: أنه يدنو الرب ﵎ عشية يوم عرفة من أهل الموقف ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء أشهدكم أني قد غفرت لهم وتحصل مع دنوه منهم ﵎ ساعة الإجابة التي لا يرد فيها سائلاً يسأل خيراً فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة ويقرُب منهم تعالى نوعين من القُرب أحدهما قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة والثاني قربه الخاص من أهل عرفة ومباهاته بهم ملائكته فتستشعر قلوب أهل الإيمان هذه الأمور فتزداد قوة إلى قوتها وفرحاً وسروراً وابتهاجاً ورجاءً لفضل ربها وكرمه فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها. اهـ.
стр. 285
(٧٠) حديث: (حجوا قبل أن لا تحجوا) .
(موضوع) …
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٦١٨) رقم (١٦٤٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٥٥٦) رقم (٨٦٦٨) عن علي ﵁ مرفوعاً: (حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصمع أفدع بيده معول يهدمها حجراً حجراً).
وفي سنده: حصين بن عمر الأحمسي.
قال الذهبي: حصين واهٍ.
وقال ابن خراش وغيره: كذَّاب.
وقال ابن حبان: روى الموضوعات عن الأثبات.
"تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٤٧) رقم (١٤٤٩).
قلت: والحديث جاء بلفظ آخر: (حجوا قبل أن لا تحجوا يقعد أعرابها على أذناب أوديتها فلا يصل إلى الحج أحد) وهو حديث باطل.
أخرجه البيهقي في " الكبرى" (٤/ ٥٥٧) رقم (٨٧٠٢) وغيره.
وفي سنده: محمد بن أبي محمد المدني.
قال العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ١٣٥) رقم (١٦٩٣): محمد بن أبي محمد مجهول بالنقل ولا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.
стр. 286
وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٥٦٤) رقم (٩٢٦): قال العقيلي محمد بن أبي محمد مجهول بالنقل ولا يعرف هذا الحديث إلا به ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا شيء.
ونقل كلام العقيلي كذلك السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٢٠) رقم (٣٩١)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ٦٨)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤١٨) رقم (١١١٠).
والحديث ضعَّفه:
السيوطي في "الجامع الصغير"، والمناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٩٦) رقم (٣٦٨٣) و (٣٦٨٤).
وحكم على الحديثين العلامة الألباني ﵀: بالوضع. كما في "الضعيفة" (٥٤٣، ٥٤٤) و"ضعيف الجامع" (٢٦٩٥، ٢٦٩٧).
التعليق:
قلت: ويُغني عنه حديث: (تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) (١).
وحديث: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة) (٢).
стр. 287
فائدة: لا يستحل البيت الحرام إلا أهله، وأهله هم المسلمون، فإذا استحلوه، فإنه يصيبهم الهلاك، ثم يخرج رجل من أهل الحبشة، يقال له: ذو السويقيتن، فيخرب الكعبة، وينقضها حجراً حجراً، ويسلبها حليتها، ويجردها كسوتها، وذلك في آخر الزمان، حين لا يبقى في الأرض أحد يقول الله الله، ولذلك لا يُعمر البيت بعد هدمه أبداً، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
روى الإمام أحمد في مسنده عن سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يخبر أبا قتادة أن رسول الله ﷺ قال: (يبايع لرجل بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يُسأل عن هلكة العرب، ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خراباً لا يعمر بعدها أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه) (١).
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرب الكعبة ذو السويقيتن من الحبشة، ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه: أُصيلع، أُفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله) (٢).
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرب الكعبة ذو السويقيتن من الحبشة).
وروى الإمام أحمد والبخاري أيضاً عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجراً حجراً) (يعني الكعبة).
стр. 288
فإن قيل إن هذه الأحاديث تخالف قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ ﴿العنكبوت: ٦٧﴾.
والله تعالى قد حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين.
قيل جواباً على ذلك: إن خراب الكعبة يقع في آخر الزمان، قرب قيام الساعة، حين لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله، الله، ولهذا جاء في رواية الإمام أحمد السابقة عن سعيد بن سمعان قوله ﷺ : (لا يعمر بعده أبداً، فهو حرم آمن ما لم يستحله أهله). وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها.
وقد حدث القتال في مكة مرات عديدة، وأعظم ذلك ما وقع من القرامطة في القرن الرابع الهجري، حيث قتلوا المسلمين في المطاف، وقلعوا الحجر الأسود، وحملوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدة طويلة، ومع ذلك لم يكن ما حدث معارضاً للآية الكريمة، لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين المنتسبين إليهم، فهو مطابق لما جاء في رواية الإمام أحمد من أنه لا يستحل البيت الحرام إلا أهله، فوقع ذلك كما أخبر النبي ﷺ ، وسيقع ذلك في آخر الزمان، لا يعمر مرة أخرى، حين لا يبقى على ظهر الأرض مسلم (١).
стр. 289
(٧١) حديث: (حدّ السَّاحر ضربةٌ بالسيف) .
(ضعيف)
أخرجه الترمذي (١٥٠١)، والطبراني في "الكبير" (١٦٦٥)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٦٢)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ١١٤) رقم (١١٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥١٢) رقم (٨١٥٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٥٠٠)، والجصاص في "أحكام القرآن" (١/ ٦٤ - ٦٥)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ٥٦٨) رقم (٨٠٦) عن جندب الخير به مرفوعاً.
وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي.
قال الحافظ في "التقريب" (٤٨٩): ضعيف الحديث.
وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يُضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوفاً.
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) البخاري كما نقل عنه المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٩٨).
(٢) الترمذي في "جامعه" (١٥٠١).
(٣) البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٣٤).
(٤) الذهبي في "الكبائر" (ص: ٣٣) قال: الصحيح أنه من قول جندب ﵁.
стр. 290
(٥) ابن القيم في "الزاد" (٥/ ٦٢) قال: الصحيح أنه موقوف على جندب ﵁.
(٦) ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: ١٢٧) قال: الصحيح وقفه على جندب ﵁.
(٧) ابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٦٢).
(٨) الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٢٤٧).
(٩) المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٩٨).
(١٠) شمس الدين العظيم أبادي في "التعليق المغني على الدارقطني" (٣/ ١١٤).
(١١) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٤٤٦)(١).
(١٢) شيخنا الوادعي في تعليقه على"المستدرك" (٤/ ٥١٢) رقم (٨١٥٥) قال: إسماعيل بن مسلم ضعيف جداً والحديث لا يصح رفعه.
التعليق:
حكم الساحر في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): أكثر أهل العلم على قتل الساحر.
وقال بعض العلماء: يُقتل لأجل الكفر.
стр. 291
وقال بعضهم: يُقتل لأجل الفساد في الأرض.
لكن الجمهور يرون قتله حداً. اهـ.
وقال ابن القيم (١): (حد الساحر ضربة بالسيف) الصحيح أنه موقوف على جندب بن عبد الله ﵁.
وصح عن عمر ﵁ أنه أمر بقتله، وصح عن حفصة ﵂ أنها قتلت مدبَّرة سحرتها، فأنكر عليها عثمان ﵁ إذ فعلته دون أمره، وروي عن عائشة ﵂ أيضاً أنها قتلت مدبَّرة سحرتها، وروي أنها باعتها، ذكره ابن المنذر وغيره.
وقد صح أن الرسول ﷺ لم يقتل من سحره من اليهود، فأخذ بهذا الشافعي، وأبو حنيفة رحمهما الله، وأما مالك، وأحمد رحمهما الله فإنهما يقتلانه، ولكن منصوص أحمد، أن ساحر أهل الذمة لا يقتل، واحتج بأن النبي ﷺ لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره، ومن قال بقتل ساحرهم يجيب عن هذا بأنه لم يقر، ولم يقم عليه بينة، وبأنه خشي ﷺ أن يثير على الناس شراً بترك إخراج السحر من البئر، فكيف لو قتله. اهـ.
стр. 292
(٧٢) حديث: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذب الله ورسوله) .
(ضعيف)
قال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٢١) رقم (١١١٨) وقال الغرس: خرجه الديلمي في مسند الفردوس عن علي ﵁ مرفوعاً. قال: وإسناده واهٍ، بل قيل: موضوع. اهـ.
و الحديث ضعَّفه العلامة الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٧٠١).
وجاء الحديث بلفظ: (أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٣٨): هذا لم يروه أحد من علماء المسلمين الذين يعتمد عليهم في الرواية وليس في شيء من كتبهم.
وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ١١٩) رقم (١٨٠): عزاه ابن حجر لمسند الحسن ابن سفيان عن ابن عباس ﵄ بلفظ: (أمرنا أن نخاطب الناس على قدرعقولهم) قال: وإسناده ضعيف جداً.
وقال ابن الديبع في التمييز (ص: ٣٥): له طرق منها عن ابن عباس ﵄ رفعه به وكلها ضعيفه.
стр. 293
وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٢٥) رقم (٥٩٢): رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً، وفي "اللآلئ" بعد عزوه "لمسند الفردوس" عن ابن عباس ﵄ قال: وفي إسناده ضعيف ومجهول.
وقال المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٥٠٠): خبر الحسن بن سفيان عن الحبر ابن عباس يرفعه (أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم) سنده كما قال ابن حجر ضعيف جداً.
التعليق:
قلت: والصحيح هو الموقوف على علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية لا يفهمون، وأخرج مسلم في مقدمته عن ابن مسعود ﵁: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لاتبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).
قال العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١) ﵀: في هذا الأثر دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة.
ومثله قول ابن مسعود ﵁: (ما أنت محدث قوماً حديثاً لم تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) رواه مسلم.
стр. 294
قال: وممن رأى التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة ﵁ كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. اهـ.
وما ذكر عن مالك في أحاديث الصفات ما أظنه يثبت عن مالك، وهل في أحاديث الصفات أكثر من آيات الصفات التي في القرآن؟ فهل يقول مالك وغيره من علماء الإسلام: إن آيات الصفات لا تتلى على العوام، وما زال العلماء قديماً وحديثاً من أصحاب النبي ﷺ ومَن بعدهم يقرأون آيات الصفات، وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، بل شرط الإيمان هو الإيمان بالله، وصفات كماله التي وصف بها نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فكيف يكتم ذلك عن عوام المؤمنين؟ بل نقول: من لم يؤمن بذلك فليس من المؤمنين. ومن وجد في قلبه حرجاً من ذلك فهو من المنافقين، ولكن هذا من بدع الجهمية وأتباعهم
стр. 295
الذين ينفون صفات الرب ﵎، فلما رأوا أحاديث الصفات مبطلة لمذهبهم، قامعة لبدعهم تواصوا بكتمانها عن عوام المؤمنين، لئلا يعلموا ضلالهم، وفساد اعتقادهم فاعلم ذلك. وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضرر من تحديث الناس ببعض ما يعرفون فلا ينبغي تحديثهم به، وليس ذلك على الإطلاق، وإن كثيراً من الدين والسنن يجهله الناس، فإذا حدثوا به كذبوا بذلك وأعظموه فلا يترك العالم تحديثهم، بل يعلمهم برفق ويدعوهم بالتي هي أحسن.
وقال العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: قوله في أثر علي ﵁: (حدثوا الناس) أي: كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ.
قوله: (بما يعرفون) أي: بما يمكن أن يعرفوه وتبلغه عقلوهم حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود ﵁ قال:) إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويداً رويداً حتى تستقر عقولهم، وليس معنى (بما يعرفون) أي: بما يعرفونه من قبل، لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل.
قوله: (أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟) الاستفهام للاستنكار، أي: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله، لأنك
стр. 296
إذا قلت: قال الله وقال رسوله كذا وكذا، قالوا: هذا كذب، إذا كانت عقولهم لا تبلغه، وهم لا يكذبون الله ورسوله، ولكن يكذبونك بحديث تنسبه إلى الله ورسوله، فيكونون مكذبين لله ورسوله، لا مباشرة ولكن بواسطة الناقل.
فإن قيل: هل ندع التحديث بما لا تبلغه عقول الناس وإن كانوا محتاجين لذلك؟ أجيب: لا ندعه، ولكن نحدثهم بطريق تبلغه عقولهم، وذلك بأن تنقلهم رويداً رويداً حتى يتقبلوا هذا الحديث ويطمئنوا إليه، ولا ندع مالا تبلغه عقولهم.
ونقول: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به، ومثل ذلك العمل بالسنة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها، فإننا نعمل بها ولكن بعد أن نخبرهم بها، حتى تقبلها نفوسهم ويطمئنوا إليها.
ويستفاد من هذا الأثر أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين وينزل كل إنسان منزلته.
стр. 297
(٧٣) حديث: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) وفي لفظ: (علمه بحالي يُغني عن سؤالي) .
(لا أصل له)
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "التوسل والوسيلة" (ص: ٥٥): وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق قال له جبريل: سل. قال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) ليس له إسناد معروف وهو باطل. وانظر "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٣٩).
(٢) أشار البغوي ﵀ في "تفسيره" (٥/ ٣٢٧) سورة الأنبياء إلى ضعفه حيث قال: روي عن كعب الأحبار أن إبراهيم ﵇ … لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: فسل ربك فقال إبراهيم: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).
(٣) قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة المرفوعة" (١/ ٢٥٠): قال ابن تيمية: موضوع.
(٤) قال الألباني في "الضعيفة" (٢١) حديث: لا أصل له، أورده بعضهم من قول إبراهيم الخليل ﵇ وهو من الإسرائيليات ولا أصل له في المرفوع.
стр. 298
(٥) قال شيخنا ربيع المدخلي -حفظه الله- في تحقيق "التوسل والوسيلة" (ص: ٥٥): الأمر كما قال شيخ الإسلام ليس له إسناد معروف وهو باطل.
(٦) قال الشيخ بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" (ص: ٣٩٨) بعد إيراده لكلام من تقدم في تضعيفه: وعليه فإذا مررت به في "الورد المصطفى المختار" فاشطب عليه.
والحديث ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٢٧) رقم (١١٣٦)، والمناوي في "فيض القدير" (٢/ ٣٧٠) و (٥/ ٣٨١).
التعليق:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصاً، وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم، وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات وهو طريق أنبياء الله، وقد أمر العباد بسؤاله سبحانه فقال ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿النساء: ٣٢﴾.
ومدح الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة، ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم، كالدعاء المذكور في فاتحة الكتاب، ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقي في النار قال له جبريل: (هل لك من حاجة؟) فقال: أما إليك فلا، قال: (سل)، قال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).
стр. 299
وأول هذا الحديث معروف، وهو قوله أما إليك فلا، وقد ثبت في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ في قوله: (حسبنا الله ونعم الوكيل) أنه قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ﴿آل عمران: ١٧٣﴾.
وأما قوله: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) فكلامٌ باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له من صلاح الدنيا والآخره، كقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ ﴿البقرة: ٢٠١﴾.
ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها، فكيف يكون مجرد العلم مسقطاً لما خلقه وأمر به؟ والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم (١). اهـ.
وقال العلامة الألباني (٢) ﵀: وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنَّف في الحكمة على طريق الصوفية فقال: (وسؤالك منه) يعني الله تعالى (اتهام له). وهذه ضلالة كبرى! فهل كان الأنبياء صلوات الله
стр. 300
عليهم مُتَّهِمِين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم ﵇ يقول ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ ﴿إبراهيم: ٣٧﴾ إلى آخر الأيات وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى، والقائل المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء الى الله تعالى عبادة عظيمة بغض النظر عن ما هية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، ثم تلا قوله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ ﴿غافر: ٦٠﴾ ذلك لأن الدعاء يظهر عبودية العبد لربه وحاجته إليه ومسكنته بين يديه، فمن رغب عن دعائه، فكأنه رغب عن عبادته ، فلا جرم جاءت الأحاديث متضافرة في الأمر به، والحض عليه حتى قال ﷺ : (من لا يدع الله يغضب عليه) (١).
قلت: وهو حديث حسن.
وقال ﷺ : (سلوا الله كل شيء حتى الشسع، فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر) (٢).
وبالجملة فهذا الكلام المعزو لإبراهيم ﵊ لا يصدر من مسلم يعرف منزلة الدعاء في الإسلام فكيف يقوله من سمانا المسلمين؟!
стр. 301
(٧٤) حديث: (الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) .
(لا أصل له)
(١) أورده الغزالي في "الإحياء". وقال مخرجه الحافظ العراقي: لم أقف له على أصل. "الإحياء وبذيله المغني" (١/ ٢٠٧).
(٢) قال الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٣٦): لم يوجد.
(٣) قال السبكي في "طبقات الشافعية" (٤/ ١٤٥ - ١٤٧): لم أجد له إسناداً.
(٤) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٢٣) رقم (١١٢١): قال القاري نقلاً عن المختصر: أنه لم يوجد.
(٥) قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٩): قال الفيروزأبادي: لم يوجد.
(٦) قال العلامة الألباني في "الضعيفة" (١/ ٦٠) رقم (٤): … (الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم الحشيش) لا أصل له، والمشهور على الألسنة (الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) وهو هو.
стр. 302
وقال في "الثمر المستطاب" (٢/ ٦٨٣): أما الحديث المشهور على الألسنة: (الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، لا أصل له، وقد أورده الغزالي في "الإحياء" (١/ ١٣٦) بلفظ: (الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم الحشيش) قال مخرجه الحافظ العراقي لم أقف له على أصل.
التعليق:
إن الإسلام لم يمنع الكلام المباح في المسجد، مالم يكن فيه تشويش على المتعبدين، ولكن على أن لا يكون فيه إعراض عن الصلاة أو تشاغل عنها، وقد ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتكلمون على مسمع من رسول الله ﷺ في أمور الجاهلية فيضحكون ويبتسم النبي ﷺ ، وفي هذا مشروعية التحديث بالحديث المباح في المسجد، وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل جواز ما فيه ضحك وغيره ما دام مباحاً، عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: (أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كثيراً كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة، حتى تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم) أخرجه مسلم.
هذا مع ملاحظة أن الأصل في الجلوس في المسجد أن يكون للصلاة والتلاوة والذكر والتفكر، أو تدريس العلم، بشرط عدم رفع الصوت، وعدم التشويش على المصلين والذاكرين.
стр. 303
فعن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (لا تتخذوا المساجد طرقاً إلا لذكر أو صلاة) (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: (ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة) (٢).
وعن ابن مسعود ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ : (سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقاً حلقاً إمامهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة) (٣).
ففي هذا الحديث النهي عما يفعله بعض الناس من الحِلق، والجلوس جماعة في المسجد، للحديث في أمر الدنيا، وما جرى لفلان، وما جرى على فلان، فينبغي أن ينزه المسجد من أن يصبح مقهى أومايشبه المقهى (٤).
стр. 304
(٧٥) حديث: (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) .
(ضعيف)
رواه ابن ماجه (٤٢١٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤/ ٥) رقم (٣٦٤٤)، والخطيب البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٤٦)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٤٣٣) و (٨/ ٣٨١) وغيرهم عن أنس ﵁.
وفي سنده: عيسى بن أبي عيسى الحناط متروك كما في "التقريب" (٥٣٥٢).
والحديث ضعَّفه:
الحافظ العراقي. "الإحياء وبذيله المغني " (٣/ ٢٤٩).
والعلامة الألباني في "الضعيفة" (١٩٠١)(١).
قلت: وجاء هذا الحديث بلفظ: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) أخرجه أبو داود (٤٩٠٣) وعبد بن حميد في "المنتخب"، والبخاري في "التاريخ" (١/ ١/ ٢٧٢) رقم (٨٧٦) عن إبراهيم ابن أبي أسيد عن جده عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً.
стр. 305
قال البخاري في التاريخ (١/ ١/ ٢٧٣) رقم (٨٧٦): لا يصح.
وقال الحافظ كما نقل عنه صاحب "عون المعبود" (١٣/ ١٦٧): جد إبراهيم بن أبي أسيد لا يعرف.
وضعَّف الحديث العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٩٠٢) قال: وفيه جد إبراهيم وهو مجهول لأنه لم يسم.
التعليق:
قلت: الحسد حرام بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ﴿الفلق: ٥﴾ والآيات في ذم الحسد كثيرة.
وأما السنة: فقوله ﷺ : (لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) متفق عليه عن أنس ﵁، والآحاديث في ذم الحسد كثيرة.
وأما الإجماع: فإن الأمة مجمعة على تحريم الحسد.
والحسد مرض من أمراض النفوس، وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس، لهذا قيل: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، والحسد ذميم قبيح حيث أن الله أمر رسوله ﷺ أن
стр. 306
يتعوذ من شر الحاسد، كما أمر بالإستعاذة من شر الشيطان قال الله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ﴿الفلق: ٥﴾.
والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وإن لم يصح الحديث، لكن معناه صحيح.
قال المناوي: الحسد يأكل الحسنات: أي يذهبها ويحرقها ويمحو أثرها (كما تأكل النار الحطب) أي اليابس لأنه يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود وشتمه وقد يتلف ماله أو يسعى في سفك دمه وكل ذلك مظالم يقتص منها في الآخرة ويذهب في عوض ذلك حسنات.
(تنبيه) قال الغزالي: الحاسد جمع لنفسه بين عذابين لأن حسده على نعمة الدنيا وكان معذبا بالحسد وما قنع بذلك حتى أضاف إليه عذابا في الآخرة فقصد محسوده فأصاب نفسه وأهدى إليه حسناته فهو صديقه وعدو نفسه وربما كان حسده سبب انتشار فضل محسوده فقد قيل:
وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت … ما كان يعرف طيب نشر العود
قلت: وقد أحسن من قال:
الحاسد لو قدمت له حذاءه، وأحضرت له طعامه، وناولته شرابه، وألبسته ثيابه، وهيأت له وضوءه، وفرشت له بساطه، وكنست له بيته، فإنك لا تزال عدوه أبداً، لأن سبب العداوة لا زال فيك، وهو فضلك أو
стр. 307
علمك أو أدبك أو مالك أو منصبك، فكيف تطلب الصلح معه وأنت لم تتب من مواهبك؟ والحاسد ينظر متى تتعثر، ويتحرى متى تسقط، ويتمنى متى تهوي.
أحسن أيامه يوم تمرض، أجمل لياليه يوم تفتقر، وأسعد ساعاته يوم تُنْكَب، وأحب وقت لديه يوم يراك مهموماً مغموماً حزيناً منكسراً، وأتعس لحظة عنده إذا اغتنيت، وأفظع خبر عنده إذا علوت، وأشد كارثة لديه إذا ارتقيت، ضحكك بكاءٌ له، وعيدك مأتم له، ونجاحك فشل لديه، ينسى كل شيء عنك إلا الهفوات، ويغفل عن كل أمر فيك إلا الزلات، خطؤك الصغير عنده أثقل من جبل أحد، وذنبك الحقير لديه أثقل من جبل ثهلان، لو كنت أفصح من سحبان، فأنت عنده أعيى من باقل، ولو كنت أسخى من حاتم فأنت لديه أبخل من مادر، ولو كنت أعقل من الشافعي فهو يراك أحمق من هبقنة، الذي يمدحك عنده كذاب، والذي يثني عليك لديه منافق، والذي يذب عنك في مجسله ثقيل حقير، يصدق من يسبك، ويحب من يبغضك، ويقرب من يعاديك، ويساعد من يكرهك ويجافيك، الأبيض في عينك سواد عنده، والنهار في نظرك ليل في نظره، لا تجعله حكماً بينك وبين الآخرين فيحكم عليك قبل سماع الدعوى وحضور البينة، ولا تطلعه على سرك فأكبر همه أن يشاع ويذاع، ويحفظ عليك الزلة ليوم الحاجة، ويسجل عليك الغلطة ليوم الفاقة لا حيلة فيه إلا العزلة عنه، والفرار منه، والاختفاء عن نظره والبعد عن بيته، والانزواء عن مكانه.
стр. 308
أنت الذي أمرضه وأسقمه، أنت الذي أسهره وأضناه، أنت الذي جلب له همه، وحزنه وتعبه ووصبه، وهو الظالم في صورة مظلوم، لكن يكفيك ما هو فيه من غصص، وما يعايشه من آلام، وما يعالجه من أحزان، وما يذوقه من ويلات. …
ولله در من قال:
ألا قل لمن ظل لي حاسداً … أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمهِ … إذ أنت لم ترضَ لي ما وهب
فأخزاك ربي بأن زادني … وسد عليك وجوه الطلب
وقال أبو العتاهية:
فيا ربِّ إنَّ الناسَ لا ينصفونني … فكيف ولو أنصفتُهم ظلموني
وإن كان لي شيءٌ تَصدَّوا لأخذهِ … وإن شئتُ أبغي شيئَهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شُكَر عندهم … وإن أنا لم أبذُل لهم شتموني
وإن طرقتني نكبةٌ فكهُوا بها … وإن صَحِبتني نعمةٌ حَسَدوني
سأمنعُ قلبي أن يحنَّ إليهمُو … وأحجب عنهم ناظري وجفوني
وقد أحسن من قال:
اصبر على حسدِ الحسودِ … فإن صبرك قاتلُه
فالنار تأكل بعضها … إن لم تجد ما تاكله
стр. 309
(٧٦) حديث: (الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها) .
(ضعيف جداً)
رواه الترمذي (٢٨٤٠)، وابن ماجه (٤١٦٩)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٦٠) رقم (٥٦) والقضاعي في "مسند الشهاب" كما في "فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب" (١/ ١٤٥) رقم (١٠١) وغيرهم عن أبي هريرة ﵁.
وعلة هذا الحديث: إبراهيم بن الفضل المخزومي، أجمعوا على تركه، وقد ضعَّفه كل نقاد الحديث، ولم أر أحداً وثقه.
"تهذيب التهذيب" (١/ ١٣٥ - ١٣٦) و"المجروحين" (١/ ١٠٤).
وقد ضعَّف هذا الحديث:
(١) الإمام الترمذي في "سننه" (٢٨٤٠).
(٢) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٩٥ - ٩٦) رقم (١١٤).
(٣) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٢٨) رقم (٤١٥).
(٤) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٧٢).
(٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٣٥) رقم (١١٥٩).
стр. 310
(٦) العلامة الألباني في "ضعيف سنن الترمذي" (٥٠٦)(١).
التعليق:
قال السيد جمال الدين ﵀: يعني أن الحكيم يطلب الحكمة فإذا تفوَّه بها من ليس لها بأهل ثم وقعت إلى أهلها فهو أحق بها من قائلها من غير التفات إلى خساسة من وجدها عنده، أو المعنى أن الناس يتفاوتون في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة واستكشاف الأسرار المرموزة فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث على من رزق فهماً وأُلهم تحقيقاً كما لا يُنازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها أو كما أن الضالة إذا وجدت مضيعة فلا تترك بل تؤخذ ويتفحص عن صاحبها حتى ترد عليه، كذلك السامع إذا سمع كلاماً لا يفهم معناه ولا يبلغ كنهه فعليه أن لا يضيعه وأن يحمله إلى من هو أفقه منه فلعله يفهم أو يستنبط منه ما لا يفهمه ولا يستنبطه هو، أو كما أنه لا يحل منع صاحب الضالة عنها فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى لا يحل له كتمانه إذا رأى في السائل استعداداً لفهمه (٢).
стр. 311
وقال العسكري ﵀: الحكيم يطلب الحكمة أبداً وينشدها فهو بمنزلة المضل ناقته يطلبها، ثم أسند عن مبارك بن فضالة قال: خطب الحجاج فقال: إن الله أمرنا بطلب الآخرة وكفانا مؤنة الدنيا، فليته كفانا مؤنة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا، قال: يقول الحسن: ضالة المؤمن عند فاسق فليأخذها.
وعن يوسف بن أسباط قال: كنت مع سفيان الثوري وحازم بن خزيمة يخطب، فقال حاز: إن يوماً أسكر الكبار، وأشاب الصغار، ليوم عسير شره مستطير، فقال سفيان: حكمة من جوف خرب. ثم أخرج شريحة يعني ألواحاً فكتبها.
ونحوه: (فرب مبلغ أوعى من سامع) (١).
стр. 312
(٧٧) حديث: (الحي أفضل من الميت) .
(ليس بحديث)
وانظر "الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" (ص: ٨٨) رقم (١٣٧)، و"كشف الخفاء" (١/ ٤٤٤) رقم (١١٥٨).
التعليق:
قال العجلوني (١) ﵀: قال النجم: ليس بحديث ولا يصح معناه على الإطلاق، بل إن أريد به الحي إذا تساوى مع الميت في فضله كالإسلام والعلم كان الحي أفضل من الميت بما يكسبه من الأعمال فإن معناه صحيح، وهو الذي أراده النبي ﷺ في حديث عن أبي هريرة ﵁: كان رجلان من يَليٍّ - حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما، وأُخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فأريت الجنة، فرأيت المؤخَّر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، أو ذُكر لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعه، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة) (٢).
стр. 313
وأخرج ابن ماجه وابن حبان من حديث طلحة بنحوه لكنه أطول منه، وزاد في آخره: (وكان بينهما أبعد مما بين السماء والأرض) (١).
وعند أحمد عن عبد الله بن شداد وأبي يعلى عنه عن طلحة، ورواتهما رواة الصحيح أن نفراً من بني عُذرة ثلاثة أتوا النبي ﷺ فأسلموا، فقال النبي ﷺ : (من يكفيهم؟ فقال طلحة: أنا، قال فكانوا عند طلحة فبعث النبي ﷺ بعثاً، فخرج فيه أحدهم فاستشهد، ثم بعث بعثاً فخرج فيه آخر فاستشهد ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانو عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استشهد أخيراً يليه، ورأيت أولهم آخرهم قال: فدخلني من ذلك فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحدٌ أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام، لتسبيحة وتكبيره وتهليله.
وعند أحمد والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال كان رجلان أخوان هلك أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة فذكرت فضيلة الأول منهما عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (ألم يكن الآخر مسلماً؟) قالو: بلى، وكان لابأس به، فقال رسول الله ﷺ : (وما يدريك ما بلغت به صلاته، إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات ما ترون ذلك يبقي من درنه؟ فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته) (٢).
стр. 314
(٧٨) حديث: (خادم القوم سيدهم) .
(ضعيف جداً) …
قال الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٤/ ١٠) رقم (١٥٠٢)(١): أخرجه المخلَّص في "قطعة من الفوائد" وابن أبي شريح الأنصاري في جزء "بيبي " وإسناده ضعيف جداً.
وعلته: سلْم بن سالم وهو البلخي الزاهد أجمعوا على ضعفه كما قال الخليلي.
وجاء بلفظ: (سيد القوم خادمهم) وهو ضعيف أيضاً.
وانظر:
(١) "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٩٣).
(٢) "التمييز" (ص: ٩١).
(٣) "كشف الخفاء" (١/ ٥٦١) رقم (١٥١٥).
(٤) "فيض القدير" (٤/ ١٦١).
(٥) "أسنى المطالب" (٧٦٦).
(٦) "الضعيفة" (١٥٠٢).
стр. 315
التعليق:
قال المناوي ﵀ تحت حديث: (سيد القوم خادمهم) لأن السيد هو الذي يفزع إليه في النوائب فيتحمل الأثقال عنهم.
قال الشاعر:
إذا اجتمع الإخوان كان أذلُّهم لإخوانه نفساً أبرَّ وأفْضلا
وما الفضل في أن يؤثر المرء نفسه ولكن فضل المرء أن يتفضلا
وقال آخر:
إن أخا الإحسان من يسعى معك … ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريْبُ الزمانِ صدعكْ … شتّت فيك شمْلهُ ليْجمعك
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: فإن الفاضل قد يخدم المفضول، فنقول: اعلم أن منفعة الأعلى للأدنى غير مستنكره فإن (سيد القوم خادمهم) ولكن منفعته يعود إليه ثوابها، وتمام التقرب إلى الله يحصل بنفع خلقه. اهـ.
قلت: يعني أن المعنى صحيح، وإن كان الحديث ضعيفاً، فإن النبي ﷺ قال: (خير الناس أنفعهم للناس) (٢).
стр. 316
(٧٩) حديث: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء) .
(لا أصل له)
هذا الحديث على شهرته في أوساط الناس لا وجود له في دواوين السُّنَّة المطهرة لا بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف، ولا وجود له في كتب الموضوعات التي ألّفَها المتقدمون من علماء الحديث كابن الجوزي والصاغاني وغيرهما من المتقدمين.
وممن نفى وجود هذا الحديث:
(١) ابن القيم-﵀ في "المنار المنيف" (ص: ٦٠ - ٦١) رقم (٩١). وقال في "المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول" (ص: ٥١): وكل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق. مثل: (يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا)، وحديث: (خذوا شطر دينكم عن الحميراء).
(٢) المزي ﵀ قال: كل حديث فيه يا حميراء فهو موضوع إلا حديثاً عند النسائي. "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" (٤٠٧).
(٣) الحافظ ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" (٨/ ٩٦) قال: فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء) فإنه ليس
стр. 317
له أصل، ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال: لا أصل له.
(٤) الذهبي ﵀ كما نقل عنه الحافظ ابن كثير.
(٥) الحافظ ﵀ في "الفتح " (٢/ ٥١٥) قال: ولم أرَ في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا، بعد أن ذكر رواية النسائي من طريق أبي سلمة: (دخل الحبشة المسجد يلعبون … ). وقال ﵀: حديث (خذوا شطر دينكم عن الحميراء): لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ولم يذكر من خرجه. "موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية" (٣/ ٥٣٥).
(٦) الزركشي-﵀ في كتابه "الإجابة فيما استدركت عائشة على الصحابة".
(٧) السخاوي ﵀ في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٣٧) رقم (٤٣٢) قال: ذكره في "الفردوس" بغير إسناد وبغير هذا للفظ.
(٨) السيوطي ﵀ في "الدرر المنتثرة" (ص: ١١٥) رقم (٢١٠) قال: لم أقف عليه، كذا في المرقاة.
(٩) ابن الديبع ﵀ في "التمييز" (ص: ٧٣).
стр. 318
(١٠) الزرقاني ﵀ في "مختصر المقاصد".
(١١) القاري ﵀ في "الأسرار المرفوعة"، و"المصنوع" (٤٠٧).
(١٢) العجلوني ﵀ في "كشف الخفاء" (١١٩٨).
(١٣) البيروتي ﵀ في "أسنى المطالب" (٦٠٠).
(١٤) الأزهري ﵀ في "تحذير المسلمين" (٤٤٠).
(١٥) المباركفوري ﵀ في "تحفة الأحوذي" (١٠/ ٣٨١).
(١٦) الفتني ﵀ في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٠٠).
(١٧) العامري ﵀ في "الجد الحثيث" (١٤١).
(١٨) الشوكاني ﵀ في "الفوائد المجموعة" (ص: ٣٥٥) رقم (١٣٩).
(١٩) العلامة الألباني ﵀ في "الإرواء" (١/ ١٠).
التعليق:
قلت: لا يشك مسلم عاقل في فضل عائشة ﵂ وفي علمها ومكانتها وإن لم يصح هذا الحديث فقد زخرت السنة بأحاديث صحيحة في فضلها من جميع الجوانب.
стр. 319
قال ابن كثير ﵀ في "السيرة النبوية" (٢/ ١٣٧): فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة ﵂ في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها ولم يكن الرسول ﷺ يحب أحداً من نسائه كمحبته إياها، ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وروت بعده عنه علماً جماً كثيراً مباركاً فيه. اهـ.
فهي ﵂ بعلمها ودرايتها ساهمت بتصحيح المفاهيم، والتوجيه لاتباع سنة رسول الله ﷺ وقد كان أهل العلم يقصدونها للأخذ من علمها الغزير فأصبحت بذلك نبراساً منيراً يضيئ على أهل العلم وطلابه كما أنها رحمها الله استدركت على الصحابة ﵃ بعض المسائل كما ذكر ذلك الزركشي في كتابه "الإجابة فيما استدركت عائشة على الصحابة".
تلكم هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان زوجة رسول الله ﷺ وأفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالقرآن والحديث والفقه روت عن الرسول الكريم ﷺ علماً كثيراً وقد بلغ مسند عائشة ﵂ (٢٢١٠) حديثاً.
روى عنها الرواة من الرجال والنساء وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق البريئة المبرأة.
стр. 320
وهي التي قال عنها ﷺ : (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁.
توفيت ﵂ سنة (٥٧) وقيل (٥٨) للهجرة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.
وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلاً ودفنت وصلى عليها أبو هريرة ﵁ ونزل قبرها خمسة عبد الله وعروة ابنا الزبير والقاسم وعبد الله ابنا محمد ابن أبي بكر وعبد الله بن عبد الرحمن.