← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقال ابن عبد البر ﵀: يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال، يعني بذلك المتشبهين بالنساء، (وكان النبي ﷺ كثير شعر اللحية) رواه مسلم عن جابر ﵁. وفي رواية: (كثيف اللحية) وفي أخرى: (كث اللحية) والمعنى واحد. ولا يجوز أخذ شيء منها، لعموم أدلة المنع. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وقال الألباني (١) ﵀: مما لا ريب فيه عند من سلمت فطرته وحسنت طويته أن كلاً من الأدلة السابقة الذكر كافٍ لإثبات وجوب اللحية وحرمة حلقها فكيف بها مجتمعة. وقال شيخنا الوادعي (٢) ﵀: إعفاء اللحية يعتبر واجباً، وحلقها حرام، وحالق اللحية يعتبر فاسقاً، لأن النبي ﷺ يقول: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى). ويقول ﷺ : (ارخوا اللحى). وكانت لحية رسول الله ﷺ تملأ صدره، وقيل لبعض الصحابة ﵃ بمَ تعرفون النبي ﷺ يقرأ؟ قالوا: باضطراب لحيته. وحلق اللحية يعتبر تشبهاً بالنساء، ويعتبر تشبهاً بالكفار، والأخذ من طولها وعرضها لم يثبت، اترك لحيتك وأعف كما أمرك رسول ﷺ .

стр. 457

وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: حلق اللحية حرام لأنه مشابهة للمشركين والمجوس، وقد قال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، ولأنه تغيير لخلق الله وهو من أمر الشيطان .. فحلقها خروج عن هدي عباد الله الصالحين من الأنبياء والمرسلين وغيرهم، وتقصيرها عصيان لأمر النبي ﷺ حيث قال: (أعفوا)، وقال: (وفروا)، وقال: (أرخوا اللحى). فإن هذا يدل على أن من قص منها شيئاً كان واقعاً في معصية النبي ﷺ ، ومن عصى النبي ﷺ فقد عصى الله لقوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ﴿النساء: ٨٠﴾. ولقوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿الأحزاب: ٣٦﴾ (١). وقال الشيخ صالح الفوزان (٢) -حفظه الله-: وجاء في الأحاديث أن من خصال الفطرة: إعفاء اللحية وهو توفيرها … ومن الناس من يقص لحيته ولا يبقي منها إلا شئياً يسيراً، وهذا يخالف ما أمر به الرسول ﷺ من توفيرها وإعفائها، فإن معنى ذلك إبقاؤها كاملة من غير تعرض لها بقص أو نتف، ولكن الشيطان لما لم يدرك منه إزالتها بالكلية اكتفى منه بإزالة بعضها، لأنه يريد منه مخالفة السنة على أي وجه.

стр. 458

قلت: الخلاصة أن حلق اللحية محرم من خمسة أوجه: الوجه الأول: أنها تغيير لخلق الله. الوجه الثاني: أن الشرع أمر بإعفائها. الوجه الثالث: حلقها تشبه بالنساء. الوجه الرابع: حلقها تشبه بالكافرين. الوجه الخامس: إجماع العلماء على حرمة حلقها. والخلاف في التحريم حدث من بعض أهل البدع ثم سرى إلى بعض العلماء، وهذا الخلاف حادث بعد الإجماع فلا يُعتد به باتفاق.

стр. 459

(١١٧) حديث: (كان ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها) . (ضعيف) … أخرجه أحمد في "المسند" (١١١٥٥) و (١١٣١٢)، والترمذي (٤٨٠)، وأبو يعلى في "المسند" (١٢٧٠). وفي سنده: عطية العوفي وهو سيء الحفظ ومدلس. والحديث ضعَّفه: (١) العلامة الألباني في "الإرواء" (٤٦٠) (١). (٢) وشعيب الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (١١١٥٥) و (١١٣١٢) وتحقيق "زاد المعاد" (١/ ٣٤٩). التعليق: قلت: هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وأما صلاة الضحى فقد اختلف العلماء في حكمها، وقد جمع ابن القيم ﵀ الأقوال في ذلك فبلغت ستة أقوال: • أنها سنة مستحبة.

стр. 460

• لا تشرع إلا لسبب. • لا تستحب أصلاً. • يستحب فعلها تارة وتركها تارة فلا يواظب عليها. • يستحب المواظبة عليها في البيوت. • أنها بدعة. قلت: وقد ذكر ﵀ هنالك مستند كل قول، وأرجح الأقوال أنها سُنَّة مستحبة كما قرره ابن دقيق العيد، وهو قول الجمهور ودلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة والله أعلم (١).

стр. 461

(١١٨) حديث: (كان يُكبر بين أضعاف الخطبة، يُكثر التكبير في خطبة العيدين) . (ضعيف) … رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٩٩)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٧ - ٣٨) رقم (٦٦٣٣)، وابن ماجه في "سننه" (١٢٨٧)، والطبراني في "الكبير" (٥٤٤٨) و"الصغير" (٢/ ١٤٣) عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن حدثني أبي عن أبيه عن جده به. وفي سنده: عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن ضعيف. وأبوه وجده لا يُعرفان كما قاله الألباني (١) ﵀. وضعَّف الحديث: (١) العلامة الألباني كما تقدم. (٢) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٦٦٣٣). (٣) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "زاد المعاد" (١/ ٤٤٨). (٤) الحلبي في كتابه "أحكام العيدين" (ص: ٥٥). (٥) حمدي السلفي في تحقيق "المعجم الكبير" (٦/ ٣٩) رقم (٥٤٤٨).

стр. 462

التعليق: قلت: نعم لم يصح عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنه كبَّر في أثناء خطبة العيد، ولا افتتحها بالتكبير، وإنما كان يستفتح جميع خطبه بالحمد. قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: كان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، وأما قول كثير من الفقهاء: أنه يفتتح خطب الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي ﷺ البتة، والسنة تقضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. وقال ابن القيم ﵀: كان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير. وقال العلامة الألباني (١) ﵀: ومع أنه لا يدل (أي الحديث) على مشروعية افتتاح خطبة العيد بالتكبير فإن إسناده ضعيف … فلا يجوز الاحتجاج به على سنية التكبير في أثناء الخطبة. قلت: والظاهر صحة ماذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم والعلامة الألباني ومن قال بهذا القول من المحققين وخير الهدي هدي محمد ﷺ ومن بدأ بالتكبير فلا تبطل الخطبة به ولا يحصل بسببها فرقة ونزاع لأنه اجتهاد أكثر أهل العلم (٢).

стр. 463

(١١٩) حديث: (كان يليه في الصلاة الرجال ثم الصبيان ثم النساء) . (ضعيف) … رواه أبو داود في "سننه" (٦٧٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٩٧)، وأحمد في "المسند" (٢٢٨٩٦) عن أبي مالك الأشعري ﵁. وفي سنده: شهر بن حوشب، وهو ضعيف لسوء حفظه. والحديث ضعَّفه: (١) البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٩٧). (٢) الألباني في ضعيف "سنن أبي داود" (٦٧٧) (١). (٣) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (٢٢٨٩٦). التعليق: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ضعيف لا يصح، وهو جعل الصبيان في صفوف خاصة خلف الرجال، ويستدل من يفعل ذلك بهذا الحديث الذي لا يصح نسبته إلى رسول الله ﷺ ، والصحيح أن الصبيان يقفون مع الرجال متفرقين بين الصفوف حتى يُضبطوا من الكبار ويا حبذا لو يكون كل صغير بين كبيرين.

стр. 464

قال العلامة الألباني ﵀: جاء في الصحيحين (أن أنساً وغلاماً يتيماً وقفا صفاً واحداً وراء النبي ﷺ . فهذا يدل على أن الصبي ليس كالمرأة في وقوفها ولو وحدها وراء الرجال، بل له أن يقف مع الرجل. أما إذا كثر الرجال والصبيان فهل يُسن أن يقف الصبيان صفاً واحداً ولو لم يكمل صف الرجال الذي يتقدمهم؟ فهذا يتوقف على ثبوت حديث الباب، ولم يثبت كما عرفت. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: والصبيان مع الرجال وإنهم يصفون معهم ولا يتأخرون عنهم، وأما صف النساء وحدهنَّ خلف صفوف الرجال فقد وردت بذلك أحاديث صحيحة. وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: الصحيح عدم جواز إبعاد الصبي عن مكانه في الصف لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يقيم الرجل، الرجل من مقعده ثم يجلس فيه). ولأنه فيه اعتداء على حق الصبي، وكسراً لقلبه، وتنفيراً له عن الصلاة، وزرعاً للبغضاء والحقد في قلبه. ولأننا لو قلنا بجواز تأخير الصبيان إلى آخر الصفوف لاجتمعوا في صف واحد وحصل منهم اللعب والعبث في الصلاة، لكن لا بأس بزحزحته عن مكانه للتفريق بينهم إذا خيف منهم اللعب (١).

стр. 465

(١٢٠) حديث: (كتاب الله فيه نبأ ماقبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم) . (ضعيف) … أخرجه الترمذي (٣٠٨٢)، والدارمي (٣٣٣٢)، والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٩ - ١٠) و"التفسير" (١/ ٣٩)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٥٥) عن علي بن أبي طالب ﵁. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة، فقلت ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الحبل المتين، والذكر الحكيم وهوالصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ﴿الجنّ: ١ - ٢﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم). هذا الحديث ضعيف في إسناده ثلاث علل:

стр. 466

(١) أبو المختار الطائي. قال ابن المديني: لا يعرف. وقال أبو زرعة: لا أعرفه، فهو مجهول. وقال الذهبي: حديثه في فضائل القرآن العزيز منكر. "ميزان الاعتدال" (٤/ ٥٧١) رقم (١٠٥٨٥). (٢) ابن أخي الحارث الأعور. وهو مجهول أيضاً. (٣) الحارث الأعور: الجمهور على توهينه، واتهمه بعضهم بالكذب ورمي بالرفض. "تهذيب التهذيب" (٢/ ١٣٣ - ١٣٥) و"ميزان الاعتدال" (١/ ٤٣٥). وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) الإمام الترمذي حيث قال بعد سياقه لهذا الحديث: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول وفي الحارث الأعور مقال. (٢) الحافظ ابن كثير في "فضائل القرآن" (ص: ١٥) قال: والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه، بل كذَّبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده. (٣) الإمام الذهبي في "الميزان" كما تقدم. (٤) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٦٤ - ١٦٥). (٥) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٧٦ - ٧٧).

стр. 467

(٦) العلامة الألباني في "ضعيف الترمذي" (٥٥٤) (١). (٧) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "الطحاوية" (ص: ١٠). التعليق: قلت: تبين لك أن هذا الحديث ضعيف ولا شك أن كتاب الله فيه نبأ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الحبل المتين، والذكر الحكيم وهوالصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، وفضائله كثيرة جداً، فهو يهدي للتي هي أقوم وأفضل وأحسن وأكمل في كل شيء. قال العلامة الشنقيطي (٢) ﵀: في قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ﴿الإسراء: ٩﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهداً برب العالمين جل وعلا -يهدي للتي هي أقوم- أي الطريقة التي هي أسد وأعدل.

стр. 468

وقال الزجاج والكلبي والفراء: للحال التي هي أقوم الحالات وهي توحيد الله والإيمان برسله، وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها مافي القرآن من الهُدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن الكريم، لشمولها لجميع مافيه من الهُدى إلى خيري الدنيا والآخرة.

стр. 469

(١٢١) حديث: (كذب المنجمون ولو صدقوا) . (ليس بحديث) … هذا الكلام شائع على ألسِنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، ولم أجده في كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، لا في الأمهات الست، ولا في المسانيد ولا المعاجم والأجزاء، بل لم أجده حتى في الكتب التي اعتنت بمثل هذا وجمع مصنفوها فيها الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس "كاللآلئ المصنوعة" و"المقاصد" و"الدرر المنتثرة" و"التمييز" و"كشف الخفاء" وغيرها من الكتب التي كُتبت في هذا الموضوع بل حتى لم أعثر عليه في المؤلفات التي جمع مصنفوها الأحاديث الموضوعة ليحذروا الناس منها، ومن الاعتقاد بها وبأنها من أحاديث رسول الله ﷺ ، وهي ليست كذلك، "كالموضوعات" لابن الجوزي و"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" لابن عراق، و"تذكرة الموضوعات" لابن طاهرالهندي، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني، وغيرهم ممن ألَّف في الموضوعات مرتباً على الأبواب أو حروف المعجم كالسمهودي والقاري والأزهري وغيرهم. • وقد سئل عن هذا الحديث الإمام عبد العزيز بن باز ﵀: في "فتاوى نور على الدرب" (كذب المنجمون ولو صدقوا). فقال: لا أعلم أصلاً لهذا الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 470

• وسئل عنه فضيلة شيخنا ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح" لقاء رقم (١١٩) فقال: هذا ليس بصحيح، لكن لا يجوز للإنسان أن يصدق المنجمين. • وسئل عنه فضيلة شيخنا صالح الفوزان -حفظه الله- في "مجموع فتاوى الفوزان" (١/ ٣٢) فقال: لا أعرف له أصلاً من ناحية السند، ولم أقف عليه. التعليق: قلت: تبين لك أن هذا ليس بحديث، لكن معناه صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): قد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، وهم في ذلك من أنواع الكهان، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل له: إن منا قومًا يأتون الكهان، فقال: (إنهم ليسوا بشيء)، فقالوا: يا رسول اللّه، إنهم يحدثونا أحيانا بالشيء فيكون حقاً، فقال رسول اللّه ﷺ : (تلك الكلمة من الحق يسمعها الجني يقرها في أذن وليه (، وأخبر: (أن اللّه إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ

стр. 471

قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ وأن كل أهل السماء يخبرون أهل السماء التي تليهم، حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، وهناك مسترقة السمع بعضهم فوق بعض، فربما سمع الكلمة قبل أن يدركه الشهاب، وربما أدركه الشهاب بعد أن يلقيها). قال ﷺ : (فلو أتوا بالأمر على وجهه، ولكن يزيدون في الكلمة مائة كذبة). وهكذا المنجمون حتى إني خاطبتهم بدمشق، وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها. قال رئيس منهم: والله إنا نكذب مائة كذبة، حتى نصدق في كلمة. ثم ذكر ﵀: قصة تدل على كذب المنجمين، وهي قصة علي ابن أبي طالب ﵁ لما أراد أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم فقال: يا أمير المؤمنين، لا تسافر، فإن القمر في العقرب، فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هزم أصحابك -أو كما قال- فقال علي: بل أسافر ثقة باللّه، وتوكلاً على اللّه، وتكذيباً لك، فسافر فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامة الخوارج، وكان ذلك من أعظم ما سر به، حيث كان قتاله لهم بأمر النبي ﷺ وأما ما يذكره بعض الناس أن النبي ﷺ قال: لا تسافر والقمر في العقرب، فكذب مختلق باتفاق أهل الحديث. اهـ.

стр. 472

(١٢٢) حديث: (كفى بالموت واعظاً) . (ضعيف) رواه الطبراني، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٣٥٣) رقم (١٠٥٥٦)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٤١٠)، وأبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (٩٦٢) عن عمار ابن ياسر ﵁. وفي سنده: الربيع بن بدر وهو متروك. وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) الحافظ العراقي في "المغني" (٣٦٨١). (٢) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٠٨). (٣) العلائي. (٤) المنذري. (٥) السيوطي. (٦) المناوي. … "فيض القدير" (٥/ ٥). (٧) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٧٦). (٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٤٦). (٩) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢١).

стр. 473

(١٠) الفتني الهندي في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢١٣). (١١) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢١٦) رقم (١٠٨١). (١٢) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢٥١) رقم (١٣٩). (١٣) الألباني في "الضعيفة" (٥٠٢) و"ضعيف الجامع" (٤١٨٥). قلت: لكنه صح موقوفاً، كما عند أحمد في "الزهد" (١٧٦) وابن أبي الدنيا في "كتاب اليقين" (٣١) بسند صحيح عن جعفر بن سليمان عن يونس قال: حدثني من سمع عمار بن ياسر ﵁ يقول: فذكره موقوفاً غير مرفوع. ورواه نعيم بن حماد في "زوائد زهد ابن المبارك" (١٤٨) عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً. "الضعيفة" (٥٠٢). قلت: وقد جاءت جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الترهيب من الموت منها: • (كفى بالدهر واعظاً وبالموت مفرقاً) رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" عن أنس ﵁، وضعَّفه العلامة الألباني في "الضعيفة" (٤٠٨٧) و"ضعيف الجامع" (٤١٧١). • (كفى بالموت مزهداً في الدنيا ومرغباً في الآخرة) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" وأحمد في "الزهد" عن الربيع بن أنس مرسلاً. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (٤٠٩٥) و"ضعيف الجامع" (٤١٨٤).

стр. 474

التعليق: قلت: ويُغني عن هذه الأحاديث الضعيفة ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات، فإنه لم يذكر في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا ذكر في سعة إلا ضيقها عليه) (١). وقوله ﷺ : (إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا) رواه مسلم وأحمد وأبو داود عن جابر ﵁. ولاشك ولا ريب أن الموت أعظم واعظ، كيف لا وهو المصيبة العظمى والرزية الكبرى وأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وقلة التفكير فيه وترك العمل له وأن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن افتكر. قيل: إن أعرابياً كان يسير على جمل فخر الجمل ميتاً، فنزل عنه وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما لك لا تقوم، ما لك لا تقوم، مالك لا تقوم، ما لك لا تنبعث، هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة، ما شأنك، ما الذي كان يبعثك، ما الذي صرعك، ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكراً في شأنه متعجباً في أمره وأنشأ يقول: جاءته مِنْ قِبَلِ المَنُونِ إشارةٌ … فَهَوى صَرِيعاً لليدين وللفَمِ قال الحسن ﵀: قد أفسد الموت على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عيشاً لا موت معه.

стр. 475

وقيل: ذهب ذكر الموت بلذة كل عيش، وسرور كل نعيم. فكفى بالموت مزهداً في الدنيا ومرغباً في الآخرة لأنه أعظم المصائب، وأبشع الرزايا، وأشنع البلايا، فتفكر يا ابن آدم في مصرعك وانتقالك من موضعك، وإذا انتقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك، ونقلت من مهادك، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك إلا الأكفان، بل هو للخراب، وجسمك للتراب، فاعتبر يا مسكين بمن صار تحت الثرى، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاء الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه، وليتأمل حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقاربه وخلانه، الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحى التراب محاسن وجوههم، وتفرقت في القبور أجزاؤهم، وترملت نساؤهم، وشمل ذلّ اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم (١).

стр. 476

(١٢٣) حديث: (كل إناء بما فيه ينضح) . (ليس بحديث) هذا الكلام شائع على ألسنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث كما قال ذلك مجموعة ممن كتب في الأحاديث المشتهرة، منهم: (١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٧٨) تحت حديث رقم (٨١٠) و (ص: ٣٨٠) رقم (٨٢٠). (٢) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢٢). (٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٤٩ - ١٥٠) تحت حديث رقم (١٩٤٣) و (٢/ ١٥٧) (١٩٦٧). (٤) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ١٧٠) رقم (٣٤٣). (٥) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ١٦٨) رقم (١٩٦). (٦) القاري في "المصنوع" (ص: ١٣٥) و "الأسرار المرفوعة" (ص: ٢٦٥). (٧) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٠٢) رقم (١٦٤). (٨) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢٥٤) رقم (١٤١٠). (٩) الصالحي في "الشذرة " (٢/ ٣٩) تحت حديث رقم (٦٩٣). (١٠) القاوقجي في "اللؤلؤ المرصوع" (١٣٩).

стр. 477

التعليق: قلت: لا شك أن معنى هذا الكلام صحيح، فإن الإنسان مهما حاول إخفاء ما في نفسه سوف يظهر ولو بعد حين على فلتات لسانه وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ ﴿البقرة: ٧٢﴾. وقد أحسن من قال: ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تُخْفَى على الناس تُعلمِ وقال أحد السلف: من أخفى عنا بدعته لم تخف علينا ألفته. وقد قيل: اللسان مغراف القلب؛ وكل إناء بالذي فيه ينضح. قال ابن كثير ﵀ تحت قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ ﴿محمد: ٣٠﴾. قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما سر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.

стр. 478

(١٢٤) حديث: (كل قرض جر منفعة فهو ربا) . (ضعيف) … رواه الحارث بن أسامة في "مسنده" (١/ ٣٠٨) عن علي ﵁. وفي إسناده: سوار بن مصعب الهمداني الكوفي أبو عبد الله الأعمى المؤذن. قال الذهبي: قال أحمد والدارقطني: متروك. وقال البخاري: منكر. وقال النسائي وغيره: متروك. وقال أبو داود: ليس بثقة. "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٤٦) رقم (٣٦١٣) و"نصب الراية" (٤/ ٦٠). وقد نصَّ جمع من أهل العلم على ضعف هذا الحديث، منهم: (١) ابن عبد الهادي في "التنقيح"، قال: هذا إسناد ساقط؛ وسوار متروك الحديث. (٢) الحافظ ابن حجر (١).

стр. 479

(٣) السخاوي. كما نقل عنه المناوي في "الفيض". (٤) السيوطي في "الجامع الصغير". … (٥) المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٣٦) رقم (٦٣٣٦). (٦) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٦٤). (٧) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢٤). (٨) البيروتي في "أسنى المطالب" (١٠٩٤). (٩) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢٥٩) رقم (١٤٣٦). (١٠) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ١٧٣) رقم (٢٠٦). (١١) الألباني في "الإرواء" (١٣٩٨) و"ضعيف الجامع" (٤٢٤٤). (١٢) العلامة بن باز في "مجموع فتاوى" (١٩/ ٢٩٤). (١٣) شيخنا ابن عثيمين في "شرح زاد المستقنع" (٩/ ١٠٩). قلت: وقد جاء الحديث موقوفاً عن فضالة بن عبيد كما رواه البيهقي في "المعرفة" و"السنن الكبرى" عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس ﵃ موقوفاً عليهم. "التلخيص الحبير" (٣/ ٣٤). التعليق: قد يقول قائل: إن تحريم ربا القرض لم يثبت بحديث صحيح عن النبي ﷺ فإن حديث (كل قرض جر منفعة فهو ربا) ضعيف؟

стр. 480

والجواب: أن هناك أدلة من الكتاب والسنة، وآثار عن الصحابة، وإجماع أهل العلم على تحريم ربا القرض، فإن كان الحديث ضعيفاً فإن الإجماع قد قام على تحريم القرض الذي جر منفعة (١)، والإجماع يغني عن هذا الحديث الضعيف. ولمن أراد الاستزادة في هذه المسألة فليرجع إليها في مواضعها من كتب الفقه.

стр. 481

(١٢٥) حديث: (كُل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس) . (ليس بحديث) اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، وقد يظن البعض أنه حديث نبوي، والصحيح أنه من كلام بعض الأدباء حيث قالوا: ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما يشتهيه الناس، كما قيل: نصيحة نصيحة قالت بها الأكياس كُلْ ما اشتهيت والبسن ما تشتهيه الناس "كشف الخفاء" (٢/ ١٥٣). التعليق: قلت: والصحيح أن الإنسان يأكل ما يريد، ويلبس ما يريد في حدود الشرع، فإن المسلم محكوم بالشرع، فما كان في الشرع حسن فهو حسن، وما كان في الشرع قبيح فهو قبيح، وليس الإنسان محكوماً بالناس، وبرغباتهم وشهواتهم وأهوائهم وطبقاتهم، فإن إرضاء الناس غاية لا تدرك كما تقدم، لكن إذا كان لباس الناس موافقاً للشرع فمن السنة أن توافق الناس في لباسهم، كما فعل رسولنا ﷺ في موافقة قومه في لباسهم، ولا تشذ عنهم بلباسك فيخشى عليك والحال هذه أن تدخل في لباس الشهرة، والله أعلم.

стр. 482

(١٢٦) حديث: (كلوا واشربوا وعلى الحق تحاسبوا) . (ليس بحديث) هذا من كلام الناس وقد بحثت عنه كثيراً فلم أقف له على مرجع، والذي يظهر أنه من كلام المتأخرين في هذا العصر، لكنه شاع وذاع في بلادنا اليمنية عامة وفي صفوف العامة خاصة حتى ظنه البعض حديثاً أو آية قرآنية. التعليق: قلت: الذين يقولون هذا الكلام: يقصدون به أنه إذا كنتم مجموعة فتشاركتم في شراء طعام أو شراب فكل يدفع حصته بدون خجل أو استحياء، حتى يضمن كل واحد منهم حقه، وتسلم القلوب والنفوس من الضغينة، وتبقى الألفة والمحبة بينهم، ولا يظن الصاحب أن صاحبه يبخسه ويهضمه ويستغله ويحتال عليه، إلى غير ذلك مما يحصل بين الأصدقاء والإخوة والزملاء. وقد تستخدم هذه المقولة فيما هو أعم من ذلك في معاملات الناس، والله أعلم.

стр. 483

(١٢٧) حديث: (كما تكونوا يولى عليكم) . (ضعيف) … رواه البيهقي في "الشعب" (٦/ ٢٢ - ٢٣) رقم (٧٣٩١) من طريق يحيى عن يونس بن أبي إسحاق مرسلاً. قال البيهقي: هذا منقطع، ورواية يحيى بن هشام ضعيفة. وأخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (٥٧٧) عن أبي بكرة عن النبي ﷺ مرفوعاً. قال الحافظ في "الكافي الشافي" (١/ ٣٤٥): وفي إسناده مجاهيل. "موسوعة الحافظ الحديثية" (٣/ ١٢١). والحديث ضعَّفه: (١) البيهقي في "الشعب" (٦/ ٢٢ - ٢٣) كما تقدم. (٢) الحافظ ابن حجر في "الكافي الشافي" (١/ ٣٤٥) كما تقدم. (٣) السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٤٦) و"الدرر المنتثرة" (ص: ١٥٤) رقم (٣٢٩) و"الجامع الصغير" (٦٤٠٦). (٤) المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٦٠). (٥) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٨٥) رقم (٨٣٥).

стр. 484

(٦) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢٥). (٧) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٦٦) رقم (١٩٩٧). (٨) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٨٢). (٩) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٢١) رقم (١١٠٨). (١٠) الصالحي في "الشذرة " (٢/ ٤٩) رقم (٧١٤). (١١) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢٦١) رقم (١٤٥٠). (١٢) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ١٧٠) رقم (٢٠١). (١٣) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٩٢) رقم (١٠). (١٤) الألباني في "الضعيفة" (٣٢٠) و"ضعيف الجامع" (٤٢٧٥) و"المشكاة" (٢/ ١٠٩٧) رقم (٣٧١٧). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ضعيف لا تصح نسبته إلى رسول ﷺ ، لكن معناه صحيح فإن الله يقول في كتابه الكريم ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا … يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ ﴿الأنعام: ١٢٩﴾.

стр. 485

ويقول سبحانه ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿آل عمران: ١٦٥﴾. ويقول سبحانه ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ ﴿الرُّوم: ٤١﴾. ويقول سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿الرعد: ١١﴾ وما قال: (ما بحاكمهم). وقال ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ … (٣٠)﴾ ﴿الشُّورى: ٣٠﴾. إلى غير ذلك من الآيات. وهل الحاكم إلا من الشعب، فإن كان الشعب صالحاً كان الحاكم صالحاً وإن كان الشَّعْب ظالماً كان الحاكم ظالماً. يداك أوكتا وفوك نفخ … أنت الجاني فعلام الصرخ وقد أحسن وأبدع غاية الإبداع العلامة ابن القيم حيث صور القضية أحسن تصوير وبينها أجمل بيان حيث قال (١) ﵀ في كتابه العظيم "مفتاح دار السعادة": وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن

стр. 486

استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عَدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم، وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق، وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه، وضربت عليهم المكوس والوظائف، وكلما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمَّالهم ظهرت في صور أعمالهم، وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرَّها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شيبت لهم الولاة، فحِكمة الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر، بل وُلاتُنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكل من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها. قلت: وهذا الكلام المحبر النفيس من أعظم قواعد التغيير التي يتنازع تبنِّيها الكثير من الإسلامين. وأما العلامة الألباني ﵀ فقد قال تحت هذا الحديث في "الضعيفة" (٣٢٠): ثم إن الحديث معناه غير صحيح على إطلاقه عندي، فقد حدثنا التاريخ تولي رجل صالح عقب أمير غير صالح، والشعب هو هو.

стр. 487

(١٢٨) حديث: (كن مع الله يكن الله معك) . (ليس بحديث) … اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، ويظن البعض أنه حديث نبوي، وبعضهم يذكره بلفظ: (من كان مع الله كان الله معه) والصحيح أنه ليس بحديث، وإنما هو من كلام الناس. "كشف الخفاء" (٢/ ٣٦٩) رقم (٢٦٢٣). التعليق: قلت: هذا الكلام ليس بحديث لكن معناه صحيح بلا ريب. قال ابن رجب ﵀: قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ ﴿النحل: ١٢٨﴾. قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل. كتب بعض السلف إلى أخ له أما بعد: فإن كان الله معك فمن تخاف، وإن كان عليك فمن ترجو، وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون ﵉ ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ﴿طه: ٤٦﴾، وقول موسى ﴿قَالَ … كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ ﴿الشعراء: ٦٢﴾.

стр. 488

وفي قول النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ وهما في الغار: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا) فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، فمن حفظ الله وراعا حقوقه وجده أمامه وتجاهه على كل حال، فاستأنس به واستغنِ به عن خلقه وكن معه يكن معك (١). وقال العلامة ابن القيم (٢) ﵀: إذا استغنى الناس بالدنيا، فاستغنِ أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا، فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم، فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم، وتقربوا إليهم، لينالوا بهم العزة والرفعة، فتعرَّف أنت إلى الله، وتودد إليه، تنل بذلك غاية العز والرفعة. اهـ.

стр. 489

(١٢٩) حديث: (كَنْسُ المساجد مهور الحور العين) . (موضوع) لقد اشتهر هذا الحديث على ألسِنة كثير من الناس في فضل كنس المساجد وتنظيفها، وهو حديث موضوع لا تصح نسبته إلى رسول الله ﷺ . رواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٨٠) رقم (١٨٠٨)، وقال: هذا الحديث لا يصح من جميع جهاته. قال المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٧٢): قال ابن الجوزي: فيه مجاهيل وعبد الواحد بن زيد متروك. وقد نصَّ جمع من العلماء على بطلان هذا الحديث، منهم: (١) ابن الجوزي كما تقدم. (٢) الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٣٥٢) رقم (٩٦٢) قال: إسناده مظلم إلى عبد الواحد بن زيد، وهو متروك. (٣) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٨٣) قال: لا يصح، فيه مجاهيل وعبد الواحد بن زيد متروك. (٤) السيوطي في "الجامع الصغير". (٥) المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٧٢) رقم (٦٤٣٢).

стр. 490

(٦) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٩/ ١٧٢) رقم (٤١٤٧) "ضعيف الجامع" (٤٢٨٠) قال: موضوع. والحديث جاء بلفظ آخر كما في "مجمع الزوائد" (٢/ ٩) قال الهيثمي: حديث (ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها فمن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التى تبنى على الطريق؟ قال: نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين) رواه الطبراني في "الكبير". وفي إسناده مجاهيل. والحديث أورده السيوطي في "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (٢/ ٣٧٦)، والألباني في "الضعيفة" (٤/ ١٧٠) رقم (١٦٧٥). التعليق: قلت: وردت بعض النصوص في الكتاب والسنة في الحث على تطهير المساجد وتنظيفها تُغني عن هذا الحديث الضعيف، منها: قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ ﴿البقرة: ١٢٥﴾. وكانت هناك امراة سوداء تقمُّ المسجد على عهد رسول الله ﷺ كما جاء عند البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁.

стр. 491

وقال النبي ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) رواه مسلم عن أنس ﵁. وقال النبي ﷺ : (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ﵁. وورد عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم عن أبي ذر ﵁. وأمر النبي ﷺ : (ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب) (١).

стр. 492

(١٣٠) حديث: (الكبر على أهل الكبر صدقة) . (ليس بحديث) هذا الكلام اشتهر على ألسِنة كثير من الناس، ويظنه بعضهم حديثاً عن رسول الله ﷺ وليس كذلك، إنما هو من كلام الناس. وجاء بلفظ: (التكبر على المتكبر صدقة). قال الرازي: هو من كلام الناس، وليس بحديث. وانظر: (١) "كشف الخفاء" (١/ ٣٧٤) رقم (١٠١١). (٢) "أسنى المطالب" (ص: ١١٦) رقم (٥١٩). (٣) "الأسرار المرفوعة" (١٦٣). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذه المقولة التي يلوكها كثير من الناس بألسنتهم ليست بحديث نبوي شريف مأثور عن النبي ﷺ ، وإنما هي من كلام الناس، وكلام الناس يوزن بميزان الشرع، فما وافق الشرع قبلناه وما خالف الشرع تركناه، وهذه المقولة التي تدعو إلى الكبر على أهل الكبر لا شك أنها مقولة مصادمة لنصوص الوحيين. لكن ثبت عن

стр. 493

النبي ﷺ أنه جوَّز الخيلاء في موضعين فعن جابر بن عتيك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبغِضُ الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يُبغِضُ الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يُبغِضُ الله فالغيرة في غير الريبة، وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل في القتال، واختياله عند الصدقة، وأما الخيلاء التي يُبغِضُ الله فاختيال الرجل في البغي والفخر) (١). فائدة: يخلط كثير من الناس بين المهابة والكبر، وبين الصيانة والتكبر، والتواضع والمهانة. وإليك هذا الكلام القيم من الإمام ابن القيم ﵀ وهو يفرق لك بين ما تشابه عليك: أولاً: الفرق بين المهابة والكبر. المهابة: أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حلَّ فيه النور، ونزلت عليه السكينة، وألبس رداء الهيبة، فاكتسى

стр. 494

وجهه الحلاوة والمهابة، فأخذ بمجامع القلوب محبة ومهابة، فحنت إليه الأفئدة، وقرت به العيون، وأنست به القلوب، فكلامه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعمله نور، وإن سكت علاه الوقار، وإن تكلم أخذ بالقلوب والأسماع. … وأما الكبر: فأثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شزر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار، لا الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهاً، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقاً، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله، لا يزداد من الله إلا بعداً، ومن الناس إلا صغاراً أو بغضاً. … ثانياً: الفرق بين الصيانة والتكبر. … أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوباً جديداً نقي البياض ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمن دونهم، فهو يصونه عن الوسخ والغبار، والطبوع وأنواع الآثار إبقاء على بياضه ونقائه، فتراه صاحب تعزز وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثوبه، وإن أصابه شيء من ذلك على غرة بادر إلى قلعة وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طبوعاً وآثاراً أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي للبياض، ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع، فتراه يهرب من مظان التلوث، ويحترس من الخلق، ويتباعد من تخالطهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين

стр. 495

والذباحين والطباخين ونحوهم، بخلاف صاحب العلو فإنه وإن شابه، هذا في تحرزه وتجنبه، فهويقصد أن يعلو رقابهم ويجعلهم تحت قدمه، فهذا لون وذاك لون. ثالثًا: الفرق بين التواضع والمهانة. أن التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه. … وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفلة في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع والله سبحانه، يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة وفي الصحيح عنه: (وأوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد). والتواضع المحمود على نوعين: النوع الأول: تواضع العبد عند أمر الله امتثالاً، وعند نهيه اجتناباً، فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوع إباء وشراد، هرباً من العبودية، وتثبت عند نهيه! طلبا للظفر بما منع منه، فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية.
следующие страницы →