(١٠) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٢٧٩) رقم (٢٣٢٠).
(١١) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢١٣) رقم (٤٦٢).
(١٢) القاري في "المصنوع" (ص: ١٧٢) رقم (٣٠٦).
(١٣) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٣٣٧) رقم (١٩٠٢).
(١٤) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٣٦) رقم (٨٨٧).
(١٥) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٣٠٣) رقم (١٥٨٨).
(١٦) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٢٠٥) رقم (٢٦٠).
(١٧) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٦٧) رقم (٦١٧).
(١٨) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٣٨) رقم (١٦٢).
(١٩) الألباني في "الضعيفة" (٤/ ١٨٧) رقم (١٦٩٢).
(٢٠) شيخنا ابن عثيمين في "شرح نزهة النظر" (ص: ٥١).
التعليق:
قلت: لكن أجمع أهل الطب على صحة معنى هذا الحديث، وإن كان لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ .
قال ابن القيم (١) ﵀: المعدة عضو عصبي مجوف كالقَرْعَة في شكلها، مركب من ثلاث طبقات، مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف، ويحيط بها لحم وليف، إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض
стр. 667
والثالثة بالورب، وفم المعدة أكثر عصباً وقعرها أكثر لحماً، وفي باطنها خمل، وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلاً، خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه، وهي بيت الداء، وكانت محلاً للهضم الأول، وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء، ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك، وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالباً، فتكون المعدة بيت الداء، لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات، والتحرز عن الفضلات، وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يقال العادة طبع ثان، وهي قوة عظيمة في البدن، حتى إن أمراً واحداً إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها، وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى، مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب، أحدها عُوِّد تناول الأشياء الحارة، والثاني عوِّد تناول الأشياء الباردة، والثالث عوِّد تناول الأشياء المتوسطة، فإن الأول متى تناول عسلاً لم يضر به، والثاني متى تناوله أضر به، والثالث يضر به قليلاً، فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض، ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك.
стр. 668
(١٧٥) حديث: (المؤمن إذا قال صَدَق وإذا قيل له صَدَّق) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهر هذا الكلام في أوساط الناس شهرة عظيمة حتى ظنه البعض أنه من كلام رسول الله ﷺ ، وليس كذلك كما ذكر ذلك علماء هذا الشأن الذين صنَّفوا في الأحاديث المشتهرة على ألسِنة الناس، منهم:
(١) الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١٢١٩).
(٢) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨٠).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٨٥) رقم (٢٦٧٤).
(٤) القاري في "المصنوع" (٢٦٠).
(٥) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢٤٠) رقم (٥٥٥).
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٩٦) رقم (١٥٤٥).
(٧) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ٢٠٩) رقم (١٠٤٦).
(٨) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٤١٦) رقم (٢٣٦٢).
(٩) السمهودي في "الغماز على اللماز" (٢٦٩).
(١٠) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٧١) رقم (٦٤٢).
стр. 669
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ليس بثابت عن رسول الله ﷺ ، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يغني عنه.
لكن الشطر الأول من الحديث معناه صحيح، (أن المؤمن إذا قال صدق)، وأما الشطر الثاني من الحديث فمعناه غير صحيح، وهو (أن المؤمن إذا قيل له صدّق) فهذا ليس على إطلاقه ولا يقول به عاقل.
قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ﴿الحجرات: ٦﴾ ما قال: صدقوا.
قال العلامة السعدي (١) ﵀: فالمُخبر إما أن يكون:
(١) صادقاً فيقبل خبره.
(٢) أو كاذباً فيرد خبره.
(٣) أو فاسقاً فيتوقف فيه. اهـ.
لكن قد يقول قائل: فهذا عيسى بن مريم ﵊ رأى رجلاً يسرق فقال: له أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو.
فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني. رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁.
стр. 670
فقد صدَّق الرجل وهو كذَّاب؟
فالجواب: ما نقله الحافظ ابن حجر (١) عن ابن القيم أنه قال: والحق أن الله كان في قلبه أجلَّ من أن يحلف به أحدهما كاذباً، فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم صِدْق إبليس لما حلف له أنه ناصح.
وقال القرطبي ﵀: ظاهر قول عيسى له سرقت أنه خبر عما فعل من السرقة، وكأنه حقق السرقة عليه لكونه رآه أخذ مالاً لغيره، ويحتمل أنه استفهام حذفت همزته وحذفها قليل، وقول الرجل: كلا أي لا، نفي ثم أكده باليمين، وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت نفسي، أي صدَّقتُ من حلف وكذَّبتُ ما ظهر من ظاهر السرقة، فيحتمل أن يكون أخذ ماله فيه من حق، أو يكون لصاحبه إذن، أو أخذه لتغلبه (٢).
стр. 671
(١٧٦) حديث: (المؤمن في المسجد كالسمك في الماء والمنافق في المسجد كالطير في القفص) .
(ليس بحديث)
قال العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٨٨) رقم (٢٦٨٩): لم أعرفه حديثاً وإن اشتهر بذلك، ويشبه أن يكون من كلام مالك بن دينار، فقد نقل المناوي: عنه أنه قال: المنافقون في المسجد كالعصافير في القفص.
التعليق:
قلت: تبين لك أن هذا الكلام ليس بحديث وإنما هو من كلام الناس، ولا شك أن المسجد بيت كل مؤمن كما قال ﷺ : (المسجد بيت كل مؤمن) (١).
والمسجد بقعة مباركة في أرض الله وهو حصن الدين القويم، ومعلم من معالمه العظمية، ومنار يفيض بالطمأنينة والإيمان قال سبحانه ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ ﴿النور: ٣٦﴾.
والمسجد يتجمع فيه المسلمون لينهلوا من كل فضيلة قال ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا
стр. 672
نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁.
وقال ﷺ : (أحب البقاع إلى الله مساجدها) رواه مسلم.
وهو أحد الأسباب التي تحمي العبد المؤمن من أهوال يوم القيامة، فما ظنك بمكان يهيئ الملجأ الآمن يوم يشتد الكرب وتضطرب النفوس، ويبحث الخلق عن مأوى يحميهم ويستظلون بظله، فيكون الذي تعلق قلبه بالمسجد في أمان واطمئنان، قال ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … ) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
ففي المسجد الراحة، والاطمئنان، والسعادة، والأنس، والفرح، والسرور، والانشراح بتلاوة القرآن، وتعلم العلم، والتسبيح والتهليل، والصلاة، والمحاضرات، والدروس، والخطب والجلوس مع الصالحين، من علماء وطلبة علم وعُبَّاد، والبعد عن صخب الحياة، وضجيج أهل الدنيا، فوالله إن المسجد بيت كل مؤمن كما قال ﷺ .
وأما المنافق: فلا يستريح ولا ينشرح صدره إلا مع أمثاله وأضرابه وأشكاله، فإذا دخل المسجد ضاق صدره واكتئب فؤاده قال تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿الأنعام: ١٢٥﴾.
стр. 673
(١٧٧) حديث: (المؤمن كَيِّسٌ فطن حذر) .
(موضوع) …
رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٨) عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً.
وفي سنده:
(١) سليمان بن عمرو أبو داود النخعي. قال ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٢٨): أجمعوا على أنه كان وضاعاً. …
(٢) أبان بن أبي عياش متروك متهم. "ميزان الإعتدال" (١/ ١٠).
وقد نصَّ على بطلان هذا الحديث:
(١) ابن حجر في "الفتح" تحت حديث (٥٦٦٨): (لا يلدغ المؤمن … ).
(٢) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٨٧) رقم (٢٦٨٣).
(٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٩٦) رقم (١٥٥٠).
(٤) السيوطي في "الجامع الصغير".
(٥) المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٣٣٤).
(٦) الألباني في "الضعيفة" (٧٦٠) و"ضعيف الجامع" (٥٩٠٤).
والحديث ذكره: ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨٠) والصعدي في "النوافح العطرة" (٢٣٦٦) والصالحي في "الشذرة" (١٠٥٠).
стр. 674
التعليق:
قلت: نعم المؤمن كيس فطن، هذا صحيح وإن لم يصح الحديث فإن النبي ﷺ قال: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
قال المناوي ﵀ (١) تعليقاً على حديث (لا يلدغُ المؤمن … ): برفع الغين (نفي) معناه المؤمن المتيقظ الحازم لا يؤتى من قبل الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى.
وبكسرها (نهي) أي ليكن فطناً كيساً لئلا يقع في مكروه بعد وقوعه فيه مرة قبلها.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (لست خباً ولا الخب يخدعني) أي: لست ماكراً ومخادعاً، ولا الماكر والمخادع يخدعني. اهـ.
لكن قد يقول قائل: جاء في الحديث الصحيح أن من صفات (المؤمن أنه غركريم، والفاجر خبٌ لئيم) كما قال ﷺ (٢).
стр. 675
الجواب: يتبين لك من شرح الحديث.
الغر: أي ليس بذي (نُكر) و (مكر).
والغرارة: قلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلاً وغباءً.
ليس الغبي بسيدٍ في قومه … لكن سيد قومه المتغابي
أما الفاجر: فمن عادته الخبث والدهاء، والتوغل في معرفة الشر، وليس ذا منه عقلاً (١).
стр. 676
(١٧٨) حديث: (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع) .
(لا أصل له) …
لقد اشتهرهذا الحديث بين الناس شهرة عظيمة فبحثت عنه في كتب العلماء فوجدت أنه لا أصل له كما قال ذلك.
(١) العلامة الألباني في "الصحيحة" تحت حديث رقم (٣٩٤٢).
(٢) العلامة ابن باز في "مجموع الفتاوى" (٤/ ١٢٢ - ١٢٣): قال ﵀: هذا يروى عن بعض الوفود وفي سنده ضعف، يروى أنهم قالوا: (نحن قوم لا نأكل … ) يعنون أنهم مقتصدون ويراجع في زاد المعاد والبداية والنهاية لابن كثير. اهـ.
(٣) اللجنة الدائمة فتوى رقم (١٨٠٧٢) قالت: هذا اللفظ المذكور ليس حديثاً فيما نعلم.
التعليق:
قال العلامة ابن باز (١) ﵀: هذ المعنى صحيح، وهذا ينفع الإنسان إذا كان يأكل على جوع أو حاجة، وإذا أكل لا يسرف في الأكل ويشبع الشبع الزائد، أما الشبع الذي لا يضر فلا بأس به، فالناس
стр. 677
كانوا يأكلون ويشبعون على عهد النبي ﷺ وفي غيره، ولكن يخشى من الشبع الظاهر الزائد، وكان النبي ﷺ في بعض الأحيان يدعى إلى ولائم ويضيف الناس ويأمرهم بالأكل فيأكلون ويشبعون ثم يأكل بعد ذلك ﷺ ومن بقي من الصحابة، وفي عهده ثبت أن جابر دعا النبي ﷺ يوم الأحزاب يوم غزوة الخندق إلى طعام على ذبيحة صغيرة (سخلة) وعلى شيء من شعير، فأمر النبي ﷺ أن يقطع الخبز واللحم وجعل يدعو عشرة عشرة فيأكلون ويشبعون، ثم يخرجون ويأتي عشرة آخرون وهكذا فبارك الله في الشعير وفي السخلة، وأكل منها جمع غفير وبقي منها بقية عظيمة حتى صرفوها للجيران، والنبي ﷺ ذات يوم أيضاً سقى أهل الصفة لبناً قال أبو هريرة: فسقيتهم حتى رووا، ثم قال النبي ﷺ : اشرب يا أبا هريرة قال شربت، ثم قال: اشرب، فشربت، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، ثم أخذ النبي ﷺ ما بقي وشرب ﷺ ، وهذا يدل على جواز الشبع، وجواز الري لكن من غير مضرة.
стр. 678
(١٧٩) حديث: (نصرني الشباب وخذلني الشيوخ) .
(لا أصل له)
لقد اشتهر هذا الكلام على ألسِنة المثقفين والعوام، وليس له أصل في كتب أهل العلم الكرام، وأكد هذا شيخنا الهمام العلامة الوادعي ﵀ حيث قال: لا أصل له.
وقد ذُكر في بعض كتب الرافضة فلعله من وضعهم ليطعنوا في شيوخ الصحابة الكرام، وفي مقدمتهم الطعن في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وقد كذب وفجر والتقم الحجر من طعن في أبي بكر وعمر فرضي الله عنهما وعن بقية الصحابة الكرام.
التعليق:
قلت: إذا كان مراد واضع هذا الحديث الطعن في أبي بكر وعمر ﵄ فيرد عليه بما يلي:
أولاً: إن أبا بكر ﵁ في بداية الدعوة كان شاباً، فقد ولد بعد النبي ﷺ بعامين وأسلم وعمره (٣٨) سنة، وأسلم عمر ﵁ وعمره (٣٣) سنة (١).
стр. 679
ثانياً: إن كان مراد الواضع بالشباب الذين نصروه ﷺ هم شباب الصحابة، وبالشيوخ الذين خذلوه ﷺ هم شيوخ المشركين كأبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف وغيرهم فهذا حق، والواقع أكبر شاهد.
ثالثاً: إن كان مراد الواضع أن شيوخ الصحابة الكرام كأبي بكر وعمر خذلوا رسول الله ﷺ فهذا كذب وبهتان، فهم حماة الإسلام الذين ضحُّوا من أجله بكل غالٍ ونفيس، في حياته ﷺ وبعد موته، نصروه وآزوره في شبابهم وفي كبرهم، وكانوا وزراءه وخلفاءه فوالله وبالله وتالله ما خذلوه يوماً من الدهر، وصدق ﷺ حين قال: (البركة مع أكابركم) (١).
стр. 680
(١٨٠) حديث: (نِعمَ المُذَكِّر السُّبحَة) .
(موضوع) …
أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" عن علي ﵁.
قال العلامة الألباني في"الضعيفة" (٨٣): موضوع وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، جُل رواته مجهولون بل بعضهم متهم.
وقد جاء في هذا الباب حديث آخر بلفظ: (كان ﷺ يسبح بالحصى) وهو حديث: موضوع أيضاً. "الضعيفة" (١٠٠٢).
التعليق:
قلت: بين العلماء بدعية السبحة من وجوه:
الوجه الأول: السبحة بدعة لأنها لم تكن في عهد النبي ﷺ ، وإنما أخذت عن أهل الكتاب. قال محمد رشيد رضا: كنا نرى السبح في أيدي القسيسين من النصارى والرهبان والراهبات، ونسمع أنها مأخوذة عن البراهمة، ولما زرت الهند هذه السنة (١٩١٢ م) رأيت فيها بعض الصوفية من البراهمة والمسلمين ورأيتهم يحملون السبح ويعلقونها في رقابهم، والظاهر أن المسلمين أخذوها أولاً عن النصارى لا عن البراهمة، لأنهم ما عرفوا البراهمة فيما يظهر إلا عندما فتحوا الهند، وأما النصارى فكانوا في مهد الإسلام عند ظهوره -في جزيرة العرب- وفي البلاد المجاورة لها كالشام ومصر، فلا بد أن
стр. 681
يكون قد أخذوا السبحة عنهم فيما أخذوه من اللباس والعادات، والأمر في السبحة ينبغي أن يكون أشد من أخذ غيرها عنهم لأنها تدخل في العبادة وتعد شعارًا (١). …
فإن قال قائل: قد جاء في بعض الأحاديث التسبيح بالحصى وإنه ﷺ أقره، فلا فرق حينئذٍ بينه وبين التسبيح بالسبحةكما قال الشوكاني. قلت: هذا قد يسلم لو أن الأحاديث في ذلك صحيحة، وليس كذلك بل هي ضعيفة كما تبين لك.
الوجه الثاني: روى ابن وضاح القرطبي (٢) قال: مر ابن مسعود ﵁ بامرأة ومعها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد سبقتم ركبتم بدعة ظلماً أولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علمًا.
الوجه الثالث: السبحة مخالفة لهدي النبي ﷺ ، قال عبد الله بن عمرو: … (رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه) (٣).
الوجه الرابع: السبحة مخالفة لأمر النبي ﷺ حيث قال: (عليكن بالتسبيح والتهليل ولا تغفلن فتنسين التوحيد (وفي رواية: الرحمة) واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات) رواه أبو داود وغيره وهو حديث حسن.
стр. 682
الوجه الخامس: قد يقول قائل: إن العدد بالأصابع كما ورد في السنة، لا يمكن أن يضبط به العدد إذا كان كثيراً؟
فالجواب: إنما جاء هذا الإشكال من بدعة أخرى وهي ذكر الله في عدد محصورلم يأت به الشارع الحكيم، فتطلبت هذه البدعة بدعة أخرى وهي السبحة، فإن أكثر ما جاء في العدد في السنة الصحيحة هو فيما أذكر الآن (مائة)، وهذا يمكن ضبطه بالأصابع بسهولةٍ لمن كان ذلك عادته، ولولم تكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العدّ بالأصابع، أو كادت مع اتفاقهم على أنها الأفضل لكفى، وكل خير في الاتباع وكل شرٍ في الابتداع (١).
стр. 683
(١٨١) حديث: (نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعمله مضاعف ودعاؤه مستجاب وذنبه معفور) .
(ضعيف) …
رواه البيهقي في "الشعب" (٣/ ٤١٥ - ٤١٦) رقم (٣٩٣٧) و (٣٩٣٨) و (٣٩٣٩) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄.
وفي سنده: سليمان بن عمرو، وهو أبو داود النخعي، كذَّاب.
وتابعه: معروف بن حسان وهو ضعيف.
وقد ضعَّف هذا الحديث:
(١) البيهقي في"الشعب" (٣/ ٤١٦).
(٢) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (١/ ٣١٥، ٤٦٥).
(٣) السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٨٠) و"الجامع الصغير".
(٤) المناوى في "فيض القدير" (٦/ ٣٧٨).
(٥) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٨٢).
(٦) الألباني في "الضعيفة" (٤٦٩٦) و"ضعيف الجامع" (٥٩٧٢).
التعليق:
قلت: هذا الحديث لا يصح سنداً ومتناً.
стр. 684
وقد سُئل شيخنا العلامة ابن عثيمين ﵀ (١): عن النوم طوال النهار ما حكمه؟ وما حكم صيام من ينام إذا كان يستيقظ لأداء الفرض ثم ينام فما حكمه؟
فأجاب: هذا السؤال يتضمن حالين:
الأولى: رجل ينام طوال النهار ولا يستيقظ، ولا شك أن هذا جان على نفسه، وعاصٍ لله بتركه الصلاة في أوقاتها، وإذا كان من أهل الجماعة فقد أضاف إلى ذلك ترك الجماعة أيضاً وهو حرام عليه ومنقص لصومه، ومثله مثل من يبنى قصراً ويهدم مصراً، فعليه أن يتوب إلى الله ، وأن يقوم ويؤدي الصلاة في أوقاتها حسبما أمر به.
أما الحال الثانية: وهي حال من يقوم ويصلي المفروضة في وقتها ومع الجماعة فهذا ليس بآثم لكنه فوَّت على نفسه خيراً كثيراً، لأنه ينبغي للصائم أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والدعاء، وقراءة القران الكريم، حتى يجمع في صيامه عبادات شتى، والإنسان إذا عوَّد نفسه ومرنها على أعمال العبادات في حال الصيام سهل عليه ذلك، وإذا عوَّد نفسه الكسل والخمول والراحة صار لا يألف إلا ذلك، وصعبت عليه العبادات والأعمال في حال الصيام، فنصيحتي لهذا ألا يستوعب وقت صيامه في نومه فليحرص على العبادة، وقد يسر الله والحمد لله في وقتنا هذا للصائم ما يزيل عنه مشقة الصيام من المكيفات وغيرها مما يهون عليه الصيام. …
стр. 685
(١٨٢) حديث: (نية المؤمن خير من عمله) .
(ضعيف) …
رواه الطبراني في "الكبير" (٥٩٤٢) عن سهل بن سعد ﵄، وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٧٠) رقم (٢٦٠٥).
وفي سنده:
(١) حاتم بن عباد بن دينار. قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٠٩، ١٦١): لم أعرفه.
(٢) يحيى بن قيس الكندي. أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وقال الحافظ في "التقريب": مستور.
ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٤٨) عن النواس بن سمعان ﵁.
وفي سنده:
(١) عثمان بن عبد الله الشامي، اتهم.
(٢) بقية بن الوليد، مدلس وقد عنعن.
ورواه الخطيب في "التاريخ" من طريق آخر.
وفي سنده: سليمان بن عمرو أبو داود النخعي، وهو كذَّاب.
ورواه البيهقي في "الشعب" (٥/ ٣٤٣) عن أنس ﵁، وضعفه.
стр. 686
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) البيهقي في "الشعب" (٥/ ٣٤٣).
(٢) الحافظ العراقي. "الإحياء وبذيله المغني " (٥/ ٩).
(٣) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٨٣) رقم (٤٢٦).
(٤) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٥٢٦) رقم (١٢٦٠).
(٥) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨٥).
(٦) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣١) رقم (٢٨٣٦).
(٧) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٨٨).
(٨) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٣٠٨) رقم (١٦١٧ - ١٦١٨).
(٩) الألباني في "الضعيفة" (٢٢١٦) و"ضعيف الجامع" (٥٩٧٧).
التعليق:
قال العلامة ابن عثيمين ﵀ (١): معناه أن النية قد يدرك بها ما لا يدركه بالعمل، مثل أن يكون رجل عاجز عن فعل الطاعة، ويتمنى أنه يدرك هذه الطاعة فينويها، هذه قد تكون خيراً من العمل، ولهذا جاء في الحديث: (من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) رواه مسلم وغيره.
стр. 687
وثبت عنه ﷺ أنه قال: (من سأل الله الشهادة بصدق فإنه ينال منزلة الشهداء وإن مات على فراشه) رواه مسلم.
ويستثنى منه إذا كان الإنسان قادراً على العمل، ولكن لم يعمل فلا نقول هذا رجل نيته أفضل من عمله، لأنا لو قلنا هذا بقى الإنسان مستطيعاً للطاعة لا يفعل الطاعة ويقول: النية خير من العمل. اهـ.
وقال المناوي (١): (نية المؤمن خير -وفي رواية- أبلغ من عمله) لما تقرر، ولأن المؤمن في عمل ونيته عند فراغه لعمل ثان، ولأن النية بانفرادها توصل إلى ما لا يوصله العمل بانفراده، ولأنها هي التي تقلب العمل الصالح فاسداً، والفاسد صالحاً مثاباً عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، ويعاقب عليها ما يعاقب عليه فكانت أبلغ وأنفع.
وقيل: إذا فسدت النية وقعت البلية، ومن الناس من تكون نيته وهمته أجلَّ من الدنيا وما عليها، وآخر نيته وهمته من أخس نية وهمة، فالنية تبلغ بصاحبها في الخير والشر ما لا يبلغه عمله، فأين نية من طلب العلم وعلمه ليصلي الله عليه وملائكة، وتستغفر له دواب البر، وحيتان البحر، إلى نية من طلبه لمأكل أو وظيفة كتدريس، وسبحان الله كم بين من يريد بعلمه وجه الله، والنظر إليه وسماع كلامه وتسليمه عليه في جنة عدن، وبين من يطلب حظاً خسيساً كتدريس أو غيره من العرض الفاني.
стр. 688
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قوله ﷺ : (نية المرء أبلغ من عمله)
فأجاب: هذا الكلام قاله غير واحد، وبعضهم يذكره مرفوعاً وبيانه من وجوه:
أحدها: أن النية المجردة من العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص لله لم يقبل منه ذلك، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال: (من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة).
الثاني: أن من نوى الخير وعمل منه مقدوره، وعجز عن إكماله كان له أجر عامل كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر).
وقد صحح الترمذي حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه ذكر أربعة رجال: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل فيه بطاعة الله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان. قال: فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه
стр. 689
الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يعمل فيه بمعصية الله، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: فهما في الوزر سواء).
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً).
وفي الصحيحين عنه أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم) وشواهد هذا كثيرة.
الثالث: أن القلب ملك البدن والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبتث جنوده والنية عمل الملك بخلاف الأعمال الظاهرة فإنها عمل الجنود.
الرابع: إن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة كتوبة المجبوب عن الزنا، وكتوبة المقطوع اللسان عن القذف وغيره، وأصل التوبة عزم القلب وهذا حاصل مع العجز.
الخامس: أن النية لا يدخلها فساد بخلاف الأعمال الظاهرة، فإن النية أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه، وهذا هو بنفسه محبوب لله
стр. 690
ولرسوله، مرضي لله ولرسوله، والأعمال الظاهرة تدخلها آفات كثيرة، ومالم تسلم منها لم تكن مقبولة؛ ولهذا كانت أعمال القلب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة.
كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه وضعفه في قلبه، وتفصيل هذا يطول والله أعلم (١).
стр. 691
(١٨٣) حديث: (الناس كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بالعافية … ).
(موضوع)
رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٢٥) رقم (٧٣٣) عن أنس ﵁.
ومن طريق ابن عدي رواه القضاعي في"مسند الشهاب" (١٩٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤) رقم (١٥٠٨).
قال ابن عدي: هذا حديث وضعه سليمان بن عمرو على إسحاق.
قال أحمد: وأجمعوا على أنه كان يضع الحديث.
قلت: والحديث جاء من عدة طرق لا يصح منها شيء.
وقد حكم على هذا الحديث بالبطلان جمع من العلماء، منهم:
(١) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤) رقم (١٥٠٨).
(٢) الحافظ في "لسان الميزان" (٢/ ٥١) رقم الترجمة (١٦٩٠).
(٣) السخاوي كما نقل عنه الشوكاني في "الفوائد" (ص ٢٠٨).
(٤) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢٤٦).
(٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٤٣٣) رقم (٤٨٤٧).
(٦) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٠٨).
стр. 692
(٧) المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٠٨).
(٨) الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٦٠) رقم (٥٩٦).
التعليق:
قال العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: يجب أن ننبه على أن من الناس من يستعمل بدل العدل: المساواة وهذا خطأ، ولا يقال: مساواة، لأن المساواة قد تقضي التسوية بين شيئين، الحكمة تقتضي التفريق بينهما، ومن أجل هذه الدعوة الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون أيُّ فرق بين الذكر والأنثى؟ سووا بين الذكر والأنثى، حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم؟ ولا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد حتى بين الوالد والولد، ليس للوالد سلطة على الولد … وهلم جرا.
لكن إذا قلنا بالعدل: وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحقه زال هذا المحذور وصارت العبارة سليمة، ولهذا لم يأت في القرآن أبداً: إن الله يأمر بالتسوية ولكن جاء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ﴿النحل: ٩٠﴾ ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ﴿النساء: ٥٨﴾ وأخطأ على الإسلام من قال: إن الإسلام دين المساواة بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين والتفريق بين المتفرقين إلا أن يريد بالمساواة العدل فيكون أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ، ولهذا كان أكثر ما جاء في القرآن
стр. 693
نفي المساواة قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الزُّمر: ٩﴾. وقوله ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ﴿الرعد: ١٦﴾. وقوله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ﴿الحديد: ١٠﴾ وقوله ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ﴿النساء: ٩٥﴾، ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبداً إنما يأمر بالعدل وكلمة (العدل) أيضاً تجدونها مقبولة لدى النفوس. اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الله الإمام (١) -حفظه الله-: وخلاصة أقوال أهل العلم: أن المساوة دعوة إلحادية إباحية، تقضي على الفضائل والمكارم والأخلاق الحميدة، وتحوِّل من قبلهَا إلى حيوانات بهيمية، ومن خلال اطلاعي على أبعاد المساواة فهي أوسع الدعوات كفراً، فالكفر فيها أنواع كثيرة، وهي أكثر الدعوات على الإطلاق استيعاباً للرذائل، وهي أول دعوة إجرامية غزت العالم النسوي في بلاد المسلمين، فلا نجد مجتمعاً -ولو صغيراً- إلا وقد وصلت إليه هذه الدعوة، فهي خزي وعار وشنار على أصحابها في الدنيا والآخرة إلا من تاب إلى الله فمن اعتقد صحة دعوة المساواة فهو مرتد عن دين الإسلام.
стр. 694
(١٨٤) حديث: (النبي ﷺ وصَّى على سابع جار) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهرت هذه المقولة بين كثير من الناس على أنها حديث نبوي شريف، والصحيح أنه لا أصل له عن النبي ﷺ ، وإنما يدور على ألسنة العامة بهذا اللفظ. "مجلة الأصالة" العدد الرابع (ص: ٤١) (١٥/ شوال/ ١٤١٣ هـ).
قلت: وقد جاءت عدة أحاديث تحدد الجار بأربعين على الجهات الأربع وكلها لا تصح أيضاً. "الضعيفة" (٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٧٧).
التعليق:
قلت: تبين لك أخي المسلم أن هذه المقولة المشتهرة بين الناس لا تصح مرفوعة إلى النبي ﷺ ، لكن ثبت أن الرسول ﷺ وصى بالجار، والجار محكوم بالعرف فكل ما تعارف عليه الناس أنه جار فهو جار.
والوصية بالجار ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، لكن تحديد السابع منها لا أصل له مرفوعاً إلى النبي ﷺ . …
فائدة: ذكر البخاري في "الأدب المفرد" (١) عن الحسن البصري أنه سئل عن الجار فقال: (أربعين داراً أمامه وأربعين داراً خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره).
стр. 695
(١٨٥) حديث: (النظافة من الإيمان) .
(ليس بحديث) …
لقد شاع هذا الكلام وذاع واستفاض بل وتواتر، وتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، وعرفه الكبار والصغار، وتصدر به كلمات ومقالات، ويلقى في المحافل والتجمعات والمدارس ويعلق في المستشفيات والطرقات على أنه حديث صحيح عن النبي ﷺ وليس كذلك.
وقد نصَّ على عدم ثبوته:
(١) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (١/ ١٧٠).
(٢) اللجنة الدائمة (٤/ ٤٦٦) فتوى رقم (٥٣٢٩) قالت: ليس بحديث وإنما كلام جرى على ألسنة الناس.
(٣) شيخنا ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" قال: لا يصح عن النبي ﷺ وإن كان مشهوراً عند الناس.
قلت: وقد جاءت طائفة من الأحاديث في هذا الموضوع لا يصح منها شيء:
(١) … (تنظفوا فإن الإسلام نظيف) رواه ابن حبان وضعَّفه الألباني في "غاية المرام تخريج أحاديث الحلال والحرام" (ص: ٥٥).
стр. 696
(٢) … (النظافة تدعو إلى الإيمان) عزاه الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٣٦) إلى الطبراني في "الأوسط". وفيه إبراهيم بن حيان. قال ابن عدي في "الكامل" (١/ ٤١٠): أحاديثه موضوعة. وقال العلامة الألباني في "غاية المرام" (٧١): ضعيف جداً.
(٣) … (بني الدين على النظافة) قال العراقي: لم أجده هكذا. "الإحياء وبذيله المغني" (١/ ١٧٠). وضعَّفه: السيوطي في "الدررالمنتثرة" (١٥٧)، والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٨)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٩٢٢)، والفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٣١)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ٥٥) والسمهودي في "الغماز على اللماز" (٦٧)، والسخاوي في المقاصد الحسنة (٣٠٢)، والألباني في ضعيف الجامع (٢٤٨٥).
(٤) … (إن الله نظيف يحب النظافة) ذكره السخاوي في "المقاصد" (ص: ١٧٦) تحت حديث رقم (٣٠٢) وقال: راويه ضعيف.
(٥) … (تنظفوا بكل ما استطعتم، فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف) ضعَّفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٢٤٨٥).
стр. 697
التعليق:
قلت: لكن من المؤكد أن معنى هذه الكلمة صحيح (النظافة من الإيمان)، وهو مقتبس من نصوص صحيحة أخرى، ففي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الطهور شطر الإيمان).
و (الطُهور) بضم الطاء هو الطهارة، والطهارة في الإسلام تشمل الطهارة المعنوية من رجس الكفر والمعصية والرذيلة كما تشمل الطهارة الحسية. وهي تعني النظافة، وهي شرط لصحة الصلاة، سواء كانت الطهارة من الحدث بالوضوء والغسل أم من الخبث بالتنظيف المناسب، وهي طهارة الثوب والبدن والمكان.
ولهذا كان باب الطهارة أول ما يدرس في الفقه الإسلامي، لأنه مدخل ضروري للصلاة، ومفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الطهور.
وفي الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم وغيره عن ابن عمر ﵄.
وقد أثنى القرآن على أهل قبا لحرصهم على التطهر وحبهم لله قال تعالى … ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ ﴿التوبة: ١٠٨﴾.
وقال تعالى في سياق التطهر بعد الحيض ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ ﴿البقرة: ٢٢٢﴾.
стр. 698
ومن درس السنة النبوية وجد فيها حشداً من الأحاديث الصحاح والحسان تحث على النظافة في كل المستويات، نظافة الإنسان، ونظافة البيت، ونظافة الطريق، وفي نظافة الإنسان أمرت السنة بغسل يوم الجمعة حتى عبر عنه في بعض الأحاديث بلفظ الواجب: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) متفق عليه عن أبي سعيد ﵁.
وفي حديث آخر (حق الله على كل مسلم في كل سبعة أيام يوم يغسل فيه رأسه وجسمه) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
ويتأكد ذلك إذا وجدت أسبابه من العرق والوسخ ونحوه، حتى لا يكون مصدر إيذاء لمن يخالطه، وأكدت السنة وشددت على أجزاء معينة من الجسم تحتاج إلى عناية خاصة مثل الفم والأسنان، ومن ثم كان الأمر بالسواك وتأكيد استحبابه قال ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
أي أمر إيجاب وإلزام.
وقال ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) (١).
ومن ذلك نظافة الشعر وفيه جاء الحديث: (من كان له شعر فليكرمه) (٢).
стр. 699
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أتانا رسول الله ﷺ زائراً في منزلنا فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟ ورأى رجلاً وعليه ثياب وسخة فقال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه) (١).
وتكميلاً لذلك جاءت الأحاديث بما عرف باسم سنن الفطرة التي تدل على مدى حرص الإنسان على النظافة، والتجمل والمحافظة على نعمة الصحة والزينة، وتشمل: تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، ونحو ذلك وهي في الصحيحين.
ومما عنيت السنة به، نظافة البيت، فلا بد من تنظيفه من كل الأقذار والأخباث التي يسوء منظرها ويضر مخبرها، وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد ﵁ قال: (نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود) (٢).
ومثل ذلك نظافة الطريق، ومن الأحاديث الشهيرة التي يكاد يحفظها جميع المسلمين (إماطة الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
ومما حذرت منه السنة أشد التحذير (التخلي في الطريق ومواضع الظل) وقد أخبر ﷺ أنه مما يجلب اللعنة على صاحبه، سواءً لعنة الله أم
стр. 700
لعنة الناس فقال ﷺ : (اتقوا اللاعنين الذي يتخلى في طريق الناس وفي ظلهم) رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁.
وفي حديث آخر: (اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل) (١).
وبهذا سبقت السنه بالحث على حماية البيئة من التلوث، ومثل ذلك البول في الماء الراكد أو الجاري، قال ﷺ : (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
كما حثت السنة على العناية بالطعام والشراب، وحمايتها من أسباب التلوث، وفي هذا ما جاء في الصحيحين من حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ( … وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم).
وأخيراً: أليس في هذه النصوص غنية عن هذا الحديث الذي لا يصح وهو حديث: (النظافة من الإيمان)؟!.
стр. 701
(١٨٦) حديث: (النظر في المصحف عبادة) .
(موضوع) …
قال الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٣٥٦) و (٤٧٠٢) أخرجه ابن أبي الفراتي عن جابر ﵁.
وفي سنده: محمد بن زكريا بن دينار الغلابي وهو معروف بالوضع.
قلت: وقد جاءت جملة من الأحاديث في هذا الموضوع لا تصح أيضاً، منها:
(١) … (النظر إلى الكعبة عبادة) رواه أبو الشيخ عن عائشة ﵂: وهو حديث ضعيف. [انظر: "كشف الخفاء" (٢٨٥٨)، و"أسنى المطالب" (١٦٣٩)، و"إتحاف السادة المتقين" (٤/ ٢٨٣)، و"الضعيفة" (٤٧٠١) و"ضعيف الجامع" (٥٩٩٠)]
(٢) … (النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة) أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٢٤).
(٣) … (نظرة في وجه عالم أحب إلى الله من عبادة ستين سنة صياماً وقياماً) قال السخاوي في "المقاصد" (ص: ٥٢٢) رقم (١٢٥١): ليس له سند يصح. وانظر "تحذير المسلمين" (٧١١).
(٤) … (النظر إلى الوجه الجميل عبادة) قال ابن القيم: سُئل عنه شيخنا ابن تيمية فقال: كذب باطل على رسول الله ﷺ . "المنار المنيف" (ص: ٦٢) رقم (٩٩) و"المصنوع" (ص: ٢٠٢) رقم (٣٨٣).
стр. 702
التعليق:
تبين لك أخي الكريم ضعف الأحاديث التي فيها أن النظر عبادة وأنه لم يثبت منها شيء، سواءٌ حديث النظر إلى المصحف، أو الكعبة أو العالم أو غير ذلك، فلا نتعبد الله إلا بما شرع لنا، والعبادة توقيفية قال الناظم:
والأصل في الأشياء حلٌّ وامنع عبادة إلا بإذن الشارع
لكن إذا كان النظر في المصحف نظر قراءة فهذه عبادة لاشك فيها.
قال شيخنا ابن عثيمين (١) ﵀: ومن العجيب أن الذين قالوا ينظر إلى الكعبة، علل بعضهم ذلك بأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، فمن أين لنا أن النظر إلى الكعبة عبادة؟ لأن إثبات أي عبادة لا أصل لها من الشرع فهو بدعة.
стр. 703
(١٨٧) حديث: (النظرة سهم من سهام إبليس من تركها من أجل مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قبله) .
(ضعيف) …
رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٣) رقم (١٠٣٦٢) عن عبد الله ابن مسعود ﵁.
وفي سنده: عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي.
قال النووي: اتفقوا على تضعيفه.
ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٩٢) والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٥٦) رقم (٧٩٥٦) عن حذيفة ﵁.
وفي سنده:
(١) عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف.
(٢) إسحاق بن عبد الواحد القرشى الموصلي. قال أبو على الحافظ: متروك الحديث. "ميزان الاعتدال" (١/ ١٩٥).
وقد نصَّ على تضعيف هذا الحديث:
(١) الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٦٣).
(٢) المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٧٦٢).
стр. 704
(٣) الألباني في "الضعيفة" (١٠٦٥) و"الترغيب والترهيب" (١١٩٤).
(٤) شيخنا الوادعي في "تعليقه على المستدرك" (٤/ ٤٥٦) رقم (٧٩٥٦).
قلت: وقد جاءت جملة من الأحاديث تدعو إلى النظر إلى الوجه الحسن وإلى كل شيء حسن، كلها لا تصح، منها:
(١) … (النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر، وإلى الوجه القبيح يورث القلح). والقلح: صفرة تعلو الأسنان؛ رواه أبو نعيم في "الحلية" بسند ضعيف.
(٢) … (النظر إلى الوجه الحسن والخضرة والماء يحيي القلب ويجلي عن البصر الغشاوة) لا يصح. "الشذرة" (٢/ ٢٢٢).
(٣) … (النظر إلى المرأة الحسناء والخضرة يزيدان في البصر). قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٢٧): خبر باطل. وقال الألباني في "الضعيفة" (١٣٣) و"ضعيف الجامع" (٥٩٩١): موضوع.
(٤) … (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه) موضوع. "الضعيفة" (٢٨٥٥) و (٢٧٩٧) و"ضعيف الجامع" (٩٠٣، ٩٠٤).
قال ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (ص: ٦٣، ١٢٥): وكل حديث فيه ذكر الحسان، والثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم، أو التماس الحوائج منهم، أو أن النار لا تمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى.
وقال العقيلي: ليس في هذا الباب شيء يثبت عن النبي ﷺ .
стр. 705
قلت: للفائدة جاء في مسند البزار عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أبردتم إليَّ بريداً فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم) (١).
التعليق:
قلت: في الكتاب والسنة ما يغني عن هذا الحديث الضعيف، فقد أمر الله بغض البصر فقال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿النور: ٣٠﴾.
وقال سبحانه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ﴿النور: ٣١﴾.
وقال ﷺ : ( … وغضوا أبصاركم … ) (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: (الإثم حواز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع) (٣).
وقال ابن تيمية ﵀ (٤): إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر:
الأولى: حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.