← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(١٨٦) حديث: (النظر في المصحف عبادة) . (موضوع) … قال الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٣٥٦) و (٤٧٠٢) أخرجه ابن أبي الفراتي عن جابر ﵁. وفي سنده: محمد بن زكريا بن دينار الغلابي وهو معروف بالوضع. قلت: وقد جاءت جملة من الأحاديث في هذا الموضوع لا تصح أيضاً، منها: (١) … (النظر إلى الكعبة عبادة) رواه أبو الشيخ عن عائشة ﵂: وهو حديث ضعيف. [انظر: "كشف الخفاء" (٢٨٥٨)، و"أسنى المطالب" (١٦٣٩)، و"إتحاف السادة المتقين" (٤/ ٢٨٣)، و"الضعيفة" (٤٧٠١) و"ضعيف الجامع" (٥٩٩٠)] (٢) … (النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة) أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٢٤). (٣) … (نظرة في وجه عالم أحب إلى الله من عبادة ستين سنة صياماً وقياماً) قال السخاوي في "المقاصد" (ص: ٥٢٢) رقم (١٢٥١): ليس له سند يصح. وانظر "تحذير المسلمين" (٧١١). (٤) … (النظر إلى الوجه الجميل عبادة) قال ابن القيم: سُئل عنه شيخنا ابن تيمية فقال: كذب باطل على رسول الله ﷺ . "المنار المنيف" (ص: ٦٢) رقم (٩٩) و"المصنوع" (ص: ٢٠٢) رقم (٣٨٣).

стр. 702

التعليق: تبين لك أخي الكريم ضعف الأحاديث التي فيها أن النظر عبادة وأنه لم يثبت منها شيء، سواءٌ حديث النظر إلى المصحف، أو الكعبة أو العالم أو غير ذلك، فلا نتعبد الله إلا بما شرع لنا، والعبادة توقيفية قال الناظم: والأصل في الأشياء حلٌّ وامنع عبادة إلا بإذن الشارع لكن إذا كان النظر في المصحف نظر قراءة فهذه عبادة لاشك فيها. قال شيخنا ابن عثيمين (١) ﵀: ومن العجيب أن الذين قالوا ينظر إلى الكعبة، علل بعضهم ذلك بأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، فمن أين لنا أن النظر إلى الكعبة عبادة؟ لأن إثبات أي عبادة لا أصل لها من الشرع فهو بدعة.

стр. 703

(١٨٧) حديث: (النظرة سهم من سهام إبليس من تركها من أجل مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قبله) . (ضعيف) … رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٣) رقم (١٠٣٦٢) عن عبد الله ابن مسعود ﵁. وفي سنده: عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي. قال النووي: اتفقوا على تضعيفه. ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٩٢) والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٥٦) رقم (٧٩٥٦) عن حذيفة ﵁. وفي سنده: (١) عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. (٢) إسحاق بن عبد الواحد القرشى الموصلي. قال أبو على الحافظ: متروك الحديث. "ميزان الاعتدال" (١/ ١٩٥). وقد نصَّ على تضعيف هذا الحديث: (١) الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٦٣). (٢) المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٧٦٢).

стр. 704

(٣) الألباني في "الضعيفة" (١٠٦٥) و"الترغيب والترهيب" (١١٩٤). (٤) شيخنا الوادعي في "تعليقه على المستدرك" (٤/ ٤٥٦) رقم (٧٩٥٦). قلت: وقد جاءت جملة من الأحاديث تدعو إلى النظر إلى الوجه الحسن وإلى كل شيء حسن، كلها لا تصح، منها: (١) … (النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر، وإلى الوجه القبيح يورث القلح). والقلح: صفرة تعلو الأسنان؛ رواه أبو نعيم في "الحلية" بسند ضعيف. (٢) … (النظر إلى الوجه الحسن والخضرة والماء يحيي القلب ويجلي عن البصر الغشاوة) لا يصح. "الشذرة" (٢/ ٢٢٢). (٣) … (النظر إلى المرأة الحسناء والخضرة يزيدان في البصر). قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٢٧): خبر باطل. وقال الألباني في "الضعيفة" (١٣٣) و"ضعيف الجامع" (٥٩٩١): موضوع. (٤) … (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه) موضوع. "الضعيفة" (٢٨٥٥) و (٢٧٩٧) و"ضعيف الجامع" (٩٠٣، ٩٠٤). قال ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (ص: ٦٣، ١٢٥): وكل حديث فيه ذكر الحسان، والثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم، أو التماس الحوائج منهم، أو أن النار لا تمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى. وقال العقيلي: ليس في هذا الباب شيء يثبت عن النبي ﷺ .

стр. 705

قلت: للفائدة جاء في مسند البزار عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أبردتم إليَّ بريداً فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم) (١). التعليق: قلت: في الكتاب والسنة ما يغني عن هذا الحديث الضعيف، فقد أمر الله بغض البصر فقال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿النور: ٣٠﴾. وقال سبحانه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ﴿النور: ٣١﴾. وقال ﷺ : ( … وغضوا أبصاركم … ) (٢). وقال ابن مسعود ﵁: (الإثم حواز القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع) (٣). وقال ابن تيمية ﵀ (٤): إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر: الأولى: حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

стр. 706

الثانية: نور القلب والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ ﴿الحجر: ٧٢﴾. فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه. الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة. وقال ابن القيم ﵀ (١): والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظره تولد خَطْرة ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرداة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها والعبد ما دام ذا طرف يقلبه يسر مقلته ما ضر مهجته … ومعظم النار من مستصغر الشرر كمبلغ السهم بين القوس والوتر في أعين الغير موقوف على الخطر لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

стр. 707

ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه، وهذا من أعظم العذاب، أن ترى مالا صبر لك عنه ولا عن بعضه ولا قدرة لك عليه. قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ … لقلبك يوماً أتعبتك المناظر عليه ولا عن بعضه أنت صابر وهذا البيت يحتاج إلى شرح، ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر على شيء منه، فإن قوله: (لا كله أنت قادر عليه) نفي لقدرته على الكل، التي لا تنبغي إلا بنفي القدرة على كل واحد، وكم ممن أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلاً كما قيل: يا ناظراً ما أقعلت لحظاته … حتى تشحط بينهن قتيلاً ولي من الأبيات: ملَّ السلامة فاغتدت لحظاته ما زال يتبع إثره لحظاته … وقفاً على طلل يُظَنُّ جميلا حتى تشحط بينهن قتيلا ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر.

стр. 708

ولي من قصيدة: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً … أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له … احبس رسولك لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحاً، فيتبعها جرحاً على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها، ولي أيضاً في هذا المعنى: مازلت تتبع نظرة في نظرة … في إثر كل مليحة ومليح وتظن ذلك دواء جرحك وهو … في التحقيق تجريح على تجريح فذبحت نفسك باللحاظ وبالبكا … فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل: حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. اهـ.

стр. 709

(١٨٨) حديث: -زيادة لفظة- (ومسلمة) في حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) . (لا أصل لها) لقد اشتهرت هذه الزيادة (ومسلمة) على ألسِنة كثير من العلماء وطلاب العلم والعامة، يزيدونها في آخر الحديث الصحيح (طلب العلم فريضة على كل مسلم). وهذه الزيادة لا أصل كما نصّ على ذلك جمع من أهل العلم: (١) قال الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٢٨): قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث: (ومسلمة)، وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحاً. (٢) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٥٧): وقد ألحق بعض المحققين: (ومسلمة) بعد قوله: (ومسلم) وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كانت صحيحة المعنى. (٣) قال الصالحي في "الشذرة" (١/ ٣٧٩): وقد ألحق بعض المصنفين بآخر الحديث: (ومسلمة)، وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كانت صحيحة المعني. (٤) نقل الزبيدي في "شرح الإحياء" (١/ ٩٨) كلام السخاوي وأقره.

стр. 710

(٥) قال العلامة الألباني في "المشكاة" (١/ ٧٦): وأما زيادة: (ومسلمة) التي اشتهرت على الألسن فلا أصل لها البته. وكذا قال في تخريج "مشكلة الفقر" (ص: ٦٢)، وفي تعليقه على "حقوق النساء في الإسلام" (ص: ١٨). (٦) الحلبي في تعليقه على "جزء فيه طرق حديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (ص: ٧) تخريج الحافظ السيوطي. قلت: وأما حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) بدون زيادة (مسلمة) فقد رواه ابن عدي في "الكامل"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس ﵁، والطبراني في "الصغير"، والخطيب عن الحسين بن علي ﵄ والطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄، والطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود، والخطيب عن علي ﵁، والطبراني "الأوسط" والبيهقي في "الشعب" عن أبي سعيد ﵁. وحكم بثبوته جمع من العلماء من السلف والخلف، وممن حكم بثبوته من علمائنا المتأخرين. العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (٣٩١٣). شيخنا الوادعي في "المقترح" (ص: ٧) (١) -رحم الله الجميع-.

стр. 711

التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن زيادة لفظة: (ومسلمة) في الحديث ليس لها أصل، وأن الحديث الذي صح هو: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) بدون زيادة: (ومسلمة) وهذا الحديث يشمل المسلمات باتفاق علماء الإسلام وإن لم يرد فيه لفظ (ومسلمة) وأما متنه فصحيح بالإجماع (١). قال البيهقي في "المدخل" (٢) وهو يبين معنى حديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم): أراد، -والله أعلم- العلم الذي لا يسع البالغ العاقل جهله، أو علم ما يطرأ له خاصة، أو أراد أنه فريضة على كل مسلم حتى يقوم به من فيه الكفاية. ثم أخرج عن ابن المبارك أنه سئل عن تفسيره فقال: ليس هذا الذي تظنون إنما طلب العلم فريضة، أن يقع الرجل في شيء من أمر دينه فيسأل عنه حتى يعلمه. وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين-﵀: (حكم طلب العلم): طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به ما يكفي صار في حق الآخرين سنة، وقد يكون طلب العلم واجباً على الإنسان عيناً أي فرض عين، وضابطه

стр. 712

أن يتوقف عليه معرفة عباده يريد فعلها، أو معاملة يريد القيام بها، فإنه يجب عليه في الحال أن يعرف كيف يتعبد الله بهذه العبادة وكيف يقوم بهذه المعاملة، وما عدا ذلك من العلم ففرض كفاية، وينبغي لطالب العلم أن يشعر نفسه أنه قائم بفرض كفاية حال طلبه ليحصل له ثواب فاعل الفرض مع التحصيل العلمي، ولا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل هو من الجهاد في سبيل الله، ولاسيما في وقتنا هذا حين بدأت البدع تظهر في المجتمع الإسلامي وتنتشر وتكثر، وبدأ الجهل الكثير ممن يتطلع إلى الإفتاء بغير علم وبدأ الجدل من كثير من الناس، فهذه ثلاثة أمور كلها تحتم على الشباب أن يحرص على طلب العلم (١). اهـ. وقالت اللجنة الدائمة (٢): العلم الشرعي على قسمين: منه ما هو فرض على كل مسلم ومسلمة: وهو معرفة ما يصحح به الإنسان عقيدته وعبادته، وما لا يسعه جهله، كمعرفة التوحيد وضده الشرك، ومعرفة أصول الإيمان وأركان الإسلام، ومعرفة أحكام الصلاة وكيفية الوضوء والطهارة من الجنابة ونحو ذلك، وعلى هذا المعنى فسر الحديث المشهور (طلب العلم فريضة على كل مسلم). والقسم الآخر: فرض كفاية، وهو معرفة سائر أبواب العلم والدين، وتفصيلات المسائل وأدلتها، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن باقي الأمة.

стр. 713

(١٨٩) حديث: -زيادة لفظة- (ونستهديه) في خطبة الحاجة . (لا أصل لها) جاءت هذه الزيادة عند الإمام الشافعي في "الأم" (١/ ٣٤٦) كتاب الصلاة (باب الخطبة) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خطب يوماً فقال: (إن الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونستنصره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا). وفي سنده: • إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك، كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب". بل كذَّبه كبار الأئمة، مثل يحيى القطان، وابن معين، وابن المديني. • إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي مولاهم، متروك أيضاً كما قاله الحافظ في "التقريب". وقد حكم جمع من أهل العلم بعدم ثبوت هذه الزيادة، منهم: (١) العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٦٥٢٥) قال: منكر جداً بزيادة الاستهداء والاستنصار. وقال في "النصيحة" (٨٨): ولا يفوتني التنبيه على أن لفظ (نستهديه) زيادة لا أصل لها في

стр. 714

شيء من طرق الحديث، وهذه الزيادة (نستهديه) أسمعها كثيراً من بعض الخطباء المرموقين في بعض البلاد العربية، ولذلك لزم التنبيه عليها لأن الأذكار والأوراد توقيفية كما هو معلوم من السنة عند أهل السنة. وقال في "الصحيحة" أيضاً (٥/ ١) حاشية: سمعت غير واحد من الخطباء يزيد هنا (ونستهديه) ونحن في الوقت الذي نشكرهم فيه على إحيائهم هذه الخطبة في خطبهم ودورسهم نرى لزاماً علينا أن نذكر بأن هذه الزيادة لا أصل لها في شيء من طرق هذه الخطبة (خطبة الحاجة) (١). (٢) قال شيخنا الوادعي ﵀: هذه الزيادة لاتصح. (٣) قالت اللجنة الدائمة (٢٤/ ٢١٠ - ٢١١) فتوى رقم (١٨٥٧٦): هذه اللفظة (ونستهديه) لم تصح عن رسول الله ﷺ ، ولم تثبت في أحاديث خطبة الحاجة الذي ذكرها أئمة الحديث. (٤) سئل شيخنا ابن عثيمين في "مجموع الفتاوى" (١٦/ ٥٧) عن زيادة (ونستهديه) فقال: لم ترد في خطبة الحاجة. التعليق: قلت: وهاك نص خطبة الحاجه الثابتة عن رسول الله ﷺ : (إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا،

стр. 715

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ﷺ . ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ … ﴿آل عمران: ١٠٢﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ ﴿النساء: ١﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿الأحزاب: ٧٠ - ٧١﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) رواه مسلم والنسائي وغيرهما. من فوائد هذه الخطبة العظيمة: • هذه الخطبة وردت من حديث جابر ﵁ قال فيه: (إن النبي ﷺ يقول ذلك إذا خطب)، كما رواها مسلم والنسائي وغيرهما، وذلك يشمل الخطب كلها، وبصورة خاصة خطبة الجمعة، فقد جاء التنصيص عليها عند مسلم في رواية له، فعلى الخطباء أن يحيوا هذه السنة. ذكره الألباني ﵀.

стр. 716

• يستفاد من الخطبة عدم الاستعاذة عند قراءة الأيات أثنا الخطبة، أوالكلام أو المحاضرات، أو غيرها لأن الرسول ﷺ لم يستعذ عند قراءتها، والاستعاذة شرعت عند قراءة القرآن فقط. • قول الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فيه دليل على جواز السؤال بالله تعالى، وأما حديث (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) فضعيف، وعلى فرض صحته فهو محمول على الأمور الحقيرة. ذكره الألباني في "الضعيفة" (١/ ٣٩). • يجوز الاقتصار على جزء من أول الخطبة كما فعل الرسول ﷺ في إسلام الصحابي (ضماد)، هذه هي خطبة الحاجة التي كان الرسول ﷺ يعلم أصحابه أن يقولوها بين يدي كلامهم في أول أمور دينهم سواء كانت خطبة نكاح، أو جمعة، أو محاضرة. قلت: وللعلامة الألباني رسالة مطبوعة بعنوان: "خطبة الحاجة". أهمية خطبة الحاجة وتأثيرها على النفوس: عن ابن عباس ﵄ أن ضماداً قدم مكة، وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمد اً مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يشفي

стр. 717

على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : (إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد قال: فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعاد عليه ﷺ ثلاث مرات. قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر. قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال فبايعه فقال: ﷺ وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي. قال: فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد) رواه مسلم.

стр. 718

(١٩٠) حديث: (والذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب) . (موضوع) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" من طريق الحاكم عن عائشة ﵂ بلفظ: (سبحان من زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب). وفي سنده: الحسين بن داود بن معاذ البلخي، وضَّاع. وقد جاء الحديث من طرق أخرى كلها لا تصح. وقد نصَّ على بطلان هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) ابن عساكر. كما في "الميزان" (٥/ ٣٨٠). (٢) ابن حجر في "لسان الميزان" (٥/ ٣٨٠) رقم (٨٠٩٨). (٣) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٤٧). (٤) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٠). (٥) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٦٠٢٥). (٦) شيخنا الوادعي في "غارة الأشرطة" (١/ ١٣٦) قال: هذا الحديث بحثنا عنه عند أن كنا في أرض الحرمين ولم نقف له

стр. 719

على عين ولا أثر. وقد ذكره بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿الإسراء: ٧٠﴾ لكن أحداً منهم لم يسنده (١). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم عدم صحة هذا الحديث، لكن معناه صحيح، وقد مضى التعليق على حكم حلق اللحية أو تقصيرها تحت حديث: (كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها) بكلام نفيس، فانظره غير مأمور ولا مجبور. وأما الذوائب: فهي جمع ذؤابة وهي الشعر المضفور من شعر الرأس كما في "النهاية في غريب الأثر"، ومنه حديث أم سلمة: (إني امرأة أشد ضفر رأسي) أي تعمل شعرها ضفائر، وهي الذوائب المضفورة. ولا شك أن زينة المرأة وتمام جمالها في طول شعرها، فلا يجوز حلقه والعبث به لغير مصوغ شرعي. قال الشنقيطي ﵀ (٢): وحلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة، فمن بعدهم، فهو أمر معروف، لا يكاد يخالف فيه إلا مكابر، فالقائل: بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف،

стр. 720

وفي الحديث الصحيح: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه في حال النسك، فغيره من الأحوال أولى. وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهاً بالرجال فهو واضح، ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال، لأن الحلق من صفاتهم الخاصة بهم دون الإناث عادة. وأما كون حلق رأس المرأة مُثلة فواضح، لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس السليم، وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم، وكلامهم مطبقون على أن شَعر المرأة الأسود من أحسن زينتها لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام … ثم قال ﵀: وبه تعلم أن العرف الذي صار جارياً في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية، مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين ونساء العرب قبل الإسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق، والسمت وغير ذلك. وأما ما ثبت في صحيح مسلم: (أن أزواج النبي ﷺ ، كنَّ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة (١) … ).

стр. 721

الجواب: إن أزواج النبي ﷺ إنما قصَّرن رؤوسهن بعد وفاته ﷺ ، لأنهنَّ كنَّ يتجملنَّ له في حياته، ومن أجمل زينتهنَّ شعرهنَّ، أما بعد وفاته ﷺ ، فلهنَّ حكم خاص بهنَّ لا تشاركهنَّ فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهنَّ انقطاعاً كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه ﷺ إلى الموت. قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ ﴿الأحزاب: ٥٣﴾ واليأس من الرجال بالكلية، قد يكون سبباً للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب. ويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا: الأول: الإجماع على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في الحج. قال النووي في "شرح المهذب"، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا حلق على النساء في الحج، وإنما عليهن التقصير، ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة. الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق. الثالث: أنه ليس من عملنا، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام. الخامس: أنه مُثلة والمثلة لا تجوز. (والمثلة: هي التشويه، يُقال: مَثَّل بالقتيل أي: شوه به).

стр. 722

(١٩١) حديث: (ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره) . (ضعيف) … رواه أحمد (١١٧١٢)، والترمذي (٣٣٨٩)، وابن حبان (٧٤٦٧)، والبغوي في "شرح السنة" (٧/ ٥٦١)، و"التفسير" (١/ ١١٥)، والحاكم (٢/ ٥٩٦) رقم (٣٩٣٠) عن أبي سعيد ﵁. وفي سنده: درَّاج بن سمعان، وهو ذو مناكير، وفي روايته عن أبي الهيثم ضعف. "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٨٦). وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من العلماء، منهم: (١) ابن كثير في "تفسيره" (١/ ١٦٦) قال بعد إيراد الحديث: وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوع منكر. (٢) شيخنا الوادعي في "تعليقه على المستدرك" (٢/ ٥٩٦) رقم (٣٩٣٠)، وفي تحقيق "تفسير ابن كثير" (١/ ٢٢٠) قال: ضعيف، من أجل درَّاج أبي السمح فهو ذو مناكير وفي روايته عن أبي الهيثم ضعف. (٣) العلامة الألباني في "ضعيف سنن الترمذي" (٦١٧) (١).

стр. 723

(٤) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "مسند أحمد" (١١٧١٢)، وتحقيق "صحيح ابن حبان" (١٦/ ٥٠٨). التعليق: قلت: تبين لك ضعف هذا الحديث، وعليه فلا يصح أن نقول: ويل واد في جهنم، لأن هذا من علم الغيب يحتاج إلى دليل. وأما كلمة (ويل) فقد اختلف العلماء في معناها. قال ابن الملقن (١): (ويلٌ) حكى فيها القاضي عياض ستة أقوال: أحدها: أنها لمن وقع في الهلاك. ثانيها: لمن استحقه. ثالثها: أنها الهلاك نفسه. رابعها: مشقة العذاب. خامسها: الحزن. سادسها: وادٍ في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت منه من حره. قال البغوي: وتكون تفجعاً وتكون تعجباً، منه قوله ﷺ : (ويله مسعر حرب). اهـ.

стр. 724

والخلاصة: أن كلمة (ويل) تأتي للتهديد، والتخويف على القول الصحيح، ومنه قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ ﴿الطُّور: ١١﴾. وقوله ﷺ : (ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب). وقوله ﷺ : (ويلٌ للأعقاب من النار). وقوله ﷺ : (ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له) وغيرها من الأدلة.

стр. 725

(١٩٢) حديث: (الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر) . (ضعيف) … رواه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤٢٠) رقم (٥٥٣٣)، والبيهقي في "الشعب" (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧) رقم (٤٩٩٢ - ٤٩٩٣) عن أبي ذر ﵁. والحديث فيه ثلاث علل: (١) شريك وهو ابن عبد الله القاضي: سيئ الحفظ. قال الحافظ: صدوق يخطئ تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. (٢) معفس بن عمران بن حطان: مجهول الحال. (٣) أبو السنية: مجهول. … "الضعيفة" (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤). وقد ضعَّف هذا الحديث: (١) الذهبي ﵀ في "تلخيص المستدرك" قال: لا يصح ولا صححه الحاكم. … "المستدرك" (٣/ ٤٢٠). (٢) الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٨٥٣) و (٢٤٢٢) و"ضعيف الجامع" (٦١٥١).

стр. 726

(٣) شيخنا الوادعي ﵀ في "تعليقه على المستدرك" (٣/ ٤٢٠) رقم (٥٥٣٣). والحديث ذكره: التبريزي في "المشكاة" (٤٨٦٤) والسيوطي في "الدرر المنتثرة" (٤٣٣)، والسخاوي في "المقاصد" (١٢٦١)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨٦)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٤٤٥)، والصالحي في "الشذرة" (١٠٩٣)، والصعدي في "النوافح العطرة " (٢٤٩٠). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم ضعف هذا الحديث لكن معناه صحيح، (فالوحدة خير من جليس السوء)، لما في الوحدة من السلامة، وهي رأس المال، وقد قيل: لا يعدل بالسلامة شئ، وجليس السوء يبدي سوءه، والنفس أمارة بالسوء، فإن ملت إليه شاركك، وإن كففت عنه نفسك شغلك. وترجم البخاري بقوله: (العزلة راحة من خلاط السوء)، وذكر حديث أبي سعيد ﵁ رفعه: (ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره). قال الشاعر: أنست بوحدتي ولزمت بيتي … فدام الأنس لي ونمى السرور وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بسائل ما دمت يوماً … أسار الجيش أم قدم الأمير

стр. 727

(والجليس الصالح خير من الوحدة) فقد ثبت في "صحيح البخاري" وغيره أن النبي ﷺ قال: (لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده). فإن مجالسة الصالحين غنيمة وربح، وفيه حث على إيثار الوحدة إذا تعذرت صحبة الصالحين. (وإملاء الخير) على الملك الذي يكتب الحسنات من أفعالك وأقوالك (خير من السكوت) وفي أثر أنت في سلامة ما سكت، فإذا نطقت فإما لك أو عليك، بل قد يجب الإملاء ويحرم السكوت، وأمثلته لا تخفى. (والسكوت خير من إملاء الشر) وفائدة الحديث أنه متى لم يتهيأ لك الخير فأمسك عن الشر تظفر بالسلامة. مسألة: هل العزلة خير أم مخالطة الناس؟ ذكر الخطابي ﵀ في كتاب "العزلة": أن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلقاتهما، فتحمل الأدلة في الحض على الاجتماع على ما يتعلق بطاعة الأئمة وأمور الدين وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان فمن عرف الاكتفاء بنفسه في حق معاشه ومحافظة دينه فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس، بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام والرد، وحقوق المسلمين من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة لما في ذلك من شغل البال وتضييع الوقت عن المهمات،

стр. 728

ويجعل الاجتماع بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيقتصر منه على مالا بد منه، فهو أريح للبدن والقلب والله أعلم. وقال القشيري في "الرسالة": طريق من آثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس من شره لا العكس. فإن الأول: ينتجه استصغار نفسه وهي صفة التواضع. والثاني: شهوده مزية له على غيره وهذه صفة المتكبر. وقال الحافظ (١) ﵀: وقد اختلف السلف في أصل العزلة. فقال الجمهور: الاختلاط أولى، لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين. وقال النووي ﵀: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة؟ من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عيناً وإما كفاية، بحسب الحال والإمكان. وممن يترجح؟ من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وممن يستوي؟ من

стр. 729

يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفنتة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ ﴿الأنفال: ٢٥﴾ قلت: وقد ورد في الباب حديث: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) (١). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: هل الأفضل للسالك العزلة أم الخلطة؟ فأجاب: هذه المسألة وإن كان الناس يتنازعون فيها إما نزاعاً كلياً وإما نزاعاً حالياً، فحقيقة الأمر أن الخلطة تارة تكون واجبة أومستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأموراً بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة، وجماع ذلك أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهي عنها، فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك هو مما أمر الله به ورسوله ﷺ .

стр. 730

وكذلك الاختلاط بهم في الحج وفي غزو الكفار والخوراج المارقين، وإن كان أئمة ذلك فجاراً، وإن كان في تلك الجماعات فجار، وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيماناً، إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له ونحو ذلك. ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه، في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره، فهذا يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه، إما في بيته كما قال طاووس: نعم صومعة الرجل بيته، يكف فيها بصره ولسانه، وإما في غير بيته. فاختيار المخالطة مطلقاً خطأ، واختيار الانفراد مطلقاً خطأ، وأما مقدار ما يحتاج إليه الإنسان من هذا وهذا، وما هو الأصلح له في كل حال فهذا يحتاج إلى نظر خاص كما تقدم. اهـ. فائدة: قال الشيخ بكر أبو زيد (١) ﵀: ومن لطيف ما يقيد قول بعضهم: والعزلة من غير (عين) العلم (زلة)، ومن غير (زاي) الزهد (علة).

стр. 731

(١٩٣) حديث: (الولد سر أبيه) . (لا أصل له) … هذ الحديث على شهرته في أوساط الناس إلا أنه لا أصل له كما قال ذلك: (١) السخاوي في "المقاصد" (ص: ٥٣٠) رقم (١٢٦٨). (٢) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٨٦) رقم (٤٣٤). (٣) الزركشي في "التذكرة" (٢١١). (٤) الصاغاني في "الموضوعات" (٩). (٥) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨٧). (٦) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٤٥١) رقم (٢٩١١). (٧) الفتني في تذكرة "الموضوعات" (ص: ١٣٠). (٨) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢٥٣) رقم (٥٩٦). (٩) القاري في "الأسرار المرفوعة" (٣٦٢). (١٠) القاوقجي في "اللؤلؤ المرصوع" (٢١٦). (١١) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ٢٣٦) رقم (١٠٩٩). (١٢) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٣١٤) رقم (١٦٥٨). (١٣) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٤٤٢) رقم (٢٥٠٣).

стр. 732

(١٤) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٨٤) رقم (٧٣٦). (١٥) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٢٨). (١٦) الألباني في "الضعيفة" (١/ ١٢٥) رقم (٤٨). التعليق: قال السخاوي (١) ﵀: إن الولد يتعلم من أبيه ويسرق من طباعه، بل قد يصحب المرء رجلاً فيسرق من طباعه في الخير والشر. وقال العلامة الألباني (٢) ﵀: ومعناه ليس مطرداً، ففي الأنبياء من كان أبوه مشركاً عاصياً، مثل آزر والد إبراهيم ﵇، وفيهم من كان ابنه مشركاً، مثل ابن نوح ﵇.

стр. 733

(١٩٤) حديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) . (ضعيف) … رواه أبو داود (٢٣٢) عن عائشة ﵂. وفي سنده: جسرة بنت دجاجة. قال البخاري في "التاريخ": عندها عجائب. وقد أشار الحافظ في "التقريب" (٨٦٤٩): إلى تليين جسرة هذه. قلت: وقد ضعَّف هذا الحديث جماعة من أهل الحديث من المتقدمين والمتأخرين، منهم: (١) الإمام أحمد، كما نقل عنه البغوي في "شرح السنة" (١/ ٣٦٣). (٢) البيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٦٢٠ - ٦٢٢) رقم (٤٣٢٣). (٣) ابن حزم في "المحلى" (٢/ ١٨٤ - ١٨٦) قال عنه: باطل. (٤) عبد الحق الإشبيلي، كما نقل عنه الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٩٤). (٥) الخطابي، قال: وقد ضعَّف هذا الحديث جماعة. "نصب الراية" (١/ ١٩٤) و"تفسير ابن كثير" (١/ ٦٦٧). (٦) ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٦٦٧).

стр. 734

(٧) العلامة الألباني (١) في "ضعيف سنن أبي داود" (الأصل) رقم (٣٢) و"الإرواء" (١٢٤) و (١٩٣). قال: وللحديث شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمه لأن في أحدهما متروكاً والآخر كذَّاباً. (٨) شيخنا الوادعي في تعليقه على "تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٧٢). (٩) العدوي في "جامع أحكام النساء" (١/ ١٩٦ - ١٩٨). التعليق: قلت: لقد اختلف العلماء سلفاً وخلفاً في مسألة دخول الحائض المسجد، وسوف نورد بعض أدلة المبيحين لها بدخول المسجد ثم نعقب بذكر القائلين بعدم جواز ذلك من باب الفائدة: أولاً: من قال بجواز دخول الحائض المسجد: قال الشوكاني (٢) ﵀: وقد ذهب إلى جواز دخول الحائض المسجد إذا أمنت من توسيخ المسجد: زيد بن ثابت ﵁، وحكاه الخطابي عن مالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر وابن المنذر والمزني رحم الله الجميع (٣).

стр. 735

وقال به من المتأخرين: الألباني (١)، وشيخنا الوادعي (٢) -رحمهما الله-. أدلة القائلين بإباحة دخول الحائض المسجد: (١) البراءة الأصلية: ومعناها هنا أنه لم يرد نهي ينهانا عن دخول المسجد، وقد قال ﷺ : (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل). (٢) مبيت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يرد عنه أنه ﷺ أمرها وقت حيضتها أن تعتزل المسجد. رواه البخاري. (٣) قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) قالوا: إنما منعت من الطواف لأن الطواف بالبيت صلاة، فمنعت من الطواف فقط ولم يمنعها ﷺ من دخول المسجد، ولما جاز للحجيج أن يدخلوا المسجد جاز لها أن تدخل المسجد. (٤) قول النبي ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس) متفق عليه. (٥) مبيت أهل الصفة في المسجد ومنهم من يحتلم وهو نائم. (٦) مبيت المعتكفين والمعتكفات في المسجد، ومن المعتكفين من يحتلم فيجنب، ومن المعتكفات من تحيض.

стр. 736

(٧) قول النبي ﷺ لعائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد قالت: إني حائض فقال: (إن حيضتك ليست في يدك). ثانياً: من قال بعدم جواز دخول الحائض المسجد: وهم الجمهور وبقولهم أفتت اللجنة الدائمة (١)، وابن عثيمين (٢) -رحم الله الجميع-. واستدلوا: بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ﴿النساء: ٤٣﴾. فقالوا المراد بالصلاة هنا مواضع الصلاة، وقد منع منها الجنب إلا في حالة كونه عابر سبيل، وقاسوا الحائض على الجنب وهو بعيد والله أعلم، لأن الجنب بيده أن يتطهر، ففي الآية حث له على الإسرع في التطهر، أما الحائض فلا تملك أمرها. واستدلوا كذلك: بقوله ﷺ لما أمر النساء بالخروج إلى المصلى فقال: (ويعتزل الحيض المصلى). فأجاب أصحاب القول الأول بقولهم: أن المراد بالمصلى هنا الصلاة نفسها، وإلا لماذا أمرهم النبي ﷺ بالخروج إلى المصلى.

стр. 737

وقالوا أمر بإخراجهم من الصفوف حتى لا يقطعن الصفوف. واستدلوا كذلك: أن النبي ﷺ كان يدني رأسه لعائشة ﵂ وهو في المسجد وهي خارجه حتى ترجله وهي حائض. والجواب: قد يكون في المسجد رجال لم يحب النبي ﷺ أن يطلع الرجال على حرمه. واستدلوا كذلك: بالأوامر الواردة في تنظيف المسجد من القاذورات. ورد العلماء على هذا بقولهم: هذا ليس نصاً في المنع إنما هو في تنظيفها من القاذورات فإذا أمنت الحائض من توسيخ المسجد فلا بأس بجلوسها فيه. واستدلوا كذلك: بقوله ﷺ : (لا أحل المسجد لحائضٍ ولا جنب) ولكنه ضعيف كما تبين لك.

стр. 738

(١٩٥) حديث: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك) - وفي رواية (بأخيك) -. (ضعيف) … رواه الترمذي (٢٦٢١)، والبيهقي في "الشعب" (٥/ ٣١٥) رقم (٦٧٧٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٥٣) رقم (١٢٧) و"الأوسط" (٤/ ٤٤٥) رقم (٣٧٥١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" مع "فتح الوهاب" رقم (٥٨٤)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٣/ ٣٤٠) رقم (٥٦٠)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٢٨) رقم (١٧٥٥) عن واثلة بن الأسقع ﵁. قال ابن الجوزي في "الموضوعات": هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ في إسناده: عمر بن إسماعيل: لا يعد. قال يحيى: ليس بشيء، كذَّاب، رجل سوء خبيث. وقال الدارقطني: متروك. وقد رواه أبو حاتم بن حبان من حديث القاسم بن أمية الحذاء عن حفص بن غياث، وقال: لا يجوز الاحتجاج بالقاسم. قال: وهذا لا أصل له من حديث رسول الله ﷺ .

стр. 739

قال المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٥٣٣) بعد إيراده لكلام ابن الجوزي … وهذا مما انتقده القزويني على المصابيح وزعم وضعه كابن الجوزي ونازعهما العلائي. -أي في حكمهما على الحديث بالوضع- وقد حكم بعدم ثبوت هذا الحديث جمع من العلماء، منهم: (١) أبو حاتم في "المجروحين" (٢/ ٢١٣). (٢) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٢٨) رقم (١٧٥٥). (٣) الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٣٣٩) رقم (٩٢١). (٤) الصاغاني. كما نقل عنه الفتني. (٥) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٦٩). (٦) السيوطي في "اللآلئ " (٢/ ٣٥٦)، و"الجامع الصغير". (٧) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢١٧). (٨) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٤٠) رقم (١٧٩). (٩) المعلمي في تعليقه على "الفوائد" (ص: ٢٤٠). (١٠) الألباني في "الضعيفة" (٥٤٢٦) (١). والحديث ذكره: النووي في "الأذكار" (ص: ٤٣٣) والسخاوي في "المقاصد" (ص: ٥٤١)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٩١)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٤٧٩).

стр. 740

قلت: وقد جاء حديث آخر بمعناه وهو: (من عيَّر أخاه بذنب، لم يمت حتى يعمله) رواه الترمذي (٢٥٠٥) والبيهقي في "الشعب" (٥/ ٣١٥) عن معاذ بن جبل ﵁. وهو موضوع (١). التعليق: قال الشيخ البسام ﵀ (٢): الإسلام جاء بالتحذير من عيب الإنسان أخاه المبتلى بذنب من الذنوب، أو عيب من العيوب، فإنه لم يعب أحداً بعينه إلا لما يجد في نفسه من العجب بسلامته من ذلك العيب، والعجب ناشيء من نفسه لأنه يرى أن عصمته من العيب جاءته من قوته وإرادته، لا من الله تعالى الذي صرف عنه السوء. وهذا دليل على تحريم الشماتة بالناس ووجوب الغفلة عن عيوبهم اشتغالاً بعيب نفسه، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. وقد جاءت النصوص التي تنهى عن هذا الخلق الرذيل قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ ﴿النور: ١٩﴾. فإن إظهار الشماتة ليس من خلق المسلم الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن خلق المسلمين أن يتألم بعضهم لبعض، ويفرح بعضهم لفرح الآخر. اهـ.
следующие страницы →