← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقال العلامة بكر أبو زيد (١) ﵀: لكن يشهد لعموم النهي حديث أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله هجراً) رواه الطبراني. قال العراقي: إسناده حسن (٢). ثم قال-﵀: وحاصل السؤال بوجه الله يتلخص في أربعة أوجه: • سؤال الله بوجهه أمراً دينياً أو أخروياً وهذا صحيح. • سؤال الله بوجهه أمراً دنيوياً وهذا غير جائز. • سؤال غير الله بوجه الله أمراً دنيوياً وهذا غير جائز. • سؤال غير الله بوجه الله أمر دينياً. والموضوع يحتاج إلى زيادة تحرير. اهـ.

стр. 772

(٢٠٤) حديث: (لا يشغل قارئكم مصليكم) . (لا يصح بهذا اللفظ) لقد اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، وعُلِّق على جدران المساجد على أنه من كلام رسول الله ﷺ ، وليس كذلك. وقد جاء بألفاظ أخرى مثل: حديث: (لا يشوش قارئكم على مصليكم). قال العجلوني في "كشف الخفاء" (٣١٤٩): قال النجم: لا يعرف بهذا اللفظ. وهكذا قال العامري في "الجد الحثيث" (٦٢٢). ومثل حديث: (ما أنصف القارئ المصلي) لا يُعرف كما قال ذلك: (١) الحافظ ابن حجر. كما نقل عنه السخاوي. (٢) السخاوي في "المقاصد" (ص: ٤٢٥) رقم (٩٣٧). (٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٤٢). (٤) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢٦٠) رقم (٦٢٢). (٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢١٨١). (٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (١٢٤٠). (٧) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٨١).

стр. 773

(٨) السيوطي في "تنوير الحوالك" قال: وكثيراً ما يسأل في هذا المعنى عما اشتهر على الألسنة (ما أنصف القارئ المصلي) ولا أصل له. (٩) العلامة الألباني في إصلاح المساجد (ص: ٢٦٤) حاشية، قال: لا أصل له بهذا اللفظ. التعليق: قلت: ويُغني عن هذه الأحاديث التي لا تصح حديث: (لا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة) (١)، فرفع الصوت بالقرآن إذا شوش على المصلين فإنه لا يجوز، وفي فتاوى الإمام تاج الدين الفزاري الدمشقي الشافعي: مسألة: جماعة يقرأون القرآن بأصوات مرتفعة بحيث يشوشون على الناس هل يجوز لهم ذلك أم لا؟ أجاب تاج الدين: الأولى أن لا يفعل ذلك والأولى المنع منه. وأجاب الشخ زين الدين الزواوي المالكي: لا يحل ذلك وعلى ولي الأمر المنع من ذلك، وعن مالك يخرج من المسجد من يفعل ذلك. وأجاب الشيخ شمس الدين القاضي الحنبلي قريباً من ذلك. وأجاب القاضي الحنفي كذلك.

стр. 774

وفي فتاوى الإمام ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان: مسألة: في مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية، ثم على باب المسجد شهود يكثرون الكلام، ويقع التشويش على القراء فهل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب: ليس لأحد أن يؤذي أهل المسجد أهل الصلاة، أو القراءة، أو الذكر، أوالدعاء ونحو ذلك مما بنيت المساجد له، فليس لأحد أن يفعل في المسجد ولا على بابه قريباً منه ما يشوش على هؤلاء، بل قد خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: (أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة) فإذا كان قد نهى المصلي أن يجهر على المصلي فكيف بغيره، ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك والله أعلم (١).

стр. 775

(٢٠٥) حديث: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن) . (ضعيف) … رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٩)، والدارقطني في "سننه" (١/ ١١٧)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٨٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٩٠)، وابن الجوزي في "التحقيق في أحاديث الخلاف" عن عبد الله بن عمر ﵄. وفي سنده: إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي. يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، وهذا الحديث منها. "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٩٠ - ٢٩٣). وقد نصَّ على ضعف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) الإمام أحمد. قال: باطل. "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٩٣). (٢) الإمام البخاري كما نقل عنه الترمذي والبيهقي. (٣) الإمام الترمذي في "جامعه" (١٣١). (٤) الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٩) و"معرفة السنن والآثار" (٢١٧).

стр. 776

(٥) ابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٨٣). (٦) شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٦٠) قال: هذا الحديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة. (٧) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ١٣٨) رقم (١٨٣). (٨) الإمام النووي في "المجموع" (٢/ ١٧٧). (٩) العلامة الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ٢٨٤) رقم (٢٩٩). (١٠) العلامة الألباني في "المشكاة" (٤٦١) (١). (١١) العلامة ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات" (٤/ ٣٨٤). التعليق: مسألة: مس القرآن وقراءته للجنب والحائض من المسائل التي اشتهر فيها الخلاف قديماً وحديثاً. وقد لخص هذه المسألة (٢) شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ حيث قال: لا يجوز مس القرآن على غير وضوء عند جمهور أهل العلم، وهو الذي عليه الأئمة الأربعة، وهو الذي كان يفتي به أصحاب النبي ﷺ ،

стр. 777

وقد ورد في ذلك حديث صحيح لا بأس به من حديث عمرو ابن حزم ﵁ عن النبي ﷺ كتب به إلى أهل اليمن: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) (١) وهو حديث جيد له طرق يشد بعضها بعضاً، وبذلك يُعلم أنه لا يجوز مس القرآن إلا على طهارة من الحَدَثَين الأكبر والأصغر، وهكذا نقله من مكان إلى مكان إذا كان الناقل على غير طهارة، لكن إذا كان مسه أو نقله بواسطة كأن يأخذه في لفافة أو في جربة أو بعلاقته فلا بأس، أما أن يمسه مباشرة وهو على غير طهارة فلا يجوز على الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم لما تقدم. وأما القراءة فلا بأس أن يقرأ وهو محدث عن ظهر قلب، أو يقرأ ويمسك له القرآن من يرد عليه ويفتح عليه فلا بأس بذلك. لكن الجنب صاحب الحدث الأكبر لا يقرأ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه خرج من الغائط وقرأ شيئاً من القرأن وقال: (هذا لمن ليس بجنب أما الجنب فلا ولا آية) والمقصود أن ذا الجنابة لا يقرأ لا من المصحف ولا عن ظهر قلب حتى يغتسل. وأما المحدث حدثاً أصغر وليس بجنب فله أن يقرأ عن ظهر قلب ولا يمس المصحف (٢).

стр. 778

وهنا مسألة تتعلق بهذا الأمر وهي مسألة الحائض والنفساء، هل تقرآن القرآن أم لا تقرآن؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا تقرآن وألحقهما بالجنب. والقول الثاني: أنهما تقرآن عن ظهر قلب دون مس المصحف لأن مدة الحيض والنفاس تطول وليستا كالجنب، لأن الجنب يستطيع أن يغتسل في الحال ويقرأ، أما الحائض والنفساء فلا تستطيعان ذلك إلا بعد طهرهما فلا يصح قياسهما على الجنب لما تقدم. فالصواب: أنه لا مانع من قراءتهما عن ظهر قلب، هذا هو الأرجح لأنه ليس في الأدلة ما يمنع ذلك، بل فيها ما يدل على ذلك، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة رضي لله عنها لما حاضت: … (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) والحاج يقرأ القرآن، ولم يستثنه النبي ﷺ ، فدل ذلك على جواز القراءة لها، وهكذا قال لأسماء بنت عميس لما ولدت محمد بن أبي بكر في الميقات في حجة الوادع، فهذا يدل على أن الحائض والنفساء لهما قراءة القرآن لكن من غير مس المصحف. قلت: والخلاصة أن مسألة قراءة القرآن للحائض والنفساء فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: (١) يجوز لهما قراءة القرآن مطلقاً بلا حاجة. (٢) يجوز لهما قراءة القرآن للحاجة.

стр. 779

(٣) يحرم عليهما قراءته مطلقاً ولو كان لحاجة (١). والراجح والعلم عند الله: أنه يجوز لهما قراءة القرآن بدون مس المصحف على الصحيح، وهو قول الإمام مالك، ونقل ابن حجر (٢) الجواز عن الطبري وابن المنذر وداود، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٣)، ومن علمائنا المعاصرين العلامة ابن باز (٤) وشيخنا ابن عثيمين (٥)، وقال العلامة الألباني وشيخنا الوادعي: بجواز قراءة القرآن ومسه للحائض (٦). فائدة: شدد العلماء في حكم الجنب أكثر من الحائض والنفساء، وذلك لأن أمر الجنب بيده، يستطيع أن يغتسل فيرفع الجنابة عن نفسه، بعكس الحائض والنفساء فإن أمرهما ليس بأيديهما. وجوز ابن المسيب وعكرمة للجنب قراءة القرآن، ويروى ذلك عن ابن عباس ﵄. فائدة: أما المستحاضة فتمس القرآن وتقرأه بالإجماع كما نقله ابن جرير الطبري ﵀.

стр. 780

(٢٠٦) حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) . (ضعيف) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (ص: ١٢) رقم (١٥)، والبغوي في "شرح السنة" (١/ ١٨٥) رقم (١٠٤) عن عبد الله بن عمرو ﵄. وفي سنده: نعيم بن حماد الخزاعي ضعيف. وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من العلماء، منهم: (١) الحافظ ابن رجب الحنبلي-﵀ في "جامع العلوم والحكم" (ص: ٣٨٦ - ٣٨٧) حيث قال: تصحيح هذا الحديث بعيد جداً من وجوه، منها: أنه ينفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة وخرَّج له البخاري فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن لصلابته في السنة وتشدده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنه يتهم ويشبه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثورهم على مناكيره حكموا عليه بالضعف، فروى صالح بن محمد عن ابن معين أنه سأل عنه فقال: ليس بشيء إنما هو صاحب سنة. قال صالح: وكان يحدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتبع عليها. وقال أبو داود:

стр. 781

عند نعيم نحو من عشرين حديثاً عن النبي ﷺ ليس لها أصل. وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بثقة، وقال مرة: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة فصار في حدِّ من لا يحتج به. وقال أبو زرعة الدمشقي: يصل أحاديث يوقفها الناس، يعني يرفع الموقوفات. وقال أبو عروبة الخوافي: هو مظلم الأمر. وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات، ونسبه بعضهم إلى أنه يضع الحديث، وأين كان أصحاب عبد الوهاب الثقفي وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث، حتى ينفرد به نعيم بن حماد. ومنها: أنه قد اختلف على نعيم في إسناده. ومنها: أن في إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري، ويقال: فيه يعقوب بن أوس أيضاً، وقد خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه حديثاً عن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد الله بن عمر وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي وابن سعد وابن حبان. وقال ابن خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته. وقال ابن عبد البر: هو مجهول. وقال الغلابي في تاريخه: يزعمون أنه لم يسمع من عبد الله بن عمرو وإنما يقول: قال عبد الله بن عمر فعلى هذا تكون رواياته عن عبد الله ابن عمرو منقطعة والله أعلم. (٢) شيخنا الوادعي-﵀ في "المقترح" (ص: ١٠) وفي تعليقه على "تفسير ابن كثير" (٢/ ٤١٩) قال: وما أكثر ما قد حدثنا بهذا

стр. 782

الحديث، يقول الحافظ ابن رجب هو من طريق نعيم بن حماد وهو ضعيف هذه العلة الأولى. الثانية: أنه اختلف على نعيم بن حماد في شيخه. الثالثة: أنه لا يدرى أسمع التابعي وهو عقبة بن أوس السدوسي من الصحابي أم لم يسمع. (٣) العلامة الألباني-﵀ في "المشكاة" (١/ ٥٩) و"شرح السنة" (ص: ١٢) رقم (١٥). (٤) شيخنا العلامة ابن عثيمين-﵀ في "شرح الأربعين النووية" (ص: ٣٩٤ - ٣٩٥) و"مجموع الفتاوى" (١٦/ ٥٧). (٥) سليم الهلالي في "إيقاظ الهمم" (٥٥٢). التعليق: قال شيخنا ابن عثيمين (١) ﵀: وهذا الحديث في الحقيقة من حيث المعنى صحيح؛ لأن هوى الإنسان إذا لم يكن تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ فإيمانه ناقص بلا شك. وإليك أخي الكريم هذا الكلام المتين من "روضة المحبين" لابن القيم إمام الواعظين، حيث قال-﵀: والهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح، فالهوى مستحث لها لما يريده، كما أن

стр. 783

الغضب دافع عنه ما يؤذيه، فلا ينبغي ذم الهوى مطلقاً ولا مدحه مطلقاً، كما أن الغضب لا يذم مطلقاً ولا يحمد مطلقاً، وإنما يذم المفرط من النوعين، وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار، ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر، لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده، كما أنه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه، بل لا بد من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه، فحرص الناصح على تعديل قوى الشهوة والغضب من كل وجه، وهذا أمر يتعذر وجوده إلا في حق أفراد من العالم، فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه، وكذلك في السنة لم يجئ إلا مذموماً، إلا ما جاء منه مقيداً كقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). وقد قيل: الهوى كمين لا يُؤمن. قال الشعبي: وسمي هوى لأنه يهوي بصاحبه، ومطلقه يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في العاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلاً، وإن كانت سبباً لأعظم الآلام عاجلاً وآجلاً، فللدنيا عاقبة قبل عاقبة الآخرة، والهوى يعمي صاحبه من ملاحظتها، والمروءة والدين والعقل ينهى عن لذة تعقب ألماً، وشهوة تورث ندماً، فكل منهما يقول للنفس إذا أرادت ذلك لا تفعلي، والطاعة لمن غلب، ألا ترى أن الطفل يؤثر ما يهوى وإن أدى به إلى التلف لضعف ناهي العقل عنده، ومن لا دين له يؤثر ما يهواه وإن أدى إلى هلاكه في الآخرة لضعف ناهي الدين، ومن لا مروءة له يؤثر ما يهواه، وإن ثلم

стр. 784

مروءته أو عدمها لضعف ناهي المروءة، فأين هذا من قول الشافعي رحمه الله تعالى: لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته، ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم، وكان كل وقت تحدث عليه حوادث جعل فيه حاكمان، حاكم العقل وحاكم الدين، وأمر أن يرفع حوادث الهوى دائماً إلى هذين الحاكمين، وأن ينقاد لحكمهما، وينبغي أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليتمرن بذلك على ترك ما تؤذي عواقبه، وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادراً في الأحيان، غير أن العادة مقتضية ذلك، فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما تطالبه به العادة، ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقي من حيث قدَّر السعادة، واغتم من حيث ظن الفرح، وألم من حيث أراد اللذة، فهو كالطائر المخدوع بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه. ثم ذكر ﵀ خمسين وجهاً، لمن أراد التخلص من الهوى (١).

стр. 785

(٢٠٧) حديث: (يا أبا أمامة مالى أراك جالساً في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله) . (ضعيف) أخرجه أبو داود (١٥٥٥) عن أبي سعيد ﵁. قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة. فقال: يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله همك وقضى دينك؟ قال قلت: بلى يا رسول الله. قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال) (١). قال: قلت ذلك فأذهب الله همي، وقضى عني ديني.

стр. 786

وفي سنده: غسَّان بن عوف المازني البصري. ضعَّفه: الساجي والأزدي. وقال العقيلي: لا يتابع على كثير من حديثه. وقال الحافظ: لين الحديث. "تهذيب التهذيب" (٨/ ٢١٤) و"التقريب" (٥٣٩٣). وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) أبو داود في رواية الآجري عنه حيث قال: سألت أبا داود عن غسَّان بن عوف الذي يحدث بحديث الدعاء فقال شيخ بصري وهذا حديث غريب. "تهذيب التهذيب" (٨/ ٢١٤). (٢) المنذري، قال: في إسناده غسَّان بن عوف وهو بصري ضعيف كما نقل عنه صاحب "عون المعبود" (٤/ ٢٨٩). (٣) الحافظ ابن حجر، قال: حديث غريب أخرجه أبو داود في "السنن" وسكت عنه (١). (٤) العلامة الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (٣٣٣) (٢).

стр. 787

التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث بهذه القصة لا يصح، لكن هناك جملة من الأدعية النبوية الصحيحة يقولها من لزمته الهموم والغموم والديون فيذهب الله عنه همه وغمَّه ودينه بإذن الله، منها: (١) ما أخرجه البخاري من حديث أنس ﵁ قال: كنت أسمعه ﷺ يكثر أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال). (٢) وكان ﷺ يقول في صلاته كثيراً: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم - الدين-) رواه البخاري. (٣) وعن علي ﵁ أن مكاتباً جاءه فقال: قد عجزت عن مكاتبتي فأعني قال علي ﵁: (ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل "صبير" ديناً أداه الله عنك، قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك) (١). (٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت

стр. 788

به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحاً) (١). (٥) وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض ورب العرش الكريم) متفق عليه.

стр. 789

(٢٠٨) حديث: (يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، فإذا رضيت بما قسمت لك أرحت نفسك وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمت لك فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا، تركض فيها كما يركض الوحش في البرية، ولا تنال منها إلا ما قسمت لك وكنت عندي مذموماً … ). (موضوع) هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على ألسِنة كثير من الخطباء، والوعاظ، والمثقفين، والعامة وغيرهم، وقد عُلِّق على حيطان المساجد، والمحلات التجارية، وجدران المنازل، على أنه حديث قدسي. والحديث رغم شهرته الكبيرة ليس له أصل في كتب السنة النبوية المشهورة، ولا في ما بين أيدينا من أجزاء الحديث المنثورة، وإنما هو من الأخبار الإسرائيلية، التي تروى عن كعب الأحبار (١). قال المعلمي ﵀: ليس كل ما نُسب إلى كعب الأحبار بثابت عنه، فإن الكذَّابين من بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها.

стр. 790

قلت: وقد ورد هذا الحديث بعدة روايات كلها لا تصح. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٢): وفي حديث إسرائيلي (يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب … ). (٢) … قال العلامة ابن القيم-﵀ في "طريق الهجرتين" (ص: ٤٥): وفي أثر إلهي، فذكره. (٣) قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٤/ ٣٠٤): وقد ورد في بعض الكتب الإلهية فذكره. (٤) قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: هذا الحديث غير صحيح. "فتاوى الشيخ الصادرة من مركز الدعوة بعنيزة النشرة الخامسة" (٣/ ٦٣). التعليق: قلت: ويُغني عنه ما رواه الترمذي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) (١).

стр. 791

(٢٠٩) حديث: (يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة) . (ضعيف) … قال ابن هشام في "السيرة" (٢/ ٦٢٠) قال ابن إسحاق: فحُدِثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا: أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغُوِّرت، وبنى على القَليب الذي نزل عليه فملئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية. وعلة الحديث: (١) الإرسال. (٢) الجهالة. وقد ضعف هذا الحديث:

стр. 792

(١) الذهبي، قال: حديث منكر. "دفاع عن الحديث النبوي" (ص: ٣٥). (٢) العلامة الألباني في "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (ص: ٣٥)، قال: هو عند ابن هشام في "السيرة" قال ابن إسحاق: فحُدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر … إلخ. وهذا إسناد: مرسل مجهول فهو ضعيف، وقد وصله بعضهم وفيه من لا يُعرف، وآخر كذَّاب (١). … (٣) شيخنا العلامة ابن عثيمين: في "مجالس شهر رمضان" غزوة بدر (٢) قال: وإشارة الحباب ضعيفة جداً سنداً ومتناً. (٤) العمري في "السيرة النبوية" (٢/ ٣٦٠) قال: مرسل. التعليق: قلت: رغم ضعف هذه الرواية فإن مبدأ الشورى ثابت بنصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فكثيراً ما كان النبي ﷺ يستشير أصحابه فيما لا وحي فيه من الكتاب والسنة تعويداً لهم على التفكير في المشاكل العامة، وحرصاً على تربيتهم على الشعور بالمسؤلية، ورغبة في تطبيق الأمر الإلهي بالشورى، وتعويد الأمة على ممارستها.

стр. 793

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (٨/ ٢٧٤): مازال المتعلِّمون ينبهون معلِّمهم على أشياء ويستفيدها المعلّم منهم، مع أن عامة ما عند المتعلّم من الأصول تلقاها من معلّمه وكذلك في الصُنَّاع وغيرهم. وموسى ﵇ قد استفاد من الخضر ثلاث مسائل وهو أفضل منه، واستمع نبي الله سليمان للهدهد ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ ﴿النمل: ٢٢﴾، وليس الهدهد قريباً من سليمان، ونبينا ﷺ كان يشاور أصحابه، وكان أحياناً يرجع إليهم في الرأي. والصور في ذلك كثيرة.

стр. 794

(٢١٠) حديث: (يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة … ). (ضعيف جداً) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦) رقم (٦٤٩١) عن ابن عباس ﵄. في سنده: الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، ومنهم من يسميه الحسن. قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٥٠٢) رقم (١٨٨٠): ليس بثقة. وقال ابن عدي: يسرق الحديث ولا يشبه حديثه أهل الصدق. وقال الأزدي: لو قلت كذَّاباً لجاز. قال ابن الجوزي: بعض الرواة يسميه الحسين، ثم قال الذهبي: وهو مقرئ وله مناكير. وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٥٤٧). (٢) الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٩١). (٣) ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: ٩٩). (٤) الألباني في "الضعيفة" (١٨١٢) و"الترغيب والترهيب" (١٠٧١).

стр. 795

(٥) شيخنا الوادعي في تعليقه على "تفسير" ابن كثير (١/ ٣٧٢). (٦) اللجنة الدائمة (٢٩/ ٢٥٩) فتوى رقم (٢١٢٧٨). التعليق: قلت: تبين لك أن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ ، لكن معناه صحيح كما قال أهل العلم، ويُغني عنه حديث: (أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ ﴿المؤمنون: ٥١﴾. وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿البقرة: ١٧٢﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁. وموانع إجابة الدعاء كثيرة منها: • أكل الحرام: كما تقدم في الحديث. • الاستعجال وعدم الصبر: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) متفق عليه.

стр. 796

• الدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم: قال ﷺ : (لا يزال يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل … ) متفق عليه • الغفلة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل) (١). • الاعتداء في الدعاء: قال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ … لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ ﴿الأعراف: ٥٥﴾. • ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم) (٢). فإذا وفقك الله وجنبك هذه الموانع، وعملت بأسباب إجابة الدعاء، مع حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة وهى: (١) الثلث الأخير من الليل. (٢) عند الأذان.

стр. 797

(٣) بين الأذان والإقامة. (٤) أدبار الصلوات المكتوبات. (٥) عند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة من ذلك اليوم. (٦) وآخر ساعة بعد العصر من يوم الجمعة. وصادف خشوعاً في القلب بين يدي الرب وذلة له وتضرعاً ورقة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله ﷺ ، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة، وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم (١).

стр. 798

(٢١١) حديث: (يا عبدي اسعَ وأنا أعينك واجلس وأنا أهينك) . (ليس بحديث) لقد اشتهرت هذه المقولة على ألسِنة كثير من العوام، خاصة في مجتمعنا اليمني، وينسبونه حديثاً قدسياً قاله ربنا ، وهذا ليس بصحيح، وليس له أصل في كتب الحديث، أو في الكتب التي جمعت الأحاديث القدسية. التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الكلام ليس من كلام الله، ولا من كلام رسول الله ﷺ ، فينبغي للمسلم أن يتحرى الصحيح من الحديث، ويتقي الله ربه فالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ كبيرة من كبائر الذنوب، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نعم الإسلام أمر بالأخذ بالأسباب في جميع الأمور، ومنها الأخذ بأسباب الرزق، قال تعالى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ ﴿مريم: ٢٥﴾، وقال تعالى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ ﴿الملك: ١٥﴾.

стр. 799

وقال تعالى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ﴿المزمل: ٢٠﴾. وقال تعالى ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ﴿الجمعة: ١٠﴾ وهذه الآيات وغيرها تدعو الإنسان للسعي في الأرض لتحصيل الرزق والمعاش. وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتني رزقي. فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قوله ﷺ : (إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي) (١). وقال حين ذكر الطير: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخلهم والقدوة بهم. وللفائدة أُجمل لك هنا بعض أسباب الرزق: (١) الاستقامة على الدين: قال تعالى ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ ﴿الجنّ: ١٦﴾. (٢) الإيمان والتقوى: قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ ﴿الأعراف: ٩٦﴾.

стр. 800

(٣) التوكل على الله: قال ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير … ) (١). (٤) الشكر: قال تعالى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ ﴿إبراهيم: ٧﴾. (٥) العمل بطاعته وذكره سبحانه: قال تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ ﴿طه: ١٢٤﴾. (٦) أدآء الزكاة: قال ﷺ : ( … ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا) (٢). (٧) الصدقات والنفقات: قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ ﴿سبأ: ٣٩﴾. وقوله ﷺ : (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً) (٣).

стр. 801

(٨) الدعاء: قال تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿غافر: ٦٠﴾. (٩) العمل بالكتاب والسنة: قال تعالى عن أهل الكتاب ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ﴿المائدة: ٦٦﴾. (١٠) الاستغفار: قال تعالى ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ … جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ ﴿نوح: ١٠ - ١٢﴾. (١١) صلة الرحم: قال ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه عن أنس ﵁.

стр. 802

(٢١٢) حديث: (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته) . (ضعيف) … أخرجه ابن إسحاق في"المغازي" (١/ ١٧٠): أن قريشاً لما قالوا لأبي طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له، ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله ولا خذلانه. فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له، فأبق علىّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق. قال فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بدو، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال: فقال له رسول الله ﷺ : (ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته).

стр. 803

قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب. فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه ﷺ فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشيء أبداً. وانظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٦)، و"البداية والنهاية" (٢/ ٤٦). قال العلامة الألباني-﵀: هذا حديث ضعيف أخرجه ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس وإسناده معضل، ويعقوب هذا لم يدرك أحداً من الصحابة فهو من أتباع التابعين. وقال في الصحيحة: ليس له إسناد ثابت. "فقه السيرة" (ص: ١١٤) و"الضعيفة" (٢/ ٣١٠)، و"الصحيحة" (١/ ١٩٥). التعليق: قلت: ويغني عنه ثبت عنه ﷺ أنه قال: (ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا لي منها شعلة) يعني الشمس. وتمامه: قال عقيل ابن أبي طالب -وهو شاهد عيان مشارك في الحديث-: (جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال: يا عقيل، انطلق فائتني بمحمد. فانطلقت إليه فاستخرجته من كبسي -بيت صغير- فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة الحر الرحض. فلما

стр. 804

أتاهم قال أبو طالب: إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم. فحلَّق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس. قالوا: نعم. قال: (فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة) (١).

стр. 805

(٢١٣) حديث: (يا ويل من ضحك اليتيم كيف من بكاه) . (ليس بحديث) لقد اشتهر هذا الكلام على ألسِنة العوام على أنه من كلام خير الأنام ﵊، وهذا ليس بصحيح بل هو كلام جرى على ألسِنة العوام وليس له خطام ولا زمام. التعليق: قلت: تبين لك أخي المسلم أن هذا الكلام المشهور بين الناس، أن إضحاك اليتيم لا يجوز وإبكاءه لا يجوز، إذاً ماذا يفعل معه؟ ألا يحتاج اليتيم إلى تأديب وتربية وتوجيه؟ بلى يحتاج إلى ذلك فقد بوَّب البخاري في كتابه "الأدب المفرد" باب: (أدب اليتيم). عن شميسة العتكية قالت: ذُكر أدب اليتيم عند عائشة ﵂ فقالت: (إني لأضرب اليتيم حتى ينبسط) (١). والانبساط: المراد به الانبطاح، والامتداد على الأرض من الغضب وعدم الرضا بما يعامل به، وعلى هذا لا بأس أن يُضرب اليتيم إذا كان يرى فيه مصلحته، ويعرف من نفسه صدق المحبة والشفقة عليه، أما الظلم فلا يجوز لا لليتيم ولا لولدك ولا لغيرهما (٢). قالت اللجنة الدائمة (١٤/ ٢٥٠) فتوى رقم (١٨٣٢٧): … يجوز ضرب اليتيم لتأديبه بغير إلحاق ضرر به أو أذى أو إذلال.

стр. 806

(٢١٤) حديث: (يخلق من الشبه أربعين) . (ليس بحديث) هذا الكلام شائع على ألسِنة الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، ولم أجده في كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام؛ لا في الأمهات الست، ولا في المسانيد ولا المعاجم والأجزاء، بل لم أجده حتى في الكتب التي اعتنت بجمع الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس "كاللآلئ المصنوعة"، و"المقاصد"، و"الدرر المنتثرة"، و"التمييز"و"كشف الخفاء"، وغيرها من الكتب التي تكلمت في هذا الموضوع، بل حتى لم أعثر عليه في المؤلفات التي جمع أصحابها ومصنفوها الأحاديث الموضوعة، ليحذِّروا الناس منها ومن الاعتقاد بها، وبأنها من أحاديث رسول الله ﷺ وهي ليست كذلك، "كالموضوعات" لابن الجوزي، و "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" لا بن عراق، و"تذكرة الموضوعات" لابن طاهر الهندي، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني وغيرهم ممن ألَّف في الموضوعات مرتباً على الأبواب، أو حروف المعجم كالسمهودي والقاري والأزهري وغيرهم، ولم أعثر عليه في كتب علمائنا المعاصرين، ككتب العلامة المحدث الألباني، أوكتب شيخنا العلامة المحدث الوادعي هذا والله وحده أعلم.

стр. 807

التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذه المقولة: (يخلق من الشبه أربعين) ليست حديثاً عن النبي ﷺ ، وإنما هي من كلام الناس، ثم إن في هذا الكلام رجماً بالغيب، لأن قولك عندما ترى شخصاً يشبه شخصا آخر: (يخلق من الشبه أربعين) ففي هذا جزم وإخبار بأن الله خلق على صورة هذا الإنسان أربعين إنساناً آخر يشبهه، وهذا فيه قول على الله بغير علم وفيه مجازفة، نعم يوجد الشَّبه بين الناس لكن هذا التحديد ليس له أصل في الشرع، والله أعلم.

стр. 808

(٢١٥) حديث: (يُدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم ستراً من الله عليهم) . (موضوع) … أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٥٥٨) عن أنس ﵁، والطبراني في "الكبير" (١١٢٤٢) عن ابن عباس ﵄. وفي سنده: (١) إسحاق بن ابراهيم الطبري. (٢) إسحاق بن بشر. فالأول: منكر الحديث، والثاني: في عداد من يضع الحديث. "الكامل" (١/ ٥٤٨، ٥٥٨)، و"الميزان" (١/ ١٧٧، ١٨٤). وقد نصَّ على بطلان هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) ابن عدي في "الكامل" (١/ ٥٥٨) قال: وهذا الحديث منكر المتن بهذا الإسناد. (٢) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٧٠) رقم (١٧٩٨) قال: هذا حديث لا يصح اُتهِمَ به إسحاق بن إبراهيم الطبري.

стр. 809

(٣) الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٣٥٠) رقم (٩٥٢)، وميزان الإعتدال (١/ ١٧٧) قال: منكر. (٤) ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ١٣٩) قال: باطل. (٥) الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٤٣) قال: منكر. (٦) السخاوي في "المقاصد" (ص: ١٥٢) رقم (٢٤٤). (٧) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٤٦). (٨) … ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٨١) رقم (١٦). (٩) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٨٨) رقم (٧٥٤). (١٠) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٥٩) رقم (٥٦). (١١) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٨٢) رقم (٣٣٢). (١٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢٢٤). (١٣) الصالحي في "الشذرة" (١/ ١٦٤) رقم (٢٢٠). (١٤) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٦٧) رقم (٥٣). (١٥) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٧٣) رقم (٣٦٢). (١٦) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٦٢١) رقم (٤٣٣). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث المتداول على ألسِنة كثير من الناس لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل ثبت ما يخالفه من كتاب

стр. 810

الله وسنة رسول الله ﷺ ، قال الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿الأحزاب: ٥﴾ والخلق يُدعون يوم القيامة بآبائهم، هذا هو الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ونصَّ عليه الأئمة كالبخاري وغيره، فقال البخاري-﵀: (باب ما يُدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم) ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ قال: قال: رسول الله ﷺ : (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان)، وكذلك حديث البراء بن عازب ﵁: (إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة … فتقول الملائكة روح من هذه الطيبة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان بأحب أسمائه التي كان يدعى بها) (١).
следующие страницы →