← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(٢١٤) حديث: (يخلق من الشبه أربعين) . (ليس بحديث) هذا الكلام شائع على ألسِنة الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، ولم أجده في كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام؛ لا في الأمهات الست، ولا في المسانيد ولا المعاجم والأجزاء، بل لم أجده حتى في الكتب التي اعتنت بجمع الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس "كاللآلئ المصنوعة"، و"المقاصد"، و"الدرر المنتثرة"، و"التمييز"و"كشف الخفاء"، وغيرها من الكتب التي تكلمت في هذا الموضوع، بل حتى لم أعثر عليه في المؤلفات التي جمع أصحابها ومصنفوها الأحاديث الموضوعة، ليحذِّروا الناس منها ومن الاعتقاد بها، وبأنها من أحاديث رسول الله ﷺ وهي ليست كذلك، "كالموضوعات" لابن الجوزي، و "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" لا بن عراق، و"تذكرة الموضوعات" لابن طاهر الهندي، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني وغيرهم ممن ألَّف في الموضوعات مرتباً على الأبواب، أو حروف المعجم كالسمهودي والقاري والأزهري وغيرهم، ولم أعثر عليه في كتب علمائنا المعاصرين، ككتب العلامة المحدث الألباني، أوكتب شيخنا العلامة المحدث الوادعي هذا والله وحده أعلم.

стр. 807

التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذه المقولة: (يخلق من الشبه أربعين) ليست حديثاً عن النبي ﷺ ، وإنما هي من كلام الناس، ثم إن في هذا الكلام رجماً بالغيب، لأن قولك عندما ترى شخصاً يشبه شخصا آخر: (يخلق من الشبه أربعين) ففي هذا جزم وإخبار بأن الله خلق على صورة هذا الإنسان أربعين إنساناً آخر يشبهه، وهذا فيه قول على الله بغير علم وفيه مجازفة، نعم يوجد الشَّبه بين الناس لكن هذا التحديد ليس له أصل في الشرع، والله أعلم.

стр. 808

(٢١٥) حديث: (يُدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم ستراً من الله عليهم) . (موضوع) … أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٥٥٨) عن أنس ﵁، والطبراني في "الكبير" (١١٢٤٢) عن ابن عباس ﵄. وفي سنده: (١) إسحاق بن ابراهيم الطبري. (٢) إسحاق بن بشر. فالأول: منكر الحديث، والثاني: في عداد من يضع الحديث. "الكامل" (١/ ٥٤٨، ٥٥٨)، و"الميزان" (١/ ١٧٧، ١٨٤). وقد نصَّ على بطلان هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: (١) ابن عدي في "الكامل" (١/ ٥٥٨) قال: وهذا الحديث منكر المتن بهذا الإسناد. (٢) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٧٠) رقم (١٧٩٨) قال: هذا حديث لا يصح اُتهِمَ به إسحاق بن إبراهيم الطبري.

стр. 809

(٣) الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٣٥٠) رقم (٩٥٢)، وميزان الإعتدال (١/ ١٧٧) قال: منكر. (٤) ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ١٣٩) قال: باطل. (٥) الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٤٣) قال: منكر. (٦) السخاوي في "المقاصد" (ص: ١٥٢) رقم (٢٤٤). (٧) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٤٦). (٨) … ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٨١) رقم (١٦). (٩) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٨٨) رقم (٧٥٤). (١٠) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٥٩) رقم (٥٦). (١١) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٨٢) رقم (٣٣٢). (١٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢٢٤). (١٣) الصالحي في "الشذرة" (١/ ١٦٤) رقم (٢٢٠). (١٤) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٦٧) رقم (٥٣). (١٥) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٧٣) رقم (٣٦٢). (١٦) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٦٢١) رقم (٤٣٣). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث المتداول على ألسِنة كثير من الناس لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل ثبت ما يخالفه من كتاب

стр. 810

الله وسنة رسول الله ﷺ ، قال الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿الأحزاب: ٥﴾ والخلق يُدعون يوم القيامة بآبائهم، هذا هو الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ونصَّ عليه الأئمة كالبخاري وغيره، فقال البخاري-﵀: (باب ما يُدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم) ثم ساق حديث ابن عمر ﵄ قال: قال: رسول الله ﷺ : (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان)، وكذلك حديث البراء بن عازب ﵁: (إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة … فتقول الملائكة روح من هذه الطيبة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان بأحب أسمائه التي كان يدعى بها) (١).

стр. 811

(٢١٦) حديث: (يوم صومكم يوم نحركم) . (لا أصل له) … لقد اشتهر هذا الكلام على ألسِنة الناس، وينسبونه حديثاً نبوياً إلى رسول الله ﷺ ، وليس له أصل عن رسول الله ﷺ باتفاق علماء الحديث وأذكر لك منهم ما يلي: (١) الإمام أحمد قال: لا أصل له. كما نقل عنه العجلوني في "كشف الخفاء". (٢) الزركشي. كما نقل عنه العجلوني في "كشف الخفاء". (٣) شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢٥/ ١٨٠) قال: لا يُعرف في شيء من كتب الإسلام، ولا رواه عالم قط. (٤) ابن القيم في "المنارالمنيف" (٢٧٩) و"البدائع" (٢/ ٢٠٤). (٥) النووي في "المجموع" (٦/ ٢٨٣) قال: ضعيف بل منكر باتفاق الحفاظ. (٦) العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨). (٧) القاري في "المصنوع" (ص: ٢١٩) رقم (٤١٧). (٨) السخاوي قي "المقاصد" (ص: ٥٥٩) رقم (١٣٥٥). (٩) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (١٩٤) رقم (٤٦٣) و"تدريب الراوي" (٢/ ١٧٦) قال: كذب لا أصل له.

стр. 812

(١٠) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٥٤٠) رقم (٣٢٦٣) قال: لا أصل له كما قاله الإمام أحمد وغيره كالزركشي والسيوطي. (١١) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٢٠٢). (١٢) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢٦٥) رقم (٦٤٥). (١٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٣٣٥) رقم (١٧٧٧). (١٤) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ٢٧١) رقم (١١٦٩). (١٥) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٤٨٠) رقم (٢٧١٤). (١٦) السمهودي في"الغماز على اللماز" (ص: ٢٤٣) رقم (٣٥١). (١٧) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٨٨) رقم (٧٦٠). (١٨) العلامة الألباني في تعليقه على الباعث الحثيث (٢/ ٤٥٩) قال: هذا الحديث لا أصل له باتفاق علماء الحديث، وقد صرح بذلك الإمام أحمد والزركشي والسيوطي والسخاوي وممن جزم بأن الحديث لا أصل له الحافظ العراقي في شرح علوم الحديث. "مجلة المسلمون" (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١). (١٩) العلامة ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (٢٦/ ٣٩٦) قال: لا أعلم له أصلاً شرعياً، ولا أعلم أنه ورد في ذلك حديث يعتمد عليه. (٢٠) العلامة ابن عثيمين في "شرح المنظومة البيقونية" (ص: ٧٠) قال: مشهور عند العامة، على أنه حديث صحيح، وهو لا أصل له.

стр. 813

التعليق: قلت: تبين لك أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، ومعناه كذلك غير صحيح، ومعنى يوم صومكم يوم نحركم أي: اليوم الذي نصوم فيه شهر رمضان يكون اليوم نفسه يوم عيد الآضحى، فإذا صمنا يوم الخميس مثلاً يكون عيد الأضحي يوم الخميس، وهذا الكلام ليس على إطلاقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تاماً، ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين. اهـ. وقال النووي في "المجموع" (٦/ ٢٨٣): حكي الماوردي عن بعض الشيعة أنهم أسقطوا حكم الأهلة واعتمدوا العدد للحديث السابق في الصحيحين: (شهرا عيد لا ينقصان)، وبالحديث المروي: (صومكم يوم نحركم). ودليلنا عليهم الأحاديث المذكورة هنا مع الأحاديث السابقة: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) والأحاديث المشهورة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (الشهر تسع وعشرون) أي قد يكون تسعاً وعشرين وفى روايات: (الشهر هكذا وهكذا وهكذ وأشار بأصابعه العشر وحبس الإبهام في الثالثة) رواه البخاري ومسلم.

стр. 814

وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نجسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين) رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (لما صمنا مع رسول الله ﷺ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين) رواه أبو داود والترمذي. وعن عائشة ﵂ قالت: (ما صمت مع رسول الله ﷺ عليه وسلم تسعاً وعشرين أكثر مما صمت معه ثلاثين) رواه الدارقطني وقال إسناده حسن صحيح. وعن أبى هريرة مثله رواه ابن ماجه. والجواب: عن (شهرا عيدٍ لا ينقصان) أي لا ينقص أجرهما، أو لا ينقصان في سنة واحدة معاً غالبا، وقد سبق هذان التأويلان فيه مع غيرهما. والجواب: عن حديث (صومكم يوم نحركم) أنه ضعيف بل منكر باتفاق الحفاظ، وإنما الحديث الصحيح في هذا حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ورواه أبو داود بإسناد حسن، ولفظه (الفطر يوم تفطرون). وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحي يوم يضحى الناس) رواه الترمذي، وقال: هو حديث حسن صحيح والله تعالى أعلم.

стр. 815

القسم الثاني (الآثار)

стр. 816

(١) أثر أبي بكر ﵁: (أي سماءٍ تظلني وأي أرضٍ تقلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم) . (ضعيف) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "الكافي الشاف" (٤/ ٦٩١): أخرجه أبو عبيد في "فضائله"، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة (١). … قلت: وأخرجه البغوي في "التفسير" (٨/ ٣٣٩)، وعزاه محققه إلى الطبري، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله". وهذا الأثر ضعيف، علته: الإنقطاع بين إبراهيم التيمي وأبي بكر الصديق ﵁، فإن إبراهيم التيمي لم يسمع من أبي بكر الصديق ﵁. قال الدارقطني: لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما. "تهذيب التهذيب" (١/ ١٦٠). قلت: إذا كان لم يدرك زمان عائشة وحفصة ﵄، فهو لم يدرك زمان الصديق ﵁ قطعاً. وقد ضعَّف هذا الأثر:

стр. 817

(١) شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مقدمة التفسير" (١) (ص: ١٤٣) قال: إسناده منقطع. (٢) الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٤/ ٦٠٨) تحت قول الله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ﴿عبس: ٣١﴾ قال أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا محمد بن يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي. قال: سُئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قول الله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: (أي سماءٍ تظلني وأي أرضٍ تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم). قال: وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصِّدِّيق ﵁. اهـ. (٣) الحافظ ابن حجر ﵀ في "الكافي الشاف" قال: هذا منقطع. (٤) شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "تفسير ابن كثير" (١/ ١٦) قال: منقطع. التعليق: قلت: قد صح عن أبي بكر ﵁ أنه قال: (أي سماءٍ تظلني وأي أرضٍ تقلني إذا قلت ما لا أعلم) بدون ذكر (في كتاب الله). فقد أخرج البزار بسندٍ صحيح عن عائشة ﵂، أنه لما نزل عذرها في (قصة الإفك) قبَّل أبو بكر ﵁ رأسها.

стр. 818

فقالت: ألا عذرتني؟ فقال: (أي سماءٍ تظلني، وأي أرضٍ تقلني، إذا قلت ما لا أعلم). ذكرتُ هذا حتى لا يختلط عليك الأمر، فإن الأثر الضعيف جاء عند ما سئل الصديق ﵁ عن تفسير قوله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. والأثر الصحيح جاء بعد حادثة الإفك، وبراءة عائشة ﵂ والله أعلم (١).

стр. 819

(٢) أثر أبي بكر ﵁: (وددت أني شعرة في جنب عبدٍ مؤمن) . (لا يصح) أخرجه أحمد في "الزهد" (ص: ١٣٥) عن أبي عمران الجوني، قال: قال: أبو بكر الصديق ﵁ فذكره. قلت: وأبو عمران الجوني، هو عبد الملك بن حبيب الأزدي، لم يدرك أبا بكر الصديق ﵁، فقد توفي سنة (١٢٨) وقيل: (١٢٩ هـ) فالأثر منقطع. "تهذيب التهذيب" (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢) رقم (٤٣٢٥). وقد ضعَّف هذا الأثر: اللجنة الدائمة (٤/ ٣٩٢) فتوى رقم (٧٠٦٦) قالوا: فيه انقطاع بين أبي عمران الجوني وأبي بكر الصديق ﵁.

стр. 820

(٣) أثر أبي بكر ﵁: (والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد) . (لا يصح) … رواه أحمد في "الزهد" (ص: ١٣٩) بسنده عن الحسن عن أبي بكر ﵁ فذكره. قلت: هذا الأثر منقطع، فإن الحسن، وهو الحسن بن أبي الحسن البصري لم يسمع من أبي بكر ﵁، حيث أنه ولد لسنتين من خلافة عمر ﵁. "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٤٣) رقم (١٢٩٧). وقد ضعَّف هذا الأثر: اللجنة الدائمة (٤/ ٣٩٢) فتوى رقم (٧٠٦٦) قالوا: هذا الأثر غير صحيح لأن الحسن لم يدرك أبا بكر الصديق ﵁.

стр. 821

(٤) أثر عمر بن الخطاب ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا … ). (ضعيف) رواه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (ص: ٢٩ - ٣٠)، وأحمد في "الزهد" (ص: ١٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٨٨) رقم (١٣٥). وعلقه ابن الجوزي في "سيرة ومناقب عمر" ﵁: (ص: ١٣٤ - ١٣٥) من طريق جعفر بن بُرقان عن ثابت بن الحجاج عن عمر ﵁ به. قلت: هذا الأثر منقطع، ثابت بن الحجاج لم يسمع من عمر ﵁، فقد ذكر له الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥) رقم (٨٦٦) رواية عن بعض الصحابة ليس منهم عمر ﵁. بل إن البخاري وابن أبي حاتم لم يذكرا له رواية إلا عن بعض التابعين، ولذلك أورده ابن حبان في أتباع التابعين من كتابه "الثقات" (٦/ ١٢٧). وقال: روى عن جماعة من التابعين. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨/ ١٤٩) من طريق جعفر بن برقان عن رجلٍ لم يكن يسمه عن عمر ﵁. وكما هو ظاهر السند فإن فيه رجلاً مبهاً لا يُعرف.

стр. 822

وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٠٦) عن مالك بن مغول بلاغاً عن عمر ﵁. وقد ذكر هذا الأثر الإمام الترمذي في "جامعه" بصيغة التمريض فقال: ويُروى عن عمر بن الخطاب ﵁. "ضعيف سنن الترمذي" (ص: ٢٧٩) تحت حديث رقم (٤٣٦). وقد ضعَّف هذا الأثر: (١) الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٣/ ٣٤٦) رقم (١٢٠١). (٢) أبو إسحاق الحويني في "تخريجه لتفسير ابن كثير" (١/ ٤٧٨). التعليق: قلت: لا شك أن معنى الأثر صحيح، فإنك ترى أن مطلب المتعاملين في التجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الربح. وكما أن التاجر يستعين بشريكه فيعطيه المال حتى يتَّجر به ثم يحاسبه، فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة، وإنما مطلبه وربحه تزكية النفس لأن بذلك فلاحها، قال الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ ﴿الشمس: ٩ - ١٠﴾. ففلاحها بالأعمال الصالحة، والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة، إذ يستعملها ويسخرها فيما

стр. 823

يزكيها، كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتَّجر في ماله، وكما أن الشريك يصير خصماً منازعاً يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولاً، ويراقبه ثانياً، ويحاسبه ثالثاً، ويعاقبه، أو يعاتبه رابعاً، والعقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولاً فيوظف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح، ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنه لو أهملها لم يرَ منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال، كالعبد الخائن إذا خلا له الجو وانفرد بالمال. ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها، ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيراً من تدقيقه في أرباح الدنيا مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نِعَم العقبى، ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء، ولا خير في خيرٍ لا يدوم، بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم، لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائماً وقد انقضى الشر، والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائماً، وقد انقضى الخير ولذلك قيل: أشد الغم عندي في سرور … تَيَقَّنَ عنه صاحبه انتقالا فحتمٌ على ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها، فإن

стр. 824

كل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسة، لا عوض لها يمكن أن يُشْتَرَى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فانقباض هذه الأنفاس -ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك- خسران عظيم هائل، لا تسمح به نفس عاقل، فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس، كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته. فيقول للنفس: مالي بضاعة إلا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأنسأ في أجلي وأنعم علي به، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوماً واحداً حتى أعمل فيه صالحاً، فاحسبي أنكِ قد تُوُفِّيتِ، ثم قد رُدِدتِ فإياكِ ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لها قيمة (١) تنبيه: هناك بعض المخالفات في محاسبة النفس منها وضع جدول على صيغة أسئلة مقسمة على عدد أيام الشهر، مثل: هل صليت الفجر في الجماعة؟ وهل صليت الضحى؟ وهل قرأت القرآن؟ وهل قمت الليل؟ ويجيب بنعم أو لا، وهكذا. وقد سئل شيخنا ابن عثيمين ﵀: يتبع بعض الناس طريقة لمحاسبة أنفسهم في أداء الصلوات المفروضة والسنن الرواتب، وهي أن

стр. 825

يضع جدولاً، هذا الجدول عبارة عن محاسبة لأدآئه الصلوات خلال أسبوع واحد، بحيث يضع أمام كل وقت صلاة مربعين، أحدهما للفرض والآخر للسُّنة الراتبة، فإذا صلى الفرض مع الجماعة وضع لصلاته تلك درجة، وإذا صلى الراتبة وضع لها درجة أيضاً، وإذا لم يصل لم يضع درجة وهكذا، ثم في آخر الأسبوع يخرج مجموع الدرجات، وتشتمل الورقة على أربعة جداول لشهر واحد. ويقول هؤلاء: إن مثل هذه الوسيلة تعين على المحافظة على أداء الفرائض والسنن. فما رأي فضيلتكم في هذه الطريقة؟ هل هي مشروعة أم لا؟ وما رأيكم في نشرها أثابكم الله؟ فأجاب: هذه الطريقة غير مشروعة، فهي بدعة، وربما تسلب القلب معنى التعبد لله تعالى، وتكون العبادات كأنها أعمال روتينية كما يقولون وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: (ما هذا)؟ قالوا: حبل لزينب تصلي فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به فقال: (حلوه، ليصلِ أحدكم نشاطه فإذا كسل، أو فتر فليقعد). ثم إن الإنسان قد يعرض له أعمال مفضولة في الأصل، ثم تكون فاضلة في حقه لسبب، فلو اشتغل بإكرام ضيف نزل به عن راتبة صلاة الظهر لكان اشتغاله بذلك أفضل من صلاة الراتبة.

стр. 826

وإني أنصح شبابنا من استعمال هذه الأساليب في التنشيط على العبادة؛ لأن النبي ﷺ حذَّر من مثل ذلك، حيث حث على اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين، وحذَّر من البدع، وبيَّن أن كل بدعة ضلالة، يعني وإن استحسنها مبتدعوها، ولم يكن من هديه، ولا هدي خلفائه وأصحابه ﵃ مثل هذا (١). اهـ.

стр. 827

(٥) أثر عمر ﵁: (لو قيل كل الناس يدخلون الجنة إلا رجلاً لظننت أنه أنا) . (لا يصح) لقد اشتهر هذا الأثر على ألسِنة كثير من الوعاظ في باب الترهيب والتخويف من عذاب الله، وقد بحثت عن هذا الأثر فلم أجده. ثم رأيت اللجنة الدائمة (٤/ ٣٩٣) فتوى رقم (٧٠٦٦) سئلت عنه فقالت: لم يثبت عن عمر ﵁ أنه قال ذلك فيما نعلم، بل هذا لا يتفق مع قوة إيمان عمر ﵁، وحسن ظنه بربه ورجائه فيه.

стр. 828

(٦) أثر عمر ﵁: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) . (ضعيف) أخرجه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر وأخبارها" (ص: ٢٩٠) قال: حُدِّثنا عن أبي عبدة عن ثابت البناني وحُميد عن أنس ﵁ فذكره. قلت: هذا الأثر ضعيف، في سنده: (١) أبو عبدة، يوسف بن عبدة بن ثابت العتكي البصري، ضعيف. قال الإمام أحمد: له أحاديث مناكير عن حميد وثابت. "تهذيب التهذيب" (١١/ ٣٦٤). (٢) الانقطاع: فالواسطة بين ابن عبد الحكم وأبي عبدة مجهولة غير معروفة. وذكر الأثر السيوطي في "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" (٢/ ٣). والأثر له قصة ذكرتها في قسم القصص وعلقت عليها.

стр. 829

(٧) أثر على بن أبي طالب ﵁ في تعريف التقوى هي: (الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل) . (ضعيف) لقد اشتهر هذا الأثر على ألسِنة كثير من طلبة العلم والدعاة وغيرهم في تعريف التقوى. وقد بحثت عن هذا الأثر كثيراً فلم أعثر عليه، وقد سمعت شيخنا الوادعي ﵀ أكثر من مرة يقول: لا يثبت. زِد على هذا أن اسم (الجليل) لم يثبت أنه اسم لله تعالى، فكيف ينسب علي ﵁ هذا الاسم لله وهو ليس باسم لله تعالى، وهذا مما يدل على عدم صحة نسبة هذا الأثر له ﵁ والله أعلم. وقد ورد اسم (الجليل) في حديث ذِكر الأسماء الحسنى الطويل، وأن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وذكر منها (الجليل). والحديث أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن أبي هريرة ﵁.

стр. 830

وضعَّفه العلامة الألباني ﵀ في "ضعيف الجامع" (١٩٤٥) وغيره من أهل العلم (١). والقاعدة في الأسماء والصفات: (أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية لا مجال للعقل فيها). فلا نثبت لله تعالى من الأسماء والصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته (٢).

стр. 831

(٨) أثر ابن عباس ﵄: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر) . (لا أصل له بهذا اللفظ) أورد هذا الأثر شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٢١٥) و (٢٦/ ٥٠، ٢٨١)، وابن القيم في "إعلام الموقعين" (٢/ ١٦٨) و"زاد المعاد" (٢/ ١٩٥)، و"الصواعق المرسلة" (٣/ ١٠٦٣)، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب "التوحيد" (باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله) بهذا اللفظ. وقد بحثتُ عن هذا الأثر فلم أجده بهذا اللفظ في كتب السنة، فلا يصح الأثر بهذا اللفظ. وقد نبَّه على هذا كذلك صالح العصيمي في كتابه "الدر النضيد في تخريج كتاب التوحيد" (ص: ١٢٩). وقد سمعت شيخنا مقبل الوادعي ﵀ يقول: هذا الأثر لا يصح. قلت: واللفظ الذي صحَّ عن ابن عباس ﵄ هو ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٣١٢١)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والخطيب البغدادي في "الفقيه

стр. 832

والمتفقه" (١) أن ابن عباس ﵄ قال: (أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ ، ويقولون: قال أبو بكر وعمر) صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيق "المسند" (٣١٢١). وجاء بلفظ: (والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونا عن أبي بكر وعمر). صححه محققا "زاد المعاد" (٢/ ٢٠٦) شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. التعليق: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر وعمر فقال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر (٣)؟ وكذلك ابن عمر ﵄ لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر ﵁، فبين لهم أن عمر ﵁ لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال لهم: أمر رسول الله ﷺ أحق أن يتبع أم أمر عمر ﵁؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر ﵄ أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس.

стр. 833

ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي ﷺ في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ ﴿التوبة: ٣١﴾. والله أعلم والحمد لله وحده. وقال العلامة ابن باز ﵀ في رسالة له بعنوان: "وجوب العمل بسنة رسول الله ﷺ وكفر من أنكرها": ولما احتج الناس على ابن عباس ﵄ في متعة الحج بقول أبي بكر وعمر ﵄ في تحبيذ إفراد الحج، قال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر). فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تُخشى عليه العقوبة فكيف بحال من خالفهما لقول من دونهما، أو لمجرد رأيه واجتهاده. ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر ﵄ في بعض السنة، قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو اتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين ﵁: حدثنا عن كتاب الله، وهو يحدثهم عن السنة، غضب ﵁، وقال: إن السنة هي تفسير كتاب الله،

стр. 834

ولولا السنة لم نعرف أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث، والفجر ركعتان، ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة، إلى غير ذلك مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة ﵃ في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جداً. من ذلك أيضاً أن عبد الله بن عمر ﵄ لما حدث بقوله ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله). قال بعض أبنائه: (والله لنمنعهن فغضب عليه عبد الله وسبه سباً شديداً، وقال: أقول قال رسول الله ﷺ ، وتقول والله لنمنعهن). ولما رأى عبد الله المزني ﵁ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ بعض أقاربه يخذف نهاه عن ذلك، وقال له: إن النبي ﷺ نهى عن الخذف، وقال: (إنه لا يصيد صيداً، ولا ينكأ عدواً، ولكنه يكسر السن، ويفقأ العين) ثم رآه بعد ذلك يخذف. فقال: (والله لا كلمتك أبداً، أُخبرك أن رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف ثم تعود). وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل أنه قال: إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا، وأنبئنا عن القرآن، فاعلم أنه ضال. وقال الأوزاعي ﵀: السنة قاضية على الكتاب، أي تُقيِّد ما أطلقه، أو بأحكام لم تذكر في الكتاب، كما قال سبحانه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ ﴿النحل: ٤٤﴾.

стр. 835

وسبق قوله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي ﵀ أنه قال لبعض الناس: (إنما هلكتم في حين تركتم الآثار). يعني بذلك الأحاديث الصحيحة. وأخرج البيهقي عن الأوزاعي ﵀ أنه قال لبعض أصحابه: (إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث، فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله ﷺ كان مبلغاً عن الله تعالى). وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري ﵀ أنه قال: (إنما العلم كله العلم بالآثار). وقال مالك ﵀: (مامنا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ . وقال أبو حنيفة ﵀: (إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين). وقال الشافعي ﵀: (متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً صحيحاً فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب). وقال أيضاً: (إذا قلت قولاً وجاء الحديث عن رسول الله ﷺ بخلافه فاضربوا بقولي الحائط) (١).

стр. 836

وقال الإمام أحمد ﵀ لبعض أصحابه: (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذنا). وقال أيضاً: (عجبت لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله ﷺ يذهبون إلى رأي سفيان، والله سبحانه يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ ﴿النور: ٦٣﴾. ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا ردّ بعض قوله ﷺ أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك). وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿النساء: ٥٩﴾. قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى رسول الله ﷺ الرد إلى السنة. وأخرج البيهقي عن الزهري أنه قال: (كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. وقال موفق الدين ابن قدامة في كتابه "روضة الناظر في بيان أصول الأحكام" ما نصه: والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله ﷺ ، وقول رسول الله ﷺ حجة لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره. انتهى المقصود.

стр. 837

وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قول الله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ ﴿النور: ٦٣﴾ أي: عن أمر رسول الله ﷺ ، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته، وسنته وشريعته، فتُوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مردود على قائله كائناً من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فليخش وليحذر من خالف شريعة الرسول ﷺ باطناً وظاهراً أن تصيبهم فتنة، أي: في قلوبهم من كفر، أو نفاق، أو بدعة، أو يصيبهم عذاب أليم، أي: في الدنيا بقتل، أو حبس، أو نحو ذلك، كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب اللآئي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها) أخرجاه من حديث عبد الرزاق. وقال السيوطي ﵀ في رسالته المسماة "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" ما نصه: اعلموا رحمكم الله أن من أنكر أن كون

стр. 838

حديث النبي ﷺ قولاً كان أو فعلاً بشروطه المعروفة في الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من الفرق الكافرة. انتهى المقصود. والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثير جداً، وأرجو أن يكون ما ذكرنا من الآيات، والأحاديث، والآثار، كفاية ومقنع لطالب الحق، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، وأن يهدينا صراطه المستقيم إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان. فائدة: قال العلامة محمد بن سعيد بن صقر المدني الحنفي في منظومته "رسالة المهدي" (١): وقولُ أعلامِ الهدى لا يُعملُ … بقولِنا بِدُونِ نصٍّ يُقبلُ فيه دليلُ الأخذِ بالحديثِ … وذاكَ في القديمِ والحديثِ قالَ أبو حنيفة الإمامُ … لا ينبغي لمن له إسلامُ أخذٌ بأقوالي حتى تُعرضَا … على الكتابِ والحديثِ المرتضى ومالكٌ إمامُ دارِ الهجرةِ … قال وقد أشار نحو الحجرةِ كلُ كلامٍ منهُ ذُو قَبُولِ … ومنهُ مردُودٌ سِوَى الرسولِ

стр. 839

والشافعيُّ قال إن رأيتم … قولي مخالفاً لما رويتم من الحديثِ فاضربوا الجدارَ … بقولي المخالفَ الأخبَارَا وأحمدُ قال لهم لا تكتبوا … ما قلتُهُ بل أصلُ ذاك فاطلُبُوا فاسمع مقالاتِ الهداة الأربعة … واعمل بها فإنَّ فيها منفَعَة لِقمعِهَا لكلِّ ذِي تَعَصُّبِ … والمُنصفونَ يكتفونَ بالنبيِّ

стр. 840

(٩) أثر ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: … ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة . … (موضوع) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٩٥٠، ٣٩٥١) والخطيب البغدادي في "تاريخه" (٧/ ٣٧٩)، واللآلكائي في "شرح الإعتقاد" (١/ ٧٩). وفي سنده: (١) علي بن قدامة الجزري الوكيل. أشار ابن معين إلى لين فيه بقوله: لم يكن البائس ممن يكذب. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي. "الميزان" (٣/ ١٥١). (٢) ميسرة بن عبد ربه الفارسي ثم البصري التراس، كذَّاب وأحاديثه بواطيل غير محفوظة. " الضعفاء " للعقيلي (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤) و"لسان الميزان" (٦/ ١٧٨). (٣) مجاشع بن عمرو، وهو منكر الحديث. "الضعفاء " للعقيلي (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤) و" الميزان "رقم (٨٩٥٨). قلت: قال شيخنا الوادعي ﵀: هذا الأثر لايصح.

стр. 841

وقد جاء هذا الأثر مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وهو لا يصح أيضاً. (١) قال القرطبي ﵀ في "جامع أحكام القرآن" (٤/ ١٥٨ - ١٥٩): قول ابن عباس ﵄ هذا رواه مالك بن سليمان الهروي أخو غسان عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: يعني تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. ذكره أبو بكر أحمد بن على الخطيب، وقال فيه: منكر من حديث مالك. اهـ. (٢) قال الشوكاني ﵀ في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٨٤): إن المراد بقوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ هم أهل السنة، والمراد بقوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ هم أهل البدعة. قال في الذيل: هو موضوع. اهـ. (٣) قال السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٣)، و"الإتقان في علوم القرآن" (٤/ ٢١٧): وأخرج الديلمي في "مسند الفردوس" بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة.

стр. 842

التعليق: قال في "التسهيل" (١): أما الذين تبيض وجوههم يوم القيامة، فأهل التوحيد والإيمان، فالله يسألهم يوم القيامة هل تريدون شيئاً فيقولون: (ألم تبيض وجوهنا … ) الحديث. ومنهم: أقوام يزداد بياض وجوههم، وهم أول زمرة تدخل الجنة كما قال النبي ﷺ : (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكب إضاءة). ومنهم: حفظة حديث رسول الله ﷺ المبلغون له، لقول النبي ﷺ : (نضر الله امرءًا سمع مقالتي ثم وعاها، ثم أداها كما سمعها). أما الذين تسوّد وجوههم يوم القيامة ففيهم جملة أقوالٍ للعلماء: فمنهم من قال: إنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة. ومنهم من قال: إنهم المرتدون من هذه الأمة، وشاهدهم على ذلك قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ﴿آل عمران: ١٠٦﴾. ومن أهل العلم من قال: إنهم المنافقون فهم قد شهدوا أن لا إله إلا الله ثم ارتدوا.

стр. 843

ومنهم من قال: هم عموم الكفار لقوله ﵎ ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ ﴿يونس: ٢٧﴾ والخلود لا يكون إلا مع الكفر. ولقوله تعالى ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ ﴿عبس: ٤٠ - ٤٢﴾. أما كيف يلتئم هذا مع قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؟ فإن المراد بالإيمان هنا، الإيمان المأخوذ عليهم وهم في صلب أبيهم آدم، والمذكور في قول الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ ﴿الأعراف: ١٧٢﴾. أو الإيمان الذي أقروا به لما سئلوا من خلق السماوات والأرض؟ فقالوا: الله، كما قال سبحانه ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿الزُّمر: ٣٨﴾. وكما قال سبحانه ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ ﴿المؤمنون: ٨٨ - ٨٩﴾.

стр. 844

واختار ابن جرير الطبري ﵀ أنه عنى بذلك جميع الكفار، وعلل ابن جرير ذلك بقوله: وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين، أحدهما سوداً وجوهه، والآخر بيضاً وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هناك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيض وجهه، فلا وجه إذاً لقول قائل، يعنى بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعض الكفار دون بعض، وقد عم الله جل ثناؤه الخبر عنهم جميعاً، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة كان معلوماً أنها المرادة بذلك.

стр. 845

(١٠) أثر الحسن البصري ﵀: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل) . (ضعيف) … أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان" (ص: ٣١ - ٣٢) رقم (٩٣) من طريق جعفر بن سليمان، نا زكريا قال: سمعت الحسن يقول: (إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل). وأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه "إقتضاء العلم العمل" (ص: ١٧٧) رقم (٥٦). قال العلامة الألباني ﵀ في تحقيقه لكتاب "الإيمان" لابن أبي شيبة (ص: ٣١ - ٣٢) رقم (٩٣): هو موقوف على الحسن البصري، ولا يصح عنه، فإن زكريا هو ابن حكيم الحبطي هالك، كما قال الذهبي. وقال ﵀ في "الضعيفة" (٣/ ٢١٨) وقد رواه بعض الضعفاء عن الحسن البصري موقوفاً عليه، أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان" رقم (٩٣) وسنده ضعيف من أجل زكريا -المتقدم-. قلت: وقد جاء عن الحسن عن أنس ﵁ مرفوعاً أن النبى ﷺ قال: (ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلى، ولكن هو ما وقر فى القلب، وصدقه العمل). أخرجه ابن النجار وكذا البخاري فى "تاريخه".
следующие страницы →