وقد جاء هذا الأثر مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وهو لا يصح أيضاً.
(١) قال القرطبي ﵀ في "جامع أحكام القرآن" (٤/ ١٥٨ - ١٥٩): قول ابن عباس ﵄ هذا رواه مالك بن سليمان الهروي أخو غسان عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: يعني تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. ذكره أبو بكر أحمد بن على الخطيب، وقال فيه: منكر من حديث مالك. اهـ.
(٢) قال الشوكاني ﵀ في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٨٤): إن المراد بقوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ هم أهل السنة، والمراد بقوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ هم أهل البدعة. قال في الذيل: هو موضوع. اهـ.
(٣) قال السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٣)، و"الإتقان في علوم القرآن" (٤/ ٢١٧): وأخرج الديلمي في "مسند الفردوس" بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة.
стр. 842
التعليق:
قال في "التسهيل" (١): أما الذين تبيض وجوههم يوم القيامة، فأهل التوحيد والإيمان، فالله يسألهم يوم القيامة هل تريدون شيئاً فيقولون: (ألم تبيض وجوهنا … ) الحديث.
ومنهم: أقوام يزداد بياض وجوههم، وهم أول زمرة تدخل الجنة كما قال النبي ﷺ : (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكب إضاءة).
ومنهم: حفظة حديث رسول الله ﷺ المبلغون له، لقول النبي ﷺ : (نضر الله امرءًا سمع مقالتي ثم وعاها، ثم أداها كما سمعها).
أما الذين تسوّد وجوههم يوم القيامة ففيهم جملة أقوالٍ للعلماء:
فمنهم من قال: إنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة.
ومنهم من قال: إنهم المرتدون من هذه الأمة، وشاهدهم على ذلك قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ﴿آل عمران: ١٠٦﴾.
ومن أهل العلم من قال: إنهم المنافقون فهم قد شهدوا أن لا إله إلا الله ثم ارتدوا.
стр. 843
ومنهم من قال: هم عموم الكفار لقوله ﵎ ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ ﴿يونس: ٢٧﴾ والخلود لا يكون إلا مع الكفر.
ولقوله تعالى ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ ﴿عبس: ٤٠ - ٤٢﴾.
أما كيف يلتئم هذا مع قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؟
فإن المراد بالإيمان هنا، الإيمان المأخوذ عليهم وهم في صلب أبيهم آدم، والمذكور في قول الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ ﴿الأعراف: ١٧٢﴾.
أو الإيمان الذي أقروا به لما سئلوا من خلق السماوات والأرض؟
فقالوا: الله، كما قال سبحانه ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿الزُّمر: ٣٨﴾. وكما قال سبحانه ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ ﴿المؤمنون: ٨٨ - ٨٩﴾.
стр. 844
واختار ابن جرير الطبري ﵀ أنه عنى بذلك جميع الكفار، وعلل ابن جرير ذلك بقوله: وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين، أحدهما سوداً وجوهه، والآخر بيضاً وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هناك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيض وجهه، فلا وجه إذاً لقول قائل، يعنى بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعض الكفار دون بعض، وقد عم الله جل ثناؤه الخبر عنهم جميعاً، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة كان معلوماً أنها المرادة بذلك.
стр. 845
(١٠) أثر الحسن البصري ﵀: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل) .
(ضعيف) …
أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان" (ص: ٣١ - ٣٢) رقم (٩٣) من طريق جعفر بن سليمان، نا زكريا قال: سمعت الحسن يقول: (إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل).
وأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه "إقتضاء العلم العمل" (ص: ١٧٧) رقم (٥٦).
قال العلامة الألباني ﵀ في تحقيقه لكتاب "الإيمان" لابن أبي شيبة (ص: ٣١ - ٣٢) رقم (٩٣): هو موقوف على الحسن البصري، ولا يصح عنه، فإن زكريا هو ابن حكيم الحبطي هالك، كما قال الذهبي.
وقال ﵀ في "الضعيفة" (٣/ ٢١٨) وقد رواه بعض الضعفاء عن الحسن البصري موقوفاً عليه، أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان" رقم (٩٣) وسنده ضعيف من أجل زكريا -المتقدم-.
قلت: وقد جاء عن الحسن عن أنس ﵁ مرفوعاً أن النبى ﷺ قال: (ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلى، ولكن هو ما وقر فى القلب، وصدقه العمل). أخرجه ابن النجار وكذا البخاري فى "تاريخه".
стр. 846
وفي سنده: عبد السلام بن صالح العابد.
قال النسائى: متروك.
وقال ابن عدى: مجمع على ضعفه. "فيض القدير" (٥/ ٤٥٣).
وقد حكم على هذا الحديث بالنكارة العلائي.
وحكم عليه العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٠٩٨): بالوضع.
وانظر كذلك "ضعيف الجامع" (٤٨٨٠)، "فيض القدير" (٧٥٧٠)، "نشر الصحيفة (٣٣).
التعليق:
قلت: هذا الأثر لم يثبت موقوفاً ولا مرفوعاً، لكن معناه صحيح، فقد قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية النساء ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿النساء: ١٢٣﴾.
والمعنى في هذه الآية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال (١)، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى
стр. 847
يكون له برهان من الله، لهذا قال تعالى ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله ، واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام. اهـ.
فهذا هو الأصل، لكن الله تفضَل على هذه الأمة المحمدية، فأثاب من هو عاجز عن العمل، إذا علم صدق نيته، وحرصه ثواب العاملين. إلاّ أن الشيطان قد يدخل على كثير من الناس من هذه الثغرة، فيسوِّل لهم أن مجرد تمني الخير يوجب هذه الفضيلة، فلا ينفكون من قيود التمني ليلاً ولا نهارًا، ويظنون أنهم بذلك حازوا فضلاً كبيراً.
والحق: أن المتأمل للنصوص الواردة في التمني المحمود يرى قِلَته -بل ندرته- عند المؤمنين الصادقين، فهذ الرسول ﷺ نقل إلينا في أحاديث يسيرة، أنه تمنى: بينما أعماله لا تحصى كثرة.
وهكذا المتمنون من الصحابة والتابعين. فدلَ على أن الإكثار من تمني الخير ليس دأب الصالحين، بل هو سمة البطالين، ولقد قدمنا من شروط التمني الممدوح: العزم، والعجز عن العمل، فلعل في هذين الشرطين ما يقطع به المبتلون نفثات الشيطان في هذا الباب، وما أحسن ما قال أبو تمام:
стр. 848
من كان مرعى عزمه وهمومه .. روض الأماني لم يزل مهزولا
وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" أن سعيد بن المسيب قال: ما تمنيت قط. فقيل له في ذلك، فقال: إذا عرض لي شيء سألته ربي.
هذا وإن كثيراً من الناس لا يقتصرون على تمني أعمال البر، بل يغورون في تمني المباحات كالمساكن، والمراكب، والمزارع … ولا ريب أن هذا شرّ وبلاء على قلب المسلم، وحاضره ومستقبله ديناً ودنياً (١).
стр. 849
القسم الثالث (القصص)
стр. 850
(١) قصة: (ابن الأكرمين، وقول عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن العاص ﵁: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟).
(لا تصح)
عن أنس بن مالك ﵁، قال: أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال: عذتَ معاذاً، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر ﵁ إلى عمرو ﵁ يأمره بالقدوم عليه، ويقدم بابنه معه فقدم، فقال عمر ﵁: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر ابن الخطاب ﵁: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس ﵁: فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني، وقد اشتفيت منه.
فقال عمر ﵁ لعمرو بن العاص ﵁: مذ كم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني.
هذه القصة أخرجها ابن عبد الحكم في "فتوح مصر وأخبارها" (ص: ٢٩).
стр. 851
وأوردها السيوطي في "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" (٢/ ٣) عن ابن عبد الحكم عن أنس ﵁ فذكر القصة.
وأوردها محمد بن يوسف الكاندهلوي في "حياة الصحابة" (٢/ ٨٨) باب (عدل النبي ﷺ وأصحابه) قال: وأخرج ابن عبد الحكم عن أنس أن رجلاً من أهل مصر، فذكر القصة. ثم قال: كذا في "منتخب كنز العمال" (٤/ ٤٢).
قلت: هذه القصة سندها ضعيف، ومتنها منكر.
أما علة الإسناد:
(١) الانقطاع: فالواسطة بين ابن عبد الحكم وأبي عبدة مجهولة غير معروفة. فقول ابن عبد الحكم حُدِّثنا عن أبي عبدة -مبني للمجهول-، وبهذا لم يُعرف مَنِ الشيخ الذي أخذ عنه ابن عبد الحكم وتلقى عنه هذه القصة.
(٢) أبو عبدة، وهو يوسف بن عبدة بن ثابت العتكي البصري، ضعيف. قال الإمام أحمد: له أحاديث مناكير عن حُميد وثابت. "تهذيب التهذيب" (١١/ ٣٦٤).
وأما نكارة متن هذه القصة:
стр. 852
هو الطعن في أمير المؤمنين عمر ﵁، بالظلم حيث آخذ عمرو بن العاص ﵁ بذنب ولده،
فلا تدل القصة على عدل عمر كما يظن البعض، والله تعالى يقول ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿الأنعام: ١٦٤﴾.
قال الإمام ابن كثير ﵀ في "تفسيره": أي لا يحمل أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه.
وقال القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن": أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها، ومعاقبة بإثمها.
وفي "صحيح البخاري" (٦٨٨٢) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرءٍ بغير حق ليهريق دمه) (١).
стр. 853
(٢) قصة: (أبي حنيفة أنه مكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء) .
(لا أصل لها)
القصة ذكرها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٥٥).
(١) قال الفيروز أبادي في "الرد على المعترض" (٤٤/ ١): هذا من جملة الأكاذيب الواضحة التي لا تليق نسبتها إلى الإمام، فما في هذه فضيلة تذكر، وكان الأولى بمثل هذا الإمام أن يأتي بالأفضل، ولا شك أن تجديد الطهارة لكل صلاة أفضل وأتم وأكمل، هذا إن صح أنه سهر طوال الليل أربعين سنة متوالية، وهذا أمر بالمحال أشبه، وهو من خرافات بعض المتعصبين الجهال، قالوه في أبي حنيفة وغيره، وكل ذلك مكذوب. …
(٢) قال العلامة الألباني في "صفة الصلاة" (ص: ١٢٠ - ١٢١) حاشية: … يكره إحياء الليل كله دائماً أو غالباً لأنه خلاف سنته ﷺ ، ولو كان إحياء كل الليل أفضل لما فاته ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ولا تغتر بما رُوي عن أبي حنيفة، أنه مكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، فإنه مما لا أصل له عنه.
стр. 854
(٣) قصة: (أبي ذر ﵁ أنه قال لبلال: يا ابن السوداء، ثم اعتذر له ووضع خده في الأرض، وطلب من بلال أن يطأ خده بقدمه) .
(لا تصح)
(١) قال الحافظ-﵀ في "الفتح" (١/ ١٠٨): وقيل إن الرجل المذكور، هو بلال المؤذن مولى أبي بكر ﵁، روى ذلك الوليد ابن مسلم منقطعاً.
(٢) قال العلامة الألباني ﵀ في "غاية المرام" (ص: ١٥٢) رقم (٣٠٧): بعد ذكر الحديث الصحيح وهو كما ترى ليس فيه ذكر لبلال ﵁.
قلت: تبين لك أخي الكريم عدم ثبوت هذه المقولة: (يا ابن السوداء) لبلال ﵁، مؤذن النبي ﷺ ، وإنما قالها أبو ذر ﵁ لأحد الموالي.
فقد ثبت في البخاري ومسلم عن المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر ﵁ وعليه حلة، وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك، فذكر أنه سابَّ رجلاً على عهد رسول الله ﷺ فعيَّره بأمه، فقال النبي ﷺ : (إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم).
стр. 855
(٤) قصة: (أبي معلق ﵁ التاجر الذي نزل المَلَك لإنقاذه من اللص الذي أراد قتله) .
(موضوعة)
قال ابن أبي الدنيا ﵀ في "مجابي الدعوة" (ص: ٦٣) حدثني عيسى بن عبد الله التميمي، أخبرني فهير بن زياد الأسدي، عن موسى ابن وردان عن الكلبي -وليس بصاحب التفسير- عن الحسن عن أنس ﵁ قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان تاجراً يتجر في مال له ولغيره، يضرب به في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، وقال له: ضع ما معك فإني قاتلك! قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، قال: صل مابدا لك، فتوضأ، ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس!! قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله! ثم أقبل إليه فقال: قم! قال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم، قال: أنا مَلَك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك
стр. 856
الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت الله تعالى أن يوليني قتله.
قال أنس ﵁: فاعلم أنه من توضأ، وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء استجيب له، مكروباً كان أو غير مكروب.
والقصة رواها اللآلكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٩/ ١٦٦)، وذكرها الحافظ في "الإصابة" (٧/ ٣١٣)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (٦/ ٢٨٩).
(١) قال العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٥٧٣٧): موضوع لوائح الوضع والصنع عليه ظاهرة … ثم قال: وهذا إسناد مظلم، لم أعرف أحداً ممن دون الحسن، غير موسى بن وردان وهو مختلف فيه.
(٢) قال العلامة ابن باز-﵀ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (٢٦/ ٢٩٦) عندما سئل عن هذه القصة: ما وقفت على هذا الكلام الذي فيه أربع ركعات، وأما خبر اللص فخبر فيه ضعف.
(٣) ضعَّف القصة الشيخ عبد الرقيب في"كرامات الأولياء" (ص: ٢٤٣).
(٤) ضعَّفها الدكتور أحمد بن سعد الغامدي في تحقيق "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٩/ ١٦٦).
стр. 857
(٥) قصة: (إحراق طارق بن زياد للسفن التي عبر بها مع جيشه إلى الأندلس) .
(لا أصل لها)
تُنسب هذه القصة إلى فاتح الأندلس طارق بن زياد، وهي بشأن إحراق السفن التي عَبَر بها مع جنده من الشاطئ الإفريقي إلى شواطئ شبه جزيرة إيبريا.
وخلاصة هذه القصة:
أن طارق بن زياد أحرق السفن التي أقلتَّه عبر المضيق، كي يقطع على الجيش كل أمل في العودة إلى إفريقية، وليدفعهم إلى الاستبسال في القتال، وأخبرهم أن البحر خلفهم والعدو أمامهم.
وقد ذهب بعض المؤرخين المحققين إلى إبطال الرواية التي يذكر فيها حرق السفن، ويستدلون لذلك بأدلة منها:
(١) أن خبر الإحراق لم يذكره أحد من جنده أو معاصريه، وإنما قيلت بعده بقرون.
(٢) لم يقل طارق: إني أحرقت السفن أو أمرت بذلك، وإنما فهم بعض المتأخرين ذلك من خطبته التي ورد فيها: أيها الناس أين
стр. 858
المفر البحر من ورائكم، والعدو أمامكم؟! فهموا من هذا الكلام أن البحر وراءهم، وليس فيه وسيلة نقل تنقلهم إلى العدوة المغربية، وهو فهمٌ فيه شيء من السقم.
(٣) السفن ليست ملكاً لطارق حتى يتصرف بها كيف يشاء.
(٤) لم يحاسب طارقاً أحد من قادته سواء كان القائد العام موسى ابن نصير، أم الخليفة الوليد بن عبد الملك.
(٥) ألا يمكن لطارق أن يأمر بالسفن فتعود إلى العدوة المغربية ليصل إلى النتيجة نفسها، وذلك أفضل من أن يحرقها ويخسرها المسلمون.
(٦) ألا يتوقع طارق طلب مدد، وهذا ما حدث، فعلى أي شيء انتقل هذا المدد، لقد انتقل على السفن نفسها.
(٧) من أين جاء موسى بن نصير بالسفن التي انتقل عليها إلى الأندلس مع بقية الجيش عندما خاف على المسلمين الذين توغلوا بعيداً داخل الأندلس؟ لقد انتقل على السفن نفسها.
(٨) لا يمكن لقائد بعيد النظر مثل طارق أن لا ينظر إلى المستقبل، فيترك جيشه الصغير في بلاد الأندلس الواسعة، والتي من ورائها أوربا تدعمها، وبين مخالب دولة القوط الحاقدة المتربصة بالمسلمين التي تنتظر الفرصة لتعمل مخالبها فيهم.
стр. 859
(٩) لم تكن عملية إحراق السفن بالطريقة التي تلقي الحماسة في نفوس المسلمين، فقد عرف من جهادهم التذكير بإحدى الحسنيين.
(١٠) إحراق السفن لا يفيد عندما يحدث الهلع في النفوس.
وقضية إحراق السفن فرية وضعها بعضهم لإبراز فكرة التضحية والإقدام عند طارق، وروَّجها أو أسهم في وضعها الذين لهم أهداف بعيدة في تشجيع المسلمين على مخالفة الإسلام، والقيام بمثل هذه الأعمال الانتحارية (١).
стр. 860
(٦) قصة: (إرم ذات العماد وأنها مدينة مبنية بالذهب، تنتقل من مكان إلى مكان !!).
(باطلة)
قلت: هذه قصة باطلة لوائح الوضع والصنع عليها ظاهرة كما نصَّ على ذلك جمع من أهل العلم:
(١) قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى- في "تفسيره" (٤/ ٦٥٥): وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: (إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وأنها تتنقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد). فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. وذكر الثعلبي وغيره: أن رجلاً من الأعراب، وهو عبد الله ابن قلابة في زمان معاوية ﵁ ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب،
стр. 861
فدخلها فوجد فيها قريباً مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئاً. وقد ذكر ابن أبي حاتم: قصة إرم ذات العماد هاهنا مطولة جداً. فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته. وقال في "البداية والنهاية" (١/ ١١٣): ومن زعم أن إرم مدينة تدور في الأرض، فتارة في الشام، وتارة في اليمن، وتارة في الحجاز، وتارة في غيرها فقد أبعد النجعة، وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه ولا مستند يركن إليه.
(٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" (٨/ ٥٧٢): بعد ذكر القصة فيها ألفاظ منكرة، وراويها عبد الله بن قلابة لا يعرف وفي إسناده عبد الله بن لهيعة.
(٣) قال ابن خلدون ﵀ في "المقدمة" (١/ ٢٦): وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض، ولم ينقل عن هذه المدينة خبر، ولا ذكرها أحد من الإخباريين، ولا من الأمم، ولو قالوا أنها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه، إلا أن ظاهركلامهم أنها موجودة، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى
стр. 862
أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات.
(٤) قال الشوكاني ﵀ في "فتح القدير" (٥/ ٤٣٥): وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها جواهر، وتربتها مسك، وليس بها أنيس، ولا فيها ساكن من بني آدم، وأنها لا تزال تتنقل من موضع إلى موضع، فتارة تكون باليمن، وتارة بالشام، وتارة تكون بالعراق، وتارة تكون بسائر البلاد، وهذا كذب بحت لا ينفق على من له أدنى تمييز. وزاد الثعلبي في تفسيره: أن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل هذه المدينة، وهذا كذب على كذب، وافتراء على افتراء، وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى، ورزية كبرى، من أمثال هؤلاء الكذَّابين الدجَّالين، الذين يتجرؤن على الكذب تارة على بني إسرائيل، وتارة على الأنبياء، وتارة على الصالحين، وتارة على رب العالمين، وتضاعف هذا الشر وزاد كثرة بتصدر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها من موضوعها، للتصنيف والتفسير للكتاب العزيز، فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة، في تفسير كتاب الله سبحانه، فحرَّفوا وغيَّروا وبدَّلوا.
стр. 863
(٧) قصة: (استشهاد أبناء الخنساء الأربعة في معركة القادسية) .
(لا تصح)
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "الإصابة" (٨/ ١١١): وذكر الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن المخزومي، وهو المعروف بابن زبالة -أحد المتروكين-، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبي وجزة، عن أبيه قال: حضرت الخنساء بنت عمرو السلمية حرب القادسية، ومعها بنوها أربعة رجال، فذكر موعظتها لهم، وتحريضهم على القتال وعدم الفرار، وفيها: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لبنو أب واحد، وأم واحدة، ما هجنت أباءكم ولا فضحت أخوالكم، فلما أصبحوا باشروا القتال واحداً بعد واحد حتى قتلوا. اهـ.
قلت: هذه القصة لا تصح في سندها: محمد بن الحسن المخزومي، المعروف بابن زبالة وهو متروك، كما أشار الحافظ.
ويستدل بعض المتأخرين على عدم صحة قصة استشهاد أولاد الخنساء (١) الأربعة في معركة القادسية بما يلي:
стр. 864
(١) أن كل من كتب عن الخنساء، وقتل أولادها الأربعة يستند إلى وصيتها لهم، بينما تلك الوصية لمرأة نخعية، وليست للخنساء السلمية. ومما يؤكد هذا ما ذكره إمام المفسرين ابن جرير الطبري عندما قال في "تاريخه": كانت امرأة من النخع لها بنون أربعة شهدوا القادسية، … لى أن قالت في وصيتها: والله إنكم لبنو رجل واحد. اهـ. والشاهد قولها: إنكم لبنو رجل واحد، والمعروف أن للخنساء ثلاثة أبناء ذكور وبنتاً واحدة من زوجها مرداس، وابناً واحداً من زوجها رواحة، واسم هذا الابن عبد الله، وكنيته أبو شجرة، وهو مشهور عند أهل التاريخ، وقد ذكروا أن عمر ﵁ نَهَرَه لشعر قاله فهرب منه، ولم يقربه حتى مات عمر ﵁ سنة (٢٣ هـ)، بينما القادسية كانت في سنة (١٤ هـ).
(٢) ومن الأدلة أيضاً: قولها في الوصية: ثم جئتم بأمكم عجوزاً كبيرة، ولم تكن الخنساء في وقت القادسية عجوز كبيرة، ويضاف أيضاً أن ابنها مرداساً شاعر مشهور قبل إسلامه وبعده، وله مواقف معروفة مع الرسول ﷺ ، ولو شارك في القادسية، أو استشهد لذكره المؤرخون لشهرته، فكيف يتناسون شاعراً مثله وقد ذكروا من هو أقل شعراً منه (١).
стр. 865
(٨) قصة: (إسلام نعيم بن مسعود يوم الخندق، وأن النبي ﷺ أوصاه أن يكتم إسلامه، ورده على المشركين ليوقع بينهم، وقال له: إنما أنت رجل واحد فخذِّل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة .. إلخ) .
(لا تصح)
وفيها أن نعيم بن مسعود ذهب حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، لإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا رهناً من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي، ثم خرج حتى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان ومن معه، قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمر رأيت عليّ حقاً أن أبلغكموه، نصحاً لكم فاكتموا
стр. 866
عني، فقالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، قريش وغطفان، رجالاً من أشرافهم ونعطيكهم، فتضرب أعناقهم؟ فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً.
ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليَّ، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، كان من صنع الله لرسوله ﷺ ، أن أرسل أبو سفيان، ورؤوس من غطفان إلى بني قريظة، عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رُهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه، فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي
стр. 867
حدثكم نعيم ابن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة، إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة، حين انتهت إليهم الرسل بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد القوم أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم.
روى هذه القصة ابن إسحاق في "السير" وعنه ابن هشام (٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢) بدون إسناد، والواقدي في "المغازي" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٥)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ١١٣).
(١) قال العلامة الألباني في تعليقه على "فقه السيرة" (ص: ٢٣٢): ذكر هذه القصة ابن إسحاق بدون إسناد وعنه ابن هشام، لكن قوله ﷺ : (الحرب خدعة) صحيح متواتر عنه ﷺ ، رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة، وغيرهما ﵃. وقال في "الضعيفة" (٣٧٧٧): ضعيف جداً (١).
(٢) قال الدكتور أكرم ضياء العمري في "السيرة النبوية الصحيحة" (٢/ ٤٣٠): وهذه الروايات لا تثبت من الناحية الحديثية، ولكنها اشتهرت في كتب السير.
стр. 868
(٩) قصة: (ثعلبة بن حاطب الصحابي الجليل ﵁ المفترى عليه في تركه للصلاة ومنعه للزكاة) .
(ضعيفة جداً)
وهي أن ثعلبة ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادعو الله أن يرزقني مالاً، قال: فقال رسول الله ﷺ : (ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئتُ أن تسيل معي الجبال فضة وذهباً لسالت، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأُوتين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم ارزق ثعلبة مالاً)، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلاة إلى الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة، فسأل رسول الله ﷺ فقال: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة … ، فبعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة، … وقال لهما: مرا بثعلبة، وبفلان، رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما هي إلا جزية، ما أدري ما هذا انطلقا … حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ ، فلما رآهما قال: ياويح ثعلبة، قبل أن يتكلما، فأنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ
стр. 869
آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿التوبة: ٧٥ - ٧٧﴾، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: (إن الله منعني أن أقبل صدقتك، … وقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئاً … )، وفيه أتى أبا بكر ﵁ في خلافته فلم يقبلها منه، وهكذا عمر ﵁ في خلافته، وعثمان ﵁ في خلافته.
قلت: هذه القصة ضعيفة جداً، سنداً ومتناً:
أما علة الإسناد:
(١) علي بن يزيد الألهاني، اتفق أهل العلم على ضعفه.
"تهذيب التهذيب" (٧/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) معان بن رفاعة السلامي، لين الحديث.
"تقريب التهذيب" (٦٧٩٥).
ثانياً: نكارة المتن وتتلخص في أمرين:
(١) مخالفتها للقرآن الكريم ولسنة الرسول ﷺ ، حيث جاء القرآن وجاءت السنة بقبول توبة التائب، مهما كان عمله ما لم يغرغر، أو تطلع الشمس من مغربها، وتفيد هذه القصة أن الرسول ﷺ وأصحابه الثلاثة ﵃ لم يقبلوا توبة ثعلبة بن حاطب.
стр. 870
(٢) مخالفتها للأحاديث الثابتة الواردة في مانع الزكاة، حيث جاء الحديث عن رسول الله ﷺ في أن مانع الزكاة تؤخذ منه الزكاة، ويؤخذ منه شطر ماله.
وقد ضعَّف هذه القصة جمع من أهل العلم، منهم:
(١) قال ابن حزم في "المحلى" (١٢/ ١٣٧): هذا باطل بلا شك … إلخ.
(٢) قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر، وهو مشهور بين أهل التفسير؛ نقله عنه المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٦٨٨).
(٣) قال الإمام ابن عبد البر: لا تصح.
(٤) قال القرطبي في "التفسير" (٤/ ١٣٣ - ١٣٤): لا تصح.
(٥) قال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" (١/ ٦٦) رقم (٦٢٣): إنه حديث منكر بمرة.
(٦) ضعَّفها العراقي في "تخريج الإحياء" (٣/ ١٣٥).
(٧) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢) رواه الطبراني وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك.
(٨) قال الحافظ في "الإصابة" (١/ ٥١٦) بعد ذكر خبر القصة: ولا أظنه يصح. وقال في "الفتح" (٣/ ٣١٣): لكنه حديث ضعيف لا يحتج به.
(٩) قال السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١): سندها ضعيف.
стр. 871
(١٠) وضعَّفها المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٦٨٨).
(١١) قال أحمد شاكر معلقاً على هذا الخبر في "تفسير الطبري" (١٤/ ٣٧٣): وهو ضعيف كل الضعف، وليس له شاهد من غيره، وفي بعض رواته ضعف شديد.
(١٢) ضعَّفها الألباني في "ضعيف الجامع" (٤١١٢).
(١٣) وشيخنا الوادعي في "المقترح" (ص: ١٠) و"أسباب النزول" (ص: ١١ - ١٢).
(١٤) وشيخنا ابن عثيمين في "شرح أصول في التفسير" (ص: ٣٨).
(١٥) ويوسف العتيق في "قصص لا تثبت" (١/ ٤٣ - ٤٩).
(١٦) ومشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٢٨٧ - ٢٨٨).
(١٧) وعداب الحمش في كتابه "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".
(١٨) وسليم الهلالي في رسالته "الشهاب الثاقب في الذب عن ثعلبة بن حاطب".
والخلاصة: أن هذه القصة ضعَّفها جمهور المحدثين والمحققين من العلماء
بخلاف جمهور المفسرين، فقد ذكروها في تفسير سورة التوبة عند قول الله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
стр. 872
(١٠) قصة: (الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة، يوم اليرموك، وإيثار كل واحد منهم صاحبه بالماء الذي دعا به ليشربه، وموتهم دون أن يشرب واحد منهم من الماء) .
(لا تصح)
هذه القصة رواها الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٩٣) رقم (٥١٢٤) قال: أخبرني أبو الحسن العمري، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبو يونس القشيري، حدثني حبيب بن أبي ثابت: (أن الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياش بن أبي ربيعة، ارتئوا يوم اليرموك، فدعا الحارث بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة، فقال الحارث: ادفعوه إلى عكرمة، فنظر إليه عياش بن أبي ربيعة، فقال عكرمة: ادفعوه إلى عياش، فما وصل إلى عياش، ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا وما ذاقوه.
وفي سندها: انقطاع، فإن حبيباً بن أبي ثابت لم يدرك اليرموك، وهو ثقة كثير التدليس والإرسال، كما قال الحافظ.
"تهذيب التهذيب" (٢/ ١٦٤ - ١٦٥) و"تقريب التهذيب" (١٠٨٧).
стр. 873
قلت: والقصة جاءت من طرق أخرى لا يصح منها شيء.
وقد ضعَّف هذه القصة:
(١) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٢١٣) قال: رواه الطبراني، وحبيب لم يدرك اليرموك، وفي الإسناد من لا أعرفه.
(٢) ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) قال: وهذا الحديث عندي موضوع، لأن أهل السيرة يذكرون أن عكرمة قتل يوم أجنادين، وعياش بمكة، والحارث مات في الشام في طاعون عمواس.
(٣) المزي في "تهذيب الكمال" (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٤) شيخنا الوادعي في تعليقة على "المستدرك" (٣/ ٢٩٣) رقم (٥١٢٤) قال: منقطع لأن حبيباً لم يدركهم.
(٥) اللجنة الدائمة كما في "مجلة البحوث العلمية" العدد (٢٢) (ص: ٣٠ - ٣٩) تكلمت على هذه القصة وعلى طرقها، وخلاصة بحث اللجنة: أن القصة لم تثبت.
стр. 874
(١١) قصة: (خولة بنت الأزور) .
(لا أصل لها)
لقد اشتهرت قصة خولة بنت الأزور في إنقاذ أخيها ضرار من الأسر عندما ركبت جوادها، ووضعت لثاماً لتخفي وجهها … إلخ.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن خولة بنت الأزور، وقضية إنقاذ أخيها من الأسر كله من الأخبار الواهية، التي لا تستند على برهان قوي، ومن الأدلة التي ساقها في تأييد قوله ما يلي:
(١) كتب السير لا تشير من قريب ولا من بعيد إلى ترجمة خولة.
(٢) كتب التراجم التي تترجم لضرار لا تشير إلى خولة، لا في أخبار أخيها، ولا في تراجم النساء الصحابيات، فمثلاً الحافظ ابن حجر في "الإصابة" لم يذكرها إطلاقاً ضمن من أحصى من النسوة، حتى أولئك اللاتي لم ينلن لقب صحابيات.
(٣) محمد بن سعد صاحب "الطبقات" ذكر خمسة عشر خولة، ليس فيهن خولة بنت الأزور.
(٤) أما المصادر الأدبية فلم يذكرها أي كتاب من أمهات الكتب الأدبية، فصاحب"الأغاني" ذكر ست خولات ليست بنت الأزور بينهن، وكذلك صاحب كتاب "الشعر والشعراء"، وكذلك الشأن
стр. 875
في الكتب التي اهتمت قديماً بأخبار النساء بصفة خاصة مثل كتاب "بلاغات النساء" لابن طيفور المتوفي سنة (٢٨٠ هـ).
(٥) كذلك كتب اللغة فصاحب"القاموس المحيط" أحصى الخولات من الصحابيات واستدرك عليه صاحب"تاج العروس" فلم يذكرها أحد الاثنين.
(٦) وهكذا أغفلت ذكرها كتب التاريخ والأدب واللغة جميعاً.
ثم ذكر الباحث أنه وجد لها ترجمة في كتاب "الأعلام" للزركلي، فقد ذكر صاحب "الأعلام" خولة بنت الأزور الأسدي، وذكر أنها تُشبَّه بخالد بن الوليد في حملاتها، وهي أخت ضرار، ولها أخبار كثيرة في فتوح الشام، وفي شعرها جزالة، توفيت في أواخر عهد عثمان ﵁، ولها ترجمة في كتاب "أعلام النساء" للأستاذ عمر كحالة، وكلها تعتمد على كتاب "الدر المنثور" لزينب بنت فواز العامرية، وكتاب "فتوح الشام" للواقدي، وكتاب "شرح ديوان الخنساء".
وقد رجع الباحث إلى كتاب "الدر المنثور في ذكريات ربات الخدور" فوجد أن مؤلفة الكتاب عاشت ما بين (١٢٧٦ هـ) إلى (١٣٣٢ هـ) ولذا فلا يحتج بقولها لأنها معاصرة، وقد أخطأت صاحبة الكتاب فنسبت خولة إلى كنده مع أنها من أسد.
وأما كتاب "شرح ديوان الخنساء" فليس يُعرف اسم مؤلفه أو جامع مادته، وهو يعتمد على ما ساقه الواقدي في كتاب "فتوح الشام" وعلى هذا
стр. 876
فيكون المرجع الوحيد هو كتاب "فتوح الشام" للواقدي، والواقدي هو محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء. ثم عرَّج الباحث بالكلام على كتاب "فتوح الشام"، وذكر أن الكتاب فيه شك بالنسبة لنسبته للواقدي، وذكر أن من الأدلة على ذلك أن أسلوب الكتاب يخالف أسلوب الواقدي المعروف، فهذا الكتاب أشبه بكتاب لسرد الأساطير والحكايات، وفيه تناقض وتباين في المعلوم، ثم توصل إلى أن الكتاب إن كان للواقدي فقد حصل فيه زيادات وتشويه (١).
وقال مشهور بن حسن (٢): ومن المناسب هنا ذكر فائدة نفيسة، وهي أن خولة بنت الأزور، وقصصها البطولية مع أخيها ضرار لا وجود لها في الواقع، بل إن خولة لا ذكر لها البتة في كتب التراجم والسير، بل ولا في كتب اللغة والأدب، فهي على الراجح شخصية وهمية، وكل من يثبت عنها شيئاً، فإنما اعتماده على الواقدي وعلى "شرح ديوان الخنساء" وقد علمت -أخي القارئ- حال هذين الكتابين، فإنهما مما لا يعتمد على ما فيهما.
стр. 877
(١٢) قصة: (داود ﵇، وأنه أعجب بامرأة قائد الجند، فقتل زوجها ليتزوجها) .
(باطلة)
وخلاصة القصة: (أن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة، فَهَمَّ بها، فقطع على بني إسرائيل بعثاً، وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فاضرب فلاناً، وسماه. قال: فضربه بين يدي التابوت، قال: وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله، فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة).
قلت: وقد حكم جمع من أهل العلم على هذه القصة بالبطلان:
(١) قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٤/ ٤١): رواه ابن أبي حاتم ولا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁، ويزيد الرقاشي وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة.
(٢) قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/ ٤١): وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل الله، فهذا باطل قطعاً، فإن داود ﷺ لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه.
стр. 878
(٣) قال السيوطي في "الإكليل": القصة التي يحكونها في شأن المرأة، وأنها أعجبت داود ﵇، وأنه أرسل زوجها في البعث حتى قتل، في سندها ابن لهيعة ويزيد الرقاشي وكلاهما ضعيف.
(٤) أشار ابن حزم في "الفصل" إلى عدم صحتها.
(٥) وأشار البقاعي في "تفسيره" أنها من كذب اليهود.
(٦) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٧/ ٢٤) تحت قول الله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ﴿ص: ٢٤﴾. واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في هذه الآية مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، ولا ما جاء منه مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، لا يصح منه شيء.
(٧) قال الألباني في "الضعيفة" (١/ ٣٢٥) رقم (٣١٣، ٣١٤): وقصة افتتان داود ﵇ بنظره إلى امرأة الجندي أوريا، مشهورة مبثوثة في كتب قصص الأنبياء وبعض كتب التفسير، ولا يشك مسلم عاقل في بطلانها، لما فيها من نسبة ما لا يليق بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل محاولة تعريض زوجها للقتل ليتزوجها من بعده، وقد رويت هذه القصة مختصرة عن النبي ﷺ ، فوجب ذكرها والتحذير منها وهي: (أن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة فَهَمَّ بها فقطع على بني إسرائيل بعثاً … إلخ): باطل رواه الحكيم
стр. 879
الترمذي في "نوادر الأصول" عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً كما في "تفسير القرطبي" (١٥/ ١٦٧)، والظاهر أنه من الإسرائيليات التي نقلها أهل الكتاب الذين لا يعتقدون العصمة في الأنبياء، أخطأ يزيد الرقاشي فرفعه إلى النبي ﷺ .
(٨) سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩) عن هذه القصة. فقالت: ما يذكره كثير من المفسرين عن قصة داود ﵇ في عشق امرأة قائد الجند، غير صحيحة وأنها من الإسرائيليات.
(٩) أشار الحلبي في تحقيق "الداء والدواء" (ص: ٧٢): إلى أن هذه القصة من الإسرائيليات.
стр. 880
(١٣) قصة: (رحيل بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ ، إلى الشام، ورجوعه إلى المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بعد رؤيته رسول الله ﷺ في المنام، وأذانه بها، وارتجاج المدينة، بالبكاء لتذكرهم الأذان في حياة رسول الله ﷺ -. …
(موضوعة)
ونصها أن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ ، وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يابلال؟ فانتبه حزيناً، وجلاً، خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي ﷺ ، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله ﷺ في السحر، ففعل فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: (الله أكبر) عجت المدينة، فلما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) زاد عجيجها، فلما أن قال: (أشهد أن محمداً رسول الله)، خرج العواتق من خدورهنَّ، فقالوا: أبعث رسول الله ﷺ ؟ فما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم.
قلت: هذه قصة موضوعة تفرد بها محمد بن الفيض الغساني، عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده، وإبراهيم بن محمد