فيكون المرجع الوحيد هو كتاب "فتوح الشام" للواقدي، والواقدي هو محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء. ثم عرَّج الباحث بالكلام على كتاب "فتوح الشام"، وذكر أن الكتاب فيه شك بالنسبة لنسبته للواقدي، وذكر أن من الأدلة على ذلك أن أسلوب الكتاب يخالف أسلوب الواقدي المعروف، فهذا الكتاب أشبه بكتاب لسرد الأساطير والحكايات، وفيه تناقض وتباين في المعلوم، ثم توصل إلى أن الكتاب إن كان للواقدي فقد حصل فيه زيادات وتشويه (١).
وقال مشهور بن حسن (٢): ومن المناسب هنا ذكر فائدة نفيسة، وهي أن خولة بنت الأزور، وقصصها البطولية مع أخيها ضرار لا وجود لها في الواقع، بل إن خولة لا ذكر لها البتة في كتب التراجم والسير، بل ولا في كتب اللغة والأدب، فهي على الراجح شخصية وهمية، وكل من يثبت عنها شيئاً، فإنما اعتماده على الواقدي وعلى "شرح ديوان الخنساء" وقد علمت -أخي القارئ- حال هذين الكتابين، فإنهما مما لا يعتمد على ما فيهما.
стр. 877
(١٢) قصة: (داود ﵇، وأنه أعجب بامرأة قائد الجند، فقتل زوجها ليتزوجها) .
(باطلة)
وخلاصة القصة: (أن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة، فَهَمَّ بها، فقطع على بني إسرائيل بعثاً، وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فاضرب فلاناً، وسماه. قال: فضربه بين يدي التابوت، قال: وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله، فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة).
قلت: وقد حكم جمع من أهل العلم على هذه القصة بالبطلان:
(١) قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٤/ ٤١): رواه ابن أبي حاتم ولا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁، ويزيد الرقاشي وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة.
(٢) قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/ ٤١): وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل الله، فهذا باطل قطعاً، فإن داود ﷺ لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه.
стр. 878
(٣) قال السيوطي في "الإكليل": القصة التي يحكونها في شأن المرأة، وأنها أعجبت داود ﵇، وأنه أرسل زوجها في البعث حتى قتل، في سندها ابن لهيعة ويزيد الرقاشي وكلاهما ضعيف.
(٤) أشار ابن حزم في "الفصل" إلى عدم صحتها.
(٥) وأشار البقاعي في "تفسيره" أنها من كذب اليهود.
(٦) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٧/ ٢٤) تحت قول الله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ﴿ص: ٢٤﴾. واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في هذه الآية مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، ولا ما جاء منه مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، لا يصح منه شيء.
(٧) قال الألباني في "الضعيفة" (١/ ٣٢٥) رقم (٣١٣، ٣١٤): وقصة افتتان داود ﵇ بنظره إلى امرأة الجندي أوريا، مشهورة مبثوثة في كتب قصص الأنبياء وبعض كتب التفسير، ولا يشك مسلم عاقل في بطلانها، لما فيها من نسبة ما لا يليق بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل محاولة تعريض زوجها للقتل ليتزوجها من بعده، وقد رويت هذه القصة مختصرة عن النبي ﷺ ، فوجب ذكرها والتحذير منها وهي: (أن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة فَهَمَّ بها فقطع على بني إسرائيل بعثاً … إلخ): باطل رواه الحكيم
стр. 879
الترمذي في "نوادر الأصول" عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً كما في "تفسير القرطبي" (١٥/ ١٦٧)، والظاهر أنه من الإسرائيليات التي نقلها أهل الكتاب الذين لا يعتقدون العصمة في الأنبياء، أخطأ يزيد الرقاشي فرفعه إلى النبي ﷺ .
(٨) سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩) عن هذه القصة. فقالت: ما يذكره كثير من المفسرين عن قصة داود ﵇ في عشق امرأة قائد الجند، غير صحيحة وأنها من الإسرائيليات.
(٩) أشار الحلبي في تحقيق "الداء والدواء" (ص: ٧٢): إلى أن هذه القصة من الإسرائيليات.
стр. 880
(١٣) قصة: (رحيل بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ ، إلى الشام، ورجوعه إلى المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بعد رؤيته رسول الله ﷺ في المنام، وأذانه بها، وارتجاج المدينة، بالبكاء لتذكرهم الأذان في حياة رسول الله ﷺ -. …
(موضوعة)
ونصها أن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ ، وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يابلال؟ فانتبه حزيناً، وجلاً، خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي ﷺ ، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله ﷺ في السحر، ففعل فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: (الله أكبر) عجت المدينة، فلما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) زاد عجيجها، فلما أن قال: (أشهد أن محمداً رسول الله)، خرج العواتق من خدورهنَّ، فقالوا: أبعث رسول الله ﷺ ؟ فما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم.
قلت: هذه قصة موضوعة تفرد بها محمد بن الفيض الغساني، عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده، وإبراهيم بن محمد
стр. 881
هذا شيخ لم يعرف، بل هو مجهول غير معروف بالنقل، ولا مشهور بالرواية، ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر.
وقد نصَّ على بطلان هذه القصة جمع من أهل العلم: …
(١) قال الإمام الذهبي في "السير" (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨): إسنادها لين وهو منكر.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ٢٠٧): هي قصة بينة الوضع.
(٣) حكم القاري في "المصنوع" بوضعها.
(٤) قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٦) رقم (٢٦) كتاب الصلاة: لا أصل لها.
(٥) قال العلامة الألباني في "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (ص: ١٠٤ - ١٠٥): فهذه الرواية باطلة موضوعة، ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه عديدة أذكر أهمها: أولاً: قوله: (فأتى النبى ﷺ فجعل يبكي عنده) فإنه يصورلنا أن قبره كان ظاهراً كسائر القبور التى في المقابر يمكن لكل أحد أن يأتيه، وهذا باطل بداهة عند كل من يعرف تاريخ دفن النبي ﷺ في حجرة عائشة رضى الله عنها، وبيتها الذى لايجوز لأحد أن يدخله إلابإذن منها، كذلك كان الأمر في عهد عمر ﵁، فقد
стр. 882
ثبت أنه لما طعن ﵁ أمر ابنه عبد الله أن يذهب إلى عائشة ويقول لها: إن عمر يقول لك: (إن كان لا يضرك، ولا يضيق عليك، فإني أحب أن أدفن مع صاحبي، فقالت: إن ذلك لا يضرني، ولا يضيق عليَّ، قال: فادفنوني معهما) أخرجه الحاكم (٣/ ٩٣). ثم أخرج (٤/ ٧) بإسناده الصحيح عنها قالت: (كنت أدخل البيت الذي دفن معهما عمر، والله ما دخلته إلا وأنا مشدود عليَّ ثيابي حياء من عمر) ولقد استمر القبر الشريف في بيت عائشة إلى ما بعد وفاتها، بل إلى آخر الصحابة ﵃، ثم أدخلوا البيت ووضعوه إلى المسجد لتوسعته، فصار بذلك في المسجد على النحو المشاهد اليوم، فيظن من لا علم عنده بحقيقة الأمر أن النبي ﷺ لما مات دفنه الصحابة في المسجد وحاشاهم من ذلك، وإنما دفنوه في البيت ثم حدث بعد ذلك ما ذكرنا، خلافاً لما يظنه كثير من الجهال، ومنهم واضع هذه القصة، الذي أعطى صورة للقبر مخالفة للواقع يومئذٍ وللصحابة ﵃، كما شرحه شيخ الإسلام وغيره من المحققين، وذكرت طرفاً منه في كتابي "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" فليراجعه من شاء. ثانياً: قوله: (ويمرغ وجهه عليه) قلت: وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة وجهل واضعها، فإنه يصور لنا أن بلالاً ﵁ من أولئك الجهلة الذي لا يقفون عند
стр. 883
حدود الشرع إذا رأوا القبور فيفعلون عندها ما لا يجوز من الشركيات والوثنيات، كتلمس القبر، والتمسح به، وتقبيله وغير ذلك مما هو مذكور في محله، وإن كان يجيز ذلك بعض المتفقهه، الذين لا علم عندهم بالكتاب والسنة ينير بصائرهم وقلوبهم، ممن يسايرون العامة على أهوائهم فيبررون لهم كثيراً من ضلالاتهم.
стр. 884
(١٤) قصة: (رسالة عمر بن الخطاب ﵁ إلى نهر النيل) .
(لا تصح)
روى هذه القصة اللالكائي في "شرح الإعتقاد" (٩/ ١٢٦): … من طريق عبد الله بن صالح حدثني ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص ﵁ حين دخل بؤنة -من أشهر العجم- فقالوا: يا أيها الأمير لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو ﵁: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله، … والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك، فكتب إليه إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو ﵁ البطاقة، فإذا فيها من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجري، فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يجريك، فنسأل الله تعالى أن يجريك، قال: فألقى البطاقة في النيل، فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع الله السنةَ على أهل مصر إلى اليوم.
стр. 885
والقصة ذكرها ابن كثير في "التفسير" (٣/ ٦١٣)، و"البداية والنهاية" (٧/ ١٠٢)، والقرطبي في "التفسير" (١٣/ ١٠٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٤/ ٣٣٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٢٥)، والسيوطي في "تاريخ الخلفاء" (١/ ١١٥).
قلت: والقصة ضعيفة في سندها:
(١) عبد الله بن صالح كاتب الليث، صدوق يخطئ.
(٢) ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٣) لم يذكر قيس بن الحجاج اسم الذي حدثه، وقيس لم يدرك عمر ﵁ فقد توفي سنة (١٢٩). "تهذيب الكمال" (٢٤/ ١٩ - ٢١).
وقد ضعَّف هذه القصة:
(١) شيخنا مقبل الوادعي ﵀ في "غارة الأشرطة" (٢/ ٢٢١) قال: وقد ذكره ابن عبد الحكم في "تاريخ مصر" وهو من طريق ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٢) الغامدي في تحقيق "شرح أصول إعتقاد أهل السنة" (٩/ ١٢٦).
(٣) الشيخ عبد الرقيب الإبي في "كرامات الأولياء" (ص: ٧١).
(٤) العزازي في تخريج "تفسير ابن كثير" (ص: ٤٣٥).
стр. 886
(١٥) قصة: (رؤيا الفتاة المريضة لزينب ﵂ .
(باطلة)
لقد شاع وذاع بين كثير من الناس، وتناقلوه خطاً ولفظاً، ذلك الخبر الممجوج المكذوب، خلاصته: أن فتاة تبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، أصابها مرض شديد أعجز الأطباء، وفي ليلة زاد عليها ألم المرض، فبكت حتى غلبها النوم، فرأت في منامها زينب ﵂، فوضعت في فمها قطرات، وبعد استيقاظها من النوم وجدت أنها قد شفيت، فذكرت أن زينب أوصتها أن تكتب الرؤيا (١٣) مرة، وتقوم بتوزيعها على المسلمين، وجاء في ذلك الخبر أن تلك الورقة وقعت في يد فقير فكتبها ووزعها، وبعد مُضِيّ (١٣) يوماً أصبح غنياً، ووصلت الورقة إلى عامل فأهملها وبعد مضي (١٣) يوماً فَقَدَ عمله، ووصلت إلى تاجر فأهملها، وبعد مضي (١٣) يوماً فَقَدَ ثروته … إلخ هذه فحوى ماجاء في تلك النشرة الساذجة الباطلة.
والعجب تسابق بعض الجهلاء إلى تصديق وتطبيق ما جاء فيها، وهذا مما يعرضهم للإثم، لأنهم أقدموا على أمر لا علم لهم به، وكان الواجب عليهم السؤال (فإنما شفاء العيّ السؤال) فالحذر الحذر من تلك النشرات التي تنتشر بين الحين والحين دون التثبت من صدقها، فإن التعجل في مثل هذه الأمور يزيد الجهل شدة وانتشاراً (١).
стр. 887
قلت: وقد سئلت اللجنة الدائمة (١/ ٢٧٥) المجموعة الثانية فتوى رقم (٢١٠٠٧) عن هذه القصة، فأجابت بالتالي:
هذه الورقة التي يقوم بنشرها بعض الناس بين حين وآخر، نشرة باطلة لا أساس لها من الصحة، وهي من مفتريات الكذابين والدجالين الذين يريدون صرف المسلمين عن الاعتماد على ربهم سبحانه في جلب النفع ودفع الضر إلى غيره من المخلوقين، وتعلقهم بالأوهام والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والواجب على المسلم أن لا يغتر بهذه النشرة المكذوبة، وأمثالها من النشرات، والمتعين على كل أحد التحذير منها، واتلافها متى وجدها، ومن كتبها أو قام بتوزيعها، أو أعان على ذلك فهو آثم، معرض نفسه لعقوبة الله العاجلة والآجلة، لما تسببه هذه النشرة من فتح باب الشرك والبدع في دين الله تعالى.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 888
(١٦) قصة: (سبب الوضوء من أكل لحوم الإبل) .
(ضعيفة)
أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (٤٠٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧٧/ ٣٦/ ٢)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١٤٠) رقم (٥٣١) ثلاثتهم عن الأوزاعي، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد قال: (كان رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فوجد ريحاً فقال: ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ، فلم يقم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال: إن الله لا يستحي من الحق، فقال العباس بن عبد المطلب: أنقوم كلنا يا رسول الله فنتوضأ، قال رسول الله ﷺ : قوموا كلكم فتوضؤا). هذا لفظ أبي عبيد.
قلت: هذه القصة ضعيفة من حيث الإسناد، وفيها نكارة من حيث المتن.
أولاً: من حيث الإسناد:
(١) واصل بن أبي جميل، ضعيف. قال البخاري في "التاريخ" (٨/ ٢٥٩٦): روى عنه الأوزاعي وأحاديثه مرسلة. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١١/ ٩١): فى معجم ابن الأعرابي عن أحمد ابن حنبل: واصل مجهول ما روى عنه غير الأوزاعى. وقال ابن معين: لا شيء. "الميزان" (٤/ ٣٢٨).
(٢) يحيى بن عبد الله البابلتي، ضعيف. "التقريب" (٧٦٣٥).
(٣) الإرسال: أرسلها مجاهد بن جبر.
стр. 889
وقد ضعف هذه القصة:
العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١١٣٢) قال: وهذا سند ضعيف مسلسل بالعلل: الإرسال من مجاهد وهو ابن جبر، وضعف واصل بن أبي جميل والبابلتي.
ثانياً: من حيث المتن: فقد بين العلامة الألباني ﵀ النكارة التي في متنها، فقال: ويشبه هذا الحديث ما يتداوله كثير من العامه وبعض أشباههم من الخاصة، زعموا: أن النبي ﷺ كان يخطب ذات يوم، فخرج من أحدهم ريح فاستحيا أن يقوم من بين الناس، وكان قد أكل لحم جزور، فقال رسول الله ﷺ ستراً عليه: (من أكل لحم جزور فليتوضأ) فقام جماعة كانوا أكلوا من لحمه، فتوضأوا.
وهذه القصة مع أنه لا أصل لها في شئ من كتب السنة، ولا فى غيرها من كتب الفقه والتفسير فيما علمت، فإن أثرها سيئ جداً فى الذين يروونها، فإنها تصرفهم عن العمل بأمر النبي ﷺ ، لكل من أكل من لحم الإبل أن يتوضأ، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره …
فهم يدفعون هذا الأمر الصحيح الصريح بأنه إنما كان ستراً على ذلك الرجل لا تشريعاً، وليت شعري كيف يعقل هؤلاء مثل هذه القصة ويؤمنون بها، مع بعدها عن العقل السليم والشرع القويم؟ فإنهم لو تفكروا فيها قليلاً لتبين لهم ما قلناه بوضوح، فإنه مما لا يليق به ﷺ أن
стр. 890
يأمر بأمر لعلة زمنية ثم لا يبين للناس تلك العلة، حتى يصير الأمر شريعة أبدية، كما وقع في هذا الأمر، فقد عمل به جماهير من أئمة الحديث والفقه، ولو أنه ﷺ كان أمر به لتلك العلة المزعومة لبينها أتم البيان، حتى لا يضل هؤلاء الجماهير باتباعهم للأمر المطلق؟ ولكن قبح الله الوضاعين في كل عصر وكل مصر، فإنهم من أعظم الأسباب التي أبعدت كثيراً من المسلمين عن العمل بسنة نبيهم ﷺ ، ورضي الله عن جماهير العاملين بهذا الأمر الكريم، ووفق الآخرين للاقتداء بهم في ذلك، وفي اتباع كل سنة صحيحة والله ولي التوفيق. …
والقصة ذكرها مشهور بن حسن في "قصص لا تثبت" (٢/ ٥٩ - ٩٣) وبيَّن بطلانها.
стр. 891
(١٧) قصة: (شج أهل الطائف رأس النبي ﷺ ورميهم إياه بالحجارة ودعائه ﷺ : (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس … ) وقصته مع عدَّاس النصراني، وانكباب عدَّاس عليه ﷺ يُقبل رأسه ويديه وقدمه) .
(لا تصح)
قال العلامة الألباني ﵀ في تعليقه على "فقه السيرة" للبوطي (ص: ١٣٢) حاشية: أخرج هذه القصة ابن إسحاق (١/ ٢٦٠ - ٢٦٢) بسند صحيح لكنه مرسل، محمد بن كعب القرضي أرسله، والحديث: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي) ولقاؤه بعداس ساقها بدون إسناد.
وكذلك رواه ابن جرير (١/ ٨٠ - ٨١) من طريق ابن إسحاق.
وروى هذه القصة الطبراني في "الكبير" من حديث عبد الله بن جعفر مختصراً وفيه الدعاء المذكور بنحوه. …
وقال الهيثمي: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات فالحديث ضعيف (١).
وقال العمري في "السيرة النبوية الصحيحة" (١/ ١٨٥): لم ترد رواية صحيحة فيها -أي في رحلة الطائف-.
стр. 892
تنبيه: سائر تفاصيل رحلة الطائف، أوردها كتَّاب المغازي كابن هشام وغيره بإسناد صحيح لكنه مرسل (١) من طريق محمد بن كعب القرظي وهو المصدر الرئيسي عندهم لمعلومات رحلة الطائف.
ولم ترد رواية صحيحة في رحلة الطائف، سوى أن عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ : (هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد مالقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فقال: (إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال: لا. بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً) رواه البخاري ومسلم.
وهذه الرواية تكفي لإثبات الحادث من حيث وقوع الرحلة، ورد أهل الطائف عليه بشدة، وما عرض عليه من عقوبتهم، ورحمته بهم، ورغبته باستبقائهم، وأخيراً ذكرى الرحلة الأليمة في نفسه رغم مرور السنوات.
стр. 893
(١٨) قصة: (صفة قتل الحجاج لسعيد بن جبير ﵀ .
(لا تصح)
لقد قتل الحجاج بن يوسف الثقفي كثيراً من العلماء والصلحاء والأخيار، فكان ممن قتل سعيد بن جبير ﵀.
لكن وردت آثار كثيرة في صفة مقتله أكثرها لا تصح.
وملخصها أن الحجاج لما أراد قتل سعيد بن جبير دعا بالعود، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى.
فقال الحجاج: ما يبكيك، أهو اللهو؟
قال: بل الحزن؛ أما النفخ فذكرني يوم النفخ في الصور، وأما العود فشجرة قطعت من غير حق، وأما الأوتار فأمعاء شاة يبعث الله بها معك يوم القيامة. فقال الحجاج: ويلك يا سعيد.
قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار.
قال: اختر أي قتلة تريد أن أقتلك.
قال: اختر لنفسك يا حجاج، والله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك مثلها في الآخرة.
قال الحجاج: أفتريد أن أعفو عنك؟
قال: إن كان العفو فمن الله وأما أنت فلا إرادة لك ولا عذر.
стр. 894
قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج من الباب ضحك فأُخبر الحجاج بذلك، فأمر برده.
فقال: ما أضحكك؟
قال: عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك فأمر بالنطع فبسطت.
فقال: اقتلوه.
فقال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.
قال: شدوا به لغير القبلة.
قال: فأينما تولوا فثم وجه الله.
قال: كبوه لوجهه.
قال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ثم دعا على الحجاج.
وقيل: إن الحجاج عاش بعدها خمسة عشر ليلة ثم وقعت في بطنه الآكلة فمات.
(١) قال الذهبي في "النبلاء" (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣): هذه حكاية منكرة غير صحيحة.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (٩/ ١٠٢ - ١٠٤) بعد ذكر القصة: وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، -أي سعيد بن جبير- أكثرها لا يصح.
стр. 895
(١٩) قصة: (ضرب عمر ﵁ لأخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد ﵃ لما أسلما) .
(منكرة)
قال السيوطي ﵀ في "تاريخ الخلفاء" (ص: ١٠٠ - ١٠١): وأخرج ابن سعد، وأبو يعلى، والحاكم، والبيهقي في "الدلائل" عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج عمر متقلداً سيفه، فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً، قال: وكيف تأمن من بني هاشم، وبني زهرة، وقد قتلت محمداً؟ فقال: ما أراك إلا قد صبأت، قال: أفلا أدلك على العجب؟ إن ختنك سعيداً وأختك قد صبآ وتركا دينك، فمشى عمر، فأتاهما وعندهما خبَّاب، فلما سمع بحس عمر توارى في البيت، فدخل، فقال: ما هذه الهينمة؟ وكانوا يقرؤون طه، قالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما صبأتما، فقال له ختنه سعيد بن زيد: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، فوثب عليه عمر فوطئه وطئاً شديداً، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها، فقالت وهى غضبى: وإن كان الحق في غير دينك (إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت أخته: إنك نجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون قم فاغتسل … إلخ القصة.
стр. 896
قلت: ومدارها على القاسم بن عثمان البصري.
قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها.
وقد ضعَّف هذه القصة جمع من العلماء، منهم:
(١) الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٣٧٥) قال: منكرة جداً.
(٢) الحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ١٣٢) وفي "الإصابة" (٨/ ٢٧١).
(٣) ابن عبد البر في "الإستيعاب" (٤/ ١٨٩٢).
(٤) العلامة الألباني في الضعيفة (٦٥٣١): أشار إلى ضعفها، ولم يذكرها في كتابه "صحيح السيرة النبوية" في قصة إسلام عمر ﵁.
(٥) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ١٥٠).
(٦) أكرم ضياء العمري في "السيرة النبوية الصحيحة" (١/ ١٨٠).
(٧) إبراهيم العلي في كتابه "صحيح السيرة النبوية" (ص: ١١٠).
تنبيه: جوَّد بعض أهل العلم قصة إسلام عمر، ولكن برواية أخرى مختلفة تماماً عن السابقة ونصها:
قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبدالله بن عمر، عن ابن عمر قال: لما أسلم أبي عمر قال: أى قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل ابن معمر الجمحي. قال: فغدا عليه. قال عبد الله بن عمر: فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا
стр. 897
جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد؟ فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ. قال: ويقول عمر من خلفه: كذب، ولكنى قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطلع فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاث مئة رجل، لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قفال: فمه؟ رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا! خلوا عن الرجل. قال: فو الله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه. قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك؟ فقال: أي بني، العاص بن وائل السهمى.
أخرجها ابن حبان في "موارد الظمآن" (٢/ ٢١٨)، وابن هشام في "السيرة" (١/ ٢٣٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٨٥) مختصرة.
قال الحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية " (٢/ ٣٩): وهذا إسناد جيد قوي، وهو يدل على تأخر إسلام عمر؛ لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو
стр. 898
ابن أربع عشرة سنة، وكانت أُحد في سنة ثلاث من الهجرة، وقد كان مميزاً يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم. ا. هـ.
وحسَّن إسنادها العلامة الألباني في"صحيح موارد الظمآن" (٢١٨١) و"صحيح السيرة النبوية" (ص: ١٩١).
والعدوي في "الصحيح المسند من فضائل الصحابة" (ص: ٨٢ - ٨٣).
стр. 899
(٢٠) قصة: (علقمة وعقوقه لأمه وتعسر نطقه بالشهادتين عند الاحتضار) .
(لا تصح)
حُكي أنه كان في زمن النبي ﷺ شاب يسمى علقمة، وكان كثير الاجتهاد في طاعة الله، في الصلاة والصوم والصدقة، فمرض واشتد مرضه، فأرسلت امرأته إلى النبي ﷺ أن زوجي علقمة في النزع، فأردت أعلمك يا رسول الله بحاله، فأرسل النبي ﷺ عماراً وصهيباً وبلالاً، وقال: امضوا إليه ولقنوه الشهادة، فمضوا إليه ودخلوا عليه فوجدوه في النزع الأخير، فجعلوا يلقنونه (لا إله إلا الله) ولسانه لا ينطق بها، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ ، يخبرونه أنه لا ينطق لسانه بالشهادة، فقال رسول الله ﷺ : من أبويه أحد حي؟ قيل يا رسول الله: أم كبيرة السن، فأرسل إليها رسول الله ﷺ ، وقال للرسول قل لها: إن قدرت على المسير إلى رسول الله ﷺ وإلا فقري في المنزل حتى يأتيك، قال: فجاء إليها الرسول بقول رسول الله ﷺ ، فقالت: نفسي لنفسه فداء أنا أحق بإتيانه، فتوكأت وقامت على عصا، وأتت رسول الله ﷺ فسلمت فرد ﵍، وقال: يا أم علقمة اصدقيني وإن كذبتيني جاء الوحي من الله تعالى، كيف كان حال ولدك علقمة؟ قالت يا رسول الله: كثير الصلاة، كثير الصيام، كثير الصدقة، قال رسول الله ﷺ : فما حالك؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة، قال: ولِمَ؟ قالت: يا
стр. 900
رسول الله كان يؤثر عليَّ زوجته ويعصيني، فقال رسول الله ﷺ : إنَّ سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة.
ثم قال لبلال: انطلق واجمع لي حطباً كثيراً، قالت: يا رسول الله وما تصنع؟ قال: أحرقه بالنار بين يديك، قالت: يا رسول الله ولدي، لا يحتمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي، قال: يا أم علقمة عذاب الله أشد وأبقى، فإن سرك أن يغفر الله له فارضي عنه، فوالذي نفسي بيده لا ينتفع علقمة بصلاته، ولا بصيامه، ولا بصدقته، ما دمت عليه ساخطة، قالت: يا رسول الله إني أشهد الله تعالى، وملائكتة، ومن حضرني من المسلمين، أني قد رضيت عن ولدي علقمة، فقال رسول الله ﷺ : انطلق يا بلال إليه وانظر هل يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله أم لا؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياءً مني، فانطلق بلال فسمع علقمة من داخل الدار يقول: لا إله إلا الله فدخل بلال فقال: يا هؤلاء إن سخط أم علقمة حجب لسانه عن الشهادة، وإن رضاها أطلق لسانه عن الشهادة. ثم مات علقمة من يومه فحضره رسول الله ﷺ ، فأمر بغسله وكفنه، ثم صلى عليه، وحضر دفنه، ثم قام على شفير قبره، وقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، من فضَّل زوجته على أمه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً، ولا عدلاً، إلا أن يتوب
стр. 901
إلى الله ، ويحسن إليها، ويطلب رضاها، فرضى الله من رضاها وسخط الله من سخطها.
أخرج القصة عبد الله ابن الإمام أحمد في "المسند" (١٩٤١٠ - ١٩٤١١)، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٤٨) للطبراني، والمنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٣٣١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦/ ١٩٨) و"دلائل النبوة"، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١١٤٧)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٨٣).
قلت: هذه القصة لا تصح.
مدارها على: فائد بن عبد الرحمن الكوفي أبو الورقاء العطار كما صرح بذلك البيهقي في "الشعب" (٦/ ١٩٨) فقال: تفرد به فائد أبو الورقاء وفائد هذا متروك.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث.
وقال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة وليس بشيء.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يشتغل به.
قال وسمعت أبي يقول: فائد ذاهب الحديث لا يكتب حديثه.
وقال النسائي: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: متروك الحديث.
"تهذيب الكمال" (٢٣/ ١٣٧ - ١٤٠) و"تهذيب التهذيب" (٨/ ٢٢٣).
стр. 902
قلت: وقد ضعَّف هذه القصة جمع من العلماء، منهم:
(١) الإمام أحمد فيما نقله عنه ابنه عبد الله "المسند" (١٩٤١٠) و (١٩٤١١).
(٢) العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١١٤٧).
(٣) البيهقي في "شعب الإيمان" (٦/ ١٩٨).
(٤) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٨٣).
(٥) المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٣٣١).
(٦) الذهبي في "ترتيب الموضوعات" (٨٧٤).
(٧) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٤٨).
(٨) ابن عرَّاق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٩) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٥١ - ١٥٢).
(١٠) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٥١).
(١١) المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة".
(١٢) الألباني في "الضعيفة" (٣١٨٣).
(١٣) شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لمسند أحمد (٣٢/ ١٥٣ - ١٥٥).
(١٤) مشهور في "قصص لا تثبت" (٣/ ١٩ - ٣٩).
стр. 903
(٢١) قصة: (علي بن أبي طالب ﵁ مع اليهودي والقاضي شريح في شأن الدرع) .
(ضعيفة جداً)
قال أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٥١ - ١٥٣) رقم (٥٠٨٥): عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال: وجد علي بن أبي طالب درعاً له عند يهودي التقطها فعرفها. فقال: درعي سقطت عن جمل لي.
فقال اليهودي: درعي وفي يدي. ثم قال له اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحاً، فلما رأى علياً قد أقبل انحرف عن موضعه وجلس علي فيه، ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تساووهم في المجلس وألجئوهم إلى أضيق الطرق، فإن سبوكم فاضربوهم، فإن ضربوكم فاقتلوهم، ثم قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين؟
قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق والتقطها هذا اليهودي.
فقال شريح: ما تقول يا يهودي؟
قال: درعي وفي يدي.
فقال شريح: صدقت، والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك، ولكن لا بد من شاهدين، فدعا قنبراً مولاه والحسن بن علي وشهدا أنها لدرعه.
стр. 904
فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها. فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
قال: اللهم نعم.
قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ والله لأوجهنك إلى بانيفا تقضي بين أهلها أربعين يوماً.
ثم قال لليهودي: خذ الدرع.
فقال اليهودي: يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فوهبها له علي وأجازه تسعمائة، وقتل معه يوم صفين.
والسياق لمحمد بن عون، وقال عبد الله بن سليمان: فقال علي: الدرع لك، وهذا الفرس لك، وفرض له تسعمائة، ثم لم يزل معه حتى قتل يوم صفين.
قلت: هذه القصة ضعيفة جداً في سندها:
حكيم بن خذام (١) أبو سمير.
قال البخاري: منكر الحديث.
وقال أبو أحمد الحاكم: منكر.
стр. 905
وقال أبو عبد الله الجوزقاني: منكر الحديث.
"ميزان الإعتدال (٢٢١٨) و"لسان الميزان" (٢/ ٣٨٨) و"الأباطيل والمناكير" (٢٩٦ - ٢٩٧) رقم (٥٨٢).
والقصة رواها البيهقي كذلك في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٣٠ - ٢٣١)، وهي ضعيفة أيضاً.
وقد نصَّ على ضعَّف هذه القصة جمع من العلماء، منهم:
(١) الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(٢) الجوزقاني في "الأباطيل" (ص: ٢٩٦ - ٢٩٧) رقم (٥٨٢).
(٣) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٨٧١) رقم (١٤٦٠).
(٤) السيوطي في "جامع الأحاديث" (٣٤٩٦٥).
(٥) الحافظ بن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ٤٦٩) رقم (٢١٠٤).
(٦) الشوكاني في "السيل الجرار" (١/ ٨٢١).
(٧) شيخنا مقبل الوادعي في "رياض الجنة" (ص: ١٣٩ - ١٤٠) قال: هذه القصة قرأتها في "سبل السلام للصنعاني"، عازياً لها إلى "الحلية" وأعجبت بها، وكنت آنذاك لا أميز بين الصحيح والموضوع، وقد ارتسمت في ذهني لما اشتملت عليه من العدل والإنصاف من أمير المؤمنين علي ﵁، وقاضيه شريح بن الحارث الكندي ﵀، وبعد زمن طويل طالعت كتاب "الأباطيل" للجوزقاني، فإذا هو
стр. 906
يذكر القصة في الأباطيل، ولما رأيت الناس معجبين بهذه القصة كما أعجبت بها، فذاك يلقيها في محاضرته، وآخر ينشرها في مجلته وآخر يذكرها في كتابه، والقصة لا تصح، رأيت أن أذكر ما قال أهل العلم في هذه القصة: فالجوزقاني ذكرها في "الأباطيل" (ص: ٢٩٦ - ٢٩٧) وقال: هذا حديث باطل، تفرد به أبو سمير، وهو منكر الحديث، إلى آخر ما ذكره. وذكرها ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٣٨٨)، وذكر نحو ما ذكره الجوزقاني. وذكرها الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال". فعلم بهذا أنها ضعيفة جداً من طريق أبي سمير حكيم بن خذام.
(٨) يوسف العتيق في "قصص لاتثبت" (٤/ ٣٩ - ٤٩).
قلت: فعلم بهذا أن القصة لا تثبت، وعدالة الإسلام معلومة من غير هذه القصة الباطلة والحمد لله.
стр. 907
(٢٢) قصة: (عمر ﵁، والمرأة التي راجعته في مسألة المغالاة في المهور، فقال: كل أحد أفقه منك ياعمر) .
(لا تصح)
أخرجها سعيد بن منصور في "سننه" (١/ ١٦٦ - ١٦٧): … عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ ، أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين كتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟ قال: بل كتاب الله فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صُدُق النساء، والله يقول في كتابه: … ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ ﴿النساء: ٢٠﴾.
فقال عمر ﵁: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاث، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء، ألا فليفعل الرجل في ماله ما بدا له.
قلت: والقصة لا تثبت سنداً ولا متناً:
أولاً: من ناحية الإسناد:
(١) الانقطاع بين عمر ﵁ والشعبي، حيث ولد لستٍ خلون من خلافته.
стр. 908
(٢) مجالد بن سعيد، ضعَّفه البخاري والنسائي والدارقطني وابن عدي وابن معين والحافظ. "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٣٥ - ٣٧).
ثانياً: نكارة المتن:
أولاً: فقد ثبت عن عمر ﵁ أنه لم يرجع عن قوله، فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر ﵁ فقال: ألا لا تغالوا بصُدْق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية (١).
ثانياً: مخالفة القصة لما صح عن النبي ﷺ في الحث على عدم المغالاة في المهور، وأمره بتيسير الصداق.
ثالثاً: مخالفة القصة لمعنى الآية التي استشهدت بها المرأة.
قال القرطبي ﵀: لا تعطي الآية جواز المغالاة، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله ﷺ : (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة) ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة. اهـ.
стр. 909
وقال بعضهم: لا دلالة فيها على المغالاة لأن قوله تعالى ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ لا يدل على جواز إيتاء القنطار، ولا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر، كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع كقوله ﷺ : (من قُتل له قتيل فأهله بين خيرتين … ) (١).
وقد ضعَّف هذه القصة جمع من العلماء، منهم:
(١) البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٣٣).
(٢) الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٢٠٩).
(٣) العلامة الألباني في"الإرواء" (٦/ ٣٤٨).
(٤) الصياصنة في "مجلة البحوث الإسلامية" العدد (٢٤) (ص: ٢٧٠ - ٢٧٢).
(٥) يوسف العتيق في "قصص لا تثبت" (١/ ٢٧ - ٣١).
قلت: وللحديث طرق أخرى كلها لا تصح كما ذكر ذلك العلامة الألباني ﵀.
فائدة: حول المغالاة المهور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: والمستحب في الصداق مع القدرة واليسار، أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي
стр. 910
- ﷺ ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة (١)، فهذه سنة رسول الله ﷺ ، من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق، قال أبو هريرة ﵁: (كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق، وطبق بيديه ذلك أربعمائة درهم) رواه أحمد في "مسنده"، وهذا لفظ أبي داود في "سننه".
فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ ، اللواتي هنَّ خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة فهو أحمق جاهل، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، هذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. والأولى تعجيل الصداق كله للمرأة قبل الدخول إذا أمكن، فإن قدم البعض وأخر البعض فهو جائز، وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق، والذي نقل عن بعض السلف من تكثير صداق النساء، فإنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصداق كله قبل الدخول، لم يكونوا يؤخرون منه شيئاً، من كان له يسار ووجد فأحب أن يعطي امراته صداقاً كثيراً فلا بأس بذلك، كما قال تعالى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ ﴿النساء: ٢٠﴾.
стр. 911
(٢٣) قصة: (الغرانيق) .
(باطلة)
وهي أنه ﷺ لما شق عليه إعراض قومه عنه، تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ ﴿النَّجم: ١﴾.
فأخذ يقرأها عليهم حتى بلغ قوله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ﴿النَّجم: ١٩ - ٢٠﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه (تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل فقال: ما صنعت؟ تلوت على الناس مالم آتك به عن الله، فحزن رسول الله ﷺ ، وخاف خوفاً شديداً، فأنزل الله هذه الآية.
قلت: حكم ببطلان هذه القصة جمع من العلماء، منهم:
(١) ابن كثير ﵀ في تفسير قول الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ﴿الحج: ٥٢﴾ قال: قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق،
стр. 912
وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. اهـ.
(٢) الألوسي ﵀ في "روح المعاني" (١٧ - ١٨/ ٢٣٠) قال: وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل.
(٣) القاضي عياض في "الشفاء" قال: يكفيك في توهين الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.
(٤) وفي البحر لأبي حيان أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد ابن إسحاق جامع "السيرة النبوية" فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف في ذلك "كتاباً".
(٥) العلامة القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (١٢/ ٧٥) قال: الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، ليس منها شيء يصح.
(٦) الشوكاني-﵀ في "فتح القدير" (٣/ ٤٦٢) قال: ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه، فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله:
стр. 913
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ ﴿الحاقَّة: ٤٤ - ٤٦﴾. وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿النَّجم: ٣﴾. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿الإسراء: ٧٤﴾ فنفى المقاربة للركون فضلاً عن الركون، قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل. …
(٧) البيهقي ﵀ كما نقل عنه الألوسي ﵀ أنه قال: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. …
(٨) ابن خزيمة ﵀ كما نقل عنه الشوكاني ﵀ أنه قال: إن هذه القصة من وضع الزنادقة.
(٩) العلامة الشنقيطي ﵀ في "الأضواء" (٥/ ٧٣٠) قال: اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب.
(١٠) العلامة الألباني ﵀ جمع طرق هذه القصة وتكلم عليها بالتفصيل في رسالة مستقلة بعنوان: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق".
стр. 914
(١١) اللجنة الدائمة (٤/ ٣١٢ - ٣١٥) رقم (١٥٤٦) قالت: قصة الغرانيق رويت من طرق مرسلة، ولم ترد مسندة من طرق صحيحة، كما قال ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره، فإنه لما ساق هذه القصة بطرقها قال بعدها: وكلها مرسلات ومنقطعات. وقال ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. واستنكرها أيضاً أبو بكر بن العربي والقاضي عياض وآخرون سنداً ومتناً. ثم قالت اللجنة: … ومما تقدم يتبين أن روايات قصة الغرانيق ليست صحيحة، وأنه ليس للشيطان سلطان أن يلقي على لسان النبي ﷺ شيئاً من الباطل فيتلوه أو يتكلم به، وربما ألقى الشيطان قولاً أثناء تلاوة النبي ﷺ يتكلم به الشيطان ويسمعه الحاضرون، أو يوسوس الشيطان وساوس يلقيها في نفوس الكفار، ومرضى القلوب من المنافقين، فيحسبها أولئك من الوحي وليست منه فيبطل الله ذلك القول الشيطاني، ويزيل الشبه ويحكم آياته، ويتبين أيضاً أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب-﵀ هو قول جمهور العلماء، من أن الشيطان ألقى قولاً أو وسوسة أثناء التلاوة، ولكنها ليست على لسان النبي ﷺ ، ولا في نفسه ولا في نفس من صدق إيمانه به، إنما ذلكم إلقاء الشيطان أثناء التلاوة في أسماع الكفار، أو حديث نفس وقع في أسماعهم وقلوبهم فحسبوه قرآناً متلواً، وتأبى حكمة الله
стр. 915
إلا أن يزيل الباطل ويحكم الله آياته؛ إحقاقاً للحق، ورحمة بالعباد والله عليم حكيم، وقد أجمع علماء الإسلام كلهم على عصمة الرسل جميعاً في كل ما يبلغونه عن الله . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
تنبيه: قال العلامة الألوسي ﵀: ذكر غير واحد أنه يلزم القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور:
• منها: تسلط الشيطان عليه ﷺ ، وهو معصوم بالإجماع من الشيطان لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ و الاعتقاد. وقد قال ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ﴿الحجر: ٤٢﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿النحل: ٩٩﴾ إلى غير ذلك. …
• ومنها: زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه ﷺ لمكان العصمة.
• ومنها: اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً، ممتزج المدح بالذم، وهو خطأ شنيع، لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ .