← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

(٢٣) قصة: (الغرانيق) . (باطلة) وهي أنه ﷺ لما شق عليه إعراض قومه عنه، تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ ﴿النَّجم: ١﴾. فأخذ يقرأها عليهم حتى بلغ قوله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ﴿النَّجم: ١٩ - ٢٠﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه (تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل فقال: ما صنعت؟ تلوت على الناس مالم آتك به عن الله، فحزن رسول الله ﷺ ، وخاف خوفاً شديداً، فأنزل الله هذه الآية. قلت: حكم ببطلان هذه القصة جمع من العلماء، منهم: (١) ابن كثير ﵀ في تفسير قول الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ﴿الحج: ٥٢﴾ قال: قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق،

стр. 912

وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. اهـ. (٢) الألوسي ﵀ في "روح المعاني" (١٧ - ١٨/ ٢٣٠) قال: وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. (٣) القاضي عياض في "الشفاء" قال: يكفيك في توهين الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. (٤) وفي البحر لأبي حيان أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد ابن إسحاق جامع "السيرة النبوية" فقال: هذا من وضع الزنادقة وصنف في ذلك "كتاباً". (٥) العلامة القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (١٢/ ٧٥) قال: الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، ليس منها شيء يصح. (٦) الشوكاني-﵀ في "فتح القدير" (٣/ ٤٦٢) قال: ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه، فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله:

стр. 913

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ ﴿الحاقَّة: ٤٤ - ٤٦﴾. وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿النَّجم: ٣﴾. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿الإسراء: ٧٤﴾ فنفى المقاربة للركون فضلاً عن الركون، قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل. … (٧) البيهقي ﵀ كما نقل عنه الألوسي ﵀ أنه قال: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. … (٨) ابن خزيمة ﵀ كما نقل عنه الشوكاني ﵀ أنه قال: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. (٩) العلامة الشنقيطي ﵀ في "الأضواء" (٥/ ٧٣٠) قال: اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. (١٠) العلامة الألباني ﵀ جمع طرق هذه القصة وتكلم عليها بالتفصيل في رسالة مستقلة بعنوان: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق".

стр. 914

(١١) اللجنة الدائمة (٤/ ٣١٢ - ٣١٥) رقم (١٥٤٦) قالت: قصة الغرانيق رويت من طرق مرسلة، ولم ترد مسندة من طرق صحيحة، كما قال ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره، فإنه لما ساق هذه القصة بطرقها قال بعدها: وكلها مرسلات ومنقطعات. وقال ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. واستنكرها أيضاً أبو بكر بن العربي والقاضي عياض وآخرون سنداً ومتناً. ثم قالت اللجنة: … ومما تقدم يتبين أن روايات قصة الغرانيق ليست صحيحة، وأنه ليس للشيطان سلطان أن يلقي على لسان النبي ﷺ شيئاً من الباطل فيتلوه أو يتكلم به، وربما ألقى الشيطان قولاً أثناء تلاوة النبي ﷺ يتكلم به الشيطان ويسمعه الحاضرون، أو يوسوس الشيطان وساوس يلقيها في نفوس الكفار، ومرضى القلوب من المنافقين، فيحسبها أولئك من الوحي وليست منه فيبطل الله ذلك القول الشيطاني، ويزيل الشبه ويحكم آياته، ويتبين أيضاً أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب-﵀ هو قول جمهور العلماء، من أن الشيطان ألقى قولاً أو وسوسة أثناء التلاوة، ولكنها ليست على لسان النبي ﷺ ، ولا في نفسه ولا في نفس من صدق إيمانه به، إنما ذلكم إلقاء الشيطان أثناء التلاوة في أسماع الكفار، أو حديث نفس وقع في أسماعهم وقلوبهم فحسبوه قرآناً متلواً، وتأبى حكمة الله

стр. 915

إلا أن يزيل الباطل ويحكم الله آياته؛ إحقاقاً للحق، ورحمة بالعباد والله عليم حكيم، وقد أجمع علماء الإسلام كلهم على عصمة الرسل جميعاً في كل ما يبلغونه عن الله . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. تنبيه: قال العلامة الألوسي ﵀: ذكر غير واحد أنه يلزم القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور: • منها: تسلط الشيطان عليه ﷺ ، وهو معصوم بالإجماع من الشيطان لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ و الاعتقاد. وقد قال ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ﴿الحجر: ٤٢﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿النحل: ٩٩﴾ إلى غير ذلك. … • ومنها: زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه ﷺ لمكان العصمة. • ومنها: اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضاً، ممتزج المدح بالذم، وهو خطأ شنيع، لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ .

стр. 916

• ومنها: أنه إما أن يكون ﵊ عند نطقه بذلك معتقداً ما اعتقده المشركون، من مدح آلهتهم بتلك الكلمات، وهو كفر محال في حقه ﷺ ، وإما أن يكون معتقداً معنى آخر مخالفاً لما اعتقدوه، ومبايناً لظاهر العبارة، ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم، فيكون مقراً لهم على الباطل، وحاشاه ﷺ أن يُقِر على ذلك. • ومنها: كونه ﷺ اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك، وهو يقتضي أنه ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضاً جواز تصور الشيطان بصورة الملك ملبساً على النبي ﷺ ، ولا يصح ذلك كما قال في "الشفاء": لا في أول الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة. وقال ابن العربي: تصور الشيطان في صورة الملك ملبساً على النبي ﷺ كتصوره في صورة النبي ملبساً على الخلق، وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا، فكيف يسوغ في لب سليم استجازة ذلك. • ومنها: التقول على الله تعالى إما عمداً أو خطأً أو سهواً، وكل ذلك محال في حقه ﷺ ، وقد اجتمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته ﷺ ، فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الاخبار بخلاف الواقع لا قصداً ولا سهواً.

стр. 917

• ومنها: الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع كما قال البيضاوي بقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ﴿الحج: ٥٢﴾، لأنه أيضاً يحتمل إلى غير ذلك. انتهى كلام الألوسي ﵀ من تفسيره.

стр. 918

(٢٤) قصة: (قتل أبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ لوالده في غزوة بدر) . (لا تصح) أخرجها الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٣٢١)، والبيهقي في "الكبرى" (١٨٢٩١)، والطبراني في "الكبير" (٣٦٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٤٥) كلهم عن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينصب الأل (الحربة) لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله تعالى ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ﴿المجادلة: ٢٢﴾. قلت: هذه القصة معضلة، لأن عبد الله بن شوذب من تابعي التابعين. "تهذيب التهذيب" (٥/ ٢٢٨). وقد ضعَّف هذه القصة جمع من أهل العلم، منهم: (١) البيهقي في السنن الكبرى (١٧٦١٣) قال: منقطع. (٢) ابن الملقن في "البدر المنير" (٩/ ٧٩) قال: وهذا مرسل على قول الأكثر، وعلى قول من زعم أن المرسل لا يكون إلا من التابعين يكون معضلاً؛ لأن عبد الله هذا إنما يروي عن التابعين.

стр. 919

(٣) الحافظ ابن حجر-﵀ في"التلخيص الحبير" (٤/ ١٠٢) قال: روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه حين سمعه يسب النبي ﷺ فلم ينكر النبي ﷺ صنيعه. أخرجه أبو داود في "المراسيل" والبيهقي من رواية مالك بن عمير. ثم قال الحافظ بعد سياق القصة: هذا مبهم. وقال: وروى الحاكم والبيهقي منقطعاً عن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت الألهة لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله. قال الحافظ: وهذا معضل. (٤) الواقدي أنكرها، وقال: مات والد أبي عبيدة قبل الإسلام، كما نقل عنه الحافظ. (٥) النووي في "المجموع" (١٩/ ٢٩٨) قال: معضل. (٦) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٣/ ٣٢١) رقم (٥٢١٨) قال: هو معضل، لأن عبد الله بن شوذب من تابعي التابعين كما في "تهذيب التهذيب". (٧) العزازي في "تخريح أحاديث تفسير ابن كثير" رقم (٥١٩٥) سورة المجادلة عند قوله ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ﴿المجادلة: ٢٢﴾ نزلت هذه الآية في أبي عبيدة، قال: مرسل لم يذكر لها إسناداً متصلاً.

стр. 920

(٢٥) قصة: (المرأة المتكلمة بالقرآن) . (لا تصح) رواها مسندة ابن حبان في "روضة العقلاء" (٤٩). ومتن هذه القصة: قال عبد الله بن المبارك: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه ﵊، فبينما أنا في بعض الطريق، إذ أنا بسواد فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقالت: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ ﴿يس: ٥٨﴾. فقلت لها: يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ ﴿الأعراف: ١٨٦﴾. فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ﴿الإسراء: ١﴾. فقلت لها: أنتِ منذ كم في هذا الموضع؟

стр. 921

قالت: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ ﴿مريم: ١٠﴾. فقلت: ما أرى معكِ طعاماً تأكلين! قالت: ﴿هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾ ﴿الشعراء: ٧٩﴾. فقلت: فبأي شيء تتوضئين؟ قالت: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ﴿المائدة: ٦﴾. فقلت لها: إن معي طعاماً، فهل لكِ في الأكل؟ قالت: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ﴿البقرة: ١٨٧﴾. قلت: ليس هذا شهر رمضان! فقالت: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ ﴿البقرة: ١٥٨﴾. فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر. فقالت: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿البقرة: ١٨٤﴾. فقلت: لِمَ لا تكلمينني مثلما أكلمك؟ قالت: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ ﴿ق: ١٨﴾. فقلت: فمن أي الناس أنتِ؟

стр. 922

قالت: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ … عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ ﴿الإسراء: ٣٦﴾. فقلت: قد أخطأتُ فاجعليني في حل. قالت: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ ﴿يوسف: ٩٢﴾. فقلت: فهل لكِ أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة؟ فقالت: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿البقرة: ١٩٧﴾. فأنخت ناقتي. فقالت: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿النور: ٣٠﴾. فغضضت بصري عنها. وقلت لها: اركبي. فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها. فقالت: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ﴿الشُّورى: ٣٠﴾. فقلت لها: اصبري حتى أعقلها.

стр. 923

فقالت: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ﴿الأنبياء: ٧٩﴾. فعقلت الناقة. وقلت لها: اركبي. فلما ركبت قالت ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ ﴿الزُّخرف: ١٣ - ١٤﴾. … فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح. فقالت: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ ﴿لقمان: ١٩﴾. فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر. فقالت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ﴿المزمل: ٢٠﴾. فقلت لها: لقد أوتيت خيراً كثيراً. فقالت: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ ﴿البقرة: ٢٦٩﴾. فلما مشيت بها قليلاً. قلت: ألكِ زوج؟

стр. 924

قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ﴿المائدة: ١٠١﴾. فسكتُّ ولم أكلمها حتى أدركت القافلة. فقلت لها: هذه القافلة فمن لكِ فيها؟ فقالت: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿الكهف: ٤٦﴾. فعلمت أن لها أولاداً. فقلت: وما شأنهم في الحج؟ قالت: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ ﴿النحل: ١٦﴾. فعلمت أنهم أدلاء الركب، فقصدت بها القباب والعمارات. فقلت: هذه القباب فمن لك فيها؟ قالت: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ ﴿النساء: ١٢٥﴾. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ ﴿النساء: ١٦٤﴾ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ﴿مريم: ١٢﴾. فناديت: يا إبراهيم يا موسى يا يحيى. فإذا بشبَّان كأنهم الأقمار قد أقبلوا، فلما استقر بهم الجلوس.

стр. 925

قالت: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ ﴿الكهف: ١٩﴾. فمضى أحدهم فاشترى فقدمه بين يديّ. فقالت: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ ﴿الحاقَّة: ٢٤﴾. فقلت: الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها. فقالوا: هذه أمنا منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء. فقلت: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ ﴿الحديد: ٢١﴾ (١). … وقد نصَّ على عدم ثبوت هذه القصة: (١) شيخنا مقبل بن هادي الوادعي ﵀. (٢) مشهور بن حسن، قال: إسنادها واهٍ جداً، فيه رجل اسمه محمد بن زكريا الغلابي، وهذا الرجل قال عنه الدارقطني: متهم بالوضع. وقال ابن حبان عنه: يروي عن المجاهيل، وهذه القصة

стр. 926

رواها عن بعض المجاهيل. فالقصة ركبها الغلابي هذا فكذب فيها على الأصمعي الذي يرويها عن ابن المبارك. (٣) الشيخ عبد العزيز السدحان في كتابه القيم "تحت المجهر" (ص: ١٢٢) حيث قال: ولا شك أن تلك القصة باطلة من وجوه كثيرة منها: أولاً: جميع من ترجم لابن المبارك لم يذكروا قصته مع هذه المرأة -المتكلمة بالقرآن-. ثانياً: وضوح التكلف في تركيب السؤال والجواب. ثالثاً: عدم إنكار ابن المبارك ﵀ فعلها ذاك خاصة أن كثيراً من العلماء نهى عن التخاطب بالقرآن. فائدة: حكم التكلم بالقرآن. سئل سماحة العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ في "مجموع فتاوى ومقالات" (٢٤/ ٣٨٣): عن حكم التكلم بالقرآن بين الناس، فمثلاً إذا سلم بعض الناس يقول: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ ﴿يس: ٥٨﴾. كما فعلت المرأة في القصة التي حكاها عبد الله بن المبارك؟ قال ﵀: المعروف عند أهل العلم أنه لا ينبغي اتخاذ القرآن بدلاً من الكلام، بل الكلام له شأن والقرآن له شأن، وأقل أحواله الكراهة، وعليه أن يسلم السلام العادي، هكذا كان النبي ﷺ يفعل وأصحابه ﵃ يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 927

وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين ﵀ في "شرح مقدمة التفسير" (ص: ١٤٤): ومنه نعرف خطأ ما نُقل مدحاً لمرأةٍ يسمونها المتكلمة بالقرآن في "جواهر الأدب"؛ امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وقيل: إنها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن، وأظن فعلها هذا زلة، لأنها بهذا تنزل القرآن على غير ما أراد الله. وقال ﵀ في "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (٦/ ٥٣١): وقد قال أهل العلم: يحرم جعل القرآن بدلاً من الكلام، وأنا رأيت في زمن الطلب قصة في"جواهر الأدب" عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتعجب الناس الذين يخاطبونها، فقال لهم من حولها: لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن، مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن. نقول: هي زلَّت الآن، فالقرآن لا يُجعل بدلاً من الكلام … إلخ.

стр. 928

(٢٦) قصة: (هاروت وماروت مع الزهرة) . (لا أصل لها) وملخص هذه القصة: أن آدم ﵊ لما أهبط إلى الأرض قالت الملائكة أي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿البقرة: ٣٠﴾. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هلُمّوا ملكين من الملائكة، ننظر كيف يعملون؟ قالوا ربنا: هاروت وماروت. قال: اهبطا إلى الأرض. فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاآها يسألانها نفسها، فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك. قالا: والله لا نشرك بالله أبداً. فذهبت عنهما، ثم رجعت إليهما ومعها صبي تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: والله لا نقتله أبداً.

стр. 929

فذهبت ثم رجعت بقدح من الخمر تحمله فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تشربا الخمر. فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا. قالت المرأة: والله ما تركتما من شيء أبيتماه عليَّ إلا فعلتماه حين سكرتما. فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. أخرج هذه القصة الإمام أحمد وابن حبان وابن السني عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً. وفي سندها: موسى بن جبير الأنصاري المدني الحذَّاء. قال فيه ابن القطان: لا يعرف حاله. وقال ابن حبان: إنه يخطئ ويخالف. "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣). وقد ضعَّف هذه القصة جمع من العلماء، منهم: (١) أبو حاتم ﵀ في "العلل" (٢/ ٦٩) قال: منكر. (٢) ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" (١/ ٣٣) قال: وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت في أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت، فهذا أظنه من وضع

стр. 930

الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل. وقال ﵀ في "تفسيره" (١/ ١٤١): … وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال. (٣) القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (١/ ٢/ ٥١) قال: هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، ولا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ ﴿التَّحريم: ٦﴾ ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ ﴿الأنبياء: ٢٦ - ٢٧﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ ﴿الأنبياء: ٢٠﴾. وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة، ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، ويخلق فيهم الشهوات؛ إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم؛ ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء والفضلاء والعلماء، لكن وقوع

стр. 931

هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح. ومما يدل على عدم صحته: أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر: (أن السماء لما خلقت، خلق فيها سبعة دوّارة: زحل، والمشتري، وبهرام، وعطارد، والزهرة، والشمس، والقمر، وهذ معنى قول الله تعالى ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿الأنبياء: ٣٣﴾ فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلاً قد كانا قبل خلق آدم؛ ثم إن قول الملائكة ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ ﴿الفرقان: ١٨﴾ عورة: لا تقدر على فتنتنا؛ وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين؛ وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون، سبحان ربك رب العزة عما يصفون. (٤) العجلوني-﵀ في "كشف الخفاء" (٢/ ٤٣٩) قال: وقد أنكر هذه القصة الرازي والقرطبي. (٥) قال المفسرون كالفخر الرازي والبيضاوي وأبي السعود والخازن: إنها لم تثبت بنقل معتبر، فلا تعويل على ما نُقل فيها لأن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل. "أسنى المطالب" (ص: ٣١٢). (٦) الألوسي ﵀ في "روح المعاني" (١/ ٣٤١). (٧) الشوكاني ﵀ في "فتح القدير" (١/ ١٢٣).

стр. 932

(٨) قال أبو شهبة ﵀ في "الوسيط في علوم ومصطلح الحديث" (ص: ٢٧٧ - ٢٧٨): والمحققون من العلماء على أنها لا أصل لها، وإنما هي من الإسرائيليات المكذوبة، ألصقت بالإسلام زوراً قصد الإساءة إليه. (٩) العلامة الألباني ﵀-في "الضعيفة" (٩١٢) و (٩١٣). (١٠) شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "المستدرك" (٢/ ٣١٩) رقم (٣١١٠) قال: قصة باطلة.

стр. 933

(٢٧) قصة: (هجرة عمر ﵁ علناً) . (لا تصح) وفيها أنه ما هاجر أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا متخفياً غير عمر ابن الخطاب ﵁، فقد روى علي بن أبي طالب ﵁: أنه لما همَّ بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهماً؛ وفيه أنه قال: (من أراد أن يثكل أمه، أو يوتم ولده، أو ترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي) قال علي ﵁: فما تبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه. ذكر هذه القصة ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٤/ ٥١ - ٥٢) وابن الأثير في "أسد الغابة" (٤/ ١٤٤). قلت: وفي إسنادها: (١) الزبير بن محمد بن خالد العثماني. (٢) عبد الله بن القاسم الأيلي. (٣) وأبيه القاسم. لم أجد لهم تراجم. قال العلامة المحدث الألباني ﵀ في "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (ص: ٥٢ - ٥٣): مداره على الزبير بن محمد بن خالد العثماني: حدثنا عبد الله بن القاسم الأملى -كذا الأصل، ولعله الأيلى- عن أبيه

стр. 934

بإسناده إلى علي، وهؤلاء الثلاثة في عداد المجهولين، فإن أحداً من أهل الجرح والتعديل لم يذكرهم مطلقاً. وقال الدكتور أكرم ضياء العمري في "السيرة النبوية الصحيحة" (١/ ٢٠٦): وأما ما روي من إعلان عمر ﵁ لهجرته وتهديده من يلحق به بثكل أمه … فلم يصح. قلت: وهذه القصة على شهرتها، لم يذكرها ابن إسحاق، ولا ابن هشام، ولا ابن كثير في "السيرة"، ولا الذهبي في "السيرة"، ولا ابن حجر في "الإصابة" في ذكرهم لهجرة عمر ﵁. تنبيه: الذي صح في هجرة عمر ﵁ كما حدَّث بها بنفسه: ما رواه ابن إسحاق: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ قال: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة، أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي، التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمضِ صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وفطن لهشام قومه فحبسوه عن الهجرة وفتن فافتتن. ثم إن أبا جهل والحارث بن هشام -وأسلم بعد ذلك- خرجا حتى قدما المدينة، ورسول الله ﷺ بمكة، فقالا: لعياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما

стр. 935

وأخاهما لامهما: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها. فقلت له: يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك القمل لا متشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمي، ولي هنالك مال فاخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشاً مالاً فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما، فأبى علي إلا أن يخرج معهما. فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليهما معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالارض عدوا عليه فأوثقاه رباطاً، وفتناه فافتتن، ودخلا به مكة نهاراً موثقاً، ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال عمر: فكنا نقول: ما الله تعالى بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لا نفسهم.

стр. 936

فلما قدم النبي ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لا نفسهم ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿الزمر: ٥٣ - ٥٥﴾. قال عمر بن الخطاب ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاصي. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهمنيها، قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ (١). تنبيه: دلالة القصة واضحة في أن هجرة عمر بن الخطاب ﵁ كانت سرية، فليس فيها أي إشارة إلى إعلان الهجرة، بل إن تواعدهم في

стр. 937

التناضب من أضاة بني غفار -وهي على عشرة أميال من مكة- ليؤكد إسرارهم بهجرتهم. وفوق هذا فقد جاء الأمر صريحاً في رواية ذكرها ابن سعد في "طبقاته" (٣/ ٢٠٥) حول هجرة عمر بن الخطاب ﵁ سراً، حيث ساق نحواً من رواية ابن إسحاق -السابقة- وزاد فيها قول عمر: (وكنا نخرج سراً … ). ونحن لا ننكر شجاعة عمر وهيبته ﵁، وقد أعلن إسلامه يوم أخفاه الناس، وأعز الله المسلمين بإسلامه، ولكن العبرة بما صح وثبت.

стр. 938

(٢٨) قصة: (وامعتصماه) . (لا تصح) وخلاصة هذه القصة: أن صاحب عمورية من ملوك الروم، كانت عنده شريفة مأسورة في خلافة المعتصم فعذبها، فصاحت: (وامعتصماه). فقال لها: لا يأتي المعتصم لخلاصك إلا على أبلق. فبلغ ذلك المعتصم فنادى في عسكره بركوب الخيل البلق، وخرج وفي مقدمة عسكره أربعة آلاف أبلق، وأتى عمورية فحاصرها وخلص الشريفة. وقال: اشهدي لي عند جدكِ المصطفى ﷺ ، أني جئت لخلاصك وفي مقدمة عسكري أربعة آلاف أبلق. وقد ذكر هذه القصة ابن العماد في "شذرات الذهب" (٢/ ٦٢)، وابن خلدون في "تاريخه"، وابن الجوزي في "المنتظم"، والقلقشندي في "صبح الأعشى" (٣/ ٢٦٧)، وغيرهم. قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في "شرح الأصول الثلاثة" (ص: ٣٢): القصة هذه لا يثبتها المؤرخون، هذه ليست ثابتة تاريخياً، وأخبار التاريخ كما هو معلوم لا يمكن أخذ التثبت منها. اهـ.

стр. 939

وقال الشيخ سعد الحصين -حفظه الله- عن هذه القصة كما في "مجلة الأصالة" العدد (٢٤) ١٥/ شوال/ ١٤٢٠ هـ (ص: ٥٠ - ٥٢): التاريخ المدون وحده لا يصلح مرجعاً في أمور الشريعة، لأن التاريخ مبني على ظن كاتبه وعاطفته، والشريعة مبنية على يقين الوحي في الكتاب والسنة وفقه الأئمة الأولين في نصوصه، ولكن النفس البشرية إلا ما رحم ربي تميل إلى الباطل، ويثقل عليها الحق وقد استجاب أكثر خطباء ووعاظ القصص والفكر والحركية في العقود الثلاثة الأخيرة، لدواعي الهوى والعاطفة من النفس، ودوافع النفث والتسويل من الشيطان، فحولوا أكثر دروس العلم الشرعي وحلق الذكر وخطب الجمعة إلى أساطير من كتب التاريخ يحسبها الظمآن ماءً، حتى إذا جاءها وجدها ألواناً من السراب، تبعده عن الماء، وتصده عن الصراط المستقيم إليه، ومن هذه الأساطير أسطورة ألهبت حماس الشباب، وحناجرهم، وعواطفهم، وأضاعت شرع الله لخطبة الجمعة التي فرضها الله مرة في الأسبوع لتعليم المسلمين أحكام الإسلام، وتذكيرهم بأيام الله وآلائه، وإعدادهم للقائه وحسابه وجزائه، ومجمل الأسطورة أن علجاً من الروم أهان امرأة مسلمة، فصاحت وامعتصماه، فحركت صرختها غيرة المعتصم وغضبه، فأوطأجيش المسلمين أرض الروم أخذاً بثأر المرأة التي استنجدت به، وهدف الأسطورة تقديم مثل صالح قدوة لقادة المسلمين،

стр. 940

لتعود للإسلام عزته -قد تكون واحدة من الروايات- التي يتفنن وعاظ وخطباء الفكر والقصص، في نحتها والتغني بها صحيحة، ولكن ذلك لا يجعل المعتصم نفسه تجاوز الله عنا وعنه قدوة صالحة للراعي المسلم، ولا للرعية المسلمة للأسباب التالية: • لم يُذكر المعتصم تجاوز الله عنا وعنه بالعلم الشرعي، بل قالت عنه كتب الأعلام: أنه كره العلم في صغره ومات شبه أمي. • غزو المعتصم بلاد الروم وفتح عمورية كما يذكر التاريخ ليس من القتال في سبيل الله، إذا صدق كُتَّاب التاريخ في الرواية، فجيش المسلمين وأنفسهم وأموالهم لا تعرَّض للأخطار والأهوال غضباً، ولا من أجل الحمية، ولا لإظهار الشجاعة، وإنما يكون القتال لغرض واحد أن تكون كلمة الله هي العليا، قال الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ ﴿الأنفال: ٣٩﴾. وقيل لرسول الله ﷺ : الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، وفي رواية: ويقاتل غضباً فمن في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) متفق عليه. • لو كان مجرد الغزو والفتح مثالاً يحتذا لكان يزيد -تجاوز الله عنا وعنه- ابن معاوية ﵁ أولى منه باتخاذه قدوة، فهو من كبار

стр. 941

الطبقة الأولى من التابعين، وثاني ولاة المسلمين بعد عصر الخلفاء الراشدين عهد إليه بالولاية والده معاوية بن أبي سفيان ﵄، أحد كبار الصحابة، ورواة الحديث، استكتبه رسول الله ﷺ ، واستعمله في القيادة والولاية أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين، وفتح الله في عهد يزيد على المسلمين المغرب الأقصى، وبخارى وخوارزم، وهو أول من غزا القسطنطينية، وكان أمير جيش المسلمين في هذا الغزو، وكان من بينهم بعض الصحابة، مثل أبي أيوب الأنصاري ﵁ وعنهم أجمعين، ولكن العلماء المحققين يقفون من أمثال يزيد والمعصتم موقفاً وسطاً، فهم لا يحبونهم ولا يسبونهم تجاوز الله عمَّن مات لا يشرك بالله شيئاً. • المعتصم تجاوز الله عنا وعنه أحدث من الفتنة في الدين شراً مما نُسب إلى يزيد من القتل في المدينة النبوية، قال الله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ﴿البقرة: ١٩١﴾. وكذلك ما افتراه عليه بعض فرق الضلال من الأمر بقتل الحسين ﵁. وقد امتحن المعتصم علماء الإسلام وبخاصة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، بفتنة خلق القرآن التي بدأت في عهد أخيه المأمون، واستمرت في عهده وعهد ابنه الواثق، حتى جاء ابنه المتوكل فأزالها، وانتصر للسنة ولإمام السنة وأخرجه من سجن الثلاثة -تجاوز الله عنا وعنهم-

стр. 942

ورفعه إلى المقام الذي يليق به، في صدر مجلس الملك والحكمة، جزاهما الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. • إذا سلمنا بما أورده المؤرخون عن هذا كله، فكيف يُقرُ من وهبه الله نعمة الإسلام والعقل أن انتصار وليّ أمر المسلمين لرواية ظنية عن امرأة مجهولة الحال أرجح في ميزان العدل والإيمان من انتصار للسنة ومنهاج السنة وأئمة السنة؟! لقد أوصل الفكر والحركية -بقلة نصيبهما من العلم والتثبت- أكثر شباب الصحوة في العقود الأخيرة إلى مثل ما أوصل الجهل والتقليد من قبلهم من الضُّلَّال عن منهاج النبوة في الدين والدعوة؛ فتغلب الهدف الأدنى على الهدف الأعلى، والمهم -بل غير المهم- على الأهم في علمهم وعملهم، في خطبهم ودعوتهم وكفاحهم. وإن نظرة صادقة، واستقراءاً محققاً للقضايا التي تحرَّك لها دعاةُ الفكر والحركية وأتباعهم، وبذلوا فيها أموال المسلمين وجهودهم وحماسهم، بل ودماءهم في العقدين الأخيرين، لتبيّن أن المحرك الأول والأخير: كسب الأرض باسم الدين! لا الدين نفسه الذي لا يكاد أكثر المسلمين يعرف وجه الحق فيه! ولم تكن هذه الأرض بأوثانها أو بدعها أو إلحادها تحرك ساكناً من القلوب والأبدان والألسن والهمم والأقلام، مِنْ قَبْل أن يثور الخلاف على التراب والولاية عليه. رد الله المسلمين جميعاً إلى دينهم رداً جميلاً. اهـ.

стр. 943

(٢٩) قصة: (وصف حسَّان بن ثابت ﵁ شاعر النبي ﷺ بالجبن) . (لا تصح) وخلاصة القصة: أنه اشتهر عند كثير من المؤرخين والكتاب أن حسَّان بن ثابت ﵁ كان جباناً. واستدلوا أن حسَّان بن ثابت ﵁ كان في حصنٍ مع النساء والصبيان فجاء رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن، فطلبت صفية بنت عبد المطلب ﵂ من حسَّان أن ينزل فيقتله، فاعتذر حسّان وقال: ما أنا بصاحب هذا، فقامت صفية وشدت وسطها وأخذت عموداً، ثم نزلت إليه فضربته حتى قتلته. هذا ملخص القصة التي اعتمدها كثيرون في رمي حسَّان بن ثابت بالجبن. قلت: وقد ضعَّف جمع من أهل العلم هذه القصة، منهم: (١) السهيلي ﵀، قال: مجمل هذا الحديث عند الناس على أن حسان كان جباناً شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره وذلك لأنه حديث منقطع الإسناد.

стр. 944

(٢) ابن عبد البر ﵀ في "الاستيعاب" (١/ ٣٤٨) قال: وقال أكثر أهل الأخبار والسير: إن حساناً كان من أجبن الناس، وذكروا من جُبنه أشياء مستشنعة أوردوها عن الزبير أنه حكاها عنه، كرهت ذكرها لنكارتها. ومن ذكرها قال: إن حساناً لم يشهد مع رسول الله ﷺ شيئاً من مشاهده لجبنه، وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك وقالوا: لو كان حقاً لهجي به. اهـ. … (٣) سماحة الشيخ العلامة ابن باز ﵀ قال ما معناه: إن ما يُقال في حسَّان ووصفه بالجبن كذب لا يصح، ولا يجوز أن يقال عنه فهو أحد الصحابة المشهورين، وأشعاره تدل على شجاعته، أما قصته مع صفية فلا أعلم لها أصلاً (١). (٤) شيخنا الوادعي-﵀ في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ١٣٩) رقم (٦٩٤٥ - ٦٩٤٦). (٥) أحمد بن مسفر الزهراني في "نقض إفتراءات المؤرخين والنقاد حول شخصية حسَّان بن ثابت". (٦) سليمان بن صالح الخراش في كتابه "حسَّان بن ثابت لم يكن جباناً".

стр. 945

قلت: وقد ورد وصف حسَّان بن ثابت ﵁ بالجبن في أكثر من رواية كلها لا تصح؛ منها: (١) عن أم عروة بنت جعفر بن الزبير بن العوام عن أبيها عن جدها قال: لما خلف رسول الله ﷺ نساءه يوم أحد، خلفهنَّ في فارع وفيهنَّ صفية بنت عبد المطلب وخلف فيهنَّ حسان بن ثابت … إلخ. ذكر هذا الخبر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢/ ٥٢١) وابن عساكر في "تاريخه". وهذه الرواية مسلسلة بالضعفاء والمجاهيل، فأم عروة بنت جعفر لا تعرف فهي مجهولة، ووالد أم عروة لا يعرف، وجد أم عروة لا يعرف، فهذه الرواية ضعيفة جداً. (٢) عن يونس بن بكير عن هشام عن أبيه عن صفية … إلخ. ذكرها الذهبي ﵀ في "السير" (٢/ ٥٢٢) وهي ضعيفة، هشام وأبوه مجهولان (١).

стр. 946

(٣٠) قصة: (الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية) . (باطلة) وملخص هذه الوصية: أن رجلاً اسمه أحمد، زعموا أنه كان خادماً للحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ ، وأنه سهر ليلة من الليالي -ليلة الجمعة- يتلو القرآن، وبعد ذلك أخذته سنة من النوم، فرأى النبي ﷺ فناداه باسمه وقال: … يا شيخ أحمد، فقال: لبيك يا رسول الله … فذكر أحمد أن رسول الله ﷺ ذكر له أن أمته وقعت في كثير من المعاصي وسرد بعضها. وفي ختام الوصية ذكر أن من يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد فإن له قصراً في الجنة … (١) ذكر هذه الوصية المكذوبة محمد رشيد رضا في "مجلة المنار" في مواضع متفرقة … فقال في أثناء جواب له عن سؤال عن هذه الوصية: هذه الوصية ملفقة، سبقها أمثال لها كثيرة، وكلها معزوة إلى اسم الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف، أو خادم الحجرة النبوية الطاهرة.

стр. 947

وقال أيضاً: والظاهر أن الذين يلفقون هذه الوصايا من الجهال، يظنون أنه ربما يكون لنشرها تأثير عظيم في المسلمين، وأنهم يقصدون النفع، ويستحلون في التوسل إليه تعمد الكذب على النبي ﷺ ، كما كان يفعل بعض الوضاعين بأحاديث الترغيب والترهيب، مع علم أولئك بقوله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فإنه روي متواتراً في الكتب الستة وغيرها من المسانيد والمعاجم عن عشرات من الصحابة، ثم ينسخها بعض العوام حيث لا مطابع، ويطبعونها في مثل هذه البلاد لتصديقهم بما في آخرها من الوعد والوعيد، ومن العجب أن الذين يجددون تلفيق الوصية لا يتركون اسم الشيخ أحمد، كأنه خالد في الحرم النبوي الشريف، وكأنه أعطي خدمة الحجرة الطاهرة خالدة تالدة لا تؤثر فيها أحداث الزمان ولا مرور السنين ولا تغير الحكومات، ويلوح في ذاكرتي أن بعض زوار المدينة سأل عن الشيخ أحمد هذا منذ سنين كثيرة فلم يجد في الحرم النبوي من يعرفه. ومن دلائل كذب هذه الوصية أسلوبها العامي، على أن الوصية الجديدة دون ما سبقها في اللحن واصطلاحات العامية. ومنها وهو أقواها: زعم مختلقها أن النبي ﷺ صار محجوباً عن ربه وعن الملائكة، بسبب ذنوب الناس وهذه أعظم العقوبات التي توعد الله تعالى بها الفجار الكفار بقوله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿المطَّففين: ١٥﴾

стр. 948

فجميع ما نعاه على المسلمين من المعاصي هو دون الكذب على الرسول ﷺ ، بأصل الوصية والكذب على الله بزعمه أنه عاقب أفضل رسله بذنب غيره، كما يعاقب الكفار في الآخرة، وهو مغفور له بنص القرآن … إلخ كلامه. "مجلة المنار" (٢٥/ ٤١٨ - ٤١٩). وقال في موضع آخر: والوصية مكذوبة قطعاً، لا يختلف في ذلك أحد شم رائحة العلم والدين، وإنما يصدقها البلداء من الأميين، ولا شك أن الواضع لها من العوام الذين لم يتعلموا اللغة العربية، ولذلك وضعها بعبارة عامية سخيفة لا حاجة إلى بيان أغلاطها بالتفصيل، فهذا الأحمق المفتري ينسب هذا الكلام السخيف إلى أفصح الفصحاء وأبلغ البلاغاء ﷺ . إلى أن قال: ولا شك أن واضع هذه الوصية متعمد لكذبها ولا ندري أهناك رجل يسمى الشيخ أحمد أم لا؟ "مجلة المنار" (٧/ ٦١٥). (٢) ولسماحة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ رسالة مستقلة بعنوان: "تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف" في إبطال هذه الوصية وبيان نكارتها من أربعة أمور، وإليك نص هذه الرسالة: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين حفظهم الله بالإسلام، وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغام، آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

стр. 949

أما بعد: فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان: (هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف). قال فيها: كنت ساهراً ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى، فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ ، الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ . فقال: يا شيخ أحمد. قلت: لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله، فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي، ولا الملائكة، لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفاً على غير دين الإسلام، ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي. ثم قال: فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار، ثم ذكر بعض أشراط الساعة. إلى أن قال: فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها، أو يرسلها، حرمت

стр. 950

عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيراً أغناه الله، أو كان مديوناً قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه، ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله أسود وجهه بالدنيا والآخرة. وقال: والله العظيم ثلاثاً هذه حقيقة، وإن كنت كاذباً أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذَّب بها كفر. هذه خلاصة ما في الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ : ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة، منذ سنوات متعددة، تنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتروج بين الكثير من العامة، وفي ألفاظها اختلاف. وكاذبها يقول: أنه رأى النبي ﷺ في النوم فحمَّله هذه الوصية، وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرناها لك أيها القارئ. زعم المفتري فيها: أنه رأى النبي ﷺ حين تهيأ للنوم لا في النوم. فالمعنى أنه رآه يقظة. زعم هذا المفتري في هذه الوصية: أشياء كثيرة هي من أوضح الكذب، وأبين الباطل، سأنبهك عليها قريباً في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية، وبينت للناس أنها من أوضح
следующие страницы →