(٣٠) قصة: (الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية) .
(باطلة)
وملخص هذه الوصية: أن رجلاً اسمه أحمد، زعموا أنه كان خادماً للحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ ، وأنه سهر ليلة من الليالي -ليلة الجمعة- يتلو القرآن، وبعد ذلك أخذته سنة من النوم، فرأى النبي ﷺ فناداه باسمه وقال: … يا شيخ أحمد، فقال: لبيك يا رسول الله … فذكر أحمد أن رسول الله ﷺ ذكر له أن أمته وقعت في كثير من المعاصي وسرد بعضها.
وفي ختام الوصية ذكر أن من يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد فإن له قصراً في الجنة …
(١) ذكر هذه الوصية المكذوبة محمد رشيد رضا في "مجلة المنار" في مواضع متفرقة … فقال في أثناء جواب له عن سؤال عن هذه الوصية:
هذه الوصية ملفقة، سبقها أمثال لها كثيرة، وكلها معزوة إلى اسم الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف، أو خادم الحجرة النبوية الطاهرة.
стр. 947
وقال أيضاً: والظاهر أن الذين يلفقون هذه الوصايا من الجهال، يظنون أنه ربما يكون لنشرها تأثير عظيم في المسلمين، وأنهم يقصدون النفع، ويستحلون في التوسل إليه تعمد الكذب على النبي ﷺ ، كما كان يفعل بعض الوضاعين بأحاديث الترغيب والترهيب، مع علم أولئك بقوله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فإنه روي متواتراً في الكتب الستة وغيرها من المسانيد والمعاجم عن عشرات من الصحابة، ثم ينسخها بعض العوام حيث لا مطابع، ويطبعونها في مثل هذه البلاد لتصديقهم بما في آخرها من الوعد والوعيد، ومن العجب أن الذين يجددون تلفيق الوصية لا يتركون اسم الشيخ أحمد، كأنه خالد في الحرم النبوي الشريف، وكأنه أعطي خدمة الحجرة الطاهرة خالدة تالدة لا تؤثر فيها أحداث الزمان ولا مرور السنين ولا تغير الحكومات، ويلوح في ذاكرتي أن بعض زوار المدينة سأل عن الشيخ أحمد هذا منذ سنين كثيرة فلم يجد في الحرم النبوي من يعرفه.
ومن دلائل كذب هذه الوصية أسلوبها العامي، على أن الوصية الجديدة دون ما سبقها في اللحن واصطلاحات العامية.
ومنها وهو أقواها: زعم مختلقها أن النبي ﷺ صار محجوباً عن ربه وعن الملائكة، بسبب ذنوب الناس وهذه أعظم العقوبات التي توعد الله تعالى بها الفجار الكفار بقوله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿المطَّففين: ١٥﴾
стр. 948
فجميع ما نعاه على المسلمين من المعاصي هو دون الكذب على الرسول ﷺ ، بأصل الوصية والكذب على الله بزعمه أنه عاقب أفضل رسله بذنب غيره، كما يعاقب الكفار في الآخرة، وهو مغفور له بنص القرآن … إلخ كلامه. "مجلة المنار" (٢٥/ ٤١٨ - ٤١٩).
وقال في موضع آخر: والوصية مكذوبة قطعاً، لا يختلف في ذلك أحد شم رائحة العلم والدين، وإنما يصدقها البلداء من الأميين، ولا شك أن الواضع لها من العوام الذين لم يتعلموا اللغة العربية، ولذلك وضعها بعبارة عامية سخيفة لا حاجة إلى بيان أغلاطها بالتفصيل، فهذا الأحمق المفتري ينسب هذا الكلام السخيف إلى أفصح الفصحاء وأبلغ البلاغاء ﷺ . إلى أن قال: ولا شك أن واضع هذه الوصية متعمد لكذبها ولا ندري أهناك رجل يسمى الشيخ أحمد أم لا؟ "مجلة المنار" (٧/ ٦١٥).
(٢) ولسماحة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ رسالة مستقلة بعنوان: "تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف" في إبطال هذه الوصية وبيان نكارتها من أربعة أمور، وإليك نص هذه الرسالة:
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين حفظهم الله بالإسلام، وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغام، آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
стр. 949
أما بعد:
فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان: (هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف).
قال فيها: كنت ساهراً ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم، وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى، فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ ، الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ .
فقال: يا شيخ أحمد. قلت: لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله، فقال لي: أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة، ولم أقدر أن أقابل ربي، ولا الملائكة، لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفاً على غير دين الإسلام، ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي.
ثم قال: فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار، ثم ذكر بعض أشراط الساعة.
إلى أن قال: فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد، ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها، أو يرسلها، حرمت
стр. 950
عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيراً أغناه الله، أو كان مديوناً قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه، ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله أسود وجهه بالدنيا والآخرة.
وقال: والله العظيم ثلاثاً هذه حقيقة، وإن كنت كاذباً أخرج من الدنيا على غير الإسلام، ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذَّب بها كفر.
هذه خلاصة ما في الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ : ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة، منذ سنوات متعددة، تنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر، وتروج بين الكثير من العامة، وفي ألفاظها اختلاف.
وكاذبها يقول: أنه رأى النبي ﷺ في النوم فحمَّله هذه الوصية، وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرناها لك أيها القارئ.
زعم المفتري فيها: أنه رأى النبي ﷺ حين تهيأ للنوم لا في النوم.
فالمعنى أنه رآه يقظة.
زعم هذا المفتري في هذه الوصية: أشياء كثيرة هي من أوضح الكذب، وأبين الباطل، سأنبهك عليها قريباً في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية، وبينت للناس أنها من أوضح
стр. 951
الكذب، وأبين الباطل، فلما اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها، لظهور بطلانها وعظم جراءة مفتريها على الكذب، وما كنت أظن أن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة، أو فطرة سليمة، ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنه قد راجت على كثير من الناس، وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم، فمن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثالي الكتابة عنها، لبيان بطلانها، وأنها مفتراة على رسول الله ﷺ ، حتى لا يغتر بها أحد، ومن تأملها من ذوي العلم والإيمان، أو ذوي الفطرة السليمة، والعقل الصحيح، عرف أنها كذب وافتراء، من وجوه كثيرة، ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أحمد المنسوبة إليه الفرية، عن هذه الوصية فأجابني بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد، وأنه لم يقلها أصلاً، والشيخ أحمد المذكور قد مات من مدة، ولو فرضنا أن الشيخ أحمد المذكور، أو من هو أكبر منه، زعم أنه رأى النبي ﷺ في النوم أو اليقظة، وأوصاه بهذه الوصية، لعلمنا يقيناً أنه كاذب، أو أن الذي قال له ذلك شيطان، ليس هو الرسول ﷺ لوجوه كثيرة:
الوجه الأول: أن الرسول ﷺ لا يُرى في اليقظة بعد وفاته ﷺ ، ومن
زعم من جهلة الصوفية أنه يُرى النبي ﷺ في اليقظة، أو أنه يحضر المولد أو ما أشبه ذلك فقد غلط أقبح الغلط، ولبس عليه غاية التلبيس، ووقع في خطأ عظيم، وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، لأن الموتى
стр. 952
إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذباً بيناً، أو غالط ملبس عليه، لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح، ودرج عليه أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان.
الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ لا يقول خلاف الحق لا في حياته ولا في وفاته، وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة من وجوه كثيرة، كما يأتي. وهو ﷺ قد يُرى في النوم، ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه، لأن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف، ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي، وصدقه، وعدالته، وضبطه، وديانته، وأمانته، وهل رأى النبي ﷺ في صورته، أو في غيرها، ولو جاء عن النبي ﷺ حديث قاله في حياته من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يعتمد عليه، ولم يحتج به، أو جاء من طريق الثقات الضابطين ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم وأوثق، مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين لكان أحدهما منسوخاً لا يعمل به، والثاني ناسخاً يعمل به حيث أمكن ذلك بشروطه، وإذا لم يمكن ذلك ولم يمكن الجمع وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظاً، وأدنى عدالة، والحكم عليها بأنها شاذها لا يعمل بها، فكيف بوصية لا يُعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله ﷺ ، ولا تُعرف عدالته وأمانته، فهي والحالة هذه حقيقة بأن تُطرح ولا يُلتفت إليها، وإن لم
стр. 953
يكن فيها شيء يخالف الشرع، فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها، وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ، ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله، وقد قال ﷺ : (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار).
وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وكذب عليه كذباً صريحاً خطيراً، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم، وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس أنه قد كذب هذه الوصية على رسول الله ﷺ ، لأن من نشر باطلاً بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه وتكذيبه لنفسه لقول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ ﴿البقرة: ١٥٩ - ١٦٠﴾ فأوضح الله في هذه الآية الكريمة أن من كتم شيئاً من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله ﷺ ، وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل،
стр. 954
ولم يقبضه إليه إلابعد الإكمال والتبيين، كما قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿المائدة: ٣﴾. ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر يريد أن يلبس على الناس ديناً جديداً، يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه، وحرمان الجنة، ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها أن من كتبها وأرسلها إلي بلد، أو من محل إلى محل بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، وهذا من أقبح الكذب، ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية، وقلة حياء مفتريها، وعظم جرأته على الكذب، لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد أو من محل إلى محل لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد، ومن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد لم يحرم شفاعة النبي ﷺ إذا كان مؤمناً به تابعاً لشريعته، وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية تكفي وحدها للدلالة على بطلانها، وكذب ناشرها، ووقاحته، وغباوته وبعده عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ من الهدى.
وفي هذه الوصية سوى ما ذكر أمور أخرى كلها تدل على بطلانها وكذبها، ولو أقسم مفتريها ألف قسم أو أكثر على صحتها، ولو
стр. 955
دعا على نفسه بأعظم العذاب، وأشد النكال على أنه صادق لم يكن صادقاً، ولم تكن صحيحة، بل هي والله ثم والله من أعظم الكذب، وأقبح الباطل، ونحن نشهد الله سبحانه ومن حضرنا من الملائكة، ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين شهادة نلقى بها ربنا ، أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله ﷺ ، أخزى الله من كذبها، وعامله بما يستحق.
ويدل على كذبها وبطلانها سوى ما تقدم أمور كثيرة:
الأول منها: قوله فيها: (لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفاً على غير دين الإسلام) لأن هذا من علم الغيب، والرسول ﷺ قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يعلم الغيب، فكيف بعد وفاته لقول الله ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ﴿الأنعام: ٥٠﴾. وقوله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿النمل: ٦٥﴾.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يُذاد رجال عن حوضي يوم القيامة، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿المائدة: ١١٧﴾.
стр. 956
الثاني: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية، وأنها كذب قوله فيها: (من كتبها وكان فقيراً أغناه الله، أو مديوناً قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية) إلى أخره.
وهذا من أعظم الكذب، وأوضح الدلائل على كذب مفتريها، وقلة حيائه من الله ومن عباده، لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة، وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس، وتعليقهم بهذه الوصية حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم ويدعوا الأسباب التي شرعها الله لعباده، وجعلها موصلة إلى الغنى وقضاء الدين ومغفرة الذنوب، فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان.
الأمر الثالث: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية قوله فيها:
(ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة).
وهذا أيضاً من أقبح الكذب، ومن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية وكذب مفتريها، كيف يجوز عقل عاقل أن من لم يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر، يفتريها على رسول الله ﷺ ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنياً بعد الفقر، وسليماً من الدين بعد تراكمه عليه،
стр. 957
ومغفوراً له ما جناه من الذنوب، سبحانك هذا بهتان عظيم. وأن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري وعظم جرأته على الله وقلة حيائه من الله ومن الناس، فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتوبوها فلم تسود وجوههم، وههنا جم غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة فلم يُقْضَ دينهم ولم يزل فقرهم، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب، وهذه صفات وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم، فكيف تحصل من كتب وصية مكذوبة، مشتملة على أنواع من الباطل، وجمل كثيرة من أنواع الكفر، سبحان الله ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب.
والأمر الرابع: من الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل وأوضح الكذب قوله فيها: (ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذب بها كفر).
وهذا أيضاً من أعظم الجرأة على الكذب ومن أقبح الباطل، يدعو هذا المفتري جميع الناس إلى أن يصدقوه بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار، وأن من كذَّب بها كفر، لقد أعظم والله هذا الكذَّاب على الله الفرية، وقال -والله غير الحق- أن من صدَّق بها هو الذي يستحق أن يكون كافراً لا من كذب بها، لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على أنها كذب، وأن مفتريها كذَّاب يريد أن يشرع ما لم
стр. 958
يأذن به الله، ويدخل في دينهم ما ليس منه، والله قد أكمل الدين وأتمه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرناً، فانتبهوا أيها القراء والإخوان، وإياكم والتصديق بمثل هذه المفتريات، وأن يكون لها رواج فيما بينكم، فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه، فاطلبوا الحق بدليله، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، ولا تغتروا بحلف الكذَّابين، فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم على أنه لهما من الناصحين، وهو أعظم الخائنين، وأكذب الكذَّابين كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف حيث قال سبحانه ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ ﴿الأعراف: ٢١﴾. فاحذروه واحذروا أتباعه من المفترين فكم له ولهم من الأيمان الكاذبة، والعهود الغادرة، والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل، عصمني الله وإياكم وسائر المسلمين من شر الشياطين، وفتن المضلين، وزيغ الزائغين، وتلبيس أعداء الله المبطلين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويلبسوا على الناس دينهم، والله متم نوره وناصر دينه ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من الكفار والملحدين.
وأما ما ذكره هذا المفتري، من ظهور المنكرات فهو أمر واقع، والقرآن الكريم والسنة المطهرة قد حذرا منها غاية التحذير، وفيهما الهداية والكفاية.
ونسأل الله أن يُصلح أحوال المسلمين، وأن يمن عليهم باتباع الحق، والاستقامة عليه والتوبة إلى الله من سائر الذنوب، فإنه التواب الرحيم والقادر على كل شيء.
стр. 959
وأما ما ذكر من شروط الساعة، فقد أوضحت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة، وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك، فمن أراد أن يعلم ذلك وجده في محله من كتب السنة، ومؤلفات أهل العلم والإيمان، وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه ومزجه الحق بالباطل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
(٣) أصدرت اللجنة الدائمة (٣/ ١٠٦) رقم (٩٩٩) فتوى تبين بطلان هذه الوصية والتحذير منها.
(٤) سئل عن هذه الوصية شيخنا العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في إجابة السائل (ص: ٥٤٤ - ٥٤٥) فقال: هذه الوصية باطلة، وقد كتب فيها الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- رسالة فوزعت مجاناً فننصح إخواننا بقراءتها … إلخ.
(٥) وللشيخ عبد الله بن خياط ﵀ خطبة في هذه الوصية بعنوان: (تنوير الأذهان لمناسبة الوصية المفتراه على خير الأنام).
"الخطب في المسجد الحرام" المجموعة الثانية (ص: ١٢٦).
стр. 960
(٣١) قصة: (الوضاع الذي كذب على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ببغداد) .
(لا تصح)
وهي أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صليا في مسجد الرصافة ببغداد، فقام قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول ﷺ : من قال لا إله إلا الله خلق الله له من كل كلمة منها طيراً، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إليه، وهما يقولان: ما سمعنا بهذا إلا الساعة، فسكتا حتى فرغ من قصصه، وأخذ قطاعهم (دراهمهم) ثم قعد ينتظر بقيتها، فأشار إليه يحيى فجاء متوهماً لنوال يجيزه، فقال: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد وابن معين، فقال: أنا يحيى وهذا أحمد ما سمعنا بهذا قط، فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا، فقال: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمت إلا الساعة، كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.
стр. 961
ذكر هذه القصة غير واحد من المحدثين، وهي مشتهرة بين طلبة العلم في زماننا، وقل من يفوت ذكرها من يدرس علم مصطلح الحديث أو يكتب فيه، ولا سيما عند التعرض للوضع، وطار ذكرها بتسطير أحمد شاكر لها في كتاب "الباعث الحثيث" (ص: ٨٥).
وذكرها غير واحد ممن ترجم لأبي زكريا يحيى بن معين، ومن هؤلاء المزي في كتابه "تهذيب الكمال" (٣/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
وهذه القصة ضعيفة في إسنادها: إبراهيم بن عبد الواحد البكري مجهول. "الميزان" (١/ ٤٧).
وقد نصَّ على بطلان هذه القصة جمع من العلماء، منهم:
(١) الذهبي في "الميزان" (١/ ٤٧) قال: إبراهيم بن عبد الواحد البكري لا أدرى من هو ذا، أتى بحكاية أخاف ألا تكون من وضعه. وقال في "السير" (١١/ ٨٦): هذه الحكاية اشتهرت على ألسِنة الجماعة، و هي باطلة، أظن البلدي وضعها ويُعرف بالمعصوب.
(٢) ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٣٢ - ٣٤) رقم (٢٣).
(٣) ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٨٥).
(٤) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (٢/ ٢٩١).
стр. 962
(٥) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٤، ٢٢).
(٦) ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ٥٠).
(٧) الصنعاني في "توضيح الأفكار" (٢/ ٥٦).
(٨) شيخنا الوادعي في "التعليقات الحسان على لسان الميزان" شريط رقم (١).
(٩) العلامة بكر أبو زيد في "التأصيل" (١/ ٧٥).
(١٠) مشهور في "قصص لا تثبت" (٢/ ٩٤ - ٩٩).
(١١) السدحان في "تحت المجهر" (ص: ٧٣).
(١٢) الحلبي في تعليقه على "الباعث الحثيث" تعليق الألباني (١/ ٢٥٩).
стр. 963
القسم الرابع (الأشعار)
стр. 964
(١) الأبيات المنسوبة إلى كعب بن زهير بن أبي سُلمى:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم إثرها لم يفد مكبول
(لا تصح)
وهذه الأبيات لها قصة:
قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٣/ ٥٢٠ - ٥٢٥): قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف، كتب بُجير بن زهير إلى أخيه كعب يُخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزِّبَعرَى، وهبيرة بن أبي لهب قد هربوا في كل وجه، فإن كنت لك في نفسك حاجة، فَطِر إلى رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً مسلماً، وإن أنت لم تفعل، فانجُ إلى نجائك وكان كعب قد قال:
ألا أبلغا عني بُجيراً رسالة … هل لك فيما قلت ويحك هل لكا
إلى قوله:
سقاك بها المأمون كأساً رويِّة … فأنهلك المأمون منها وعلّكا
قال: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيراً، كره أن يكتمها رسول الله ﷺ ، فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ : (سقاك المأمون، صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون)، ولما سمع:
стр. 965
على خلق لم تلف أماً ولا أباً عليه ......................
فقال: أجل، قال: لم يلف عليه أباه ولا أمه.
ثم قال بُجير لكعب: …
من مبلغ كعباً هل لك في التي … تلوم عليها باطلاً وهي أحزم
إلى قوله:
فدِين زهيرٍ وهو لا شيء دِينه … ودِين أبي سُلمى عليَّ محرم
فلما بلغ كعباً الكتاب، ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقال: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بُداً، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ، وذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، كما ذُكِر لي، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلى مع رسول الله ﷺ ، ثم أشار إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنه، فذُكِر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ ، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء يستأمنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟
قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
стр. 966
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ دعه عنك، فقد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه، قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار بما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته. التي أولها:
بانتْ سعادُ فَقَلْبِي اليومَ مَتْبُولُ … مُتيَّمٌ إثْرَها لم يُجْزَ مَكْبُولُ
وما سعادُ غَداةَ البَيْنِ إذْ رَحَلُوا … إلاَّ أَغَنُّ غَضَيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
تَجْلُو عوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسَمتْ … كأنَّه مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مُعْلُولُ
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ … صافٍ بأَبْطَحَ أضْحَى وهو مَشْمولُ
تَنفي الرِّياحُ القَذَى عنه وأَفْرَطَهُ … مِن صَوْبٍ سارِيةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ
فيا لها خُلَّةً لو أَنَّها صَدَقَتْ … ما وَعَدَتْ أو لو انَّ النُّصحَ مَقْبُولُ
لكنَّها خُلَّةٌ قد سِيطَ مِن دَمِها … فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلَافٌ وتَبْدِيلُ
فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها … كما تلَّونُ في أَثْوَابِهَا الغُولُ
وما تَمَسَّكُ بالوَصْلِ الذي زَعَمَتْ … إِلاَّ كما تُمْسِكُ الماءَ الغَرَابِيلُ
فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ … إِنَّ الأَمَانِيَّ والأحلامَ تَضْلِيلُ
كانت عواقبُ عُرْقُوبٍ لها مَثَلاً … وما مَوَاعيدُها إلاَّ الأباطِيلُ
أرجو وآملُ أنَ يَعْجَلْنَ في أَبَدٍ … وما لَهُنَّ طَوالَ الدَّهْرِ تَعْجِيلُ
أَمْسَتْ سُعَادُ بأرضٍ لا يُبَلِّغُها … إِلاَّ العِتَاقُ النَّجِيباتُ المَرَاسِيلُ
стр. 967
وَلَنْ يُبَلِّغَها إِلاَّ عُذَافِرَةٌ … فيها على الأَيْنِ إِرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ
مِن كلِّ نَضَّاخَةٍ الذِّفْرَى إذا عَرِقتْ … عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ
يَرْمِي الغُيُوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرِدٍ لَهِقٍ … إذا تَوَقَّدَتِ الحُزَّانُ والمِيلُ
ضَخْمٌ مُقَلَّدُها فَعْمٌ مُقَيَّدُها … في خَلْقِها عن بَنَاتِ الفَحْلِ تَفْضِيلُ
حَرْفٌ أَخُوها أَبُوها مِن مُهَجَّنَةٍ … وعَمُّها خَالُها قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ
يَمْشِي القُرَادُ عليها ثم يُزْلِقُهُ … مِنها لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ
عَيْرانةٌ قُذِفَتْ في اللَّحْم عن عُرُضٍ … مِرْفَقُها عن بَنَاتِ الزَّوْرِ مَفْتولُ
كأنَّ ما فات عَيْنَيْها ومَذْبَحَها … مِن خَطْمِها ومِن اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ
تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ … في غارِزٍ لم تَخَوَّنْهُ الأَحَاليلُ
قَنْوَاءُ في حُرَّتَيْها لِلْبَصِيرِ بِهَا … عِتْقٌ مُبِينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
تَخْدِي على يَسَرَاتٍ وهي لاحِقَةٌ … ذَوَابِلٌ وَقْعُهُنَّ الأرضَ تَحْلِيلُ
سُمْرُ العَجَاياتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيَمًا … لم يَقِهِنَّ رُؤُوسَ الأَكْمِ تَنْعِيلُ
وما يَظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِمًا … كأنَّ ضَاحِيَهُ بالنَّارِ مَمْلُولُ
كأَنَّ أَوْبَ ذَرَاعَيْها وقد عَرِقتْ … وقدْ تَلَفَّعَ بالقَوْرِ العَسَاقِيلُ
وقالَ للقومِ حَادِيهمْ وقد جَعَلَتْ … وُرْقُ الجَنَادِبِ يَرْكُضْنِ الحصى: قِيْلُوا
أوب يدي فاقد شمطاء معولة … قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نَوَّاحَةٌ رَخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ ليس لَهَا … لَمَّا نَعَى بِكْرَها النَّاعونَ مَعْقُولُ
تَفْرِي اللَّبانَ بِكَفَّيْهَا وَمِدْرَعُهَا … مُشَقَّقٌ عَنْ تَرَاقِيها رَعَابِيلُ
يَسْعَى الوُشاةُ بِجَنْبيْها وقولُهُمُ … إِنَّك يا بنَ أبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
وقال كلُّ خَلِيلٍ كنتُ آمُلُهُ … لا أُلْفِيَنَّكَ إِنِّي عنك مَشْغُولُ
стр. 968
فقلتُ خَلُّوا طَرِيقي لا أَبَا لكمُ … فكلُّ ما قَدَّرَ الرحمنُ مَفْعولُ
كلُّ ابنِ أَنْثَى وإِنْ طالتْ سَلامَتُهُ … يومًا على آلةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدنِي … والعَفْوُ عندَ رسولِ اللهِ مَأْمُولُ
مهلاً هداكَ الذي أعطاكَ نَافِلَةَ الـ … ـقُرْآنِ فيها مَوَاعِيظٌ وتفصِيلُ
لا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الوُشَاةِ ولَمْ … أُذْنبْ ولو كَثُرتْ عَنِّي الأَقَاوِيلُ
لقد أَقُومُ مَقَامًا لو يقومُ بهِ … أرى وأسمعُ ما لو يَسْمَعُ الفِيلُ
لظَلَّ يُرْعَدُ إِلاَّ أَنْ يكونَ لَهُ … مِن الرَّسولِ بإذنِ اللهِ تَنْوِيلُ
حتّى وَضَعْتُ يَمِيني لا أُنَازِعُهُ … في كَفِّ ذي نَقَمَاتٍ قِيْلُهُ القِيلُ
لذَاكَ أَهْيَبُ عندي إذْ أُكلِّمُه … وقيل إِنَّكَ مَسْبُورٌ ومَسْؤُولُ
مِن ضَيْغَمٍ مِن ضِرَاءِ الأُسْدِ مُخْدَرُهُ … ببَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَه غِيلُ
يغدو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُما … لَحْمٌ مِن القومِ مَعْفُورٌ خَرَاذِيلُ
إذا يُسَاوِرُ قِرْنًا لا يَحِلُّ لَهُ … أَنْ يَتْرُكَ القِرْنَ إلاَّ وهو مَفْلُولُ
منهُ تَظَلُّ حَمِيرُ الوَحْشِ ضَامِرَةً … ولا تُمَشِّي بِوادِيهِ الأَرَاجِيلُ
ولا يزالُ بواديهِ أَخُو ثِقَةٍ … مُطَرَّحُ البَزِّ والدِّرْسانِ مَأْكُولُ
إِنَّ الرَّسولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضَاءُ بهِ … مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ
في عُصْبةٍ مِن قُرَيشٍ قال قَائِلُهمْ … ببَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زالُوُا فما زال أَنْكَاسٌ ولا كُشُفٌ … عند اللِّقَاءِ ولا مِيْلٌ مَعَازِيلُ
شُمُّ العَرَانِينِ أبطالٌ لَبُوسُهمُ … مِن نَسْجِ دَاودَ في الهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ … كأنَّها حَلَقُ القَفْعاءِ مَجْدُولُ
يَمْشُونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهمْ … ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّودُ التَنَابيل
стр. 969
لا يفرَحون إذا نالتْ رِماحُهمُ … قومًا ولَيْسُوا مَجازِيعًا إذا نِيلُوا
لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلاَّ في نُحُورِهمُ … ما إِنْ لهمْ عنِ حياضِ الموتِ تَهْليلُ
أخرج هذه القصيدة الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٤١٢) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/ ١٦٨) وذكرها الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٥/ ٤٤٣) والحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٣٧١).
وهي مسلسلة بالمجاهيل، ولها طرق أخرى كلها لا تصح.
وقد ضعَّف هذه القصيدة جمع من العلماء، منهم:
(١) ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" (٤/ ٣٧١): حيث قال: قال: ابن هشام هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسناداً. وقال أيضاً في "البداية والنهاية" (٤/ ٣٧٣): وهذا من الأمورالمشهورة جداً، لكن لم أرَ ذلك في شيء من الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه فالله أعلم.
(٢) العراقي ﵀ قال: وهذه القصيدة قد رَويناها من طرق لا يصح منها شيء وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع … إلخ. … "تحفة الأحوذي" (٢/ ٢٧٦).
стр. 970
(٣) الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" (٢/ ١٨٦) نقل: كلام الحافظ العراقي على القصيدة ولم يتعقبه بشيء.
(٤) الألباني ﵀ قال: لا تصح ليس لها سند صحيح أنا قد تكلمت في بعض المطبوعات عليها. (ذكر هذا في بعض أشرطته المسجلة).
(٥) شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ٤) قال: القصيدة مرسلة ولا تثبت بهذا الإسناد، وفيها الحجاج ابن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب ابن زهير بن أبي سلمى المزني عن أبيه عن جده، والحجاج وأبوه وجده لم أجد تراجمهم. اهـ.
стр. 971
(٢) الأبيات المنسوبة: إلى المرأة التي خرج زوجها للجهاد:
تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه
(ضعيفة)
وهذه الأبيات لها قصة:
وهو أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج من الليل يعس كعادته فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه
وجاءت الأبيات بألفاظ أخرى منها:
تطاول هذا الليل وازور جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه
ألاعبه طوراً وطوراً كأنما بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه
يسربه من كان يلهو بقربه لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه
فوالله لولا الله الذي لا شيء غيره لنُقض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيباً موكلاً بأنفاسنا لا يفتر الدهركاتبه
مخافة ربي والحياء يصدني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
стр. 972
فسأل عمر ﵁ ابنته حفصة ﵂: كم تصبر المرأة على زوجها؟ فقالت: ستة أشهر.
فقال عمر ﵁: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك.
ذكر هذه الأبيات: البيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٥٠ - ٥١) باب الإمام لا يجمر بالغزَّى، والحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٥٤١) تحت قول الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ﴿البقرة: ٢٢٦﴾، وابن الجوزي في "سيرة ومناقب عمر بن الخطاب" ﵁ (ص: ٦٩)، والسيوطي في "تاريخ الخلفاء" (ص: ١٢٦).
وهذه الأبيات في سندها إنقطاع: لأنها من طريق عمرو بن دينار المكي عن عمر بن الخطاب ﵁.
وعمرو بن دينار المكي لم يسمع من عمر بن الخطاب ﵁ فهي منقطعة. "تهذيب التهذيب" (٨/ ٢٥)، و"تحفة التحصيل" للعراقي (ص: ١٧٣).
وقد رُويت هذه الأبيات من طرق أخرى كلها لا تصح.
وقد ضعف هذه الأبيات:
(١) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) العلائي في "جامع التحصيل" (ص: ٢١٠).
стр. 973
التعليق:
قلت: وقد تكلم العلامة ابن القيم (١) ﵀: عن مسألة معاشرة الرجل لزوجته فقال-﵀: وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته؟
فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك فإنه حق له، فإن شاء استوفاه، وإن شاء تركه، بمنزلة من استأجر داراً إن شاء سكنها، وإن شاء تركها. وهذا من أضعف الأقوال، والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده.
أما القرآن فإن الله قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿البقرة: ٢٢٨﴾، فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها، فإذا كان الجماع حقّاً للزوج عليها، فهو حق لها على الزوج بنص القرآن.
وأيضاً فإنه أمر الأزواج أن يعاشروا الزوجات بالمعروف.
ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابَّة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعافٍ مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرةً واحدةً.
ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه رداً عليه.
والله إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ﴿البقرة: ٢٢٩﴾.
стр. 974
وقالت طائفة: يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدةً ليستقر لها بذلك الصداق، وهذا من جنس الأول، وهذا باطل من وجه آخر، فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف، والصداق دخل في العقد تعظيماً لحرمته وفرقاً بينه وبين السفاح، فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق.
وقالت طائفة: يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة، واحتجوا على ذلك بأن الله أباح للمولي تربص أربعة أشهر، وخيَّر المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده، وإن شاءت أن تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله، فليس أيضاً بصحيح، فإنه غير المعروف الذي لها وعليها.
وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهرٍ فنظراً منه سبحانه للأزواج، فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر، أو تأديب، أو راحة نفس، أو اشتغال بمهم، فجعل الله له أجلاً أربعة أشهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقَّتاً في كل أربعة أشهر مرة.
وقالت طائفة أخرى: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف، بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها،
стр. 975
وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف، فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد.
قالوا: وعليه أن يشبعها وطئاً إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتاً، وكان شيخنا -رحمه الله تعالى- يرجح هذا القول ويختاره.
وقد حض النبي ﷺ على استعمال هذا الدواء ورغب فيه وعلق عليه الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال: (وفي بضع أحدكم صدقة) ومن تراجم النسائي على هذا: (الترغيب في المباضعة) ثم ذكر هذا الحديث ففي هذا كمال اللذة، وكمال الإحسان إلى الحبيبة وحصول الأجر، وثواب الصدقة، وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها وخفة الروح، وذهاب كثافتها وغلظها وخفة الجسم، واعتدال المزاج وجلب الصحة ودفع المواد الرديئة … اهـ.
стр. 976
(٣) الأبيات المنسوبة للأصمعي ﵀ -.
صَوْتُ صَفِيرِ البُلْبُل … هَيَّجَ قَلْبِيَ الثَمِلِ
(لا تصح)
قلت: لقد شاعت وذاعت وانتشرت في عصرنا هذا، هذه القصيدة، المتهافتة المعاني والمباني، وأصبح الشباب يتندَّرون بها في المجالس والمناسبات والأفراح، ويتفكهون بها في المحافل والرحلات ويعطون الجوائز والعطايا لمن حفظها، وأصبح من يحفظ هذه القصيدة نجماً لامعاً، وبدراً ساطعاً، يُشار إليه بالبنان ربما أكثر ممن يحفظ القرآن والمتون العلمية نظماً ونثراً.
وهذه القصيدة منسوبة للإمام الجليل الأصمعي عبد الملك بن قريب ﵀، وقد صنعت لهذه القصيدة قصة أكثر تهافتاً من القصيدة.
وخلاصة هذه القصة: أن أبا جعفر المنصور كان يحفظ الشعر من مرة واحدة، وله مملوك يحفظه من مرتين وجارية تحفظه من ثلاث مرات، فكان إذا جاء شاعر بقصيدة يمدح أبا جعفر بها حفظها أبو جعفر من أول مرة ولو كانت ألف بيت!! ثم يقول له: إن القصيدة ليست لك وهاك اسمعها مني، فأنا أحفظها من قبل ثم ينشدها كاملة، ثم يردف قائلاً: وهذا المملوك يحفظها أيضاً، وقد سمعها المملوك مرتين، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فينشدها، ثم يقول الخليفة: وهذه الجارية تحفظها كذلك، وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات، فتنشدها فيخرج الشاعر مُكَذَّباً مُتَهَماً.
стр. 977
قال الراوي: وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه، فعرف حيلة الخليفة فعمد إلى نظم أبيات صعبة، ثم دخل على الخليفة وقد غيَّر هيئته في صفة أعرابي غريب ملثم، لم يبن منه سوى عينيه فأنشده القصيدة المذكورة.
قال الراوي: فلم يحفظ القصيدة الخليفة ولا المملوك ولا الجارية.
فقال الخليفة للأصمعي: يا أخا العرب هات ما كتبته فيه نعطيك وزنه ذهباً، فأخرج قطعة رخام وقال: إني لم أجد ورقاً أكتبها فيه فكتبتها على هذا العمود من الرخام، فلم يسع الخليفة إلا أن أعطاه وزنه ذهباً فنفد ما في خزانته.
الأبيات:
صَوتُ صَفِيرِ البُلبُلِ … هَيَّجَ قَلبِي التَمِلِ
الماءُ وَالزَهرُ مَعاً … مَع زَهرِ لَحظِ المُقَلِ
وَأَنتَ يا سَيِّدَ لِي … وَسَيِّدِي وَمَولى لِي
فَكَم فَكَم تَيَمَّنِي … غُزَيِّلٌ عَقَيقَلي
قَطَّفتَهُ مِن وَجنَةٍ … مِن لَثمِ وَردِ الخَجَلِ
فَقالَ لَا لَا لَا لَا لَا … وَقَد غَدا مُهَرولِ
وَالخُوذُ مالَت طَرَباً … مِن فِعلِ هَذا الرَجُلِ
يَأْمُرُلِي بِخَلْعَةٍ … حَمراء كَالدَم دَمَلي
أَجُرُّ فيها ماشِياً … مُبَغدِداً لِلذِيِّلِ
أَنا الأَدِيبُ الأَلمَعِي … مِن حَيِّ أَرضِ المُوصِلِ
نَظِمتُ قِطعاً زُخرِفَت … يَعجزُ عَنها الأَدبُ لِي
أَقولُ فَي مَطلَعِها … صَوتُ صَفيرِ البُلبُلِ
وهذه القصة مع الأبيات ذكرها صاحب كتاب "إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس" (١/ ٨٥) لمحمد دياب الإتليدي (ت: ١١٠٠) وهو مجهول لم يزد من ترجموا له على ذكر وفاته وأنه من القصاص.
"الأعلام للزركلي" (٦/ ١٢٢).
وذكرها صاحب كتاب "مجاني الأدب من حدائق العرب" للويس شيخو اليسوعي (ت: ١٣٤٦) وهو رجل متهم، ويكفي أنه بنى أكثر كتبه على أساس فاسد. "الأعلام للزركلي" (٥/ ٢٤٦)، "تاريخ الأدب العربي" (١/ ٢٣). …
التعليق على الأبيات والقصة:
أقول هذه القصة السقيمة والنظم الركيك كذب لا يصح لأمور:
(١) أن القصة المذكورة لم ترد في مصدر موثوق.
(٢) أن صلة الأصمعي كانت بهارون الرشيد لا بأبي جعفر المنصور الذي توفي قبل أن ينبغ الأصمعي ويشتهر.
стр. 980
(٣) قال الأخفش: كان الأصمعي أعلم الناس بالشعر وكان يميز الغث من السمين وكان راوية العرب، كان يحفظ أكثر من عشرة آلاف أرجوزة غير الشعر لكنه لم يكن شاعراً أبداً. فإذا عرفنا هذه المنزلة التي وصل إليها الأصمعي من الفصاحة والبيان ثم رأينا ما احتوته هذه القصيدة من الركاكة والتي هي أشبه ما تكون برقى السحرة والتمثيليات الطفولية. ولهذا انتقدها كثير من الشعراء والأدباء وبهذا يتضح لنا وجه الافتراء على الأصمعي إذ لا تصدر هذه من عاقل فضلاً عن عالم حجة جليل.
(٤) وعلى فرض أن الأصمعي قالها هل يعقل أن يكافئه المنصور على مثل هذه الطنطة والدندنة بمثل هذه المكافأة العظيمة، والمنصور في المنزلة التي يعرفها الجميع فصاحة وقدرة على تمييز السقيم من الصحيح، ثم إن المنصور كان يُلقب: (بالدوانقي) لشدة حرصه على أموال الدولة، فهل يا ترى ينفق أموال المسلمين هكذا بهذه الصورة الساذجة
(٥) إن الناظر في هذه القصيدة يرى فيها مخالفات شرعية يُنزّه عنها الأصمعي -عبد الملك بن قريب- العالم الجليل الحجة مثل: ذكر الطبل والطرب والخمر والرقص … إلخ.
стр. 981
(٦) كذلك ما نُسب فيها من كذب وتزوير وخداع الأصمعي للمنصور، وخداع المنصور للشعراء، والكذب عليهم كل هذا وغيره يزيد القصة والأبيات تهافتاً ووهناً على وهن.
(٧) سئل شيخنا العلامة المحدث مقبل الوادعي ﵀ عن هذه القصيدة فقال: لا تصح.
стр. 982
(٤) الأبيات التي نسبت لأطفال ونساء الأنصار في استقبال رسول الله ﷺ عند قدومه المدينة:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
(لا تصح)
الأبيات رواها البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، وأبو سعيد في "شرف المصطفى"، والخِلَعي في"فوائده" كما نقل ذلك الحافظ في "فتح الباري" (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٦/ ٤٨٩)، وأبو بكر المقرئ في "الشمائل" كما في "المواهب اللدنية" (١/ ٣١٢)، والخلال في "الرياض النضرة" (١/ ١٤٤)، وذكرها رزين في "وفاء الوفا" (١/ ٢٦٢)، و"سبل الهدى والرشاد" (٣/ ٣٨٦)، والسبكي في "الحلبيات" كما نقل ذلك الحافظ في "فتح الباري" (٨/ ١٢٩)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/ ٢٣)، كلهم من طريق ابن عائشة به نحوه.
قلت: إسناده معضل كما ذكر ذلك الحافظ العراقي، سقط منه عدد من الرواة؛ فابن عائشة هذا اسمه: عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
стр. 983
روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو من ذرية عائشة بنت طلحة، ولذلك قيل له: (ابن عائشة). وهو ثقة، من كبار الطبقة العاشرة، وأهل هذه الطبقة وصفهم الحافظ ابن حجر بأنهم كبار الآخذين عن تبع الأتباع، ممن لم يلق التابعين؛ كأحمد بن حنبل. فبين ابن عائشة وبين رسول الله ﷺ مفاوز. … "تهذيب التهذيب" (٧/ ٤٠ - ٤١).
وقد ضعَّف هذه الأبيات جمع من العلماء، منهم:
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الفتاوى" (٢/ ١٩٦) حيث قال: وما يروونه عن النبي ﷺ لما قدم إلى المدينة خرجن بنات بني النجار بالدفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع … إلى آخر الشعر فقال لهن ﷺ : هذا الحديث. فمما لا يعرف عنه ﷺ .
(٢) الإمام ابن القيم في "الزاد" (٤/ ٥٥١) عند ذكر هذه الأبيات رداً على من يثبتها في الهجرة، قال: وهو وهمٌ ظاهر لأن ثنيات الوداع إنما هي ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولايمر بها إلا إذا توجه إلى الشام.
(٣) الحافظ العراقي في"تخريج الإحياء" (٢/ ٢٣١) حيث قال: أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، معضلاً وليس فيه ذكر للدف والألحان.
стр. 984
(٤) الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٣٠٧) قال: وأخرج أبو سعيد في "شرف المصطفى"، ورويناه في "فوائد" الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعاً لما دخل النبي ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا ........ الأبيات. وهذا سند معضل، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك. وقال في "الفتح" (٧/ ٧٣٥) وقد روينا بسند منقطع في "الحلبيات" قول النسوة لما قدم النبي ﷺ المدينة: طلع البدر علينا … فقيل: كان ذلك عند قدومه من الهجرة، وقيل: من غزوة تبوك.
(٥) الفتني الهندي في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٩٦) قال: رواه البيهقي معضلاً دون ذكر الدف والألحان.
(٦) الألباني في "الضعيفة" (٥٩٨) و"الصحيحة" (٥/ ٣٣١) و "آلات اللهو والطرب" (١٢٣) قال: طلع البدر علينا ........ … ضعيف: رواه أبو الحسن الخلعي في "الفوائد" (٥٩/ ٢) وكذا البيهقي في "دلائل النبوة " (٢/ ٢٣٣) عن الفضل بن الحباب قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عائشة يقول: فذكره، وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات لكنه معضل سقط من إسناده ثلاثة رواة أو أكثر، فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وقد أرسله، وبذلك أعلّه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/ ٢٤٤). وقال ﵀: أورد الغزالي هذه القصة بزيادة بالدف
стр. 985
والألحان، ولا أصل لها كما أشار لذلك الحافظ العراقي بقوله وليس فيه ذكر للدف والألحان، وقد اغتر بهذه الزيادة بعضهم فأورد القصة مستدلاً بها على جواز الأناشيد النبوية المعروفة اليوم، فيقال له: أثبت العرش ثم انقش، على أنه لو صحت القصة لما كان فيها حجة على ما ذهبوا إليه. وقال أيضاً في "الضعيفة" (١/ ٤٩٧): تحت حديث (هزوا غرابيلكم بارك الله فيكم) لا أصل له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" (٢/ ١٩٦): وما يروونه عن النبي ﷺ لما قدم إلى المدينة خرجن بنات بني النجار بالدفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا ....... … إلى آخر الشعر فقال لهن ﷺ هذا الحديث، فمما لا يعرف عنه ﷺ .
(٧) إسماعيل الأنصاري كما في "مجلة البحوث الإسلامية" العدد الثالث (ص: ٢٩٧ - ٣١٢) لعام (١٣٩٧ هـ).
(٨) شيخنا مقبل الوادعي.
(٩) أكرم ضياء العمري في "السيرة النبوية الصحيحة" (١/ ٢١٩) حيث قال: أما تلك الرويات التي تفيد استقباله ﷺ بنشيد: (طلع البدر علينا) فلم ترد بها رواية صحيحة.