← Фикх общий

Фикх общий · id 8631

أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (307 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فحينئذ يعين القاضي حكمين رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما. وعلى الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح، فإن أمكن على طريقة معينة قرارها, وإذا عجزا عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو منهما أو جهل الحال قررا التفريق بينهما بالطلاق. وأما إذا كانت الإساءة من الزوجة فلا تطلق، وإذا اختلفا أَمَرَهما القاضي بمعاودة البحث فإن استمر الخلاف بينهما حَكّم غيرهما، وعلى الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه، والطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على الضرر الذي أثبتته الزوجة أو بناء على تقرير الحكمين طلاق بائن. ومأخذ هذه الأحكام مذهب مالك ومستنده قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ . "المواد ٦ و٧ و٨ و٩ و١٠ و١١ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩". ٤- التطليق لغيبة الزوج: إذا ادعت الزوجة على زوجها أنه غاب عنها سنة فأكثر بلا عذر مقبول وطلبت تطليقها منه لتضررها من بعده عنها هذه المدة الطويلة وأثبتت وقائع دعواها، فإن كان زوجها الغائب لا يمكن وصول الرسائل إليه بأن كان غير معلوم محل إقامته أو معلوما ولا سبيل إلى مراسلته طلقها القاضي منه في الحال، وإن كان يمكن وصول الرسائل إليه ضرب القاضي له أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها, أو ينقلها إليه أو يطلقها, فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا طلقها القاضي منه, ولو كان له مال تستطيع أن تنفق على نفسها منه؛ لأن هذا تطليق لتضررها ببعده عنها المدة الطويلة بلا عذر, وليس سببه عدم وجود ما تنفق منه، والتطليق لهذه الغيبة طلاق بائن؛ لأنه من

стр. 177

أنواع التطليق للضرر ومأخذه مذهب الإمام مالك، والمراد بالسَّنة التي عَدَد أيامها ٣٦٥ يوما "المادتان ١٢ و١٣ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩". ٥- التطليق لحبس الزوج: إذا صدر على الزوج حكم بسجنه ثلاث سنين فأكثر وصار هذا الحكم نهائيا، فلزوجته بعد مضي سنة من سجنه أن تطلب تطليقها منه لتضررها من بعده عنها هذه المدة الطويلة، ومتى تثبت للقاضي أن الحكم صدر بالسجن لمدة ثلاث سنين فأكثر. وأنه أصبح نهائيا، وأنه نفذ على الزوج, ومضت سنة فأكثر من تاريخ تنفيذه طلقها القاضي منه. والتطليق لهذا الحبس طلاق بائن؛ لأنه أيضا من نوع التطليق للضرر ومأخذه كذلك مذهب الإمام مالك والمراد بالسنة التي عدد أيامها ٣٦٥ "المادة ١٤ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩".

стр. 178

فسخ الزواج: الفرقة بين الزوجين قد تكون بالطلاق الذي يصدر من الزوج أو من القاضي بناء على طلب الزوجة وهذا تقدم بيانه. وقد تكون بفسخ العقد أي: نقضه بسبب خلل وقع فيه. أو بسبب طارئ طرأ يمنع بقاءه. ففسخ الزواج لخلل وقع فيه يكون في حالات: منها الفسخ بسبب ظهور أن العقد وقع غير صحيح كما إذا تبين أن الزوجة أخت زوجها رضاعا أو زوجة غيره أو معتدته. ومنها الفسخ بخيار البلوغ سواء أكان من الزوج أم من الزوجة في الحال التي يكون فيها الخيار لأحد الزوجين إذا بلغ. ومنها الفسخ لعدم كفاءة الزوج لزوجته وعدم رضا وليها العاصب به وقت العقد.

стр. 179

ومنها الفسخ لنقصان مهر الزوجة عن مهر مثلها, وعدم رضا وليها به وامتناع الزوج عن إكماله. وفسخ الزواج لطارئ يمنع بقاءه يكون في حالات: منها الفسخ بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام١. ومنها الفسخ بسبب إباء الزوجة غير الكتابية أن تسلم بعد أن أسلم زوجها. ومنها الفسخ بسبب فعل أحد الزوجين مع أصول الآخر أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة من الزنا ودواعيه. فسواء أكانت الفرقة بسبب خلل في العقد أم بسبب طارئ يمنع بقاءه فإنها في هذه الحالات جميعها تعتبر فسخا ولا تعتبر طلاقا. والفرق بين الفرقة التي هي طلاق والفرقة التي هي فسخ من وجوه: "أولها" أن الطلاق يتنوع إلى رجعي لا يحل عقدة الزواج في الحال وإلى بائن يحل عقدة الزواج في الحال. وأما الفسخ فهو بجميع أسبابه يحل عقدة الزواج في الحال. "وثانيها" أن الفرقة التي هي طلاق تنقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج بحيث لو طلق الزوج زوجته طلقة واحدة, ثم راجعها وهي في عدتها أو عقد عليها عقدا جديدا بعد انقضاء عدتها لا يملك عليها إلا طلقتين, وتحسب عليه تلك الواحدة. وأما الفرقة التي هي فسخ فلا تنقص عدد الطلقات بحيث لو فسخ الزواج بخيار البلوغ مثلا أو لعدم الكفاءة ثم تزاوجا ثانيا ملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات ولا يحتسب هذا الفسخ مما ينقص ما يملكه. "وثالثها" أن كل فرقة هي طلاق تكون من الزوج قبل الدخول بزوجته حقيقة أو حكما توجب للزوجة نصف مهرها، وليست كذلك كل فرقة هي فسخ فإن الزوج لو اختار نفسه عند بلوغه وفسخ الزواج بهذا الخيار, وكان ذلك قبل الدخول حقيقة أو حكما لا يجب عليه من المهر شيء.

стр. 180

وقد يتوقف الفسخ على حكم القضاء بمعنى أنه ما لم يصدر حكم بالفسخ فالعقد باق وذلك في الحالات التي يبنى الفسخ فيها على أسباب تقديرية تكون موضع خفاء, كالفسخ بعدم كفاءة الزوج؛ لأن الكفاءة لا تعرف بالحس وأسبابها مختلفة. وكالفسخ بنقصان المهر من مهر المثل؛ لأنه متوقف على تعيين المثل, ومهر المثل ومقارنة المسمى به. والفسخ بخيار البلوغ؛ لأنه مبني على قصور الشفقة في الولي وله شرائط. والفسخ بإباء الزوجة غير الكتابية الإسلام إذا أسلم زوجها؛ لأنها قد لا تأبى فلا يفسخ العقد. وقد لا يتوقف الفسخ على حكم القضاء بمعنى أنه على الزوجين أن يفسخا من تلقاء أنفسهما, وذلك في الحالات التي يكون سبب الفسخ فيها جليا ليس موضع خفاء ولا تقدير، كالفسخ بسبب ظهور فساد العقد، أو بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام. أو بسبب فعل أحدهم بأصول الآخر أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة. ومن استقراء أنواع الزواج يتبين الضابط العام لتمييز الفرقة التي هي طلاق من الفرقة التي هي فسخ, وهو أن كل فرقة تكون من الزوج ولا يتصور أن تكون من الزوجة فهي طلاق. وكل فرقة تكون من الزوجة لا بسبب من الزوج، أو تكون من الزوج ويتصور أن تكون من الزوجة فهي فسخ.

стр. 181

العدة: تعريفها: العدة شرعا أجل حدده الشارع لانقضاء ما بقي من آثار الزواج بعد الفرقة، فالزوجة المدخول بها بعد حل عقدة زواجها بأي سبب كان تتربص وتنتظر ولا تتزوج بغير زوجها الأول, حتى تنقضي عدتها بانتهاء ذلك الأجل المحدود، والزوجة المتوفى عنها زوجها قبل الدخول بها تتربص كذلك الأجل المحدود. أما الزوج إذا فارق زوجته بأي سبب فليس عليه أن يتربص أي مدة ويمنع عن الزواج فيها إلا إذا كانت من يريد الزواج بها محرما لمن طلقها، فإن عليه أن ينتظر حتى تنقضي عدة مطلقته لئلا يكون جامعا بين المحرمين، وكذلك إذا كانت له زوجات أربع وطلق واحدة منهن لا يحل له التزوج قبل انقضاء عدتها، لئلا يكون جامعا بين أكثر من أربع. سبب وجوبها: وسبب وجوب العدة على الزوجة هو وقوع الفرقة بينها وبين زوجها سواء كانت الفرقة بالوفاء، أو بالطلاق، أو بالفسخ. لكن إذا كانت الفرقة بسبب وفاة الزوج بزواج شرعي صحيح وجبت العدة على الزوجة مطلقا، سواء كانت وفاته بعد أن دخل بها وعاشرها معاشرة الأزواج, أو قبل أن يدخل بها لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ من غير تقييد الزوجات اللاتي يتربصن بكونهن مدخولا بها، فدل الإطلاق على أن كل زوجة شرعية توفي عنها زوجها وجبت عليه العدة. ولأن من حكمة إيجاب العدة على المتوفى عنها زوجها الوفاء لزوجها المتوفي بحدادها وحزنها عليه مدة بعد وفاته، وهذا الوفاء حق لكل زوج شرعي سواء توفي بعد الدخول بزوجته أو قبله. فإن كان الزواج غير صحيح شرعا وقبل أن يفترق الزوجان منه توفي الزوج ولم يكن قد دخل بزوجته لا تجب عليها العدة, وتحل للأزواج في الحال؛ لأن الآية في الذين يتوفون ويذرون أزواجا شرعيات بعقد صحيح. ولأن هذا الزوج بعقد غير صحيح ليس من حقه عليها الوفاء له، وإن توفي هذا الزوج غير الشرعي بعد أن دخل بمن تزوجها وجبت عليه العدة, ولكنها عدة للتحقق من براءة رحمها من الحمل لا للوفاء لهذا الزوج المتوفى. ولذا تكون عدتها في هذه الحال ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر لا أربعة أشهر وعشرة أيام. وأما إذا كانت الفرقة بغير الوفاة بأن كانت بالطلاق أو بالفسخ فلا تجب العدة على الزوجة إذا رفعت هذه الفرقة بعد الدخول بها حقيقة أو حكما في الزواج

стр. 182

الصحيح، وحقيقة فقط في الزواج الفاسد أو الوطء بشبهة. فإن وقعت هذه الفرقة قبل الدخول فلا تجب على الزوجة العدة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ . ولأن الحكمة الأولى لإيجاب العدة بعد الطلاق أو الفسخ هي التحقق من براءة الرحم من الحمل, منعا لاختلاط الأنساب، وهذا إنما يكون إذا وقعت الفرقة بعد الدخول، ولا كذلك الفرقة بالوفاة، فإن الحكمة الأولى لإيجاب العدة بها هي الوفاء، والوفاء حق لكل زوج شرعي توفي قبل الدخول أو بعده. حكمة تشريعها: وحكمة إيجاب العدة تعرف براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وإعطاء الزوج فرصة يتمكن فيها من إعادة زوجيتها، كما أشار الله سبحانه إلى ذلك بقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ . وبقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ والحداد والأسف على الزوج المتوفى، فكل عدة أوجبت فهي لتحقيق حكمة أو أكثر من هذه. أنواعها: أنواع العدة ثلاثة: حيض، وأشهر، ووضع حمل العدة بالحيض: إذا كانت المرأة من ذوات الحيض وحصلت الفرقة بينها وبين زوجها بعد الدخول بها حقيقة أو حكما بسبب غير الوفاة، سواء أكان طلاقا أو فسخا ولم تكن حاملا وقت الفرقة فعدتها تنقضي بثلاث حيضات كوامل بعد الفرقة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . والقرء الحيض. ويؤخذ من تقييد الحيضات بثلاث كوامل أنه لو كانت الفرقة في أثناء حيضها لا تحتسب هذه الحيضة إحدى الثلاث؛ لأنها ليست حيضة كاملة، فلا بد أن تحيض ثلاث حيضات كاملة بعد طهرها من هذه الحيضة التي وقعت الفرقة في أثنائها. وتنقضي عدتها بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة، فإذا انقطع لعشرة أيام من رؤيته وهي أكثر مدة الحيض انقضت العدة بمجرد انقطاعه. وأما إذا انقطع لأقل

стр. 183

من عشرة أيام فلا تنقضي العدة بمجرد انقطاعه، بل لا بد أن يعقب انقطاعه اغتسالها أو مضي وقت صلاة عليها حتى يتحقق من أنه انقطاع لا إلى عودة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة أنها انقضت عدتها بحيضها ثلاث حيضات كوامل هي ستون يوما من تاريخ الفرقة, وقدمنا توجيه ذلك في الرجعة. العدة بالأشهر: اللاتي تعتد بالأشهر من النساء اثنتان ١: "الأولى" الزوجة التي ليست من ذوات الحيض، بأن كانت صغيرة أو مراهقة أو بلغت بالسن وهي خمس عشرة سنة ولم تحض، أو وصلت إلى سن الإياس وهي خمس وخمسون سنة ولم تحض، وحصلت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب غير الوفاة، ولم تكن حاملا وقت الفرقة تنقضي عدتها بثلاثة أشهر من تاريخ الفرقة لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . "الثانية" المتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملا، سواء أكانت من ذوات الحيض أم ليست منهن تنقضي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الوفاة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلا إذا كان زواجها فاسدا فعدتها ثلاث حيضات لا بالأشهر كما قدمنا. العدة بوضع الحمل: إذا كانت الزوجة حاملا وقت الفرقة فسواء أكانت الفرقة بالوفاة أم بغيرها، وسواء أكانت الفرقة من زواج صحيح أو فاسد أو وطء بشبهة، فإن عدتها تنقضي بوضع حملها, ولو كان الوضع بعد الفرقة بلحظة بشرط أن ينفصل الحمل ظاهرا كل خلقه أو بعضه حتى يصدق عليها إنها وضعت حملا وتنقضي عدتها به. قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .

стр. 184

أما إذا انفصلت منها علقة أو مضغة غير مخلقة فلا تنقضي عدتها به؛ لأنه لا يصدق عليها أنها وضعت؛ ولأنه لا جزم بأنها كانت حاملا والعدة لا تنقضي بالشك. تحول العدة من نوع إلى نوع: قد تجب العدة بالأشهر ثم يطرأ ما يوجب الاعتداد بالحيض، وقد تجب بالحيض ثم يطرأ ما يوجب الاعتداد بالأشهر، وقد يجب الاعتداد بثلاثة أشهر أو ثلاث حيض ثم يطرأ ما يوجب الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام. ويتبين ذلك في المسائل الآتية: ١- إذا كانت المعتدة ممن تعتد بالأشهر بأن كانت مراهقة أو آيسة وبعد الفرقة بدأت عدتها بالأشهر, ثم حاضت في أثناء مدة العدة وجب عليها أن تستأنف الاعتداد بالحيض، ولا تنقضي عدتها إلا بثلاث حيضات كوامل، ولا تعتبر المدة التي مضت بعد الفرقة من العدة؛ لأنها قد وجب عليها الاعتداد بالأشهر على اعتبار أنها ليست من ذوات الحيض، فلما تبين قبل تمام عدتها أنها من ذوات الحيض وجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء؛ لأنها الأصل الاعتداد بالحيض والشهور خلف عنها. وأما إذا حاضت بعد تمام عدتها بالأشهر فالعدة التي تمت قد انقضت وليس عليها أن تعتد بدلها بثلاث حيضات, ولكنها صارت من ذوات الحيض بحيث لو تجب عليها في المستقبل عدة تكون بثلاثة قروء. ٢- إذا كانت المعتدة من ذوات الحيض ثم استمر نزول الدم عليها بدون انقطاع, بحيث لا يمكن تمييز أيام طهرها من أيام حيضها, ولا تحديد ثلاث حيضات كوامل بعد الفرقة, وليس لها عادة معروفة لطهرها وحيضها أو لها عادة ونسيتها فهذه المتحيرة أو ممتدة الدم تنقضي عدتها بسبعة أشهر بعد الفرقة, على اعتبار ثلاث حيضات في شهر؛ لأن أكثر مدة الحيض عشرة أيام وثلاثة أطهار في ستة شهور لكل طهر شهران للاحتياط فتلك سبعة أشهر، وقيل تنقضي عدتها بثلاثة أشهر ولكن المفتى به هو الأول وإن كان الظاهر هو الثاني.

стр. 185

٣- إذا كانت المعتدة من ذوات الحيض ثم انقطع حيضها ولم تعد تراه فإنها تستمر معتدة حتى تحيض ثلاث حيضات, أو تبلغ سن الإياس خمسا وخمسين سنة, فتصير من ذوات الأشهر وتعتد بثلاثة شهور وتسمى هذه ممتدة الطهر. وهذا الحكم كان مصار الشكايات وكانت تستولي به المعتدة على نفقة العدة عدة سنوات، ولكن هذا تدورك أخيرا بالمادة ١٧ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩ التي نصت على أنه "لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق" بعد أن عولج أولا بانقضاء عدتها بسنة بيضاء, ولم تقطع الشكوى؛ لأن بعض المعتدات كانت تأخذ نفقة لمدة خمس سنوات. ٤- إذا طلقت الزوجة طلاقا رجعيا ثم مات زوجها وهي في العدة يجب عليها أن تعتد عدة الوفاة، وتنهدم عدة الطلاق؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملكا ولا حلا والزوجية بعد قائمة, ما دامت الزوجة في العدة فيصدق عليها أنها متوفى عنها زوجها فتعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام. أما إذا طلقت طلاقا بائنا ثم مات زوجها في العدة فإنها تتم عدة طلاقها؛ لأن الطلاق البائن قطع الزوجية من حين صدوره، فقد توفي مطلقها وهي مبانة منه فلا تعتد عدة وفاة، إلا إذا كان طلقها بائنا وهو في مرض موته وتحققت الشروط التي يعد بها فارا بحيث ترثه إذا مات, وهي في العدة، ففي هذه الحال متى مات وهي لا تزال في عتدها، تعتد بأبعد الأجلين من عدة الوفاء وعدة الطلاق فأيتهما كانت أطول فهي عدتها؛ وذلك لأننا إذا رايعنا أنها مبانة كانت زوجيتها غير قائمة وليس عليها عدة وفاة، وإذا رايعنا أنها وارثة كانت زوجيتها قائمة وعليها عدة وفاة، فمراعاة للاعتبارين قررنا أنها تعتد العدتين عدة الطلاق وعدة الوفاة، على أن تتدخل أقلهما في أطولهما، وهذا معنى قولنا تعتد بأبعد الأجلين من عدة الطلاق، أو الوفاة. وقال أبو يوسف: تعتد عدة الطلاق فقط ككل مبانة والفتوى بالأول.

стр. 186

٥- إذا طلق الرجل زوجته المدخول بها طلاقا بائنا بينونة صغرى ثم تزوجها وهي في العدة وبعد أن دخل بها في الزواج الثاني طلقها فعليها عدة مبتدأة بهذه الفرقة؛ لأنها فرقة بعد الدخول ولها المهر الثاني كله؛ لأنه تأكد بالدخول. أما إذا طلقها قبل أن يدخل بها في الزواج الثاني فمذهب الشيخين كذلك عليها عدة مبتدأة, ولها المهر كاملا؛ لأنها لما عادت إلى عصمته بالعقد الجديد كأنها عادت إلى حالها الأولى وحالها الأولى كانت مدخولا بها، فكأنها بعد العقد الثاني مدخول بها، فإذا طلقت فعليها العدة ولها المهر الكامل وهذا هو المفتى به. ومذهب محمد عليها إتمام العدة الأولى ولها نصف المهر؛ لأنها طلقت قبل الدخول في الزواج الثاني فلا عدة عليها من فرقته فتستمر في إتمام عدتها الأولى حتى تنقضي ولها نصف المهر الثاني؛ لأنه الواجب بالطلاق قبل الدخول. ومذهب زفر لا عدة عليها أصلا؛ لأن العدة الأولى انهدمت بزواجه الثاني، والفرقة من زواجه الثاني فرقة قبل الدخول لا توجب العدة، ولها نصف المهر؛ لأنه الواجب بالإطلاق قبل الدخول، وقول زفر مبني على مقدمة غير صحيحة؛ لأن الزواج الثاني لم يهدم العدة مطلقا، بل هدمها في حق المطلق نفسه فقط، فإذا انقطع هذا الهادم عاد وجوبها. مبدأ العدة: بما أن سبب وجوب العدة هو الفرقة فابتداؤها يكون من حين الفرقة فورا من الزواج الصحيح، سواء كانت الفرقة بطلان أو فسخ ويكون ابتداؤها من حين المتاركة أو تفريق القاضي في الزواج الفاسد، ويكون ابتداؤها عقب الموت مطلقا في زواج صحيح أو فاسد. ولا يتوقف ابتداؤها على علم الزوجة؛ لأن المسبب يترتب على سببه بلا توقف؛ ولأن العدة أجل حدده الشارع بعد الفرقة فلا يشترط العلم بمضيه حتى لو لم تعلم الزوجة بالوفاة أو الطلاق إلا بعد مضي أجل العدة انقضت عدتها شرعا.

стр. 187

وإذا ادعت الزوجة على زوجها أنه طلقها في وقت معين وأنكر الزوج دعواها فأثبتتها الزوجة بالبينة، وحكم لها القاضي بما ادعته ثبت الطلاق مسندا إلى الوقت المعين بدعواها، ويكون ابتداء العدة من ذلك الوقت لا من وقت الحكم. وأما إذا ادعت عليه أنه طلقها في وقت معين فأقر بدعواها أو أقر هو ابتداء أنه طلقها منذ كذا من الزمن، فإن العدة تبتدئ من وقت إقراره لا من الوقت المسند إليه الطلاق. والفرق أنه لما ثبت بالبينة المتصل بها القضاء إن الطلاق وقع في وقت معين كان ذلك الوقت هو وقت الفرقة حتما, فتبتدئ منه العدة. لكن لما كان في الحالة الثانية سند الإضافة إلى الوقت المعين هو مجرد الإقرار احتمل أن يكونا متواطئين على الإضافة إلى زمن سابق, لتقر بانقضاء عدتهاحتى تصير أجنبية فتنفذ وصيته لها، أو يصح إقراره لها بالدين أو غير ذلك، فلا جزم بحصول الفرقة في الوقت المسندة إليه فتبتدئ العدة من المقطوع بحصول الفرقة فيه وهو وقت الإقرار. واجب المعتدة: يجب على المعتدة أمران: "الأول" أن تنقضي عدتها في المنزل الذي كانت تسكنه حال قيام الزوجية حتى إذا وقعت الفرقة وهي خارج هذا المنزل وجب عليها أن تعود إليه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ . فاعتداد المطلقة في منزل العدة حق قرره الشارع لتكون المطلقة على مقربة من مطلقها يراقب حفظها وصيانتها حتى ينتهي ما بقي من آثار زوجيتها بانقضاء عدتها, ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. ولتكون الأرملة على ذكر من زوجها المتوفى فتقوم بواجب الوفاء له، وليس للمعتدة من طلاق أو وفاة أن تسكن في غير منزل العدة إلا إذا وجد عذر يمنع من إقامتها فيه، كأن ينهدم أو يخشى سقوطه أو تخاف فيه على نفسها أو مالها

стр. 188

أو يخرجها الورثة منه أو يأبى مالكه أن يؤجره أو لا تقدر هي على دفع أجرته، أو غير ذلك من الضرورات التي تبيح لها أن تقضي عدتها في غير هذا المنزل، وإذا وجدت ضرورة تبيح لها الانتقال منه، فإن كانت معتدة وفاة وجب عليها أن تسكن في أقرب منزل من مسكن العدة, لتكون على ذكر من المتوفى ما أمكن، وإن كانت معتدة طلاق تسكن حيث يسكنها مطلقها. وإن سكنت في غير منزل العدة بلا عذر يبيح لها الانتقال منه تعتبر ناشزة ولا تستحق نفقة العدة. "الثاني" أن تحد المبانة، والمتوفى عنها زوجها وهذا الحداد يكون أن تترك الزينة ولا تلبس حليا ولا تمس طيبا ما دامت في عدتها إظهار للأسف على وفاة زوجها أو على انقطاع زوجيتها بهذه الإبانة، وهذا واجب خلقي من باب الوفاء للعشير وخاص بالمعتدة من وفاة أو طلاق بائن. أما المعتدة من طلاق رجعي فلم تنقطع زوجيتها حتى تلبس ثوب الحداد على فوات نعمة الزواج، بل يستحب لها أن تتزين ليرجعها زوجها إلى عصمته. نفقة المعتدة: المعتدة ما دامت في العدة فهي محتبسة لحق زوجها لا يحل لها أن تتزوج بغيره حتى تنقضي عدتها، ولهذا تجب لها على مطلقها النفقة بأنواعها الثلاثة من طعام وكسوة وسكنى، ويراعى فيها ما روعي في نفقة الزوجة فتقدر بحسب حال الزوج يسارا وإعسارا, وحال الأسعار غلاء ورخصا. ويشترط لاستحقاقها أن لا يفوت احتباسها بسبب من قبلها، كأن تخرج من مسكن العدة بغير عذر يبيح لها ترك الإقامة فيه، وتعتبر دينا صحيحا للمطلقة التي تستحقها من تاريخ الطلاق فلا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، ولا تتوقف على القضاء بها أو التراضي عليها. من لا تستحق النفقة من المعتدات: ثلاث من المعتدات لا نفقة لهن أصلا وهن معتدة الوفاة، والمعتدة بسبب فرقة جاءت من قبلها وهي محظورة

стр. 189

غير مشروعة، والمعتدة من فرقة بعد زواج فاسد أو دخول بشبهة؛ وذلك لأن معتدة الوفاة لا سبيل لإيجاب نفقتها على أحد لا على الزوج؛ لأنه بعد الوفاة لا ملك له وليس أهلا للإيجاب عليه ولا على ورثته؛ لأن نفقة الزوجية حق شخصي على الزوج لا ينوب عنه فيه ورثته؛ ولأن من جاءت الفرقة من قبلها بسبب محظور كأن ارتدت عن دينها أو فعلت بأصول زوجها أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة تستحق الزجر والعقاب بحرمانها من حقها في نفقة العدة؛ ولأن الزواج الفاسد والشبهة لا يفيد أحدهما الاحتباس شرعا، فالزواج الفاسد لا يفيد احتباسا شرعيا فلا يوجب النفقة لا قبل الافتراق ولا بعده. من تستحق النفقة منهن: من عدا هذه الثلاث من المعتدات تستحق النفقة وهما المعتدة لفرقة من قبل الزوج سواء كانت طلاقا أو فسخا بسبب محظور أو غير محظور، والمعتدة لفرقة من قبل الزوجة بسبب غير محظور كأن اختارت نفسها عند البلوغ أو فسخ الزواج لنقصان المهر عن مهر المثل. والفرقة التي تصدر من القاضي في الأحوال التي يطلق فيها أو يفسخ العقد فيها تعتبر من قبل الزوج؛ لأنه في الحقيقة ينوب عنه في تطليق زوجته. ويراعى في كل موضع تستحق فيه المعتدة نفقة عدة أنها إنما تستحقها إذا لم تكن ناشزا بأن لم تخرج من مسكن العدة بغير عذر. ويراعى في كل موضع لا تستحق فيه المعتدة النفقة أن الذي لا يستحق إنما هو نفقة الطعام والكسوة، وأما السكنى في مسكن العدة فهو كما قدمنا حق الشرع لا يسقط بأي حال إلا لعذر يتعذر معه السكنى فيه، ولهذا لو أبرأت مطلقا من نفقة عدتها صح عن طعامها وكسوتها؛ لأنهما حقها تتصرف فيهما ولا يشمل السكنى؛ لأنها حق الشرع فلا تملك إسقاطه.

стр. 190

وعلى ما عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية تطبيقا للفقرة الأولى من المادة ١٧ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ لا تأخذ المعتدة نفقة عدة لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق، فإذا مضت عليها سنة بعد الطلاق تؤمر قضاء بالكف عن المطالبة بنفقة عدة؛ لأنه لا حق لها فيها بعد ذلك. وهذا نص ما جاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة: "بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الآن بمقتضى القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ تستطيع المطلقة أن تأخذ نفقة عدة مدة طويلة بدون حق، فإنها إذا كانت مرضعا قد تدعي أن الحيض لم يأتها طول مدة الرضاعة وهي سنتان، ثم تدعي بعد ذلك أنه لا يأتيها إلا مرة واحدة كل سنة وقولها مقبول في ذلك، وتتوصل إلى أن تأخذ نفقة عدة مدة خمس سنين، وإذا كانت غير مرضع قد تدعي أن الحيض يأتيها مرة واحدة في كل سنة، فتتوصل إلى أن تأخذ نفقة عدة مدة ثلاث سنين، فقطعا لهذه الادعاءات الباطلة، وبناء على ما قرره الأطباء من أن أكثر مدة الحمل سنة وضعت الفقرة الأولى من المادة ١٧ ومنعت المعتدة من سماع دعواها نفقة العدة لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق١.

стр. 191

الأولاد: قدمنا أن الحكمة الأولى في تشريع الزواج هي بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء، وذلك بالتوالد بين الزوجين. وانتساب كل مولود لأبيه. والتزام كل أب بشئون بنيه، وبعد أن بينا الزواج، وأحكامه، وحقوق الزوجين, وما يطرأ على الزوجية من فرق، وما يترتب على الفرقة من آثار، نبين أحكام الأولاد الذين هم ثمرة الزوجية وأهم أغراضها. وقد شرع الله سبحانه أحكاما تحفظ الأولاد وتكفل رعايتهم من حين ولادتهم إلى أن يبلغوا رشدهم, فشرع أحكاما لثبوت نسبهم، وتدبير رضاعتهم، وحضانتهم، والإنفاق عليهم حتى يبلغوا حد الكسب، وإدارة شئونهم المالية حتى يبلغوا سن الرشد. والحكمة الإجمالية في تشريع هذه الأحكام هي حماية الأنساب من الضياع، وصيانتها عن الاختلاط، حتى لا يحرم ولد من عاطفة والده، ولا ينسب إلى والد غير والده، ورعاية الطفل في طوري رضاعه وحضانته حتى يبلغ السن التي يستطيع فيها أن يستغني عن غيره، ويتولى شئون نفسه، وحفظ أمواله حتى يبلغ رشده ويقدر على التصرف فيها وحده.

стр. 192

ثبوت النسب ثبوت النسب بالفراش ... ثبوت النسب: النسب يثبت شرعا بواحد من أدلة ثلاثة: الفراش، والإقرار، والبينة. ١- ثبوت النسب بالفراش: المراد شرعا بالفراش الزوجية القائمة حين ابتداء الحمل. فمن حملت وكانت حين حملت زوجة يثبت نسب حملها من زوجها الثابتة زوجيتها به حين حملت، من غير حاجة إلى بينة منها، أو إقرار منه، وهذا النسب يعتبر شرعا ثابتا بالفراش. وعلة ثبوت النسب بالفراش أن مقتضى عقد الزواج الاختصاص، وأن تكون الزوجة مقصورة على زوجها وحده لا يحل لغيره أن يستمتع بها. ومقتضى هذا الاختصاص أن تكون علقت بحملها من زوجها القائمة زوجيتها به حين حملت؛ لأن الأصل حمل حال الناس على الصلاح، وعدم اعتبار الاحتمالات المبنية على سوء الظن والمؤدية إلى الفضيحة وضياع الأولاد. ولذا قال رسول الله ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع: "والولد للفراش وللعاهر الحجر". والمراد أن الولد نتيجة للفراش وثمرة للزوجية. وأما العاهر الذي لا يتخذ زوجة تختص به فلا ثمرة له ولا ينسب إليه ولد, وعبر عن هذا بأنه له الحجر. إذ يقال لمن خاب ولم يجن ثمرة: بيده التراب أو له الحجر. وأحكام ثبوت النسب بالفراش مبنية على ثلاثة أصول: ١- ما يشترط لاعتبار الزوجية فراشا يثبت به النسب. ٢- أقل مدة الحمل. ٣- أقصى مدة الحمل. فأما ما يشترط لاعتبار الزوجية فراشا يثبت به النسب فهو أن تكون زوجية يتصور عادة أن يكون الحمل منها من جهة أهلية الزوج؛ لأن تحمل منه زوجته. ومن جهة التلاقي بين الزوجين، وقد تفرع على هذا ما يأتي: لا يثبت نسب الولد من زوج صغير السن ليس بالغا ولا مراهقا؛ لأنه ليس أهلا لأن تحمل منه زوجته فلا تعتبر زوجيته فراشا يثبت به النسب. ولا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد؛ لأنه مع ثبوت عدم التلاقي بين الزوجين من حين العقد لا يتصور عادة أن يكون الحمل من هذا الزوج، فإذا أنكره ونفى أنه ابنه لا تسمع عليه دعوى نسبه؛ لأنها دعوى يكذبها الظاهر. وكذلك لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها؛ لأن ولادتها بعد سنة من غيبته دليل على أنها حملت وهو غائب

стр. 193

عنها، بناء عل ما قرره الطب الشرعي من أن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنة. فإذا أنكر الزوج هذا الولد ونفى أنه ابنه لا تسمع عليه دعوى نسبه؛ لأن كل دعوى يكذبها الظاهر لا تسمع" "المادة ١٥ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩". وأما أقل مدة الحمل: فمن المقرر شرعا أنها ستة أشهر لأن الله تعالى قال في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . وقال في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ . فقد دلت الآية الأولى على أن الحمل والفصال أي: الرضاع معا في ثلاثين شهرا. ودلت الآية الثانية على أن الفصال وحده في عامين، فاستنتج من هذا أن الحمل وحده في ستة أشهر، فهي أقل مدة يتكون فيها الجنين حتى يولد حيا، وقد تفرع على هذا ما يأتي: أ- ثبوت النسب حال قيام الزواج الصحيح: إذا ولدت الزوجة حال قيام الزواج الصحيح ولدا لأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد عليها لا يثبت نسب ولدها هذا من زوجها؛ لأنها ولدته لأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد، ومدة الحمل لا تقل عن ستة أشهر، فحين حملت به لم تكن زوجة ولا فراشا لزوجها فلا يثبت نسبه منه. ولكن إذا أقر الزوج أنه ابنه لا من زنا يثبت نسبه منه بإقراره، ويحمل على أنه كان زوجا لها سرا قبل العقد العلني، أو أنه دخل بها بناء على شبهة فحملت منه، فحملا لحال الزوجين على الصلاح، ومعاملة للمقر بإقراره، وصيانة للولد من الضياع، أثبتنا نسبه ممن أقر أنه ابنه لا من زنا بالإقرار لا بالفراش والمقر أعلم بنفسه والأصل حسن الظن بالناس. وإذا ولدت حال قيام الزواج الصحيح ولد لتمام ستة أشهر أو لأكثر من تاريخ العقد الصحيح عليها ثبت نسب ولدها هذا من زوجها؛ لأنها حين حملت به كانت

стр. 194

فراشا له بالعقد الصحيح والولد للفراش. فإذا نفى الزوج نسب هذا الولد منه فلا ينتفي إلا بشرطين. "الأول" أن يسارع إلى نفيه بأن ينفيه ساعة ولادته، أو في وقت شراء أدواتها، أو في أيام التهنئة المعتادة؛ لأنه إن سكت عن نفيه في هذه الأوقات اعتبر سكوته إقرارا بنسبه فلا يقبل منه نفيه بعد ذلك. "والثاني" أن يلاعن زوجته؛ لأنه بنفيه نسب ولدها منه يرميها بأنها زانية، وهي ترميه بأنه قاذفها، فلا بد من شهادات منهما مقرونات بالأيمان تدرأ حد الزنا عنها، وحد القاذف عنه، بأن يشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتشهد الزوجة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وهذه الشهادات المقرونات بالأيمان هي اللعان، فإذا بادر الزوج إلى نفي الولد ولاعن زوجته وهما مستوفيان شروط اللعان بأن كان كل منهما أهلا لأداء الشهادة، وزوجيتهما صحيحة، والمرأة عفيفة عن الزنا وقته. قضى القاضي بالفرقة بين الزوجين بطلاق بائن، وحكم بنفي نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه. والأصل في هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل أنصاري فقال: يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع زوجته رجلا فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ ثم قال: اللهم افتح، فنزلت آية اللعان في سوة النور، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .

стр. 195

ب- ثبوت النسب حال قيام الزواج الفاسد: إذا ولدت الزوجة المدخول بها بعقد زواج فاسد قبل مفارقة زوجها ولدا لأقل من ستة أشهر من تاريخ الدخول الحقيقي بها، لا يثبت نسب ولدها هذا من زوجها؛ لأنها حملت به قبل أن تكون فراشا له بالدخول بها، وإذا ولدت لتمام ستة أشهر أو لأكثر من تاريخ الدخول الحقيقي بها ثبت نسب ولدها من زوجها؛ لأنها حملت به بعد أن صارت فراشا له بالدخول بها. ولا يمكنه أن ينفي نسب هذا الولد أصلا؛ لأن النفي في حال قيام الزواج الصحيح إنما كان بعد اللعان. ولا لعان بين الزوجين بزواج فاسد؛ لأن الآية واردة في الذين يرمون أزواجهم، والزواج عند إطلاق الشارع لا ينصرف إلا إلى الزواج بعقد صحيح. ويؤخذ من هذا أمران: "الأول" أن الفراش في الزواج الصحيح يتحقق بنفس العقد، وفي الزواج الفاسد لا يتحقق إلا بالدخول الحقيقي بعد العقد الفاسد، ولهذا احتسبت مدة الحمل في حال الزوجية الصحيحة من تاريخ العقد، وفي حال الزوجية الفاسدة من تاريخ الدخول لا العقد. "الثاني" أن الفراش الثابت بالدخول الحقيقي في الزواج الفاسد أقوى من الفراش الثابت بنفس العقد في الزواج الصحيح من جهة أن النسب الثابت بالفراش الأول لا يمكن نفيه أصلا، وأن النسب الثابت بالفراش الثاني يمكن نفيه بالشرطين السابقين. جـ- ثبوت النسب بعد الدخول بشبهة: إذا دخل رجل على امرأة بشبهة ثم ولدت ولدا، فإن ادعى أنه ابنه ثبت نسبه بهذه الدعوة، وإن لم يدع نسبه لا يثبت منه؛ وذلك لأن الشبهة التي بني عليها دخوله بها أثبتت شبهة فراش، فلا بد لثبوت النسب أن تنضم إليها الدعوة. ولا فرق بين أن تكون الشبهة شبهة في الحكم وهي التي تسمى شبهة الملك, وذلك بأن يشتبه عليه الدليل الشرعي فيفهم منه الإباحة, كما إذا واقَعَ الأب جارية ابنه بشبهة الحديث "أنت ومالك لأبيك" أو واقع المطلق

стр. 196

بلفظ من ألفاظ الكنايات مطلقته وهي في العدة بشبهة الأثر "الكنايات رواجع١" أو شبهة في العقد، كما إذا عقد على امرأة ودخل بها ثم تبين أنها أخته رضاعا، أو شبهة في الفعل، كما إذا زفت إلى الرجل امرأة على أنها زوجته ثم تبين أنها ليست زوجته. فالدخول بأي شبهة من هذه لا يثبت النسب فيه إلا بادعاء الزوج للولد في أي وقت من تاريخ دخوله بمن اشتبه فيها؛ لأنه أعلم بحال نفسه، فهو نسب ثابت بالإقرار لا بالفراش. وأما أقصى مدة الحمل: فلم يرد في القرآن الكريم، ولا في السنة الصحيحة المتفق عليها ما يحددها. ولهذا تعددت فيها آراء المجتهدين، فالإمام مالك حددها بأربع سنين، والإمام أبو حنيفة حددها بسنتين. والظاهرية حددوها بتسعة أشهر. فمن أجل هذا الاختلاف، ولعدم ورود نص يرجع إليه سئل رجال الطب الشرعي وهم أهل الذكر في هذا عن أقصى مدة يمكثها الحمل في بطن أمه، فقرروا بناء على بحوثهم واستقراءائهم أن أقصى مدة الحمل تعتبر عند التشريع سنة عدد أيامها ٣٦٥ يوما لتشمل جميع الأحوال النادرة، وعلى هذا سارت المحاكم الشرعية المصرية وتفرع عليه ما يأتي: إذا وقعت الفرقة بين الزوجين سواء كانت بالطلاق، أو بالوفاة، أو بالفسخ. وسواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، ثم ولدت الزوجة بعد الفرقة ولدا لسنة أو أقل من تاريخ الفرقة ثبت نسب ولده من زوجها الذي وقعت الفرقة بينها وبينه؛ لأن

стр. 197

ولادتها لسنة أو أقل من تاريخ الفرقة دليل على إمكان أنها كانت حاملا قبل حصول الفرقة حين كان الفراش قائما فيثبت به النسب. وأما إذا وقعت الفرقة بين الزوجين سواء كانت بالطلاق، أو بالوفاة، أبو بالفسخ. وسواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، ثم ولدت الزوجة بعد الفرقة ولد لأكثر من سنة من وقت الفرقة وأنكر زوجها الذي وقعت الفرقة بينها وبينه، أو ورثته، أنه ابنه فلا تسمع عليه دعوى نسبه؛ لأن ولادتها لأكثر من سنة من تاريخ الفرقة دليل على أنها حملت به بعد الفرقة بناء على أن أقصى مدة الحمل سنة, فدعواها على من فارقها أو على ورثتها أنه ابنه دعوى يكذبها الظاهر فلا تسمع عند الإنكار. هذه هي أحكام ثبوت النسب بالفراش على ما عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية, وهي مبنية على ما يشترط لاعتبار الزوجية فراشا يثبت به النسب، وعلى ما قرره الشرع من تحديد أقل مدة الحمل بستة أشهر، وما قرره الطب الشرعي من تحديد أقصى مدته بسنة، وما تقرر شرعا من جواز تخصيص القاضي بالحادثة والزمان والمكان، وما دعا إلى هذا التخصيص من شيوع فساد الذمم والجرأة على ادعاء نسب أولاد غير الشرعيين. وهذه الأحكام تخالف مذهب أبي حنيفة في مواضع: "الأول" أن الزوجية الصحيحة في مذهب أبي حنيفة تعتبر من حين العقد فراشا يثبت به النسب مهما تباعد الزوجان، ولا عبرة بثبوت عدم تلاقيهما من حين العقد، ولا بغيبته عنها؛ لأن التلاقي ممكن عقلا، والإمكان العقلي كافٍ لثبوت النسب، محافظة على الأولاد من الضياع. وعلى هذا يثبت نسب ولد المغربية من زوج مشرقي ولو ثبت عدم تلاقيهما من حين العقد. "الثاني" أن أقصى مدة الحمل في مذهب أبي حنيفة سنتان بناء على أثر ورد عن عائشة: "ما تزيد المرأة في الحمل عن سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل". وبناء على هذا يثبت نسب ولد المطلقة بائنا، والمتوفى عنها زوجها، إذا أتت به لأقل

стр. 198

من سنتين من تاريخ الطلاق، أو الوفاة، ولا يثبت نسب إذا ولدته لتمام سنتين أو لأكثر من تاريخ الطلاق أو الوفاة. "الثالث" أنه في مذهب أبي حنيفة ما دام يوجد احتمال ولو بعيد يبنى عليه ثبوت نسب الولد يحكم بثبوت نسبه، إبقاء على حياة الولد وسترا على أمه وترجيحا لجانب حسن الظن بالناس وحفظ الولد من الضياع. وبناء على هذا فالمطلقة رجعيا إذا كانت كبيرة ممن تعتد بالحيض ولم تقر بانقضاء عدتها, وولدت ولدا لسنتين من تاريخ طلاقها أو لأقل أو لأكثر ولو لعدة سنين يثبت نسب ولدها من مطلقها؛ لأن المطلقة رجعيا ما لم تقر بانقضاء عدتها، فزوجيتها قائمة حكما، فلاحتمال أن عدتها طالت بامتداد طهرها، وأن مطلقها راجعها بوقاعها، يثبت نسب ولدها منه، سترا على الأعراض وحفظا للولد من الضياع. وأما إذا أقرت هذه المطلقة رجعيا بانقضاء عدتها في مدة تحتمله، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر من تاريخ الإقرار ثبت نسب ولدها من مطلقها، وظهر كذبها في إقرارها بانقضاء عدتها، وإن ولدت لتمام ستة أشهر أو لأكثر من وقت الإقرار لا يثبت نسب ولدها من مطلقها. ولكن لما كان اعتبار الزوجية فراشا لمجرد إمكان الزوجين عقلا ولو ثبت عدم تلاقيهما حسا مما يابأه العقل, ولا ينبغي أن تبنى عليه الأحكام. ولما كان تحديد أقصى مدة الحمل بسنتين مما يخالف المشاهد في مختلف العصور ولم يقره الطب الشرعي الذي أفتى بأن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنة، ولما كان إثبات النسب بمجرد الاحتمال ولو بعيدا مما جرأ على الدعاوي الباطلة وأثار شكايات الناس. لهذا كله بنيت أحكام ثبوت النسب بالفراش على الأصول الثلاثة التي بيناها, وسارت المحاكم الشرعية المصرية على هذه الأحكام طبقا لنص المادة ١٥ من القانون١ رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩.

стр. 199

وهذا نص المادة: "لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها، ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة". وهذا نص مذكرتها الإيضاحية: "بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الآن يثبت نسب ولد الزوجة في أي وقت أتت به مهما تباعد الزوجان، فيثبت نسب ولد زوجة مشرقية من زوج مغربي عقد الزواج بينهما مع إقامة كل في جهته دون أن يجتمعا من وقت العقد إلى وقت الولادة اجتماعا نصح معه الخلوة. وذلك بناء على مجرد جواز الاجتماع بينهما عقلا. كذلك يثبت نسب ولد المطلقة بائنا إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الطلاق. ونسب ولد المتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الوفاة. ويثبت نسب ولد المطلقة رجعيا في أي وقت أتت به من وقت الطلاق ما لم تقر بانقضاء العدة. والعمل بهذه الأحكام مع شيوع فساد الذمم وسوء الأخلاق أدى إلى الجرأة على ادعاء نسب أولاد غير شرعيين. وتقدمت بذلك شكاوى عديدة. ولما كان رأي الفقهاء في ثبوت النسب مبنيا على رأيهم في أقصى مدة الحمل, ولم يبين أغلبهم رأيه في ذلك إلا على أخبار بعض النساء, بأن الحمل مكث كذا سنين. والبعض الآخر كأبي حنيفة بنى رأيه في ذلك على أثر ورد عن السيدة عائشة يتضمن أن أقصى مدة الحمل سنتان، وليس في أقصى مدة الحمل كتاب ولا سنة١. فلم تر الوزارة مانعا من أخذ رأي الأطباء في المدة التي يمكثها الحمل، فأفاد الطبيب الشرعي بأنه يرى أنه عند التشريع يعتبر أقصى مدة الحمل ٣٦٥ يوما، حتى يشمل جميع الأحوال النادرة. وبما أنه يجوز شرعا لولي الأمر أن يمنع قضاته من سماع بعض الدعاوى التي يشاع فيها التزوير والاحتيال، ودعوى نسب ولد بعد مضي سنة من تاريخ الطلاق بين الزوجين أو وفاة الزوج. وكذا دعوى نسب ولد من زوج لم يتلاق مع زوجته في وقت ما، ظاهر فيها الاحتيال والتزوير. لذلك وضعت المادة "١٥" من القانون.

стр. 200

٢- ثبات النسب بالإقرار: الإقرار بالنسب نوعان: إقرار يقتضي ثبوت نسب المقر له من نفس المقر ابتداء، ويتفرع عنه ثبوت نسبه من غير المقر، وإقرار يقتضي ثبوت نسب المقر له من غير المقر ابتداء، ويتفرع عنه ثبوت نسبه من المقر. فإقرار الرجل الغلام أنه ابنه يقتضي أولا ثبوت نسب الغلام من هذا المقر. ويتفرع عنه أن يكون أبو المقر جدا له، وأولاد المقر إخوة له، وإخوة المقر أعماما له. ومثل هذا إقرار المرأة لولد أنه ابنها. وإقرار الولد لرجل أنه أبوه، أو لامرأة أنها أمه، وكل إقرار ببنوة أو أبوة أو أمومة. وأما إقرار الرجل الآخر أنه أخوه فهذا يقتضي أولا ثبوت نسب المقر له من أبي المقر، ويتفرع عنه ثبوت إخوته للمقر؛ لأن معنى إخوته له أن أباهما واحد، وكذا الإقرار لآخر أنه عمه، أو ابن ابنه، أو ابن أخيه. وهذا معنى قول الفقهاء الإقرار بالنسب نوعان: نوع فيه حمل النسب على نفس المقر. ونوع فيه حمل النسب على غيره. ولكل من النوعين حكم يخصه.

стр. 201

فأما الإقرار بالنسب الذي فيه تحميل ابتداء على نفس المقر كالإقرار بالبنوة أو الأبوة أو الأمومة فإنه يثبت به النسب؛ لأن الإقرار حجة على المقر. وبناء على هذا من أقر بأن هذا الغلام ابنه أو هذه الطفلة بنته يكون إقراره حجة عليه، ويثبت بهذا الإقرار بنوة الغلام، أو الطفلة له، وأبوته لهما، ويكون لكل منهما عليه حقوق الأولاد على أبيهم, وله عليهما حقوق الأب على أولاده بشرط توافر شروط ثلاثة: "الأول" أن يكون الغلام أو الطفلة مجهولي النسب لا يعرف لواحد منهما أب؛ لأنه إن كان أحدهما ثابتا نسبه من غير المقر لا يصح الإقرار؛ لأن النسب الثابت لا يقبل الفسخ. "الثاني" أن يكون هذا الغلام أو هذه الطفلة ممن يولد مثله لمثل المقرن؛ لأنه إن كان أحدهما لا يولد مثله لمثل المقر، كأن كان يساويه في السن أو يدانيه كان الظاهر مكذبا هذا الإقرار فلا يصح. "الثالث" أن يصادقه الغلام أو البنت إذا كانا أهلا للمصادقة بأن كانا في سن التمييز؛ لأن هذا الإقرار في الحقيقة هو اعتراف على نفس المقر بأنه أب، ودعوى على المقر له بأنه ابن، دعوى الإنسان على غيره لا تثبت إلا ببينة، أو بمصادقة المدعى عليه. فلهذا اشترطنا مصادقة المقر له إن كان مميزا. وأما إذا كان غير أهل للمصادقة بأن كان غير مميز، فإنه يعتبر مصادقا؛ لأن مصلحته في أن يكون ثابتا نسبه والشأن فيه أن يصادق. ومن أقرت بأن هذا الغلام ابنها أو هذه البنت بنتها وتوافرت هذه الشروط الثلاثة، ثبت بهذا الإقرار أمومتها للغلام أو البنت وبنوتهما لها, ويكون لها عليهما حقوق الأم على أولادها ولهما عليها حقوق الأولاد على أمهم. وإذا كانت هذه المقرة زوجة أو معتدة وصادقها زوجها على إقرارها كانت هذه المصادقة إقرارا منه بنسب الغلام أو البنت فيثبت بهذه المصادقة إبوته لهما

стр. 202

وبنوتهما له. وأما إذا لم يصادقها فإن قال ليس ابني من ولدته زوجتي أو معتدتي فهذا إنكار نسب ولد ثابت نسبه بالفراش وسبيله اللعان كما تقدم. وأما إذا لم يصادقها بأن قال لم تلد أصلا وهذا المقر له لقيط، أو قال لم تلد هذا المقر له بعينه؛ لأن من ولدته بنت وهذا غلام، ففي هاتين الحالين يكتفى من الزوجة في الإثبات بشهادة القابلة العادلة. وإذا أقر غلام مميز أو صغيرة مميزة بأن هذا الرجل أبوه أو هذه المرأة أمه وتوافرت الشروط الثلاثة ثبت بهذا الإقرار بنوة الغلام أو الطفل للمقر له، وأبوة الرجل وأمومة المرأة المقر، معاملة للمقر بإقراره وللمصادق بمصادقته. هذه أحكام الإقرار بالبنوة أو الأبوة. وأما الإقرار بالنسب الذي فيه تحميل النسب ابتداء على غير المقر كالإقرار بأن هذا أخوه، أو عمه، أو ابن ابنه، فهذا لا يثبت به النسب ممن حمل عليه، فلا يكون المقر له بالأخوة ابنا لأبي المقر، ولا يكون المقر له بالعمومة ابنا لجد المقر، ولا يكون المقر له الأخير ابنا لابن المقر؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على نفس المقر، وليس حجة على غيره، إلا إذا صادفه هذا الغير أو أقيمت عليه بينة. بناء على هذا من أقر لآخر أنه أخوه لا تثبت بهذا الإقرار أخوته، فلا يعتبر ابنا لأبيه، ولا أخا لأخوته، ولا عما لأولاده، وإنما يترتب على هذا الإقرار معاملة المقر نفسه بإقراره في حق نفسه فقط بحيث لا يكون لهذه المعاملة أثر في حق غيره. فإذا كان المقر له فقيرا والمقر غنيا تفرض له عليه نفقة الأخ على أخيه، وإذا مات المقر وليس له ورثة أصلا أو ورثته زوجته فقط استحق المقر له كل تركته في الحال الأولى وما بقي بعد نصيب الزوجة في الحال الثانية؛ لأنه ما دام لا ضرر على أحد في معاملة المقر بإقراره يعامل به فيكون المقر له أولى بتركة المقر, أو بما بقي بعد نصيب زوجته، وإذا مات أبو المقر فإن ما يرثه المقر من تركة أبيه يشاركه فيه المقر له, إما مناصفة أو للذكر مثل حظ الأنثيين حسب الفريضة الشرعية؛ لأن إقرار المقر لشخص بأنه أخوه هو اعتراف منه بأن له نصيبا في تركة أبيه، فيعامل باعترافه في حق نفسه فقط، ويشاركه المقر له في نصيبه، ويعتبر ما في أيدي سائر الورثة بمنزلة الهالك لعدم قيام حجة عليهم بإخوته، وكأن تركة المتوفى هي ما في يد المقر فقط فيشاركه فيه.

стр. 203

ثبوت النسب بالبينة ... ٣- ثبوت النسبة بالبينة: كما يثبت النسب بالفراش وبالإقرار على ما تقدم يثبت بالبينة الكاملة, أي: بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين عدول. فإذا ادعى واحد على آخر بنوة، أو أبوة، أو أخوة، أو عمومة، أو أي نوع من القرابة, وأنكر المدعى عليه دعواه، فإن للمدعي أن يثبت النسب الذي ادعاه بالبينة الكاملة، ومتى صحت دعواه، وكانت بينته كافية لإثباتها، وحكم له بثبوت نسبه الذي ادعاه، صارت له كل الحقوق والأحكام المقررة شرعا بسبب البنوة، أو الأبوة، أو الأخوة، أو العمومة أو غيرها من أنواع القرابة. غير أنه يراعى الفرق بين دعوى البنوة والأبوة، وبين دعوى الأخوة والعمومة وشبهها. فإذا كانت الدعوى بالأبوة، أو البنوة، والأب أو الابن المدعى عليه حي، تسمع الدعوى مجردة عن أن تكون في ضمن حق آخر. ويراد الإثبات على النسب قصدا, وأما إذا كان الأب أو الابن المدعى عليه ميتا فلا تسمع الدعوى إلا في ضمن دعوى حق آخر. ولا يراد الإثبات على النسب قصدا، بل يثبت في ضمن إثبات الحق المدعي ووجه الفرق أن البنوة أو الأبوة في حال حياة الأب أو الابن المدعى عليه تقصد لذاتها ويدعى بها قصدا. وأما بعد موتهما فلا تكون البنوة أو الأبوة مقصودة لذاتها، بل لما يترتب عليها من حقوق وأحكام, فيكون موضوع الخصومة هو هذه الحقوق فلا بد أن تكون الدعوى في موضوع الخصومة الحقيقي, والنسب يثبت في ضمن إثبات الحق الذي يترتب عليه.

стр. 204

وأما إذا كانت الدعوى بالأخوة أو العمومة أو غيرهما من أنواع القرابة، فلا تسمع الدعوى بهذا النسب إلا في ضمن دعوى حق آخر، ولا يراد الإثبات على هذا النسب قصدا سواء كان المدعى الانتساب إليه حيا أو ميتا؛ لأن هذا النسب لا يقصد لذاته لا في حال الحياة ولا بعد الوفاة، وإنما المقصود ما يترتب عليه من الحقوق كالنفقة، والإرث، والاستحقاق في وقف، فهذه الحقوق هي موضوع الخصومة الحقيقي والدعوى يشترط لصحتها أن تكون في موضوع خصومة حقيقية بين المتداعيين. لهذا لا بد في دعوى هذا النسب أن تكون في ضمن دعوى حق آخر مطلقا. وإنما تلزم البينة الكاملة لإثبات النسب عند الإنكار إذا لم يكن النزاع بين الزوج وزوجته أو معتدته. أما إذا تنازع الزوج وزوجته حال قيام الزوجية في شأن ولد ولدته لتمام ستة أشهر أو أكثر بعد العقد فهذا النزاع له صور ثلاث: "الأولى" أن يصادقها على أنها ولدت هذا الولد وينفي نسبه منه. "الثانية" أن يصادقها على أنها ولدت وينكر أنها ولدت هذا الولد بعينه, بأن يقول أنها ولدت بنتا وهذا غلام. "الثالثة" أن ينكر أنها ولدت أصلا بأن يقول إنه ما ولدت وهذا الولد لقيط. ففي الصورة الأولى يفصل في النزاع بطريق اللعان؛ لأن الزوجية الصحيحة قائمة، والولادة لتمام ستة أشهر فأكثر، فلا ينتفي نسب الولد إلا باللعان وبالشروط التي قدمناها. وفي الصورتين الثانية والثالثة النزاع إنما هو في تعيين المولود، أو في الأصل الولادة، فللزوجة أن تثبت ما أنكره زوجها من تعيين المولود، أو أصل الولادة بشهادة امرأة حرة مسلمة معروفة بالعدالة ولا يلزم للإثبات بينة كاملة, أي: رجلان

стр. 205

أو رجل وامرأتان؛ وذلك لأن النسب ثابت بالفراش، والمراد إثباته هو تعيين المولود أو أصل الولادة, وهما من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإذا لزم لإثبات مثل هذه الأمور بينة كاملة نال الوالدات حرج، والحرج مدفوع شرعا. وقد أجاز رسول الله شهادة القابلة. وقال ابن شهاب الزهري: "قضت السنة بجواز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وعيوبهن" وكذلك لها أن تثبت ما أنكره بشهادة الطبيب الذي باشر ولادتها، أو أي رجل شاهد ولادتها غير متعمد. وأما إذا كان النزاع بين الزوج ومعتدته، فإذا ادعت المعتدة الولادة لأقل من سنتين من وقت الفرقة وأنكرها الزوج فهذا له حالتان: "الأولى" أن يكون الزوج لم يقر بالحبل وليس الحبل ظاهر. "الثانية" أن يكون الزوج أقر به أو كان ظاهرا. فإن كان الزوج لم يقر بالحبل وليس حبلها ظاهرا، فلا تثبت الولادة التي أنكرها الزوج إلا ببينة كاملة أي: بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وذلك لانقطاع الزواج بسبب انقضاء العدة بالولادة، فصارت أجنبية، وثبوت النسب من الأجنبية لا يكفي فيه إلا بالبينة الكاملة -وهذا قول الإمام- وقال الصاحبان: تكفي شهادة القابلة في هذه الحالة؛ لأن الفراش قائم بقيام العدة فالنسب ثابت به، والمحتاج إلى إثباته هو الولادة، وتكفي في إثباتها شهادة القابلة. وأما إن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فالولادة تثبت بمجرد دعوى المعتدة من غير حاجة إلى شهادة أصلا؛ لأن الحبل المفضي إلى الولادة ثابت بظهوره، أو بالاعتراف به، فيثبت ما يفضي إليه وهو الولادة -وهذا قول الإمام- وقال الصاحبان: لا تثبت إلا بشهادة القابلة؛ لأن دعواها أنكرها الزوج فلا بد من إثبات ما أنكره. ومثل المعتدة من الطلاق في هذه الأحكام معتدة الوفاة إذا نازعها الورثة وأنكروا ما ادعته من الولادة لأقل من سنتين من حين الوفاة.

стр. 206

وأما إذا ادعت المعتدة من طلاق أو وفاة الولادة لأقل من سنتين، ولم ينكر المطلق ولا الورثة نفس الولادة، وإنما أنكروا أن هذا هو المولود بعينه فهذا التعيين يثبت بشهادة القابلة. ويراعى أن هذه الأحكام بالنسبة للمعتدة تخالف ما عليه العمل بالمحاكم الشرعية من بعض الوجوه؛ لأن المادة ١٥ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ نصت على أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها, إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق والوفاة. ويراعى أيضا أنه لو أقيمت بينة على الإقرار بالنسب تقبل، وإذا حكم بهذه البينة ثبت الإقرار وعومل المقر بإقراره, ولكن ذلك مقيد بما جاء بالمادة ١٢٩ من القانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ ونصها: "لا تقبل دعوى بالإقرار الصادر قبل قيام الخصومة أو بعدها، ولا الشهادة به، إلا إذا كان صدوره أمام قاض بمجلس القضاء، أو كان مكتوبا وعليه إمضاء المقر وختمه، أو وجدت كتابة تدل على صحته".

стр. 207

اللقيط: اللقيط مولود حديث العهد بالولادة غالبا، رماه أهله فرارا من تهمة الزنا، أو خوفا من الفقر، أو لأي باعث حملهم على هذا. التقاطه: والتقاطه فرض عين على من وجده في مكان يغلب فيه هلاكه، بحيث لو تركه كان آثما مضيعا نفسا حية، ومن وجده في مكان لا يغلب فيه هلاكه يندب له التقاطه شفقة عليه. وهو حر يعامل في نفسه وماله بأحكام الأحرار؛ لأن الأصل في الإنسان الحرية. ومسلم يعامل بأحكام المسلمين؛ لأن الظاهر فيمن يوجد ببلد إسلامي أنه مسلم. إلا إذا وجد في محلة هي مقر غير المسلمين وكان واجده غير مسلم فإنه يكون على دين واجده.

стр. 208

إمساكه: وملتقطه أحق بإمساكه١؛ لأنه هو الذي أحياه بالتقاطه وسبقت يده إليه، فليس لأحد من حاكم أو غيره أن يأخذه منه جبرا عنه إلا أن وجد سبب يقتضي أخذه منه كأن يكون غير أهل لحفظه، وإن التقطه أكثر من واحد فالأحق بإمساكه منهم أرجحهم بالإسلام أو الحرية أو القدرة على الحفظ أو غير ذلك من المرجحات، فإن استووا ولا مرجح فالرأي للقاضي يجعله عند أيهم يراه خيرا للقيط. الولاية عليه: ولا ولاية على اللقيط لأحد لا في نفس ولا في مال، ولا للملتقط ولا لغيره، والولاية عليه للمحاكم؛ لأنه ولي من لا ولي له، وإنما يكون لملتقطه الذي يمسكه ولاية المحافظة على نفسه وماله فيشتري مالا بدله منه من طعام وكسوة، ويتخذ ما يلزم لتعليمه علما أو حرفة, ويقبض ما يوهب له أو يتصدق به عليه. وإن وجد معه حين التقاطه مال فهو ملك له ليس لأحد ولاية التصرف فيه, وعلى الملتقط أن يحافظ عليه, وليس له أن ينفق عليه منه إلا بإذن القاضي, فإن أنفق على اللقيط بغير إذن القاضي ولم يشهد عند الإنفاق أنه أنفق ليرجع في مال اللقيط فهو متبرع. وإذا لم يوجد مع اللقيط مال ولم يوجد من ينفق عليه فنفقته في بيت المال. نسبه: وبما أن اللقيط مجهول النسب ومن مصلحته أن يثبت نسبه فإذا ادعى أي شخص سواء كان الملتقط أو غيره أنه ابنه ثبت نسبه منه بمجرد الدعوة. وإذا ادعاه الملتقط وغيره رجح الملتقط إلا إذا أقام الآخر بينة على دعواه. وإذا ادعاه اثنان ليس أحدهما الملتقط رجحت دعوى أسبقهما ادعاء، إلا إذا أقام الآخر البينة، وأن ادعياه معا فهو لمن أقام البينة، وإن لم تكن لأحدهما بينة فهو لمن وصفه بعلامة تبين أنها فيه، وكذلك إذا دعت امرأة أنه ابنها ثبتت أمومتها له بمجرد الدعوة.

стр. 209

التبني: كل موضع يثبت فيه نسب اللقيط ممن ادعاه يكون ابنا شرعا لمدعيه, ويكون لكل منهما على الآخر ما للأب على ابنه وما للابن على أبيه؛ لأنه مجهول النسب وهذه الدعوة إقرار بنسبه. وهذا بخلاف ما إذا كان ولد معروفا نسبه وتبناه رجل غير أبيه، فهذا التبني لا يثبت به نسب من المتبني؛ لأن النسب الثابت كما قدمنا لا يقبل الفسخ، وعلى هذا لا يكون المتبنَّى "ويسمى الدَّعِي" ابنا لمن تبناه، ولا يجب لأحد منهما على الآخر حق أبوة ولا بنوة، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ .

стр. 210

الرضاعة: للرضاع أحكام من حيث هو سبب من أسباب تحريم الزواج. وأحكام من حيث هو واجب للطفل في أول حياته. الرضاع الموجب للتحريم: فأما الرضاع الذي هو سبب من أسباب تحريم الزواج فهو مص الرضيع اللبن من ثدي آدمية في مدة الرضاع التي هي الحولان الأولان من حياته. لقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ . وقول سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ . فإذا رضع الطفل من المرأة في أثناء الحولين الأولين من عمره كانت هذه المرضعة أما له من الرضاعة، وأولادها أخوة له من الرضاعة سواء ولدتهم قبل الرضاعة أو وقته أو بعده، وزوجها الذي كان سببا في إدرار لبنها أبا له من الرضاعة، وحرم بهذا الرضاع ما يحرم بالنسب والمصاهرة. على ما تقدم بيانه في المحرمات من النساء. وأما إذا رضع الطفل من المرأة بعد الحولين الأولين من عمره، فهذا الرضاع لا يكون سببا من أسباب التحريم سواء كان الطفل قد فطم أو لم يفطم. وعلة هذا

стр. 211

أن السبب في التحريم بالرضاع هو كون الإرضاع يجعل الرضيع كجزء من مرضعته, فيكون بمنزلة المولود من والدته، وهذه الجزئية إنما تتحقق إذا تغذى الطفل بهذا اللبن في الوقت الذي لا ينبت فيه لحمه وعظمه غالبا إلا به, وهو الحولان الأولان من عمره فالرضاعة في الحولين الأولين هي وحدها في الغالب سبب تكوين الطفل فتثبت بها الجزئية والتحريم. وأما بعد الحولين فلا تكون في الغالب غذاء الطفل وحدها ولا تثبت بها البعضية ولا التحريم، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره متى تحقق حصوله في مدة الرضاع؛ لأن الله سبحانه قال في بيان المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ . وبالمرة والمرات والقليل والكثير يصدق أنها أرضعت، فلا يشترط للتحريم عدد من الرضعات ولا مقدار من لبن المرضعة، وإنما الشرط للتحريم أن يتحقق من وصول لبن المرضعة إلى جوف الطفل في مدة الرضاعة سواء كان بطريق امتصاصه ثديها، أو سقيه له، فإذا لم يتحقق من وصول اللبن إلى جوفه بأن التقم الثدي ولم يدر أرضع أم لا، فلا يثبت التحريم؛ لأنه لا يثبت بالشك. وإذا اختلط لبن الآدمية بطعام ونضج بالنار فلا يتعلق به تحريم. وأما إذا خلط بسائل آخر من لبن أو ماء أو دواء، فإن كان هو الغالب يتعلق به التحريم، وإن كان مغلوبا لا يتعلق به التحريم. وإذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى تعلق التحريم بأغلبهما. فإن استويا حرمتا. وقال محمد تحرمان مطلقا الغالب لبنها وغيرها، وهذا هو الظاهر. وإذا تزوج رجل امرأة ثم تبين أنها تحرم عليه رضاعا وجب عليهما الافتراق رفعا لهذا الزواج الفاسد، وإن لم يفترقا رفع أي إنسان بطريق الحسبة دعوى تفريق. فإذا افترقا أو حكم بالفرقة كان الحكم حكم الفرقة بعد أي زواج فاسد.

стр. 212

متى تجب على الأم الرضاعة: إرضاع الأم ولدها واجب عليها شرعا تجبر على القيام به إذا تعينت له بأن كان ولدها لا يقبل ثدي غيرها. أو لا توجد من ترضعه سواها. أو لم يكن للولد ولا لأبيه مال تستأجر به مرضعة. لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أي: يجب عليهن الإرضاع، كما في قوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . أي: يجب عليهن التربص. فإذا لم تتعين أم الطفل لإرضاعه بأن لم توجد حال من الحالات الثلاث السابقة فلا يجب عليها إرضاعه ولا تجبر على القيام به إذا امتنعت منه. وعلى أبيه في هذه الحالة أن يستأجر مرضعة له, وأجرتها عليه في ماله إذا لم يكن للطفل مال؛ لأنها من نفقته, والأب ملزم بنفقة ابنه الصغير الفقير. والمرضعة التي تستأجر لإرضاع الطفل تسمى الظئر. وعقد الإجارة معها على إرضاعه عقد صحيح, يلزم أباه بالأجر المتفق عليه. ويلزمها بأن ترضع الطفل في المدة المتفق عليها، وعلى حسب الاتفاق يكون إرضاعها له. فإما أن تقيم به عند حاضنته أما كانت أو غيرها، وإما أن ترضعه عندها ثم تذهب وتعود، وإما أن يحمل إليها في منزلها لترضعه. وإذا لم يتفق على شيء من هذا فعليها أن ترضعه عند حاضنته حتى لا يفوت على الحاضنة حقها في حضانته. وإذا انقضت مدة إجارة الظئر والطفل لا يقبل ثدي غيرها تجبر على مدة الإجارة حتى يقبل ثدي غيرها, أو يستغنى عن لبنها بأية وسيلة صيانة له من الهلاك. وإذا كان الطفل يقبل ثدي أمه وغيرها وأرادت أمه إرضاعه فهي أحق بإرضاعه، وليس لأبيه أن يعطيه لغيرها ترضعه إلا بمبرر شرعي كأن توجد من تتبرع بإرضاعه وتأبى أمه أن ترضعه إلا بأجر.

стр. 213

أجرة الرضاعة: إذا أرضعت الطفل أمه سواء كان إرضاعه واجبا عليها فيما إذا تعينت له، أو غير واجب عليها فيما إذا لم تتعين له، وكانت زوجيتها بأبيه قائمة حقيقة. أو كانت في عدة طلاقه الرجعي أو البائن. فلا تستحق أجرة على هذا الارضاع؛ لأن لها على أبيه نفقة الزوجية أو نفقة العدة، فلا تستحق مع نفقتها أجرة إرضاع ولدها, وفي المذهب قول آخر راجح يقضي بأن معتدة الطلاق البائن تستحق أجرة إرضاع ولدها؛ لأنها بالبائن انقطعت زوجيتها. ولكن عمل المحاكم الشرعية على الأول بلا فرق بين معتدة الرجعي والبائن؛ لأن لكل منهما النفقة فلا تستحق معها أجرة رضاعة. وأما إذا أرضعت الطفل أمه بعد انقضاء عدتها من أبيه فإنها تستحق أجرة على إرضاعه؛ لأنها انقطعت زوجيتها ولا نفقة لها على أبيه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . والظاهر أن المعتدة التي مضت عليها سنة من تاريخ الطلاق وصارت لا حق لها في المطالبة بنفقة العدة حسب المادة ١٧ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ تستحق بعد تمام السنة أجرة الرضاعة؛ لأنها بمنعها من المطالبة بنفقة العدة لمضي سنة صارت مثل التي انقضت عدتها في أنها لا نفقة لها. وأما إذا أرضعت الطفل غير أمه سواء كانت قريبة له أو أجنبية منه فإنها تستحق الأجرة على إرضاعه في كل حال. وأجرة الرضاع هي من نفقة الصغير والفصل فيها من اختصاص المحاكم الشرعية الجزئية المصرية، ويكون حكمها فيها نهائيا إذا لم يزد ما يطلب الحكم به على مائة قرش في الشهر، أو لم يحكم بأكثر من ذلك إن كان الطلب غير معين. ويكون حكمها فيها ابتدائيا قابلا للاستئناف إذا زاد المطلوب أو المحكوم به عن ذلك. وفي الحالة التي تستحق فيها الأم أجرة الرضاع, وهي فيما إذا انقضت عدتها تكون هذه الأجرة حقا لها من حين قيامها بالإرضاع ولا يتوقف استحقاقها لها

стр. 214

على عقد إجارة مع الأب. وتكون من الديون الصحيحة التي لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ولا تسقط بموت الرضيع ولا بموت الأب، وتكون مستحقتها دائنة له أسوة غرمائه. ويصح لها أن تصالح أباه على شيء معين تأخذه بدلا عنها؛ لأن هذه الأجرة المستحقة لها دين صحيح خالص حقها فتصطلح على أخذ بدل عنه كيفما تشاء, وعلى الأب أن يؤدي لها البدل الذي اصطلحا عليه. أما في الحال التي لا تستحق فيها أم الطفل أجرة الرضاع, وهي فيما إذا كانت زوجة لأبيه أو معتدته فلا يكون لها حق قبله على إرضاعه، وإذا صالحها على بدل لا يصح الصلح ولا يلزم بشيء. التبرع بالرضاعة: إذا أبت الأم أن ترضع طفلها إلا بأجر معين, ووجدت امرأة قريبة له أو أجنبية منه ترضعه مجانا أو بأقل من أجر أمه فالمتبرعة أو الراضية بالأجر الأقل أولى؛ لأن الغرض تغذية الطفل بإرضاعه وفي إعطائه للمتبرعة تحقيق هذا الغرض من غير إضرار الأب بإلزامه أجرا لا تقتضيه ضرورة: قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وإذًا فالأم تخير بين أن ترضعه تبرعا أو بالأجر الأقل وبين أن تسلمه للمتبرعة، وعلى المتبرعة أن ترضعه عندها حتى لا يفوت عليها حقها في حضانته. ومحل هذا إذا كانت الأم غير متعينة لإرضاعه بأن كل الطفل يقبل ثديها وثدى غيرها، وستأتي مقارنة بين المتبرعة بالرضاعة والمتبرعة بالحضانة.

стр. 215

الحضانة والنفقات الحضانة ... الحضانة: تعريفها: الحضانة شرعا تربية الطفل والقيام بشئونه في سن معينة ممن له حق في تربيته من محارمه. من له حق الحضانة: لما كانت حاجة الطفل في أول أطوار حياته ترجع إلى تدبير طعامه وملبسه ونومه ونظافته, وأمثال هذه الحاجات التي تقدر عليها النساء أكثر من الرجال لوفور شفقتهن وصبرهن, كان الأحق بحضانة الطفل محارمه من النساء. فإن لم توجد له محرم من النساء، أو وجدت وليست أهلا لحضانته انتقل الحق في حضانته إلى محارمه من الرجال العصبة. فإن لم يوجد عاصب محرم له، أو وجد وليس أهلا لحضانته انتقل الحق في حضانته إلى محارمه من الرجال غير العصبة، ولما كانت أم الطفل أوفر محارمه شفقة به كانت أحق بحضانته ما دامت أهلا لها، سواء كانت زوجة لأبيه أو مطلقة منه، وكانت محارمه اللاتي ينتسبن إليه بأمه أحق بحضانته من محارمه اللاتي ينتسبن إليه بأبيه عند استواء المرتبة قربا. وعلى هذا فترتيب أرباب الحق في الحضانة من المحارم كما يأتي: أحق النساء المحارم بحضانة الصغير أمه١. ثم أم أمه وإن علت، ثم أم أبيه وإن علت، ثم أخواته بتقديم الشقيقة فالأخت لأم. فالأخت لأب. ثم بنت أخته الشقيقة ثم بنت أخته لأم، ثم خالاته بتقديم الشقيقة فالخالة لأم فالخالة لأب، ثم بنت الأخت لأب، ثم بنات الأخوة بتقديم بنت الأخ الشقيق فبنت الأخ لأم فبنت الأخ لأب، ثم عماته بتقديم العمة الشقيقة، فالعمة لأم فالعمة لأب، ثم خالات أبيه، ثم عمات أمه، ثم عمات أبيه بتقديم الشقيقة في كل منهن فالتي لأم فالتي لأب: فإن لم توجد من هاته المحارم واحدة، أو وجدت وليست أهلا للحضانة انتقل الحق في حضانة الصغير إلى العصبة المحارم من الرجال على حسب ترتيبهم في الإرث.
следующие страницы →