← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8633

مدخل في علوم القراءات

السيد رزق الطويل

Полный текст (301 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هديها في تجويد الأداء للكتاب العزيز. أ- مخارج الحلق: للحلق ثلاثة مخارج فمن أقصى الحلق مخرج الهمزة وهي أبعد الحروف، ويليها في البعد مخرج الهاء. ويليه المخرج الثاني، وهو مخرج الحاء والعين "وهو وسط الحلق". والثالث: أدنى الحلق مما يلي الفم، وهو مخرج الخاء والغين. وهذه الحروف الستة هي المعروفة بحروف الحلق. ب- اللسان والفم وفيهما عشرة مخارج. ١- أقصى اللسان -أي: أبعده مما يلي الحلق، وما يحاذيه من الحنك الأعلى، ويخرج منه القاف. ٢- أقصى اللسان -مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى تحت مخرج القاف، ويخرج منه الكاف وهذان الحرفان يقال لهما: لهويان لخروجهما من قرب اللهاة. ٣- وسط اللسان: مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى، ويخرج منه الجيم والشين والياء وتسمى هذه الحروف شجرية لخروجها من "شجر" اللسان أي منفتحة١. ٤- إحدى حافتي اللسان، وما يحاذيها من الأضراس العليا -تخرج منها الضاد، المعجمة وخروجها من الجهة اليسرى أسهل وأكثر استعمالًا، ومن اليمنى أصعب وأقل استعمالًا، ومن الجانبين أشد عسرًا؛ ولذا فهي أصعب الحروف مخرجًا٢.

стр. 107

٥- ما بين حافتي اللسان معًا، بعد مخرج الضاد، وما يحاذيها من اللثة أي لحمة الأسنان العليا، يخرج منه اللام، وخروج حرف اللام، الحافة اليمنى أمكن عكس الضاد. ٦- طرف اللسان، وما يحاذيه من لثة الأسنان العليا تحت مخرج اللام قليلًا تخرج النون المظهرة بخلاف المدغمة، والمخفاة، فمخرجها الخيشوم. ٧- طرف اللسان مع ظهره مما يلي رأسه، ويخرج منه الراء، وهو أدخل إلى ظهر اللسان من النون وتسمى الحروف الثلاثة "اللام- النون- الراء" زلقية لخروجها من ذلق اللسان أي طرفه. ٨- طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا، وتخرج منه الظاء والذال والثاء، وتسمى هذه الحروف لثويه لخروجها من قرب اللثة. ٩- طرف اللسان مع ما بين الأسنان العليا والسفلى، قريبة إلى السفلى، مع انفراج قليل بينهما، وتخرج منه الصاد فالسين فالزاي، وتسمى هذه الحروف أسلية من أسلة اللسان، أي مستدقة. ١٠- ظهر اللسان من جهة رأسه، وأصل الثنيتين العليين، ويخرج منه الطاء فالدال المهملتان فالتاء المثناة الفوقية. ج- الشفتان. ١- بطن الشفة السفلى مع أطراف الثنايا العليا، ويخرج منه الفاء. ٢- الشفتان معًا، ويخرج منهما الباء الموحدة والميم والواو إلا أنهما بانطباق مع الميم والباء، وانفتاح مع الواو تسمى هذه الحروف شفوية لخروجها من الشفة. د- الجوف.

стр. 108

٣- وهو الخلاء الداخل في الحلق والفم، ويخرج منه حروف المد الثلاثة: الألف ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، واليا الساكنة المكسور ما قبلها، وتسمى هذه الحروف بالجوفية أو الهوائية. هـ- الخيشوم. الخيشوم وهو خرق الأنف، المنجذب إلى الداخل فوق سقف الفم، وليس بالمنخر ويخرج منه الغنة، والنون المدغمة والمخفاة كما أشرنا. فالمخارج الفرعية كما رأينا سبعة عشر، وهي موزعة على خمس مخارج رئيسة في منطقة الفم ومن كل منهما يخرج حرف أو أكثر. ومعرفة هذه المخارج، وملاحظتها في النطق والأداء أكبر عون على تجويد التلاوة، وتحقيق معنى الترتيل، كما أنها من ناحية أخرى تحافظ على الخصائص الصوتية للسان الغربي. وهنا قضية أخرى نختم بها القول في مخارج الحروف. اختلف العلماء في عدد مخارج الحروف. ولهم في ذلك مذاهب ثلاثة: ذهب الخليل بن أحمد وأكثر القراء والنحويين وتبعهم ابن الجزري إلى أنها سبعة عشر مخرجًا على الوضع الذي شرحناه، والتزمنا به. وذهب سيبويه والمبرد، وتبعهما الشاطبي إلى أنها ستة عشر مخرجًا. وذهب الفراء وقطرب والجرمي إلى أنها أربعة عشر مخرجًا. فمن جعلها سبعة عشر، وزع الحروف على النحو التالي: في الجوف مخرج، ومن الحلق ثلاثة، وفي اللسان عشرة، وفي الشفتين

стр. 109

اثنان، وفي الخيشوم واحد. ومن جعلها ستة عشر: أسقط مخرج الجوف، ووزع حروفه وهي حروف المد على بعض المخارج فجعل الألف مع الهمزة من أقصى الحلق، وياء المد مع الياء المحركة من وسط اللسان، وواو المد من الشفتين مع الواو المحركة. ومن جعلها أربعة عشر: أسقط مخرج الجوف كذلك، وجعل مخارج اللسان ثمانية بجعله مخرج اللام والراء والنون واحدًا. وقد التزمت في العرض السابق مذهب ابن الجزري، وهو المشهور عند أهل الأداء والذي سار عليه من قبل الخليل وجمهرة من النحويين والقراء كما ذكرنا١.

стр. 110

صفات الحروف: صفات الحروف: كيفية تعرض للحرف عند حدوثه من مخرجه تميزه عن غير كالشدة والرخاوة ونحوهما. وحروف الهجاء العربي لها صفات متعددة لاحظها العلماء المتمرسون بخصائص الصوت العربي فأوصلها بعض العلماء إلى أربع وأربعين صفة، ومنهم من نقصها إلى أربع عشرة صفة بحذف الإذلاق وضده، والانحراف واللين، وزيادة صفة الغنة. ومنهم من عدها ست عشرة بحذف الإذلاق وضده أيضًا، وزيادة صفة الهوائي. واختار العلماء وأهل الأداء مذهب ابن الجزري في عدها سبع عشرة صفة. والناظر إلى هذه الصفات التي أحصاها العلماء يجدها قسمين: ١- قسم منها له ضد، وهي خمس: الهمس وضده الجهر، والشدة والتوسط وضدهما الرخاوة، والاستعلاء وضده الاستفال، والإطباق وضده الانفتاح، والإذلاق وضده الإصمات. ٢- والقسم الآخر صفات لا ضد لها وهي سبع: الصفير والقلقلة والانحراف والتكرير، واللين، والتفشي، والاستطالة. وإليك بيانها وبيان الحروف التي تتصف بكل منها. ١- الهمس لغة الخفاء، واصطلاحًا: جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على المخرج، وحروفه عشرة اجتمعت في قولنا: سكت فحثه شخص. وبعض حروف الهمس أقوى من بعض، فالصاد والخاء أقوى من بقية الحروف، لما لها من بعض الصفات القوية، وأضعفها الهاء؛ وليس فيها صفة قوية. ٢- الجهر، وهو في اللغة الإعلان، واصطلاحًا: انحباس جري النفس عند النطق بحروفه لقوة الاعتماد على المخرج، وحروفه تسعة عشرة، وهي الباقية بعد استثناء حروف الهمس. وتختلف حروف الجهر فيما بينها في القوة فالطاء أقوى؛ لأن فيها مع الجهر: استعلاء وشدة. ٣- الشدة: لغة القوة، واصطلاحًا، انحباس جري الصوت عند النطق بالحرف لكمال الاعتماد على المخرج، وحروفه ثمانية جمعت في

стр. 111

قولهم: "أجد قط بكت". والطاء أقوى حروف الشدة لما فيها من الجهر والاستعلاء والإطباق. - والتوسط وهو في اللغة الاعتدال، واصطلاحًا: اعتدال الصوت عند النطق بالحرف لعدم كمال انحباسه كما في الشدة، وعدم كمال جريانه كما في الرخاوة، وحروفه خمسة جمعت في قولنا: لنعمر. ٤- الرخاوة ومعناها لغة: اللين، واصطلاحًا: جريان الصوت مع الحرف لضعف الاعتماد على المخرج، وحروفه ستة عشر، وهو بقية حروف الهجاء بعد استعباد حروف الشدة والتوسط. ٥- الاستعلاء، وهو في اللغة: الارتفاع، واصطلاحًا: ارتفاع اللسان إلى الحنك الأعلى عند النطق بالحرف، وحروفه سبعة يجمعها قولهم: خص ضغط قظ. ٦- الاستفال معناه: الانخفاض، واصطلاحًا: انخفاض اللسان عن الحنك الأعلى إلى قاع الفم عند النطق بالحرف، وحروفه: اثنان وعشرون، وهي حروف الهجاء ما عدا حروف الاستعلاء السبعة. ٧- الإطباق وهو في اللغة: الإلصاق، واصطلاحًا: تلاصق ما يحاذي اللسان من الحنك الأعلى باللسان عند النطق بالحرف، أو بعبارة أخرى: تلاقي اللسان بما يحاذيه من الحنك الأعلى عند النطق بالحرف، وحروفه أربعة: الصاد والضاد، والطاء والظاء وأقواها الطاء، وأضعفها الظاء "المعجمة". ٨- والانفتاح بمعنى الافتراق، ويعني به في الاصطلاح: تجافي اللسان عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف حتى يخرج الهواء من

стр. 112

بينهما، وحروفه خمسة وعشرون، وهي حروف الهجاء بعد استبعاد حروف الإطباق. ٩- الإذلاق: هو في اللغة حدة اللسان أي طلاقته وتدفقه في الحديث، واصطلاحًا: سرعة النطق بالحرف لخروجه من طرف اللسان كاللام والراء، والنون أو من الشفتين كالفاء والباء والميم ويجمع هذه الحروف قولنا: "فر من لب". ١٠- الإصمات: لغة المنع، واصطلاحًا: امتناع حروفه من أن يتكون منها وحدها كلمات رباعية أو خماسية، بدون أن يكون فيها حرف من حروف الذلاقة، ومن أجل هذا تأتي كلمة رباعية أو خماسية ليس فيها حرف من حروف الذلاقة فهي غير عربية، كلفظ "عسجد" اسم للذهب، وحروف الإصمات هي حروف الهجاء مستثنى منها حروف الذلاقة. ١١- الصفير: لغة صوت يشبه صوت الطائر: واصطلاحًا صوت زائد يخرج من الشفتين مصاحبًا الحروف الثلاثة: الصاد والسين المهملتين، والزاي المعجمة، وهي المعروفة بحروف الصفير، وأقواها الصاد لما فيها من استعلاء وإطباق. ١٢- القلقلة: هي في اللغة: الاضطراب والتحريك، واصطلاحًا: اضطراب المخرج عند النطق بالحرف ساكنًا حتى يسمع له نبرة قوية، وحروفها خمسة جمعت في قولنا: قطب جد، وسبب الاضطراب شدة حروفها لما فيها من الشدة التي تمنع جريان الصوت، والجهر الذي يمنع جريان النفس. ولها مراتب ثلاث: أعلاها الطاء، وأوسطها: الجيم، وأدناها: الحروف الباقية.

стр. 113

وهناك من يرتبها حسب حالة الحرف لا على حسب نوعه، فأعلاها: المشدد الموقوف عليه، ثم الساكن في الوقف، ثم الساكن وصلًا، ثم المتحرك. وتلزم القلقلة هذه الحروف سكونها، سواء أكانت وسطًا أم طرفًا، مثال المتوسطة "خلقنا"، "قطمير"، "ربوة"، "اجتباه"، "يدخلون"، والمتطرفة مثل: "خلاقْ، محيطْ، بهيجْ، مجيدْ". هذا في حالة الوقف عليها؛ إذ إن بيانها حال الوقف أولى، ولا سيما إذا كان الموقوف عليه مشددًا مثل: ﴿جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ . ١٣- اللين: وهو في اللغة ضد الخشونة، واصطلاحًا إخراج الحرف في يسر وبلا كلفة، وحروفه: اثنان: الواو والياء الساكنان، والمفتوج ما قبلهما نحو: خوف -بيت. ١٤- والانحراف لغة: الميل، واصطلاحًا: ميل الحرف بعد خروجه إلى طرف اللسان، وله حرفان: اللام والراء. وتلزمهما هذه الصفة لانحرافهما عن مخرجهما، حتى يتصلا بمخرج غيرهما، فاللام إلى ناحية طرف اللسان، والراء إلى ظهره. ١٥- والتكرير لغة: الإعادة مرة بعد مرة، واصطلاحًا: ارتعاد رأس اللسان عند النطق بالحرف، وهي صفة تلزم الراء، والغرض من معرفتها الابتعاد عنها. ١٦- والتفشي لغة: الانتشار والاتساع، واصطلاحًا: انتشار الهواء في الفهم عند النطق بالشين حتى يتصل بمخرج الظاء المعجمة، قيل: إن هذه الصفة خاصة بالشين وهو الأصح، وقيل: تشاركها في هذه الصفة: الفاء، والثاء، والضاد، والصاد، والراء والسين.

стр. 114

١٧- الاستطالة في اللغة: الامتداد، واصطلاحًا امتداد الصوت من أول إحدى حافتي اللسان إلى آخرها، وهي صفة الضاد المعجمة. ملاحظات مهمة. ١- هذه الصفات منها صفات قوية وهي اثنتا عشرة صفة: الجهر، والشدة، والاستعلاء، والإطباق، والإصمات، والصفير، والقلقلة، والانحراف، والتكرير والتفشي، والاستطالة، والغنة، وأقواها: القلقلة، فالشدة، فالجهر، فالإطباق، فالاستعلاء، فالباقي. والصفات الضعيفة هي: الهمس والرخاوة والاستفال، والانفتاح، والذلاقة واللين والخفاء. ٢- من صفات الحروف الغنة، وهي لازمة للنون والميم في كل حالاتهما، والخفاء، وهي صفة لأربعة أحرف: حروف المد الثلاثة والهاء. ٣- هناك فرق بين المخرج والصفة. فالمخرج أقرب إلى الكم والمقدار أو المدى العضوي الذي يقع عليه عبء النطق، وأما الصفة فهي الهيئة التي يظهر بها الحرف عند النطق، فالمخرج بمثابة الوزن والمقدار؟ والصفة بمثابة المحك والمعيار. ٤- لكل حرف صفات عدة لا تقل عن خمس، ولا تزيد عن سبع. والحرف الوحيد الذي له سبع صفات هو الراء، فهي: مجهورة، متوسطة، مستفلة، منفتحة، مذلقة، منحرفة، مكررة.

стр. 115

ومثال ما له ست صفات الباء، فهي: مجهورة، شديدة، مستفلة، منفتحة، مذلقة، مقلقلة. ومثال ماله خمس صفات الفاء فهي: مهموسة، رخوة، مستفلة، منفتحة، مذلقة١.

стр. 116

الباب الثاني: بحوث في القراءات الفصل الأول: الأحرف السبعة مدخل ... الباب الثاني: بحوث في القراءات الفصل الأول: الأحرف السبعة من العبارات الشائعة على ألسنة الدارسين للقراءات ومن هم بسبب منها: عبارة الأحرف السبعة، وعبارة القراءات السبع، ووقع شيء من الخلط واللبس على غير أهل التحقيق. فما أصل العبارتين؟ وما العلاقة بينهما. الأحرف السبعة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١، زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة من الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال، ولا حرام٢. جمعه لذلك، وبلغ عدد رواته عنده نحو عشرين صحابيًّا منهم أبو بكر وعمر وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. كما نقل عن أبي عبيد القاسم بن سلام قوله بتواتر هذا الحديث٣. وأمام هذا النص نحاول أن نفهم أمرين: أولهما: المقصود بالحرف. الآخر: المقصود بالسبعة.

стр. 117

المقصود بالحرف: حرف كل شيء طرقه، ووجهه، وحافته، وحده، وناحيته، والقطعة منه، والحرف أيضًا واحد من حروف التهجي كأنه قطعة من الكلمة، ويطلق على القراءة من القراءات التي يقرأ بها القرآن كقولهم. حرف أبي بن كعب، وحرف ابن مسعود، وقراءة كل إمام تسمى حرفًا١. وفي بيان علم القراءات لمعنى الحرف لا يبتعدون عن المعنى اللغوي كثيرًا. قال ابن الجزري نقلًا عن الحافظ أبي عمرو الداني: معنى الأحرف التي أشار إليها النبي ﷺ ههنا يتوجه إلى أمرين: أحدهما: أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات؛ لأن

стр. 118

الأحروف جمع حرف في القليل كفلس وأفلس، والحرف قد يراد به الوجه بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ١، فالمراد بالحرف هنا الوجه، أي على النعمة والخير، وإجابة السؤال والعافية، فإذا استقامت له هذه الأحوال اطمأن وعبد الله، وإذا تغيرت عليه وامتحنه بالشدة والضر ترك العبادة وكفر، فهذا عبد الله على وجه واحد، فلهذا سمى النبي ﷺ هذه الأوجه المختلفة من القراءات، والمتغايرة من اللغات أحرفًا على معنى أن كل شيء منها وجه. والوجه الثاني من معناها: أن يكون سمى القراءات أحرفًا على طريق السعة كعادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره، وكان كسبب منه، وتعلق به ضربًا من التعلق كتسميتهم الجملة باسم البعض منها، فذلك سمى ﷺ القراءة حرفًا، وإن كان كلامًا كثيرًا. ثم يعقب ابن الجزري على كلام الداني بأن كلا الوجهين محتمل احتمالًا قويًّا، ثم يشير إلى قول عمر ﵁: سمعت هشامًا يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. وهذا النص يؤيد الوجه الثاني.

стр. 119

أقوال العلماء في الأحرف السبعة: المقصود بالسبعة: اتفق العلماء على أنه لا يعني بالأحرف السبعة أن يكون الحرف الواحد مقروء على سبعة أوجه؛ لأن ذلك لا يوجد -كما قال ابن الجزري في النشر- إلا في كلمات يسيرة مثل: "أف، جبريل، أرجه، هيهات، هيت". لكنهم اختلفوا في المقصود بالأحرف السبعة. الرأي الأول: هي سبع لغات من لغات العرب. وذلك على وجهين: أولهما: كما تختلف لغات العرب في تناول معنى من المعاني يأتي القرآن منزلًا بألفاظ وتعبيرات مختلفة على ضوء هذه اللغات، وقد روى هذا الفهم عن محمد بن السائب الكلبي وسليمان بن مهران الأسدي "الشهير بالأعمش". والآخر: أن القرآن الكريم في جملته لا يخرج عن سبع لغات من لغات العرب هي أفصحها فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل أو ثقيف أو هوازن١. وقد أيد هذا الرأي أبو عبيد القاسم بن سلام بقوله: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وبعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيبًا"٢. واختلف العلماء في تحديد اللغات السبع. فقيل هي لغات قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر٣، وهذا قول أبي حاتم السجستاني.

стр. 120

وقال أبو عبيد: قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن١. ويمكن أن يعترض على الرأي القائل بأنها اللغات السبع: باختلاف عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان كما ثبت في الصحيح، وكلاهما قرشي، ولغتهما واحدة. الرأي الثاني: أنها سبعة من المعاني، أو الأحكام، أو طرائق التعبير التي جاءت في الكتاب العزيز. والقائلون بهذا لهم عدة تفسيرات. فمنهم من قال: هي، الحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال، والإنشاء، والإخبار. ومنهم من قال: هي: الناسخ، والمنسوخ، والخاص، والعام، والمجمل والمبين، والمفسر. ومنهم من قال: هي: الأمر، والنهي، والطلب، والدعاء، والخبر، والاستخبار، والزجر. ومنهم من قال: هي: الوعد والوعيد، والمطلق والمقيد، والتفسير، والإعراب، والتأويل٢. وقد يحتج لهذه الآراء بحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زجر وأمر،

стр. 121

وحلال، وحرام ومحكم، ومتشابه، وأمثال١. ويمكن أن نناقش هذا الرأي بما يأتي: ١- الصحابة الذين اختلفوا ورفعوا الأمر للنبي ﵊ مثل: عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم وأبي بن كعب، وابن مسعود، وعمرو بن العاص لم يختلفوا في تفسيره، ولا أحكامه، وإنما اختلفوا في قراءة حروفه٢. ٢- يبدو التكلف في عد الأبواب السبعة بحيث تفتقد التناسق، ووحدة الأساس الذي قامت عليه القسمة؛ إذ هي تخليط بين الأحكام الشرعية، وطرائق التعبير، وعلوم القرآن. ٣- من جهة الحديث الشريف.. نرى الأبواب المذكورة فيه غير الأحرف السبعة، على أن الحديث ذكر الأحرف والأبواب ثم فسر الأبواب، أو يكون ما ذكره من حلال وحرام "لا تعلق له بالسبعة الأحرف ولا بالسبعة الأبواب بل إخبار عن القرآن هو كذا وكذا، وجاءت الصفات السبع اتفاقًا٣. الرأي الثالث: العدد لا مفهوم له، ولا تراد به حقيقته، والعرب يطلقون لفظ

стр. 122

السبع، والسبعين، والسبعمائة، ولا يريدون حقيقته العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر، كما جاء في الآيات: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ ، ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ ، وفي الأحاديث الشريفة: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، "إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة"١. ويرى ابن الجزري أن الحديث بالصورة التي ورد بها يعني أن العدد بحقيقته مراد ومقصود؛ لأن وجوه اختلاف القراءات يمكن حصرها في سبعة كما سنشير في الرأي التالي٢. ويفسر آخرون من علماء القراءات بأن التحديد بالسبعة بأن أصول قبائل العرب تنتهي إلى سبعة، أو أن اللغات الفصحى سبع. الرأي الرابع: ذهب إليه ابن الجزري٣: وهو أنها سبعة أوجه من الاختلاف لا تخرج عنها قراءة، على النحو التالي: ١- اختلاف في الحركات بلا تغير في المعنى مثل: "يحسَِب" بفتح السين وكسرها. ٢- اختلاف في الحركات مع تغيير في المعنى دون الصورة مثل: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّه كَلِمَاتٍ﴾ ٤، بنصب الميمم من "آدم" أو رفعها، وفتح التاء من "كلمات" أو ضمها. ٣- أن يكون التغيير في الحروف مع التغيير في المعنى دون

стр. 123

الصورة مثل قوله تعالى١: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو﴾ ، قرئ: "تتلو". ٤- تغير في الحروف مع تغير في الصورة لا المعنى نحو: "الصراط، والسراط"، "وبصطة، وبسطة". ٥- تغير في الحرف والصورة والمعنى واحد وتختلف عن الصور السابقة بأن هذه حدث فيها تقديم وتأخير بين حروفها مثل: "يَأْتَل، ويَتَأَلَّ"٢، والسابقة استبدل فيها حرف بحرف. ٦- التغيير بالتقديم والتاخير. قرئ: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ٤، بالتقديم والتأخير، وقرئ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَق﴾ ٥، "وجاءت سكرة الحق بالموت". ٧- التغيير بالزيادة والنقصان نحو قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوب﴾ ٦، قرئ: "وأوصى". الرأي الخامس: ذهب إليه الإمام أبو الفضل الرازي. ويرى فيه وجوه التغاير السبعة التي ترجع إليها القراءات غير الوجوه التي ذهب إليه ابن الجزري، وهي في مجملها أمور نحوية وتصريفية. ١- اختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث.

стр. 124

مثال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ قرئ: "لأمانتهم"١، بالإفراد. ٢- الاختلاف في التصريف كقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ، قرئ: "رَبُّنَا بَاعَد"، رب: "مبتدأ، بَاعَد: فعل ماض، كما قرئ: "بَعَّدَ" فعل ماض مضعف٢. ٣- الاختلاف بالإبدال سواء أكان إبدال حرف بحرف أم كلمة بكلمة. مثال الأول: ﴿نَنْشُزُهَا﴾ ، قرئ: "ننشرها" بالراء مع فتح النون الأولى٣. ومثال الثاني: ﴿كَالعِهْنِ الْمَنْفُوش﴾ قرأ ابن مسعود، وهي قراءة أحادية شاذة: "كالصوف المنفوش"٤. ٤- الاختلاف في التقديم والتأخير في الحروف مثل: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَس﴾ قرئ: "يأيس"٥، وفي الكلمات مثل: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ٦، قرئ: بالتقديم والتأخير. ٥- الاختلاف بالزيادة والنقص مثل قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٧، قرأ نافع وابن عامر، وأبو جعفر بدون الواو، والقراءتان صحيحتان.

стр. 125

٦- الاختلاف في وجوه الإعراب، مثل: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ١، وقد أشرنا إلى القراءتين فيها وهي اختلاف الإعرابيين من الفاعل والمفعول به. ٧- اختلاف لغات العرب في التفخيم والترقيق، والهمز والتسهيل، والإظهار والإدغام ونحو ذلك. هذا وقد اتجه مكي بن أبي طالب إلى رأي يكاد يجمع بين ما ذهب إليه الرازي وابن الجزري من وجوه التغاير السبعة ونسبه إلى ابن قتيبة "ت٢٧٦ هـ"، وابن شريح "٤٧٦هـ"، وأكبر الظن أن الرازي وابن الجزري أخذا رأييهما منه. الرأي السادس: ذهب إليه شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة المقدسي٢ المتوفى سنة: ٦٦٥. يرى الأحرف السبعة هي الأصول السبعة المطردة في القراءات وهي: ١- وصل ميم الجمع وهاء الضمير وعدم ذلك. ٢- الإظهار الإدغام. ٣- والمد والقصر. ٤- وتحقيق الهمز وتسهيله. ٥- والإمالة وعدم الإمالة. ٦- والوقف بوجوهه المتنوعة: الإسكان، والروم، والإشمام.

стр. 126

٧- الياءات من حيث الفتح والإسكان والإثبات والحذف. وهذا الرأي على جانب كبير من الوجاهة وحسن الفهم إلا أن المفروض أن كل القراءات تندرج تحتها لكنا نلاحظ أن هذا التفسير مقصور على الأصول المطردة في القراءات ولا يتناول "الفرش" وتحته قراءات كثيرة غير مطردة. الرأي السابع: أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع. وهو رأي بالغ الضعف لأمور: ١- القراءات كثيرة ومتعددة ولا حصر لها. ٢- الحديث منذ عصر النبوة وإطلاقه على القراءات غير سديد، كما أن فيه تحديدًا لمحتواه وإخلالًا بمضمونه العظيم الذي يبرز مدى التنوع التعبيري في أسلوب القرآن الكريم مع استبقاء سلامة المعنى واستقامته، وبعده عن التناقض، واحتفاظه بخصائص الفصاحة، وأعظم مقومات البلاغة. ٣- أن هذا رأي ناشئ عن لبس في الفهم أساسه ما شاع بين الأوائل من تسمية القراءة حرفًا.

стр. 127

رأي وتعليق: بعد أن عرضنا لهذه الآراء التي حاول أصحابها تفسير الحديث الشريف، وبيان ما جاء فيه عن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم أستطع أن أقرر ما يأتي: ١- الرأي القائل بأنها القراءات السبع، نشأ عن وهم سرى إلى نفوس الكثيرين بعد أن قدم ابن مجاهد كتابه: "السبعة" وفيه قرر اختياره للسبعة القراء، أو القراءات السبع، ومن هنا لا تصلح تفسير سديد للحديث الشريف. ٢- رأي أبي شامة المقدسي بأن العدد لامفهوم له رأي قائم على نظر سديد، وخبرة بأساليب العرب، وهو رأي مقبول تمامًا؛ لأن أئمة القراءات ذكروا أن القراءات المقبولة كثيرة ومتعددة، وسياق الحديث؛ يعني أن العدد مقصود برغم ما قرره العلامة ابن الجزري في نقد هذا الرأي١. ٣- يمكن- بعد هذا- أن تكون الآراء الأخرى مجتمعة داخلة في مفهوم الحديث صالحة لتفسيره، فأصول القراءات داخلة في مفهوم الحروف السبعة، ووجوه الإعراب والتصريف كذلك، واختلاف لغات العرب لا شك أنه داخل في معنى هذه الحروف ليتأتى التيسير المراد وكذا اختلاف الأحكام الشرعية، وتنوع الأساليب. ومن التكلف الوقوف عند رأي واحد منها على أنه الصحيح الأولى بالقبول. كيف وجدت الأحرف السبعة في القرآن؟ على ضوء ما أسلفنا من وجوه قيلت في توجيه الأحرف السبعة وما انتهى إليه اختيارنا نريد أن نشير إلى أمرين:

стр. 128

كيف وجدت الأحرف السبعة في القرآن ؟: على ضوء ما أسلفنا من وجوه قيلت في توجيه الأحرف السبعة وما انتهى إليه اختيارنا نريد أن نشير إلى أمرين: أولهما: كيف وجدت الأحرف السبعة في القرآن؟ الآخر: هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع هذه الأحرف. وللإجابة عن السؤال الأول نقول على ضوء ما سبق. إن الأحرف السبعة موزعة في القرآن الكريم، في قراءته الكثيرة، والمتعددة والتي نقلت إلينا نقلًا صحيحًا، متواترًا بأسانيدها المعتد بها، وموافقتها لوجوه قوية في العربية، وكذا لرسم المصاحف العثمانية. وليس معنى هذا أنها منحصرة في قراءة أو رواية واحدة. على أن وجهة نظر العلماء في هذا تختلف باختلاف رأيهم في معنى الأحرف السبعة. وأما وجود الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية، فقد اختلف رأي العلماء في ذلك على وجهين: ذهب جماعة من القراء والفقهاء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وحجتهم أن الأمة لا يصح أن تهمل شيئًا من الحروف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، كما أن المصاحف العثمانية نقلت عن المصاحف التي كتبها أبو بكر وعمر، وأمر بترك ما سواها فلا بد أن تكون جامعة لهذه الحروف؛ لأنه لا يصح النهي. عن القراءة ببعضها، كما أجمعوا على أنه لا يجوز ترك شيء من القرآن. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، متضمنة لها، لم تترك حرفًا منها١.

стр. 129

الحكمة في تعدد الحروف والقراءات: وراء اختلاف الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، ووعتها قراءاته المتنوعة فوائد كثيرة، وحكم بالغة. أولها: تيسير القراءة على الفراء. يقول مكي بن أبي طالب في شرح هذا الجانب: وكانت لغات من أنز عليهم القرآن مختلفة ولسان كل صاحب لغة لا يقدر على رده إلى لغة أخرى إلا بعد تكلف ومئونة شديدة، فيسر الله عليهم أن أنزل كتابه على سبع لغات متفرقات١ في القرآن بمعانٍ متفقة ومختلفة ليقرأ كل قوة على لغتهم على ما يسهل عليهم من لغة غيرهم، وعلى ما جرت به عادتهم، فقوم جرت عادتهم بالهمز وقوم بالتخفيف، وقوم بالفتح، وقوة بالإمالة، وكذلك الإعراب واختلافه في لغتهم٢. فاختلاف الأحرف -إذن- بهذه الصورة يسر على القارئين أسباب القراءة برغم اختلاف لغاتهم. ثانيها: فيها برهان عظيم على سمو بلاغة القرآن، ومنزلته في الإيجاز؛ إذا يترتب على ذلك سعة الوعاء المعنوي للآية، فتحمل معاني عدة متآخية، كما تدعم أحكامًا متعددة تفهم من الآية. ثالثها: سهولة الحفظ، وتيسير النقل؛ لأن حفظ كلمة ذات وجوه في الأداء أيسر من حفظ جمل من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات. رابعها: في تعدد القراءات آية بالغة وبرهان قاطع على صدق

стр. 130

الرسول ﷺ وعظمة الآية القرآنية؛ إذ إنه برغم تعدد القراءات، وتنوع الأداء لم يتطرق إليه تناقض ولا تضاد، ولا تخالف بل يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد، وأسلوب واحد. خامسها: فيه دلالة على عظمة هذه الأمة وشرفها التي تلقت هذا القرآن بحروفه المختلفة، ووعته هذا الوعي، وقامت بما ينبغي له من ضبط وإحكام، ودقة في الأداء، وتوفرت على وضع القواعد والأصول للعلوم التي من شأنها صيانة الكتاب العظيم ورعايته، مما يجعل أعلام هذه الأمة محلًا لفضل الله ومثوبته وتكريمه. سادسها: في تعدد القراءات سند لقواعد مختلفة نحوية وتصريفية مثل قراءة حمزة لقوله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" بجر الأرحام، فاستشهد بها من قال بجواز العطف على المجرور دون إعادة الجار، ومنها قراءات تفسر معنى لغويًّا في قراءة أخرى مثل قراءة ابن مسعود: "وتكون الجبال كالصوف المنفوش" فإنها مفسرة للقراءة الأخرى، سادسها: ما يكون في حجة في قضية من قضايا العقيدة تأييدًا لأهل الحق، ودفعًا لأهل الزيغ وذلك كقراءة: "رأيت نعيمًا ومَلِكًا كبيرًا" بفتح الميم، وكسر اللام، وهي قراءة ابن كثير وغيره، وهي دليل واضح على رؤية الله في الدار الآخرة. سابعها: تأثير اختلاف القراءات في الأحكام الفقهية. اختلاف القراءات مجال خصب لآراء فقهية وتشريعية تدعم التشريع الإسلامي وتكسبه خصوبة ومرونة، وطواعية في مواجهة مشكلات الحياة المتعددة والمتجددة. وذلك على النحو التالي:

стр. 131

قد تأتي القراءة مبنية لحكم أجمع عليه الفقهاء كقراءة سعد بن أبي وقاص وغيره: "وله أخ أو أخت من أم"؛ إذ إن العلماء أجمعوا على أن الأخ في الآية هو الأخ لأم. وقد تأتي مرجحة لحكم مختلف فيه، كقراءة: "أو تحرير رقبة مؤمنة" في كفارة اليمين فكان في هذه القراءة ترجيح لما اشترطه الشافعي من الإيمان في العبد المقرر عتقه. وقد تكون للجمع بين حكمين مختلفين كقراءة: "يَطْهُرْن" "وَيَطَّهران" بالتخفيف والتشديد ينبغي الجمع بينهما وهو أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها، وتطهر بالاغتسال. وقد تقدم القراءات أحكامًا شرعية متعددة كقراءة: "وأرجلكم" بالخفض والنصب، فإن الخفض يقتضي فرض المسح، والنصب يقتضي فرض الغسل، فبينهما النبي ﷺ فجعل المسح للابس الخف، والغسل لغيره. وقد تكون القراءة موضحة لحكم يقتضي الظاهر خلافه مثل: ﴿فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ يقتضي ظاهرها المشي فجاءت قراءة: "فامضوا إلى ذكر الله" رافعة لهذا الوهم١. القراءات واللهجات: ثامنًا: تقدم قراءات القرآن لدارسها سجلًا عن اللغات المنتشرة عند العرب، واختلافاتها الصوتية وفي البنية والإعراب.

стр. 132

القراءات السبع، والقراء السبع: كيف نشأت فكرة القراءات السبع؟: القراءات كثيرة ومتعددة تتجاوز المئات، والقراء ورواتهم آلاف مؤلفة، وظهرت فكرة تحديد أئمة وقراءات تكون مرجعًا لأهل الأمصار، وقدوة لهم. يقول مكي: إن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرًا في العدد، كثيرًا في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفًا إمامًا هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر١. هكذا شرح مكي الأسس التي قام عليها فيما بعد اختيار ما عرف بالقراءات السبع والقراء السبعة. وقد ألف ابن جبير المقري كتابًا في القراءات وسماه: كتاب الثمانية، ذكر فيه القراء السبعة المشهورين: ابن عامر إمام أهل الشام. أبو عمرو بن العلاء من البصرة. وحمزة وعاصم والكسائي من الكوفة. ونافع من المدينة. وابن كثير من مكة.

стр. 133

وزاد عليهم يعقوب الحضرمي. وكان عمل ابن جبير اتجاهًا من اتجاهات التحديد التي ظهرت من هذا العصر، وأول من سبع السبعة أبو بكر بن مجاهد١، وتابعه على ذلك من أتى بعده. وشاع أمر القراء السبعة، والقراءات السبع. وهذا التحديد أمر أكده العلماء. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد"٢. وهنا أمور لا بد من مناقشتها: ماذا يعني التزام ابن مجاهد بالسبعة؟ هل هذا التحديد يعني إهدار من سواهم؟ ما القيمة العلمية لعمل ابن مجاهد؟ أما التحديد بالسبعة فيمكن أن نجيب عنه بما يأتي: ١- أن عثمان ﵁ كتب سبعة مصاحف، ووجه بها إلى الأمصار، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف. ٢- أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن وهي سبعة، على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمنع ذلك؛ لأن عدد الرواة

стр. 134

الموثوق بهم أكثر من أن يحصى١. فهدف ابن مجاهد مجرد الموافقة في العدد "لا لاعتقاده واعتاقد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم"٢. هذه هي الأسباب وراء التحديد بالسبعة. ولا يعني إهدار من سواهم. وما دام قد تبين لنا حكمة التحديد بالسبعة عند ابن مجاهد ومن تابعه فقد اتضح لنا بناء على هذا أنه لا يعني عدم توثيق من سواهم، وذلك لأمور. ١- لم تترك القراءة بقراءة غيرهم، أو اختيار من أتى بعدهم إلى الآن مثل قراءة يعقوب الحضرمي٣ وعاصم الجحدري٤، واختيار أبي حاتم٥ وأبي عبيد٦. ٢- اختلاف وجهات النظر في السبعة زيادة ونقصانًا، يقول

стр. 135

مكي: "والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون وغيره، وكان السابع يعقوب الحضرمي فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب١، وتم ذلك في عصر المأمون. وفي كلام ابن تيمية الذي نقله عنه صاحب النشر جاء فيه قوله. ولهذا قال بعض من قال من أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين٢. كما نقل صاحب النشر عن مكي: وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سببين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدرًا من هؤلاء السبعة، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة" ثم ذكر مكي أمثلة لذلك، فذكر أبو حاتم الذي ترك ذكر السبعة، وكذلك زاد الطبري في كتاب القرءات له على هؤلاء نحو خمسة عشر رجلًا٣. ٣- مما أجمع٤ عليه علماء الإسلام والأئمة المتبعون للسلف أنه لا يتعين القراءة بهذه القراءات في جميع أمصار المسلمين، فمن ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة، أو قراءة يعقوب الحضرمي، ونحوهم كما ثبت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتد بهم، والمعدودين من أهل الإجماع والخلاف.

стр. 136

فمتى توافر في القراءة شروط القبول قرئ بها ولو كانت لغير السبعة الذين ذكرهم ابن مجاهد. القيمة العلمية لعمل ابن مجاهد: لكن هذا العمل الذي عمله ابن مجاهد له قيمة علمية كبيرة. هو أنه وضع أمام الجماهير المسلمة أنماطًا محددة من القراءات معتدًا بها، دفعًا لما يترتب على اختلاف القراءات الكثيرة من نوع من الفوضى لدى غير الواعين بأبعاد هذا العلم فقد سن منهج التحديد، وهو نافع بلا ريب. وجاء بعده من ذكر القراءات العشر وقرائها، وأضاف إلى السبعة أبا جعفر المدني، وأبا يعقوب البصري، وخلفًا العاشر البغدادي. ويبدو لنا من خلال النصوص السابقة أن العلماء الذين جاءوا بعد ابن مجاهد ارتضوا عمله، ووافقوا عليه وتلقوه بالقبول، وقد أسلفنا قول من قال: لولا ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب. وثمرة صنيع ابن مجاهد باقية إلى عصرنا الحاضر فيما نراه من الدقة والانضباط١، واجتماع العالم الإسلامي على الشاطبية والتيسير، مع علمنا بقيمة القراءات الأخرى التي استوفت شروط القبول.

стр. 137

الفصل الثاني: الأصول والفرش مدخل ... الفصل الثاني: الأصول والفرش تطلق كلمة "الأصول"١، في القراءات على الظواهر القرائية التي تمثل أحكامًا مطردة في كل السور. وسنتحدث هنا عن "الأصول" التالية بما يحدد موقف القراء منها، وقد نجد أنفسنا مضطرين لتناول ما يتصل بها من أحكام التجويد؛ ليكون الحديث فيها وافيًا متكاملًا. وهي: ١- الوقف والابتداء. ٢- الإدغام والتبيين. ٣- المد والقصر. ٤- الهمز والتليين. ٥- الإمالة والفتح. ٦- التفخيم والترقيق -الراءات واللامات. ٧- الهاءات. ٨- أحكام الياءات -الإثبات والحذف. ٩- وصل ميم الجمع وهاء الضمير.

стр. 138

ويقابل الأصول ما يسمى بالفرش: وهو ما كان غير مطرد من حروف القراءات، أو ما قل دوره منها، وسميت فرشًا؛ لأنها لما كانت مذكورة في أماكنها من السور دون أصل يجمعها صارت كالمفروشة بخلاف الأصول التي تتصف بالاطراد، وبعض القراء يسمون الفرش فروعًا في مقابلة الأصول١. ويرى شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة المقدسي أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم هي هذه الأصول التي أشرنا إليها مع مزج بعضها ببعض على النحو الذي بيناه فيما سبق٢. وهذا الرأي أغفل الأحكام غير المطردة، وهي المعروفة بالفرش أو الفروع، كما أنه من ناحية أخرى نرى الأصول أكثر من سبعة، كما هو واضح.

стр. 139

١- الوقف والابتداء: الوقف: الوقف في اللغة: الكف والحبس. وفي اصطلاح القراء: عبارة عن قطع الصوت عند آخر الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها١. ولدراسة الوقف على منهج القراء، وفي علم القراءات جانبان٢.

стр. 140

أولهما: معرفة ما يوقف عليه، وما يبتدأ به. وهذا قضية يحددها المعنى، ويحكم فيها السياق، وتتصل بتجويد الأداء. والآخر: كيف يوقف على الكلمة، وكيف يبتدأ؟، وما يحدث في هذا الصدد من صور صوتية أو تصريفية١. أهمية دراسة الوقوف: وبخاصة الجانب الأول؛ إذ إن دراسته على جانب كبير من الأهمية لصلته الوثيقة بإبراز المعنى الذي يحتمه السياق، كما يكون مفسدًا للمعنى ومغيرًا له إذا وقف القارئ وقفًا غير صحيح. روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الترتيل معرفة الوقوف، وتجويد الحروف. وروى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبي ﷺ فيتعلم حلالها، وحرامها، وأمرها، وزاجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها٢. وقول ابن عمر هنا: لقد عشنا برهة يدل على إجماع الصحابة على ذلك. وصح عن الشعبي وهو من أئمة التابعين علمًا وفقهًا ومقتدى أنه قال: إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ

стр. 141

رَبُّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾ ١. بهذا يستبين لنا أهمية هذا الجانب من جوانب الوقف، وأنه يسهم إسهامًا كبيرًا في الترتيل الصحيح للقرآن الكريم. ولكي يعرف الإنسان التالي للكتاب العزيز أين يقف؟ يجب أن يعرف ما يأتي: الوقف نوعان: اضطراري، واختياري. أما الاضطراري فيكون عند انقطاع النفس، وتعذر مواصلة القراءة لسبب من الأسباب الخارجة عن طاقة القارئ، فيقف حيثما اتفق له ولو كان موقفًا قبيحًا أو غير مناسب. حتى إذا استجمع القارئ نفسه وأصل القراءة مبتدئًا البداية المناسبة التي تبرز المعنى الصحيح للآية. مثاله أنه يضطر القارئ إلى الوقوف عند قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾ فمثل هذا عندما يواصل القراءة يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ ، وهو المعروف بالوقف القبيح. وأما الوقف الاختياري، فله عدة أحكام حسب طبيعة الموقف الذي اختاره القارئ وهي: ١- الوقف التام. ٢- الوقف الكافي. ٣- الوقف الحسن. ٤- الوقف السنة. ١- الوقف التام: وهو ألا يكون للكلام الذي تقف عليه تعلق بما يعده من ناحية

стр. 142

اللفظ أو المعنى وأكثر ما يكون في رءوس الآيات، وانقضاء القصص. مثل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ، والابتداء بالآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ . ومثل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ ، والابتداء بالآية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَة﴾ . وقد يكون الوقف تامًّا قبل انقضاء الآية. مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّة﴾ وإلى هنا انتهى كلام ملكة سبأ، وتم المعنى. ويكون الابتداء بعد هذا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ وهو رأس الآية. وقد يلزم لتمام الوقف أن تأتي بعد نهاية الآية بجزء من الآية التي بعدها، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ﴾ فالوقوف على رأس الآية: "يقولون" لا يكون وقفًا تامًا؛ لأن المعنى لا يتم إلا بإضافة هذا الجزء إليه. وأحيانًا يكون الوقف تامًا على تفسير أو إعراب، وغير تام على تفسير أو إعراب آخر. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ إلى هنا تم الكلام، وما بعده مستأنف وهو قول عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، ومذهب أبي حنيفة، وقال به من أئمة العربية الفراء والأخفش، وأبو حاتم وسواهم، ومن أئمة القراء: نافع والكسائي ويعقوب. قال عروة: والراسخون في العلم لا يعلمون التأويل، ولكن يقولون: آمنا به. وهذا الوقف غير تام عند آخرين، والتمام عندهم على

стр. 143

﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلِمِ﴾ فهو عندهم معطوف وذهب لهذا الرأي كثير من المفسرين والأصولين كابن الحاجب١. هذا وتتفاضل درجات التمام في الوقف التام حسب درجات اكتمال المعنى. ٢- الوقوف الكافي: ويكون الوقف كافيًا إذا كان ما نقف عليه له ارتباط بما بعده في المعنى دون اللفظ، وسمي بذلك للاكتفاء به عما بعده. وهو كالوقف التام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده. ويكثر في رءوس الآي وفي غيرها مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ ، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ . وقد تتفاضل درجات الكفاية فالوقف على قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض﴾ كاف وعلى قوله: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أكفى منه، ولو وقفت على قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون﴾ كان أكفى منهما. وقد يكون الوقف كافيًا على تفسير أو إعراب، ويكون غير كافٍ على إعراب آخر. من ذلك قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ فالوقف هنا كافٍ إذا جعلت "ما" في العبارة التالية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْن﴾ نافية، فإن جعلتها موصولة كان الوقف غير كافٍ. ٣- الوقف الحسن: ويكون الوقف حسنًا إذا كان ما تقف عليه له ارتباط بما بعده لفظًا،

стр. 144

وسمي بذلك لأنه في نفسه حسن ومفيد، لكن لا يجوز الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظًا إلا إذا كان رأس آية فإنه يوقف عليه تنفيذًا للسنة كما سنشير لذلك بعد. ومثاله الوقف على ﴿بِسْمِ اللَّه﴾ وعلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ وعلى ﴿رَبِّ الْعَالَمِين﴾ . وقد يكون الوقف حسنًا على تقدير، وكافيًا على تقدير آخر، وتامًّا على تقدير ثالث. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ يجوز أن يكون حسنًا إذا جعلت: ﴿الّذِينَ يُؤْمِنُون﴾ صفة للمتقين. وإن جعلتها خبر المبتدأ محذوف، أو مفعولًا لفعل محذوف كان كافيًا، وإن جعلته مبتدأ خبره: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ كان الوقف تامًّا. ٤- الوقف السنة: وهو الوقف على رءوس الآيات. وقد أجازه أكثر القراء، لما ورد عن النبي ﷺ فيما ترويه عنه أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١. ومن هنا سمي هذا الموقف: الوقف السنة، كما ذهب إلى ذلك بعض القراء.

стр. 145

وقال أبو عمرو١: وهو أحب إِلَيَّ. واختاره البيهقي في شعب الإيمان وغيره من العلماء وقالوا: الأفضل الوقوف على رءوس الأي، وإن تعلقت بما بعده؛ لأن اتباع هدي رسول الله ﷺ وسنته أولى٢. ولا يعني الوقف على رءوس الآية تنفيذًا للسنة أن يبدأ القارئ بما بعدها، فقد يكون البدء موهمًا معنى فاسدًا مثل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون﴾ فإذا وقفت على رأس هذه الآية تنفيذًا للسنة وجب عليك عند البداء أن تقول: ﴿لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١، ١٥٢] . كما ينبغي أن نعلم أن الوقف على رءوس الآي قد يكون تامًّا، وقد يكون كافيًا، وقد يكون حسنًا. ٥- الوقف اللازم أو الواجب: هذا نوع من الوقف الاختياري لا يخرج عن دائرة الأنواع السابقة، وقد اختار له بعض علماء القراءات٣ هذا الاسم تعبيرًا عن مزيد استحباب الوقف في هذا الموضع دفعًا لوهم يتسرب إلى الذهن عند الوصل، وليس المراد باللزوم أو الواجب الواجب الفقهي بمعنى أنه يعاقب على تركه. مثال الوقف اللازم التام: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا
следующие страницы →