رَبُّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾ ١.
بهذا يستبين لنا أهمية هذا الجانب من جوانب الوقف، وأنه يسهم إسهامًا كبيرًا في الترتيل الصحيح للقرآن الكريم.
ولكي يعرف الإنسان التالي للكتاب العزيز أين يقف؟ يجب أن يعرف ما يأتي:
الوقف نوعان: اضطراري، واختياري.
أما الاضطراري فيكون عند انقطاع النفس، وتعذر مواصلة القراءة لسبب من الأسباب الخارجة عن طاقة القارئ، فيقف حيثما اتفق له ولو كان موقفًا قبيحًا أو غير مناسب. حتى إذا استجمع القارئ نفسه وأصل القراءة مبتدئًا البداية المناسبة التي تبرز المعنى الصحيح للآية.
مثاله أنه يضطر القارئ إلى الوقوف عند قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾ فمثل هذا عندما يواصل القراءة يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ ، وهو المعروف بالوقف القبيح.
وأما الوقف الاختياري، فله عدة أحكام حسب طبيعة الموقف الذي اختاره القارئ وهي:
١- الوقف التام.
٢- الوقف الكافي.
٣- الوقف الحسن.
٤- الوقف السنة.
١- الوقف التام:
وهو ألا يكون للكلام الذي تقف عليه تعلق بما يعده من ناحية
стр. 142
اللفظ أو المعنى وأكثر ما يكون في رءوس الآيات، وانقضاء القصص.
مثل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ، والابتداء بالآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ .
ومثل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ ، والابتداء بالآية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَة﴾ .
وقد يكون الوقف تامًّا قبل انقضاء الآية.
مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّة﴾ وإلى هنا انتهى كلام ملكة سبأ، وتم المعنى.
ويكون الابتداء بعد هذا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ وهو رأس الآية.
وقد يلزم لتمام الوقف أن تأتي بعد نهاية الآية بجزء من الآية التي بعدها، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ﴾ فالوقوف على رأس الآية: "يقولون" لا يكون وقفًا تامًا؛ لأن المعنى لا يتم إلا بإضافة هذا الجزء إليه.
وأحيانًا يكون الوقف تامًا على تفسير أو إعراب، وغير تام على تفسير أو إعراب آخر.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ إلى هنا تم الكلام، وما بعده مستأنف وهو قول عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، ومذهب أبي حنيفة، وقال به من أئمة العربية الفراء والأخفش، وأبو حاتم وسواهم، ومن أئمة القراء: نافع والكسائي ويعقوب. قال عروة: والراسخون في العلم لا يعلمون التأويل، ولكن يقولون: آمنا به.
وهذا الوقف غير تام عند آخرين، والتمام عندهم على
стр. 143
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلِمِ﴾ فهو عندهم معطوف وذهب لهذا الرأي كثير من المفسرين والأصولين كابن الحاجب١.
هذا وتتفاضل درجات التمام في الوقف التام حسب درجات اكتمال المعنى.
٢- الوقوف الكافي:
ويكون الوقف كافيًا إذا كان ما نقف عليه له ارتباط بما بعده في المعنى دون اللفظ، وسمي بذلك للاكتفاء به عما بعده.
وهو كالوقف التام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده.
ويكثر في رءوس الآي وفي غيرها مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾ ، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ .
وقد تتفاضل درجات الكفاية فالوقف على قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض﴾ كاف وعلى قوله: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أكفى منه، ولو وقفت على قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون﴾ كان أكفى منهما.
وقد يكون الوقف كافيًا على تفسير أو إعراب، ويكون غير كافٍ على إعراب آخر.
من ذلك قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ فالوقف هنا كافٍ إذا جعلت "ما" في العبارة التالية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْن﴾ نافية، فإن جعلتها موصولة كان الوقف غير كافٍ.
٣- الوقف الحسن:
ويكون الوقف حسنًا إذا كان ما تقف عليه له ارتباط بما بعده لفظًا،
стр. 144
وسمي بذلك لأنه في نفسه حسن ومفيد، لكن لا يجوز الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظًا إلا إذا كان رأس آية فإنه يوقف عليه تنفيذًا للسنة كما سنشير لذلك بعد.
ومثاله الوقف على ﴿بِسْمِ اللَّه﴾ وعلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ وعلى ﴿رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .
وقد يكون الوقف حسنًا على تقدير، وكافيًا على تقدير آخر، وتامًّا على تقدير ثالث.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ يجوز أن يكون حسنًا إذا جعلت: ﴿الّذِينَ يُؤْمِنُون﴾ صفة للمتقين. وإن جعلتها خبر المبتدأ محذوف، أو مفعولًا لفعل محذوف كان كافيًا، وإن جعلته مبتدأ خبره: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ كان الوقف تامًّا.
٤- الوقف السنة:
وهو الوقف على رءوس الآيات.
وقد أجازه أكثر القراء، لما ورد عن النبي ﷺ فيما ترويه عنه أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١.
ومن هنا سمي هذا الموقف: الوقف السنة، كما ذهب إلى ذلك بعض القراء.
стр. 145
وقال أبو عمرو١: وهو أحب إِلَيَّ.
واختاره البيهقي في شعب الإيمان وغيره من العلماء وقالوا: الأفضل الوقوف على رءوس الأي، وإن تعلقت بما بعده؛ لأن اتباع هدي رسول الله ﷺ وسنته أولى٢.
ولا يعني الوقف على رءوس الآية تنفيذًا للسنة أن يبدأ القارئ بما بعدها، فقد يكون البدء موهمًا معنى فاسدًا مثل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون﴾ فإذا وقفت على رأس هذه الآية تنفيذًا للسنة وجب عليك عند البداء أن تقول: ﴿لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١، ١٥٢] .
كما ينبغي أن نعلم أن الوقف على رءوس الآي قد يكون تامًّا، وقد يكون كافيًا، وقد يكون حسنًا.
٥- الوقف اللازم أو الواجب:
هذا نوع من الوقف الاختياري لا يخرج عن دائرة الأنواع السابقة، وقد اختار له بعض علماء القراءات٣ هذا الاسم تعبيرًا عن مزيد استحباب الوقف في هذا الموضع دفعًا لوهم يتسرب إلى الذهن عند الوصل، وليس المراد باللزوم أو الواجب الواجب الفقهي بمعنى أنه يعاقب على تركه.
مثال الوقف اللازم التام: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا
стр. 146
يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون﴾ ١ فالوقف على "قولهم"، والاتبداء من "إنا نعلم".
ومثال الوقف اللازم الكافي: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾ والابتداء بقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّه﴾ ٢ لئلا: نتوهم أن الحال صفة.
ومثال الوقف اللازم الحسن: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾ والابتداء: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ ٣، لئلا يوهم أنه "إذ" معمولة للفعل "واتل".
٦- الوقف القبيح:
هو الوقف الاضطرابي عندما ينقطع النفس فيضطر القارئ إلى أن يقف موقفًا لا يفيد أو يفسد المعنى ولا يتأتى هذا الموقف في حالة الاختيار وإلا أثم القارئ.
ومن أمثلة الوقف على ﴿بِسْمِ﴾ أو ﴿الْحَمْد﴾ .
وتتفاوت درجات القبح فالوقف على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾ ٤، قبيح جدًّا لما يترتب عليه من فساد المعنى، وأن الأبوين يشتركان مع البنت في نصف التركة.
ومثل الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ ٥؛ إذ يترتب عليه محال وهو أن الموتى يستجيبون مع الذين يسمعون وليس الأمر كذلك.
стр. 147
وأقبح منهما الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْي﴾ ١، لما يترتب عليه من سوء الأدب ونسبة ما لا يليق لله .
ومما ينبغي لنا أن نعلمه من اصطلاحات القراء أنهم إذا قالوا: لا يوقف على كذا، معناه أنه لا يبتدأ بما بعده، فحيثما يجوز الوقف يجوز الابتداء.
"موقف أئمة القراء من مواضع الوقف والابتداء":
نافع قارئ المدينة كان منهجه أن يتخير محاسن الوقف والابتداء بحسب المعنى.
وابن كثير كما روى عنه أبو الفضل الرازي كان يراعي الوقف على رءوس الأي مطلقًا، ولا يعتمد في أوساط الآي وقفًا إلا في مواطن ثلاثة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ ٢، ﴿مَا يُشْعِرُكُم﴾ ٣، ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ ٤، ومعنى هذا أنه كان يلتزم السنة في الوقف على آخر كل آية مضيفًا إليها هذه المواطن الثلاثة من الأوساط حتى إنه ذكر أنه لا يبالي بعده هذه الثلاثة: أين يقف، بمعنى أنه لا يقف في غيرها إلا اضطرارًا.
وعمرو بن العلاء كان يتعمد الوقف على رءوس الأي ويقول هو أحب إِلَيَّ.
وأما عاصم فقد روى عنه أبو الفضل الرازي أنه كان يراعي حسن الابتداء.
стр. 148
وذكر الخزاعي أنه عاصمًا والكسائي كانا يطلبان الوقف حيث يتم الكلام.
واتفقت الرواة عن حمزة أنه كان يقف عند انقطاع النفس، وعللوا ذلك بأن قراءته تعتمد على التحقيق والمد الطويل، ولكن ابن الجزري يعلل ذلك بأن القرآن عند كالسورة الواحدة، فلم يكن يتعمد وقفًا معينًا١.
وبقية القراء يراعون الحسن في الوقف والابتداء، كما حكى عنهم الإمامان: أبو الفضل الخزاعي، وأبو الفضل الرازي.
الوقف المتكلف:
قد يتجه بعض القراء أو المعربين، أو أصحاب الأهواء إلى تكلف أنواع من الوقف والابتداء من شأنها أن تخرج معنى الآية عن مساره الصحيح إلى معنى آخر قد يكون مقبولًا لكنه غير مراد، ولا يساير السياق.
وهذا اتجاه خاطئ في تلاوة الكتاب العزيز إن لم يكن تحريفًا للكلم عن مواضعه٢، ومحاولة ضالة، وضارة بالمعاني السامية التي تحملها الآيات الحكيمة.
من أمثلة هذه الوقوف المتكلفة.
الوقوف عند قوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْت﴾ والابتداء
стр. 149
بقوله: ﴿مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا﴾ ١، على معنى النداء.
الوقف عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُون﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ ٢، على معنى القسم.
الوقف عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٣، على أن، الجار والمجرور، خبر.
الوقف عند قوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى﴾ ثم الابتداء بقوله ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ ٤، ويكون المعنى عينًا فيها مسماه، واسأل طريقًا موصلة إليها.
ومثل هذا التكلف كثير يأباه سياق الكتاب العزيز.
تعانق الوقف "المراقبة":
قد يجيز بعض القراء الوقف على حرف، ويجيز آخرون الوقف على حرف آخر، ويكون بين الوقفين مراقبة على التضاد، فإذا وقفت على أحدهما امتنع الوقف على الآخر.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٥، فمن أجاز الوقف على "لا ريب" لا يجيزه على "فيه" والذي يجيزه على لفظ "فيه" يمنع الوقف على "لا ريب".
ومثله أيضًا: من أجاز الوقف على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ يمنعه على٦، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ ومن أجازه على ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ يمنعه على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ .
стр. 150
يقول ابن الجزري: وما بين هذين الوقفين يسمى "مراقبة"، وأول من نبه على "المراقبة" في الوقف الإمام الفضل الرازي أخذه من المراقبة في العروض١.
الوقف والقطع والسكت:
أما الوقف فقد عرفنا أنه عبارة عن قطع الصوت زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة.
وأما القطع فهو قطع القراءة رأسًا، فكأن القارئ أعرض عن القراء لعمل آخر، والقطع لا يكون إلا على رءوس الآيات كما اشترط ذلك وسار عليه جمهور القراء.
روى عن ابن أبي الهذيل، وهو تابعي مشهور أنهم كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا بعضها"٢، وهذا قول عام يشمل القراءة في الصلاة أو خارجها، وقوله: "كانوا" يشير إلى أن يحكي أعمال الصحابة.
وأما السكت: فهو عبارة عن قطع الصوت زمنًا، هو دون زمن الوقف عادة دون الوقف.
وفي رواية حفص عن عاصم -كما جاء في الشاطبية وشروحها يحسن السكت في المواضع التالية من الكتاب العزيز:
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ
стр. 151
يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٢.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي، وَقِيلَ مَنْ﴾ ٣.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَل﴾ ٤.
هذا "والسكت" مقيد بالسماع والنقل، فلا يجوز إلا فيما صحت الرواية به، ويكون ذلك مراعاة للمعنى، أو تحقيقًا لغرض معين، أو دفعًا لشبهة تعرض في حالة عدم السكت.
وذهب ابن سعدان فيما حكاه عن أبي عمرو، وأبي بكر بن مجاهد فيما حكاه عنه أبو الفضل الخزاعي إلى أنه جائز في رءوس الأي مطلقًا، حالة الوصل لقصد البيان.
وحمل بعضهم الحديث الوارد على ذلك٥.
سكت حمزة.
وكان حمزة يسكت على كل ساكن بعده همزة من كلمة أخرى سكتة خفيفة يريد بذلك التجويد والتحقيق وتبين الهمزة لا الوقف٦ نحو: "قد أفلح، من آمن، عذاب أليم، عليهم أأنذرتهم، جديد أفترى، خلوا إلى"، فإذا كان الساكن حرف مد نحو: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ لم يسكت، وكذلك
стр. 152
إن كان الساكن مع الهمزة في كلمة نحو: "ينأون، يجأرون" وفي المسألة تفصيلات أخرى١.
كيف تقف؟:
وهذا هو الجانب الثاني من جانبي الوقف.
توفر علماء التصريف على دراسة الوقف، والوجوه التي يأتي عليها، كما عرفها اللسان العربي، ومنها السكون المجرد، والروم٢، والإشمام٣، وإبدال الألف في المنصوب المنون، وإبدال تاء التأنيث هاء، ونحوها من الظواهر التصريفية والصوتية٤.
وليس كل ما جاز في العربية جاز في القراءات؛ لأن القراءات بجانب موافقتها لقواعد اللسان العربي الفصيح الذي نزل به الكتاب العزيز هي سنة متبعة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
ومهمتنا هنا أن نبرز ما ورد من هذه الوجوه في القراءات.
الوقف على المرفوع والمجرور.
روى أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف عن أبي جعفر الوقف بالروم، وذلك في نحو "الدينِ"، "نستعينُ" ونحو ذلك.
وقرأ الباقون بالسكون٥.
стр. 153
الوقف على تاء التأنيث.
تقلب تاء التأنيث في الوقف هاء.
وكان الكسائي يقف على ما قبل تاء التأنيث المنقلبة هاء في الوقت بالإمالة عند خمسة عشر حرفًا يجمعها قولهم: فجثت زينب لذود شمس، مثل الفاء في: "خليفة"، "مصفوفة"، والجيم في: "زجاجة"، "درجة"، ونحوها.
وبميل الكاف إذا كان قبلها ياء نحو: "الأيكة"، أو كسرة نحو، "ضاحكة"، "مشركة".
وبميل الراء إذا كان قبلها كسرة مثل: "ناظرة"، "فاخرة" أو ساكن نحو: "سدرة، عبرة" واستثنى "فطرة"١ فلم يملها٢.
ويبدو حرص الكسائي على الإمالة واختياره لها؛ لأن رآها موافقة لخصائص العربية، قيل للكسائي: إنك تميل ما قبل هاء التأنيث، فقال: هذا طباع العربية٣.
الوقف على المهموز.
تفرد حمزة بتخفيف كل همزة متوسطة، أو متطرفة عند الوقف ووافقه هشام٤ على تخفيف المتطرفة خاصة.
وحقق ذلك سائر القراء غيرهما في الوقف كالوصل.
وإذا وقعت الهمزة بعد حرف زائد لا بغير الكلام حذفه لم
стр. 154
تخفف١ نحو: "فإن، لأن، فبأي، والآخرة"٢.
أما طريقة حمزة في تخفيف الهمزة عند الوقف فقد فصلها أبو العز الواسطي القلانسي في كتابه الإرشاد٣. وكذلك ابن الباذش في الإقناع، ومكي في الكشف.
ويناقش مكي علة تخفيف الهمزة، ويذكر ثقلها، وبعد مخرجها، وتصرف العرب من تغيير لفظها.
أما تخصيص التخفيف بالوقف دون الوصل فعلته "أن القارئ لا يقف إلا وقد وهنت قوة لفظه وصوته فيما قرأ قبل وقفه، والهمزة حرف صعب اللفظ به، فلما كان الوقف يضعف فيه صوت القارئ بغير همز، كان فيما فيه همز أضعف، فخفف الهمزة في الوقوف للحاجة إلى التسهيل، والتخفيف على القارئ، مع أنها لغة للعرب، ومع نقله ذلك من أئمته٤.
أما عامة القراء الذين اتجهوا إلى تحقيق الهمزة في الوقف متوسطة أو متطرفة فحجتهم أنهم أتوا بالهمزة على أصل الكلام، وأنه وافق بين الوصل والوقف، وأنه إجماع من القراء غير حمزة، وأن التخفيف يحتاج إلى معاناة شديدة٥.
وقد ألف أبو محمد مكي بن أبي طالب كتابًا مفردًا في تخفيف الهمزة المتطرفة لحمزة وهشام، وذكر أمثلته وعلله، كما ذكر صور تخفيف الهمزة متوسطة ومتطرفة وعلل ذلك في كتابه الكشف عن وجوه القراءات السبع٦.
стр. 155
الابتداء:
الحديث عن الابتداء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوقف.
وإذا قال القراء لا يجوز الوقف على كذا فمعنى هذا أنه لا يجوز الابتداء بما بعده. وإذا قيل يجوز الابتداء بكذا فمعنى هذا أنه يجوز الابتداء بما بعده.
ويتميز الابتداء بأنه لا يكون إلا إختياريًّا، فلا توجد ضرورة تدعو إليه، ومن هنا لا يكون الابتداء إلا بما هو مستقل بمعناه، موف بالمقصود، وله أقسام أربعة كالوقف، فمنه التام، والكافي، والحسن، ومنه القبيح أيضًا. وتتفاوت فيه درجات التمام والكفاية والحسن والقبح.
فالوقف على: ﴿خَتَمَ الله﴾ قبيح، والابتداء بلفظ الجلالة أشد من ذلك لفساد المعنى حينذاك والابتداء بختم "كاف".
والوقف على "عزير بن"، "والمسيح بن" قبيح، والابتداء "بابن" أقبح والابتداء "بعزير" وبلفظ المسيح أقبح منهما.
والوقف على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ضرورة، والابتداء بما بعده قبيح.
وقد يكون الوقف حسنًا، والابتداء بالكلمة التي وقفت عليها قبيحًا.
نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ والوقف هنا حسن لتمام الكلام والابتداء "إياكم" قبيح لفساد المعنى إذ يصير تحذيرًا من الإيمان بالله تعالى.
وقد يكون الوقف قبيحًا والابتداء به جيدًا نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ فالوقف على "هذا" قبيح؛ لأن فيه فصلًا بين المبتدأ وخبره؛ ولأنه يوهم الإشارة إلى مرقدنا، وليس الأمر كذلك. والابتداء بهذا جيد لاستقامة المعنى معه.
стр. 156
٢- الإدغام والإظهار:
الإدغام معناه لغة: إدخال شيء من شيء لمناسبة بينهما، قال الخليل: يقال: أدغمت الفرس اللجام، أي أدخلته في فيه١.
وفي اصطلاح القراء: أن تصل حرفًا ساكنًا. بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعة واحدة٢.
أو هو: اللفظ بحرفين حرفًا كالثاني مشددًا٣.
والإدغام -بهذا- عملية صوتية تحدث عندما تتوافر أسبابها، ويترتب عليها أن يتحول الحرفان المتقاربان أو المتجانسان إلى متماثلين.
وهو ظاهرة يألفها اللسان العربي، قال أبو عمرو بن العلاء:
الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره٤ وله
стр. 157
شواهد كثيرة في كلامهم.
أسباب الإدغام:
وللإدغام أسباب تهيئ لحدوثه، وهي التماثل والتجانس والتقارب.
فالتماثل: أن يتفقا مخرجًا وصفة كالباء في الباء، والتاء في التاء، وسائر الحروف المتماثلة.
والتجانس: أن يتفقا مخرجًا، ويختلفا صفة كالذال في الثاء، والثاء في الظاء، والتاء في الدال.
والتقارب: أن يتقاربا مخرجًا أو صفة، أو مخرجًا وصفة.
ويشترط في الإدغام التقاء الحرفين لفظًا وخطًّا، أو خطًّا فقط وموانع الإدغام المتفق عليه ثلاثة: أن يكون الحرف الأول:
أ- تاء الضمير سواء أكان متكلمًا أم مخاطبًا مثل قوله تعالى: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ ، ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِع﴾ .
ب- أو مشددًا مثل قوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيم﴾ ، ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا﴾ ، ﴿رَجُلٌ رَشِيد﴾ .
وللإدغام مذاهب شتى وصور متعددة في كلام العرب، لكننا في القراءات نتوافر ما ورد بسند صحيح متواتر؛ لأن كل ما صح في العربية لا يلزم أن تصح القراءة به؛ إذ القراءة سنة متبعة، والعكس صحيح؛ إذ ما صح سنده، ووافق المصحف العثماني لا بد أن يصح وجهه في العربية.
стр. 158
أحكام الإدغام:
قال أبو جعفر بن الباذش: والحرف عند لقائه حرفًا آخر لا يخلو من أحد ثلاثة أقسام:
قسم لا يجوز فيه إلا الإدغام
وقسم لا يجوز فيه إلا الإظهار.
وقسم يجوز فيه الإظهار والإضمار.
القسم الأول: ما يجب فيه الإدغام
صورته أن يكون الحرفان مثلين أولهما ساكن.
كقوله تعالى: ﴿مِنْ نَاصِرِين﴾ [آل عمران: ٢٢] ﴿يُدْرِكَكُّمُ الْمَوْت﴾ [النساء: ٧٨] ﴿فَلَا يُسْرِف فِي القَتْل﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾ [الأنبياء: ١٥] .
وكذا كل حرف ساكن لقي مثله في جميع القرآن، سواء أكان ساكنًا أساسًا أم أصله الحركة١.
وعلة الإدغام في هذه الحالة.
إرادة التخفيف؛ لأن اللسان إذ لفظ بالحرف من مخرجه، ثم عاد مرة أخرى إلى المخرج بعينه، ليلفظ بحرف آخر مثله صعب ذلك، وشبه النحويون بمشي المقيد؛ لأنه يرفع رجلًا ثم يعيدها إلى موضعها، أو قريب منه، وشبهة بعضهم بإعادة الحديث مرتين وهو ثقيل على السامع٢.
وتشبيه النحويين أدق؛ لأنه يصور صعوبة النطق بالمثلين من الناحية
стр. 159
العضوية، وهي المعتبرة هنا أعني في الدرس اللغوي، وفيما اتسم به الحرف القرآني من السهولة واليسر.
القسم الثاني: ما يجب فيه الإظهار
والإظهار عكس الإدغام، بمعنى أن ينطق اللسان بالحرف مستقلًّا بنفسه، واضحًا بصفاته.
وصورته: أن يتباين الحرفان مخرجًا وصفة، أو مخرجًا أو صفة.
واختلاف المخرج وإن قلَّ من أسباب الإظهار، وكذلك تباين الصفتين، وكل حرف فيه زيادة صوت لا يدغم فيما هو أنقص صوتًا منه لذهاب ما يذهب منه من الصوت١.
وعلة الإظهار: أن الأصل إظهار الحروف، وكان هو الأصل؛ لأنه الأكثر، والإدغام دخل لعلة فإذا لم توجد علة فلا بد من الرجوع إلى الأصل٢.
القسم الثالث: ما يجوز فيه الإظهار والإدغام
وهو ما اجتمع علة كل من الإظهار والإدغام كاختلاف الحرفين مع تقارب المخرج مثل: ﴿قَالَت طَائِفَة﴾ ، ﴿وَدَّت طَائِفَة﴾ ٣، وتماثل الحرفين مع فتح الأول مثل: ﴿قَالَ لَهُمْ﴾ ، ﴿ذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ ٤، فنجد هنا سببًا للإدغام، كما نجد سببًا للإظهار.
وقد يكون الإدغام في العربية أوجه، وقد يكون الإظهار أوجه، وقد يكونا متساويين على قدر القرب والبعد.
стр. 160
وهذا الباب طريقه الرواية ومن هنا كان محل عناية القراء وعلماء القراءات، ويعتمدون عليه في التعليل لكل مروي.
وهو ينقسم عند القراء إلى قسمين: إدغام صغير، وإدغام كبير.
الإدغام الصغير:
ليس فيه إدغام متحرك، ولا مثل١ بل له مواطن معينة يلتزم فيها تجاوز دائرة الإدغام القياسي المعروف في علم التصريف، وهذا النوع له مسوغاته الصوتية التي تحسنه أو تجيزه، كما أن الاعتماد فيه -كما أشرنا- على السند والرواية.
وهو عند القراء على قسمين.
القسم الأول: كلمات نطقها العرب ساكنة، أو على تعبير القراء سكونها خلقه٢.
وهي ستة أصناف.
١- قد.
٢- إذ.
٣- تاء التأنيث المتصلة بالفعل.
٤- لام هل وبل.
٥- حروف الهجاء ويقصد بها التي في أوائل السور.
٦- النون الساكنة والتنوين٣.
وقد فصلت كتب القراءات الروايات التي وردت بإدغام ما أدغم منها، والقراء الذين قرءوا بها ولا نريد أن نفصل ذلك هنا ونحن نريد أن نقدم مدخلًا يعرف الباحث الخطوط العريضة فحسب.
стр. 161
لكن سأقصر الحديث على سبيل المثال على ما قيل في واحد من هذه الستة.
قال أبو جعفر بن الباذش: باب دال قد.
اتفقوا على إدغامها في مثلها، والتاء نحو: ﴿وَقَد دَّخَلُوا﴾ [المائدة: ٦١] ولا يجوز غيره حسب ما قدمناه، ونحو: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ [العنكبوت: ٣٨] ويجوز الإظهار، وقد رواه المسيبي١.
واختلفوا فيها عند ثمانية أحرف: الجيم والسين، والشين، والصاد، والزاي، والذال، والضاد، والظاء نحو: ﴿لَقَدْ جَاءَكُم﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿لَقَدْ سَمِع﴾ [آل عمران: ١٨١] ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ [يوسف: ٣٠] وليس غيره، و ﴿لَقَدْ صَدَقَكُم﴾ [آل عمران: ١٥٢] و ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وليس غيره و ﴿لَقَدْ زَيَّنَّا﴾ [الملك: ٥] و ﴿لَقَدْ ضَرَبْنَا﴾ [الروم: ٥٨] و ﴿لَقَدْ ظَلَمَك﴾ [ص: ٢٤] .
فقرأ ابن كثير وقالون وعاصم بإظهار الدال عند الثمانية.
وأدغم ورش في الظاء والضاد.
وأدغم ابن ذكوان في الذال والضاد والطاء، زاد له غير الفارسي٢ الزاي.
الباقون وهم: أبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام بالإدغام في الثمانية.
стр. 162
القسم الثاني: ما كان سكونه عن حركة
وصورته: أن يكون الحرفان اللذان وقع فيهما الإدغام متقاربين مخرجًا، وكان سكون أولهما غير أساس بأن كان نتيجة لوضع إعرابي.
وقد ذكر له القراء تسعة أنواع:
١- الباء مع الفاء. ٢- الباء عند الميم. ٣- الثاء عند التاء. ٤- الثاء عند الذال. ٥- الدال عند الثاء. ٦- الذال عند التاء. ٧- الراء عند اللام. ٨- اللام عند الذال. ٩- الفاء عند الباء.
وتحدد الروايات ما نقل من إدغام في هذه المواضع التسعة.
ومثال ذلك ما قاله القراء من إدغام في باب الباء عند الفاء. على النحو التالي:
وجملة ذلك خمسة مواضع١ في سورة النساء: آية ٧٤، ﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ ، وفي سورة الرعد: آية ٥، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَب﴾ ، وفي سورة سبحان٢: آية ٦٣، ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَك﴾ ، وفي سورة طه: آية ٩٧، ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَك﴾ ، وفي سورة الحجرات: آية ١١، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾ .
فأدغم فيهن أبو عمرو والكسائي بلا خلاف عنهما، وخلاد وهشام٣ بخلاف عنهما والذي ثبت عن الجوهري٤ عن خلاد، وعن
стр. 163
الحلواني عن هشام الإدغام١، وبه قرأت٢ على أبي القاسم من طرفيهما عنهما.
وقرأت على أبي ﵁، وعلى ابن شريح بالإدغام لخلاد، وبالإظهار لهشام وكذلك ذكر أبو الطيب.
وقال أبو عمرو٣ وخيَّر خلاد في: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِك﴾ وخَيَّرني فارس بن أحمد لهشام، فقرأت عليه بالوجهين، وبالإظهار آخُذُ.
قال أبو جعفر٤: بالإدغام آخذ لهما في الباب.
وقال الأهوازي: سمعت أبا عبد الله العجلي٥ يقول: وجدت الحذاق من أهل الآداء على إخفائها عند الفاء عن اليزيدي عن أبي عمرو.
الباقون بالإظهار في الخمسة.
هذه صورة لما ورد من خلافات حول الإظهار والإدغام في الموضع الأول من المواضع التسعة وعلى هذه النحو توفرت كتب القراءات على ما ورد من روايات حول الخلاف في المواضع الباقية.
وقد تحدث مكي عن أحكام الإدغام بصورتيه. يقول وأعلم أن الإدغام إنما يحسن في غير المثلين ويقوي إذا سكن الأول،
стр. 164
وهو على ضربين: أحدهما: إذا كان الحرفان متقاربين في المجزع، والحرف الأول أضعف من الثاني، فيصير بالإدغام إلى زيادة قوة؛ لأنك تبدل من الأول حرفًا من جنس الثاني، فإذا فعلت ذلك نقل لفظ الضعيف إلى لفظ القوة، فذلك حسن جيد. والضرب الثاني: أن يكون الحرفان المتقاربان في القوة سواء كالمثلين فيحسن الإدغام؛ إذ لا ينتقص لأول من قوته قبل الإدغام، وضرب ثالث من إدغام المتقاربين ضعيف قليل، هو أن يكون الحرف الأول أقوى من الثاني، فيصير بالإدغام أضعف من حاله قبل الإدغام١.
وهكذا علل مكي لأحكام الإدغام الصغير، ولما ورد فيه من قراءات في مواضعه التي ذكرها القراء.
الإدغام الكبير:
ما كان أول الحرفين فيه متحركًا سواء كانا مثلين أم جنسين أم متقاربين.
وسمي كبيرًا؛ لأنه أكثر من الصغير، ولما فيه من تصيير المتحرك ساكنًا، ولما فيه من الصعوبة٢، وقيل لكثرة وقوعه؛ إذ الحركة أكثر من السكون، وقيل لشموله المثلين والجنسين والمتقاربين٢.
ذكر ابن الباذش أن هذا الإدغام انفرد به أبو عمرو بن العلاء، وكان له مذهبان: أحدهما الإظهار كسائر القراء والآخر الإدغام، وأنه كان يأخذ به عند الحدر، وإدراج القراءة٤.
стр. 165
ثم قال: وكان أبو عمرو يدغم المتحرك في مثله وفي مقاربة إذا كانا متحركين، سواء سكن ما قبله أو تحرك، ولا تصل إلى الإدغام حتى تسكن المدغم، وترد الأول لمقاربه، الذي تدغم فيه.
وإذا كان أول المثلين مشددًا أو منونًا، أو منقوصًا، أو تاء مخاطبة ذكرًا أو أنثى لم يدغم باتفاق الأئمة -كما ذكر الخزاعي- ونقل عن أبي عمرو الإدغام في ذلك أيضًا مثل قوله تعالى: ﴿صَوَافَّ فَإِذَا﴾ [الحج: ٣٦] ﴿مَسَّ سَقَر﴾ [القمر: ٤٨] .
والمتقاربان كالمثلين في امتناع الإدغام في حالتي التشديد والتنوين١.
ويذكر ابن الجزري أن أبا عمرو غير منفرد بالإدغام الكبير تل قد ورد أيضًا عن الحسن البصري، وابن محيصن، والأعمش، وعيسى بن عمر، ويعقوب الحضرمي، ومسلمة بن عبد الله الفهري، ومسلمة بن محارب السدوسي وغيرهم.
وقد قام أبو جعفر بن الباذش دراسة جيدة مدعومة بأقوال النحاة وأسانيد القراء شرحت أصول الإدغام الكبير وما قيل فيه حسب حروف المعجم بحيث يغني الناظر فيه، والمتتبع له عن النظر في فرش الحروف٢.
ملحوظة:
ما أسلفناه من الكلام عن الإدغام سواء الواجب منه أم الجائز، الصغير أم الكبير إنما هو الإدغام القائم على الرواية أعني الإدغام في دائرة
стр. 166
بحوث القراءات، أما الإدغام التصريفي أو القياسي، والذي يعد ظاهرة لغوية مطردة في اللسان العربي في مثل شد، يشد، والذي له شروطه المعروفة بالتفصيل في كتب التصريف فذلك غير داخل معنا؛ لأن الالتزام به شرط لا بد من تحققه؛ لأنه هو الوجه في العربية ولا يمكن أن تكون قراءات القرآن على خلافه؛ لأنه بلسان عربي مبين.
حروف يخاف على القارئ اللحن فيها حال الإدغام:
ذكر القراء بعض الحروف التي وقع الخلاف فيها بين الإظهار والإدغام، غير أنه في حالة الاتجاه إلى الإدغام في بعضها قد يترتب عليه وقوع اللحن.
من هذه الحروف التي ذكرها القراء. على سبيل المثال لا الحصر:
حروف الفاء لا يجوز إدغامها في الميم والواو والباء، والباعث على المنع هنا باعث صوتي؛ وذلك لأنها انحدرت إلى الفم حتى قاربت مخرج الثاء نحو: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم﴾ [الأنعام: ١٣٣] ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٧٥] ﴿لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوه﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْض﴾ [سبأ: ٩] وليس في القرآن من الفاء عند الباء غيره.
فخوفًا من اللحن منع المانعون الإدغام.
وقد قرأ الكسائي مدغمًا ووجهه أنها من حروف الشفة، وأن الباء مجهورة، والفاء مهموسة.
ومن ذلك الميم عند الفاء والواو نحو: ﴿هُمْ فِيهَا﴾ ، ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِم﴾ [البقرة: ١٥] ، ﴿قُمْ فَأَنْذِر﴾ [المدثر: ٢] ، ﴿مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَه﴾ [لقمان: ٢٢] ، وشبه ذلك حيث سكنت، لا يجوز في شيء من الإدغام لما
стр. 167
فيه من الإخلال بالغنة، فالحكم أن تظهر الميم عندهما، وتبين بيانًا حسنًا من غير تكلف١.
ومن ذلك الظاء عند التاء: وهو موضع واحد في قوله تعالى: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ في [الشعراء: ١٣٦] ، فالقراء على الإظهار، وكأنهم عدلوا عن الإدغام لما فيه من اللبس.
وقد روى عباس٢ عن أبي عمرو عن ابن سعدان٣ عن اليزيدي عنه، وعن أبي المنذر نصير بن يوسف بن أبي نصر الرازي، ثم البغدادي النحوي المتوفى سنة ٢٤٠هـ، عن الكسائي إدغامها فيها، وإذهاب صفتها، فتكون في السمع مثل: "أوعدت" من الوعد وهو جائز٤.
وهذا الجواز في تقديره من الناحية اللغوية البحتة، وموقف أهل الأداء أدق لما فيه من دفع اللبس، والبعد عن اللحن.
وهناك حروف أخرى فصلها القراء، وتوفرت عليها كتب القراءات.
стр. 168
٣- المد والقصر:
المد في اللغة: مطلق الزيادة، قال تعالى: ﴿أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ﴾ ، ﴿يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين﴾ ١.
وفي الاصطلاح: إطالة الصوت في النطق بحرف المد عند ملاقاته الهمزة أو السكون ويقابله القصر. وهو في اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام﴾ ٢، وقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْف﴾ ٣، أي حبس أنظارهن على أزواجهن من أهل الجنة لا ينظرن إلى غيرهم ومن الاصطلاح: ترك الزيادة وإبقاء المد الطبيعي على حالته٤.
أسباب المد:
أسباب معنوية، وأخرى لفظية.
أما الأسباب المعنوية:
فهي قصد المبالغة في النفي، وهو سبب قوي مقصود عند العرب، ومنه مد التعظيم في نحو: "لا إله إلا الله، لا إله إلا هو، لا إله إلا أنت".
قال ابن مهران في كتاب "المداث" له: إنما سمي مد المبالغة؛ لأنه طلب للمبالغة في نفي إلهية غير الله سبحانه قال: وهذا معروف
стр. 169
عند العرب؛ لأنها تمد عند الدعاء وعند الاستغاثة، وعند المبالغة في نفس شيء، ويمدون ما لا أصل له بهذه العلة، والذي له أصل أولى وأحرى.
وقال الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في الأذكار، ولهذا كان المذهب الصحيح المختار استحباب مد الذاكر قوله: لا إله إلا الله، لما ورد فيه من التدبر، وأقوال السلف، وأئمة الخلف في مد هذا مشهوره١.
وأما الأسباب اللفظية: فهي تتلخص في أن حروف المد الثلاثة: "الياء الساكنة بعد كسر، والواو الساكنة بعد ضم، والألف ولا تكون إلا ساكنة بعد فتح"، تلاقي همزة أو سكونًا٢.
أقسام المد:
على أساس الأسباب اللفظية ينقسم المد إلى أقسام مختلفة.
فهو أولًا إما طبيعة لم تتهيأ له أسباب المد، وإما فرعي تهيأت فيه لحروف المد أسبابه، والمد الفرعي إذا كان سببه ملاقاة الهمزة انقسم إلى: متصل ومنفصل وبدل، وإن كان سببه السكون العارض سمي المد العارض للسكون، وإن كان سببه سكونًا لازمًا سمي المد اللازم، والمد اللازم ينقسم إلى كلمي وحرفي حسب موقعه٣، وإليك هذا الرسم البياني.
стр. 170
"يوجد رسم توضيحي يسحب سكان"
١- المد الطبيعي:
وهو أداء حروف المد إذ لم تلاق همزة أو سكونًا الأداء المعتاد دون زيادة، ويسمى المد الأصل، ومقداره: حركتان وأمثلته: "قال، يقول، قيل"، ونحوها.
ومن أجل هذا لا يعد في حقيقة الأمر مدًّا، وإنما هو القصر المقابل للمد.
стр. 171
٢- المد المتصل:
وهو ما اجتمع فيه حرف المد مع الهمزة في كلمة واحدة، وسمي متصلًا لاتصال المد بحرف الهمزة في كلمة واحدة١، وذلك نحو: "السماء، جاء، شاء، الملائكة، أولئك، هاؤم"، "الحاقة: ١٩"، "سوء، تبوء، سيئت".
٣- المد المنفصل:
ما جاء فيه بعد حرف المد همزة، منفصلة عنه في كلمة أخرى ومن أمثلته: "بما أنزل، قالوا آمنا، وفي أنفسكم".
٤- مد البدل:
وهو ما تقدم فيه الهمز على حرف المد، نحو: "آمنوا، إيمانًا، أوتوا".
وسمي بدلًا لإبدال حرف المد من الهمز؛ إذا أصله: "أَأْمنوا" قلبت الثانية حرف مد من جنس حركة الأولى، وهكذا الأمثلة الباقية.
٥- المد العارض للسكون:
وهو ما جاء فيه بعد حرف المد، أو حرف اللين سكون عارض في حالة الوقف فقط مثل: "العالمين، نستعين، بيت، خوف، مآب".
وسمي عارضًا لعروض المد بعروض السكون.
٦- المد اللازم:
وهو ما جاء فيه بعد حرف المد سكون أصلي، لازم في الوقف والوصل جميعًا. نحو: "الصاخَّة، آلآن، الم".
وهو على قسمين: كلمي، وحرفي.
стр. 172
فإذا كان بعد حرف المد سكون أصلي ثابت في الأصل وفي الوقف في كلمة تزيد على ثلاثة أحرف سمي: كلميًّا، فإن كان الساكن الذي بعده مدغمًا فيما يليه سمي كلميًّا مثقلًا مثل: "الصاخَّة، دابّة، أتحاجّوني".
وإن كان الساكن غير مدغم فيما يليه سمي كلميًّا مخففًا، ووقع ذلك في كلمة واحدة هي كلمة "آلآن" في موضعين بسورة يونس: ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ﴾ ، ﴿آَلآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْل﴾ .
وإذا كان بعد حرف المد سكون أصلي لازم وصلًا ووقفًا في حرف هجاؤه على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مد ولين، أو حرف لين فقط، وهذا المد مقصور على فواتح السور، ويقع في ثمانية أحرف جمعت في قولنا: كم عسل نقص.
فإن أدغم ساكنه فيما بعده سمي مثقلًا، وإن لم يدغم سمي مخففًا، وقد اجتمع النوعان في: "ألم".
وسمي هذا المد بأنواعه الأربعة: "كلمي مثقل، كلمي مخفف، حرفي مثقل، حرفي مخفف"، لازمًا للزوم سببه، وهو السكون الأصلي بعد المد وصلًا ووقفًا.
أحكام المد:
للمد أحكام تتراوح بين الوجوب والجواز.
وقد اختلفت وجهات القراء في المدى الذي يتبع في كل نوع من أنواع المد بين حركتين أو أربع، أو خمس، أو ست، أو سبع١.
стр. 173
وسنعرض مذاهب القراء في المد بشمول وإيجاز بعون الله وحده:
١- اتفق العلماء على أن المد الطبيعي لا يتجاوز حركتين بقدر ما يبرز صوت الحرف فحسب.
٢- واتفق العلماء أيضًا على وجوب المد، وتمكينه في نوعين المد المتصل، سواء أكانت الهمزة متوسطة أم متطرفة، والمد اللازم الكلمي بنوعيه: المثقل والمخفف، وكذلك اللازم الحرفي بنوعيه أيضًا.
وكذلك كلمة: ﴿مَحْيَاي﴾ في سورة الأنعام: الآية ١٦٢، في الوقف والوصل في قراءة ورش١ عن نافع.
وتمد بمقدار أربع حركات أو خمس فإن وقفت عليها تزاد إلى ست، وإلى هذا ذهب حفص وآخرون.
وهناك ملاحظة:
هي أن المد اللازم الحرفي مقصور على فواتح السور، لكن فواتح السور ليست كلها مما يمد مدًّا واجبًا باتفاق؛ إذ إن المد فيها إنما كان لعلة التقاء الساكنين، ومن هنا قسمت إلى أربعة أقسام، كما ذهب لذلك مكي وأبو عمرو.
أ- قسم هجاؤه على حرفين، يجمع حروفه قولنا: "حي طهر" ويمد مدًّا طبيعيًّا لا إشباع فيه وروى عن ورش الإشباع فيه إتباعًا لما التقى فيه ساكنان.
ب- قسم هجاؤه على ثلاثة أحرف أوسطه متحرك نحو: "ألف" ولا مد فيه؛ لأنه ليس فيه حرف مد.
стр. 174
ح- قسم هجاؤه على ثلاثة أحرف، ثانيه حرف مد ولين، وهو حروف: "كم عسل نقص" ما عدا العين. أجمع القراء على إشباع المد فيه، وهذا القسم وحده الذي يدخل في الحكم السابق، وهو وجوب المد.
د- قسم على ثلاثة أحرف، ثانيه ياء قبلها فتحة، وذلك نحو "عين".
وللمتأخرين فيه قولان: منهم من يمده لورش وحده، ولا يمده لسائر القراء، وهو مذهب أبي عبد الله بن سفيان، ومنهم من يمده للجماعة فيسوي بينه وبين حرف المد "من المد الطبيعي"، وهو ابن مجاهد، أو أقل من حرف المد وهو مذهب ابن غلبون وأصحابه١.
٣- المد المنفصل، ومد البدل، والمد العارض للسكون، يجوز مدها وقصرها مع اختلافات كثيرة ومتعددة للقراء فيها.
أ- ففي المد المنفصل كان ابن كثير، وأبو عمرو، وقالون يقصرون حرف المد، فلا يزيدونه تمكينًا على ما فيه من المد الذي لا يوصل إلا به٢.
وروى عن قنبل مد "لا إله إلا الله" حيث وقع.
وروى عن حفص جوازًا من أربع حركات أو خمس.
ب- المد العارض للسكون يجوز مده وقصره، والمراد بالمد ما يشمل التوسط وما فوقه والتوسط أربع، والمد ست حركات، والقصر حركتان.
стр. 175
فإذا كان الحرف الذي عرض له السكون مفتوحًا جاز فيه: القصر والتوسط والمد.
وإن كان مكسورًا ففيه أربعة أوجه، الثلاثة المتقدمة بالسكون المحض، والروم١ مع القصر.
وإن كان مضمومًا نحو "نستعينُ" ففيه سبعة أوجه: الثلاثة المتقدمة بالسكون المحض، والإشمام مع الثلاثة، والروم على القصر.
وقد أوجز صاحب النشر مواقف القراء من المد العارض للسكون في ثلاثة مذاهب.
أولها: الإشباع كاللازم لاجتماع الساكنين اعتدادًا بالعارض، قال الداني: وهو مذهب القدماء من مشيخة المصريين، قال: وهو اختيار الشاطبي لجميع القراء، واختاره بعضهم لأصحاب التحقيق كحمزة، وورش، والأخفش عن ابن ذكوان.
ثانيها: التوسط لمراعاة اجتماع الساكنين وملاحظة كونه عارضًا، وهو مذهب أبي بكر بن مجاهد وأصحابه.
ثالثها: القصر؛ لأن السكون عارض فلا يعتد به؛ ولأن الجمع بين الساكنين مما يختص بالوقف.
ثم يقول ابن الجزري: الصحيح جواز كل من الثلاثة لجميع
стр. 176
القراء لعموم قاعدة الاعتداد بالعارض وعدمه١.
ج- ومد البدل: يجوز قصره عند جميع القراء، وذهب ورش إلى إشباع المد بإفراط أو اعتدال على اختلاف في ذلك بين الرواة عنه٢.
стр. 177
٤- الهمزة والتليين:
الهمزة حرف يخرج من أقصى الحلق، وهي أدخل حروف الحلق في الحلق؟ ولأجل هذا استثقل أهل التخفيف مخرجها فخففوها.
وتخفيف الهمزة، وتسهيلها أو تحقيقها سمات عرف بها اللسان العربي، ونطق بها الفصحاء، ووردت في لغات القبائل.
وفي مجال القراءات، وهي تقوم على السند والتلقي مع الحافظ على خصائص اللسان العربي نرى علماء القراءات لهم آراء مختلفة باختلاف أحوال الهمزة ساكنة أو متحركة، مفردة أو معها همزة أخرى، في كلمة أو في كلمتين.
وضبطًا لهذه الحالات المتعددة نقدم الرسم البياني التالي:
стр. 178
صفحة سكان
стр. 179
الصورة الأولى: تلاقي همزتين في كلمة
إذا التقت الهمزة المتحركة بهمزة أخرى في كلمة فإن لها صورتين:
أن تدخل على "أل" وجملتها في القرآن ستة مواضع، والهمزة الداخلة فيها كلها للاستفهام وهي: ﴿قُلْ آَلذَّكَرَيْن﴾ [الأنعام: ١٤٣، ١٤٤] ، ﴿الْآن﴾ [يونس: ٥١، ٩١] ، ﴿قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُم﴾ [يونس: ٥٩] ، ﴿آللَّهُ خَيْر﴾ [النمل: ٥٩] .
وقد أجمع القراء على تحقيق همزة الاستفهام وتخفيف الثانية.
ويقول ابن الباذش: وصورة التخفيف قد ذكر أصحاب سيبويه أنه بالبدل ألفًا١.
والصورة الأخرى: الداخلة على غير أل.
وهي ثلاث أضرب: مفتوحتان، مفتوحة ومكسورة، ومفتوحة ومضمومة.
الهمزتان المفتوحتان في كلمة:
هذه الصورة وقعت في ثمانية وعشرين موضعًا من القرآن الكريم كله.
منها تسعة عشر موضعًا مضى فيها القراء على أصولهم بين التسهيل والتحقيق.
стр. 180
وتسعة مواضع لم يسيروا فيها على أصولهم، واختلفوا في كل موضع منها اختلافات شتى يمكن الرجوع إليها من مصادرها من كتب القراءات وفي فرش الحروف.
والمواضع التسعة عشر هي: ﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾ ، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَم﴾ [البقرة: ٦، ١٤٠] ﴿أأَأَسْلَمْتُمْ﴾ ، ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠، ٨١] ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿أَأَسْجُد﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾ [الأنبياء: ٦٢] ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُم﴾ [الفرقان: ١٧] ﴿أَأَشْكُر أَمْ أَكْفُرْ﴾ [النمل: ٤٠] ﴿أَأَنْذَرْتَهُم﴾ [يس: ١٠] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ﴾ [يس: ٢٣] ﴿أَأَنْتُمْ﴾ [الواقعة: ٥٤، ٦٤، ٧٢] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ﴾ [النازعات: ٢٧] .
قرأ الكوفيون وابن ذكوان بتحقيق الهمزة في هذا الموضع، وقرأ الباقون وهم: الحرميان، وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية، واختلفوا في درجة التسهيل بإبدالها ألفًا كما ذهب ورش، أم بين بين كما ذهب ابن كثير١.
وسأقدم مثالًا واحدًا من المواضع التسعة التي لم يجر القراء فيها على أصولهم قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَد﴾ [آل عمران: ٧٣] .
قرأه ابن كثير بهمزتين على الاستفهام، الثانية منها بين بين من غير فصل والباقون بهمزة واحدة على الخبر.
وقوله تعالى: "آمَنْتُمْ" [الأعراف: ١٢٣] ، [وطه: ٧١] ، [والشعراء: ٤٩] .