← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8633

مدخل في علوم القراءات

السيد رزق الطويل

Полный текст (301 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كتبت في عهد عثمان، وكتبت بدون نقط أو شكل، وهو المتبع في الكتابة العربية في هذا الطور، ولم يتم النقط أو الشكل إلا في النصف الأخيرة من القرن الأول للهجرة. ولو كان تسيهر درس الأمر دراسة واعية ما وقف هذا الموقف المتردد؟ إذ لم يقل أحد من الباحثين القدماء منهم أو المحدثين إن المصحف الإمام كتب بشكل وبنقط لم يتحرَ الدقة فيهما، فلم يكن النقط والشكل حينذاك قد عرفا بعد. أما وصفه النص القرآني بأنه لا نظير له في الاضطراب فقد خالفه الصواب تمامًا، وكشف بمقالته عن جهل واضح أو تعصب فاضح. فما مظاهر الاضطراب التي رأها؟ أهي القراءات القرآنية؟ إنه لو ألقى عليها نظرة واعية لعلم حقيقة هذه الاختلافات بين القراءات وأنها اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف اضطراب وتناقض، وأن محصلة هذه القراءات واحدة، بل إن لها ثمارًا تشريعية ولغوية وبلاغية تبرز جوانب العظمة في الآية القرآنية التي أفحمت أساطين الفصاحة والبيان. وإذا كان هذا الاضطراب قد وقع في هذا العهد الباكر، والقرآن الكريم غضًّا، ولم يمض على نهاية نزوله أكثر من عشرين عامًا فما بالنا في العالم الإسلامي لا نجد هذا الاضطراب ولا نحسه، بل إن النظرة العلمية للقراءات عند علماء الألسنة المتجردين من الهوى لا تتعدى كونها صورًا متنوعة ومتناسقة للسان يملك إمكانات قوية ومتعددة في التعبير؟!! إنه كان من المتوقع لو كان هناك اضطراب كما تصوره "جولد تسيهر" في هذا العصر لكان ينبغي أن يكون الاضطراب الآن بعيد المدى، عميق الأثر بصورة تضيع معها معالم النص الصحيح. لكن هذا لم يحدث من قريب أو من بعيد.

стр. 247

وهنا أريد أن أسأل: إذا كان القرآن الكريم قد حظي بهذا الاضطراب وحده، فماذا تقول في نص التوراة أو الإنجيل؟ وهما لم يدونا إلا بعد عصر الرسولين الكريمين موسى وعيسى ﵉ بقرون؟!! وهل تستطيع بمنهج العلم الذي تحتكم إليه أن تقطع بصحة النصين، وأنهما المنزلان من السماء دون تحريف أو تبديل؟! وأخيرًا أضيف إلى ما سبق. هناك قراءات يحتملها الرسم، صحيحة في اللغة، ولكن لم يقرأ بها؛ إذ لم يكن لها سند صحيح يعتد به. من ذلك ما جاء في تفسير البحر المحيط: قال ابن عطية: "أجمع القراء على ضم الميم من "مُكث" في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ١. واللغة تجيز في الميم من "مُكث" الضم والفتح والكسر٢ لكن القراء لم يقرءوا إلا بضم الميم٣. وكذلك يجوز في اللغة خَطِفَ يخطَف، وخَطَف يخطِف، ولكن القراء لم يقرءوا إلا: "يخطَف"، وخطَف من باب علم. قال أبو علي الفارسي: "ولا نعلم أحدًا قرأ الأخرى"٤. وفي هذا دليل آخر على أن احتمالات الرسم ليست هي سبب اختلاف القراءات. وقد اعتد أعلام النحو بالنقل والرواية وصحة السند، ولو كان توجيهها النحوي غير قوي.

стр. 248

روى الكسائي لغة كسر الراء في "الرضاعة" ولكنها لم ترد عنه قراءة١. "جاء الأصمعي يومًا إلى مجلس المازني، فقال له: ما تقول في قول الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ؟ قال المازني: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية لاشتغال الفعل بالمضمر، وأنه ليس ههنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامة القراء إلا النصب، فنحن نقرؤها لذلك اتباعًا؛ لأن القراءة سنة"٢. بقيت ظاهرة لا بد من الإشارة إليها؛ لأنها تؤكد أن القراءة سنة متبعة، وأساسها التلقي والرواية وهي ظاهرة الاختيار عند القراء. وتتمثل في إيثار القارئ قراءة على أخرى مع صحتهما جيمعًا، ويكون أساس الاختيار غالبًا صحة السند. شعبة٣، كان يقول: انظروا ما يقرأ أبو عمرو بن العلاء "١٥٤" مما يختار لنفسه فإنه سيصير للناس إسنادًا"٤. وكان الكسائي يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة بعضها وترك بعضًا"٥. وأبو علي الفارسي يرى حمزة يميل: الأشرار، والقرار، وذات قرار، والقهار، والبوار، دون ما عداها من الكلم مما كان على صورتها ويستحق الإمالة فيقول: "فالقياس في ذلك وغيرها واحد، ولعله اتبع في ذلك أثرًا ترك القياس إليه، أو أحب أن يأخذ بالوجهين،وكره أن

стр. 249

يرفض أحدهما ويستعمل الآخر، مع أن كل واحد مثل الآخر في الحسن والكثرة"١. قضية النقط والشكل، والحركات الإعرابية.. أهي السبب فيما وقع من اختلاف القراءات. لقد ساق جولد تسيهر عددًا من الأمثلة التي كشفت عن سوء فهمه أو سوء طويته. فذكر عددًا من القراءات سبب الاختلاف فيها عدم النقط مثل قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢، بالباء الموحدة وفي قراءة "تستكثرون" بالثاء المثلثة٣، وفي السورة نفسها٤: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ بالباء في قراءة "نَشْرًا"٥، بالنون، ثم يعرض صورًا أخرى ويقول: "وفي آية٩٤ من سورة النساء تظهر على الأخص هذه الظاهرة في كل الحروف تقريبًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي قراءة "فتثبتوا" ورسم هذه الكلمة محتمل للقراءتين "وَسَوَا". ثم يسوق الأمثلة للقراءات الناشئة عن فقدان الشكل في الخط العربي وعدم وجود الحركات النحوية فيذكر هذه الآية من سورة الحجر: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ ٦، ففيها هذه

стр. 250

القراءات: "تُنَزِّل، تُنَزل، نُنْزِل، تَنَزَّل"١ وكذلك ما جاء في سورة الرعد -الآية الأخيرة منها- ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَاب﴾ ٢، وفي قراءة أخرى٣ "وَمِنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَاب" وهناك قراءة ثالثة٤: "وَمِنْ عِنْدَهُ عُلِمُ الْكِتَاب"٥. وقد ردد هذا الرأي الدكتور آثر جفري في مقدمة كتاب المصاحف للسجستاني الذي قام بتحقيقه. كما تورط في هذا الفهم الخاطئ بعض الباحثين المعاصرين الذين لم يمعنوا النظر جيدًا في هذه القضية. وبادئ ذي بدء أقول قد يكون وراء هذا الفهم المنحرف عند الباحثين من العرب أو من المستشرقين نص غير دقيق جاء في كتاب النشر لابن الجزري وفيه يقول: وجردت هذه المصاحف جميعها، يعني المصاحف التي كتبت في عصر عثمان- من النقط والشكل ليحتملها ما صح نقله، وثبتت تلاوته عن النبي ﷺ ؛ إذ كان الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط"٦. فتعبير "وجردت" قد يفهم منه أن النقط موجود، وتعمد الكاتبون تركه. وفي تقديره أن الكلمة لحقها تحريف؛ لأن بقية النص فيه ما يصحح السياق، ويكشف عن المراد؛ إذ يقول ابن الجزري: إذ كان

стр. 251

الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط. وعلى أية حال فهذا التفسير ناشئ عن تصور غير سديد لنشأة القراءات القرآنية، وفهم غامض لأصلها، وكأن جولد تسيهر ومن حذا حذوه يتوهمون أن القراءات ظهرت بعد كتابة المصحف الإمام، وكانت أثرًا للطريقة التي اتبعت في كتابته. وهذا وهم عجيب؛ لأن المعلوم لكل من له أدنى دراية بعلوم القرآن أن القراءات ثبتت بأسانيد متواترة مرفوعة إلى رسول الله ﷺ وأن أي قراءة تفقد السند الصحيح، أو تواتره لا يؤخذ بها. كما كانت القراءات في روايتها، وتداولها تعتمد على المشافهة والتلقي، وهذا منهج أدخل في التدقيق وللتحقيق والتحري والضبط، وكأن تدوين المصحف مجرد مرجع يفزع إليه القوم لحسم ما ينشأ من خلاف. والدليل على سداد هذا المنهج أن الرواة أنفسهم كانوا يعرفون قيمته. يقول الحسن بن هانئ في مدح خلف الأحمر. لا يَهِم الحاءَ في القراءة بالخا ... ء، ولا يأخذ إسناده من الصحف كما قيل في رثائه: أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... رواية لا يجتني من الصحف١ فقبل تدوين المصحف في عصر عثمان، وفي أثناء التدوين وبعده كان القرآن في صدور الجمهرة من الصحابة والتابعين على أتم صوره وأدقها،

стр. 252

وأنقاها، وتناقلته عنهم الجماهير المسلمة من شتى الأمصار الإسلامية. والاختلافات التي ظهرت في عهد عثمان ﵁ كانت أحداثًا فردية حسمت بكتابة المصحف الإمام ليكون ضابطًا للقراءات الصحيحة مانعًا لغيرها. والأسلوب الذي اتبع في كتابته كان يسمح باستيعاب الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن الكريم تيسيرًا على العباد، كما فصلنا ذلك في موضع آخر. وأمر آخر: لو كانت القراءات مرجعها إلى الرسم لكان ينبغي أن تكون كل قراءة موافقة لرسم المصحف صحيحة مقبولة، ولكن الأمر على غير ذلك؛ إذ هناك قراءات موافقة للرسم ومردودة مثل قراءة حماد الراوية: ﴿مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ قرأها "أباه"١ وقراءة "وما كنتم تستكثرون"٢ في سورة الأعراف، وسبق أن أشرنا إليها وكلتا القراءتين مما استشهد به جولد تسيهر. لكن الرسم تابع للرواية والنقل، وأن القراءة منقولة من أفواه الرجال الحفظة٣، وهذه قضية فات المستشرقون وأذنابهم أن يفقهوها. ومن المعلوم في تاريخ القراءات والقراء أنهم كانوا يردون قراءة ابن مقسم، وابن شنبوذ أما أولهما فكان يقول: إن كل قراءة وافقت

стр. 253

المصحف ووجهها في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند"١، وأما الآخر فكان يغير حروفًا من القرآن، ويقرأ بخلاف ما أنزل٢، كان يعتمد على السند وإن خالف المصحف، واتفقا على موافقة العربية٣. وهذا دليل على مدى الدقة والإحكام في منهج القراء في إثبات القراءات، فالسند والتلقي مع الموافقة لرسم المصحف. إن منهج جولد تسيهر يفتح أبوابًا من الفوضى، ويدفع إلى تحريف النص القرآني، أو مسخ فصاحته وقد وقعت بعض قراءات ردت على أصحابها من أول الأمر ووثدت في مهدها، وأصبحت مجرد ذكرى لهذا الضلال في بطون الكتب والمراجع، وإن لجأت إليها بعض الفرق المنحرفة لتدعم انحرافها. من ذلك قراءة الرافضة: "وما كنت متخذ المضِلَّين عضدا" بفتح اللام، يعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما٤. ولعل وراء هذا الوهم في تفسير المستشرقين لاختلاف القراءات شيء آخر. هو أنهم قاسوا القرآن الكريم على ما وقع فيه التصحيف والتحريف من كلام العرب شعرًا ونثرًا، فعدوا القراءات من هذا القبيل. وإذا صح هذا فقد وقعوا في ضلال بعيد؛ لأن ما وقع من تصحيف وتحريف في كلام العرب تصدى له أعلام العلماء وصوبوه، وردوا آثار التصحيف والتحريف، وألفت عشرات الكتب في هذا الصدد منها "التصحيف

стр. 254

والتحريف لأبي أحمد العسكري" فهل يتصور أن يحدث هذا في القرآن ويسكت عنه هؤلاء الغُير من العلماء؟. وهنا ملاحظة جديرة بالاعتبار هي أن المصاحف التي نسخت في عهد عثمان على يد هذه المجموعة الطيبة من الصحابة القراء عندما وزعت على الأمصار الإسلامية كان يرسل مع كل مصحف عالمًا من علماء القراءة يعلم المسلمين القرآن وفق هذا المصحف، وعلى مقتضاه، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وعامر بن عبد قيس إلى البصرة، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، ولا شك أن الحكمة من إرسال القارئ مع المصحف تقييد ما يحتمله الرسم من القراءات بالمنقول منها تواترًا، فلو كانت القراءات مأخوذة من رسم المصحف، وأن أي قراءة توافق الرسم مقبولة ما كان هناك ما يدعو لإرسال عالم مع المصحف، فهذا دليل على أن القراءة تعتمد على التلقي والنقل والرواية، لا على الخط والرسم والكتابة١.

стр. 255

كتابة المصحف بين الرسم العثماني والرسم الإملائي ... كتاب المصحف بين الرسم العثماني، والرسم الإملائي: ارتفعت بعض الأصوات في الآونة الأخيرة، وفي النصف الثاني من القرن الهجري١ الماضي تطالب بتيسير رسم المصحف، وكتابته حسب قواعد الإملاء التي تعارف عليها أبناء اللسان العربي، وانتهوا إليها في صورتها المعاصرة وذلك بهدف تيسير القراءة على الناشئة والعامة من

стр. 256

المسلمين الذين لا يعرفون أصول الرسم العثماني، وتصدى لهؤلاء من يعارضونهم ويقولون بضرورة الحفاظ على الرسم العثماني. والذي أريد أن أقرره بين يدي هذه القضية أن المطالبة بتيسير رسم المصحف قضية عرفت من عدة قرون, وليست وليدة القرن الماضي. ففي هذه المسألة رأيان، ولكل صاحب رأي وجهة هو موليها وله أدلته التي يستند إليها. وسنعرض بإيجاز لكلا الرأيين، والحجج التي تساند كلا منهما، ونحاول أن ننتهي إلى التصور الذي نرجو أن يكون سديدًا فيحقق الغاية دون تضييع أو تفريط. القائلون بضرورة كتابة المصحف بالرسم العثماني. يرى هؤلاء أن هذا الرسم توقيفي، كتب به كتبة الوحي، وكتب المصحف الأول في عهد أبي بكر، وسار الصحابة على هذا النمط من الهجاء دون محاولة تغييره، وسار الأمر على ذلك في عهد عثمان ﵁. وهذه حجة أولى ولهم حجة ثانية. هي رأي الإمام مالك، والإمام أحمد بن حنبل ﵄ أما رأي الإمام مالك فقد روى السخاوي أن مالك بن أنس سئل: أرأيت من استكتب مصحفًا، أرأيت أن يكتب ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى١. ثم يعلق السخاوي على هذا بقوله: والذي ذهب إليه مالك هو

стр. 257

الحق؛ إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى؛ إذ في خلال ذلك تجهيل الناس بأولية ما في الطبقة الأولى". وقال الإمام أبو عمرو الداني: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والياء والألف: أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه شيء من ذلك؟ قال: لا. ثم يعلق الداني على هذا فيقول: يعني الواو والياء والألف الزائدات في الرسم، المعلومات في اللفظ نحو: "لا أذبحنه" و "بأييد" و "أولوا" ونحوها ثم يقول. لا مخالف لمالك من علماء هذه الأمة"١. أما الإمام أحمد بن حنبل فقد قال: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف، أو ياء، أو غير ذلك"٢. والحجة الثالثة تنحو منحى صوفيًّا؛ إذا يرى أصحابها أن هذا الرسم توقيف عن النبي ﷺ وهو الذي أمر بالكتابة على هذه الهيئة المعروفة؛ وذلك لأسرار لا يعلمها إلا الله، ولا تهتدي إليها عقول البشر، كما أنها في تصورهم تمثل جانبًا من جوانب الإعجاز القرآني، ثم يتساءلون: لماذا زيدت الألف في "مائة" دون "فئة" والياء في "بأييد" و "بأييكم"؟ وما السر في زيادة الألف في "سعوا" في سورة الحج دون "سعو" في سبأ وزيادتها في "عتوا" في جميع مواضعها دون "سعوا" في سبأ وزيادتها في ﴿عَتَوْا﴾ في جميع مواضعها دون "عتو" في الفرقان، وزيادتها في ﴿يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ البقرة، ونقصانها من ﴿يَعْفُوَ عَنْهُم﴾ في النساء؟ ولماذا ثبتت

стр. 258

في ﴿سِرَاجًا﴾ في كل مواضعها، وحذفت من موضعها في الفرقان ثم يقولون: "فكل ذلك لأسرار إلهية، وأغراض نبوية، وإنما خفيت على الناس؟ لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور فإنها لها أسرار عظيمة، ومعاني كثيرة١. ٤- خط الإملاء السائد متطور، لا يستقر على صورة واحدة، وإمكانات تطوره وتغييره قائمة، ويخشى لو كتب المصحف به أن يكون وسيلة لتحريف أو تغيير، وضمان الحفاظ على النص القرآني رهن بالاستمساك بقواعد الخط العثماني. والحجة الخامسة: يرتبط بالرسم العثماني مزايا عظيمة. أ- منها الإشارة إلى ما في الكلمة من قراءات قرآنية لا تتأتى في حالة الرسم الإملائي من ذلك كلمة "سراجا". وردت في سورة الفرقان: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ٢، وفي سورة الأحزاب: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٣، وفي سورة النبأ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ ٤. كتبت بدون ألف في "الفرقان" وبالألف في "الأحزاب" و "النبأ"؛ وذلك لأنها في الفرقان فيها قراءتان أولاهما بكسر السين وفتح الراء بعدها ألف أعني بصيغة الإفراد، والأخرى بضم السين والراء أي

стр. 259

بصيغة الجمع، فإذا كتبت بالرسم الإملائي لن يفهم منه: إلا قراءة واحدة. ب- الإشارة إلى بعض لغات العرب. فنرى في المصحف العثماني كتابة تاء التأنيث المربوطة مفتوحة في بعض المواضع إيذانًا بجواز الوقف عليها بالتاء على لغة طيئ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّوم﴾ ٥. ومما نلاحظه بأن هذا الاتجاه المحافظ بالغ في التحفظ حتى إنهم كرهوا ما حدث من نقط المصاحف ورووا عن الإمام مالك قوله: "جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء" وقوله: "ولا تخلطوا به ما ليس منه إني أخاف أن يزيدوا في الحروف أو ينقصوا"٦. كما كرهوا ذكر أسماء السور، ورسم فواتح السور وعدد الآيات. قال أبو بكر السراج قلت لأبي رزين: "أأكتب في مصحفي سورة كذا وكذا؟ قال: إني أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه، فيظنوا أنه من القرآن"٧.

стр. 260

فكل زيادات في الرسم، حتى ولو كان الهدف منها التنسيق والتنظيم، والبيان كرهوها. واستمر هذا التيار المحافظ حتى عصرنا الحاضر. وأسهمت فيه لجنة الفتوى بالأزهر، وعندما سئلوا عن كتابة المصحف بخط الإملاء المعتاد أفتوا بعدم جواز ذلك التزامًا بما كان عليه الصحابة والتابعون١. ورأى حفني ناصف وجوب المحافظة على الرسم العثماني لمعرفة القراءة المقبولة والمردودة، وفي المحافظة احتياط شديد لبقاء القرآن على أصله لفظًا وكتابة، فلا يفتح فيه باب الاستحسان٢. رأي المطالبين بالرسم الإملائي. في مقدمة هذا الرأي يؤكدون أن الهدف تيسير القرآن للناشئة حتى يقرؤه صحيحًا دون أن تعترضهم صعوبات الرسم، وقد بنوا حجتهم على عدة أسس. منها أن الرسم العثماني ليس توقيفيًّا، وإنما كتب المصحف بالخط المتعارف عليه حينذاك، وعندما كان كتبة الوحي يكتبون ما ينزل من آيات ما أوصاهم الرسول ﵊ بكتابة معينة، أو رسم معين أو زيادة أو نقص، ولو فعل لآمنا به ولحرصنا عليه، ولكان هذا الرسم توقيفيًّا كما قالوا. بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من هذا وقالوا: إن ما حدث إنما هو خطأ من الكتاب. قال ابن خلدون: "لقد كان الخط العربي الأول الإسلام غير بالغ

стр. 261

الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش، وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها١. وحقائق التاريخ تشير إلى أن الرسم العثماني لم يقف على الصورة التي كان عليها، بل لحقت به بعض تطورات وتغييرات تهدف إلى الحفاظ على القرآن من تيارات اللحن، وتيسير قراءته بعدما فشت العجمة، ولا ريب أنها قوبلت في أول الأمر بشيء من التحرج، لكن التطور المفيد قد تم إيمانًا من القائمين بها بأن فيها بيانًا وتوضيحًا٢. من ذلك أن المصاحف في أول الأمر كانت خالية من الشكل. ثم ظهرت الحاجة ماسة لذلك، فوجدنا العلماء يترخصون ويقولون: العجم نور الكتاب، وأنه لا بأس به ما لم تبغوا٣. على أن هذا العمل جاء في وقت مبكر؛ إذ رأينا أبا الأسود الدؤلي "ت ٦٩هـ" قام بشكل المصحف لدفع التحريف، وكان الشكل عبارة عن نقط تبين الحركات والتنوين، وتم ذلك في خلافة معاوية٤. كما قام نصر بن عاصم "٨٩ هـ" ويحيى بن يعمر "١٢٩ هـ" بإعجام المصحف بالنقط دفعًا للتصحيف بأمر الحجاج في خلافة

стр. 262

٢- من غير المقبول عقلًا ونصًّا القول بالرمز، أو بأن هناك أسرارًا إلهية في هذه الحروف الزائدة، وأن هذه الأسرار لا تدرك إلا بالفتح الرباني فهذا نوع من التكلف والتعسف والإيغال في الوهم. ولو كان هذا الرسم توقيفًا لكنا ملزمين به واتباعه، وألا نغير فيه، مع أن الذي حدث أنه تمت تغييرات في الرسم على يد أعلام لا مطعن فيهم أكسب النص القرآني وضوحًا، ولم تحدث لبسًا، ونحن الآن نهتدي بما زاده القوم على الرسم العثماني. ٣- إذا حاول بعض المتمسكين بحرفية الرسم العثماني أن يوجدوا تفسيرات كما أوضحنا لزيادة الألف في: "لا أذبحنه" "ولا أوضعوا" وللياء في "أييد" فبم يفسرون زيادة الألف في: "ملاقوا ربهم" "بنوا إسرائيل" "أولوا الألباب" وزيادة الياء في "نبإي المرسلين" "آناءى الليل". ٤- أنا مع المحافظين فيا ذكروه من مزايا للرسم العثماني في الإشارة للقراءات ولهجات القبائل. ٥- من أجل هذا أحدد وجهة نظري في الآتي: المحافظة التامة على كتابة المصحف بالرسم العثماني على الصورة التي هو عليها الآن، وفيها التطورات التي تمت على أيدي أبي الأسود الدؤلي ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، ونحوها من المصطلحات التي زادها علماء القراءات في عصرنا الحاضر، وتم على أساسها طباعة المصحف في عصرنا الحديث. ولا مانع مع هذا إذا نقلنا نصوصًا قرآنية للاستشهاد بها في كتبنا وبحوثنا، أو لنعلمها للناشئة في المدارس، أو لتكتب على لوحات للتوجيه والإرشاد أن تكون بخط الإملاء العادي تيسيرًا على الناس الذين

стр. 263

لا علم لهم بدقائق رسم المصحف العثماني، ولا يتاح لهم الآن الرجوع إلى المتخصصين في ذلك للمراجعة والضبط. وقد اتجهت إلى ذلك وزارة التربية والتعليم في مصر، فكتبت النصوص القرآنية في الكتب المدرسية بالرسم الإملائي المعروف. على أنه ينبغي لنا أن نضع في اعتبار أن رائد الجميع هو العمل على الحفاظ على الكتاب العزيز، وتيسيره للناس ولقد يسره الله علينا من حيث المفهوم والمحتوى فقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ، فبقي علينا ألا نرى مضاضة في تيسيره -إلى حد ما- في الرسم والكتابة. وقد تكفل الله بحفظ كتابه فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ . يقول العز بن عبد السلام -سلطان العلماء: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسم الأول باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء قد أحكمته العلماء، لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجته١. وهذا قول فيه حصافة، وفطنة، رحم الله صاحبه.

стр. 264

الفصل الرابع: صور من الاحتجاج للقراءات صور من الاحتجاج بالأسانيد ... الفصل الرابع: صور من الاحتجاج للقراءت صور من الاحتجاج بالأسانيد: الإسناد في القراءات هو في أعلى درجات الإسناد -كما علمنا- وهو متواتر لا ريب في تواتره والقراءة التي تفتقد التواتر لا تقبل؛ لأن غير المتواتر لا يكون قرآنًا. وبسبب هذا اختفى علماء القراءات بالإسناد احتفاء بالغًا، وكل عالم من علماء القراءات ينص على الأسانيد وطرقها المتعددة حتى عصره. وأحيل القارئ على ما كتبه ابن الباذش في الإقناع، وما كتبه العلامة ابن الجزري في النشر، ومن قبل هذين ابن مجاهد. وسأقدم على سبيل المثال لا الحصر سند قراءة عاصم كما ذكره ابن مجاهد. أسانيد قراءة عاصم: يقول ابن مجاهد: "وما كان من قراءة بن أبي النجود عن أبي بكر بن عياش، فإن عبد الله بن محمد بن شاكر أخبرني بها، عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم من أول القرآن إلى خاتمة الكهف.

стр. 265

وأخبرني إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي عن أبيه١، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم، من أول القرآن إلى آخره. وأخبرني محمد بن الجهم قال: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أمية البصري، عن أبي بكر عن عاصم بذلك من أوله إلى آخره. قال: وحدثني ابن الجهم أيضًا، قال: وحدثنا: أبو توبة٢ ميمون بن حفص النحوي، عن الكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم. قال: وأخبرني أبو بكر موسى بن إسحاق، عن هارون بن حاتم، أبي بشر، عن حسين بن علي الجعفي، عن أبي بكر عن عاصم. وحدثني موسى بن إسحاق، ومحمد بن عيسى بن حيان المقرئ، عن أبي هشام، عن يحيى، عن أبي بكر، عن عاصم. وحدثني الكسائي محمد بن يحيى عن أبي عمارة عن أبي عمارة عن حفص٣ عن عاصم. وحدثني أحمد بن علي الْخَزَّار، قال: حدثنا أبو عمر هبيرة٤ بن محمد التمار، عن حفص بن سليمان بن عاصم. وحدثنا أبو محمد الرقي، عن أبي عمرو الدوري، عن أبي عمارة، عن حفص، عن عاصم. وأخبرني محمد بن حماد بن ماهان الدباغ٥، قال: حدثني أبو الربيع، عن حفص، عن عاصم.

стр. 266

وحدثنا أبو بكر وهب بن عبد الله المروزي، قال: حدثنا الحسين ابن المبارك الأنماطي، ويعرف بابن اليتيم، قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن الصباح بن صبيح قال: رويت هذه القراءة عن أبي عمر البزار، وهو حفص بن سليمان بن المغيرة، ويعرف بالأسدي قال: قرأت عن عاصم بن أبي النجود، وذكر أبو عمر أنه لم يخالف عاصمًا إلا في حرف من كتاب الله، إلا في قوله تعالى: "مِنْ ضُعْف" [الروم: ٥٤] . وحدثني أحمد بن علي الخزار ومحمد بن حيان، عن محمد بن يحيى القطعي، عن أبي زيد النحوي، عن المفضل بن محمد١ الضبي، عن عاصم. محمد بن حيان: من أول القرآن إلى آخر سورة آل عمران، والخزاز: من أول النساء: إلى آخر الكتاب. وحدثني عبد الله بن سليمان، قال حدثني أبو زيد "عمر بن شبة" قال: حدثنا جبلة، عن المفضل، عن عاصم. وحدثني غير واحد من أصحاب أبان عن أبان عن عاصم٢. وفي تكملة هذا السند إلى رسول الله ﷺ يقول ابن الجزري: وقرأ حفص وأبو بكر على إمام الكوفة وقارئها عاصم بن أبي النجود الأسدي، فذلك مائة وثمانين وعشرون٣ طريقًا لعاصم، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الضرير، وعلى أبي مريم زر بن حبيش بن حباشة الأسدي، وعلى أبي عمرو سعد بن إلياس الشيباني، وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود، وقرأ السلمي، وزر أيضًا على عثمان بن عفان وعلي بن أبي

стр. 267

طالب ﵄ وقرأ السلمي أيضًا على أُبَيّ بن كعب وزيد بن ثابت ﵄ وقرأ ابن مسعود وعثمان وعلي وأبي، وزيد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم١. ونظرة إلى هذه الأسانيد توقفنا على الحقائق التالية. ١- الدقة البالغة، والضبط المحكم في عرض السند، ووضع كل لفظ موضعه من "أخبرني" إلى "حدثني" ثم تحديد القدر الذي قرأه على كل منهم. ٢- غزارة هذه الأسانيد وتواترها وإذا كان ابن مجاهد وصلت إليه قراءة عاصم من هذه الطرق المتعددة، وكلها موثقة فمن غير شك هناك طرق كثيرة وغزيرة، وقد عرفنا أن ابن الجزري في القرن التاسع أوصلها ١٢٨ طريقًا. ٣- هؤلاء الرواة الذين نقلت قراءة عاصم عنهم علماء ونحاة ولغويون وليسوا مجرد حفظة فقط. ٤- اتضح لنا علو إسناد القراءات بصورة لم تتوافر لأي كتاب في الوجود غير كتاب الله تعالى.

стр. 268

عبد الملك بن مروان. وأسهم الخليل بن أحمد "١٧٥هـ" في هذا المجال، وذلك بالهمز والتشديد والروم والإشمام١. قال خلف بن هشام البزار: كنت أحضر بين يدي الكسائي، وهو يقرأ على الناس، وينقطون مصاحفهم بقراءته عليهم٢. وسار الناس بدافع الغيرة على نهج هؤلاء الأعلام، وأضافوا إلى رسم المصحف علامات دالة على الأرباع والأحزاب، والأجزاء، وسجدات التلاوة، ووقفات السكت، وعلامات الوقف، وأصبحت المصاحف في عصرنا تذيل باصطلاحات الضبط، وتكتب بألوان متنوعة من الخطوط، وما أصاب النص القرآني أدنى تغيير. على أن ينبغي أن نضع في الاعتبار أننا مهما طورنا في خط المصحف لتيسير قراءته فإن ذلك لن ينال منه شيئًا وقد قال رب العالمين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وهذا رأي وسط نراه أمام هذا الخلاف أولى بالقبول. وأوجزه في نقاط محددة. ١- على ضوء ما سجلته المراجع التاريخية واللغوية يتبين أن المصحف لم يكتب بخط متميز وإنما كتب بالخط المتعارف عليه في عصر الصحابة، وأنه قد طرأت عليه تغييرات على يد أعلام الأمة وعلمائها الذين أشرنا إليهم، وهذه التغييرات تمت على مراحل مختلفة، وآخرها مصطلحات الوقف، ونحوها٣.

стр. 269

صرور من الاحتجاج للأصول ... صور من الاحتجاج للأصول: يقول مكي في التعليل لاجتماع همزتين في كلمة بالتحقيق أو التخفيف: "حجة من حقق الهمزتين في كلمة، وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان في نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُم﴾ وشبهه أنه لما رأى الأولى في تقدير الانفصال من الثانية، ورآها داخلة على الثانية قبل أن لم تكن حقق كما يحقق ما هو من كلمتين، وحسن ذلك عنده لأنه الأصل، وزاده قوة أن أكثر هذا النوع بعد الهمزة الثانية فيه ساكن، فلو خفف الثانية التي قبل الساكن لقرب ذلك من اجتماع ساكنين لا سيما على مذهب من يبدل الثانية ألفًا فلما خاف اجتماع الساكنين حقق ليسلم من ذلك؛ ولأنه أتى بالكلمة على أصلها محققة". ويقول: وحجة من خفف الثانية هو ما قدمنا من استثقال الهمزة المفردة، فتكريرها أعظم استثقالًا، وعليه أكثر العرب، وهو مذهب نافع وابن كثير وأبي عمرو وهشام، وأيضًا فإنه لما رأى العرب وكل القراء قد خففوا الثانية إذا كانت ساكنة استثقالًا، كان تخفيفها إذا كانت متحركة أولى؛ لأن المتحرك أقوى من الساكن وأثقل١. وفي التعليل للروم والإشمام قال: "أعلم أن الروم والإشمام إنما استعملتها العرب في الوقف لتبيين الحركة، كيف كانت في الوصل وأصل الروم أظهر للحركة من أصل الإشمام؛ لأن الرَّوم يسمع ويرى، والإشمام يرى ولا يسمع، فمن رام الحركة أتى بدليل قوي على أصل حركة الكلمة في الوصل، ومن أشم الحركة أتى بدليل ضعيف على ذلك، والإشمام لا يكون إلا في المرفوع والمضموم"٢. ويقول في التعليل للمد في حروف المد واللين إذا لاصقتها همزة أو ساكن مشدد، أو غير مشدد: "فإن قيل: في العلة التي أوجبت المد فيما ذكرت؟ فالجواب أن

стр. 270

هذه الحروف حروف خفية، والهمزة حرف جلد، بعيد المخرج، صعب في اللفظ، فلما لاصقت حرفًا خفيًّا، خيف عليه أن يزداد بملاصقة الهمزة له خفاء، فبين بالمد ليظهر، وكان بيانه بالمد أولى؛ لأنه يخرج من مخرجه بمد، فبين بما هو منه، وبيان حرفي اللين بمد دون البيان في حروف المد واللين لنقص حرفي اللين بانفتاح ما قبلهما عن حروف المد واللين اللواتي حركة ما قبلهن منهن، فقوين في المد لتمكنهن بكون حركة ما قبلهن منهن وضعف حرف اللين في المد لكون حركة ما قبله ليست منه"١. ويقول في التعليل للاستعاذة: إن الاستعاذة دعاء إلى الله جل ذكره، واستجارة به من الشيطان وامتثال لما أمر به نبيه محمد ﵇؛ إذ قال له في كتابه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٢.

стр. 271

صور من الاحتجاج النحوي: قوله ﵎: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . قرأ حمزة وحفص بنصب "البر" الأولى، قرأ الباقون بالرفع. فعلى النصب يكون البر خبرًا لليس مقدمًا، ويكون ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ مصدرًا مؤولًَا اسمًا ليس، والمعنى: ليست توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله. وعلى الرفع يكون ﴿الْبِر﴾ اسمًا لليس، والمصدر المؤول خبرًا لها والمعنى: ليس البر كله توليتكم. فكلتا القراءتين له وجه قوي في النحو؛ لأن الاسم والخبر كليهما معرفة، وفي هذه الحالة يجوز في كل منهما أن يكون اسمًا أو خبرًا. لكن يرجع الأولى: أن الاسم فيها هو المصدر المؤول وهو معرفة لا تتنكر، والبر يتنكر فهو أقوى تعريفًا من المحلى بأل، كما أن "أن وصلتها" تشبه المضمر؛ لأنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، ومن الأصول أنه إذا اجتمع مع ليس وأخواتها مظهر ومضمر، فالمضمر هو الاسم والمظهر هو الخبر؛ لأنه أعرف. وكذلك أن وصلتها في تقدير الإضافة إلى المضمر؛ لأن معناها "توليتكم" والمضاف إلى المضمر أعرف مما فيه أل، والأعرف أولى أن يكون هو الاسم. وأمر آخر هو أن تعريف البر ضعيف؛ لأنه يدل على الجنس لا على شخص بعينه، وتعريف الجنس ضعيف؛ لأنه يشبه النكرة. كما يرجع قراءة الرفع: "لَيْسَ الْبِّرُ" أن اسم ليس كالفاعل، ورتبة الفاعل أن يلي الفعل، فإذا نصبته كان لا بد من نية تأخيره على الخبر، ومجيء الكلام على رتبته التي أتت بها التلاوة أولى من التقديم والتأخير. كما يقوي الرفع مجيء "البّر" مرفوعًا في الآية ١٨٩ من السورة: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ؛ إذ لا يجوز هنا إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من المخالفة١. كما يقويها ما جاء في مصحف ابن مسعود وأُبَيّ: "لَيْسَ الْبِرُّ بِأَن

стр. 272

تُوَلُّوا" بزيادة الباء. المراجع: حجة القراءات لابن أبي زرعة ص١٢٣. الكشف لمكي ج١ ص٢٨٠- وص٢٨١- الحجة في القراءات السبع لابن خالويه ص٩٢ النشر في القراءات العشر ج٢. قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١] . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ" بالرفع، وأضاف ابن الجزري: خلفًا ويعقوب. وقرأ الباقون: ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بالنصب. وحجة القراءة الأولى قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ١. فجعل "حسب" بمعنى العلم واليقين الذي في آية الحديد، فإن هنا مخففة من الثقيلة تؤكد ما بعدها، وما قبلها من اليقين يجعلها أقرب من الناصبة، فيسير الكلام على نمط اليقين، وعلى هذا يكون التقدير: "أنه لا تكون فتنة" فاسمها ضمير محذوف، ويرفع الفعل؛ لأنه لا ناصب له حينئذ، وتصير "لا" عوض من المحذوف مع أن، وجملة كان واسمها في محل رفع خبر "أن" المخففة، ولا تحتاج كان إلى خبر؛ لأنها تامة. وحجة من نصب أنه أجرى "حسب" على بابها للشك فأتت معه أن الناصبة للفعل؛ لأنها لأمر غير ثابت مثل ما قبلها فهي ملائمة له.

стр. 273

و"لا" لا تفصل بين العامل والمعمول كقولك: أحب أن تذهب أحب ألا تذهب، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُد﴾ ١، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ٢، فالنصب باق مع "لا" كما هو موجود بدون "لا" كما جاء قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ ٣، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤. وحكى بعض النحويين أنه قال: من رفع هذا الفعل كتب: "أن لا" منفصلة؛ لأن الهاء المضمرة المقدرة تحول في المعنى بين "أن" و "لا" من نصب الفعل كتبه غير منفصل؛ إذ لا شيء يقدر يحول بين "أن" و "لا"٥. المراجع، حجة القراءات لابن أبي زرعة ص٢٣٣. الحجة لابن خالويه ص١٣٥. الكشف لمكي ج١ ص٤١٦. النشر ج٢ ص٤٤. وراجع كتاب سيبويه ج١ ص٥١٥، وتفسير مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ص ٣٠ مخطوط المدرسة الأحمدية، حلب. طـ ثانية بيروت. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٨٥] .

стр. 274

قرأ الحرميان: نافع وابن كثير، وابن عامر: "وَنذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ"، بالنون ورفع الفعل "نذر". وقرأ أبو عمرو بن العلاء١، وعاصم: ﴿وَيَذَرُهُم﴾ بالياء والرفع. وقرأ حمزة والكسائي: "ويذرهم"، بالياء وجزم الفعل، وأضاف إليهما صاحب النشر خلفًا. توجيه القراءة الأولى: رفع الفعل على الاستئناف أي "ونحن نذرهم" على أساس أن الله يخبر عن نفسه، فهو التفات من الغيبة إلى التكلم "مَنْ يُضْلِلِ، ... وَنَذَرُهُم" مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ ثم قوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ ٢، ولو حمله على لفظ الغيبة لقال: ﴿مِنْ رَحْمَتِه﴾ . توجيه القراءة الثانية: رفع الفعل على الاستئناف، وبالياء على الغيبة، والإخبار عن الله، وهذا حسن للمشاكلة، وسير الكلام على وتيرة واحدة في الضمائر "يُضْلِل، وَيَذَرُهُم" ويكون تقدير الكلام: من يضلل الله فلا هادي له، ثم استأنف فقال: والله يذرهم. وأما القراءة الثالثة فليس فيها قطع ولا استئناف. ويكون الفعل ﴿وَيَذَرُهُم﴾ معطوفًا على محل جملة جواب الشرط المقترنة بالفاء. ولا يكون في الكلام التفات.

стр. 275

يقول مكي: إن الاختيار ما عليه قراءة أهل الحرفين من الرفع والنون١. المراجع: حجة القراءات ص٣٠٣. الحجة لابن خالويه ص١٦٧. الكشف ج١ ص٤٨٥. النشر ج٣ ص٨٤. قرأ ابن كثير قوله تعالى: "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقي وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" [يوسف: ٩٠] . بإثبات الياء٢. وقرأ الباقون: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ بغير ياء مجزومًا بالشرط. أما حجة ابن كثير٣: هناك من العرب من يجري المعتل مجرى الصحيح فيقول: "زيد لم يقضي" ويقدر في الياء الحركة فيحذفها منها فتبقى الياء ساكنة للجزم، قال الشاعر: ألم يأتيك والأبناء تمني ... بما لاقت لبون بني زياد ولم يقل: ألم يأتك٤، وقال آخر٥: هزي إليك الجذع يجنيك الجني. وكان ينبغي٦ أن يقول: "يجنك الجنى"؛ لأنه جواب الجزاء.

стр. 276

ويقوي هذا قراءة حمزة في قوله تعالى: "فلا تخف دركًا ولا تخشى" [طه: ٧٧] ولم يقل: "تخش" في موضع جزم؛ لأن من العرب من يفعل ذلك، قال: وإن شئت استأنفت: "وَلَا تَخْشَى". وقال نحويو البصرة: يجوز أن يجعل "من يتقي" بمنزلة: الذي يتقي، والموصول كالشرط في العموم والإبهام؛ ولأن كل واحد منهما يصلح دخول الفاء في جوابه فتقول: "الذي يأتني فله درهم" كما تقول: "من يأتني فله درهم". وأما تسكين "يصبر" فيقولون: إما لتوالي الحركات، حركات الباء والراء والفاء والهمزة، أو على أنه وصل بنية الوقف، وإما على العطف على المعنى على الأساس الذي ذكر سابقًا وهو أن مَنْ الموصلة بمعنى الشرطية لعمومها وإبهامها. وأما قراءة الباقين فهي سائرة على المشهور من قواعد النحو؛ لأن "يتق" فعل الشرط مجزوم بـ "من" وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء. السبعة لابن مجاهد. حجة القراءات لابن زنجلة. الكشف لمكي بن أبي طالب. أوضح المسالك لابن هشام ج١ ص٨٠ ت محيي الدين. قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] . قرأ أبو عمرو "إن هذين" بالياء وتشديد النون في "إنّ"، وقرأ الباقون بالألف.

стр. 277

وقرأ ابن كثير وحفص: ﴿قَالُوا إِنْ﴾ بتخفيف"إن" وشدد الباقون الكشف ج٢ ص٦٣. ويختلف ابن كثير عن حفص في تشديد النون من "هذانِّ" حجة أبي زرعة ص٤٥٦. وحجة أبي عمرو أن تثنية المنصوب والمجرور لغة فصحاء العرب، وأبو عمرو مستغن عن إقامة دليل على صحتها. وحجة من خفف "ابن كثير وحفص" أنه لما رأى القراءة وخط المصحف في "هذان" بالألف أراد أن يحتاط بالإعراب، فخفف إن ليحسن الرفع بعدها على الابتداء؛ لأن إن إذا خففت حسن رفع ما بعدها على الابتداء؛ لأن إن إذا خففت حسن رفع ما بعدها على الابتداء لنقصها عن شبه الفعل؛ ولأنها لم تقوَ قوة الفعل، فتعمل ناقصة كما يعمل الفعل ناقصًا في نحو: لم يك زيد أخانا، ومنهم من يعملها وهي مخففة عملها وهي مشددة، فالذي خفف "إن" اجتمع له في قراءته موافقة الخط، وصحة الإعراب في "هذان". فتكون "إن" مهملة مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة أو تقول: إن نافية بمعنى "ما" واللام بمعنى إلا والتقدير: ما هذان إلا ساحران. ويكون تشديد النون عند ابن كثير عوضًا عن الألف الثانية في ﴿هَذَانِ﴾ فتكون "إن" مهملة مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة أو تقول: إن نافية بمعنى "ما" واللام بمعنى إلا والتقدير: ما هذان إلا ساحران. ويكون تشديد النون عند ابن كثير عوضًا عن الألف الثانية في ﴿هَذَانِ﴾ ؛ إذ أصلها: "هذا ان" فحذفت ألف هذان، وعوض عنها بتشديد النون١. وحجة من شدد النون مع بقاء الألف في "هذان" أنها مكتوبة هكذا في الإمام، مصحف عثمان، وهذا مشكل على أهل اللغة، وقد ذكر أبو زرعة ابن زنجلة اختلاف النحاة واللغويين في تفسيره على النحو التالي:

стр. 278

حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب١، وهو رأس رؤساء الرواة: أنها لغة كنانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، ومنه قوله الشاعر٢: تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم وقال الزجاح: وقال النحويون القدماء: ها هنا هاء مضمرة، والمعنى: "إنه هذان لساحران" كما نقول: "إنه زيد منطلق" ثم نقول: "إن زيدٌ منطلق". وقال المبرد: أحسن ما قيل في هذا أن يجعل: "إن" بمعنى "نعم"، المعنى: "نعم هذان لساحران" فيكون ابتداء وخبرًا قال الشاعر٣: ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت: إنَّه أي: نعم. فإن قيل: اللام لا تدخل بين المبتدأ وخبره، لا يقال: زيد لقائم، فما وجه هذان لساحران؟ الجواب في ذلك: أن من العرب من يدخل لام التوكيد في خبر المبتدأ، فيقول: زيد لأخوك، قال الشاعر: خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا وقال الزجاج: المعنى: "نعم هذان لساحران".

стр. 279

وقال قطرب: يجوز أن يكون المعنى: "أجل" فيكون المعنى والله أعلم: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قالوا: "أجل" تصديقًا من بعضهم لبعض، ثم قالوا: "هذان لساحران" ويجوز أن يكون اللام داخلة في الخبر على التوكيد. وقال الفراء في "هذان" إنهم زادوا فيها النون في التثنية وتركوها على حالها في الرفع والنصب والجر كما فعلوا في "الذي" فقالوا: ﴿الَّذِين﴾ في الرفع والنصب والجر١. وللإمام ابن تيمية رأي في تخريج هذه القراءة: وهو أن الإعراب لا يظهر في الواحد وهو هذا فجعل كذلك في التثنية؛ ليكون المثنى كالمفرد؛ لأنه فرع عليه، وبناء المثنى إذا كان مفرده مبينًا أفصح من إعرابه، ثم اعترض على نفسه بأمرين: أحدهما: أن السبعة أجمعوا على الياء في قوله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ ٢، مع أن هاتين تثنية "هاتا" وهو مبني والآخر: أن الذي مبني وقد قالوا في تثنية "الذين" وهي لغة القرآن كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ ٣. وأجاب عن الأول بأن "هاتين" جاءت بالياء على لغة الإعراب لمناسبة "ابنتي"، فالإعراب هنا أفصح من البناء لأجل المناسبة كما أن البناء في ﴿هَذَان﴾ أفصح من الإعراب لمناسبة الألف في "ساحران". وأجاب عن الآخر بأن هناك فرقًا بين "هذان" و"اللذان"؛ إذ الأخير تثنية اسم ثلاثي، فهو شبه بالزيدان، والأول تثنية اسم على

стр. 280

حرفين فهو عريق في البناء لشبهه بالحروف. كما رد ردًّا قويًّا على الخبر المنسوب إلى عثمان ﵁ بما يبطله، وهو قولهم: إن في المصحف لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها١. المراجع: حجة القراءات لأبي زرعة، تفسير ابن كثير ج٣ ص١٥٧. الكشف ج٣ لمكي، شذور الذهب لابن هشام. النشر ج٣ لابن الجزري. قال الله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] . قرأ أبو بكر "شعبة بن عياش" وابن عامر "نُجِّي" بنون واحدة، وجيم مشددة، ونسب ابن خالويه، وابن الجزري هذه القراءة لعاصم. وشعبة من رواة عاصم. وقرأ الباقون بنونين والتخفيف "ننجي". بالنسبة لقراءة شعبة وابن عامر. توجه إليها النقد التالي من الوجهة النحوية: قال الفراء: لا وجه له عندي؛ لأن ما لم يسم فاعله إذا خلا باسم رفع. وقالوا أيضًا في نقدها: نُجِّي لم يسم فاعله، وكان الواجب أن تكون الياء مفتوحة، كما تقول: عزِّي وقُضِيَ.

стр. 281

وقيل في توجيهها: إن هذه القراءة على طريق إخفاء النون الثانية في الجيم، وهذا بعيد؛ لأن الرواية بتشديد الجيم، والإخفاء لا يكون معه تشديد. وقيل أدغم النون في الجيم، وهذا أيضًا لا نظير له؛ لأن النون لا تدغم في الجيم في شيء من كلام العرب لبعدما بينهما. يقول مكي١: وإنما تعلق من قرأ هذه القراءة أن هذه اللفظة في أكثر المصاحف بنون واحدة، فهذه القراءة إذا قرئت بتشديد الجيم، وضم النون، وإسكان الياء غير متمكنة في العربية". وكان أبو عبيد٢- يختار هذه القراءة اتباعًا للمصحف على إضمار المصدر بقيمة مقام الفاعل، وينصب المؤمنين، ويسكن الياء في موضع الفتح، ويرى مكي أن هذا كله قبيح بعيد، كما اختار أن يكون أصله "ننجي" ثم أدغم النون في الجيم، وعلق مكي على ذلك بأنه غلط قبيح؛ لأنه لا يجوز الإدغام في حرف مشدد كما لا يجوز إدغام النون في الجيم عند أحد٣، وعلى الاختيار الثاني لأبي عبيد يكون "نجي" فعل مضارع، وعلامة الاستقبال سكون الياء٤. واحتج بعضهم لهذه القراءة بأن "نجي" فعل ماض، مبني للمجهول، ثم سكنوا الياء، وتأويله: "نجى النجاء المؤمنين" فيكون "النجاء" مرفوعًا على أنه نائب عن الفاعل، والمؤمنين مفعول به، كما تقول: "ضرب الضرب زيدًا" ثم يكنى عن الضرب، فتقول:

стр. 282

"ضرب زيدًا"، وحجتهم قراءة جعفر: ﴿ليجزى قوما بما كانوا﴾ ١، أي ليجزى الجزاء قومًا٢. وأما قراءة الباقين: ننجي بنونين، فهو فعل مضارع من: أنجى ينجي، والمؤمنين مفعول به، وكتبوا في المصاحف بنون واحدة على الاختصار، على اجتماع المثلين في الخط، ولأن النون الثانية تخفى عند الجيم بلا اختلاف، واختار ابن قتيبة هذه القراءة٣. المراجع: الكشف ج٢ حجة القراءت لابن زنجلة، الحجة لابن خالوية، النشر ج٣. قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] . قرأ أبو عمرو "فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ" بإثبات الواو في "أكون"، ونصبها. وقرأ الباقون: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ بحذف الواو والجزم "أكن". توجيه القراءة الأولى: "أكون" منصوبة بالعطف على ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ ؛ لأن "فأصدق" منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء، لوقوعها في جواب التمني، فهو محمول على مصدر "أخرتني"٤.

стр. 283

وحجة من جزم أنه عطف على موضع "فَأَصَّدَّقَ"؛ لأن موضعه قبل دخول الفاء فيه جزم؛ لأنه جواب التمني، وجواب التمني إذا كان بغير فاء ولا واو مجزوم؛ لأنه غير واجب، ففيه مضارعة للشرط وجوابه، فلذلك كان مجزومًا، كما يجزم جواب الشرط، ويعطف عليه بالجزم كقراءة من قرأ: "مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرْهُم" لما كان "فلا هادي له" في موضع فعل مجزوم، حمل: "يذرهم" عليه، وكأن الأصل في الآية: "لولا أخرتني أتصدقْ وأكن" كما قال الشاعر١: فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا ففي هذا البيت جزم "استدرجْ" عطفًا على موضع "أصالحكم" قبل دخول لعل عليه ومعناه: فأبلوني بليتكم أصالحكم. المراجع: حجة القراءات لابن زنجلة ص٧١٠. الحجة لابن خالويه ص٣٤٦. الكشف ج٢ ص٣٢٢- ص٣٢٣. النشر ج٣ ص٣٣٥. قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] . قرأ أبو عمرو "مما خطاياهم" مثل قضاياهم. وقرأ الباقون: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ .

стр. 284

وحجة أبي عمرو أن الخطايا أكثر من الخطيئات؛ لأن جمع المؤنث بالتاء في الأغلب من كلام العرب أن يكون للقليل مثل نخلة ونخلات، وبقرة وبقرات. قال الأصمعي: كان أبو عمرو يقرأ "خطاياهم" ويقول: إن قومًا كفروا ألف سنة كانت لهم خطيئات؟ لا، بل خطايا. كأن أبا عمرو يذهب إلى أن الألف والتاء للجمع القليل، و "خطايا" جمع تكسير يفيد الكثرة. كما احتج بإجماع القراء في سورة البقرة على: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ١. والأصل في: "خطايا" خطاءا على وزن "خطاعي"٢ ثم لينت الهمزة فقيل خطايا. وقال الفراء: هو جمع خطية على تخفيف الهمزة. وحجة الباقين رسم المصحف الذي جاء على صيغة جمع السلامة للمؤنث. وقالوا: إن الألف والتاء تكون للقليل والكثير، وإليه ذهب الكسائي؛ لأن الله قال: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه﴾ ٣، وقال: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ﴾ ٤. ولابن كيسان رأي في توجيه الآية يقول فيه: "ما" نكرة في موضع

стр. 285

خفض بمن، و"خطيئاتهم" بدل من "ما" كأنه قال: من عمل خطيئاتهم١. المراجع: حجة القراءات لابن زنجلة. الحجة لابن خالويه. الكشف ج٢. النشرج٣.
следующие страницы →