من غير يمين؛ فإن يدعي عليه، ثم لا تؤول تلك الدعوى إلى يمين، فما مستند الغزالي في وضعه الوجهين في سماع الدعوى.
الثاني: قال الغزالي -في الوسيط- لكنهم لو نكلوا جميعًا أشكل اليمين المردودة على الدعوى المبهمة. انتهى.
ولم يذكره الرافعي في "الشرح" ولم يبين ابن الرفعة في "المطلب" حال هذا الكلام، وكان ذلك لوضوحه عنده.
وحاصله: أن النكول يقتضي اليمين المردودة، ولا سبيل إليها هنا؛ لأنه لم يعرف عين القاتل ليحلف أنه هو؛ فأورد الغزالي هذا الإشكال على ما يصحح سماع الدعوى المبهمة -ولعله- من أجله- لم يفصح في "الوسيط" بتصحيحها، وإن كان في "الوجيز" صححها.
وأنا أقول: هذا الإشكال مندفع.
أما إن قلنا: بأن النكول في القسامة لا يقتضي رد اليمين -وهو وجه مفرغ على القول باقتضاء القسامة في القصاص [فواضح] ١؛ إذ ليس كل نكول -والحالة هذه- مقتضيًا لرد اليمين.
وإما إن قلنا بالرد -وهو الصحيح- فأقول: لا رد هنا ولا إشكال؛ فرب ناكل لا ترتد اليمين -بعد نكوله- على المدعي؛ ألا ترى أن ولي الصبي إذا ادعى له بشيء، وطلب يمين المدعي به ونكل؛ فإن الولي لا يحلف.
فإن قلت: لأنا ننتظر بلوغ الصبي فنحلفه، ولا كذلك فيما نحن فيه.
قلت: بل ننتظر أيضًا أنه يعين القاتل ثم يحلف، ونقول له: عين من اتهمت واحلف.
فإن قلت: لو عينه [كان] ٢ مجددًا دعوى غير تلك الدعوى، والتحليف -حينئذ- فيها لا في تلك.
قلت: بل يحلف في تلك الدعوى بعينهما، ولا يكلف دعوى مجددة؛ لأن التعيين لا ينافي الإبهام، كما أن الإطلاق لا ينافي التفصيل.
والصحيح المنصوص أنه إذا أطلق الدعوى يستفصله القاضي ولا يعرض عنه بل
стр. 457
يقول: أعمدًا قتلته أم خطأً؟ أمنفردًا أم يشاركا لغيره؛ فدل أنه لا منافاة، ولو نافى التعيين والتفصيل الإبهام والإطلاق. لم يسمعها لمناقضة الدعوى الثانية للأولى.
الثالث: الخلاف في الدعوى المبهمة يجري في دعوى -الغصب والإتلاف والسرقة وأخذ الضالة- على أحد الرجلين أو الثلاثة، ولا يجري في دعوى القرض والبيع وسائر المعاملات، وقيل: يجري فيها أيضًا، وقيل: بل هو مقصور على دعوى الدم؛ [فهي] ١ ثلاث طرق.
قاعدة: ذكرها الإمام في "النهاية" في باب القسامة: كل يمين لا يمين بعدها في مراتب الخصومات فالنكول عنها هل يبطل حق الناكل؟
فيه خلاف، ومن ثم إذا ردت اليمين على المدعي فامتنع؛ فيسأله القاضي عن سبب امتناعه؛ فإن لم يتعلل بشيء، أو قال: لا أريد أن أحلف فهذا النكول يسقط حقه في اليمين، وهل يتمكن من استئناف الدعوى وتحليفه في مجلس آخر حتى إذا نكل حلف المدعي أو لا يتمكن من ذلك ولا ينفعه إلا البينة؟ فيه وجهان: قال العراقيون والهروي أبو سعد والروياني بالأول، وقال الإمام والغزالي والبغوي بالثاني؛ قال الرافعي: وهو أحسن وأصح لئلا تتكر الدعوى في القضية الواحدة.
قاعدة: ذكرها الإمام في باب الدعوى والقسامة قال الأصحاب: الأصل أن من نكل عن يمين في خصومته لا يحلف تلك اليمين -بعينها- في ذلك المقام من تلك الخصومة.
وهل يحلف في مقام آخر من تلك الخصومة مع اتحاد المقصود؟ فيه خلاف، ومن ثم لو علل المدعي امتناعه عن اليمين بعذر، ثم عاد بعد مدة ليحلف، مكن منه وإن [تعلل] ٢ أو صرح بالنكول؛ فقال الغزالي والبغوي: يبطل حقه من الحلف. وليس له العود واستمر العراقيون على أن له العود.
فلو أقام شاهدًا واحدًا في دعوى مال ولم يحلف معه؛ فحلفنا المدعي عليه فنكل؛ فهل ترد اليمين على المدعي وقد امتنع عن اليمين مع الشاهد؟ فيه قولان:
وكذلك إذا لم يكن -في دعوى المال- شاهد فرددنا اليمين على المدعي بعد نكول المدعى عليه فنكل عن يمين الرد، ثم أقام شاهدًا وأراد أن يحلف مع شاهد فهل له ذلك؟ فيه قولان:
стр. 458
قاعدة:
ذكرها الإمام [في النهاية] ١ في باب دعوى الدم، وقال: إنها ضابط تمس الحاجة إلى ذكره "كل نكول يتعلق به حق حلف حالف بعد النكول إذا طهر فلا عود من الناكل".
ومن ثم إذا أراد المدعي عليه -بعد الامتناع- أن يعود فيحلف؛ فإن كان بعد أن حكم القاضي بأنه ناكل أو قال المدعي: احلف لم يكن له الحلف، وإن أقبل عليه ليحلفه ولم يقل له -بعد- احلف، فوجهان.
وإن لم يكن "شيء من ذلك؛ فله الحلف؛ حتى لو هرب المدعي عليه قبل أن يحكم القاضي بأنه ناكل وقبل عرض اليمين على المدعي، لم يكن للمدعي أن يحلف اليمين المردودة، وكان للمدعي عليه أن يحلف إذا عاد.
قاعدة:
لا يقضي بالنكول واستثنى مسائل:
منها: الصبي يستأسر ويوجد قد أنبت ويدعي الاستعجال بالدواء، ونقول الإنبات علامة البلوغ؛ فيحلف، فإن نكل جاز قتله.
منها: الذمي يسلم ويدعي أن إسلامه قبل السنة فلا جزية فيحلف فإن نكل أخذت منه ومن مات من غير وارث فادعى له الإمام بدين فنكل المديون، لزمه الدين.
ومنها: إذا ادعى رب المال أنه لا زكاة عليه ونكل، لزمته.
ومنها: إذا ادعى ولد المرتزق البلوغ لينزل في الديوان وحلف فنكل لم ينزل.
واعلم أنه لا يصح استثناء شيء من هذه الصور، وقد عد الجرجاني -في المعاياة- سبع مسائل وقال في أولها: "يحكم على الناكل بأصل الوجوب لا بالنكول؛ فأشار إلى أنه لم يقع بنكول. وهو الصواب.
قاعدة:
قال الرافعي ﵀ في باب الدعوى والبينات: "الحالف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة".
وقل قيل: من توجهت عليه دعوى لو أقر بمطلوبها ألزم به؛ فإذا أنكر حلف عليه وقبل منه، ولا بد من استثناء صور عن هذا الضابط. انتهى.
والعبارة الثانية -وهي قوله: "وقد قيل" إلى آخره- يحتمل شرحا للعبارة الأولى؛ لأن الدعوى الصحيحة هي التي لو أقر بمطلوبها ألزم به، وهذا ما فهمه الوالد ﵀، واستدل عليه بثلاثة أمور.
стр. 459
أحدها: قوله "وقد"؛ فإنها ليست العبارة المألوفة في ذكر الخلاف.
والثاني: قوله: "عن هذا الضابط" وما قال الضبطين.
والثالث: اقتصاره -في "المحرر" قلتك وكذلك في الشرح الصغير- على العبارة الثانية؛ فلو كانت عنده ضعيفة لما اقتصر عليها.
ويحتمل أن يكون خلافا، وهذا ما فهمه النووي -إن كان في المنهاج اتبع المحرر، ويدل على أنه فهم ذلك قوله -في الروضة- وقيل: "كل من توجهت" إلى آخره؛ فحذف لفظ "قد" تصريحًا بالخلاف، ويؤيده أن الإمام ذكر -عن القاضي الحسين ضابطًا فيما يجري فيه التحليف، وحاصله أنه حكى وجهين:
أحدهما: أن حده أن يدعي حقا.
والثاني: أن ينفي دعوى ما لو أقر به ليقع إذا كان لا يؤدي إلى فساد احترازًا عن منع تحليف الشاهد والقاضي.
فلعل قول الرافعي: "وقد قيل" -إشارة إلى هذا الوجه الثاني.
ثم يستثنى مسائل لا تحليف فيها مع صحة الدعوى وكونها لو أقر بمطلوبها ألزم....
قاعدة:
قال الرافعي: "كل مكلف حنث في يمينه لزمته الكفارة حرًّا كان أو عبدا". قال ابن الرفعة -في المطلب- وكذا قاله الغزالي قلت: والرافعي أيضًا.
قال ابن الرفعة: ويطرقه سؤال؛ فإنه يقتضي اعتبار التكليف -حالة الحنث- في إيجاب الكفارة، ولا نعلم خلافًا فيمن خلف على عبده لا يدخل الدار فجن الحالف ثم دخل العبد، أنه يحنث، كما لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق فجن ثم دخلت، ثم لو كان ذلك معتبرًا لكان مخالفًا لقوله -أول الباب- "إن سبب وجوب الكفارة اليمين"؛ فإن السبب إذا وجد في حالة التكليف لا يقدح في العمل به وجود شرطه حال عدم التكليف.
والأصحاب حكوا قولين أو وجهين في أن الاعتبار في تعليق الطلاق والعتق بحالة التعليق -كما هو الصحيح- أو بحالة وجود الصفة، ولم يختلفوا فيما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر في حال جنون السيد، أنه يعتق -كما ستعرفه في التدبير، وما نحن فيه مثله.
стр. 460
نعم [يتجه] ١ ذلك على قول أبي حنيفة -الذي حكيناه وجهًا لبعض الأصحاب أن السبب الحنث"؛ فإذا وجد حال الجنون أمكن أن لا يؤثر، وكذلك إذا قلنا السبب اليمين والحنث.
والذي يظهر -أنا وإن قلنا وبذلك- فلا أثر له أيضًا؛ لأن إيجاب الكفارة- على هذا -من باب الوضع والإجبار كغرامة المتلفات وأروش الجنايات". انتهى.
قاعدة: "من حلف على فعل نفسه حلف من البت، وإن حلف على فعل غيره فإن كان على إثبات فكذلك، وإن كان على نفي حلف على نفي العلم.
قال الرافعي: وقد يختصر فيقال: اليمين على البت إلا أن يحلف على نفي فعل غيره.
ويستثنى مسائل ليس منها شيء -عند التأمل- يستثنى؛ وإنما ذكرناها لما يقع في الذهن من كونها مستثناة.
منها: لو ادعى على رجل أن عبدك جنى علي بما يوجب كذا؛ فأنكر فالأصح يحلف على البت؛ لأن عبده ماله، وفعله كفعله.
ولو ادعى أن بهيمتك أتلفت لي زرعًا أو غيره -حيث يجب الضمان- فأنكر حلف على البت؛ لأنه لا ذمة لها والمالك لا يضمن بفعل البهيمة؛ بل بتقصيره في فعلها، وهو أمر يتعلق بفعل الحالف.
ومنها: لو نصب البائع وكيلًا ليقبض الثمن ويسلم المبيع فقال له المشترى: إن موكلك أذن لي في تسليم المبيع، وترك حق الحبس -وأنت تعلم- فأحد القولين: إنه يحلف على البت، واختاره أبو زيد؛ لأنه يثبت لنفسه استحقاق اليد على المبيع.
وأقواهما -عند النووي- أنه يحلف على نفي العلم جريًا على القاعدة.
ومنها: لو مات عن ابن -في الظاهر- فقال آخر: أنا أخوك والميراث بيننا؛ فأنكر حلف على البت؛ لأن الأخوة رابطة بينهما؛ فهو حلف [لنفسه] ٢.
ولو طالب البائع بتسليم المبيع -فادعى حدوث عجز عنه وقال- للمشتري: أنت أعلم به؛ فأنكر، حلف على البت؛ لأنه يستبقي بيمينه وجوب تسليم المبيع إليه.
هكذا ذكر الصورتين ابن القاص ونازعه آخرون وقالوا: يحلف على نفي العلم وصححه النووي.
стр. 461
ومنها: ادعى -على الوارث- دينا على الميت؛ فأنكر الوارث العلم به، فأوجه
أصحها: يحلف على نفي العلم جريًا على القاعدة.
والثاني: على البت؛ لأن الظاهر اطلاعه عليه.
والثالث: الفرق بين تعهده حاضر أو غائبًا.
ومنها: إذا علق طلاقها على كون الطائر غرابًا؛ فادعت أنه كان غرابًا، وأنها طلقت؛ فعليه أن يحلف على البت، أنه لم يكن غرابًا، ولا يكفي أن يقول: لا أعلم كونه غرابًا أو نسيت الحال.
قال الرافعي: "ذكره الإمام، وفرق بينه وبين ما إذا علق طلاقها على دخولها ودخول غيرها، وأنكر حصوله؛ حيث يكون الحلف على نفي العلم بالدخول بأن الدخول -هناك- فعل الغير [والحلف على نفي الغير] ١ يكون على [نفي] ٢ العلم، ونفي الغرابية ليس كذلك بل هو نفي صفة في الغير، ونفي الصفة كثبوتها في إمكان الاطلاع، وإذا كان الشيء مما يطلع عليه -في الجملة-[لم] ٣ تغير القاعدة بأن يفرض بعذر أو عسر.
ولم يحك الغزالي -في الوسيط- وجه الفرق بل ذكر الحلف -على البت- في مسألة الغراب، وعلى نفي العلم في مسألة الدخول ثم قال: "هكذا قال إمامي وليس يتبين لي فرق بينهما أصلًا؛ بل ينبغي أن يقال -عليه- يمين جازمة، أو نكول في المسألتين جميعا.
ولم يحك الرافعي كلام الغزالي هذا كأنه اكتفى بما ذكره من الفرق.
وتكلم ابن أبي الدم -في كتاب أدب القضاء- على كلام الغزالي، وقال: من العجب توجه بالعجز عن الفرق بين المسألتين، وعندي الفرق بينهما ظاهرًا جدًّا، وذكر ما حاصله أن الدخول فعل الغير؛ فيحلف نافية على نفي العلم، وكون الطائر غرابًا ليس فعل الغير، بل هو تعليق على كون هذا الطائر المشاهد موصوفا بصفة كونه غرابا وإذا لم يكن تعليقا على فعل الغير، بل تحقق حقيقة كونه غرابًا حلف على من نفي تلك الصفة الحقيقية على البت بأن هذه الصفة لم توجد قال: "ونظير قوله: إن كان هذا الطائر غرابًا بعد مشاهدته والجهل بحقيقته تحقق دخول أحد.
стр. 462
رجلين إلى الدار والجهل بعينه؛ فيقول: إن كان هذا الرجل الكائن في الدار زيدا فأنت طالق، فنافى كونه زيدًا -بخصوصه- يحلف على البت كنظيره في مسألة الغراب، ونظير مسألة الدخول من الغراب أن يعرف كون الواقف غرابًا، ثم يفقده ويجهل هل طار أو مات، وكان قد حلف على طيرانه؛ فالنافي لطيرانه هنا يحلف على نفي العلم "انتهى ملخصًا، [وهو حاصل ما ذكره الرافعي] ١.
واعلم أن هذا الإمام الغزالي أجل قدرًا من أن يخفي عليه مثل هذا الفرق والإمام أبو المعالي أرفع مقدار من أن يفرق حيث لا فرق، والتمهل في النظر بين كلام هذين الحبرين أولى من المبادرة، وأرى أن....٢.
قاعدة: قال ابن القاص تجب اليمين في كل حق لابن آدم إلا في أربعة مواضع.
قلت: ومراده أن من قبل قوله في شيء كان عليه اليمين إذا طلبت منه إلا في مسائل، ولعل تعبيره -بحق لابن آدم- أصح لما سنبينه.
ولنفتتح بالأربع التي ذكرها ابن القاص.
منها: القاضي إذا ادعى عليه -بعد العزل- الحكم بباطل، وادعى عليه بقيمة المتلف؛ فأنكر؛ فلا يمين عليه، قاله الشافعي ﵁ أيضًا.
والشاهد إذا ادعى عليه أنه شهدًا زورًا. وادعى عليه قيمة المتلف؛ قاله ابن القاص تخريجًا.
ولو ادعى رجلان زوجية امرأة فأقرت لأحدهما ولم تحلف للآخر.
ولو ادعى عليه بشيء فقال: هو لولدي الصغير.
هذه الأربع التي ذكرها ابن القاص، وحكى في الثالثة والرابعة قولًا قديمًا.
ومنها: لو قال: له شيء، ثم فسره بما لا يتمول -كقشر فستقة؛ فالصحيح يقبل قوله؛ ولكن بيمينه على القاعدة، ونص عليه الشافعي ﵁ هنا وصرح به الشيخ الإمام، وحاول ابن الرفعة إثبات وجهين، ولم يتعرض الرافعي لذكر اليمين رأسًا.
ومنها: لو اختلف البائع والمشتري في عيب لا يمكن القول بقدمه كجراحة طرية، وقد جرى البيع والقبض من سنة؛ فالقول قول البائع في أنه حدث عنه عند المشتري بلا يمين.
стр. 463
ولو كان مما لا يمكن حدوثه -كأصبع زائدة وقد جرى البيع أمس- فالقول قول المشتري في قدمه. كذا أطلقوه، وينبغي أن يكون بلا يمين على قياس الجراحة الطرية.
قلت: وكان عدم اليمين هنا؛ لأن التكليف بها عبث للعلم بمضمون الحال فكأنه لا حق للمدعي فيما ادعاه لا ظاهرًا ولا احتمالًا، ومن هنا استحسن قول ابن القاص: "يجب اليمين في كل حق لابن آدم"؛ فلا ينبغي أن يستثنى إلا [ما هو] ١ خارج من حق، ولو في الظاهر"....
قاعدة:
كل يمين قصد بها الدفع لا يستفاد بها الجلب، "وقد يقال": كل يمين كانت لدفع شيء [لا تكون] ٢ لإثبات غيره. وفي القاعدة مسائل:
منها: إذا ادعى العنين أو المولى الوطء، وأنكرت المرأة فهو المصدق بيمينه؛ فإذا طلقها -بعد ذلك- وقال: هذا طلاق بعد المسيس؛ فإنكم صدقتموني أني وطئتها، وأراد الرجعة وهي على إنكار الوطء، قال ابن الحداد وأكثر الأصحاب. لا يمكن من الرجعة والقول قولها فإن يمينه في الوطء كانت لدفع الفسخ فلا يستجلب به الرجعة.
ومنها: إذا ادعى المودع تلف الوديعة عنده، وأنكر المودع التلف فصدقنا المودع المودع، وقال: قد صدقتموني في التلف عندي وهو الذي أوقعني في هذا الغرم؛ فإنا لا نمكنه من الرجوع، بل إذا حلف المودع على أن الوديعة لم تتلف عنده وهو خائن يستقر الضمان على المودع، ولا يلزم من تصديقه لدفع الضمان عن نفسه تصديقه لإثبات الغرم على غيره.
ومنها: لو وجدنا دارًا في يد اثنين ادعى أحدهما أنها له، والآخر أنها بينهما نصفين وصدقنا الثاني بيمينه؛ لأن اليد تشهد له، ثم باع مدعي الكل نصيبه من ثالث؛ فإن أراد الآخر أخذ بالشفعة وأنكر المشتري ملكه؛ فإنه يحتاج إلى البينة، ويمينه، في الخصومة مع الشريك، أفادت دفع ما يدعيه الشريك لا إثبات الملك له.
قد جمع الرافعي هذه النظائر في باب الإيلاء، وذكرها الشيخ أبو علي في شرح الفروع في باب الوكالة وزاد نظائر أخرى، ونحن نوردها فنقول:
ومنها: وكل رجلًا في البيع وقبض الثمن؛ فادعى الوكيل الإقباض وأنكره الموكل صدق الموكل بيمينه.
стр. 464
ولو خرج المبيع بعد ذلك مستحقًا ورجع الوكيل على المشتري بالثمن لم يكن للوكيل أن يرجع على الموكل بنظير الثمن بناء على مالك الثمن؛ لأن يمينه -تلك- كانت لدفع الغرم عنه؛ فلا تصلح لشغل ذمة الموكل، بل القول -الآن- قول الموكل في عدم القبض مع يمينه.
وهذا الفرع من مولدات ابن الحداد، وقد فرع عليه ما- نذكره عقيبه.
ومنها: إذا قال المشتري: العيب قديم وقال البائع: حادث؛ فصدقنا البائع بيمينه ثم جرى بعده الفسخ بتحالف وأخذ البائع يطالب المشتري بأرش العيب الذي أثبت حدوثه بيمينه، لم يكن له؛ لأن يمينه صلحت للدفع فلا تصلح لشغل ذمة الغير؛ بل للمشتري الحلف بأنه ليس بحادث الآن لدفع الأرش.
هذا تمام ما ذكره الشيخ الإمام أبو علي، وهذان الفرعان ذكرهما ابن الحداد، وكذلك الفرع الأول.
ومنها: قذف رجلًا فطالبه بحد القذف فطلب [القاذف] ١ يمينه على نفي كونه زانيًا فنكل ورد اليمين على القاذف؛ فحلف القاذف أنه زنى اندفع عند حد القذف ولم يجب على المقذوف حد الزنا سواء قلنا: يمين الرد كالإقرار أو كالبينة؛ لأن اليمين كانت لدفع حد القذف عنه لا لإثبات الزنا على المقذوف.
ومنها: ما في الرافعي عن فتاوى البغوي من أنه لو تزوجها بشرط البكارة فوجدها ثيبًا ثم اختلفا فقالت: كنت بكرا فاقتضني وقال: بل كنت ثيبًا؛ فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ وقوله لدفع كمال المهر.
ومنها: في مسألة الخياط الذي دفع إليه ثوبًا ليخيطه فخاطه قباء وقال للمالك؛ كذا أمرتني، وقال المالك: بل أمرتك بقميص.
إذا فرعنا أن القول قول الخياط فحلف فلا أرش عليه قطعًا ولا أجرة له على الأصح، وفي الوجه الآخر له الأجرة إتمامًا لتصديقه.
فإن قلت: لكن قالوا -تفريعًا على المذهب وهو أن القول قول المالك "أنه إذا حلف لا تلزمه الأجرة ويلزم الخياط أرش النقص على المذهب وقضية ما ذكرتموه أن لا يلزم الخياط أرش النقص.
стр. 465
قلت: فرق الأصحاب بأن القطع يوجب الضمان ما لم يكن بإذن وهو غير موجب للأجرة إلا بإذن.
قاعدة:
"كل ما جاز للإنسان أن يشهد به جاز له أن يحلف عليه ولا ينعكس".
قاله الجرجاني والروياني، واستدلا بأن [باب] ١ اليمين أوسع إذ يحلف الفاسق والعبد ومن لا تقبل شهادته ثم لا يشهدون.
وفيه مسائل:
منها: إذا أخبره صادقان أن فلانًا قتل أباه أو غصب ماله جاز له أن يحلف ولا يشهد.
ومنها: لو رأى بخطه أن له دينًا على رجل أو أنه قضاه حقه؛ فله الحلف إذا قوي عنده ولا يشهد.
قاعدة:
"كل حر يقبل خبره تقبل شهادته".
قال الجرجاني: "إلا واحدا، وهو من أخرج القذف مخرج الشهادة ولم يتم العدد؛ فإنه ترد شهادته ويقبل خبره" وتبعه الروياني في كتاب الفروق وهو غريب لم أجده في غير كلامهما.
وقضية رد شهادته أنه يرد خبره أيضًا إلا أن يتوب. نعم المذهب أنه لا يشترط مدة الاستبراء ثم قولهما: "كل حر" إلى آخره لا ينتقض بالصبي؛ فإن الأصح أنه لا يقبل خبره كما لا تقبل شهادته.
فصل:
من الكلمات الدائرة -في الفقه والأصول- أن الجرح مقدم على التعديل.
لم يستثن أكثر الأصحاب من هذا إلا إذا قال المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح؛ لكنه تاب منه وحسنت حالته. قالوا: فتقدم بينة التعديل لأن معها زيادة علم؛ لكنهم، وإن لم يصرحوا باستثناء عين هذه الصورة؛ فقد صرحوا بمأخذ المسألة [التي] ٢ يدور معه حكم تقديم الجرح على التعديل، والتعديل على الجرح فإنهم قالوا -على اختلاف طبقاتهم: إن الجارح إنما قدم لما عنده من الزيادة على ما خفي على المعدل؛ وذلك لأن المعدل بيني على ما هو الأصل الظاهر من حال المسلم، والجارح اطلع على ما نسخ ذلك الأصل ونقل عنه.
стр. 466
وشبه ذلك جماعات -من متقدميهم القاضي الحسين ومن متأخريهم الرافعي- بما لو قامت بينة على الحق وبينة على الإبراء تقدم بينة الإبراء.
واستثنى القاضي الروياني -في البحر- من تقديم الجرح مسألة زعم أنه لا يستثنى سواها [وهي] ١ إذا جرحه اثنان في بلد، ثم انتقل إلى بلد آخر وزكاة اثنان، أو جرحه اثنان في سنة، ثم زكاه آخر في سنة فيقدم التعديل لزيادة العلم.
وهذه الصورة إن ضممتها إلى المسألة السابقة وجريت على ظواهر الفقه دون دقائقه بادرت إلى القول بأن الجرح مقدم إلا في مسألتين.
ثم لمانع أن يمنع كون الانتقال إلى بلد آخر يزيد علما؛ بل إن حصلت زيادة فهي بالمدة التي تخللت بين بلدي الجرح والتعديل فيحتمل صلاح حاله بعدها.
ولم يكن غرضنا من ذكر هذه [الصور] ٢ إلا تعريفك أن المأخذ هو الذي عليه المعول، وكذلك اعتقاد الروياني، ولا بد أن يكون له قدوة في هذه المسألة أن مع التعديل في هذه المسألة زيادة علم قدم التعديل؛ فدل على أن الحكم دائر مع زيادة العلم.
وعند هذا نسمح بذكر ما اقتضاه النظر من تدقيق الفقه؛ فإن هذه المسألة مهمة كثيرة الوقوع -أعني تعارض الجرح والتعديل.
فأقول: فهما عن الشافعي والأصحاب ﵃ واعتقاد أنه الصواب، وأسأل الله أن يحميني من الغلط فيه والوهم عليهم: لا يقدم إلا ما فيه زيادة علم فكل ما تضمن زيادة علم قدم -سواء الجرح والتعديل غير أنه لما كان الغالب على الجرح أنه ناقل وعلى التعديل أنه استصحاب أطلق القول بتقديم الجرح لذلك، ثم لم يطلق إطلاقا بل أشير فيه إلى العلة التي يدور معهما الحكم كما عرفت.
وصح باستثناء الصورتين اللتين نقلناهما. وليس الأمر مقصورا عليهما، ولا قول المعدل: "عرفت السبب الذي ذكره الجارح؛ لكنه تاب منه" بشرط؛ بل يكفي المعدل أن يخصم قول الجارح بعد اطلاعه عليه بأن يقول: هو عدل ولا يقدح فيه قول هذا الجارح، ويقبل هذا منه ويندفع به الجرح إذا كان ممن يعلم أن الجرح -عند الإطلاق- يقدم على التعديل ويحمل على واحد من أمور التوبة بما جرح به أو عداوة الجارح له
стр. 467
المانعة من قبول قول عليه، أو اعتقاد أن الجارح واهم عليه أو كاذب وغير ذلك من الاحتمالات وهي كثيرة جدا.
والحاصل: أنه متى عرفنا أن المعدل لم يبين على الأصل بل على غيره قدمناه، فالدوران على الناقل وليس لخصوصية الجرح، ولا يستطيع أحد أن يقول -فيمن بجرح زيد لكونه سكر في اليوم الفلاني بدمشق وعارضهما شاهدان بأنه في اليوم المذكور كان بمصر: أن بينة الجرح تقدم، وهذا أوضح من أن يخفى.
وهنا ثلاث مسائل يضطر الناس إليها:
أحدها: لو شهد شاهدان أن هذا الجارح شهد زورا وكاذب فيما شهد به من الجرح، فالظاهر -عندي- أنه يكتفي بهذا ويندفع به الجرح، ولكن لا يتجرح به الجارح، وهذا توسط بين كلامين مطلقين لطائفتين من الأصحاب.
فإن قلت: فقد ذكر الرافعي -في جوامع أدب القضاء- أن شهادة الزور إنما تثبت بإقرار الشاهد، أو بيقين القاضي، بأن شهد أنه زنى بيوم كذا بالكوفة والقاضي رآه ذلك اليوم ببغداد، ولا يغني قيام البينة على أنه شهد زورا، فقد تكون هذه البينة بينة زور.
قلت: هذا موافق لما قلت من أنه لا ينجرح به الجارح، ولم يقل الرافعي ولا أحد -فيما علمت- أن الجرح يستمر، ولا يلتفت إلى الشاهد بأن الجارح شاهد زور، بل نص الشافعي ﵁ يدل على أنه تثبت شهادة الزور بالبينة، إذ قال ﵁: "وإذا علم من رجل -بإقراره أو بينة- أنه شهد عنده بزور عزره" وعليه جرى جماهير المتقدمين من الأصحاب، وهي الطائفة التي أشرنا إلى أن إطلاقها يقتضي الاكتفاء بقوله: هذا شاهد زور ويجرح به الجارح، وتبعهم صاحب البيان.
لكن قال القاضي الحسين [في تعليقه] ١ في باب ما على القاضي في الخصوم والشهود "ولو شهد بأن ذينك الرجلين شهدا بالزور فالقاضي لا يسمع شهادتهما إلا أن يقولا يشهد أنهما أقرا أنهما شهدا بالزور".
وهذا القاضي رأس الطائفة التي قلنا: إن إطلاقها يقتضي رد هذا الكلام ولعل الرافعي جرى مع هذه الفرقة لكنهم لم يصرحوا بأن حكم الجرح يثبت معها وإنما أرادوا أن الشهادة لا تسمع لإثبات كون الشاهدين شهدا بالزور، ولعلها تحمل النص على ما إذا
стр. 468
شهدت البينة على إقراره بالتزوير كما ذكره القاضي الحسين. أو على بينة كشفت الحال كشفًا، ولم تطلق القول إطلاقًا، وأما أنها لا تدرأ عن الشهود عليه ما شهد عليه به -ولا ينبغي أن يرتاب في ذلك.
الثانية: وهي مما يؤيد التوسط الذي قلناه -قول الأصحاب: "الجرح لا يقبل إلا مفسرًا" يعنون لا يقبل لإثباته؛ وإلا فإذا أطلق الجارح جرحه، ولم يبين السبب توقفنا لأجله ولم نحكم بمقابله.
صرح به النووي في شرح مسلم وغيره، وهو دليل على قولنا فيمن شهد أنه شاهد زور أنه يتوقف في شهادته لأجلها ولم نحكم بأنه شاهد زور.
ورأيت في الإشراف -للقاضي أبي سعد الهروي: "أن الشاهد إذا قال أنا مجروح قبل قوله، وإن لم يفسر"؛ فهذه تستثنى من قولهم: "لا يقبل الجرح إلا مفسرا، وفيها -عندي- وقفة".
الثالثة: ليس كل عدل يقبل قوله في الجرح، وإن فسره بل ينبغي التفحص في أمره والكشف عما لعله بينه وبين المشهود عليه من عدواة أو منافسة تحمل إما على شهادة الزور أو على الظن بمجرد السماع -مع حب أذى المشهود عليه- أو غير ذلك من الأغراض التي كثرت في هذا الزمان.
وقد تكلمنا في كتابات الطبقات الكبرى في الطبقة الثانية في ترجمة أحمد بن صالح المصري١ -على هذا كلامًا حسنًا.
والحاصل: أن كلام النظير في النظير أو من يقاربه، وكذا من ينتمي إلى النظير يجب التوقف فيه جدًّا إلى أن يتضح غاية الاتضاح. وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين
стр. 469
ابن دقيق العيد١ أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها طائفتان من الناس -المحدثون والحكام".
واشترط الوالد ﵀ في العدل أن يكون بريئًا عن الأغراض بحيث لا يحمله الهوى. ومن أهم ما يتعين الاعتناء به أمور العقائد؛ فلقد حملت كثيرًا من الناس على الوقيعة في كثير منهم؛ فإن اختلافها أوجب العداوة بين أهلها، لتعصب أرباب كل عقيدة لها، وفي أرباب الأهواء من يرى الكذب لنصر مذهبه؛ فليتق الله حاكم نصبه الله بين المسلمين في طائفة هذه عقيدتها.
وقد شهد حاكم -من كبار من يخالف عقائد الأشعرية- على أشعري بقضية يضحك السفهاء منها ويكذبها من يسمعها، وسئل الحاكم -سرًّا- أتعتقد صحة هذا؟ فقال: لا؛ ولكنه أشعري -[بتعصب على طائفتنا] ٢-أردت أن أريح المسلمين منه.
وهذا الحاكم -بين تلك الطائفة- موصوف بالديانة، ومعنى الديانة -عندهم- التصلب في معتقدهم والتعصب له بأي طريق فرض من حق وباطل، وكل ما آل إلى نصره فهو حق عندهم، ولا مبالاة بسفك دماء المخالفين فضلًا عن أغراضهم وأموالهم.
والحاكم الغر إذا رأى أن المبتدع إذا لم يكفره تقبل شهادته على الأصح بين أن تقبل مطلقًا أو ترد مطلقًا على الخلاف.
وأنا أقول: محل التردد في شهادته على [أن] ٣ لا يتوسم فيه أن له عليه غرضًا، وذلك يختلف باختلاف المشهود به وعليه؛ فليس المجسم أو الرافضي -مثلًا- إذا شهدا
стр. 470
بدرهم في ذمة بقال من عرض الخلق بمنزلتهما إذا شهدا على كبير من العلماء معروف بالرد على هاتين الطائفتين مثلًا ... أنه شرب أو قذف١؛ إذ لا يستريب مجرب في أن هذه الشهادة -منهما- مردودة.
فإن كانت الشهادة -في مثل هذا- لم تقبل جزمًا، وليس هذا من تحري العدالة؛ بل هو رد لشهادة تحصل بمثلها الريبة.
ومن المهم أن أكثر المبتدعة لا يفحصون ببدعتهم ولا يتظاهرون، ولو واجههم الإنسان أكذبوه وعاداهم، ولكن الحاكم البصير لا يخفي عليه أهل العقائد فإن سيماهم في وجوههم.
فلا تحسب أني -إذا رددت شهادة المخالف في العقيدة على مخالفة بما يشبنه- أتوقف على أن يثبت عندي عقيدة الشاهد فهذا عسر جدًّا؛ بل اكتفى بغلبة الظن التي أجدها من نفسي، ثم الله يطلع على ضميري إذ ذاك، وهو المسؤول في التوفيق والهداية.
ومتى شهد -مثلًا حنبلي المذهب على شافعي معروف بنصرة مذهب الأشعري بأمر يشتبه في دينه، وأخذ الحاكم يتعلل ويقول من أي لي اختلافهما في العقيدة، وبتقديره من أين لي أنه تحمل عليه في الشهادة، وبتقديره فكيف -إذا رددته- أقبله في مكان آخر"؛ فهو أخر بعيد عن شريعة الإسلام لا يصلح أن يكون حاكمًا بين اثنين -بمجرد كونه حنبليًّا يغلب على الظن مخالفته لعقيدة الأشاعرة- لكثرة ذلك في الحنابلة. ومجرد ذلك -مع ما يعهد من بعضهم- يغلب على الظن تحمله.
ولا يلزم -من ردنا قوله من ظننا تحمله عليه- أنا نخرجه بالكلية ونرده مطلقًا؛ بل ندفعه حيث نتهمه كما ندفع الشاهد بالتهمة.
قاعدة في تحقيق العدالة:
اعلم أن بين التقوى والعدالة عمومًا وخصوصًا.
والتقوى: أن يطاع الله ولا يعصى.
وحقيقتها: التحرز بطاعة الله من عقوبته.
وأصلها: اتقاء الشرك ثم اتقاء المعاصي ثم اتقاء الشبهات ثم اتقاء الفضلات.
стр. 471
وقد يكون الصبي متقيًّا إذا وفقه الله؛ فليس من شرط التحرز عن العقوبة أن يكون الشخص بحيث يقع فيها، وقد يتحرز الأمن. ثم قد يكون المتقي عدلًا وقد لا يكون.
قال الشيخ الإمام: "لأن اتقاء المعاصي -كبيرها وصغيرها- هو التقوى؛ فإذا اتقى الكبائر -وكان عدلًا- لم يقدح فيه إتيان الصغيرة؛ ولكنها تقدح في تقواه؛ فهذا عدل غير متق.
وقد يتقي ولا يكون عدلًا إذا لم يكن ذا هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.
قال الشيخ الإمام ﵀: "وكل من العدالة والتقوى قد تكون للصبي -وإن لم نقبل شهادته؛ فالبلوغ شرط في قبول قوله لا في عدالته".
فإن قلت: ما المرضي في حد العدالة؟ فإنكم عقدتم القاعدة له.
قلت: قد قبل: إنها هيئة راسخة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.
ونقضه الشيخ الإمام بأن "إن أريد -بالتقوى- تقوى المعاصي دخلت الصغائر وخرج مرتكبها -وإن لم يصر على العدالة. وإن أريد مطلق التقوى دخل من اتقى الشرك وارتكب الكبائر في العدالة وكلاهما غير صحيح".
قال: إلا أن يقال: إن الصغائر لا تقدح في إطلاق اسم التقوى لعسر التحرز عنها وكون المؤمن لا يسلم من الذنب الفينة بعد الفينة.
ثم قال الشيخ الإمام: لا بد عندي في العدالة من وصف آخر لم يتعرضوا إليه، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه.
قال: فإن المتقي للكبائر والصغائر الملازم لطاعة الله وللمروءة قد يستمر على ذلك ما دام سالمًا من الهوى؛ فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال وانحل عصام التقوى؛ فقال ما يهواه، وإبقاء هذا الوصف هو المقصود من العدل، -كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢؛ فكم من صالح لا شك في صلاحه من عصمته أن لا يحد، وفي نفسه أن لا يعصي؛ فإذا جرت عليه المقادير وغلب هواه قامت نفسه فانبعث منها ما لا يبقى مع الصلاح.
стр. 472
فلا بد أن يمتحن الصالح حتى يعرف حاله في الرضا والغضب وعند الأغراض؛ فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا؛ فليس بعدل وإن كان صالحًا قبل حصول ما يغيره.
فالعدالة: هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وملازمة المروءة والاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه.
فقد رأيت من لا يقدم على ذنب فيما يعتقد، ثم يستر هواه على عقله أعاذنا الله من ذلك".
انتهى كلام الشيخ الإمام بنصه.
وأقول: يشترط -مع ذلك- أن لا يكون متلبسا -حال الشهادة- بمعصية، وإن كانت صغيرة تغتفر إذا لم يكن متلبسًا بها حال الشهادة.
وهذا لأن المعاصي -من حيث هي- منافية للعدالة؛ إلا أنا اغتفرنا الصغائر لقلة الصون عنها، ولا يقبل ذلك عند أداء الشهادة فلمنصب الشهادة أهبة تنافي المعاصي عنده.
وكان هذا للمحافظة على هذا المنصب؛ فإن من يتلبس بالمعصية حالة الشهادة كأنه لا مروءة له. وهذا الشرط قاله بعض أصحابنا بدليل.
مسائل:
منها: لو ادعى واحد على اثنين أنهما رهنا عنده عبدهما فزعم كل أنه لم يرهن نصيبه وأن شريكه رهن وشهد عليه؛ ففي قبول شهادته وجهان في الرافعي في باب الاختلاف في الرهن.
قال الشيخ أبو حامد: لا تقبل لأن المدعي يزعم أن كل واحد منهما كاذب ظالم في الجحود وطعن المشهود في الشاهد مانع من قبول شهادته، وقال الأكثرون تقبل لأنهما ربما نسيا وإن تعمدا فالكذبة الواحدة لا توجب الفسق كذا علله الرافعي واحتمال النسيان معنى صحيح، وأما قوله: لأن الكذبة الواحدة لا توجب الفسق فيقال له: هب أنها لا توجب فسقا لكنها توجب رد الشهادة لكونها معصية وقت الشهادة كما عرفت على أن صاحب البحر جزم في باب من تجوز شهادته، ومن لا تجوز بأنه لو كذب عن قصد ردت شهادته وإن لم يكن فيها بقوله ضرر. قيل: أو بهتان.
стр. 473
قال: لأن الكذب حرام بكل حال كان.
وقال القفال: إلا أن يقول ذلك على مذهب الكتاب والشعراء في المبالغة في الكلام.
ومنها قال: القاضي الحسين في كتاب الطهارة في الأواني إذا جلس شهود النكاح على حرير لم ينعقد النكاح بهم فقيل؛ لأنهم فسقة واعترض بأنهم لا يفسقون به لأنه ليس بكبيرة والأشبه أن يعلل بأنهم حال الشهادة ظهر منهم ما يضعف الوثوق بهم، وعلى هذا لا تقبل شهادة برشد لابس الحرير؛ إذ حاله يقتضي أنه ليس برشيد فليتجنب عن ذلك كله.
تنبيه: إذا تم هذا الشرط وهو عدم التلبس بالمعصية حال أداء الشهادة؛ فقد يقال إنه داخل في عدم المروءة وليس بشرط جديد.
تنبيه: قد يستأنس بهذا الشرط بقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فجعل لحالة الزنى رفعًا ليس لها عند الانفصال وأوضح. هذا في حديث آخر فقال ﷺ ... ١ الحديث.
فصل:
إذا عرفت هذا علمت أن المعصية حال وقوعها من الفحش والوقع ما ليس لها عند الانفصال عنها ومن ثم يجيء الشرط الذي ذكرناه ولأجله أيضا مسائل.
منها: أن الكافر إذا صال يجب دفعه، ولا يجوز الاستسلام له ولو كان ذميًّا.
قال الإمام: في الذمي الوجه القطع بذلك؛ لأنه بصياله ناقد لعهده. فإن قلت: أليس من الأصحاب من يقول الذمة لا تنتقض بالقيل قلنا: ذاك وجه ضعيف، ثم لا حرمة بالذمة القتال والصيال. انتهى.
ففي قوله: لا حرمة للذمة حالة القتال ما ينبيء عن شدة رفع المعصية حال وقوعها.
ومنها: لو وجد رجلًا يزني بامرأته جاز له التعجيل بقتله، وقد قدمنا المسألة القواعد المطلقة عن الخاوي والبحر وغرضنا منها أن صاحبي الحاوي والبحر قالا يحوز التغليظ حال وقوع المعصية.
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله:
أصول كلامية ينبني عليها فروع فقهية
стр. 474
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصول كلامية ينبني عليها فروع فقهية:
أصول وسائل متنوعة:
أصل:
قال الشيخ أبو الحسن ١ ﵁: السعادة والشقاوة لا يتبدلان. ومعنى ذلك أن الاعتبار في الأعمال بالخواتيم ٢. فلا ينفع من مات على الكفر تقدم قناطير من إيمان ولا يضر من مات على إيمان قناطير من كفران.
وقال أبو حنيفة ﵁: يتبادلان، وتحرير المسألة في كتب الكلام وقد ذكرناها محررة في كتاب منع الموانع.
وألفاظ الشافعي ﵁ وفروعه تدل على القول، بما قاله أبو الحسن.
стр. 475
أما ألفاظه. فقد قال ﵁ في خطبة الرسالة، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه.
وأما فروعه فقد قال في الحج ... ١
أصل:
العلم: "الاعتقاد الجازم المطابق لموجب" فما لا مطابقة فيه -من الاعتقادات الجازمة ليس بعلم، فلا علوم لأرباب الضلالات وذوي الجهالات. وهو بخلاف الظن؛ إذ لا تشترط المطابقة فيه٢. فلو قال لآخر: أنت تعلم أن هذا الإنسان -الذي في يدي- حر حكم بعتقه. بخلاف ما لو قال: أنت تظن. نقله الرافعي عن الروياني عن بعض الأئمة.
ولو قيل [أطلقت] ٣ امرأتك؟ فقال: اعلم أن الأمر على ما تقوله. ففي كونه إقرار بالطلاق وجهان. حكاهما الرافعي في فروع الطلاق من حكاية الروياني عن جده أصحهما: ليس بإقرار، لأنه أمره أن يعلم ولم يحصل هذا العلم. قلت: ويمكن تخريج هذا الفرع على أن الأمر لا يستلزم الإرادة، فإنه طلب منه أن يعلم هذا الأمر ولم يرده؛ إذ لو أراده لأنشأ إيقاع الطلاق.
ثم أقول: أمره أن يعلم ولم يحصل هذا العلم. فيه نظر، لأنه لما أمره أن الأمر على ما يقول، ومراده بما يقول قوله: الآن طلقت امرأتك، لأن يقول: "فعل مضارع حقيقة في الحال" وأيضًا فلا قول له إلا ذلك؛ وإنما يكون الأمر [على] ٤ ما قال الآن إذا كانت الآن طالقًا. فظاهر العبارة أن هذا إقرار.
وقد يقال: ليس قوله إلا الاستفهام عن أنه هل طلق امرأته؟ فكأنه قال: اعلم أن الأمر على الاستفهام الذي نقوله على أنه لو قال: له على ألف - فيما أعلم [أو أشهد] ٥ لزمه الألف، بخلاف ما لو قال: فيما أحسب أو أظن. ذكره أبو سعد الهروي وشريح الروياني في "أدب القضاء" قال أبو سعد: "لا انفصال للعلم عن الظن عند علماء الأصول".
وذكر الرافعي المسألة الولى في آخر الباب الأول من الإقرار.
стр. 476
وأما الثانية: وهي فيما أظن أو أحسب؛ فلم يذكرها غير أنه ذكر قبل ذلك بنحو ورقة فيما لو قال: لي عليك ألف، فقال: أظن أو أحسب أنه ليس بإقرار.
وسبقه إليه البغوي في التهذيب. وهي غير هذه المسألة، لأنها فيمن اقتصر على قوله في الجواب: أظن، ومسألتنا فيمن قال: علي فيما أظن، فالمؤاخذة في مسألة أبي سعد وشريح أقرب منها في مسألة البغوي والرافعي.
أصل:
اختلف في الاسم -هل هو المسمى؟ اختلافًا حررناه في كتاب "منع الموانع" وحرره الشيخ الإمام ﵀ في تفسيره في آخر سورة الرحمن، ولا خلاف أنه غير التسمية وهنا فروع: منها.
قال صاحب التتمة: لو قال لها: اسمك طالق لم تطلق إلا أن يريد الذات. وأعلم أن الصحيح. الذي عليه الأشعري في الأصول. أن الاسم المسمى على تفصيل في أسماء الله تعالى مذكور في موضوعه. وقضيته أن يطلق هنا.
فإما أن يكون صاحب التتمه فرعه على أنه غيره، وأما ما قاله فلذلك١.
ومنها قال الرافعي -في فتاوى أبي الليث٢- إن بعضهم قال: لو قال: بسم الله لا أفعل كذا فهو يمين- ولو قال: بصفة الله، فلا، لأن الأول من إيمان الناس".
قال الرافعي: ولك أن تقول: إذا قلنا: الاسم هو المسمى؛ فالحلف بالله تعالى، وكذا إن جعل الاسم تسمية، وإن أراد بالاسم التسمية لم يكن يمينًا، وقوله: بصفة اللهز يشبه أن يكون يمينًا إلا أن يريد الوصف.
قلت: وفيه نظر. فلا قائل بأن الاسم التسمية، إنما الخلاف أنه هل هو المسمى؟
وإذا كان هو المسسمى فلا فرق بين أن تقول: بالله أو باسم الله. فليكن يمينًا، وإلى ذلك [الإشارة] ٣ بقوله: إذا قلنا: الاسم هو المسمى "فالحلف بالله" وتلك موافقة لمنقول أبي الليث فكيف أخرجها مخرج الاعتراض عليه فالذي [يحمل] ٤ من كلامه
стр. 477
موافقة منقول أبي الليث إلا أن يريد بالاسم التسمية، وقد يقال: لا يصح هذا الاستعمال، فلا نسمع إرادته إياه، وقوله "بصفة الله" يشبه أن يكون يمينًا إلا أن يريد وصف كلام لا يتبين لي معناه، ولا أدري ما وصفه غير صفته؛ فلينظر ذلك.
أصل:
اختلف أئمتنا في الكلام فقال قدماؤهم: "حقيقة في النفساني مجاز في اللساني". وهو عن أبي الحسن نصًا، وقيل مشترك بينهما. ولا قائل منا بأنه مجاز في النفساني حقيقة في اللساني؛ إنما ذلك من أقوال القدرية.
ومن أدلة أئمتنا قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ٢. قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ وقول عمر يوم السقيفة "كنت زورت في نفسي كلامًا" وقوله الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد ... البيت، وقوله:
قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة ... حتى ألمت بنا يومًا ملمات
وهذا من مستنبطاتي وهو وبعض ما قبله؛ فلم أجدني سبقت إليه، ومع هذا فالكلام في عرف الناس اللساني، وعليه يحمل يمين الحالف. نعم ينبني على الكلام النفساني مسائل.
منها: قوله ﷺ : "فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" ٣ فهل يقوله بلسانه أو بقلبه؟ فيه وجهان.
قال الرافعي: نقلًا عن الأئمة٤. "يقوله بقلبه".
وقال الشيخ الإمام: "تيويب الشافعي يدل على أنه يقوله بلسانه".
وقال النووي في الذكار: "ولغات التنبيه أنه الأظهر". وقال في شرح المهذب. "إن جمع بينهما فحسن".
стр. 478
قلت: وهذه العبارة توهم أن القائل بذلك يقتصر على اللساني ولا يجعل قوله: "في النفس" مطلوبًا. ولا أرى بذلك قائلًا. بل الخلاف عندي [مردود] ١ إلى أنه هل يقتصر على النفسي فيكون أبعد عن الرياء والسمعة. أو يضم إليه اللساني؟
فمن قال: يقوله بلسانه لا يمكنه أن يقول: لا يقوله بقلبه، بخلاف من عكس وحكى الروياني في البحر وجهًا ثالثًا: إن كان في صوم رمضان فبلسانه، أو النقل فبقلبه، واستحسنه، والمسألة محذوفة من الروضة.
ومنها: الغيبة: وهي ذكر الشخص بما يكرهه.
قال الغزالي: في الإحياء، وتبعه النووي في الأذكار: إنها تحصل بالقلب كما تحصل باللفظ".
تنبيه:
ليس مما نحن فيه اختلاف أصحابنا في صحة النذر. بالنية مجردًا عن لفظ وما٢ إذا نوى بقلبه التتابع في صوم منذور.
مسألة:
اتفق أئمتنا على أن المضطر إلى فعل ينسب إليه الفعل الذي اضطر إليه. ثم اختلفوا في تعريفه.
فقال شيخنا أبو الحسن كرم الله وجهه: "المضطر الملجأ إلى مقدوره لدفع ضرر متوقع بتقدير عدم المقدور الملجأ إليه".
وقال القاضي أبو بكر٣: المضطر هو المحمول على ما عليه فيه ضرر من مقدوراته لدفع ما هو أشر منه.
وزعمت المعتزلة أن المضطر لا ينسب إليه الفعل. وأنه هو الذي يفعل فيه الغير فعلًا هو من قبيل مقدوراته. ثم اختلفوا:
стр. 479
فقال أبو علي الجبائي١: لا يشترط أن يكون المفعول فيه غير قادر على مدافعة الفاعل. وقال ابنه أبو هاشم٢: "بل يشترط ذلك".
إذا عرفت هذا فقد اتفقوا على أن الملجأ قادر على ما ألجئ إليه، وأنه لم يفعل غيره فيه فعلًا، لا خلاف بين الأشعرية والمعتزلة في ذلك. وإن اختلفت عباراتهم في تعريفه بما هو مذكور في كتب المتكلمين.
فالملجأ دون المضطر المعتزلة، ومثله عند الأشاعرة، ودونهما المكره المذكور في كتب الفقهاء.
وعلى هذه الأصول من عدم اختياره بالكلية وصار كالآلة المحضة فلا يتعلق به إثم، وهو المضطر عند المعتزلة كمن شد وثاقه وألقى على شخص فقتله بثقله، أو كان على دابة فمات وسقط على شيء فإنه لايضمن، وليس كالمكره، ولا كالمضطر.
ومن مسائل القاعدة:
المضطر لأكل الميتة يجب عليه أكلها على الصحيح، وفي وجه لا يجب، وقد يوجه بأصول المعتزلة فيقال: "لا فعل للمضطر ولا اختيار حتى يتعلق به إيجاب ويكتفي بضرورة الداعية عنده.
وقد أورد بعضهم على تعريف القاضي متناول الميتة حالة المخمصة فإنه مضطر بنص الكتاب. ولا ضرر عليه في تناولها. وهو إيراد منقدح عندي، وإن كان بعض المعنيين بالقاضي. قال:
стр. 480
إن كان المضطر نفسه تائقة للميتة فما خلا أكله عن ضرر، وإلا فلا أسلم تسميته بالمضطر. فهذا عندي ضعيف، فإنه مضطر بوضع اللسان ونص الكتاب وشهادة الحس وإن لم يكن [تائقًا] ١.
وهذه القاعدة إذا ضم إلى فروعها فروع الإكراه تكاثرت جدًاز
والقول الفصل: إن الإكراه لا ينافي التكليف. ولذلك يأثم المكره على القتل بالإجماع، ويجب عليه القصاص على الأصح.
وأما المضطر، فلا ريب أنه عند المعتزلة غير مكلف لانتفاء الفعل منه، وأما عندنا فإنه مكلف، ثم ناحية التكليف فيه وفي المكره قررناها في كتابنا "جمع الجوامع" وفيما علقنا عليه من شرح إشكالاته المسمى "منع الموانع" فلا نعيده. غير أني صححت في "جمع الجوامع" امتناع تكليف المكره كالملجأ والغافل والمختار عندي الآن. الجريان مع الجماعة الأشعرية على أنه يجوز تكليفه. وإن كان غير واقع. لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ٢.
стр. 481
ومن قواعد الفقهاء ما قدمناه في القواعد العامة وأحلنا فيه على هذا المكان "والإكراه يسقط أثر التصرف" وهذا موضع تحقيقه.
فأقول: من صدر على يديه شيء. ولا أقول: فعل، لأن الفعل يستدعي فاعلًا وسنذكر ما لا نسميه فعلًا بالجملة الكافية كحركة المرتعش.
إذا عرفت هذا فذلك الشيء إما أن يصدر باختيار منه وإرادة له فهو المختار؛ سواء أكان حبه واختياره -بصدوره عنه- ناشئًا من قبل نفسه وداعية قلبه. أو دعاء إلى ذلك داع- من سائل أو غيره، فرب من يفعل ما يكره حياء من السائلين وإسعافًا للطالبين. أو حبًا لأن يقال فعل. وهذه أمور لا تخرجه عن كونه مختارًا.
وأما أن يصدر لا باختيار؛ فإما أن يكون بكراهة حملته على إصدار ذلك الفعل أو لا.
إن لم يكن فإما أن يكون له شعور بما صدر أو لا، إن لم يكن فهو الغافل من نائم.
стр. 482
ونحوه. وإن كان له شعور. ولكن لا ينسب إليه ذلك الشيء فذلك كالمرتعش بتحريك يده. ولا يقال: إنه حركها. وإن كان بكراهة وحمل حامل له على أن يفعل؛ فإن كان لا يجد مندوحة عن الفعل البتة ولا مخلصًا منه فهو الملجأ.
والفرق بينه وبين المرتعش عسير. فليجعلا قسمًا واحدًا.
ومن صوره من ألقى من شاهق فوقع على إنسان فقتله؛ فهو لا يجد بدًا من الوقوع ولا اختيار له فيه؛ وإنما هو آلة محضة كالسكين، فهذا لا يقول أحد: إنه مكلف ولا ينسب إليه فعل.
نعم تردد الذهن فيمن ألقى من شاهق وعلى الأرض طريحان، ولم يدهشه الإلقاء، وطرح بنفسه في حالة الإلقاء من ناحية أحدهما إلى ناحية الآخر، فسقط عليه فقتله، هل يكون قائلًا بهذا العذر، والأقرب أن هذا إن تصور فهذا كالمكره على أحد شيئين ففعل أحدهما وسنتكلم فيه.
وإن وجد مندوحة عن الفعل، ولكن بالصبر على إيقاع ما أكره به؛ فالضابط في هذا أن ينظر إلى تلك المندوحة، فإن كانت في نظر العقلاء أشد مما أكره عليه فهذا مكره.
وذلك كمن قال له قادر على ما يتوعد به: طلق زوجتك وإلا قتلتك.
ففي نظر العقلاء تقديم طلاق الزوجات على زهوق ألأرواح وإن لم يكن في نظر العقلاء أشد، كمن قيل له اقتل زيدًا وإلا منعتك الطعام والشراب يومًا واحدًا، لا تقتل بين ما يتحقق الإكراه فيه وما لا يتحقق. وقد بان بهذا أن الملجأ لا فعل له ولا يقبل التكليف والمكره له فعل واختيارية قدم بها على ما أكره عليه على ما توعد به؛ فهو كالمختار فلا يمتنع في العقول تكليفه؛ غير أن الشارع رفقًا بنا ونظرًا إلينا وشفقة علينا رفع هذه المشقة عنا، وقال ما حاصله: "إن كل مندوحة تكون أشد من المكره عليه لا أكلف الصبر عليه وارفع معها آثار ذلك الفعل، وأصيره كلا فعل البتة" وإلى هذا الإشارة بقوله ﷺ : "وما استكرهوا عليه".
فإن قلت: إذا كان المكره والمختار سواء في الاختيار فما الفرق بينهما.
فإن قلت: قال القاضي في كتاب التقريب: "والفرق بينهما أن المختار مطلق
стр. 483
الدواعي والإرادات، والمكره مقصور الدواعي والإرادة على فعل ما أكره عليه. لا يختار غيره"؛ فإن قيل: ولم صارت هذه حاله؟
قلنا: لما يخافه من عظيم الضرر، فهذا يدفع [أعظم] ١ الضررين بأدونهما، ودواعيه مقصورة عليه لأجل ذلك. انتهى وهو صحيح ولا فرق إلا هذا.
وكون الشارع لم يكلفه الشطط بالصبر على ما هدد به. ثم قال له: "ولئن فعلت المكره عليه كان فعلك كلا فعل، لمكان الإكراه".
فللشارع في المكره لطفان خفيان -إسقاط حكم الفعل الناشئ عنه، وعدم التكليف بالصبر على ما توعد المكره عليه- وهذه من خصائص هذه الأمة المشرفة بنبيها الكريم على الله. محمد المصطفى ﷺ بأبي وأمي إنه لرؤوف رحيم. ونبي كريم. ومن ثم قال ﷺ : "ورفع عن أمتي الخطأ".
ولو كانت حقيقة الإكراه تنافي التكليف لما افترق الحال فيه بني أمه وأمه. وهنا تنبيهات:
أحدها: هذا الإكراه الذي أسقط الشارع حكمه لا بد من بقاء حقيقته ليتحقق في نفسه، وقد ينضم إليه ما لا يزيل حقيقته؛ فلا اعتبار به، أو ما يزيل الحقيقة فلا يسقط حكمه، إذ ليس هناك إكراه.
وهذا كمن قيل له: طلق زوجتك، فقال: طلقت زوجاتي كلهن [فيقع] ٢ عليهن، لأنه مختار لا مكره.
وقد ينضم إليه ما يتردد الذهن في أنه مزيل لكونه إكراهًا أو غير مزيل، فيقع الخلاف في أنه هل يسقط أثر التصرف به أو لا يسقط؟ وأمثلته فيالفئقه كثيرة، ونحن نذكر هنا فرعًا واحدًا، وهو المكره على أحد شيئين. كمن قيل له: طلق إحدى زوجتيك وإلا قتلتك، وحمل على تعيين إحداهما لا على إبهام الطلاق، إما هذه أو هذه. وإلا قتلتك، فقال: طلقت هذه، فهل هذا اختيار، لأن إيثاره لهذه على تلك. وقد كان قادرًا على العكس، يدل على أنه مختار لفراقها، وليس باختيار؛ لأنه لا يجد مندوحة عن واحدة منهما، ولو عين الأخرى لجاء فيها هذا القول بعينه.
стр. 484
فيه وجهان:
أولهما: هو الأصح عند الرافعي والنووي.
والثاني: هو الأرجح في نظري، ولا فرق عندي بينه وبين المكره على قتل معينة إلا أن هذا يجد محيصًا عمن طلقها برفيقتها، وذاك لا يجد إلا بنفسه، وليس هذا الفرق بطائل؛ فإن القول في المختص بها مقول في رفيقتها، وكل قول انعكس بنفسه بطل من أصله.
وقول من ادعى أنه مختار. إن إقدامه على هذا دليل على اختياره لفراقها دون تلك مختل.
ولكنا نقول في جوابه: لم قلتم: إن الداعي إلى تعيينها ترجيح فراقها، وقد يكون هجم على ذكرها هجمًا، وهذا يتفق كثيرًا لمن حمل على شيء من شيئين، وقد أعوزه الفكر والذعر عن الميز بينهما. وإن سلمنا أن الداعي إيثار فرؤاقها، فالذي آثره إنما هو ذكرها على ذكر تلك، لا حب فراقها على حب فراق تلك. وإن سلمنا أن فراقها عنده بتقدير التعارض راجح على فراق تلك؛ فهذا موضع نظر لا أتذمم فيه ترجيحًا.
التنبيه الثاني:
وقد عرفت أن شرط الإكراه مرفوع الحكم أن يكون المتوعد فيه. في نظر العقلاء أشد من المكره عليه، والمعنى بنظر العقلاء ما شهد له الشرع بالاعتبار. فعرف من هذا أن الإكراه لا يرفع حكم القصاص، ولا يرفع الإثم عن المكره.
بيانه: أن نفسه ونفس من أكره على أن يقتله مستويان في نظر الشارع؛ فإيثاره نفسه ناشئ عن شهوات الأنفس وحظوظها ومحبتها للبقاء في هذه الدار أزيد من بقاء غيرها، وهذا القدر ليس من نظر العقلاء، أعني عقلاء الشرع الذين يتقيدون به فيما يأتون ويذرون.
وبهذا خرج كثير من المسائل التي سنذكرها فيما استثنى من قول "الإكراه يسقط أثر التصرف".
فإذا قيل لنا: يستثنى الإكراه على القتل؛ فإنه لا يسقط أثر التصرف بدليل الإثم إجماعًا والقصاص على الصحيح.
стр. 485
قلنا: ليس هو من حيث إيثار نفسه مكرهًا بل مختارًا، ومن ثم أثم وأقتص منه، ولا هذا النظر الذي نظره وآل به إلى تقديم نفسه على غير [لمشهود] ١ له من الشعر بالاعتبار، فإن الكفاءة في القصاص شرعًا منحصرة في الإسلام والحرية والبعضية، والله أعلم.
التنبيه الثالث:
شرط كون الإكراه مرفوع الحكم أن يكون مرتبًا على فعل المكلف، فإن الشارع جعل فعله حينئذ. كلا فعل. فإن كان الحكم مترتبًا على أمر حسي غير فعل المكلف ولو كان ناشئًا عن فعله، فلا يرفع حكم الإكراه. بل الإكراه حينئذ لأن موضع الإكراه الفعل ولم يترتب عليه شيء، وموضع الحكم الانفعال. ولم يقع٢ عليه الإكراه. وإن كان هو أثر الفعل فالشارع قد يرتب الحكم على الفعل، وقد يرتبه على الانفعال، وهو في الأول. من خطاب التكليف الذي رفع شفقة علينا عند الإكراه. وفي الثاني من خطاب الوضع والأسباب والعلامات. فكيف يرتفع؟
وبهذا خرج الإكراه على الرضاع وعلى الحديث. فإذا أكره امرأة حتى أرضعت خمس رضعات حرم ذلك الإرضاع، لأن الحرمة منوطة بوصول اللبن إلى الجوف حتى لو حلبت قبل موتها وأسقى الصبي بعد موتها، حرم.
التنبيه الرابع:
شرط كون الإكراه مرفوع الحكم أن يكون بغير حق، فهو موضع الرخصة والتخفيف من الشارع، أما إذا كان بحق. فقد كان من حق هذا المكره أن يفعل، فإذا لم يفعل أكره ولم يسقط أثر فعله وكان آثمًا -على كونه أحوج [على] ٣ أن يكره.
وهذا كالمرتد والحربي يكرهان على الإسلام فإسلامهما صحيح وهما آثمان بكونما أحوجًا إلى الإكراه عليه، ثم الإسلام إن وقع فيهما -عند الإكراه باطلًا كما وقع ظاهرًا، فهو يجب ما قبله. وإلا فحكمهما في الظاهر حكم المسلمين، وفي الباطن هما كافران لما أضمراه من خبث الطوية.
ووقع النظر فيمن [لم يكن كفره] ٤ بفساد العقيدة بالامتناع عن التلفظ [بكلمة الشهادة مع القدرة عليها إذا تصور مثل هذا وأكره على التلفظ] ٥ بكلمة الحق فهل
стр. 486
يصح باطنًا كما يصح ظاهرًا لأن اللفظ وافق العقيدة، ولا اعتبار بما توسط من الإكراه أولًا. لأن الإكراه أسقط حكم هذا التلفظ. والتلفظ إما شرط في الإيمان أو شرط منه فكأنه غير متلفظ.
والأقرب عندي هذا الثاني، لكن يكاد يكون فرض مثل هذا فرض بمستحيل.
والمسألة قريبة الشبه بما إذا أراد المكره على الطلاق إيقاع الطلاق، والأصح أنه يقع لحصول اللفظ والإرادة.
ويقرب منها ما إذا قال: طلق زوجتي وإلا قتلتك فطلق، فقد صحح الشيخان وقوع الطلاق. قالا لأنه أبلغ في الأذن، وفيه وجه أنه لا يقع، لأن الإكراه يسقط حكم اللفظ.
وفي الوكيل بالطلاق إذا أكره عليه احتمالان للروياني أبي العباس؛ غير أن الانصراف عن التلفظ بكلمتي الشهادة من غير عذر ينبغي أن يكون كفر أقطعًا.
التنبيه الخامس:
كذا وقع في عبارة الفقهاء. والإكراه بحق ولم يقولوا: الإكراه على حق. وبينهما فرق. فإن [كل] ١ مكره بحق مكره على حق وليس كل مكره على حق مكرهًا بحق، ألا ترى أن الذمي الذي أكره على الإسلام أكره على حق، ولكن ما أكره بحق؛ إذ ليس من الحق إكراه مثل هذا، ولهذا كان الصحيح أنه لا يصح إسلامه؛ فكأن الأصحاب عدلوا عن التعبير بالإكراه على حق إلى الإكراه بحق لأنه أعم.
فإن قلت: لو قال ولي الدم لمن عليه القصاص: طلق امرأتك وإلا اقتصصت منك، لم يحصل الإكراه، على ما جزم به الرافعي في كتاب الطلاق، وهذا إكلاه بحق وليس إكراهًا على حق، وأما كونه إكراهًا بحق فلأن القصاص حق المكره.
وأما كونه ليس على حق فلأن الطلاق ليس حق المكره حتى يحمل عليه.
فبان بهذا الفرع أن شرط الإكراه أن لا يكون حلالًا؛ وإلا فلا يحصل إكراه، وخرج منه أنه ينبغي أن يقال: الإكراه على حق. ولا يقال: الإكراه بحق.
قلت: ليس الإكراه -حيث المتوعد به حلال. واقعًا بحق، بل هو واقع بباطل. فإن مستحق القصاص ليس له أن يكره به على الطلاق؛ إذ ليس الطلاق من حقه، فالجار
стр. 487
والمجرور في قولنا: الإكراه بحق ليس معناه أن يكون المكره به حقًا؛ بل أن يكون الإكراه نفسه حقًا، ولا يكون الإكراه حقًا إلا على حق كإكراه القاضي المفلس على بيع ماله عند من يرى ذلك وهو الرافعي والنووي، أما الشيخ الإمام فعنده أن القاضي يتولى البيع بنفسه، فليصور في غير ذلك. واعلم أن ما جزم به الرافعي من أن الإكراه بالقصاص ليس بإكراه فيه نظر. والذي ينبغي أن يكون هنا إكراهًا.
التنبيه السادس:
قد تقدم الكلام على المستنى من قولهم، "الإكراه يسقط أثر التصرف" في أوائل الكتاب، ومن هنا يتحقق الجواب عن سبب ما استثنى.
أصل:
اتفق أئمتنا على امتناع مقدورين قادرين خالفين أو مكتسبين -أما بين قادرين- خالق ومكتسب فلا يمتنع.
ووافقهم أبو الحسن البصري من المعتزلة١، وأطبقت المعتزلة سواء على جواز ذلك وعليه أكثر الحنفية، وهي من آثار مسألة خلق الأفعال.
وقد تخرج عليه مسألة فقهية تعاكس فيه التخريج وهي قطع الأيدي باليد الواحدة؛ فمن منع ذلك. وهم الحنفية- قالوا: كل واحد من الفاعلين فاعل بمقدور نفسه فيختص كل منهم بالقطع الذي مقدوره دون مقدور صاحبه، فكان قطع كل جزء قطعًا على سبيل الانفراد؛ فلم يكن قطعًا لليد بكمالها -فكيف تقطع يده [في] ٢ مقابلها.
فيقال للحنفية: هذا كلام من يمنع مقدورين "بين" قادرين وأثرًا عن [مأثورين] ٣ وأنتم لا تمنعونه، فلم يكن اللائق بكم القول بذلك.
وإذا قيل لهم هذا. قالوا هم: "معاشر الشافعية أنتم تمنعون مقدورًا بين
стр. 488
مكتسبين؛ فلم قطعتم الأيدي باليد الواحدة وأصولكم تأباه".
والجواب عن هذا قد قررناه في شرح المختصر في تضاعيف الكلام على مسألة التعليل بعلتين. والحنفية يوافقون على [قتل] ١ النفوس بالنفس الواحدة ويعتقدون بين النفوس والأيدي فرقًا وليس الأمر عندنا على ما يزعمون.
فرع: قال: من حملت منكن هذه الخشبة فهي طالق -وهي خفيفة تستقل كل واحدة بحملها، فحملتها [منهن واحدة- طلقت] ٢.
مسألة:
المأثور عن شيخنا أبي الحسن [﵀] ٣ أن العقل العلم، وعن القاضي أنه بعض العلوم الضرورية، وقال قوم: العلم الضروري.
وعن الشافعي ﵁ أنه قال: هو آلة التمييز. وقال إمام الحرمين في البرهان: ما جزم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي٤. فإنه قال: العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست [منها] ٥، وقد اختلف كلام الإمام في تعريف الحارث المحاسبي هذا. فإنه ارتضاه في البرهان. وفي الشامل حكاه. ثم قال: إنه لا يرضاه، وإنه يتهم النقلة عنه فيه وأطال في رده بما لسنا له الآن.
والمختار عندنا في تعريف العقل، أنه ملكة يتأتى بها درك المعلومات.
ثم اختلف أئمتنا في محله: فالمعروف عن الشافعية أن محله القلب. وهو الصحيح الذي دلت عليه صرائح الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ
стр. 489
بِهَا﴾ ١ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ٢.
وقال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة" ٣، الحديث.
وذكر إمام الحرمين، في النهاية في باب أسنان إبل الخطأ أنه لم يتعين للشافعي. ﵁ محله.
وذهب قوم إلى أن محله الدماغ "وهو المعروف عن أبي حنيفة ﵁".
وقيل: "لكل حاسة منه نصيب" قال الأستاذ أبو إسحاق: هو أحد قولي أبي الحسن الأشعري ﵁. قلت: وفي كلام الإمام في باب أسنان إبل الخطأ، ما يقطع بأن العقل ليس محل اليدين. إذا عرفت هذا ... ٤.
مسألة:
قال أئمتنا من طوائف أهل السنة. إن الحل والحرمة والطهارة والنجاسة وسائر المعاني الشرعية ليست من صفات الأعيان.
فإذا قلنا: هذا حلال أو حرام، طاهر أو نجس؛ فليس ذلك راجعًا إلى نفس الذات ولا إلى صفة نفسية قائمة بها، بل هو من صفات التعليق، وصفة التعليق لا تعود إلى وصف في الذات.
فليس معنى قولنا: الخمر حرام ذاتها ولا تجرع الشارب إياها؛ وإنما التحريم راجع إلى قول الشارع في النهي عن شربها، وذاتها لم تتغير، وهذا كمن علم زيدًا قاعدًا بين يديه؛ فإن علمه. وإن تعلق بزيد، لم يغير من صفات زيد شيئًا، ولا أحدث لزيد صفة ذاتز وذهب من ينتمي إلى أبي حنيفة ﵁ -من علماء الكلام- إلى أن الأحكام الشرعية صفات للمحل، ورأوا أن التحريم والوجوب راجعان إلى ذات الفعل المحرم والواجب. والمسألة مقررة في أصول الديانات وينبني عليها فروع.
стр. 490
منها: أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ ١ و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم﴾ ٢ ونحوه. هل هو مجمل.
فمن قال: [بإضافة الحل والحرمة إلى الأعيان نفي الإجمال ويلزمه الوقوع فيه] ٣. لأن الذات إذا كانت محرمة فينبغي أن يصادف التحريف ما لاقاها من الأفعال، حتى يحرم النظر إلى الأم، وغير ذلك مما لم يقل به أحد.
ومن لم يقل بذلك أثبت الإجمال غير أنه يدعي في اللفظ عرفصا عامًا يقضي بأن المراد العفل المقصود من الذات لا نفسها.
فانظر كيف تأدى مذهبنا -الذي مقتضاه في الآية الإجمال- إلى عدم الإجمال بما طرأ من العرف العام؟ وكيف تأدى مذهبهم الذي مقتضاه عدم الإجمال- إلى الإجمال بما أدى إليه القول بعدم الإجمال من أمور فجمع على أنها غير مقصودة. فصار المراد عندنا تحريم أكل الميتة. وترحيم نكاح الأمهات، وهو معقول من العرف وسياق الكلام يدرأ عنه الإجمال.
وإذا كان المحرم أكل الميتة فقط فيجوز التزود من الميتة لمن لم يرج الوصول إلى الحلال من المضطرين، وكذا لمن رجاه على الأصح إذ المتزود غير آكل.
ومنها: أن المعقود عليه في النكاح عندنا منفعة البضع. ولا نقول: أنها في حكم الأجزاء.
وقال أبو حنيفة: بل هو عين المرأة بوصف الحل، وهو وجه ضعيف عندنا، ومعناه أنها منافع جعلت في حكم الأجزاء، وحرف المسألة أن منافع البضع عندهم أجزاء حكمًا، وعندنا بل منافع حكمًا كما هي منافع حسًا، والمسألة مقررة في الخلافيات، ومن ثم نقول: يقبل النكاح الفسخ بالعيوب كما يقبله عقد الإجارة.
ونقول: وطء المشتري الجارية المشتراه مثل استخدامها لا يمنع الرد بالعيب.
ونقول: الخلوة لا تقرر المهر، لأن المعقود عليه المنفعة ولم يتسوفها، ومجرد الخلوة لا يقتضيها والحر لا يدخل تحت اليد.
وهم لما قالوا: المعقود عليه عينها. جعلوا تسليمها نفسها مع التمكن بالخلوة -
стр. 491
كافيًا. والأصل في المسائل كلها: أن قولنا: "هذه المسألة حلال" ليس معناه كون الحل صفة عين عندنا، حتى تكون عينها معقودًا عليها؛ بل إن الانتفاع بها حلال.
وعندهم بل معناه أن العين حلال بناء على أن الحل من صفات الأعيان.
مسألة:
الحسن والقبح بمعنى ترتب المدح أو الذم عاجلًا، والثواب أو العقاب آجلًا -شرعي ولا عقلي، خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم من فقهاء الفرق.
وفيه مسائل: منها:
النجش حرام على الناجش وإن لم يعرف بالخبر الوارد فيه.
قال بعض أصحابنا: لأن تحريم الخداع يعرف بالعقل، واعترضه الرافعي بأن ذلك ليس معتقدنا، وأجبنا عنه في شرح المختصر بأنه لم يقل: "إن العقل حرم" حتى يقال له: ليس ذلك معتقدنا؛ بل إنه أدرك التحريم وعرفه، والعقل إدراك لا محالة واعلم أن ما عزاه الرافعي إلى المختصر من أن الشافعي ﵁ أطلق القول فيه بتعصية الناجش، وشرط في البيع على البيع للتأثيم العلم بالنهي- لعله تبع فيها الإمام فإنه عزال إلى الشافعي ذلك لكنه لم ينص على ذكر المختصر، والذي في المختصر والأم اشتراط العلم بالنهي في الموضعين.
ومنها: من لم تبلغه الدعوة مضمون بالدية والكفارة ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح؛ إذ ليس هو مسلمًا.
ومنها: إسلام الصبي الصحيح عندنا أنه لا يصح، لأن صحته فرع تقدم الإلزام به، ولا إلزام مع الصبي شرعًا.
وقال أبو حنيفة ﵀" يصح بناء على أن العقل يوجب على الصبي والبالغ العاقلين".
ومنها: لا ينعقد نذر صوم يوم العيد وأيام التشريق ولا يصح صومه للنهي عنه.
وقال أبو حنيفة ﵁: "يصح" لأن مطلق الصوم عبادة، فيكون حسنًا، فيستحيل أن ينهي عنه لعينه، فيجب صرف النهي إلى أمر وراءه كترك إجابة الداعي مثلًا. قال: ولا يلزم على هذا الصوم في الحيض والنفاس، فإن ذلك من باب النفي لا من باب النهي، ومعنى النفي إخبار الشرع بانعدام هذه العبادة شرعًا زمان الحيض، لقيام المنافي وهو حدث الحيض والنفاس.
стр. 492
وأطال الحنفية في هذا، ولا يصح لهم فرق، وما بالهم يعقلون كون الحيض مانعًا، ولا يعقلون كون العيد مانعًا ولا احتجاج على الشرع فله أن يجعلهما مانعين.
ومنها: شهادة بعض أهل الذمة على بعض لا تقبل، وقال أبو حنيفة ﵀: تقبل، لأن المانع من القبول تهمة الكذب، وقبح الكذب، ثابت عقلًا فكل متمسك بدين يجتنبه.
أصل:
ذهب الإمام فخر الدين إلى أن الحياة "قوة النفس والحركة واعتدال المزاج" وهذا رأي لبعض الفلاسفة. والذي عليه أئمتنا. أنها معنى زائد على ذلك به، يستعد العضو لقبول الحس والحركة؛ فهي عرض على كل قول -ومن ثم لو قال لها "حياتك طالق" لا تطلق وهو الصحيح.
أصل:
الصحيح احتياج الممكن -في حالة بقائه- إلى المؤثر.
مسألة:
اختلاف الصفة هو كاختلاف العين؟ فيه نظر واحتمال يتخرج عليه أنه هل يكفر منكرو صفات الباري ؟
وقد أخذ ابن الرفعة الخلاف في التكفير من اختلاف قول الشافعي ﵁ في من نكح امرأة على أنها مسلمة فلم تكن؛ فإن القول بالصحة -وهو الصحيح الجديد- مأخذه أن المعقود عليه معنى لا يتبدل بالخلف كاختلاف العين ولو اختلفت العين كما لو قالت:
زوجني من زيد، فزوجها من عمرو، لم يصح.
ووافقه الشيخ الإمام على هذا التخريج إلا أنه استشكله -فإن الأصح فيما إذا قال: بعتك هذا الفرس وكان بغلًا، عدم الصحة.
ولقائل أن يقول في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ١ الآية دالة على أن الجهل بالصفة جهل بالموصوف؛ وإلا فهم يؤمنون باليوم الآخر وإن كذبوا الرسل، وفي القرآن آيات صريحة
стр. 493
في أن أهل الكتاب يكذبون باليوم الآخر مع أنهم يقولون: إنهم يؤمنون به.
أصل:
اختلف أئمتنا في أن الأفعال المحكمة هل تدل على كون فاعلها عالمًا بها؟
كذا عبارتهم فاعلها، ولو قالوا: من صدرت على يديه كان خيرًا؛ فإن تسميته فاعلها -مع اختلافهم في أنه هل فعلها- مما لا ينبغي.
إذا عرفت هذا فقد آل بهم خلافهم إلى اختلافهم في أن النائم هل يفعل؟
قال إمام الحرمين في الشامل: إن من سلك مسلك الأدلة -وزعم أن الإتقان يدل على علم المتقن. منع صدور أفعال محكمة من النائم. إلى أن قال: ومن أبطل طريق الاستدلال وأسند العلم إلى الضرورة لم يمتنع عنده صدور أفعال محكمة من النائم.
ثم قال: وهذا في الأفعال الكثيرة المتقنة؛ فأما القليل من الأفعال فلم يمنع أحد من أصحابنا أن يتصور من النائم ذكره بعد ما نقل أن المعتزلة أجمعوا على النائم يفعل القليل وأن القول فيمن استمرت به الغفلة كالقول في المغمور في النوم.
ثم قال: وذهب القاضي -في جميع المحققين- إلى أنا نجوز وقوع القليل، ولا نقطع بأن الصادر من النائم مقدور له، بل يجوز أن تكون حركاته ضرورية وأن تكون اختيارية، وأطال الإمام في هذا -وعليه مسائل منها:
لو دبت صغيرة فارتضعت من كبيرة نائمة أخيل انفساح النكاح على الصغيرة خلافًا للداركي.
أصل:
نبحث فيه عن معنى السبب والعلة.
قد كثر تداول هاتين اللفظتين على لسان حملة الشريعة. من المتكلمين والأصوليين والفقهاء واللغويين والنحاة، وربما وقع في بعض الأذهان أن السبب هو العلة، وليس كذلك؛ بل الفرق بينهما كامن عند أهل اللسان وأهل الشرع، أما أهل اللسان، فقال اللغويون: السبب كل شيء يتوصل به إلى غيره، ومن ثم سموا الحبل سببًا. وذكروا أن العلة المرض وحدث يشغل صاحبه عن وجهه. واعتل عليه بعلة [إذا] ١ إعاقته عن أمر، وكلمات يدور معناها على أمر يكون عنه أمر آخر.
стр. 494
ولا حرج عليك إذا قلت: أمر يؤثر في أمر آخر لأنك هنا متكلم على المعنى اللغوي، ولأنا لا نعنى بالتأثير الاختراع بل ما عنه عادة الأثر بلا تخلف.
وذكر النحاة ما يؤخذ منه أنهم يفرقون بينهما حيث ذكروا أن اللام للتعليل، ولم يقولوا للسببية، وقال أكثرهم: الباء للسببية ولم يقولوا للتعليل، [وهذا تصريح بأنهما غيران] ١.
وقال ابن مالك: الباء للسببية والتعليل، ومثل للسببية بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ٢ وللعلة بقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ ٣.
وذكروا أيضًا الاستعانة، ومعنى الاستعانة غير معنى السب والعلة.
فإن قلت: اكتشف لي الغطاء عن ذلك، لينفع في فهم ما أنت بصدده.
قلت: الباء الداخلة على الاسم، الذي لوجوده أثر في وجود متعلقها- ثلاثة أقسام. باء الاستعانة، وباء السبب. وباء العلة.
وذلك لأنها إن صح نسبة العامل إلى مصحوبها مجازًا فهي باء الاستعانة، نحو كتبت بالقلم، وتعرف أيضًا بأنها الداخلة على أسماء الآلات.
وإلا فإن كان المعلق إنما وجد لأجل وجود مجرورها فهي باء العلة نحو "فبظلم" ألا ترى أن وجود التحريم ليس إلا لوجود الظلم وتعرف بأنها الصالحة غالبًا. لحلول اللام محلها.
وذكر غالبًا ليخرج نحو غضبت له، وغضب له. وإلا يكن المتعلق كذلك فهي باء السببية نحو ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ألا ترى أن إخراج الثمرات مسبب عن وجود الماء ولم يكن لأجل الماء بل لأجل مصلحة العباد.
وبهذا التقسيم علمت أن باء الاستعانة لا تصح في الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى؛ فهذا منتهى قول الناقلين عن العرب.
стр. 495
وأما أهل الشرع فالسبب والعلة يشتركان عندهم في ترتيب السبب والمعلول عليهما، ويفترقان من وجهين.
أحدهما:
أن السبب ما يصلح الشيء عنده. لا به والعلة ما يحصل به.
وأنشد ابن السمعاني في كتاب القواطع على ذلك قول الشاعر١:
ألم تر أن الشيء للشيء علة ... يكون به كالنار تقدح بالزند
ولكنه اختار في تعريف السبب أنه ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما.
قال: وقيل إنه مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقدمها ولا أثر لها فيه ولا في تحصيله، [قال] ١: وهذا كالحبل سبب إلى [الوصول] ٢ إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا بالحبل، وكذلك الطريق سبب إلى الوصول إلى المكان المقصود ثم الوصول بقوة الماشي لا بالطريق. وحل القيد سبب لفرار المقيد، والفرار بقوته لا بالحبل.
قال: ويمكن الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣ فجعل ضرب القتيل بلحم بعض البقرة سبب الحياة؛ فلا أثر لذلك في الحياة، وكذلك ضرب موسى البحر بالعصا. فدل هذا على أن السبب هو الموصل مع جواز المفارقة.
وأطال ابن السمعاني في تعريف السبب والعلة والشرط وعقد لذلك بابًا مستقلًا.
والثاني، بأن المعلول يتأثر عن علته بلا واسطة بينهما والشرط يتوقف الحكم على وجوده، والسبب إنما يفضي إلى الحكم بواسطة أو وسائط.
ولذلك يتراخى الحكم عنها حتى تؤخذ الشرائط وتنتفي الموانع.
وأما العلة فلا يتراخى الحكم عنها. إذا لا شرط لها، بل متى وجدت أوجبت معلولها بالاتفاق حكى الاتفاق أمام الحرمين والآمدي٤ وغيرهما، ووجهوه بدلائل كثيرة.