← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كافيًا. والأصل في المسائل كلها: أن قولنا: "هذه المسألة حلال" ليس معناه كون الحل صفة عين عندنا، حتى تكون عينها معقودًا عليها؛ بل إن الانتفاع بها حلال. وعندهم بل معناه أن العين حلال بناء على أن الحل من صفات الأعيان. مسألة: الحسن والقبح بمعنى ترتب المدح أو الذم عاجلًا، والثواب أو العقاب آجلًا -شرعي ولا عقلي، خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم من فقهاء الفرق. وفيه مسائل: منها: النجش حرام على الناجش وإن لم يعرف بالخبر الوارد فيه. قال بعض أصحابنا: لأن تحريم الخداع يعرف بالعقل، واعترضه الرافعي بأن ذلك ليس معتقدنا، وأجبنا عنه في شرح المختصر بأنه لم يقل: "إن العقل حرم" حتى يقال له: ليس ذلك معتقدنا؛ بل إنه أدرك التحريم وعرفه، والعقل إدراك لا محالة واعلم أن ما عزاه الرافعي إلى المختصر من أن الشافعي ﵁ أطلق القول فيه بتعصية الناجش، وشرط في البيع على البيع للتأثيم العلم بالنهي- لعله تبع فيها الإمام فإنه عزال إلى الشافعي ذلك لكنه لم ينص على ذكر المختصر، والذي في المختصر والأم اشتراط العلم بالنهي في الموضعين. ومنها: من لم تبلغه الدعوة مضمون بالدية والكفارة ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح؛ إذ ليس هو مسلمًا. ومنها: إسلام الصبي الصحيح عندنا أنه لا يصح، لأن صحته فرع تقدم الإلزام به، ولا إلزام مع الصبي شرعًا. وقال أبو حنيفة ﵀" يصح بناء على أن العقل يوجب على الصبي والبالغ العاقلين". ومنها: لا ينعقد نذر صوم يوم العيد وأيام التشريق ولا يصح صومه للنهي عنه. وقال أبو حنيفة ﵁: "يصح" لأن مطلق الصوم عبادة، فيكون حسنًا، فيستحيل أن ينهي عنه لعينه، فيجب صرف النهي إلى أمر وراءه كترك إجابة الداعي مثلًا. قال: ولا يلزم على هذا الصوم في الحيض والنفاس، فإن ذلك من باب النفي لا من باب النهي، ومعنى النفي إخبار الشرع بانعدام هذه العبادة شرعًا زمان الحيض، لقيام المنافي وهو حدث الحيض والنفاس.

стр. 492

وأطال الحنفية في هذا، ولا يصح لهم فرق، وما بالهم يعقلون كون الحيض مانعًا، ولا يعقلون كون العيد مانعًا ولا احتجاج على الشرع فله أن يجعلهما مانعين. ومنها: شهادة بعض أهل الذمة على بعض لا تقبل، وقال أبو حنيفة ﵀: تقبل، لأن المانع من القبول تهمة الكذب، وقبح الكذب، ثابت عقلًا فكل متمسك بدين يجتنبه. أصل: ذهب الإمام فخر الدين إلى أن الحياة "قوة النفس والحركة واعتدال المزاج" وهذا رأي لبعض الفلاسفة. والذي عليه أئمتنا. أنها معنى زائد على ذلك به، يستعد العضو لقبول الحس والحركة؛ فهي عرض على كل قول -ومن ثم لو قال لها "حياتك طالق" لا تطلق وهو الصحيح. أصل: الصحيح احتياج الممكن -في حالة بقائه- إلى المؤثر. مسألة: اختلاف الصفة هو كاختلاف العين؟ فيه نظر واحتمال يتخرج عليه أنه هل يكفر منكرو صفات الباري ؟ وقد أخذ ابن الرفعة الخلاف في التكفير من اختلاف قول الشافعي ﵁ في من نكح امرأة على أنها مسلمة فلم تكن؛ فإن القول بالصحة -وهو الصحيح الجديد- مأخذه أن المعقود عليه معنى لا يتبدل بالخلف كاختلاف العين ولو اختلفت العين كما لو قالت: زوجني من زيد، فزوجها من عمرو، لم يصح. ووافقه الشيخ الإمام على هذا التخريج إلا أنه استشكله -فإن الأصح فيما إذا قال: بعتك هذا الفرس وكان بغلًا، عدم الصحة. ولقائل أن يقول في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ١ الآية دالة على أن الجهل بالصفة جهل بالموصوف؛ وإلا فهم يؤمنون باليوم الآخر وإن كذبوا الرسل، وفي القرآن آيات صريحة

стр. 493

في أن أهل الكتاب يكذبون باليوم الآخر مع أنهم يقولون: إنهم يؤمنون به. أصل: اختلف أئمتنا في أن الأفعال المحكمة هل تدل على كون فاعلها عالمًا بها؟ كذا عبارتهم فاعلها، ولو قالوا: من صدرت على يديه كان خيرًا؛ فإن تسميته فاعلها -مع اختلافهم في أنه هل فعلها- مما لا ينبغي. إذا عرفت هذا فقد آل بهم خلافهم إلى اختلافهم في أن النائم هل يفعل؟ قال إمام الحرمين في الشامل: إن من سلك مسلك الأدلة -وزعم أن الإتقان يدل على علم المتقن. منع صدور أفعال محكمة من النائم. إلى أن قال: ومن أبطل طريق الاستدلال وأسند العلم إلى الضرورة لم يمتنع عنده صدور أفعال محكمة من النائم. ثم قال: وهذا في الأفعال الكثيرة المتقنة؛ فأما القليل من الأفعال فلم يمنع أحد من أصحابنا أن يتصور من النائم ذكره بعد ما نقل أن المعتزلة أجمعوا على النائم يفعل القليل وأن القول فيمن استمرت به الغفلة كالقول في المغمور في النوم. ثم قال: وذهب القاضي -في جميع المحققين- إلى أنا نجوز وقوع القليل، ولا نقطع بأن الصادر من النائم مقدور له، بل يجوز أن تكون حركاته ضرورية وأن تكون اختيارية، وأطال الإمام في هذا -وعليه مسائل منها: لو دبت صغيرة فارتضعت من كبيرة نائمة أخيل انفساح النكاح على الصغيرة خلافًا للداركي. أصل: نبحث فيه عن معنى السبب والعلة. قد كثر تداول هاتين اللفظتين على لسان حملة الشريعة. من المتكلمين والأصوليين والفقهاء واللغويين والنحاة، وربما وقع في بعض الأذهان أن السبب هو العلة، وليس كذلك؛ بل الفرق بينهما كامن عند أهل اللسان وأهل الشرع، أما أهل اللسان، فقال اللغويون: السبب كل شيء يتوصل به إلى غيره، ومن ثم سموا الحبل سببًا. وذكروا أن العلة المرض وحدث يشغل صاحبه عن وجهه. واعتل عليه بعلة [إذا] ١ إعاقته عن أمر، وكلمات يدور معناها على أمر يكون عنه أمر آخر.

стр. 494

ولا حرج عليك إذا قلت: أمر يؤثر في أمر آخر لأنك هنا متكلم على المعنى اللغوي، ولأنا لا نعنى بالتأثير الاختراع بل ما عنه عادة الأثر بلا تخلف. وذكر النحاة ما يؤخذ منه أنهم يفرقون بينهما حيث ذكروا أن اللام للتعليل، ولم يقولوا للسببية، وقال أكثرهم: الباء للسببية ولم يقولوا للتعليل، [وهذا تصريح بأنهما غيران] ١. وقال ابن مالك: الباء للسببية والتعليل، ومثل للسببية بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ٢ وللعلة بقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ ٣. وذكروا أيضًا الاستعانة، ومعنى الاستعانة غير معنى السب والعلة. فإن قلت: اكتشف لي الغطاء عن ذلك، لينفع في فهم ما أنت بصدده. قلت: الباء الداخلة على الاسم، الذي لوجوده أثر في وجود متعلقها- ثلاثة أقسام. باء الاستعانة، وباء السبب. وباء العلة. وذلك لأنها إن صح نسبة العامل إلى مصحوبها مجازًا فهي باء الاستعانة، نحو كتبت بالقلم، وتعرف أيضًا بأنها الداخلة على أسماء الآلات. وإلا فإن كان المعلق إنما وجد لأجل وجود مجرورها فهي باء العلة نحو "فبظلم" ألا ترى أن وجود التحريم ليس إلا لوجود الظلم وتعرف بأنها الصالحة غالبًا. لحلول اللام محلها. وذكر غالبًا ليخرج نحو غضبت له، وغضب له. وإلا يكن المتعلق كذلك فهي باء السببية نحو ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ألا ترى أن إخراج الثمرات مسبب عن وجود الماء ولم يكن لأجل الماء بل لأجل مصلحة العباد. وبهذا التقسيم علمت أن باء الاستعانة لا تصح في الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى؛ فهذا منتهى قول الناقلين عن العرب.

стр. 495

وأما أهل الشرع فالسبب والعلة يشتركان عندهم في ترتيب السبب والمعلول عليهما، ويفترقان من وجهين. أحدهما: أن السبب ما يصلح الشيء عنده. لا به والعلة ما يحصل به. وأنشد ابن السمعاني في كتاب القواطع على ذلك قول الشاعر١: ألم تر أن الشيء للشيء علة ... يكون به كالنار تقدح بالزند ولكنه اختار في تعريف السبب أنه ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما. قال: وقيل إنه مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقدمها ولا أثر لها فيه ولا في تحصيله، [قال] ١: وهذا كالحبل سبب إلى [الوصول] ٢ إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا بالحبل، وكذلك الطريق سبب إلى الوصول إلى المكان المقصود ثم الوصول بقوة الماشي لا بالطريق. وحل القيد سبب لفرار المقيد، والفرار بقوته لا بالحبل. قال: ويمكن الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣ فجعل ضرب القتيل بلحم بعض البقرة سبب الحياة؛ فلا أثر لذلك في الحياة، وكذلك ضرب موسى البحر بالعصا. فدل هذا على أن السبب هو الموصل مع جواز المفارقة. وأطال ابن السمعاني في تعريف السبب والعلة والشرط وعقد لذلك بابًا مستقلًا. والثاني، بأن المعلول يتأثر عن علته بلا واسطة بينهما والشرط يتوقف الحكم على وجوده، والسبب إنما يفضي إلى الحكم بواسطة أو وسائط. ولذلك يتراخى الحكم عنها حتى تؤخذ الشرائط وتنتفي الموانع. وأما العلة فلا يتراخى الحكم عنها. إذا لا شرط لها، بل متى وجدت أوجبت معلولها بالاتفاق حكى الاتفاق أمام الحرمين والآمدي٤ وغيرهما، ووجهوه بدلائل كثيرة.

стр. 496

فإن قلت: هذا إنما هو في العلة العقلية. قلت: الشرعية تحاكي العقلية أبدًا لا يفترقان إلا في أن تلك موجبة بنفسها، وهذه ليست موجبة- فإن قلت: فما معنى قولكم العلة الموجبة إذا كان الإيجاب للعلل على أصولكم. قلت: قال إمام الحرمين في الشامل ما نصه: ليس المراد بقولنا العلة توجب المعلول، أنها تثبته كما تقتضي القدرة حدوث المقدور؛ ولكنا أردنا بالإيجاب تلازم العلة والمعلول، واستحالة ثبوت أحدهما دون الثاني. انتهى. وهذا في الحقيقة هو الفرق الأول الذي أشرنا إليه بين العلة والسبب؛ فإن المسبب لا يلزم السبب لجواز تخلفه لمانع أو فقد شرط، والعلة سالمة من ذلك، فالملازمة فيها موجودة أبدًا. وأما الفرق الثاني: فقد ذكره الإمام في الشامل أيضصا قبل ذلك، وحكى عن المعتزلة أنهم قالوا [جميعهم] ١ "يجوز وجود السبب وانتفاء المسبب إذا تحقق مانع من وجود السبب". وأنهم قالوا: الحكم تحب مقارنته للعلة، ولا يجب مقارنة السبب للمسبب؛ بل يجب استنجازه عنه. انتهى. وهو المعنى بقولنا: "إن السبب لا يفضي إلى الحكم إلا بواسطة" إذا عرفت هذا فقول النافذ طلاقه: "أنت طالق"؛ فإنه يستعقب ووقع الطلاق من غير توقف على شرط. وقوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" سبب؛ فإنه لا يفضي إلى الحكم إلا بواسطة دخول الدار. وترى السبب منصوبًا، والمسبب مفقودًا، ولا كذلك العلة.

стр. 497

وأعلم أن الأصوليين لم يعتنوا بتحقيق الفرق بين العلة والسبب، وربما وقع في كلامهم أنهما سواء، لأن مقصدهم الوصف الذي ترتب بعده الحكم وله مدخل فيه، وليس ذلك إنكارًا منهم للفرق، بل لما لم يحتاجوا إليه لم يذكروه، وهو واقع لا محالة. واستعمله الغزالي ﵀ في الفقيات على نحو ما أيدناها، فقال في الجراح. الفعل الذي له مدخل في الزهوق إن لم يؤثر في الزهوق ولا فيما يؤثر فيه فهو الشرط وإن أثر فيه وحصله فهو العلة كالقد والجزء وإن لم يؤثر في الزهوق ولكن أثر في حصوله فهو السبب كالإكراه، ولا يتعلق القصاص بالشرط، ويتعلق بالعلة وكذا بالسبب على تفصيل فيه. واعترضه الرافعي بأنه لم يف بهذا الاصطلاح في الشرط والسبب لكونه سمى الحفر سببًا في الغصب وشرطًا في الجراح. وأجاب عنه ابن الرفعة بأنه إنما جعل الحفر شرطًا في الجراح وسببًا في الغصب؛ لأن الضمان ترتب على الحفر إذا انعدمت التردية، وفي الجراح لا يجب القصاص به إذا انعدمت، ويؤيده أنه في باب الديات جعل الحفر سببًا لتعلق الدية به. وهو جواب صحيح، حاصله أن الحفر صالح للسببية وللشرطية، فإذا ترتب عليه المسبب كان سببًا وإلا كان شرطًا، والقصاص لا يترتب فلا يكون بالنسبة إليه. سببًا بل شرطًا، والضمان ترتب فيكون بالنسبة إليه سببًا وهذا حسن، وعند هذا نقول: أعلم أن الوسائط بين الأسباب والأحكام تنقسم إلى مستقلة وغير مستقلة. فالمستقلة بضاف الحكم إليها ولا يتخلف عنها وهي العلل. وغير المستقلة: منها ما له مدخل في التأثير ومناسبة إن كان في قياس المناسبات وهو السبب، ومنها ما لا مدخل له، ولكن إذا انعدم ينعدم الحكم وهو الشرط بهذا يتبين لك ترقي رتبة العلة عن رتبة السبب، ومن ثم يقولون: إن المباشرة تقدم على السبب، ووجهه أن المباشرة علة، والعلة أقوى من السبب، ومن ثم لو فتح زقًا بمحضر من مالكه فخرج ما فيه والمالك يمكنه التدارك فلم يفعل فوجهان. أحدهما: يضمن كما لو رآه يقتل عبده أو يحرق ثوبه فلم يمنعه. والثاني: لا، والفرق أن القتل والتحريق مباشرة، وفتح الزق سبب. والسبب يسقط حكمه مع القدرة على منعه.

стр. 498

ونظير المسألة: إذا صالت عليه البهيمة، وأمكنه الهرب ولم يهرب ففي الضمان وجهان، وقد يكون الضمان في مسألة البهيمة أرجح منه في الزق؛ لأن الإنسان قد تحصل له عند الصيال -دهشة تشغله عن الدفع. تنبيه: لا يسحب أن الشرط أضعف حالًا وأنزل رتبة من السبب، بل الشرط يلزم من عدمه العدم، وهو من هذه الجهة أقوى من السبب، إذا السبب لا ملازمة بينه وبين المسبب. انتفاء وثبوتًا، بخلاف الشرط. ومن ثم قال القفال الكبير. فيما نقله ابن السمعاني عنه: "الطريق في التمييز بين العلة والسبب والشرط أنا ننظر إلى الشيء؛ فإن جرى مقارنًا للشيء أو غير مقارن ولا تأثير للشيء فيه دل على أنه سببه، وأما الشرط فهو ما يختلف الحكم بوجوده وعدمه، هو مقارن غير مقارن للحكم كالعلة سواء -إلا أنه لا تأثير له فيه؛ وإنما هو علامة على الحكم من غير تأثير أصلًا. وقال ابن السمعاني: "الشرط ما يتعين الحكم بوجوده". قال: والسبب لا يوجب تغيير الحكم، بل يوجب مصادفته وموافقته. ثم ذكر كلام القفال الذي ذكرناه. وليس مرادهما أنه يوجب الحكم. مسألة: قال علماؤنا: الشرط إذا دخل على السبب ولم يكن مبطلًا كان تأثيره في تأخير حكم السبب إلى حين وجوده، ولا في منع السببية. مثاله: إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو أنت طالق [إن] ١ دخلت الدار فالسبب قوله: أنت طالق، والشرط الداخل عليه. وهو قوله: إن دخلت، مقدمًا كان أو مؤخرًا. لا يؤثر شيئًا في قوله: "أنت طالق" بل في حكمه. وإنما قلنا: ِإنه لا يؤثر في "أنت طالق" لأن "أنت ط الق" ثابت مع الشرط كما هو ثابت بدونه، ولكن الشرط أوقف حكمه ومنعه؛ فكان أثر الشرط في منع حكم العلة لا في نفس العلة، بدليل أنه لو لم يقترن به الشرط ثبت حكم العلة. وربما عبروا عن هذا بأن الشرط لا يبطل السببية ولكن يؤخر حكمها فالسبب ينعقد ولكن الشرط يوقفه. ويؤخر حكمه فإذا ارتفع الشرط عمل السبب عمله. ومن ثم يقولون: الصفة وقوع لا إيقاع

стр. 499

ويقول الشيخ الإمام الوالد ﵀: إن دخلت الدار فأنت طالق، إنشاء للتعليق لا تعليق للإنشاء، ومعنى هذا أن السببية انعقدت في الحال، وحكمها تأخر بمقتضى الشرط إلى وجود الصفة. وأقول أنا: إذا دخلت الدار طلقت، لكونه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، لا لكونها دخلت. فأفهم هذا فلقد ذهل عنه ذاهلون، وأعلم أن أحدًا منا لا يقول: إنها طلقت لدخولها؛ بل إنما طلقت بالتعليق وحده لما انتفت عنه الموانع. فإن قلت: فقد قال الفقهاء: التعليق مع الصفة تطليق. قلت: ليس معناه أن الصفة جزء من التطليق، بل إنها شرط يوقف الحكم ويؤخر من أجلها وليس كل ما توقف عليه الحكم علة ولا جزء علة. هذا هو الحق: فالعلة فعل الزوج فقط. الذي يتصرف تارة بالتنجيز وتارة بالتعليق وليس لفعل الزوج أثر. وربما يقولو: الموقوف على دخول الدار، الطلاق لا التطليق. وربما قالوا أيضًا: المعلق الطالقية نزولًا لا الطالقية سببًا. وقد عرفت ما يعنون بهذه العبارات كلها. والحاصل أن تعليق الطلاق عندهم بمنزلة من يتخير الوكالة ويعلق التصرف على شرط لا بمنزلة من يعلق أصل الوكالة. فإن قلت: حاصل هذا الكلام أن التعليق إيقاع وتطليق، والمجزوم به -في كلام الإمام والغزالي والرافعي والنووي ما نصه ومن لفظ الروضة نقلته "إن مجرد التعليق ليس بتلطليق ولا إيقاع ولا وقوع". قلت: قد أطال الشيخ الإمام الوالد ﵀ في كتاب التحقيق: في مسألة التعليق الذي رد به على ابن تيمية١ وهو من نفائس كتبه.

стр. 500

الكلام على جواب هذا بما حاصله أن ذلك لا يدفع كون التعليق سببًا وهو المدعي هنا. وصرح به الأصحاب عند كلامهم على أن العزم عند الرجوع -هل هو على شهود التعليق أو الصفة؟ فقالوا: التعليق موقع والصفة محل. قال: والشافعية قد يمنعون إطلاق الإيقاع على التعليق، لاعتقاد أن الإيقاع، يستعقب الوقوع، لا لإنكار كون التعليق سببًا. قال: وللمسألة التفات على مسألة التكوين والمكون. وقال أبو حنيفة ﵁: "الشرط إذا دخل على السبب منع انعقاده سببًا في الحال". وربما قالوا: الشرط داخل على نفس العلة وأصلها، لا على حكمها. قالوا: والشرط يحول بين العلة ومحلها؛ فلا تصير علة معه. فحرف المسألة بيننا وبينهم أن الشرط هل يمنع انعقاد سبب الحكم حتى يكون الحكم عند انتفاء الشرط مستندًا إلى البقاء على الأصل لا إلى انتفاء الشرط أو لا يمنع انعقاد العلة بل يمنع وجود حكمها حتى يكون الدال على انتفاء الحكم صيغة الشرط. وهذا أصل عظيم في الخلافيات. عظم فيه تشاجر الفريقين، وعليه مسائل. منها: تعليق الطلاق أو العتق بالملك باطل عندنا؛ لأن التطليق المعلق سبب وقوع الطلاق، والتعليق أثر في تأخير حكمه مع بقاء سببه. وإذا بقيت السببية لزم أن يكون المحل مملوكًا، فإن اتصال السبب بالمحل المملوك شرط لانعقاده، ليكون السبب مفضيًا إلى الحكم عند وجود الشرط. ولهذا لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق لم يصح، لأن السبب لا يفضي إلى حكمه وإن وجد الشرط. وقال أبو حنيفة ﵁: يصح، لأن التطليق معلق بالشرط، فلم يكن سببًا لوقوع الطلاق فلا يشترط له ملك المحل، بل ينقعد التطليق يمينًا، لأنه إن قصد بها لمنع فهو موجود بوقوع الطلاق عند وجود الشرط، وكذا إن قصد الطلاق، لأنه أضاف الطلاق إلى الملك وكان كلامه مقيدًا فانعقد صحيحًا. هذا حاصل كلامهم.

стр. 501

فإن قلت: قرر لي وجه اشتراط كون السبب لا ينعقد حتى يتصل بالمحل المملوك؛ فإنه مما يتوقف فيه النظر، إذ قد يقول قائل: ينعقد السبب وإن لم يتصل بمملوك. قلت: لا حاجة بك هنا إلى تقرير هذا، بل يكفيك اتفاق الفريقين عليه؛ فإن الإمامين متفقان عليه، ولذلك اتفقا فيما ول قال لأجنبية: "إن دخلت الدار فأنت طالق" على أنها لا تطلق، وإن دخلت وهي زوجة؛ وإنما اختلفا في أنه هل وجد السبب في صورة النزاع أو لم يوجد؟ وبهذا يعلم أن من يحتج على الخصوم، بما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على رجل طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك ولا بيع فيما لا يملك"١ لا تتم له الحجة حتى يثبت أن التعليق قبل الملك كائن فيما لا يملك، وإلا فأبو حنيفة ﵁ يقول له: "أنا قائل بموجب الحديث، وأنا لا أجعل عملية الطلاق فيما يملك لأني لا أعقد السبب في الحال. فتأمل ذلك -فيه- تعرف مقدار معرفة مأخذ الأئمة. فلو اتفق الإمامان على انعقاد السبب لاتفقا على عدم الصحة، أو على عدم انعقاده لاتفقا على الصحة، ولكنهما اختلفا، فالشأن في تثبيت أحد القولين قبل الاستدلال بالحديث. نعم: أصحابنا يروون من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال لي عمل لي: أعمل لي عملًا حتى أزوجك ابنتي فقلت: إن تزوجها فهي طالق ثلاثًا، ثم بدا لي أن أتزوجها، فأتيت النبي ﷺ ، فسألته فقال لي: "تزوجها؛ فإنه لا طلاق إلا بعد نكاح"، فتزوجتها. فولدت لي أسعد وسعيد٢..

стр. 502

ومن حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، قال: طلق ما لا يملك١. وهذان: لا سيما الحديث الثاني -صريحان في مذهبنا، وقد رواهما الدارقطني؛ غير أن في سندهما مقال. ولقد تأملت هذه المسألة وأعملت فيها فكري واختبرت قريحتي وتلوت ما عندي من العلم. فلم أنته إلى ما يثلج له الصدر من ظن غالب؛ بل إن مذهب الشافعي ﵁، في هذه المسألة عندي راجح رجحانًا [لست] ٢ معه على ثقة من التزحزح بما يحدث من الشبهات. أما رجحانه: فلأني أظن أن حديث "ليس على الرجل طلاق فيما لا يملك". ظاهر فيما يتبادر إلى الفهم منه من أنه لا يعلق إلا من يطلق. ومعتضد بهذين الحديثين وإن كانا غير صحيحين وبما يؤيدهما من أحاديث آخر، ولأني أظن أن الشرط لا يمنع انعقاد السببية. غير أن ظني هذا، دون ما ظننته من الحديث، فلو ترقت دلالة الحديث عندي على مرامي، إلى درجات غلبة الظن لترقي بسببها ظني أن الشرط لا يمنع انعقاد السببية استدلالًا بالفرع على الأصل، لكن لم يترق، وللبحث مجال في منع الشرط انعقاد السببية؛ فهذه المسألة مما استخير الله فيه وأسأله التوفيق لوجه الصواب، وأعرف رجحان مذهب الشافعي ﵁، لكنه كما علمت رجحانًا لا أستطيع معه على الفتيا به. ويتلوه مذهب الإمام أحمد ﵁ في إحدى الروايتين "عنه" أنه يجوز تعليق العتق قبل الملك، ولا يجوز تعليق الطلاق فهو عندي أرجح من مذهب أبي حنيفة، لما عرف من التشوف إلى العتق، ومن وقوعه في غير مملوك بالسراية. ويتلوه مذهب أبي حنيفة فيجواز تعليق الأمرين، ولولا الأحاديث الظاهرة في خلافه لكان عندي أرجح المذاهب، ولولا أن صحيحها غير صريح في مرامنا، وضعيفها لا تنهض به الحجة لكان أضعف المذاهب.

стр. 503

وأضعفها مذهب مالك ﵀، فإنه فرق بين التعميم والتخصيص، ولا وجه له فيما يتبين لي. وأضعف من مذهب مالك مذهب ابن حزم١؛ فإنه وافق أبا حنيفة على أن الشرط يمنع انعقاد السبب، ثم زاد فقال: "يمنعه مطلقًا"، ومن قال: "لا يقع الطلاق المعلق رأسًا" وعليه أبو عبد الرحمن الشافعي المعتزلي٢ ولعلهما خرقًا إجماع الأمة. وقد حاول الشيخ الإمام القضاء عليهما بذلك في كتابه التحقيق، وذكر أن هذا الذي عليه ابن حزم ليس هو مذهب إمامه داود، وذكر أن مذهب شريح فيمن قال: "أنت طالق إن دخلت الدار" أنه يلزمه الطلاق دخلت أم لم تدخل. قلت: وتلخص من هذا أن الشرط الداخل على السبب قاطع له عند ابن حزم وأبي عبد الرحمن أحدهما يصير الكلام لغوًا، ويقابله قول شريح: "إنه يفسد في نفسه ولا يعترض السبب فيعمل عمله". ولكن شريح يقصر على ما إذا بدأ بالسبب قبل الشرط، ولا بقوله فيما إذا عكس فقال: "إن دخلت فأنت طالق". وفقهاء الفرق لا يلغون الشرط. ثم اختلفوا، فأشدهم إعمالًا [له] ٣ الشافعي ﵁، حيث قال: "إنه منتصب سببًا في الحال". وأبو حنيفة يقول: "سيصير سببًا في ثاني الحال، وأما في الحال فلا هو سبب ولا هو منهي".

стр. 504

ومنها: الصحيح عندنا، في رجوع الشهود -أن العزم على شهود التعليق دون شهود، الصفة في الطلاق والعتق لأن السبب. وفي وجه، رآه مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه عليهم جميعًا، ولعل قائل هذا من مذهبنا يجعل الصفة جزء علة، وهو احتمال للوالد ﵀ ذكره في كتاب "التحقيق" ثم صرح بأن الأرجح أنه شرط فليس جزء علة، وهو الحق كما قدمناه. ومنها قال ابن الحداد: إذا قال أحد الشريكين للعبد: إذا دخلت الدار فنصيبي حر، وقال الآخر مثل ذلك فدخل عنق "عليهما" ولم يحك صاحب البحر سواه، ولو لم يكن التعليق ينعقد سببًا في الحال لكان الوجه التفصيل بين أن يقول الشريك بعد شريكه أولًا؛ فإن قالا معًا فالأمر كذلك، وإلا فتأخر قول أحدهما يوجب سبق انعقاد قول صاحبه سببًا لنصيبه. فيشبه أن يقال: إذا دخل عتق على الأول، لأن السبب انعقد له قبل صاحبه، فيسري عليه إذا كان موسرًا. ومنها خيار الشرط يورث خلافًا لأبي حنيفة ﵁ أن الخيار لا يمنع نقل الملك؛ بل الملك حاصل وينتقل إلى الوارث، والثابت بالخيار، حق الفسخ والإمضاء؛ وذلك حق شرعي أمكن انتقاله إلى الوارث كما في الرد بالعيب. وعندهم خيار الشرط صفة حسية تقوم بالمختار والثابت به يشبه نقل الملك واستيفائه وهي صفة من صفاته تفوت بفواته. ومنها: أن كلًا من المتعاقدين مستبد بالفسخ في خيار الشرط، وقال أبو حنيفة ﵁: غير مستبد، بل لا بد من حضور شريكه في العقد. وحرف المسألة أن الخيار عندنا عبارة عن ملك فسخ العقد، وليس بمانع من انعقاد البيع، سببًا للملك. وعندهم عبارة عن استيفاء أحد الجانبين. ومنها: البيع بشرط الخيار ينعقد سببًا لنقل الملك في الحال؛ وإنما يظهر تأثير الشرط في تأثير حكم السبب، وهو اللزوم الذي لولا دخول الشرط لثبت -وهذا على القول المنصور في الخلاف. وهو انتقال الملك إذا كان الخيار لهما. وقال أبو حنيفة ﵁: لا ينعقد سببًا لنقل الملك. بل دخول الشرط

стр. 505

منع كونه سببنًا في مدة الخيار؛ فإذا سقط الخيار وزال الشرط انعقد حينئذ سببًا. وحرف المسألة ما ذكرناه من أن حقيقة الخيار عندنا ملك فسخ ما ثبت، وعنده استيفاء ما كان. ومنها: التكفير قبل الحنث يجوز عندنا لانعقاد السبب، ولا يجوز عندهم لا بالمال ولا بالصوم، لأن اليمين معلقة بالشرط، وهو الحنث. فلا ينعقد سببًا في حق الكفارة حتى يوجد الحنث. وإذا تأملت هذه المسائل عرفت أنا غفلنا سببًا تخلف عنه مسببه لقيام مانع أو تخلف شرط؛ فلم يمنع انعقاد الأسباب، وإن تأخرت المسببات. والخصوم لم يعقلوا ذلك فمنعوه، ولعلهم لا يفرقون بين العلة والسبب؛ فمن ثم يقولون: "لا يتأخر السبب عن مسببه، ولا يتوقف على شرط [فإن المعلوم لا يتأخر علته ولا يتوقف على شرط] ١ صحيح. وقد ذكر أئمتنا أن العلة الموجبة على القول بها -لا يجوز أن يكون إيجابها لمعلولها مشروطًا بشرط، قال إمام الحرمين في الشامل: والخائضون في العلل متفقون على ذلك. وأما قولهم: إن السبب والعلة سواء. فلسنا نوافقهم عليه؛ بل هما مفترقان، وسنعقد لذلك مسألة على الأثر ونبين وجود السبب وانتفاء المسبب لمانع، ولا كذلك العلة. فائدة: علمت الأصل العظيم الذي عظم فيه تشاجر الفريقين في الخلافيات وتبين لكل رأينا فيه، وقد حاد الإمام عنه في الفرع الشهير -وهو تعليق الوقف بالموت، ونحن نذكره ملخصًا. فنقول: استفتي في زمن الأستاذ أبي إسحاق في رجل قال: وقفت داري على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ بوقوع الوقف بعد الموت وقوع العتق في المدير وساعده أئمة الزمان. قال الإمام: وهذا تعليق على التحقيق، بل هو زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت. [قال الرافعي: وهذا كأنه وصية] ٢ يدل عليه أن في فتاوي

стр. 506

القفال أنه: لو عرض الدار على البيع صار راجعًا عنه. قال الشيخ الإمام: وقول الإمام: إنه تعليق على التحقيق صحيح؛ غير أن التعليق بالموت في التمليكات يصح وصية [بالوقف] ١ فالوقف أولى، وقوله: إنه زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت، يقال له: الوصية والتدبير كذلك، والحق أنه ليس واحد منهما إيقاع تصرف بعد الموت، وذلك أن التعليق عندنا تصرف ناجز الآن، وأثره يقع عند وجود الصفة، وعند الحفية يقدر كالنازل عند وجود الصفة ويرد عليهم التدبير. فالذي قاله الإمام: من أنه إيقاع تصرف بعد الموت، يشبه ما يقوله الحنفية، والذي نص عليه الشافعي ﵁ وذكره الأصحاب صحة الوقف كما أفتى به الأستاذ. وكاد الشيخ الإمام يدعي الإجماع عليه، قال: وإن كان ابن الرفعة حاول إثبات خلاف فيه فذلك غير صحيح، قال: وينبغي أن تجعل هذه المسألة أصلًا من الأصول أعني تعليق الوقف بالموت، قال: "ولا يخالف فيها حنفي ولا غيره".. فروع: قد يتخيل أنها ترد نقضًا على أصلنا: منها: لو علق الراهن [على] ٢ عتق المرهون بفكاك الرهن، نفذ عند الفكاك، وإن لم ينفذ عتق الراهن المنجز، لأن مجرد التعليق لا يضر بالمرتهن وحين يترك لا يبقى له حق. وقد يقال: كيف سوغتم تعليق من لا يملك التنجيز فإن الراهن المعسر لا ينفذ عنقه على الصحيح وكذا الموسر على قول. والجواب: أن عدم نفاذه ليس إلا لتعلق حق المرتهن، ولذلك لو أذن المرتهن نفذ، فالمقتضى قائم، ولكن منع منه مانع لم يوجد في صورة التعليق؛ فليس كالتعليق بل الملك إذ لا مقتضى هناك، ولو علق الراهن العتق بصفة أخرى وحدت بعد فكاك الرهن، فالأصح النفوذ. ومنها: إذا قال العبد لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثًا ثم عتق ثم فعلته، فالأصح وقوع الثالثة، والخلاف جار. ولو علق فقال: إن عتقت فأنت طالق ثلاثًا. والأصلح أيضًا وقوع الثالثة.

стр. 507

ولا خلاف في تعليق عتق الراهن بالفكاك أنه ينفذ -وفرق الإمام بفرق خدش فيه الرافعي بما لا يخدشه، وقد أطال الشيخ الإمام ﵀ في شرح المهذب- الكلام عليه بما لا نطيل به. وحاصل الفرق أن التعليق في الرهن مع قيام المقتضى وفي الطلاق قبله والشيخ الإمام وشيخه ابن الرفعة متفقان على صحة هذا الفرق مخالفان الرافعي في قوله: لعلك لا تنقاد إليه. ومنها: الإيلاء لا يصح إلا من زوج؛ فلو حلف على ترك وطء أجنبية كان يمينًا محضة. فإن نكحها فلا إيلاء- وهذا جار على القاعدة في أن التصرف قبل الملك لاغ. غير أن لنا وجهًا أنه إذا نكحها صار موليًا وعليه السؤال فمن قائل: إن منزعه جواز التعليق في النكاح قبل الملك وهو قول حكاه صاحب التقريب يوافق الحنفية، وهذه طريق الإمام الغزالي. وعلى هذا سقط السؤال. ومن قائل: إنه جار مع القول بأن التعليق قبل الملك باطل، وهو قضية طريقة الرافعي لأنه احتج بأن اليمين باقية وهي المانعة من الوطء، وعليها صاحب التتمة وكلام القاضي أبي الطيب في التعليقة -دال لها- فإنه جزم بها الوجه في الإيلاء مع تضعيفه للقول بالتعليق قبل الملك. غير أن الرافعي ذكر هذا الوجه الذي في الإيلاء -نسبة ناسبون إلى رواية صاحب التقريب، وصاحب التقريب إنما روى التعليق قبل الملك فيما يظهر؛ فالجمع بين أنه رواه صاحب التقريب وأنه مفرع على المذهب جمع بين ما في النهاية وما في التتمة ولا يجتمعان فيما يظهر. فرع: لقاعدة الشروط الداخلة على الأسباب هو في نفسه أصل من الأصول الفقهية، الشروط المعلق عليها كلها، عند الإطلاق تحمل على حياة الشخص المعلق -ولك أن تقولك الحياة شرط للشروط المعلق عليها؛ فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر. فلا يعتق حتى يدخل الدار في حياة السيد، وإن مات انقطع حكم التعليق. وقال مالك: لا ينقطع بل يعتق بدخوله بعد موت السيد، ولعل هذا منه مخالفة لهذا الأصل على الإطلاق أو في باب العتق بخصوصه.

стр. 508

وهذه القاعدة ذكرها الوالد ﵀ استطرادًا في كتاب اعتراض الشرط على الشرط. وقد يعترض عليها بما إذا قال: إن مت فأنت حر بعد موتي بشهر؛ فإن حكم التعليق لا ينقطع بالموت بل يتوقف العتق على انقضاء الشهر، وكذا إذا قال إن مت فأنت حر إن شئت، الصحيح يوقف العتق على مشيئة العبد بعد موت مولاه. أصل قاطع ١: لا يجوز عقلًا اجتماع علتين على معلول واحد. وهذا الأصل مهدنًا له في شرح المختصر، وناضلنا عنه وادعينا قيام القاطع عليه، وحكمنا عليه بأن مخالفه محجوج ببراهين العقول، ونزلنا عليه من الفروع الفقهية، ما يرتفع عن همم الزمان. وحظ هذا الكتاب أن يقول: "هذه قاعدة مضطردة منعكسة لا سبيل إلى انتقضاها بشيء من الصور سواء عرفت هذه العلة بالمؤثر أم بالعرف أم بالباعث، وكلام العقلاء في جميع العلوم من المتكلمين والأصوليين والنحاة والفقهاء متطابق على هذا، وما هي عندي إلا قاعدة كامنة في أفئدة العقلاء. أما المتكلمون فواضح تطابق آرائهم عليها. وأما النحاة؛ فلو عددت لك ما يدل على ذلك لأكثرت وخرجت عن مسائل الفقه، ويكفيك قولهم: "لا يجتمع عاملات على معمول واحد". وأما الفقهاء فقد أكثرت في شرح المختصر من كلامهم، وسأتحفك هنا بمقدار نافع. وأما الأصوليون، فاختلافهم فيه إنما نجده عند نظرهم في المسألة بخصوصها ثم إذا خاضوا بعيدًا عنها وجدت أفئدتهم تحوم حول المنع. فإن قلت: فقد وضح اختلافهم الشديد فيها وأكثر المتأخرين -منهم- على الجواز. قلت: [علم] ٢ أنه رب قاعدة مستقرة في الأذهان، غائبة عند المناظرة عليها عن العيانن بل يحاول الإنسان -إذ ذاك، دليلًا عليها فلا يجده، فيجنح، إلى إنكارها، وحسه وعقله يكذبانه ولو أعطي التأمل حقه ورزق من التوفيق ما يؤيده لوجد الدليل، على ما هو مركوز في طباعه إذا كان حقًا، أو لحما الله ذلك من قبله إذا كان باطلًا.

стр. 509

ولست بالمطيل هنا في الكلام على ذلك بعد ما أطلت في الشرح والعرض الآن، إنه لا يوجد، وصفان -فصاعدًا- يحسن أن يضاف الحكم إلى كل منهما لو انفرد إلا والحال إذا ذاك على وجهين. أحدهما: أن يتعاقبا: وحينئذ فقد يضاف الحكم إلى الول منهما كما في السببين إذا اجتمعا؛ فقد قال الأصحاب في الجراح: "يعول على الأول منهما". وتكلمنا على ذلك في قاعدة الأسباب. ونظيره في العبادات أنا نقول: من أحدث ثم أحدث حدثًا على حدث لم يتخللهما طهارة أن الحديث الثاني لم يفعل شيئًا. ويظهر أثر ذلك -إذا فرعنا على القديم في أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، أنه لو أخرج باقي الحدث عمدًا لم تبطل صلاته؛ بخلاف ما لو ابتدأ عمدًا حدثًا ثانيًا فإنها تبطل على الصحيح فيهما في تفاريع القديم. وقد يضاف إلى الثاني فقط كما في اجتماع السبب والمباشرة وقد يضاف إلى أخيلهما وأنسبهما سواء كان الأول أو الثاني. فعلى التقارير كلها لا يضاف إليهما جميعًا، ولئن أضيف إليهما جميعًا فالإضافة إلى المجموع منهما، وكل منهما جزء غلة لا علة مستقلة، فلا اجتماع لعلتين على معلول واحد. ولئن أضيف إلى كل منهما على سبيل الاستقلال ولن ترى ذلك إن شاء الله في صورة من الصور عن إمام من أئمة الهدى، فالصادر حكمان لا حكم واحد، كل مضاف إلى علته؛ فلا اجتماع لعلتين على معلول واحد الوجه الثاني: أنه يوجد الوصفان معًا -وهو غمرة هذا البحر وموضع التحقيق من هذه المسألة- فإما أن يبطل علمهما بالكلية، أو يعمل أنسبهما وأخيلهما إن كان فيهما أنسب وأخيل أو يعمل واحد منهما لا بعينه أو يعمل مجموعهما، أو يعمل كل منهما، ولكن يكون الناشئ حكمان لا حكم واحد. فهذه خمس طرق لا سادس لها، وليس في شيء منها إعمال علتين مستقلتين؛ بل إما [لا أعمال] ١ فلا حكم فرارًا من العمل بعلتين، وإما إعمال ولكن حكمان فلا يعود

стр. 510

على معلول واحد، وإما [إعمال] ١ ولكن العلة واحدة لا لعلل، والشريعة على هذا جارية قادرة، وفروع الفقه عليه دائرة داره. وأنا أضرب لك من الأمثلة ما يوضح الفرض، ويكشف الصدى عن القلب، وآتيك بصور لم تتهيأ إلا لمن طوف متون الفقهيات وخاض لججها. وها أنا أفرد الطرق طريقًا طريقًا، وهو [صنع] ٢ ليس من صنعي في شرح المختصر، وإن كان ذلك أفحل. [القول٣ في أحكام تتأخر عن أسبابها. ولا يمكن القول بمقارنتها لها. منها: بيع الخيار يتأخر فيه نقض الملك إلى انقضاء الخيار على أحد الأقوال. ومنها: الطلاق الرجعي مع البينونة. ومنها: الوصية يتأخر نقلها في الملك في الموصي به إلى بعد الموت. ومنها: السلم والبيع إلى أجل تتأخر عنه المطالبة إلى انتهاء الأجل] . فصل: فيما ازدحم عليه علتان فكان ازدحامهما سبب دمارهما وإهمالهما ولو على وجه. وفيه مسائل: منها: لو اتحد الخاطب وأوجب كل واحد من الوليين النكاح له معًا صح على الصحيح، ويتقوى كل واحد من [الإيجابين] ٤ بالآخر. وحكى العبادي عن القاضي وغيره أنه لا يصح؛ لأنه ليس أحدهما أولى بالاعتبار من الآخر فتدافعا. ومنها: الخنثى إذا أمنى من ذكره وحاض من فرجه؛ فقد نص الشافعي ﵁ على أنه لايبلغ، وأنه لابلوغ له إلا باستكمال خمس عشرة سنة. ولكم تأول الأكثرون هذا النص، وكاد الشيخ الإمام [الوالد] ٥ يجنح إلى ظاهر

стр. 511

النص فقال في باب الحجر: "وقفت على النص، وتأويله صعب، وقال في باب الإقرار: تأويله [مشكل] ١. ومنها: وكل اثنين في خلع امرأته -هذا على ألف وهذا على ألفين فأوقعها الخلع معًا. بأن صدر خطابهما لها معًا؛ فقالت: قبلت منكما أو كانت وكلت وكيلين فطلق كل واحد من وكيلي الزوج [مع واحد من وكيلي الزوجة] ٢ قال البغوي في الفتاوي، لا يقع شيء لأن الخلع من جانب الرجل معارضة، فهو كما لو وكل وكيلًا ببيع عبد بألف وآخر ببيعة بألفين فباعًا معًا لا يصح. ومها: إذا قال لشريكه الموسر: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر في حال إعتاقك. فسنذكر هذا الفرع في مسائل العلة هل تفارق المعلول، وتذكر فيه احتمال اندفاع اللفظ. ويمكن توجيه اندفاعه بتزاحم العلتين اللتين تقتضي [كل منهما ما] ٣ تقتضيه الأخرى؛ فإنا لا ندري حينئذ عمن يقع العتق ولا لمن الولاء. ويمكن توجيه أعمال السراية بأنها أقوى لكونها قهرية فتكون من قسم أعمال الأصل، وإلى هذا ذهب القفال والشيخ أبو علي؛ ولكن عللاه بعلة أخرى سنذكرها في تفارق العلة والمعلول. ويمكن عكسه بأن اللفظ أقوى من الحكم، وهو أيضًا من أعمال [أخيل] ٤ العلتين، وهو المنقول عن القاضي أبي الطيب في هذا الفرع كما سيأتي في موضعه، ونقله الروياني عن عامة الأصحاب.

стр. 512

القول فيما ازدحمت عليه علتان إحداهما أنسب وأخيل فأعملناها: ولنبتدئ في ذلك بحديث "الخراج بالضمان" فأقول: قد علل سيد الأولين والآخرين وأعلم الخلق أجمعين -محمد رسول الله ﷺ . بأنسب العلتين عند ازدحامهما. وفي ذلك دلالة على أنه لا يعلل بهما حينئذ؛ وإنما قلت: إنه علل بالأخيل، لأنه لما قال له الرجل المردود عليه بعده بعيب، بعد ما شاء الله أن يقيم عند المشتري. يا رسول الله: قد استعمل غلامي، قال ﷺ : الخراج بالضمان١، يعني. ما خرج من الشيء من عين ومنفعة وغلة؛ فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك؛ فإنه لو تلف المبيع كان بضمانه؛ فالغلة له لتكون الغنم له في مقابلة الغرم. فإن قيل: لو كان الخراج في مقابلة الضمان لكانت الزوائد قبل القبض للبائع، ثم العقد أو الفسخ؛ إذ لا ضمان حينئذ، ولم يقل بذلك أحد؛ وإنما يكون له إذا تم العقد. فالجواب: أن الشيخ الإمام ﵀ ذكر في شرح المنهاج أن الحكم قد يعلل بعلتين، فالخراج يعلل قبل القبض بالملك وبعده بالضمان والملك جميعًا. قال: واقتصر ﷺ على التعليل بالضمان لأنه أظهر عند البائع وأقطع لطلبه واستبعاده أن الخراج للمشتري؛ فقيل له: إن الغنم في مقابلة الغرم. قلت: ويجوز أن يكون النبي ﷺ جعل العلة بعد القبض الضمان وإن كانت قبل القبض الملك، لأنه لما ازدحم بعد القبض علتان -وهما الملك والغرم علل بأنسبهما وهو الغرم بخلاف ما قبل القبض فإنه لم يكن إلا واحدة فاحتيج إلى أعمالها. وهذا ما أوردناه للتنبيه عليه. فإن قيل: لو كانت العلة الضمان لزم أن تكون الزوائد للغاصب، لأن ضمانه أشد من ضمان غيره، وما كانت العلة أنسب وأشد إلا وكان الحكم فيها أولى، وهذا بحر إلى مذهب أبي حنيفة ﵀. قلنا: المعنى بالضمان ها هنا ضمان الملك لا مطلق الضمان؛ وذلك مقرر في مكانه، وهذا وضع المذهب وعلى أرباب الخلاف تقريره، وكان الغرض منه التطرف إلى أنه لا ينبغي -عند اجتماع وصفين أحدهما أنسب- أن يقال هما علتان؛ بل العلة الأنسب فإن طلب منا دليل شرعي؛ فحسبنا صنيع رسول الله ﷺ ، وعلى هذا عمل الفقهاء وإليه أشار الرافعي في كتاب الطهار في الكلام على تكفير الكافر بالإعتاق لما تكلم على قول

стр. 513

الغزالي: "يصح الإعتاق والإطعام من الذمي تغليبًا لجهة الغرامات؛ فقال: قوله تغليبًا لجهة الغرامات -أشار به إلى ما ذكره الإمام: إن الكفارة فيها معنى العبادات لما يتعلق بها من الإرفاق، وفيها معنى المؤاخذات والعقوبات، وغرضها الأظهر الإرفاق، وما يناط بسببين الأظهر منهما يستقل، كالحد فإنه ممحص وزاجر ويجب على الكافر زاجرًا، وإن لم يكن ممحصًا انتهى. وما نقله عن الإمام كذلك -رأيته في النهاية، وعزاه إلى الأصحاب [فقال] ١: قال الأصحاب: العبادات المالية يتعلق بها غرض الإرفاق وسد الحاجات والتقرب إلى الله تعالى والغرض الأظهر منها الإرفاق، وما نيط بسببين قد يستقل بأظهرهما، كالحد يمحص ويزجر ثم يثبت على الكافر زاجرًا وإن لم يكن ممحصًا. انتهى. ولك أن تقول هذا- من الإمام [يحسن] ٢ لكونه يمنع شرط اجتماع علتين؛ فإذا اجتمع وصفان أحدهما أظهر تعلق به لا محالة. أما الغزالي والرافعي فيما يظهر فلا يمنعان ذلك؛ فقد جرى الإمام على أصله، وجرهما استباعه فاقتفيا أثره وغفلا عن أصلهما، وكثيرًا ما يقع مثل ذلك للمقتفين آثار مشايخهم يخالفونهم في أصل ثم يغلبهم الألف على ما تلقفوه منه فيجرون معه في التفريع. فإذا قلت: فحينئذ لا متعلق لك، إذ هذا الصنيع صنيع الإمام [وحده] ٣ فمن أين يثبت لك أنه إذا اجتمع وصفان تعلق بأظهرهما. قلت: قد نقله عن الأصحاب وعزوه إلى الأصحاب. فائدة: لم يذكرها الرافعي، وأقول: إن نص الشافعي يؤيد ذلك؛ إذ قال ﵁ في الأم بعدما ذكر أن الذي إذا زنى يحد ما نصه: والحدود كفارة للمسلمين، ونحن نحده إذا زنى انتهت. وسيأتي مبسوطًا في أصول الفقه، فانظر كيف جعل العلة في حد المسلم. التكفير، ولا كذلك حق الكافر. [فإن قلت إذا نقله] ٤ عن الأصحاب

стр. 514

فما جر الغزالي والرافعي على استتباعه بل تبعًا للأصحاب. قلت: الأصحاب لما ظهر من صنيعهم التعليق بأنسب الوصفين دلنا ذلك منهم على أن العلتين لا يعملان جملة، وإن ذلك مركوز في طباعهم السليمة كما قدمناه؛ فمن منع اجتماع علتين نفعة ذلك ولم يحتج إلى اعتذار عنه بخلاف المجوز كالغزالي. فصل: ثم ما ادعيته من التعليل بأخيل الوصفين هو صنيع أصحابنا قاطبة، عراقيين وخراسانيين؛ وذلك في مسائل: منها: القاتل المرتد ازدحم على قتله علتان: القتل فنأخذ قصاصًا، والردة فنأخذه تطهير للأرض من المفسدين -ولا يمكن إعمالهما لضيق المحل عنهما، ولو ارتفع أحدهما بأن يتوب عن ردته أو يعفو عنه ولي الدم- لعملت الأخرى عملها. غير أن الغرض ازدحام العلتين، فنعمل علة القصاص ونسلمه إلى ولي الدم، والسر في ذلك أن غرض الشارع من تطهير الأرض من المفسدين حاصل بإزهاق روحه بأي طريق فرض، وغرض ولي الدم من التشفي لا يحصل إلا بمباشرة القتل، فيسلم إليه. ولم يقل أحد بأعمال العلتين وأن القتل يقع عن الأمرين. ونظيره لو قطعت يمناه ووجب فيها القصاص ثم سرق سرقة توجب القطع، قال الإمام في النهاية قبيل كتاب الأشربة؛ فقد ازدحم على يمناه الحد والقصاص، ولكن القصاص يقدم وهذا متفق عليه. انتهى. ومنها لو اجتمع عليه قطع السرقة وقطع المحاربة، فقد ازدحم عليه علتان، وهما حقان لله تعالى. فقد يقول القائل فيمن قدمناه -من القاتل المرتد والسارق الذي وجب عليه القصاص في اليد- إنما قدم القصاص لتغليب حق الآدمي، فإن حق الله في العقوبات يتعرض للسقوط بالشبهات. فنقول: أولًا: هذا لا يضرنا، فإن غرضنا أن لا يعمل العلتان ولنقدم أحدهما بأي طريق اتجه.

стр. 515

ثانيًا: قد أتيناك بصورة ألحقنا فيها من جنس واحد، وقد قال الأصحاب: تقطع يده اليمنى للسرقة. وربما قالوا: للمحاربة. وهذا برهان واضح لدرء العلتين وتبين أثره في قطع الرجل مع اليد فاختلفوا فيه على وجهين. أحدهما: يؤخر إلى أن تندمل اليد، لأنها مقطوعة للسرقة والرجل للمحاربة، ولا موالاة بين حدين، قال إمام الحرمين: وكان لا يستحق في الحد إلا الرجل. وأصحهما -وهو المنصوص- يقطع ولا مبالاة بالموالاة كما لو لم يوجد إلا المحاربة، قال الرافعي: والقطعان قد نجعلهما عن المحاربة إدارجًا لقطع السرقة في قطع المحاربة. وقد نقول: هذا عن السرقة، وهذا عن المحاربة، لكن العضوين مقطوعان كما لو لم يوجد إلا المحاربة، فزيادة الجناية لا تمنع من الموالاة. انتهى. فانظر كيف كان كلامه بين احتمالات ليس منها إعمال العلتين، ولم أجد لأحد من أصحابنا تشبثًا بإعمال العلتين غير صاحب التنبيه؛ فإن عبارته: "قطعت يده اليمنى للسرقة والمحاربة" وهي محمولة على ما ذكره في المهذب حيث قال: وهل تجوز الموالاة؟ فيه وجهان. أحدهما: الجواز، لأن قطع الرجل مع قطع اليد حد واحد فجاز الموالاة بينهما. الثاني: لا يجوز قطع الرجل حتى تندمل اليد فإن قطع الرجل لقطع الطريق وقطع اليد للسرقة وهما سببان مختلفان؛ فلا توالي بين حديهما. فانظر كلامه ﵀ ما أحسنه قد بين فيه أنه لم تعمل العلتان، وتحصلنا منه على اختلاف بين أصحابنا في أن اليد تقطع للسرقة أو المحاربة وعليه ينبني قطع الرجل معها- قبل الاندمال، فمن قال: تقطع للمحاربة لم يرتب في قطع الرجل معها. وأما من قال: "تقطع للسرقة" فيحتمل أن تؤخر لئلا يقع توالي بين حدين، ويحتمل أن يقال: لا تؤخر؛ لأنه لو لم يقطع للسرقة لقطع للمحاربة وقطعت الرجل، وزيادة الجناية لا تمنع الموالاة. ومنها: إذا اشترط المتبايعان الخيار ثلاثًا فقد يتخيل -ما لم يفترقا- اجتماع خيار المجلس وخيار الشرط وفي المسألة وجهان.

стр. 516

أحدهما: قال الإمام في آخر باب الشرط: الذي يفسد البيع وإليه ميل النص أكثر وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب أن ابتداء خيار الشرط في حين التفرق. وعلى هذا فقد قدم خيار المجلس عند الازدحام، وما ذلك إلا لأنه أنسب، لأنه ثابت بالشرع، وما يثبت بالشرع أولى مما يثبت بالشرط وهذه قاعدة [سنذكرها إن شاء الله تعالى] ١. ومنها: إذا اشترى المستأجر العين المستأجرة ففي انفساخ إجارته وجهان: قال ابن الحداد: تنفسخ -قال الرافعي: ويعبر عن هذا بأن الإجارة والملك لا يجتمعان. قلت: وليس كذلك. فإن هذا التعبير يستدعي أن يمتنع طريان الإجارة على الملك كما امتنع عكسه عند ابن الحداد، وابن الحداد لا يقول به كما بينته في كتاب [لي] ٢ في هذه المسألة سميته "رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة" وبينت أن المحذور عند ابن الحداد أن اجتماعهما على وجه خاص وهو أن يملك ثم يكتري، ولا عكسه. وفيه مباحث تتعلق بما نحن فيه لا بأس بالوقوف عليها، فلتقع الإحالة عليها، والاكتفاء بالإشارة هنا إليه. ومنها: لو استولد مدبرته، فالذي أورده أكطثر سلف الأصحاب وخلفهم أنه يبطل التدبير، لأن الاستيلاء أقوى، فيرتفع به الأضعف كما يرتفع النكاح بملك اليمين. ومنها تدبير المستولدة، فإنهلا يصح، لأن الاستيلاد أقوى من التدبير، وقد ذكرنا هذا في أوائل الكتاب في قاعدة "أن الثاتب بالشرع أولى من الثابت بالشرط" وشبهناه [من نذر] ٣ أن يأتي بالفرائض. وقد قال الأصحاب قاطبة لا يصح. ومنها: إذا قالت المرأة لزوجها طلقني بكذا، وارتدت عقب سؤالها فأجابها على الاتصال بحيث تقارن زمان الردة وزمان الجواب، فقد وجد سببان للبينونة في زمان واحد.

стр. 517

قال الوالد رحمه الله تعالى في باب الخلع: "الذي يظهر ثبوتها بالانفساخ في زمن الردة واندفاع الطلاق والمال". قال: ولم أر للأصحاب كلامًا في ذلك؛ وإنما أطلقوا أنه إذا أجابها على الاتصال وكان قبل الدخول، تعجلت الفرقة بالردة، ولا يقع الطلاق، ولا يلزم المال. وقيد الشيخ الإمام الوالد ﵀ هذا بما إذا سبقت الردة الجواب. قال: وإن سبقها الجواب فلا شك في وقوع الطلاق ولزوم المال، ولا أثر للردة لتأخرها، ولو تقارنا فقد ذكرناه. ومنها: شرط مقتضى العقد لا ينفع ولا يضر، وذكر المحاملي أنه صحيح؛ فإن عنى أن ذكره لا يفسد العقد فحق، وإن عنى أنه يؤثر شيئًا فغير مسلم. وقد تكلمنا عليه في شرح المختصر. ومنها: عبد مشترك بين مالكين وكل أحدهما صاحبه في عتق نصيبه؛ فقال نصفك حر، ولم يرد نصيبه ولا نصيب شركيه، بل أطلق؛ فقد ازدحم على [عتق] ١ نصف مبهم علتان متى عملت إحداهما بطلت الأخرى فعلى أي النصفين يحمل؟ فيه وجهان: قال النووي لعل أقواهما الحمل على النصف المملوك لا الموكل فيه. قلت: وقد يوجه بأن تصرفه فيما هو ملكه أتم؛ فكانت علته أنسب وأخيل، ولا يتصور في هذه المسألة، جعلهما جزء علة، ولا أن العلة أحدهما. ونظير المسألة -وكل المرأة في الخلع إذا أطلق ولم يضف إليها ولا إلى نفسه ولا نوى شيئًا، قال الغزالي: يحمل على الوكالة، وللرافعي فيه بحث. وأقول: الحمل على الوكالة هنا أرجح منه في مسألة العتق، لأن خلع الأجنبي نادر بخلاف الوكيل، ولا كذلك عتق المالك، لأن عتق المالك أسرع إلى النفوذ، إذ لا مدفع له، بخلاف الوكيل، لاحتمال أن يكون عزل، والعتق منسوب إيه شرعًا فيحمل على المالك. ومنها: إذا كان للوارث دين على الميت وليفرض في حائز ليتضح ولا يتوقف معه الفهم.

стр. 518

فنقول: من له دين من الحائزين في ذمة موروثه قد يتخيل ازدحام ملكه لما ورثه الميت بسببين الإرث والدين -والحق أنه إنما يرثه بالإرث لا بالدين؛ لأنه جهة الإرث أقوى، ولا تتوقف على شيء، وجهة الدين تتوقف على إقباض وتعويض، وهما متعذران لأن التركة ملكه. وهنا واقعة: وهي أنه يسقط من دين الوارث أبدًا ما يلزمه أداؤه من ذلك الدين ولو كان لأجنبي وهو نسبة إرثه من الدين إن لم تزد على التركة، وما يلزم الورثة أداؤه منه [إذا] ١ زاد ويستقر له نظيره من الميراث، ويقدر أنه أخذه ثم أعيد إليه عن الدين، ويرجع على بقية الورثة ببقية ما يجب أداؤه منه على قدر حصصهم، وقد يفضي الأمر إلى [التفاضل] ٢ إذا كان الدين لوارثين؛ فإذا كان الوارث حائزًا ولا يدين لغيره ودينه مساو للتركة أو أقل سقط، وإن زاد سقط مقداره وبقي الزائد. هكذا حققه الشيخ الإمام ﵀ في تصينف له في الواقعة سماه "منية الباحث عن دين الوارث". قال: ويأخذ التركة في الأحوال إرثًا [وقيل] ٣ يقدر أنه أخذها دينًا، لأن الدين مقدم، ويسقط لدخول التركة في ملكه، فإن الدين لا يمنع الإرث -ويستحيل ثبوت الشخص على نفسه، فأحوجنا ملكه لها- ومن جملتها الدين، لأنه يرث الدين كما يرث العين، إلى تقدير الانتقال، وهو تقدير محض لا حقيقة له. هكذا قرره الشيخ الإمام وغلط فيه فقفهاء زمانه قاطبة واستشهد عليه بقول ابن الحداد وغيره. تنبيه: فيما يظن فيه ازدحام علتين أعمل أضعفهما. قال الأصحاب: من ختن الصبي -من ولي أو أجنبي- في سن لا يحتمله لزمه القصاص إلا الأب والجد، قال الرافعي: للبعضية، ولك أن تقول: لو كان انتفاء القصاص هنا للبعضية للزمك استثناء الحر يختن العبد للحرية والمسلم يختن الكافر، وإن كان الكافر لا يطلب ختانه -للإسلام فكان ينبغي إما أن يستنثي الثلاث أو يترك ذكرها اكتفاء بما علم- في أوائل الجراح- من انتفاء القصاص عند هذه الأمور. فإن قلت: فما العلة الموجبة لتخصيص ذكر الأب والجد؟

стр. 519

قلت: قوة الولاية أو مطلق الولاية على ما سنحرره. فإن قلت: لم عدلتم عن التعليل بالبعضية؟ قلت: لوجهين -أصولي وفقهي. أما الأصولي: فلأن الأبوة مانع من [ثبوت] ١ القصاص ولا ينبغي أن يعلل بالمانع ما أمكن التعليل بالمقتضى فإن قلت: لم قلت: أن الأبوة مانع من ثبوت القصاص. وهلا قلت أنها مقتضى لعدمه. قلت لوجهين. تحقيقي وجدلي. أما التحقيقي: فلأن الأبوة لو كانت مقتضيًا عدم القصاص لعارضها القتل المحض العمد العدوان المقتضى للقصاص ولتكافأ، أو احتيج انتفاء القصاص، إلى مرجح -وهذا بخلاف ما إذا جعلته مانعًا، فإن لا تحتاج إلى مرجح من خارج. فافهم هذا السر، فهو دقيق يظهر [لك] ٢ به جعل الأصوليين الأبوة مانعًا للثبوت لا مقتضيًا للانتفاء، وربما زلت أقدم أقوام في هذا المقام لذهولهم عن هذا السر، وحاولوا جعل الابن مكافئ، ليتوصلوا إلى انتفاء القصاص. والتحقيق وبه صرح الغزالي -أن الأب مكافئ للولد- لأنه مكافئ لأخيه الذي هو عم الولد. وكافئ المكافئ مكافئ. فلا احتياج إلى دعوى عدم المكافأة؛ فإنه لم يتعارض هنا علتان، وليس إلا علة قام معها مامع من أن تعمل عمله. ومن فوائد ذلك أن لا نحتاج في إثبات الضمان على الوالد إلى دليل يتجدد؛ بل نقول: وجوب الدية ثابت ثبوت القصاص، فإن منع مانع من ثبوت القصاص لم يمنع من ثبوت الدية، وتكون مستفادة، من المقتضى للقصاص الذي لم يعارضه فيها مانع. وهذا بخلاف ما إذا جعلنا الأبوة علة لانتفاء القصاص، فإنها لا تدل على ثبوت الدية، ولا على نفيها، ولا يمكن أخذ ثبوتها حينئذ من علة ثبوت القصاص، لأنه قد عارضها معارض أبطل عملها. لا يقال: إنما أبطل عملها في القصاص، لأنا نقول: إن قلنا: الدية متأصلة فيحتاج إلى دليل يخصها. وإن قلنا بدل عن القصاص، فالقصاص ها هنا لم يجب

стр. 520

أصلًا، فلا يطلب له بدل. وفي الكتاب مباحث كثيرة أضربت عنها طلبًا للاختصار. وأما الجدل: فلأنا لو جعلناها مقتضية للعدم، لعللنا الحكم العدمي بالوصف الوجودي، ولئن جاز ذلك، على خلاف فيه فإنما يحسن حيث لا يمكن سواه، أما إذا أمكن تعليل الوجودي بالوجودي فهو أولى. فهذا إتمام الكلام على الوجه الأصولي من الوجهين المقتضيين لعدولنا عن التعليل بالبغضية. وأما الفقهي: فلأنا لو عللنا بالبعضية لما فرقنا في الضمان - إذا كان ختان الصبي في سن [لا يحتمله] ١ بين أن يكون الخاتن أصلًا من أصوله أو وليًا غيره، لكنا فرقنا قطعًا، فإن القول بأن الأصل لا يضمن -في السن المحتمل- هو الصحيح. وأما غير الأصل: فإن كان سلطانًا ففيه وجهان، رجح الإمام منهما عدم الضمان أيضًا، ولم يرجح الرافعي في الشرح شيئًا- لكن في المحرر تبع الإمام. ولا يخفى أن تضمين الإمام أقرب من تضمين الأب والجد، وبذلك صرح الإمام في النهاية، وإن كان فيه غير ما ذكرناه فهي مسألة لم أجدها مصرحًا بها في غير الحاوي للماوردي، وهو وإن قال فيها بعدم الضمان فلا ينكر أن تضمينه أقرب من تضمين الإمام. فاختلاف هذه المراتب، مع اتفاقها في الحكم على الأصح. دليل على أن التعليل بالولاية أولى. فإن قلت: أبو لاية الأبوبة تقللون أم بمطلق الولاية؟ قلت: إن ألحقنا غير الأب به فبمطلق الولاية وإلا فبولاية الأبوة لقوتها. وقد نظرنا إليها في باب الحجر، حيث فرقنا بين دعوى الصبي بعد بلوغه على الأصل ودعواه على الوصي. وقد يقال: يعلل في الأب بولاية الأبوة ثم يلحق به غيره لمطلق الولاية. ولكن يلزم على هذا أن يقال: إلحاق غير الأب به قياس أدون كإلحاق التفاح بالبر في الربا ولا محظور في ذلك. وإذا وضح لك ما أبديت من التقرير علمت أنه ليس لقائل أن يقول: إذا كانت

стр. 521

الأبوة علة والولاية علة فالتعليل بالولاية عند الازدحام -إعمال للأضعف. لأنا قد بينا أن الأبوة ليست بعلة، فضلأا عن أن تكون أولى من الولاية. وبتقدير أن تكون علة فقد ازدحم على الأب الولي ثلاثة أوصاف، أعمها كونه وليًا، وأخص منه كونه وليًا بالأبوة، وأخص من هذا الأخص منه كونه أبًا، فيلتحق ذلك بما ازدحم عليه علتان -عامة وخاصة- وتظهر فائدة ذلك بما إذا كان الأب غير ولي -بأن كان فاسقًا- فأقدم على الختان، فلا قصاص عليه حينئذ لكونه أبا، لا لكونه وليًا، إذ لا ولاية حينئذ، بل لمانع الأبوة، وهنا يحتاج إلى التعليل بالبعضية ولا في الأب الولي. فصل: فيما ازدحم عليه علتان لا يترجح إحداهما على الأخرى وظهر الحكم بعدهما، فحكمنا بأنهما جزءًا علة واحدة، والعلة حينئذ المجموع، أو أن العلة إحداهما لا بعينها، أو نقول: بأن كلا منهما علة مستقلة؛ غير أن الواقع حكمان لا حكم واحد، فلا اجتماع لعلتين على معلول واحد أبد الآباد وغوص الغائصين ودهر الداهرين. ومن أمثلة هذا الفصل: من مس ذكره وأجنبية في وقت واحد، ولا أقول: من مس وبال؛ فإنه يختلج في الذهن تقديم علة البول. ومنها: عتق الراهن والموسر واقع، لكونه مالكًا موسرًا وبهذه خرج المعسر، والذي يظهر أن العلة في هذه الصروة مجموع المالكية مع اليسار. فإن قلت: يعارض وصف المالكية تعلق حق المرتهن. قلت: معارضة جزء العلة لا ينهض بدفع العلة عن عملها؛ فإن المالكية في الأصل علة مستقلة وإنما صارت جزءًا بانضمام وصف اليسار إليها، فنشأ عنه أن عتق المعسر عنه لا يجوز، فإذا عورض هذا الجزء لم يتدفع. وفقه المسألة: أن حق المرتهن وإن تعلق بالعين فغرضه الأعظم التوصل إلى ماله، وعو عند ذي اليسار حاصله فاضمحلت معارضته. وليس هذا منا نظرًا إلى معنى المالكية كما يقوله مالك. وإن كنا نختاره -ولكنه أمر وراء ذلك وهو جرار لم أذكره في شرح المختصر بل اقتصرت أنا حينئذ بقسط وصف المالكية.

стр. 522

والمختار عندنا في الجواب الآن ما ذكرناه في شرح المختصر من الفقه، وتحققنا به ما تطول إعادته هنا، فعلى من أراد البسط في هذه المسألة أن ينظر فيه. ومنها: لو قال لنسائه الأربع من حملت منكن هذه الخشبة فهي طالق فحملها ثلاث منهن، وهي خفيفة تستقل كل منهم بحملها- في فروع الطلاق من الرافعي لم تطلق واحدة منهن، وقيل: يطلقن. قلت: فأما القول بأنه لا تطلق واحدة منهن ففيه دمار للعلتين عند ازدحامهما، وهو يؤيد منع اجتماع العلتين. وأما القول بأنهن يطلقن. جميعًا فلا وجه له إلا أن كل واحدة [منهن] ١ حملت، وهو مكابرة في المحسوس، لأن [المجموع] ٢ حاصل بقوى كلهن، وإن كانت كل واحدة لو انفردت لأثرت، فالوجه بعدم الطلاق البتة، وإن كانت ثقيلة لا تستقل كل واحدة بحملها، كذا في الرافعي، وينبغي أن يقول: ولا اثنين، قال: طلقن. وأقول: وينبغي أن لا تطلق واحدة منهن لأن الحامل مجموعهن لا كل واحدة منهن، والمحلوف عليه كل واحدة لا المجموع. فصل: فيما ازدحم عليه علتان - عامة وخاصة. وقد يقال فيما هذا شأنه: إن العلة العامة لعمومها، وتسقط الخاصة عن درجة الاعتبار مطلقًا وقد يقال: العلة في موضع الخصوص الخاصة، وفيما عداه العامة. وفي هذا إجحاف وإخراج لوصف العموم عن صلاحية العلة في موضع الخصوص بلا داع. ومن يجمع بين العلتين لم يبال بهذا، ويقول كلا الوصفين علة، ولهذا أمثلة: منها: عتق الراهن عند من ينفذ إذا كان موسرًا أو عند من لا ينفذ إذا كان معسرًا، وقد تكلمنا على هذا في شرح المختصر؛ فلينظر. ومنها: منفعة الدار والعبد ونحوهما تضمن بالتفويت والفوات تحت يد عادية، كذا قالوا. وأنا أرى أن العلة الفوات لا التفويت، وأن خصوص التفويت [يلغى] ٣ وإلى

стр. 523

هذا أشار الشيخ الإمام الوالد ﵀ في باب الغضب من "شرح المنهاج" ويدل له قول الأصحاب: "لو نقص المغضوب بغير استعمال وجب الأرض مع الأجرة، ولو نقص بالاستعمال كما لو بلي الثوب باللبس؛ فكذلك على الصحيح لأن الأجرة للفوات، والأرض للنقص، وهما سببان مختلفان فيثبت موجبهما. والثاني: لا يجب إلا أكثر الأمرين -من الأجرة والأرض لأن الأرض بسبب الاستعمال فيتداخلان فهذا الوجه يشهد لأن العلة الفوات دون التفويت؛ وإلا فكيف يكون التفويت غير مضمن والفوات مضمنًا، لترددهم في التفويت، وجزمهم في الفوات شاهد لما قلته، ثم علة الفوات مضطردة سالمة من النقص بخلاف التفويت؛ ألا ترى أنه لو غصب عبدًا مرتدًا فقتله لم يجب عليه ضمانه، لو مات في يده ضمنه، والفرق أن يقيم في الأول حد الله، وإن كان مفتاتًا على نائب المسلمين -بخلاف الثاني. ومثله لو لم يكن مرتدًا بل قال مولاه للغاصب أقتله فلو قتله لم يضمنه، لو تلف في يده ضمنه صرح به الإمام في النهاية في باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب قبل باب إظهار دين الله. ومنها: علة وجوب نفقة القريب على قريبه يتحصل من كلام الأصحاب فيه وجهان: أحدهما: أنه منزل منزلة نفسه للبغضية. والثاني: يسار القريب المنفق. واليسار أخص من الأول، والأرجح التعليل بالأعم، ويتخرج عليها أنه هل يجب على القادر على الكسب الاكتساب لنفقة القريب؟ والأصح الوجوب لذلك. واتفاق الأصحاب أو أكثرهم، على وجوب نفقة القريب على المفلس المحجور، يدل على أن العلة ليست اليسار؛ بل مطلق الملك، وبه صرح القاضي الحسين قال: ولا شك أن المفلس معسر، وإن أنفق على قريبه فذلك لعلة المالكية. فصل: فيما ازدحم عليه علتان بينهما عموم وخصوص من وجه، العمل منهما لما هو الأقوى في كل صورة بخصوصها. وله نظائر منها:

стр. 524

منها: إذا كان القاضي وصيًا على يتيم فهو يتصرف له من حيث أنه قاض، وتلك صفة تعم هذا اليتيم وغيره من اليتامى، ومن حيث أنه وصي، وتلك صفة تبقى وإن زالت صفة القضاء؛ فهي أعم من القضاء من هذا الوجه، لأنه إذا زال خصوص كونه قاضيًا، بالنسبة إلى هذا اليتيم، بقي عموم كونه وصيًا لا يختص تصرفه بزمن القضاء، والأقوى ما دام قاضيًا تصرفه بالوصية فإنه تصرف بالخصوص. فإن قلت: ماذا ينبني على هذا؟ قلت: إذا كان لليتيم حق ورثه من أبيه فهل له الحكم به؟ فيما ذكرناه يظهر أنه لا يحكم؛ لأنه إنما يتصرف بالوصاية ولا قضاء فيها، ولو تصرف بالقضاء لكان حاكمًا والخصم هو الوصي "وهو الوصي" فيكون خصم نفسه وهذا لا يضر. فمن ثم رجح قول ابن الحداد في وصي على يتيم ولي الحكم فشهد عند بمال لأبي الطفل على منكر أنه ليس له أن يحكم عليه؛ لأن من كان خصمًا في حكومة لم يجز أن يكون حاكمًا فيها. كما لا يحكم على غيره لنفسه، ولأنه لو شهد للصبي، الذي هو قيمه -بمال [لم يقبل] ١ ومن لا يشهد لشخص لا يحكم له. وصحح الرافعي أن له الحكم، وذكر أن قول القفال، والقفال لم يفصح به في شرح الفروع؛ وإنما الشيخ أبو علي نقله عنه في شرح الفروع سماعًا، واحتج بأن القاضي يلي أمر الأيتام كلهم وإن لم يكن وصيًا فلا تهمة. قال ابن الرفعة: والصواب قول ابن لحداد. قلت: والأمر كذلك، وقد بينته في الطبقات الكبرى في ترجمة ابن الحداد. فصل: نختم به الكلام على التعليل بعلتين، قد يتعقب المحل علتان مقتضى كل واحدة منهما مقتضى أختها، ونعلم أنهما غير مجتمعتين، ونعلم أن إحداهما واقعة، والأخرى زائلة؛ غير أنا لا ندري عين الذاهبة، ولا نميز بين الحاضرة والغائبة. وهذا قد يقول من ينتهي إليه: هو من باب التعليل بأحدهما لا بعينه. وليس

стр. 525

كذلك لأن التعليل بالمبهمة فيما قدماه، هو في مبهمة بين شيئين. قال قائل باجتماعهما وتأثيرهما، وقائل بتأثير المجموع منهما، إلى غير ذلك مما قدمناه، وليس كلامنا هنا فيه، بل في وصفين أجمع على انتفاء أحدهما ولم يعلم عينه؛ فهل يضر ذلك ويبطل الحكم للجهل بالمأخذ. أو لا؛ لأن مثل هذا الجهل لا يضر، إذ كل منهما كافية في إقامة الحكم؟ هذا موضع تردد، وهذا يشهب القياس المركب، فإن المختلفين من الأئمة من مأخذ إذا اجتمعت في صورة أجمعوا على حكمها -وإن أسند كل الحكم إلى ما يعتقده، كما نقول: أجمع الإمامان على أن البكر الصغيرة تجبر؛ فالشافعي لبكارتها، وأبو حنيفة لصغرها، ولكن القياس المركب لا خلاف فيه بين الفقهاء، وهذا فيه تردد تلقفناه من مسائل. منها: لو اشترى زوجته بشرط الخيار فهل له وطؤها في مدة الخيار لأنها لا تخرج عن كونها منكوحة أو مملوكة أولًا: لأنه لا يدري بأي الأمرين يطأ؟ فيه وجهان: المنصوص منهما الثاني. ومنها: لو أقر بحرية بعده في يد غيره زاعمًا أن ذلك الغير أعتقه ثم اشتراه ومات العبد، وقد ترك مالًا وأولادًا ولا وارث له بغير الولاء والمشتري مصمم على إقراره، فظاهر النص أن المال يوقف فإن ولاءه لا يكون للمشتري لاعترافه بأنه لم يعتقه ولا للبائع لزعمه أنه رقيق، وعليه جماعة من الأصحاب. واعترض المزني فقال: للمشتري أخذ قدر الثمن. مما تركه، فإن فضل شيء كان الموقوف هو الفاضل فقط؛ وإنما يأخذ قدر الثمن لأنه مستحق له بكل حال، لأن المشتري إما كاذب، فالميت رقيق وما يتركه فهو ملك مولاه أو صادق فللبائع إرثًا بالولاء وهو قد ظلمه بأخذ الثمن وتعذر استرداده فإذا ظهر بماله كان له أن يأخذ قدر حقه. وافترق الأصحاب فرقتين: فرقة خطأت المزني، ومن توجيهاتها أنه لا يردي بأي جهة يأخذ، بجهة الملك أو بجهة الظفر، فمن ثم يمنع من الأخذ إلى ظهور جهته، وفرقة: منها ابن سريج وأكثر مشايخ المذهب قالوا: الأمر كما ذكره المزني.

стр. 526

وقد نص عليه الشافعي في موضع آخر، والفتيا على هذا، فإن اختلاف الجهة لا ينبغي أن تمنع الأخذ بعد الاتفاق على أصل الاستحقاق. ومنها: قال لي عليك ألف ضمنته، فقال: ما ضمنت شيئًا، ولكن لك على ألف من ثمن متلف ففيه خلاف، قال الرافعي في باب الإقرار الأصح الثبوت وقطع النظر عن الجهة. ومنها: قال: زوجتنيها [وقال] ١ بل بعتكها، قال الغزالي: إن كان صادقًا حلت له باطنًا، وفي الظاهره وجهان لاختلاف الجهة. قلت: قوله: إن كان صادقًا قيد لم يذكره الرافعي، ولقد أجاد، فما لكونه صادقًا مدخل، هب أنه كاذب، فهي ملكه فتحل. ومنها: قطع رجل ذكر خنثى وشفريه ولم يعف عن القصاص، بل قال: سلموا إلي المستيقن منه؛ ففي وجه لا يسمل إليه شيء، قال الغزالي في البسط: إذ لا تعرف جهته -أهو من دية أو حكومة، وهو ظاهر كلام المزني. قال: وهو يلتفت على ما لو أدعى عليه. تنبيه: ما قدمناه هو فيما إذا ما تعاقب على المحل وصفان عرفنا أن أحدهما زائل، وقد يتعاقب وصفان لا يعرف زوال واحد منهما ولكن يتردد فيه -وبيانه بصور. منها: لو لم يكن له إلا وارث واحد وأوصى له بماله؛ [فوجهان] ٢ أصحهما أنه يأخذ التركة إرثًا، والثاني يأخذه وصية. وذكر صاحب التتمة: إن فائدة الخلاف تظهر فيما إذا ظهر دين. فإن قلنا، يأخذها إرثًا فله إمساكها وقضاء الدين في موضع آخر، وإن قلنا: وصية قضاء منها ولصاحب الدين الامتناع لو قضى من غيرها، ووافقه الرافعي والنووي، وأطال ابن الرفعة والوالد رحمهما الله الكلام على ذلك بما لا غرض لي الآن في حكايته. قال النووي "ومن فوائده لو حدث في عين التركة، زوائد إن قلنا: وصية لم يملكها، وإن قلنا: إرث ملكها على الصحيح.

стр. 527

واعترضه الوالد رحمه الله تعالى بأنا وإن قلنا وصية فهو إذا قبل يتبين أنه ملك بالموت [على الصحيح] ١ الأصح فيستوي هو والوارث، وحيث قلنا: لا يملك الموصي له الزوائد، فهي للوارث على الأصح، وعلى وجه تركه، والتركة للوارث، فأيا ما كان فهي له. ثم قال [فلعل] ٢ مراد الشيخ محيي الدين ﵁ أنه إذا قلنا: بالإرث، فالزوائد محكوم بملكه لها من حين الموت، وإن قلنا: وصية، فلا يحكم بملكها حتى يقبل، فإن قبل انبنى على الخلاف في وقت الملك. [قال] ٣ لكن يرد عليه ما أشرنا إليه من أنه إذا لم يملك بالوصية ملك بالإرث. فلعل مراده إن قلنا: وصية. لم يملكها بالوصية حتى يقبل فيتبين قلت وجرت بيني وبين الوالد ﵀ مباحثه في هذه المسألة عند كتابته لها في باب الوصية وقرأتها عليه في درس الغزالية، وقلت قد تظهر فائدة الخلاف فيما لو كانت جارية وانقضت مدة الاستبراء، قبل قبوله الوصية، فإن قلنا تملكها "إرثًا" جاز له الوطء -وإن قلنا: "وصية" فهو ما لم يقبل غير مالك بالوصية؛ فينبغي أن لا يجوز له الوطء حتى يرد، فيعلم أنه حينئذ يطأ يملك الإرث، وإلا فما لم يرد لا ندري بأن الملكين يطأ فيمتنع وطؤه على الوجه القائل بنظيره فيمن اشترى زوجته بشرط الخيار. ثم ذكر الوالد ﵀ ما إذا أوصى لكل وارث بقدر حصته على الإشاعة وأن الوصية تلغو وأن الرافعي قال: يجيء فيه، قال: وفقه الرافعي صحيح، والحق في المسألتين أن الوصية لاغية لمخالفة أمر الشرع. قال: ومن يقول بالصحة لعله يقول: إن ذلك موافق لحكم الشرع في الوارث، الواحد الجميع، فهو بالوصية مقرر لحكم الشرع [لا مخالف] ٤. [قال] ٥ ويجتمع على ملك الوارث سببان، الميراث بأمر الله، والوصية بأمر الموصى الذي لم يقم دليل على منع الشرع له في هذه الصورة لعدم اختلاف الأحكام، فيستند الحكم إليهما أو إلى أحدهما على الخلاف في اجتماع علتين. قال: وعلى هذا [ينزل] ٦ الوجهان.

стр. 528

قلت: وهذا فقه صحيح، وهو مقصودي بذكر هذا الفرع، فإن هذه حينئذ صورة يتعاقب عليها وصفان لا يعلم هل هما مجتمعان فيعمل فيهما ما يعمل في اجتماع علتين أو إنما الموجود أحدهما؟ ووددت لو قال قائل: يملك الوارث الثلث بالوصية والثلثين بالإرث، لأنه ليس للميت سلطان في الوصية إلا بالثلث، ثم هذا الثلث إذا رده يحتمل أن يقال: إنه يرد إلى الوارث فيعمل فيه ما تقدم. ووددت لو قيل: إنه لا يعود إليه لأن الميت حجزه عن أن يرثه بإيصائه به إليه ويكون كمن أوصى بالثلث ولم يبين الجهة مع إخراجه الوارث. فليتأمل فيها حركت من البحث؛ فإني لا أذكر أن مثله وقع بين يدي الشيخ الإمام ﵀. أصل: العلة تسبق المعلول زمانًا عند أقوام من الفقهاء، وعليه الشيخ الإمام الوالد ﵀، وتقاربه عند آخرين، ولعلهم الأكثر، وهو المنقول عن الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵁ وسمعت الشيخ الإمام يستدل له بقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ١. وهو استنباط حسن. وفصل قوم فقالوا: [العقلية لا تسبق الوضعية والوضعية تسبق] ٢. وربما قال بعضهم: الوضعية تسبق إجماعًا. وإنما الخلاف في العقلية وعليه يدل كلام القفال والشيخ أبي علي حيث قالا: فيما حكاه عنهما الرافعي في باب العتق "المعلق لا يقارب المعلق عليه، بل يتأخر بلا شك"، وسنحكي ذلك في مسألة، إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر معه -ولكن هذا فيه نظر، والخلاف واقع. وقد صرح به ابن الرفعة في كتاب الطلاق، ثم ألحق استواء العقلية والوضعية، وإليه أشار الغزالي في الوسيط، في الطلاق. فإن الوضعية أبدًا تحاكي العقل، لا فرق إلا أن تلك مؤثرة بذاتها، ولذلك لا نقول بها، إذ لا مؤثر عندنا إلا الله تعالى. وقال الغزالي في الوسيط في فصل التعليق بالتطليق ونفيه، وقد تكلم على مسائل٣ من العلة والمعلول سيأتي بعضها: "هذا كلام دقيق عقلي، وربما يقصر نظر الفقيه عنه". قلت ورأيت في كلام بعضهم أن أزمنة الأحكام المضافة إلى الأسباب أربعة أقسام: مقارن ومتقدم ومتأخر ومختلف فيه، وهأنا أذكر ما ذكره ثم أتكلم عليه.

стр. 529

القول في أحكام تقارن في الزمان أسبابها: منها: الأسباب الفعلية بأسرها كالاحتطاب والاختشاش والاصطياد لحياة المباح وكالشرب والزنا والسرقة للحدود، كذا قال بعض المتأخرين. قال: وكذلك التعاليق اللغوية؛ فإنها أسباب وهذا في التعاليق يقابل دعوى القفال، والشيخ أبي علي أن المعلق يتأخر قطعًا، والذي يظهر التوسط بين هذين المتقابلين والقول بأن التعاليق من محل الخلاف -أتقارن أو تسبق العلة فيه المعلول، وكذلك الذي يظهر في الأسباب الفعلية. غير أن هذا شيئًا وجدته في كلام الذي كان يقال: إنه شافعي زماننا، الشيخ شمس الدين بن عدلان، ﵀، ولعله من كلام [القرافي] ١ أخذه، وأنا لا أسلم ذلك، ووجدت في كتاب "البحر" للروياني قبل باب الرجعة بنحو ورقة ما نصه. فرع: اختلف أصحابنا في الطلاق الواقع بالقول، هل هو واقع معه أو عقيبه؛ فقال بعضهم: يقع مع القول، وقال بعضهم: يقع عقيبه، لأن تعلق الطلاق به [كتعلق] ٢ الملك بالبيع، فكما يقع الملك عقيب٣ كذلك الطلاق "انتهى". وفي هذا دلالة على أن الملك يقع عقيب البيع لا معه وفاقًا، وكذلك [يقاس] ٤ عليه، ولا يظهر عند التحقيق فرق بين البيع والطلاق. وقد يقال: لما تركب البيع من إيجاب وقبول توقف تحققه على تمام الصيغتين بخلاف الطلاق. ولا تحقيق في هذا؛ فإن حقيقة البيع متى تحققت كان الخلاف فيها، أقاربها الملك أم تعقبها.

стр. 530

ثم قال صاحب البحر عقيب هذا: وعلى هذا فلو قال: أنت طالق في حال لفظي بهذه اللفظة هل يقع الطلاق؟ على الوجه الأول يقع: ولا تأثير لهذا القيد لثبوت مقتضاه دونه، وعلى الثاني: لا يقع حال اللفظ، وهل يقع عقيبه؟ يحتمل اعتبارًا بقوله لامرأته: أنت طالق في الشهر الماضي، وفيه خلاف. - القول في أحكام يضطر الفقيه إلى الحكم بتقدمها على أسبابها وإن كان ذلك، عند اللمتكلم -مستنكرًا في بادئ الرأي. منها: إتلاف البيع قبل القبض؛ فإنك تقدر الانفساخ قبل تلفه ليقبل المحل الفسخ، إذ [المعدوم] ١ لا يقبل انقلابه لملك البائع. ومنها: قتل الخطأ فإن له حكمين: أحدهما: يتقدم عليه وهو وجوب الدية؛ فإنها موروثة، والإرث لا يعقل إلا ما تقدم فيه ملك الميت، وقدر ملكه لها قبل الزهوق- وعلى هذا قول من لا يقول بأن الدية تجب للورثة ابتداء، وهو الصحيح الظاهر. وثانيهما: يقترن به، وهو وجوب الكفارة إذ لا ضرورة لتقدمها على القتل، بخلاف تقدم الدية. ومنها: إذ قال لغيره أعتق عبدك عني. القول في المختلف [ففيه] ٢ أيقارن العلة أم يتعقبها؟ وهو الأسباب القولية: كالبيع والعتق والإبراء والطلاق والأمر والنهي، وأمثلته تكثر. وإذا نظرت ما قلناه عرفت أن محل الخلاف إما مقصور على هذا أو مستتبع قليلًا من غيره. ومن الفوائد هنا -شيء قيمه ابن الرفعة وفيه نظر؛ وذلك أن الأصحاب قالوا: إذا قال طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفًا، فقالت: طلقت وضمنت، أو ضمنت وطلقت، بانت بالألف، وتكون البينونة ولزوم الألف مقترنين في زمان واحد سواء قدمت لفظ الطلاق على الضمان أو عكست، ولا يضر تعاقب اللفظين.
следующие страницы →