← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

هلاكها، قال صاحب المرشد: لا يجوز له أخذ أجرة الحفظ، لتعينه عليه، ويجوز أخذ أجرة مكانها". قلت: ويشهد له ما نقله الرافعي عن أبي الفرج أن الواجب أصل القبول دون إتلاف منفعة نفسه، وجوزه في الحفظ [من] ١ غير عوض؛ غير أن صاحب المرشد يصرح بأن نفس الحفظ لا تؤخذ عليه أجرة وأبو الفرج يقول: تؤخذ، وإلهي يميل بحث الرافعي. وخرج ابن الرفعة في المسألة في أن من تعين عليه تعليم امرأة الفاتحة هل يجوز أن يجعل [ذلك] ٢ صداقها؟ ومن أنقذ غريقًا مع اتساع الزمان لطلب الأجرة، هل يستحقها؟ ونظائرهما. قلت: أما أصل القبول فليس عملًا يقابل حتى يقال: هل تؤخذ عليه أجرة؟ وإنما العمل الحفظ. والأشبه جواز الأخذ فيه، وإن تغير كما مال إليه الرافعي. تنبيه: يستثنى من هذه القاعدة مسائل منها: الأصح جواز أخذ العوض عن تعليم الفاتحة وإن تعين. ومنها: الأصح جاز أخذ عوض الطعام الذي يأكله المضطر. ومنها: قال القاضي الحسين: إذا دعت الضرورة إلى إعارة الدلو والرشاء وجب بالعوض. [قاعدة] ٤: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ومن [ثم] ٥ مسائل: منها: إذا خفي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن غسله كله، ولو خفي عليه

стр. 562

موضع النجاسة من الدار فوجهان "في الروضة"١ أصحهما أنه كذلك يغسلها كلها، والثاني: أنه يتحرى ويصلي فيما يظن طهارته ولا يلزمه غسلها كما لو تيقن أن موضعًا من الصحراء نجس؛ فإنه يصلي إلى [أي] ٢ موضع شاء. ومنها: إذا نسي صلاة من الخمس لزمه أن يصليها. ومنها: إذا اختلطت زوجته بأجنبيات محظورات وجب الكف عن الجميع. ومنها: إذا اكترى٣ دابة للركوب فقال الأكثر: على المكري٤ الإكاف والبردعة والحزام وما ناسب ذلك؛ لأنه لا يتمكن من الركوب دونها. ومنها: مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع كمؤنة إحضار المبيع الغائب، ومؤنة وزن الثمن على المشتري، وفي أجرة نقد الثمن وجهان. ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة ومات قبل أن يختار وجب على جميعهن العدة، وتعتد الحامل منهن بالوضع والصغيرة والآيسة أربعة أشهر وعشرات، وذات الأقراء بأقصى الأجلين. مسألة: فرض الكفاية مهم من مهمات الوجود سواء كانت دينية أو دنيوية قصد الشارع وقوعه ولم يقصد بالذات عين من يتولاه. ولكن بالفرض إذ لا بد للفعل من فاعل. وهذا المهم منه ما لا يمكن تكرره لحصول تمام المقصود منه بالفعل الأول كإنقاذ الغريق فلا يمكن إنقاذ من أنقذ، ومنه ما يمكن تكرره ويتجدد بتكرره مصلحة كصلاة الجنازة والاشتغال بالعلم، وهو ضربان. أحدهما: مجدد منضبط لا ينفصل بعضه عن بعض ولا يحصل الغرض منه إلا بجملته، فتكرر هذا معناه الإتيان بالشيء مرة بعد أخرى وذلك كصلاة الجنازة، فإن بعضها لا ينفصل عن بعض، ولو انفصل بطل ولم تكن صلاة. والثاني: منتشر لا يمكن انفصال بعضه عن بعض ويحصل بكل بعض منه مقصود من مقاصد الشرع.

стр. 563

فما لا يمكن تكرره لا نتكلم على الثاني منه إذ لا ثاني له، وما يمكن تكرره وهو منضبط فمريد فعله ثانيًا إن كان غير الذي فعله أولًا١ يمنع؛ بل يستحب له ذلك، ثم نصف فعله بالفرضية وهذا كمن قصد الصلاة على الجنازة بعدما صلى عليه غيره، فإن الفرض منها وإن كان هو ففيه تردد وخلاف شهير والأصح عندنا أن من صلى لا يعيد وسنذكر سره. وأما القسم الثالث: فيطلب من كل واحد، وقد يقول المحقق: إنه لا تكرر فيه البتة؛ لأن الذي يحصله [هذا] ٢ غير الذي يحصله هذا، والذي يحصله أولًا غير الذي مهمات. أحدهما: تعين هذا الفرض على من شرع فيه، وذلك في القسم الأول ظاهر، وأما القسمان الآخران: فمنهم من أطلق القول بتعينه، ومنهم من أطلق القول بعدم تعينه، والصحيح أنه لا يلزم بالشروع إلا الجهاد وصلاة الجنازة، وإذا تأملت الأقسام التي ذكرتها عرفت الفرق. وادعى ابن الرفعة في باب الوديعة من المطلب أن المشهور أنه يلزم بالشروع، واستدرك بذلك على الرافعي قوله: متى أراد المودع أن يمتنع من القبول؛ لأنه متبرع بالحفظ فقال: هذا إذا لم يكن في وقت يخاف عليها الهلاك فيه فإن كان فيظهر أن لا يجاب إلى ذلك إن كان يجب عليه القبول في تلك الحالة ابتداء، لانفراده بالصيانة قال: بل ينبغي أن يكون كذلك وإن كان لو أخذها غيره لحفظت عن الهلاك، لأن الأخذ في هذه الحالة فرض كفاية، وهو قد أخذها فكان كما لو شرع في فرض الكفاية لا يجوز له الخروج منه على المشهور. انتهى. وأقول: هذا صحيح إذا تعين عليه أخذها، أما إذا كان هناك غيره فهو فرض كفاية، لا يلزم بالشروع نعم قد يقال بجريان الخلاف فيه. ومن مسائل الفصل قطع المأموم القدوة. أطلقوا فيه أقوالًا ثلاثة أصحها أن له ذلك بعذر وبغير عذر كذا أطلق الأكثرون الخلاف منهم الرافعي وهو على طريقهم واضح، لأن الجماعة سنة، ولذلك علل الرافعي الجواز بأن الجماعة سنة، والتطوعات لا تلزم

стр. 564

بالشروع، وتابعهم النووي في إطلاق الخلاف؛ فهو يرى أنها فرض كفاية فكان من حقه أن يخرج فيها الخلاف في لزوم فرض الكفاية بالشروع، ومن أجل ذلك قال الوالد ﵀: "إن قلنا فرض كفاية فقد يقال: إنها تلزم بالشروع" قلت: لا بد أن يطرقها الخلاف في لزوم هذا الفرض بالشروع ولعل الأرجح هنا اللزوم لفحش المفارقة، وقد يعتذر عن النووي بأنه لعله رأي عدم لزومه بالشروع فأطلق على الأصح. الثاني: إذا طلب فرض الكفاية من واحد فهل يتعين عليه؟ فيه خلاف لا على الإطلاق بل في صور. منها: إذا طلب أداء الشهادة من بعض المتحملين وفي القوم أكثر من اثنين. ومنها: إذا دعي للقضاء من هناك غيره. ومنها: إذا طلبت المرأة من أحد الإخوة تزويجها. ومنها: إذا طلبت الفتيا ممن هناك غيره. سؤال: القادر على حفظ الوديعة الواثق بأمانة نفسه. قال الأصحاب: يستحب له قبولها "وقد قدمنا عن ابن الرفعة أن قبولها والحالة هذه من فروض الكفايات فقد يقال: هلا جرى في تعيينه الخلاف في الصوف التي عددناها؟ والجواب: أنا لا نعرف عد هذا فرض كفاية لغير ابن الرفعة، والفرق بينه وبين ما عددناه من الصور ظاهر، أما طلب الأداء من بعض المتحملين فإنما يتعين لأنه بالتحمل ربط نفسه وعلق بها حقًا للغير؛ وإنما نظير مسألتنا أصل التحمل ولا يجب على من طلب منه التحمل وهناك غيره أن يتحمل. فإن قلت: حكى الأصحاب وجهين فيما إذا كان هناك غير المفتي هل يأثم بالرد؟ قلت: أصحهما عدم الإثم، والفرق بينه وبين الواقعة فيها شهود ما ذكرناه من توريطه نفسه [بالتحمل١. فإن قلت فهلا جرى الوجهان وإن كان أصحهما عدم الإثم فيمن طلب منه التحمل وهناك غيره وإن جوزتم جريانهما فالمسألة نظير الوديعة وإن أبيتم فهل من فارق.

стр. 565

قلت: وذكرت في باب الاجتهاد من شرح المختصر أن في الفرق عمومًا وأنا أبين الفرق الآن. فأقول: إنما لم يجز لأن أمر الفتيا أهم في نظر الشارع من تحمل الشهادة، لتعلق الفتيا بأمر الدين وبعموم الخلق، وأما الشهادة فغالب متعلقها أمور الدنيا، وهي خاصة بالآحاد، وشأن فرض الكفاية أن يكون مهمًا من مهمات الشارع؛ وذلك في الفتيا، لأن في عدم التعيين جر إلى التواكل المفضي إلى ضياع الدين وجهل المكلفين بأحكام رب العالمين، ولا كذلك أداء الشهادة، فإن غايته ضياع حق دنيوي لبعض الآحاد، فأنى يستويان. ونظير الشهادة قبول الوديعة؛ فليس يؤول عدم قبولها لأكثر من ضياعها، وليس ضياع مال حقير أو جليل لواحد من الآحاد في نظر الشارع بمنزلة ضياع الدين. فإن قلت: هذا يجر إلى أن تحمل الشهادة ليس فرض كفاية، ولا قائل به. قلت: الفروض على الكفاية أصل التحمل، وهذا لا يقدح فيه، ثم فروض الكفاية متفاوتة المراتب فلا يلزم من تعين أعلاها بالطلب تعين أدناها. ونظير الفتيا إذا دعي للقضاء من هناك غيره فإن ولايات القضاء ضرورية في نظر الشارع، ومن حيث إنها أهم من الفتيا بل هي فتيا وزيادة كان الخلاف في تعينه على من طلب منه أقوى من الخلاف في تعين الفتيا على من] طلبت منه فيما يظهر وإن اشتركا في أن الصحيح فيها عدم التعيين ويدل على أن أقوى أن الأصح إجبار واحد على القضاء إذا أبى الصالحون جميعًا. وأما أحد الأولياء يطلب منه تزويج المرأة [فواضح] ١. مسألة: السنة والنافلة والتطوع والمستحب والمندوب والمرغب فيه والمرشد إليه والحسن والأدب ألفاظ مترادفة عند فقهائنا. ومنهم من قال: السنة ما واظب عليه رسول الله ﷺ . والمستحب ما فعله أحيانًا، والتطوع ما ينشئه الإنسان ابتداء مما فعله أرجح من تركه مثل [الشروع] ٢ في ألفاظ المعاملات، وهنا أقاويل مختلفة والحاصل: أن ما رجح جانب فعله على جانب تركه ترجحًا

стр. 566

ليس معه المنع من النقيض فهذه الأسامي تطلق عليه، ثم إن بعض الترجحات أكد من بعض فخص الآكد ببعض الألفاظ. وما دونه بلفظ آخر اصطلاحًا وأنزل الدرجات الأدب فإنه ما ترجح ترجحًا يسيرًا ومصلحته دنيوية وأعلاها السنة. وقد صرح الشافعي ﵁ بالتفرقة بين الأدب والسنة؛ حيث قال: فيما رواه الربيع: "في الأكل أربعة أشياء فرض [وأربعة سنة] ١ وأربعة أدب. فالفرض: غسل اليدين والقصعة والسكين والمغرفة. والسنة: الجلوس على الرجل اليسرى، وتصغير اللقم، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع. والأدب: أن لا تمد يدك حتى لا يمد من هو أكبر منك، وتأكل مما يليك، وتقل النظر في وجوه الناس، وتقل الكلام. وقد يختلف [الأصحاب] ٢ في الشيء أسنة أم أدب؛ وذلك في مسائل. منها: [مسح الرقبة في الوضوء، وفي الشيء أسنة هو أم مستحب وذلك في مسائل] ٣ منها: غسل العينين في الوضوء سنةن وقبل مستحب والأصح لا يفعل. مسألة: الأمر بواحد من أمور معينة كأهل الشورى الذين جعل عمر الفاروق ﵁ الأمر فيهم مستقيم، ومتعلق الوجوب لا تخيير فيه، ومتعلق التخيير لا وجوب فيه. هذا هو التحقيق، ومثل له، أيضًا بخصال الكفارة، وادعى المعتزلة وجوب الجميع، وخرج الماوردي على الخلاف من مات وعليه كفارة مخيرة لم يوص بإخراجها فعدل الوارث إلى أعلى الخصال وهو العتق فأعتق فهل يجزئ؟ وزعم أنه لا يجزئ إلا على قول تعلق الوجوب بالجميع، أما إن علق بالبعض قال فلا يجزئ؛ لأنه لم يتعين في الوجوب، وهذا فيه نظر، لأنا نقول مثله [عند] ٤ فعلى أدناها إذا لم يتعين أيضًا، فإن كان وجه عدم الأجزاء عدم التعيين لم يختص بالعتق، وإن كان العدول إلى الأعلى مع

стр. 567

إمكان براءة الذمة بالأدنى فهذا مأخذ سوى ما نحن فيه ثم [إنه] ١ لا يتجه إذا كان المخرج هو الوارث. وسلك الشيخ الإمام الوالد ﵀ في رجوع المعير للبناء على القول بأنه يخير بين الخصال الثلاث مسلك وجوب واحد لا بعينه [فقال] ٢ في باب الصلح: الثابت للمعير حق الرجوع في العارية على وجه لا يضر، وهو حاصل في كل خصلة منها؛ فلا تتعين واحدة، كالقول في خصال الكفارة، وهل يقال: كل منها واجب أن الواجب أحدهما، فيه ما في خصال الكفارة. قلت وإذا تم هذا فقد يقال: إن قلنا: الواجب كل واحدة أجبر المستعير على ما يعينه المعير من الخصال؛ فإن عين البيع أجر على البيع أو التبقية بأجرة فكذلك عند من يقول بهما. وإن قلنا: الواجب أحدها لم يجبر المستعير، وله أن يقول للمعير: أنت متمكن من القلع بالأرض فلا ترهقني بيعًا ولا إجارة وهي قضية كلام البغوي وغيره ممن ذكر أن كلا من البيع والإجارة يستدعي إسعاف المستعير به، وإذا تم هذا نتجت لنا فائدة الخلاف الأصولي؛ فإن الواجب أحدها أو كلها. مسألة: يجوز أن يحرم واحد مبهم من أشياء معينة خلافًا للمعتزلة وهي كالواجب المخير خلافًا وحجاجًا؛ غير أن الأمر المخير يتعلق بمفهوم أحدها، والخصوصيات بمتعلق التخيير ولا يلزم من إيجاب القدر المشترك إيجاب الخصوصيات، والنهي المشترك يلزم منه تحريم الخصوصيات، إذ بحل واحد يلزم وقوع المحذور. وهذا شيء ذكره القرافي، وقد حكيته عنه في شرح المختصر، وقد أخذه من قولهم: إن النهي عن نوع يستلزم النهي عن كل أفراده؛ إذ في كل فرد المنهي، مثل: لا تزن فلا شيء من الزنا بحلال، [وإلا] ٣ لصدق أنه زنا، والأمر على هذا الوجه. غير أن قومًا يتلقفون ذلك من كون أن النكرة في سياق النفي للعموم وآخرون يتلقفون من أن النهي عن الكلي يستلزم تتبع أفراده، وهي مسألة الخلا ف بيننا وبين الحنفية هل عموم النكرة في سياق النفي لذاتها أو لنفي المشترك بينهما.

стр. 568

وهذا بخلاف الأمر مثل: صل فإنه صادق بصورة؛ فمن ثم افترقا ومنه ذكر القرافي [في] ١ هذا الكلام. وأقول: هذا كلام واضح إذا كان المنهي مبهمًا من أمور معينة لا واجب فيها، فإذا كان أمران [حرم] ٢ أحدهما مبهمًا وأوجب الآخر مبهمًا ويفرض ذلك في مضطر وجد سمكًا ولبنًا فقال له قائل: كل السمك أو أشرب اللبن فقد منعتك عن أحدهما مبهمًا وأمرتك بالآخر مبهمًا فإن أنت جمعت بينهما تركًا أو فعلًا كنت آثمًا. فها [هنا] ٣ كيف يقال: النهي عن أحدهما نهي عن كل منهما فالصواب أن ما ذكره القرافي إنما هو في نحو: لا تزن، وما أشبه من نهي على قدر مشترك بين [الأشياء] ٤ لا تعلق للخصوصيات به ذاتًا، وكلامنا في المبهم الذي يقصد شخصه من حيث إنه مبهم. وتحرير هذا أن مورد النهي قد يكون واحدًا معينًا وهو وضاح أو مبهمًا أي مقصود الشخص يفيد الإبهام [وهو] ٥ الذي نتكلم عليه أو واحدًا من آحاد قصد إلى القدر المشترك بينهما من غير غرض في خصوص الفرد المسمى مبهمًا؛ وذلك هو الذي ذكره القرافي، ولا ريب في عمومه، والفرق بينه وبين المبهم أن تحريمه يوجب تحريم كل فرد لا محالة وأما المبهم فلا يوجب تحريمه تحريم كل فرد بل قد يكون معه إيجاب فرد آخر وقد رأيت له في الفقه مثالًا: وهو جماعة لهم ثوب يصلون فيه ولا يكفي الثوب غير واجد والباقون عراة وإن صلوا فيه واحدًا بعد واحد خرج الوقت، فالمذهب أنهم يصلون كذلك. والمسألة من صور مسألة النصوص في البئر ونحوه المذكورة في باب التيمم. وذهب ابن خيران فيما حكاه وصاحب الاستذكار في باب صفة الصلاة إلى أنه إن خشوا فوات الوقت صلوا كلهم عراة قال وكذلك في الوضوء إذا لم يصل جميعهم إلى الماء إلا واحدًا بعد واحد" انتهى. و [هذا] ٦ نقل غريب لم أجده في غير الاستذكار والذي يظهر أنه إذ كان اثنان وليس هناك إلا ثوب٧ وقد خشي خروج الوقت يصلي أحدهما فيه قطعًا ويصلي الآخر

стр. 569

عاريًا ثم ذلك الذي يصلي فيه إما بقرعة أو بغيرها. ويمكن أن يقال يشق بينهما كما هو احتمال للإمام فيما إذا لم يجد إلا كافيًا لعورة أحدهما؛ فإن الإمام قال: يحتمل أن يشق بينهما. وأن أراد الإنصاف أقرع. وأما قول ابن خيران فإنه في مبدئه آيل إلى صلاة العاري مع القدرة على السترة وفي منتهاه ظاهر المأخذ من جهة أن ترجيح أحدهما على الآخر لا وجه له وقد لا يسع الوقت القرعة. ومحل غرضنا من هذا كله أن الصلاة بالسترة على [أحدهما] ١ واجبة وعلى أحدهما حرام حينئذ إذ يجب عليه تمكين صاحبه من السترة الواجبة عليه. فروع يتعلق التحريم فيما بمبهم: أحدهما: كلام أربعين من الحضارين لسماع الخطبة على طريقة الغزالي وهي اختيار الشيخ الإمام. الثاني: وطء واحدة من الأختين المملوكتين على احتمال للشيخ الإمام أن التحريم مبهم، والأرجح أن الحرام الجمع. الثالث: إذا عتق إحدى أمتيه وقلنا: الوطء تعين توضيح [ما] ٢ يوضح لك الفرق بين أحدها من حيث هو أحدها، وأحدها من حيث [هو] ٣ مبهم، وإن شئت قلت: بين المبهم والمطلق قول الأصحاب في باب العتق إذا قال: إذا جاء الغد فأحدكما حر فجاء [الغد] ٤ [عتق أحدهما] ٥ وعليه التعيين؛ فلو باع أحدهما أو مات قبل مجيء الغد والآخر في ملكه لم يتعين للعتق؛ لأنه لا يملك حينئذ إعتاقهما فلا يملك إعتاق أحدهما. وتحرير هذا أن السبب انعقد لمبهم وقد زال الإبهام بزوال أحدهما ولم يصر بين مملوكين بل صار كأنه بين مملوك وأجنبي، فهو لو قال لمملوكه وأجنبي: أحد كما حر لم يعتق عبده.

стр. 570

مسألة: الرخصة حكم شرعي اقتطع لعذر تسهيلًا عن أصل قائم السبب: أن المقتضى بخلاف حكمها موجود ولكن لم يعمل عمله فكأنها مانع خاص. وإذا تأملت هذا التعريف عرفت أنه لا يمتنع كون الواجب رخصة، وفي كلام الإمام في النهاية وغيره تردد في أن الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة. وأنا أقول: الرخصة ما ذكرناه؛ فإن كان هناك وجوب فالقدر الزائد على الحل ليس هو مسمى الرخصة ولكنه شيء جائز مجامعته لها، وقد ذكرت هذا في شرح المختصر، جامعًا به بين كلام الفقهاء والأصوليين رادًا به على من يعتقد أن شيئًا من الرخص لا يكون واجبًا بل اعتقد بعضهم أن الرخصة لا تكون سنة، ومن ثم قال أبو الطيب بن سلمة: الصلح مندوب إليه وليس رخصة" وخالفه ابن أبي هريرة. وأنا أقول في السنة ما أقول في الواجب من أنها قدر زائد على الرخصة تجوز تجوز مجامعته له، وقد صرح الأصحاب ومنهم الرافعي في آخر باب صلاة المسافر أن جميع الرخص يستحب ارتكابها ويكره تركها لمن وجد من نفسه كراهتها حتى تزول الكراهة. تنبيه: علمت ما ذكرناه في الرخصة وتبين لك به أن الوجوب أو الاستحباب قد يجامعها ولا يكون داخلًا في مسماها، ولو قيل: الرخصة هي ما لا تغير شيئًا من ثواب الأصل؛ إن كان ذا ثواب لكان حسنًا، فإذا قلنا: الإبراد رخصة فمعناه أن فضيلة التقديم تحصل به وإن أخر الصلاة عن أول الوقت ثم إذا حصلت [منه] ١ كان سنة ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل الصلاة في أول الوقت بل غايته المساواة وعلى هذا دلت عبارة الرافعي، ومن تبعه فإن حاصلها أن الإبراد وأن فيه [وجها] ٢ أنه رخصة فلو تحمل المشقة وصلى في أول الوقت كان أفضل. وصرح القاضي الحسين بحكاية وجهين في أنه هل الأفضل الإبراد أو التعجيل؟ بعد حكايته الاتفاق على أن الإبراد سنة. قلت: والحاصل أن التعجيل سنة والإبراد رخصة لا تنقض ثواب السنة. هذا غاية ما يؤخذ من كونه رخصة وهل انضم إليها أنه أفضل من الإبراد فيكون مع كونه رخصة مطلوبًا لنفسه أو لا؟

стр. 571

فيه تردد فإن قلنا: لا فهل الأفضل فعله أو تحمل المشقة أو التعجيل؟ فيه تردد. مسألة: يصح التكليف مع علم الآمر وكذا المأمور في الأظهر انتفاء شرط وقوعه عند وقته؛ خلافًا للإمام والمعتزلة. مسألة: قال علماؤنا: الباطل والفاسد مترادفان وهما نقيضا الصحة، وفرقت الحنفية بينهما بما عرف في الأصول وفرق أصحابنا بين الباطل والفاسد فرقًا ليس على أصول الحنفية ومع ذلك قد حرر الشيخ الإمام ﵀ في باب القراض من شرح المنهاج أنه لا فرق أصلًات وحكيت كلامه في شرح المختصر، وحظ هذا الكتاب أن يعد تلك المسائل التي تخيل فيها الفرق. فمنها: الخلع والكتابة [الباطل] ١ فيهما ما كان على غير عوض مقصود كالميتة، أو رجع إلى خلل كالصغير والسفيه والفاسد خلافه. وحكم الباطل أن لا يترتب عليه شيء والفساد يترتب عليه العتق والطلاق، ويرجع الزوج بالمهر والسيد بالقيمة. ومنها: الحج يبطل بالردة ويفسد بالجماع. ومنها: إعارة النقود إن أبطلناها فقيل مضمونة لأنها إعارة فاسدة وقيل غير مضمونة لأنها غير قابلة للإعارة، ولك أن تقول: لأنها باطلة. ومنها: الإجارة الفاسدة فيها أجرة المثل. ولو استأجر [صبي] ٢ بالغًا فهل لم يستحق شيئًا؛ لأنه الذي فوت على نفسه، فالإجارة باطلة. ومنها: لو قال: بعتك ولم يذكر ثمنًا وسلم وتلفت العين في يد المشتري هل عليه قيمتها؟ فيه وجهان. أحدهما: نعم لأنه بيع فاسد، والثاني: لا؛ لأنه ليس بيعًا أصلًا. ومنها: لو قاال للمديون: اعزل قدر حقي فعزله ثم قارضه عليه فإذا تصرفه المأمور؛ ولكنه اشترى في الذمة و [نفذ] ٣ ذلك القدر، فيه [وجهان] ٤ أحدهما: الشراء للقراض والقراض فاسد، وله الأجرة والربح لبيت المال.

стр. 572

والثاني: لا يكون [قراضًا] ١ فاسدًا ولا صحيحًا بل هو باطل ورجحه الشيخ الإمام ﵀ وهو قول ابن سريج. ومنها: إذا فسد القراض بالنسبة إلى العوض بقي أصل الإذن ونفذ تصرف العامل؛ كذا أطلقه الرافعي والنووي والأكثرون. وقيده الشيخ الإمام بما إذا كان الفساد الأمر خارج مع وجود حقيقة القراض محكومًا عليها بالفساد أما إذا انعدمت حقيقة القراض بالكلية كالقراض على المغصوب -قال: فيتجه عندنا أنه يبطل كله ولا يصح التصرف. ومنها: إذا قالت المرأة: وقع العقد بلا ولي ولا شهود، وقال الزوج: بل بهما -قال القاضي مجلى: فالقول قولها؛ لأن ذلك إنكار لأصل العقد وصوبه الشيخ الإمام بعدما جوز تحريجه على الاختلاف في الصحة والفساد، ووجه تصويبه بأن إنكارها للولي إنكار للعقد بالكلية. قلت: فأشبه طريقة في مسألة الفراض، وتقدم ذكر الفرع في قواعد البيع. ومنها: إذا دفع إليه ثوبًا وقال: بع بكذا وما زدت فهو لك فهو جائز على سبيل المراضاة، لا على سبل المعاقدة. نقله الشيخ الإمام في كتاب الإجارة عن البيهقي: ثم قال الشيخ الإمام: فهل نقول إذا باع بأزيد وامتنع المالك من دفع الثوب [فهل] ٢ يجب له أجرة المثل أو لا يجب شيء؛ لأنه ليس بعقد فاسد ولا صحيح فيه نظر قال: والأقرب الثاني. ومنها: قال الشيخ الإمام ﵀ في جواب فتيا وردت عليه [من] ٣ مدينة صفد: لو كان على المسلمين ضرر في الأمان كان الأمان باطلًا ولا يثبت به حق التبليغ إلى المأمن؛ بل يجوز الاغتيال في هذه الحالة وإن حصل التأمين لأنه تأمين باطل بخلاف التأمين الفاسد حيث يثبت له حكم التأمين الصحيح كأمان الصبي والتأمين الباطل مثل تأمين الجاسوس ونحوه. انتهى. ونقلته من خطه، وقد جرى في [هذه المسألة] ٤ كلها على مأخذ واحد، وهو أن

стр. 573

ما جرى هل هو عقد فاسد أو غير عقد البتة؟ -وهو ما قد يعبر عنه بالباطل. ومنها: إذا عقد الإمام الجزية على وجه الفساد أخذنا في كل سنة دينارًا ولم نسامح بالتقرير مجانًا. ولو عقد الجزية بعض الآحاد وأقام بها سنة؛ ففي أخذ الجزوية وجهان: أحدهما: تؤخذ لعقد الإمام إذا فسد. والثاني: [لا] ١ لأن قبوله لا يؤثر إذا لم يكن هو من أهل الإيجاب. قلت: وقد يعبر عن الوجهين بأن الأول فسادها والثاني بطلانها. مسألة: اختلف في وجوب القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ وأنا أميل إلى هذا الثاني وعليه فروع. منها: قضاء الفوائت قيل: لا يجب على الفور لأن القضاء بأمر جديد ولا دليل على الفور، وقيل يجب لأنه بالأمر الأول، والصحيح الفرق بين المتروكة بعذر فلا تجب على الفور؛ لأن النبي ﷺ لما ناموا [عن] ٢ صلاة الصبح واستيقظوا بعد طلوع الشمس لم يصلها حتى خرج من الوادي، ومن اعتذر بأنه كان في ذلك الوادي شيطان فقد أجابه الشافعي ﵁ بأن ذلك لا يمنع الصلاة لأن النبي ﷺ صلى وهو يدعت الشيطان. والمتروكة بلا عذر تجب٣ على الفور أما عند القائل بأن القضاء بالأمر الأول فواضح وأما عند القائل بأمر جديد فقد أشكل على كثير من الناس وقالوا التعدي وقع في الأداء لا في القضاء. وجوابه أن مطلق الصلاة مأمور بها وخصوص الوقت ليس بشرط بدليل الأمر بالقضاء ولا ينافي هذا قولنا: أنه بأمر جديد لأنا نعني به [أنا] ٤ نتبين قصد الشارع إلى العبادة، وإن فات الوقت، فإذا ضاق الوقت صارت على الفور، فيستصحب هذا الحكم في القضاء. ومنها: إذا تعذر على الغاصب المثل إلا بالأكثر من ثمن المثل فهل يعدل إلى القيمة أو يتعين تحصيله بالغًا ما بلغ؟ فيه وجهان:

стр. 574

أحدهما: أن يكلف تحصيله قياسيًا على العين؛ فإنه يجب ردها ولو غرم بسبب الرد أضعاف ثمنها وأنفاس الشيخ الإمام ﵀ تدل على ترجيح هذا الوجه. والثاني: وبه جزم صاحب التنبيه يعدل إلى القيمة وصححه النووي، قال الشيخ الإمام: وفي تصحيحه نظر. وهذا الوجه يرد القياس بالفرق بأن التعدي في العين لا في المثل فلا يلزم أن يثبت له حكمها. قال الشيخ الإمام: ولك أن تقول: قد أوجبنا الفور في قضاء تارك الصلاة بغير عذر بمثل الطريقة التي تمسك بها القائل الأول والتعدي في الأداء لا في القضاء. مسألة: الكافر مكلف بالفروع وسيأتي من نصوص الشافعي ﵁ ما يثلج به الصدر، وقال أبو حنيفة ﵁: غير مكلف بها [ودق حررنا موضع النزاع في أصول الفقه] ١. وعلى الأصل فروع: منها: أن قبض ثمن الخمر لا يصح ومن ثم ليس لنا أن نقبض منه ما علمنا أنه من ثمن خمر عن دين لنا أو جزية عليه. وقد ذكرنا المسألة في قواعد النكاح ووجدنا للشافعي ﵁ فيها نصًا؛ فقال ﵁ في باب الضحايا قبيل باب ذبائح بني إسرائيل [في] ٢ كتاب الأم: إذا كان على نصراني حق من أي وجه كان ثم قضى له من ثمن خمر أو خنزير يعلمه لم يحر له أن يأخذه وكذلك لو وهبه لك أو أطعمك إياه ثم قال: فإن قال قائل: فلم لا تقول في الخمر والخنزير إنهما حلال لأهل الكتاب وأنت لا تمنعهم من اتخاذه والتبايع به قيل: قد أعلمنا الله تعالى أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله. قال الشافعي ﵁: كيف يجوز لأحد عقل عن الله أن يزعم أنه حلال لهم وقد أخبر الله أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله؛ فإن قال قائل: أنت تقرهم عليه، قلت: نعم، وعلى الشرك بالله - انتهى. وإنما حكيته لما فيه من النص على تكليف الكافر بالفروع، وكذلك قال في باب ذبائح بني إسرائيل: لم يزل ما حرم الله على بني إسرائيل اليهود خاصة وغيرهم عامة -محرمًا من حين حرمه حتى بعث الله محمدًا ﷺ ، ففرض الإيمان به وأتباعه وطاعة أمره،

стр. 575

وأعلم خلقه أن طاعته [طاعته] ١، وأن دينه الإسلام الذي نسخ به كل دين وجعل من أدركه وعلم دينه؛ فلم يتبعه كافرًا إلى أن قال: فلم يبق [خلق] ٢ يعقل منذ بعث الله النبي ﷺ كتابي ولا وثنى ولا حي ذو روح من جن ولا إنس بلغته دعوة محمد ﷺ إلا قامت [عليه] ٣ حجة الله بأتباع دينه وكان مؤمنًا بأتباعه وكافرًا بترك أتباعه ولزم كل منهم آمن به أو كفر تحريم ما حرم الله على لسان نبيه ﷺ "انتهى". وقد حكى كثيرًا منه الشيخ الإمام الوالد في [كتاب] ٤ كشف الغمة وقال: [يحسن] ٥ بناء الخلاف في أنا هل نقبض منه ما علمنا أنه ثمن خمر على أنه هل هو [مكلف] ٦ بالفروع؟ قلت: وفي هذا النص دلالة على أن من غصب خمرًا من ذمي لم يجب ردها عليه؛ بل يكون الواجب التخلية بينه وبينها، وهو الأرجح وإياه صحح الشيخ الإمام ﵀ خلافًا للرافعي والنووي. ومنها هذا الفرع إذا غصب خمرًا من ذمي؛ فعلى القول بتكليفهم لا يرد عليهم لأنها حرام عليهم؛ وإنما نخلي بينهم وبينها كما نقرهم على ما نقرهم عليه من المحرمات وعلى القول بعدم تكليفهم يتجه ما [قاله] ٧ الشيخان من وجوب الرد إلا أنه ليس من أصولنا أعني عدم تكليفهم فلا يتجه ما رجحاه٨. ومنها: [إذا] ٩ أتلف خمرًا على ذمي لم يضمنها خلافًا لأبي حنيفة ﵀ وقد جمع المتولي مسائل الخمر وخرجها على الأصل فقال التصرف في الخمر حرام عليهم عندنا لتكليفهم بالفروع وعند أبي حنيفة ﵁ لا يحرم لعدم تكليفهم. ومنها: إيلاؤه صحيح: قال الشافعي ﵁ في الأم بعد أن نص على صحة إيلائه وعلى أن عتقه صحيح وإن لم يؤجر عليه فرض الله على العباد واحد؛ فإن قيل: وهو إن تصدق على المساكين لم يكفر عنه، قيل: وهكذا إن حد في زنا لم يكفر بالحد عنه والحدود للمسلمين كفارة للذنوب ونحن نجده إذا زنا وأتانا راضيًا بحكمنا، إذ

стр. 576

حكم الله على العباد واحد؛ وإنما حددناه لأن رسول الله ﷺ رجم يهوديين١ زنيا بما أمره الله أن يحكم بينهم بما أنزل الله. "انتهى". وفيه فائدتان: النص على تكليف الكافر بالفروع وعلى أن الذمي إذا زنى يحد ومنها: ظهاره صحيح؛ نص عليه الشافعي "رضي الله عنهط ويكفر بالعتق وإن لم يؤجر عليه. قال الرافعي: ويتصور منه إعتاق المسلم و [لا] ٢ يتصور ملكه له. ومنها: إذا زنى حد خلافًا لمالك وأبي حنيفة "﵄". ومنها: التعامل على وجه الربا، قاعدة مذهبنا أنه حرام عليهم كالمسلمين وينبغي على أصل أبي حنيفة إن يحلله لهم لكنه قال أن الربا حرام عليهم وأنهم يمنعون منه كما يمنع منه المسلم لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ فخص الربا من بين سائر الفروع ووافقه الوالد ﵀ على ذلك فذهب إلى أن نمنعهم من عقود الربا ولا نقرهم عليها. ومذهب الشافعي "﵁ أنا لا نتعرض لهم وإن كنا نحرمه عليهم وأنه كسائر المحرمات التي نقرهم عليها. مسألة: معروفة بالإشكال موصوفة بمغالبة الرجال، مشهورة بالفرسان مذكورة بتصحيح الأذهان اسم الجنس موضوع للماهية من حيث هي باعتبار وقوعها على الأفراد، وعلم الجنس الموضوع لها مقصود به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى الأفراد. هذا هو الذي كان الشيخ الإمام يختاره في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس وقد ذكرت ذلك مبسوطًا في منع الموانع وأنا قائل بما قاله الوالد ﵀ غير أن لي فيه زيادة ونقصًا ومعه مباحثة. أما الزيادة: فإني لا أشترط في اسم الجنس اعتبار وقوعه على الأفراد؛ وإنما أكتفى بملاحظ الواضع عند الوضع للأفراد

стр. 577

فأقول: اسم الجنس موضوع للقدر المشترك بين الصورة الذهنية والخارجية ملاحظًا فيه [الصورة] ١ الخارجية؛ فلك أن تجعل معنى قول الشيخ الإمام: باعتبار وقوعها على الأفراد ما ذكرناه فلا يكون فيما ذكرناه زيادة ولك أن تجعل معنى اسم الجنس مشروطًا فيه الصور الخارجية؛ فلا يكون ما في الذهن موضوعًا له، وهو الظاهر من كلامه غير أنا لا نراه. وأما النقص: [فقوله] ٢ في علم الجنس: إنه الموضوع للماهية مقصودًا به التمييز إن عنى بقصد التمييز مطلق التميز فكل موضوع هكذا قصد تميزه عن غيره وإن عنى أمرًا آخر فلا بد من بيانه. فأنا أنقض هذا القيد وأقول: علم الجنس الموضوع للماهية غير معتبر فيه الأفراد. ثم قال الشيخ الإمام تفريعًا على الفرق الذي أبداه: إذا أدخلت [أل] ٣ الجنسية [على] ٤ اسم الجنس ساوى علم الجنس. وأقول ينبغي على هذا أن لا يدخل على اسم الجنس الألف واللام الجنسية إلا إذا صحبها [العموم] ٥، أما إذا اقتصرت على [أصل] ٦ الحقيقة فالمعنى مستفاد قبل٧ دخول "أل" فلا فائدة لها. ونظير ذلك قول الشيخ الإمام في "كل": أنها لا تدخل على [الفرد] ٨ المعرف باللام إذا أريد بكل منهما العموم لعدم الفائدة. ثم قال: ويستنتج من هذا أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع لأن التثنية والجمع إنما يكونان للأفراد. قلت: وهذا صحيح، فلا ينبغي تثنيته وجمعه إلى على تأويل. وتحصل من هذا أن الواضع يستحضر الماهية ثم قد يضع لها من حيث هي، وقد

стр. 578

يضع لها بقيد يعينها في الخارج، وقد يضع منها الصورة الحاضرة في ذهنه، وقد يضع لها صورة في الذهن غير مخصص لها بالوضع وقد يضع لها [ملاحظًا] ١ الأفراد الخارجية غير مخصص لها بالوضع؛ فهذه خمسة أقسام: اسم الجنس عندي منها الخامس وعلما لجنس الرابع. وكان الخسر وشاهي٢ يقول: علم الجنس الموضوع لها بدون ذلك القيد فجعل علم الجنس الصورة الثالثة مما ذكرناه واسم الجنس الصورة الأولى، وكان يتحجج بهذا الفرق. واعترض عليه الشيخ الإمام بأنه ينبغي أن يشترط أن يكون الوضع لصورة ذهنية واحدة؛ لأن العلم إنما يكون كذلك وحينئذ لا يصدق على غيرها من الصور. قال: وبهذا يفسد فرقه لأن أسامة ونحوه من أعلام الأجناس لا يختص بواحد. قال: فإن أخذ في وضعه للصورة الذهنية ما يشبهها من الصور أو المنتزع من بينها ساوي الوضع الخارجي فكيف يجعل أحدهما [معرفة] ٣ والآخر نكرة. قال: فالحق أن العلم إنما يكون موضوعًا لشخص واحد لا تعدد فيها وإنما العرب أجرت على أسامة ونحوه حكم الأعلام ولعلهم شبهوا الصورة الذهنية وإن اختلفت بالصورة الواحدة فيتم ويصح ما قاله الخسر وشاهي. قلت: إن تم بهذا الوجه فلا يتم من جهة [قوله] ٤: بقيد الشخص الذهبي فإنه صريح في أن الوضع لصورة مشخصة في الذهن أخص من سائر الصور، وقول الشيخ الإمام: العام إنما يكون لواحد لا تعدد فيه. أقول: ذلك العلم التحقيقي، وهو علم الشخص وهو الموضوع للماهية يفيد تعيينها وتشخصها في الخارج بالنسبة إلى واحد معين وليس الكلام فيه إنما الكلام في علم الجنس؛ فلم قال: إنما يكون لواحد؟.

стр. 579

فإن قلبت: [وهل] ١ يكون العلم المتعدد؟ قلت: قال النحاة في باب غير المنصرف: العدل تحقيقي وتقديري، وفسروا التقديري بأنه الذي اضطررنا إليه حين وجدناهم يعاملونه معاملة المعدول بأن منعوه من الصرف. وأقول على مساق هذا شيئًا رأيت معناه لنحوي عصرنا عبد الله بن هشام ﵀ قد يقال على ذلك: العلم علمان: علم تحقيقي كزيد وعلم تقديري كأسامة فإنا إنما حكمنا بكونه علمًا حين وجدناهم عاملوه معاملة الأعلام فمنعوه من الصرف أو من دخول أل والإضافة وصححوا الابتداء في قولهم: أسامة أجرأ من ثعالة وجوزوا مجيء الحال منه في قولهم: هذا أسامة مقبلًا ونعته بالمعرفة دون النكرة ولولا ذلك لقضينا بأنه نكرة في أفراد جنس الأسد فهذا من باب الاستدلال بالأثر على المؤثر. وكذلك مسألة العدل سوى مسألة: يقوم كل من المترادفين٢ مقام صاحبه. وثالثها: إن كان من لغته وهذا في شيء لم يتعبد بلفظه فإن وقع التعبد بلفظ شيء لم يقم آخر مقامه. وجعل الإمام ﵀ في النهاية الألفاظ مراتب. [الأولى] ٣ قراءة القرآن فلفظه متعين. الثاني: ما يتعبد بلفظه وإن كان العوض الأكثر معناه كالتشهد والتكبر. قلت: [فهذا] ٤ لا يضر فيه أدنى تغيير مثل قول المصلي: الله أكبر؛ فإنه يجزئ على المشهور في المذهب وكذا الله العزيز أكبر على الصحيح عندهم. وإن كنت أنا أختار [أنه] ٥ لا يجزئ شيء غير "الله أكبر" لقوله ﷺ $"صلوا كما رأيتموني أصلي"٦ ولقوله ﷺ :

стр. 580

لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه١ ويستقبل القبلة فيقول "الله أكبر". وأما قوله ﷺ : مفتاحها التكبير٢: فاللام فيه للعهد والمعهود صيغته الله أكبر لا الأكبر، ثم أنا أعتقد أن الأكبر أبعد عن الإجزاء من الله العزيز أكبر. والأصحاب مطبقون على العكس من هذا؛ وإنما خالفتهم لأن الله العزيز أكبر ليس فيها شيء من التغيير، وإنما هو فصل يسير قد يغتفر بخلاف الأكبر: ثم أعتقد أن الأكبر لا يؤدي معنى أكبر وإن أدى معنى آخر فهو أتم وإذا لم يؤد ذلك المعنى سواء أدى أتم منه أم لا كيف يجزئه؟ الثالثة: لفظ النكاح، وقد ترددوا في أن المرعى فيه التعبد أو إنما تعينت الألفاظ لأجل الإشهاد وعلى الخلاف ينبين تواطؤ أهل قرية على لفظ في تأدية معنى النكاح. الرابعة: الطلاق. الخامسة: العقود سوى النكاح. السادسة: ما لا يحتاج إلى قبول كالإبراء والفسخ. قلت: وقد جمع الشيخ الإمام الوالد ﵀ في باب صفة الصلاة من شرح المنهاج كثيرًا من مسائل الترجمة لغير العربية ونحن نوردها مع زيادات فمنها: ترجمة التكبير ولا تجوز إلا للعاجز ثم اللغات سواء وقيل أولاها الفارسية وقيل: السريانية والعبرانية. منها: التشهد والصلاة على النبي ﷺ وعلى الأول إذا أوجبناها تجوز الترجمة بغير العربية فيها للعاجز دون القادر. ومنها: القرآن لا يجوز ترجمته لقادر ولا لعاجز. ومنها [الدعاء] ٣ الذي ليس بمأثور لا يجوز أن يدعو به بغير العربية في الصلاة بلا خلاف، وتبطل به.

стр. 581

ومنها: الأدعية المأثورة الأصح جواز ترجمتها للعاجز دون القادر. وقيل: يجوز لهما، وقيل: لا يجوز لهما فحيث قلنا لا يجوز فترجم بطلت صلاته. ومنها: سائر الأذكار كالتشهد الأول، وغيرهما مما ليس بواجب الصحيح جوازه للعاجز، وقيل كالدعاء المأثور، وقيل: يترجم العاجز لما يجبر بالسجود. ومنها: كلمة الإسلامن يصح إسلام العاجز بها قطعًا وكذا القادر في الأصح. ومنها: لفظ التزويج والإنكاح، الأصح الانعقاد بالترجمة لكل من العاجز والقادر والثالث التفصيل. ومنها: الأذان، قال الشيخ أبو حامد: لا يجوز بغير العربية وقال الماوردي: إن أذن لنفسه جاز للعاجز، أو للجماعة فلا؛ قال البغوي١ أي جماعة فيهم عربي، وقال الشيخ الإمام: إن قلنا الأذان سنة فهو كأذكار الصلاة فليجر فيه الخلاف الذي فيها أو فرض كفاية وقام به غيره فكذلك وإلا فينبغي أن يجوز للعاجز قطعًا كالتكبير. قلت أي يتعين حينئذ على القادر فإن امتنع جاز للعاجز. ومنها: البيع وسائر العقود تجوز بالترجمة للعاجز والقادر. ومنها: السلام فيه أوجه. ثالثها: إن كان قادرًا على العربية لم يجز. قال النووي: والصواب صحته بالعجمية إن فهم المخاطب ولو قدر على العربية. قلت: وهذا متعين ولعل مراد المانع أن السنة لا تتم بالسلام بالعجمية حتى لا يجب الجواب وهذا محتمل وإن كان الأرجح خلافه. ومنها: خطبة الجمعة الأصح اشتراط كونها بالعربية ومحل الخلاف فيما عدا القرآن المشترط فيها، أما القرآن فقد عرف أنه لا يجوز ترجمته مطلقًا. ومنها: الصحيح صراحة الطلاق بالترجمة قال الرافعي ولم [يتعرضوا] ٢ للفرق بين القادر وغيره كما في النكاح.

стр. 582

قلت: لأن التعبد في النكاح أظهر [منه] ١ في الطلاق ومن ثم كان القول بامتناع ترجمة الطلاق في غاية الضعف. ومنها: الخلع لم أره مسطورصا وقد يلحق بالبيع لما فيه من معنى المعاوضة أو بالطلاق فيجري فيه الخلاف. ومنها: الرجعة، والصحيح صحتها بالترجمة، وثالثها: الفرق بين العاجز والقادر. ومنها: اللعان جائز للعاجز بالعجمية وفي القادر وجهان.

стр. 583

كتاب الكتاب: مسألة: اللغات توفيقية وقيل اصطلاحية١. والصحيح عندي أنه لا فائدة لهذه المسألة في الفروع، وقيل فائدتها النظر في

стр. 584

جواز قلب اللغة والتواضع على خلاف مقتضاها، وعلى الخلاف بنى بعضهم مسألة صداق السر والعلانية، وألحقنا نحن بها في شرح المختصر ما إذا استعمل لفظ شركة المفاوضة وأراد شركة العنان وقد نص الشافعي ﵁ فيها على الجواز وفي النهاية في باب من يعتق بالملك فيمن قال: أنا أريد أن أسمي أمتي هذه حرة تلقيبًا أن حصول العتق ينشأ من أن الرجل إذا غير موجب اللغة بمواطنه ومواضعه فهل يؤاخذ بموجب اللغة؟ قال: فيه كلام استقصيته في مسألة السر والعلانية، وذكرت طرفًا منه في [مسائل] ١ الطلاق. قلت: وحاصل ما ذكره فيما أشار إليه الخلاف في أنه هل يعتبر التواضع أو مقتضى

стр. 585

اللغة، وذكر في مسألة الصداق ما إذا قال الزوج: إذا قلت: أنت طالق ثلاثًا لم أرد به الطلاق؛ وإنما غرضي أن تقومي أو تقعدي أو غرضي بالثلاث الواحدة. قال: وظاهر المذهب أن ذلك، لا يقبل منه، وفي المسألة الوجه البعيد الذي ذكرناه في مسألة الصداق. وسنبسط القول في هذا في مسائل الصريح والكناية في الطلاق وحكى الرافعي هذا عنه في الصداق. وأقول في تسمية الأمة حرة آخر؛ فإن الأسامي ليس فيها تغيير لوضع اللسان، بخلاف تسمية الألف ألفين؛ فالمتجه فيها أنه لا يعتق ولا يجري فيه خلاف كما لو كان اسمها من الأصل حرة فناداها به قاصدًا١ النداء فإنها لا تعتق، وكذا [لو] ٢ أطلق على الأصح، وينبغي حمل كلام الإمام على ما إذا لم يجعل لفظ حرة علمًا عليها، ولعله أشار إلى ذلك بقوله تلقيبًا ويكون مراده باللقب غير العلم فيصير كما لو قال: إذا قلت فأنت طالق فإنما أعني به قومي أو اقعدي. ونظير المسألة التي نقلها الرافعي مسألة: المفاهيم -إلا اللقب- حجة خلافًا لأبي حنيفة ﵁. وعليه مسائل: منها: إذا باع نخلة قبل أن تؤبر فثمرتها للمشتري مندرجة تحت البيع؛ بخلاف ما إذا كانت مؤبرة لمكا ثبت في الصحيحين٣ من قوله ﷺ "من باع نخلًا مؤبرة فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع"؛ فإن مفهومه أن غير المؤبر للمشتري، وهو مفهوم صفة. -وقال أبو حنيفة ﵁: لا يكون للمشتري فيا لحالتين إذ لا اعتبار بالمفهوم عنده. ومنها: الواجد لطول حرة لا يجوز له نكاح الأمة، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٤. ومنها: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية لمفهوم ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ . ومنها: لا نفقة للمبتوتة الحابل، لأن الله خص الحامل بالذكر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ

стр. 586

أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١، ومنها: لا يجوز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب لمفهوم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ٢. ومنها: لا يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء؛ لحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم "قم فأتنا بدلو من الماء فصبه عليه" ٣ وحديث المرأة التي قالت لرسول الله. يا رسول الله: المرأة يصيبها من دم حيضها؟ فقال لتحته ثم لتقرصه بماء٤. والحديثان في الصحيحين، ومفهومهما أن غير الماء منهي عنه، فلا يزيل النجاسة. ومنها لو قالت: رضيت بفلان زوجًا، أو قالت: رضيت أن أزوج، فأظهر الوجهين أن هذا يسوغ لكل من الأولياء تزويجها؛ لأنهم معينون للتصرف، والمشروط الرضا من جهتها وقد وجد، فلو عينت بعد ذلك واحدًا ففي انعزال الآخرين وجهان. قال الرافعي: رأي بعض المتأخرين بناءها على أن المفهوم حجة. قلت: وهو مفهوم لقب فلا يعتبر. ومنهاك نقل الرافعي عن فتاوي القاضي الحسين أنه إذا ادعى على إنسان عشرة فقال: لا يلزمني تسليم هذا المال، لا يجعل مقرًا؛ لأن الإقرار لا يثبت بالمفهوم. قلت: وهذا يقوله من يقصر المفاهيم على أقوال الشارع، وما ذكره من التفرقة وأشار إليه من القاعدة صحيح. وأنا أوضحه فأقول: إذا قال: والله لا آكل إلا هذا فلذلك على مذهبنا قضيتان: الحلف على أن لا يأكل غيره أو معناه الامتناع عن أكل غير هذا وعلى مقابله، ومقابل الامتناع عدم الامتناع؛ فكأنه قال: أمنع نفس غير وأخرج من هذا من المنع، أو كأنه

стр. 587

قال: أمنع نفس غيري وأحملها عليه فيه هذا الخلاف، وكل منهما مقابل لمنعها من الغير؛ فمقابل الامتناع من غير عدم الامتناع من هذا، وعدم الامتناع من هذا أعم من الإقدام عليه، وهذا لا يتأتى في ليس له إلا مائة؛ فلا مقابل لنفي المائة إلا ثبوتها. إذ لا وساطة، وبهذا تتعين المائة، ويتوقف في تعين أكل هذا، وفي مجامعتها تلك السنة وهذا كله حسن؛ لكنه أخذه من قاعدة عامة في كل حالف على مستقبل، وفيه نظر، بل قد لا يعم المستقبلات كلها؛ فلو قال: لا يقوم غدًا أحد إلا زيد فزيد لا بد أن يكون قائمًا. هذا إذا كانت الجملة خبرية، أما [إذا] ١ كانت إنشائية أو قسمية فلا يتعين قيام زيد؛ بل يبقى التخيير كما [أشار] ٢ إليه فإذا ما ذكره ليس من عموم الاستقبال بل من خصوص٣ الحث والمنع. وقولنا: الاستنثاء من النفي إثبات [صحيح] ٤ باق بحاله؛ غير أنه هل هو إثبات لنقيض الملفوظ أو النقيض ما دل عليه اللفظ؟ هذه عبارة الوالد ﵀، وأوضح منها أن يقال هو إثبات [لنقيض] ٥ المنفي بإثبات. مسألة: النيابة تدخل المأمور إلا لمانع "وعكست الحنفية فقالوا: لا تدخل إلا لمقتض". ويظهر أثر ذلك في مسائل لا ينهض دليل دخول النيابة فيها؛ فنحن [نقول] ٦: تجوز النيابة لأنه الأصل، وهم يقفون على ورود دليل هناك بخصوصه لأن الأصل أن لا نيابة. وفيه مسائل: منها: المستطيع للحج إذا زمن وصار معضوبًا [يلزمه أن يستنيب] ٧ من يحج عنه ويقع عن المستنيب خلافًا لهم. ومنها: من عجز عن الحج بعدما وجب عليه؛ إذ بدل الابن الطاعة ليحج عنه. ومنها: من بلغ معضوبًا يلزمه أن يستنيب من يحج عنه خلافًا لهم.

стр. 588

ومنها: المستطيع إذا مات أخرج [من] ١ تركته مال يحج به عنه. وقال أبو حنيفة ﵁ لا يفعل ذلك إلا إذا أوصي به. مسألة: قال علماؤنا: الأمر لا يقتضي الفور وخالفت الحنفية. ومن ثم مسائل منها: لا يجب الحج على الفور. ومنها: لو قال: بع ونحوه لم يشترط٢ القبول. مسألة: الأمر بعد الحظر٣. مسألة: الأمر لا يقتضي التكرار. ومن فروعها: إجابة المؤذن هل تختص بالمؤذن الأول؟ وفيه خلاف للعلماء، وذكر الرافعي في كتابه "أخطار الحجاز" أنه لا يجيبه. ومنها: لو وكله بيع شيء فرد عليه بالعيب فهل له البيع ثانيًا؟ فيه وجهان؛ حكاهما الرافعي قبيل باب حكم المبيع قبل القبض أصحهما أنه ليس له وبه جزم في الوكالة، [ويحسن] ٤ بناء الوجهين إذا كانت الصيغة بع على مسألة الأمر هل يقتضي التكرار. مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ مسألة النهي إذا رجع إلى لازم اقتضى الفساد عند علمائنا قاطبة وهي من أمهات مسائل الخلاف وقد اعتاضت على قوم من المحققين منهم الغزوالي فذهبوا إلى [آراء] ٥ مفصلة تداني مذهب أبي حنيفة والذي استقر عليه

стр. 589

[الرأي] ١ أن النهي عن الشيء يقتضي [عدم] ٢ صحته وعدم الاعتداد به في نظر الشارع فإن كان في العبادات اقتضى صحته وعدم إجزائه وإن كان في المعاملات اقتضى صحته وعدم استقراره وسلط الفسخ عليه هذا ما رأيناه مذهبًا، وإن كنا قصدنا في شرح المختصر وغيره من مصنفاتنا الأصولية خلافه؛ وإنما نبهنا عليه هنا لأنا لم نذكره فيها [بل] ٣ نحن هنا لا نفرع عليه لكونه حائدًا عن مذهب الإمام المطلبي؛ بل تجري٤ قاعدة المذهب فنقول ومن ثم مسائل منها: لا يصح بيع السلاح للحربي.

стр. 590

كتاب العموم والخصوص: القول في الصيغ للشيخ الإمام١ كتاب أحكام "كل" كاد يستوعب فيها الكلام على صيغ العموم بها [لا نزيد] ٢ على نفاسة وحظ هذا الكتاب مسائل نوردها واحدة واحدة. مسألة: الألف واللام تكون اسمًا موصولًا بمعنى الذي وهي الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين وهذه عامة عموم الموصولات بأسرها وليست هي المعقودة لها المسألة. وتكون هي حرف تعريف -وإياه نعني- وللنحاة٣ اختلاف في أن التعريف باللام أو مجموع الألف واللام واختلاف في أن "أل" حرف ثنائي همزته وصل؛ وذلك مذهب سيبويه أو همزته قطع وهو رأي ابن مالك، ومن أجل هذا الخلاف يقال: الألف واللام ويقال: أل وهو قول من جعله ثنائيًا همزته أصلية؛ [فإنه] ٤ يقول: أل ولا يقول: الألف واللام، كما لا نقول في قد: الدال والقاف: ويقال اللام وهو قول من جعل التعريف بها. والشأن في هذا سهل. والحاصل أن أل تكون عهدية وتكون جنسية. القسم الأول: العهدية وهي أنواع: الأول: العهدي الذكري.

стр. 591

وهي التي يعهد مصحوبها بتقدم ذكر نحو ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ومن ثم إذا قالت: طلقني على ألف درهم فقال: أنت طالق على الألف وقع بالدراهم. والثاني: الذهني؛ نحو ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ، ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ . والثالث: الحضوري كقولك لمن سدد سهمًا لغزال: الغزال حاضر١. القسم الثاني: الجنسية وهي نوعان: أحدهما: ما جاء لتعريف الحقيقة: وهي التي تقصد [الحقيقة] ٢ من حيث هي [هي] ٣ نحو: الرجل خير من المرأة وقولك: والله لا آكل الخبز، ومن ثم يحنث بالقليل وكذلك لو حلف لا يكلم الناس ذكر ابن الصباغ وغيره فيما نقله الرافعي في كتاب الإيمان أنه يحنث إذا كلم واحدًا قال بخلاف ما إذا قال: أناسًا فإنه يحمل على نيته٤. قلت: وما ذكره في الناس المعرف يخالف ما نقله الرافعي في فروع الطلاق فيما إذا قال: إن تزوجت النساء فأنت طالق أنه لا يحنث إلا إذا تزوج ثلاث نسوة وكذا [إذا] ٥ قال: لا أشتري العبيد لا يحنث إلا بشراء ثلاثة أبعد. والذي يظهر لي أن الجنسية إن دخلت على جميع فأفراده ثلاث مثل لا أشتري العبيد؛ فلا يحنث إلا بثلاث كما ذكر، لأنه الجنس. [فإن] ٦ دخلت على مفرد مثل: الرجل خير من المرأة فأفراده كل حقيقة من حيث هي؛ بل أفراد له عند التحقيق؛ إنما هي الحقيقة فحسب تشخص في جزئياتها، وإن دخلت على اسم الجمع كالناس والنساء فهل أفراده آحاد أو جموع؟ فيه نظر واحتمال، ثم النحوي لا يسمى هذا النوع جنسية؛ بل يجعله جنسًا مستقلًا. والثاني: الاستغراقية. وهي التي يقصر عليها النحاة اسم الجنسية وهي ضربان: أحدهما حقيقي، وهي التي

стр. 592

تشمل الأفراد نحو: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ١. والثاني: مجازي وهي التي تشمل خصائص الجنس مبالغة، نحو: أنت الرجل علمًا، أي الكامل في هذه الصفة. مسألة: كل للعموم وقد يضاف لفظًا إلى نكرة نحو ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ومعناها كل فرد لا المجموع وقد يثبت المجموع معه مثل كل مسكر حرام لكن [ليس] ٢ لك من وصفها بل من خارج وقد لا يثبت مثل كل رجل يشبعه رغيف ومن ثم منع الشيخ الإمام ﵀ "كل رجل يحمل الصخرة العظيمة" لاقتضائه أن كل فرد يشيلها وأوجب اعتبار فيما لها من ضميره وغيره إلى أن يكون على حسب المضاف إليه إن مفرد فمفرد وإن مثنى فمثنى؛ وهكذا فلا يجوز عنده كل رجل قائمون وادعى إطباق النحاة عليه وأنكر على شيخنا أبي حيان تجويزه ذلك. وقد يضاف إلى معرفة نحو: وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا٣. وحينئذ فهل معناها كل فرد- كالمضافة إلى نكرة أو المجموع؟ فيه تردد، والراجح عند الشيخ الإمام ﵁، أنها على بابها من الدلالة على كل فرد أيضًا؛ غير أنه إن كان مفردًا لزم من استغراق أجزائه المجموع، ولذلك يصدق كل رمان مأكول، ولا يصدق [كل] ٤ الرمان مأكول، لدخول قشره. وإن كان جمعًا احتمل أن يراد المجموع كما في قول القائل: كلكم بينكم درهم، وقول بعض المتكلمين: كل أعضاء البدن حيوان. وأن يراد كل فرد لقوله ﷺ : "كلكم راع" ٥؛ ولذلك فصله بعد ذلك فقال "السلطان راع، والرجل راع، والمرأة راعية" والاحتمال [الثاني] ٦ أكثر.

стр. 593

وهنا بحث وهو أن "كلا" إذا دخلت على ما فيه الإلف واللام وأريد الحكم على كل فرد فهل اللام، للعموم و "كل" تأكيد لها أو لبيان الجنس وكل تأسيس؟ فيه نظر وجوز الوالد رحمه الله تعالى أن تفيد اللام العموم في مراتب ما دخلت عليه. وكل للعموم في أجزاء كل من المراتب، فإذا قلت: كل الرجال، أفادت اللام استغراق كل مرتبة من مراتب جمع الرجال، وأفادت كل استغراق الآحاد. قال: ومن هنا يظهر أنها لا تدخل المفرد المعرف إذا أريد بكل منهما العموم والله تعالى أعلم. مسألة: متى للعموم في الأوقات فإذا قال: متى دخلت الدار فأنت طالق طلقت بأي دخول وقع. فإذا قلت: لو قالت: متى طلقتني فلك ألف فالشروط وقوع التطليق في المجلس. قلت: ذكروا أن الفور هنا مأخوذ من قرينة العوضية. وكذلك إذا صرح بخلاف القرينة عملت الصيغة عملها؛ فلو قالت: طلقني في هذا الشهر متى شئت ولا تؤخر تطليقي عنه على ألف لم يشترط الفور، بل كل جزء من أجزاء الشهر كاف، عملًا بعموم متى. قال الأصحاب: والفرق بينها وبين الصورة قبلها أن الصورة قبلها لم تعارض قرينة العوضية شيء، وهنا عارضها صريح التخيير فتقاعدت القرينة عن مقاومة الصريح. ومن الأصحاب من خرج خلافًا في كل صورة من الأخرى. مسألة: "أي" تكون شرطًا واستفهامًا وموصولًا فتفيد عموم كل فرد، لكن على سبيل الإحاطة. ومن هنا خالفت "كلما". ولم يكن فيها تكرار؛ فإذا قال: أي وقت دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة بعد أخرى لم يتكرر الطلاق. وفي كلما "يتكرر". وللشيخ الإمام ﵀ في كتاب أحكام "كل" كلام نفيس على أكثر صيغ العموم فعليك به. وحظنا من "أي" هنا أن نقول قد قرر ذلك الحبر ﵁ أن عموم "أي" معناه إناطة الحكم بالأفراد [لخصوصها] ١ من حيث دخولها في المسمى لا من حيث هي، وهو العموم البدلي، ثم هو لا ينافي الشمول، وقد يصحبه الشمول باعتبار عود الضمير على

стр. 594

"أي" نحو: أيما إهاب دبغ فقد طهر١؛ لأن طهارة هذا الإهاب غير طهارة الإهاب الآخر. والحاصل أن ثبوت الحكم للأفراد قد يكون في حالتي اجتماع كل فرد مع الآخر وحالة انفراده؛ وذلك لعموم الشمول، وهو عموم كلي. وقد يكون حالة الانفراد من غير تعرض لحالة الجمع؛ وذلك عموم "أي" وما في معناها، وهو العموم البدلي. وقد يثبت للماهية من غير تعرض للأفراد، وهو المطلق، وقد يسمى أيضًا عمومًا بدليًا. ومما يدل على الفرق بين "كل" و"أي" أنك تقول: كل الثلاثة ضربك وضربوك. ولا تقول "أي" الثلاثة ضربوك، بل ضربك؛ فدل على أن معناها: أحد الأشياء لا جميعها ومن ثم إذا قال: أي عبيدي حج فهو حر فحجوا كلهم يعتقون خلافًا للغزالي حيث قال لا يعتق إلا واحدًا". ومن مسائل "أي" المشهورة مسألة محمد بن الحسن ﵁ قال إذا قال أي عبيد ضربك فهو حر [فضربوه عتقوا جميعًا وإن قال أي عبيدي ضربته فهو حر] ٢ فضربهم لا يعتق إلا واحدًا وفي تعليق القاضي الحسين ما يقتضيه ونازع فيه الوالد ﵀، وأطال في المسألة في كتابه [المشهور] ٣ فلينظر فيه. وقد أجاب فخر الإسلام الشاشي بالتعميم في المسألة حتى يعتق جميع الضاربين في المثال الأول. وجميع المضروبين في الثاني. وقد يستدل بقول الأصحاب: لو قال لنسائه: أيتكن حاضت فصواحباتها طوالق وقع بحيض كل واحدة منهن على البواقي طلقة -كذا ذكره الشيخ في التنبيه وغيره والرافعي لم يذكر المسألة إلا بصيغة "كلما". وحاصل ما فرق به محمد بن الحسين ﵁ أن فاعل الفعل في الكلام الأول وهو الضمير في ضربك عام لأنه ضمير أي، وحينئذ فيكون الفعل الصادر عنه عامًا.

стр. 595

لأنه يستحيل تعدد الفاعل مع انفراد الفعل؛ لأن الفعل يختلف باختلاف فاعليه، فإن فعل زيد غير فعل عمرو فمن ثم قال: يعتق الجميع. وأما الصيغة الثانية: وهي "أي عبيدي ضربته فالفاعل فيه وهو تاء المخاطب خاص والعام فيه إنما هو ضمير المفعول أعني الهاء" واتحاد الفعل مع تعدد المفعول غير محال؛ فإن الفاعل الواحد قد يوقع في وقت واحد فعلًا واحدًا لمفعولين أو أكثر. مسألة: أقل الجمع ثلاثة، وقيل: اثنان وفيه مسائل: منها: قيل يكتفي بالصلاة على الميت باثنين حكاه الرافعي عن صاحب التهذيبو قيل إنه بناء على أن أقل الجمع اثنان. ومنها: لو أوصى لأقاربه ولم يوجد إلا قريب واحد، وستأتي المسألة وحظنا منها هنا أن الرافعي حكى فيها وجهًا عن الأستاذ أبي منصور أن له التصرف ولم يعلله. قال ابن الرفعة١: ولم أفهم له معنى، وإن تخيل أنه بناه على أن أقل الجمع اثنان لزمه جواز الاقتصار على اثنين في الوصية للفقراء، ولم نر من قال به. ومنها: إذا اقر بدراهم لزمه ثلاثة دراهم، وفي وجه اثنان لعل توجيهه البناء على أقل الجمع؛ غير أن الشيخ الإمام الوالد ﵀ نازع في ذلك في كتاب الحلبيات. ومنها [إذا] ٢ أوصى لجماعة من أقرب أقارب زيد جزم الأصحاب بأنه لا بد من الصرف إلى ثلاثة؛ حتى لو كانوا دون ثلاثة؛ حتى لو كانوا دون ثلاثة تممنا الثلاثة ممن يليهم. ومنها: لو حلف لا يكلم بني آدم قال الرافعي في فروع الطلاق المنقولة عن إسماعيل البوشنجي القياس أنه لا يحنث بكلام الواحد والاثنين إلا أعطيناهما حكم الجمع. قد ثبت في إطلاق اسم الجمع على الواحد تجوزًا خلاف. أما حقيقة فلا إجماعًا ومن ثم لو قال من ليس له إلا عبد واحد: عبيدي أحرار "لا يعتق" ذكره القاضي الحسين في فتاويه في أثناء مسألة. فإن قلت: الصحيح فيمن أوصى لأقاربه ولم يوجد له إلا قريب واحد أنه يتناول

стр. 596

جميع الموصفي به وقيل: نصفه، وقيل: ثلثه، ولا قائل: بأنه يحرم مع أن الأقارب جمع. قلت: المرعي في الوصية الجهة؛ فصار كما لو وقف على أولاده يستحق الواحد منهم والجمع، ثم مدلول الأقارب ليس منحصرًا في واحد لاحتمال أن يكونوا وقت الإيصاء جمعًا -ولذلك قالوا [ولم] ١ يوجد إلا واحد ولاحتمال حدوثهم بعد الإيصاء؛ فليس [مما] ٢ نحن فيه. مسألة: في دخول المخاطب بكسر الطاء -تحت عموم خطابه خلاف عليه مسائل: منها: لو قال: نساء العالمين طوالق؛ ففي وقوع الطلاق على امرأته خلاف أشار الرافعي إلى أن بعضهم بناء على هذا، وقد تكلمنا على المسألة في "شرح المختصر". ومنها: لو وقف على الفقراء وهو فقير. قال الوالد ﵀: ينبغي أن يكون فيه وجهان -أصحهما الجواز- قال: والمسألة التفات على هذا الأصل" ونقل من كلام الخوارزمي٣ صاحب الكافي ما يدل للجواز. ولو لم يكن هناك فقير غيره؛ فأشار إلى ترجيح الجواز أيضًا؛ لكونه قصد الجهة بخلاف مسألة ابن يونس في حيلة الإنسان في الوقف على نفسه، حيث صورها فيما إذا وقف على أولاد أبيه الذين صفتهم كذا وذكر صفات نفسه قال الوالد ﵀: لأن قصد الجهة العامة فيها بعيد. قلت: وإن روعي اللفظ وقطع النظر عن القصد فله التفات على دخول المخاطب في الخطاب. ومنها إذا قال: أوصيت لعبدي بثلث مالي فالأصح وبه قال ابن الحداد أن رقبته تدخل، والثاني: لا، لإشعاره بغيره.

стр. 597

قال القاضي أبو الطيب في شرح الفروع: [وبهذا نقول] ١: إن الأمر لا يدخل في الأمر؛ لأن الظاهر أن المأمور غير الآمر. قلت: والرافعي حكى الوجهين وصحح قول ابن الحداد، لكن لم يذكر هذا المأخذ وهو تردد في دخول المخاطب -بفتح الطاء. ومنها: نقل الرافعي في فروع الطلاق عن إسماعيل البوشنجي أنه لو قال لزوجته: إن فعلت مع أحد حرامًا فأنت طالق فطلقها طلقة رجعية وجامعها في عدتها فيحتمل أن يبنى وقوع الطلاق على أن المخاطب هي يندرج تحت الخطاب ويحتمل أن يقال: لا يقع لأن الغرض منعها عن الغير لما يلحقه بذلك من الغضاضة والمعرة. كذا: في الرافعي؛ لكنه فيه بالعجمية وأنا عربته. فإن عبارته لو قال لزوجته أكذبوا وليس حرام كنى وهذا معناه. مسألة: خطاب الشارع بالمسلمين والمؤمنين يتناول العبيد [عند] ٢ الأكثر، وقال به الرازي من الحنفية كان لحق الله دخل وإن كان لحق العباد فلا وفي المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا حكاها الماوردي في كتاب القضاء من الحاوي. أحدها: الدخول إلا أن يخرجها الدليل. والثاني: عدمه إلا أن يدخله الدليل. والثالث: إن كان بعيدًا أدخل وإن تضمن ملكًا أو عقدًا أو ولاية فلا. وهذا الثالث هو مذهب الرازي فيما أحسب، وهو ما أشار إليه الشافعي ﵁ بقوله: إن العبد يدخل في الضرورات دون غيرها. كما أشرت إليه في شرح المختصر. ويتخرج على الأصل مسائل: منها: أمان العبد صحيح [عندنا] ٣ خلافًا لأبي حنيفة ﵁ -لقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ ويسعى بذمتهم أدناهم" ٤.

стр. 598

ومنها: إذا انتفت الموانع بأن يأذن السيد له فيما لم يوجب عليه من أجله فهل يجب؟ فيه تردد في مسائل: منها: لو أذن له السيد في حضور الجمعة، والصحيح لا يجب عليه. ومنها: في وجوب إحرامه بحج أو عمرة إذا أذن له السيد في دخول الحرم خلاف؛ أصله قول ابن عباس ﵁: لا يدخل أحد مكة محرمًا. مسألة: الصحيح دخول الصورة النادرة تحت العموم وكحذا الصورة غير المقصودة. وفرق بين النادرة وغير المقصودة؛ فالنادرة هي التي تندر بالنسبة إلى القضية التي اشتمل عليها لفظ العموم، وغير المقصودة هيا لتي تدخل في مدلول اللفظ؛ إلا أنا نعلم أن الألفاظ لم يقصدها. وقد تكون نادرة وقد لا تكون، كما أن النادرة قد تكون مقصودة وقد لا تكون. مثال النادرة: المسابقة على الفيل وغيرها. ومثال غير المقصودة: ما وقع في "المحاكمات" واقف وقف على زوجاته ما دمن باقيات في عصية نكاحه؛ [فمن] ١ تزوجت منهن سقط نصيبها وعاد على ضراتها فطلق واحدة منهن طلاقًا بائنًا ثم عادت إليه بعقد جديد فقال ضارتها: إنه لا عود لك إلى النصيب الذي خرج عنك عند انقطاع العصمة؛ فقد صدق انقطاع العصمة والتزوج، وقالت هي: لم يكن قصد الواقف إلا أن أتزوج بغيره والقرائن تشهد لها وتفضي إلى القطع بما تدعيه؛ ولكن قد ينازع منازع في التصوير بهذه الصورة لقوله: ما دمن في عصمة نكاحه تعلقًا بأن الدوام انقطع ببينونتها [ألا] ٢ ترى إلى ما نقله الرافعي من فروع الطلاق عن إسماعيل البوشنجي فيمن حلف إن دخلت دار فلان ما دام فيها فأنت طالق فتحول ثم عاد لا يقع لأن الإدامة انقطعت.

стр. 599

ثم ذكره في أواخر كتاب الإيمان أيضًا فيمن حلف لا يصطاد ما دام الأمير في البلد لا سيما وقد قال الواقف باقيات فليتصور بخلو اللفظ عن قوله: ما دمن باقيات وقد وقع وكذلك وقع في "المحاكمات" أيضًا واقف وقف على الفقراء والمساكين وقال قدموا اعتقائي على غيرهم فافتقر أقرابه وطلبوا أن يقدموا على العتقاء لأن الإحسان إليهم أولى. والقرائن [تقتضي] ١ بأن الواقف لو استحضر افتقارهم لرجحهم على عتقائه، وقال العتقاء: اللفظ لا يدل إلا على تقديمنا ولستم إيانًا، والمعروف في مذهبنا عدم اعتبار المقاصد والاقتصار على مدلول الألفاظ. وللغزالي كلام أخذ منه ابن الرفعة ميله إلى أن المقصود يعتبر. وأقول المقصود بالنسبة إلى اللفظ ثلاثة أقسام: قسم ينافي اللفظ ويعارضه: فلا وجه لاعتباره. وقسم يعاضد اللفظ ويساعده: فلا يقول [أحد] ٢ بإهداره؛ ولكنه معتبر غير أن اللفظ هو الموجب لاعتباره دون القصد. وقد يقول من يعتبر المقاصد [أنهما] ٣ "هنا" علتان على معلول واحد. قسم لا ينبو عنه اللفظ ولا يدل له؛ فهذا يشبه الزيادة على اللفظ، فإن توفرت عليه القرائن وأفضت إلى القطع أو ظن غالب فلا بأس باعتباره، إذا [عرفت] ٤ هذا فلنعد إلى الكلام في النادرة فنقول: فما دار في عبارات الأصحاب النادر لا حكم له. ومن ثم مسائل: قيل: خروج المني من النساء ليس ببلوغ لأنه نادر فلا حكم له ولكن الصحيح خلافه، ومنها: العدد النادر الذي لا يدوم يوجب القضاء وإن كان مع الخلل الحاصل يدل على الصحيح. وقد يستشهد لقولهم: النادر لا حكم له؛ مما نقله الكيا الهراسي في أحكام القرآن عن الشافعي ﵁ في نكاح الأمة لمن تحته حرة -أنه ﵁ كان يقول: الظاهر من وجود النكاح الطول والأمن من العنت، ولا مبالاة بنكاح نادر لا يفضي إلى ذلك؛ بل نحسم الباب حسمًا.

стр. 600

ويقول أصحابنا جميعًا وذكره الرافعي في أوائل الطلاق -أن الفسوخ لا تنقسم إلى سنة وبدعة؛ لأنها أسباب نادرة- بخلاف العقود. وربما قيل "النادر يحفظ ولا يقاس عليه. وهذا قولهم: الشاذ الخارج عن المنهاج يحمل على شذوذه ولا يقضي به على غيره. وليس كلامنا في هذا إذا ذاك هو مسألة "أن الخارج عن القياس هل يقاس عليه؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه في مسائل القياس؛ إنما الكلام في الصورة النادرة هل تدخل تحت العموم؟ المشهور أنها تدخل وهو المختار. وفي كلام الإمام والغزالي والرافعي ﵏ ما يقتضي عدم دخولها. أشار إليه الغزالي في كتب الخلافيات وتوصل به إلى إخراج الكلب من عموم أيما إهاب دبغ فقد طهر فقال: الكلب لا يعتاد في العرف دباغ جلده؛ فتنفك الأذهان عن ذكره إذا جرى ذكر الدباغ واللفظ ينزل على الاعتياد فيما يدبغ ذكره في مآخذ الخلاف وفي شفاء العليل وذكر [في] ١ المآخذ أن هذا الفرق ينتهي إلى القطع. ومثل كلام الغزالي قول الرافعي في الحج في صوم المتمتع ثلاثة أيام بعد التشريق لا يكون أداء لأن تأخره عن أيام التشريق مما يبعد ويندر؛ فلا يقع مرادًا من قوله تعالى ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ٢ بل هو محمول على الغالب المعتاد. قال الرافعي: هكذا حكاه الإمام وغيره. قلت: وعبارة الإمام في النهاية المفهوم من القرآن تفييد صوم الثلاثة بأيام الحج، وهو مضبوطة، وأيام التشريق ملحقة بأيام الحج على بعد؛ فأما النظر إلى البقاء في الإحرام لامتداد زمان طواف الزيارة فليس مراد الكتاب. فإن تأخر الطواف عن أيام التشريق يبعد وقوعه. فليفهم النظر حقيقة ذلك؛ فإني لم [أقله] ٣ رأيًا واستنباطًا وإنما نقلته من فحوى كلامه الأئمة. انتهى. ونظير كلام الرافعي هنا قوله -فيما إذا مات المكفول ببدنه: أنه يبرأ الكفيل حملًا للإحضار الملتزم على الحياة؛ فإنه الذي يخطر بالبال غالبًا. قلت: لكن هذا في تقييد
следующие страницы →