← Фикх общий

Фикх общий · id 8638

فقه الأسرة

أحمد علي طه ريان

Полный текст (316 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أما من يفيق أحيانًا فتنتظر إفاقته حتى يؤخذ إذنه في تزويجه١. أما الغلام الصغير سليمًا أو مجنونًا فأجاز الجمهور تزويجه إن كان في ذلك مصلحة, وقد قال بذلك ابن المنذر والحسن والزهري وقتادة ومالك والنووي والأوزاعي, مستدلين بأن ابن عمر ﵄ زوج ابنه وهو صغير, فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعًا، رواه الأثرم بإسناده٢, بل قال المالكية بجواز جبر الصغير السليم العقل على التزويج إن كان فيه مصلحة له كتزويجه من غنية أو شريفة٣ وفرق الشافعي بين الغلام الصغير السليم العقل وبين المجنون, فأجاز تزويج الأول إن كان فيه مصلحة, ولم يجز تزويج المجنون الصغير لما يترتب على التزويج من حقوق؛ كالمهر والنفقة مع حاجته إليه ولو كان ذلك من أبيه٤. ٣- يلزم الأب بتزويج ابنته البالغة المجنون, سواء أكانت بكرًا أم ثيبًا إن خيف عليها الزنا٥ مع اختلافهم فيمن يملك ذلك, أما المجنونة الصغيرة فأجاز الجمهور تزويجها لمصلحة, ومنع ذلك الشافعي لعدم الحاجة٦. ٤- السفيه المحجور عليه إذا كانت هناك حاجة لتزويجه, لزم وليه أن يزوجه لأنه نصب وليًّا عليه لمصالحه، وهذا الزواج من مصالحه؛ لأنه يصون به دينه وعرضه ونفسه، فإنما ربما تعرَّضَ بترك التزوج للإثم بالزنا والحد وهتك العرض، وإن لم تكن له حاجة إليه لا يزوجه؛ لأنه يلزمه بالنكاح حقوق من المهر والنفقة والمبيت والسكنى, فيكون تضييعًا لماله ونفسه من غير فائدة, فإن كان الولي رأى حاجته فأذن له بالتزوج فتزوج صح زواجه٧.

стр. 142

وقال الشافعية: لا يستقل السفيه المحجور عليه بالنكاح، بل ينكح بإذن وليه أو يقبل له الولي بإذنه "أي بإذن السفيه"، فإن نكح بغير إذن وليه بطل نكاحه, ولا يلزمه شيء من النفقة أو الصداق. وذهب بعض الفقهاء الآخرين إلى صحة النكاح منه ما دامت به حاجة إليه ولو لم يأذن له الولي، إذ حقه في النكاح صار متعينًا في هذه الحالة. هذه كلمة موجزة في حكم تزويج المحجور عليهم, ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب المذاهب الفقهية. أما بيان مدى حق الزوجة في المشاركة في العقد وحكم الوكالة منها أو من الزوج, فهذا قد سبق في صيغة العقد والولاية في النكاح فلم يحسن تكرار الكلام عليه.

стр. 143

المطلب الثاني: الموانع بسبب اختلاف الدين ١- لا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة مشركة أو لا تنتمي إلى دين سماوي, كما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج غير مسلم بأي حالٍ من الأحوال, للنص القرآني الصريح في ذلك قال جل شأنه: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١. والمراد بالمشركات في هذه الآية غير نساء أهل الكتاب، فتكون الآية مقصورة

стр. 144

على المشركات من عابدات الأوثان وكل من لا تدين بدين سماوي, وقد نقل هذا القول عن عدد كبير من الصحابة والتابعين؛ منهم: عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد وطاووس وعكرمة والشعبي والضحاك, وكل فقهاء الأمصار. ٢- وقد روى الخلال بإسناده أن حذيفة وطلحة والجارود بن المعلى تزوجوا من نساء أهل الكتاب أخذًا من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية١. ٣- لكن مع ذلك لا ينبغي للمسلم أن يترك النساء المسلمات ويتزوج من أهل الكتاب لما في ذلك من الجفاء لأهل دينه؛ إذ هن أولى بالرعاية وحسن العشرة والنفقة, وما إلى ذلك من نساء أهل الكتاب، ولا سيما وقد اشترط جماعة من الفقهاء لصحة الزواج من الكتابيات أن يكن عفيفات, وهو ما يفهم من القيد الوارد في آية نساء أهل الكتاب ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ ٢, بل ربما مال إليها قلبه ففتنته، وربما كان بينهما ولد فيميل إليها, وقد نقل عن الإمام مالك والشافعية كراهة ذلك في بلد الإسلام؛ لأنها تتغذى بالخمر والخنزير وتغذي ولده بهما وهو يقبلها ويضاجعها وليس له منعها من ذلك كما لا يمنعها من الكنيسة٣.

стр. 145

المطلب الثالث: الموانع الصحية وهي عبارة عن تلبس أحد زوجي المستقبل بأحد الأمراض التي تنفر الطرف الآخر منه لو علم بها قبل إنشاء عقد الزواج، لكن إذا اطَّلع عليها قبل العقد ووافق على الاستمرار في إجراءات العقد بالرغم من علمه بها, فإن العقد يصح إذا كان الزوج بالغًا عاقلًا رشيدًا، أما إذا كان محجورًا عليه, فإن الأمر يتوقف على إذن وليه وإذنه هو بعد بلوغه؛ حيث يجوز له حينئذ المطالبة بفسخ العقد١. لكن إذا كان هذا المرض بالزوج فشرط الاستمرار في إجراءات هذا العقد رغم العلم به هو موافقة الزوجة فقط, ولا كلام لأوليائها في ذلك. والأمراض المعول عليها والتي تعطي أحد الزوجين الحق في المطالبة بفسخ العقد قبل الدخول أو بعده, هي الأمراض المستحكمة التي لا يمكن البرء منها, أو يمكن بعد زمن طويل, ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر, سواء أكانت قبل العقد ولم يعلم بها, أو حدثت بعده ولم يرض بها، ومن هذه العيوب ما هو خاصٌّ بالرجال, ومنها ما هو خاصٌّ بالنساء, ومنها ما هو مشترك بينها: - ومن العيوب الخاصة بالرجال: الجب، والعنة، والخصاء٢. - ومن العيوب الخاصة بالنساء: الرتق والقرن والإفضاء وبخر الفرج عند المالكية٣. العيوب المشتركة بين الرجال والنساء وهي: الجنون والجذام والبرص والعُذيطة وهي التغوط عند الجماع. والأثر المترتب على الفسخ بالعيب المقارن للعقد أو الحادث بعده: إن حدث قبل الدخول فلا مهر، وإن كان بعد الدخول وقبل الوطء فعليه مهر المثل، وإن وطئ فعليه المسمى٤.

стр. 146

المطلب الرابع: الموانع الشرعية أو المحرمات الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ١. وقوله ﵊ من حديث أبي هريرة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها, ولا بينها وبين خالتها" متفق عليه. ومن حديث عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ : "إن الرضاعة تحرِّم ما يحْرُمُ من الولادة" متفق عليه, ثم الإجماع على كل ذلك. وفيما يلي ذكر للمحرمات بشيء من التفصيل:

стр. 147

أقسام المحرمات من النساء: المحرمات من النساء قسمان: - محرمات على التأبيد: وهن من لا يحل الزواج بواحدة منهن أبدًا لمن حرمت عليه؛ لأن سبب التحريم دائم لا يزول. - محرمات على التأقيت: وهنَّ من لا يحل الزواج بواحدة منهن لمن حرمت عليه ما دام سبب الحرمة قائمًا, فإن زال سبب الحرمة جاز التزوج بهن. أولًا: المحرمات على التأبيد أسباب الحرمة المؤبدة ثلاثة: النسب والمصاهرة والمراضعة، وقد تنوَّعت المحرمات على التأبيد تبعًا لتنوع أسباب الحرمة إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: المحرمات من النسب وتشمل أصول الرجل من النساء وهن: الأم والجدة لأب أو لأم وإن علت، وفروعه وهن: بناته وبنات أولاده وإن نزلن، وفروع أبويه وهن: الأخوات وبنات الإخوة والأخوات وإن نزلن، وفروع أجداده في مرتبة واحدة وهن: العمات والخالات سواء أكن عمات وخالات الشخص نفسه, أم كنَّ عمات وخالات لأبيه أو أمه، أو لأحد أجداه وجداته، أما ما دون العمات والخالات من المراتب كبنات العمات وبنات الأخوال والخالات فلسن بمحرمات، فيؤول أمر المحرمات من النسب إلى سبعة أصناف وهن: ١- الأمهات: وهن كل من انتسب إليها بولادة وإن علت, من ذلك أم أمك وأم أبيك. ٢- البنات: وهو كل أنثى لك عليها ولادة كابنتك من الصلب وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن.

стр. 148

٣- الأخوات: من الجهات الثلاث من الأبوين أو من الأب أو من الأم. ٤- العمات: أخوات الأب من الجهات الثلاثة، وكذا عمة كل من الأب أو الأم أو الجد أو الجدة. ٥- الخالات: أخوات الأم من الجهات الثلاثة، وكذا خالة كل من الأب أو الأم أو الجد أو الجدة. ٦- بنات الأخ: كل امرأة انتسبت إلى أخٍ لك بولادة من أي جهة كان الأخ. ٧- بنات الأخت: كذلك. النوع الثاني: المحرمات من الرضاع ١- الأمهات المرضعات: وهن اللاتي أرضعنك وأمهاتهنّ وجداتهنّ وإن علت درجتهنّ. ٢- الأخوات من الرضاعة: وهن كل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة, أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد؛ كرجلٍ له امرأتان لهما منه لبن أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى فهي أختك من الرضاعة. النوع الثالث: المحرمات بالمصاهرة وهن أصناف أربعة: ١- أمهات زوجاتك: فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع, قريبة أو بعيدة, بمجرد العقد وهو قول الجمهور. ٢- بنات زوجاتك اللاتي دخلت بهن: وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن, وهنَّ كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع, قريبة أو بعيدة, سواء أكانت في حجره أم لم تكن؛ إذ القيد في الآية خرج مخرج الغالب, ونقل عن عليٍّ

стр. 149

وعمر ﵄ أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره. قال ابن المنذر: وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول. ٣- زوجات الأبناء: سواء أكان الأبناء من النسب أم الرضاع، بمجرد العقد. ٤- زوجات الأب: فتحرم على الرجل امرأة أبيه قريبًا أم بعيدًا، ويحرم عليه من وطئها أبوه أو ابنه بملك يمين أو شبهة, كما يحرم عليه من وطئها بعقد نكاح. قال البراء بن عازب: "لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله" رواه النسائي١. ثانيًا: المحرمات على التأقيت وهن أنواع متعددة نذكر منها: ١- المشغولة بحق الغير: وهي المتزوجة والمعتدة من طلاق أو وفاة، لقوله تعالى في المتزوجة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فقد عطفها على المحرمات، والمراد بهن ذوات الأزواج، وقوله تعالى في المعتدات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢, وقوله في المعتدة من وفاة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٣, وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ٤. ٢- الجمع بين محرمين: والمراد من المحرمين: كل امرأتين بينهما قرابة محرمية؛ بحيث لو فرضت أيتها ذكرًا حرمت عليه الأخرى، فهذا النوع إذن ينتظم صنفين:

стр. 150

- الجمع بين الأختين: سواء أكانتا من النسب أم الرضاع، وسواء أكانتا من أبوين أم من أب أو من أم، سواء في هذا قبل الدخول وبعده، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فإن تزوجهما في عقد واحد فسد العقد؛ إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، وإن عقد عليهما مرتبتين كان عقد الأولى صحيحًا وعقد الثانية فاسدًا. - الجمع بين المرأة وعمتها, أو بينها وبين خالتها: لما يترتب على الجمع من إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضائه إلى قطيعة الرحم المحرمة. ٣- المطلقة ثلاثًا: وهي محرمة على مطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ١. ٤- الزيادة على الأربع: فلا يجوز لرجل يجمع في عصمته أربع زوجات أن يتزوج بخامسة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢. هل لبن الفحل محرَّم؟ إن المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ناتج عن وطء رجل, حرم الطفل على الرجل وأقاربه؛ لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة, فيصير الولد ابنًا للرجل والرجل أبًا للولد, ويصير أولاد الرجل للطفل سواء من تلك المرأة أم من غيرها، ويصير إخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته، ويصير آباؤه وأمهاته أجداده وجداته, وسئل ابن عباس ﵁ عن رجلٍ له جاريتان, أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلامًا, فقال: لا، اللقاح واحد, وقد قال بذلك عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء، منهم ابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن

стр. 151

والشعبي والقاسم وعروة ومالك والنووي وأبو حنيفة، قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار, وقد رخَّصَ في لبن الفحل ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي وأبو قلابة كما يروى عن ابن الزبير، بحجة أن اللبن من المرأة وليس من الرجل١

стр. 152

المبحث الثاني: الخلو من الموانع الاجتماعية أو "الكفاءة " أ- تعريف الكفاءة: الكفاءة في اللغة: المماثلة والمقاربة. وأما في الشرع: فهي كون الزوج مساويًا للزوجة أو أعلى منها في أمور مخصوصة. ب- هل الكفاءة حق للمرأة أو لوليها أو لله تعالى؟ يرى بعضهم أن الكفاءة حق للمرأة والأولياء معًا؛ مثل: الشافعية والحنابلة١, واختلف قول المالكية؛ فمنهم من يراها للمرأة الثيب دون وليها, ومنهم من يراها للزوجة ووليها, ومنهم من يراها حقًّا لله تعالى, قال صاحب البهجة: وبه القضاء. والمشهور أنها حق للزوجة والولي٢، ويرى الحنفية أنها حق للولى فقط٣. وقد ذهب الثوري وأبو الحسن الكرخي وأبو بكر الجصاص وعدد من علماء العراق إلى عدم اعتبارها في النكاح أصلًا٤ جـ- هل الكفاءة معتبرة في جانب الزوجة أو في جانب الزوج؟ جمهور العلماء على أن الكفاءة معتبرة في جانب الزوج وغير معتبرة في جانب الزوجة, وعند صاحبي أبي حنيفة تعتبر في جانب الزوج والزوجة معًا٥ ويستدل الجمهور بأن النبي ﷺ لا مكافئ له وقد تزوج من أحياء العرب وتزوج

стр. 153

صفية بنت حيي, وتسرَّى بالإماء وقال:$"من كانت عنده جارية فعلَّمها وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران" متفق عليه. ولأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه فلم يعتبر ذلك في الأم١. هـ- هل الكفاءة شرط في صحة النكاح؟ وهل يبطل بفقدانها؟ يرى بعض المالكية وبعض الحنابلة وبعض الحنفية أنها شرط صحة يبطل العقد بفقدها٢, أما الجمهور فيرى أنها حق يجوز تركه، فلو رضيت المرأة وأولياؤها بزواجها من فاسق سكّيرٍ يؤمن عليها منه صحَّ النكاح٣, ويرى الحنفية أنها معتبرة للزوم النكاح٤. و مواقف العلماء من الأمور المعتبرة في الكفاءة: يذهب الحنفية إلى اعتبارها في النسب والإسلام والحرفة والحرية والديانة والمال والقدرة على الجماع٥. ويذهب المالكية في المعتمد عندهم على إلى أنها معتبرة في التدين؛ أي: كونه ذا دين غير فاسق، والسلامة من العيوب, ونقل عن ابن القاسم أنها معتبرة في المال أيضًا, لكنهم قالوا: إن شرط السلامة من العيوب حق للمرأة وليس للأولياء فيه كلام، وكذلك لهم في كفاءة العبد للحرة رأيان٦. ويذهب الشافعية إلى أن المعتبر في خصال الكفاءة خمسة، وهي السلامة من العيوب المثبتة للخيار مثل "الجنون أو الجذام أو البرص"، والحرية والنسب

стр. 154

"فالعجمي ليس كفئًا لعربية, وغير القرشي من العرب ليس كفئًا لقرشية, وكذلك غير الهاشمي والمطلبي من قريش ليس كفئًَا للهاشمية والمطلبية, والعفة: "فليس الفاسق كفئًا للعفيفة"، والحرفة "فصاحب حرفة دنيئة ليس كفئًا لبنت صاحب حرفة رفيعة ولو نسبيًّا "فالخياط والتاجر لا يكافئان ابنة العالم والقاضي نظرًا للعرف في ذلك". والأصح عندهم: أن اليسار لا يعتبر؛ لأن المال غادر ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر، ومقابله يعتبر؛ لأنه إن كان معسرًا تضررت هي به وبعدم إنفاقه عليها وعلى الولد١. وعند الحنابلة: أن المعتبر في الكفاءة "على الرواية التي تذهب إلى اشتراط الكفاءة" هو الدين والنسب. وروى الإمام أحمد أيضًا: أنها تعتبر في الحرية والصناعة واليسار٢. والحق أن من يعطي الزوجة وأولياءها الحق في التمسك بالكفاءة والمساواة في النسب والمال ونحوه إنما ينظرون إلى غايةٍ ساميةٍ وحكمة جديرة بالتأمل، وذلك أن عقدة النكاح تتم على أساس الارتباط الدائم, فلا بُدَّ للزوجية الصالحة من التوافق في الطبع، والتلاؤم في الوضع، والتشابه في المركز الاجتماعي, والتقارب في المستوى الثقافي، حتى نضمن للزوجين حياةً مستقرةً هادئةً ملؤها الود والإخلاص وقوامها الاحترام والتقدير. أما إذا كان الزوج دون الزوجة حالًا وأقل مالًا وأحط نسبًا وأدنى ثقافةً وعلمًا؛ فهيهات أن يكون هناك انسجام ووئام، وهيهات أن يمضي يوم بدون شقاق وخصام، وهيهات أن يرفع الرجل أمام المرأة رأسًا، أو يظهر -وهو القوام عليها- حمية وبأسًا، وبذلك تسوء الحال، ويكون أمر هذه الزوجية إلى زوال.

стр. 155

وقد ساعد هذا الفريق على هذا الاتجاه ما نُقِلَ عن عددٍ من السلف أنهم كانوا يراعون ذلك أو يدعون إليه باعتباره أمرًا واقعًا يقتضيه الطبع أو تمليه ظروف البيئة, ومن ذلك: ١- ما ذكره أبو إسحاق الهمداني قال: خرج سلمان وجرير في سفرٍ, فأقيمت الصلاة, فقال جرير لسلمان: تقدَّم أنت، قال سلمان: بل أنت تقدم, فإنكم معشر العرب لا يُتَقَدَّمُ عليكم في صلاتكم، ولا تنكح نساؤكم، إن الله فضلكم علينا بمحمد ﷺ , وجعله فيكم١. ٢- ما نقل عن عمر بن الخطاب ﵁: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلّا من الأكفاء"٢. ويلاحظ هنا أن الكفاءة عند الجمهور ليست ضربة لازب لا محيد عنها ولا مناص منها, وإنما هي سلاح في يد المرأة التي يراد تزويجها، كما أن بعضها سلاح في يد وليها. فإذا أراد الأولياء زواجها من غير ملتزم بالدين، أو ذي نسب يقل في نظرها عن نسبها، أو عبد أو غير ذلك مما ورد في الكفاءة، لسبب ما؛ بأن كان ذا مالٍ أو كان ذا وجاهةٍ, أو له خدمات عليهم, وغير ذلك من الأسباب التي تقتضي في نظرهم الزواج منه، كان من حقها أن ترفض, وأن ترفع أمرها لولي الأمر أو نائبه لمنع هذا الزواج. وهو كذلك سلاح في يد الأولياء؛ إذ كثيرًا ما تخدع البنات بالأشكال اللامعة من الشباب الفارغين من أيِّ محتوى, أو العاطلين, أو من ذوي نسب قد يعير به أهلها, لذلك أعطوا هذا السلاح في أيديهم حتى تتريث البنت في اختيارها، وتعلم أن الزوج المنتظر لا بُدَّ من أن يحوز رضا الأولياء.

стр. 156

أما إذا وافقت البنت وأهلها على شخص تقدَّم لهم وفيه مخالفة لعدد من خصال الكفاءة, فليس هناك مانع شرعي يحول دون إتمام هذا الزواج, فقد زوَّج ﷺ مولاه زيد بن حارثة من ابنة عمته زينب بنت جحش وهي من ذؤابة قريش، وتقدَّم الحديث الذي أخرجه البخاري بزواج سالم مولى أبي حذيفة من ابنة أخي حذيفة، وغير ذلك من الصور المخالفة لما اعتبره بعض الفقهاء من الكفاءة. لذلك نرى أنه لا داعي للهجوم على مقولة أهل العلم عن الكفاءة, وأنها تمثّل فوارق طبقية وغير ذلك؛ إذ هي كما قلت سلاح في يد المرأة تستخدمه للحفاظ على نفسها إذا تعسَّف أهلها في تزويجها من شخص لا يناسبها, كما أنها سلاح في يد الأولياء حتى لا تندفع البنت في الارتباط بشخص قد يكون حسن المنظر ولكنه سيئ المخبر.

стр. 157

الخلاصة: ١- يوجب الفقهاء في صيغة العقد تعيين الزوج والزوجة تعيينًا تامًّا. ٢- يذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا موانع من الزواج لكلٍّ من الذكر والأنثى من جهة السن أو العقل أو الرشد إلّا في حالات خاصة. ٣- لا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة مشركة أو لا تنتمي إلى دين سماويٍّ، ولا يجوز للمسلمة أن تتزوج غير مسلم بأيِّ حالٍ للنص القرآني الصريح ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ... ﴾ والمراد بالمشركات في هذه الآية: غير نساء أهل الكتاب. لكن لا ينبغي للمسلم أن يترك النساء المسلمات ويتزوج من أهل الكتاب. ٤- الموانع الصحية: هي عبارة عن تلبس أحد زوجي المستقبل بأحد الأمراض التي تنفر الطرف الآخر منه لو علم بها قبل إنشاء عقد الزواج. ٥- الأمراض المعول عليها, والتي تعطي أحد الزوجين الحق في المطالبة بفسخ العقد, سواء قبل الدخول وبعده, منها عيوب خاصة بالرجال، ومنها عيوب خاصة بالنساء، ومنها عيوب مشتركة بين الرجال والنساء. ٦- الأصل في الموانع الشرعية الآيات "٢٢، ٢٣، ٢٤" من سورة النساء. وقوله ﷺ : "لا يجمع بين المرأة وعمتها, ولا بين المرأة وخالتها"، وقوله: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة". المحرمات من النساء قسمان: أولًَا: المحرمات على التأبيد وهن ثلاثة أنواع: ١- المحرمات من النسب: وهن سبعة أصناف:

стр. 158

"الأمهات - البنات - الأخوات - العمات - الخالات - بنات الأخ - بنات الأخت". ٢- المحرمات من الرضاع: الأمهات المرضعات, والأخوات من الرضاعة. ٣- المحرمات بالمصاهرة: وهن أصناف أربعة: "أمهات زوجاتك - بنات زوجاتك اللاتي دخلت بهن - زوجات الأبناء - زوجات الأب". ثانيًا: المحرمات على التأقيت وهن أنواع متعدة نذكر منها: ١- المشغولة بحق الغير: وهي المتزوجة والمعتدة من طلاق أو وفاة. ٢- الجمع بين محرمين: وهما كل امرأتين بينهما قرابة محرمية, وهذا النوع ينتظم صنفين: أ- الجمع بين الأختين. ب- الجمع بين المرأة وعمتها, أو بينها وبين خالتها. ٣- المطلقة ثلاثًا. ٤- الزيادة على الأربع. إذا أرضعت المرأة طفلًا بلبن ناتج عن وطء رجل, حرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم من النسب. ٨- اختلف الفقهاء لمن حق الكفاءة على أقوال:

стр. 159

حق للمرأة والأولياء معًا، أو حق للمرأة الثيب دون وليها، أو حق لله تعالى، أو حق للولي فقط، بل ذهب بعض العلماء إلى عدم عدم اعتبار الكفاءة في النكاح أصلًَا. ٩- جمهور الفقهاء على أن الكفاءة معتبرة في جانب الزوج, وغير معتبرة في جانب الزوجة. ١٠- يرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة ليست شرطًا في صحة النكاح, فهي حق يجوز تركه لو رضيت بذلك المرأة وأولياؤها. ١١- اختلفت مواقف العلماء من الأمور المعتبرة في الكفاءة. ١٢- رأى بعض الفقهاء إعطاء الزوجة وأوليائها الحق في التمسك بالكفاءة وذلك لغاية سامية, وساعدهم على هذا الاتجاه ما نُقِلَ عن عددٍ من السلف أنهم كانوا يراعون ذلك, أو يدعون إليه باعتباره أمرًا واقعًا. ١٣- يلاحظ أن الكفاءة عند الجمهور ليست ضربة لازب, ولكنها سلاح في يد المرأة التي يراد تزويجها, كما أن بعضها سلاح في يد وليها.

стр. 160

أسئلة التقويم الذاتي: ١- هل يصح تزويج الصغيرة التي لم تحض؟ اذكر الدليل على ما تقول. ٢- وضح حكم تزويج كلٍّ من: أ- المجنون الكبير المطبق. ب- الغلام الصغير السليم, والغلام الصغير المجنون. د- السفيه المحجور عليه. ٣- ما حكم زواج المسلم من النساء المشركات؟ وما الدليل على ما تقول؟ ٤- ما المقصود بالموانع الصحية؟ وما الأمراض التي نعطي أحد الزوجين الحق في المطالبة بفسخ العقد قبل الدخول أو بعده؟ ٥- وضح باختصار أقسام المحرمات من النساء. ٦- وضح المقصود بالكفاءة. ٧- هل الكفاءة حق للمرأة أو لوليها أم لله تعالى؟ ٨- هل الكفاءة معتبرة في جانب الزوجة أم في جانب الزوج؟ ٨- هل الكفاءة شرط في صحة النكاح؟ وهل يبطل بفقدانها؟ ١٠- وضح مواقف العلماء من الأمور المعتبرة في الكفاءة. ١١- رأى بعض الفقهاء إعطاء الزوجية وأوليائها الحق في التمسك بالكفاءة. وضح ذلك مبينًا ما الذي ساعدهم على هذا الاتجاه. ١٢- وضح نظرة الجمهور إلى الكفاءة.

стр. 161

المراجع المساعدة: ١- أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية: لعبد الوهاب خلاف, ص٢١-٧٤، ١٢٤-١٣٠. ٢- الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة بين مذاهب أهل السنة.. والشيعة: لمحمد حسين الذهبي, ص٥٢-١٥٢. ٣- أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية: لعبد الرحمن تاج, ص١٣-١٩٣. ٤- المفيد في الفقه الإسلامي: لعبد الرحمن العدوي, ص٢٠-١٧٠.

стр. 162

الباب الثالث: الحقوق المترتبة على العقد مدة الحياة الزوجية مدخل ... الباب الثالث: الحقوق المترتبة على العقد مدة الحياة الزوجية ونريد أن نشير في هذا الباب إلى الآثار الناشئة عن عقد النكاح إذ هو عقد كسائر العقود، بل هو أكرم العقود, لما يترتَّب عليه من حقوق لِكِلَا الطرفين, وتتميز هذه الحقوق عن بقية الحقوق التي تنشأ عن العقود الأخرى, وذلك بأن استيفاءها يقوم على المكارمة والمسامحة والرغبة في الوفاء من خلال المودة وحسن المعاشرة، وذلك بخلاف الاستيفاء في العقود الأخرى التي تقوم على المشاحة والمغالبة والمماطلة. إن طبيعة هذا العقد تختلف عن طبيعة أكثر العقود؛ إذ به تنشأ الأسر وتترابط الجماعات, ثم تتكون من خلال ذلك الشعوب والأمم. أما معظم العقود الأخرى فهي تحكم علاقة وقتية تنتهي بمجرد انتهاء آثارها, فقد تنتهي في لحظاتٍ كعقد البيع، أو شهور أو سنوات كعقد الإجارة، بخلاف عقد النكاح فإن آثاره تمتد إلى أجيال وأجيال، وسنحاول أن نتناول هذه الحقوق في فصلين: نخصص الأول منهما للحقوق التي يقتضيها العقد بالنسبة للطرفين؛ حيث نتكلم عن حقوق الزوج نحو زوجته, وحقوق الزوجة نحو زوجها, ومعلوم أن الواجبات على أحدهما تكون بمثابة حقوق للطرف الآخر. أما الآخر فسنتناول فيه الحقوق الناشئة عن الاشتراط في العقد لمصلحة أحد الطرفين, ومدى شرعية الوفاء بهذه الشروط.

стр. 163

الفصل الأول: الحقوق التى يقتضيها العقد مدخل ... الفصل الأول: الحقوق التي يقتضيها العقد الأهداف الخاصة: يتوقع منك بعد دراسة هذا الفصل أن تحيط علمًا بما يلي: ١- حقوق الزوجة على زوجها, والتي تتمثل فيما يلي: - النفقة وما يتعلق بها من أحكام. - المعاشرة بالمعروف وآدابها. - حق الرعاية والتوجيه وما يتعلق به من أحكام. - العدل في معاشرة الزوجة أو الزوجات. ٢- حقوق الزوج على زوجته, والتي تتمثل فيما يلي: - الدخول في طاعته, وتقديم حقه في الطاعة على حق أبويها في ذلك. - إجابته إذا دعاها إلى فراشه، وألّا تصوم تطوعًا وهو حاضر إلّا بإذنه. - عدم الإذن في داره لأحد إلّا بإذنه. - خدمته بما جرت له العادة. - أن لا تؤجر نفسها لعمل إلّا بإذنه. - تجنيبه ما يكره في ثوبها وبدنها، وحسن التبعل له.

стр. 164

المبحث الأول: حقوق الزوجة على زوجها المطلب الأول: النفقات المراد بنفقة الزوجة: ما تحتاج إليه من طعام وكسوة ومسكن وأثاث وخدمة وكل ما يلزمها بالمعروف. دليل مشروعيتها: قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ... ﴾ الآية١، وقوله ﷺ : "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله ... ولهن عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف" رواه مسلم. ولأنها محبوسة على الزوج مشغولة بمصالحه, مما يمنعها من التصرف والاكتساب, فوجبت نفقتها عليه ولو كانت ذمية من أهل الكتاب، عملًا بالأصل العام: كلُّ من حُبِسَ لحقِّ غيره ومنفعته فنفقته على من احتبس لأجله. وقد أجمع علماء المسلمين على ذلك٢.

стр. 165

معيارها: هي نفقة الكفاية بحسب ما يصلح لمثلها مع مثله بالمعروف, لقوله ﷺ في حديثه لهند زوجة أبي سفيان حين شكت شحَّه وبخله: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" ١, وهي تختلف باختلاف حال الزوجين يسارًا وإعسارًا. واختلف هل يعتبر في تقديرها حال الزوج وحده من اليسار والإعسار، فيفرض له إن كان موسرًا نفقة الموسرين ولو كانت غنية؟ أم أن المعتبر حال الزوجين معًا, فإن كانا موسرين فنفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة أمثالهما من الفقراء، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا فنفقة الوسط؟ خلاف بين أهل العلم، والراجح هو القول الأول، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ ، ولأن الله تعالى فرَّق بين الموسر والمعسر في الإنفاق، ولم يبين ما فيه التفريق, فوجب الرجوع إلى العرف، وأهل العرف يتعارفون فيما بينهم أن جنس نفقة الموسرين أعلى من جنس نفقة المعسرين، ويعدون المنفق من الموسرين من جنس نفقة المعسرين بخيلًا٢. شروط وجوب النفقة على الزوج: ١- صحة عقد الزواج, فليس على المسلم نفقة في زواج فاسد أو باطل. ٢- صلاحية الزوجة للمعاشرة الزوجية. ٣- أن لا يفوت على الزواج حقه في احتباس الزوجة بغير مبرر شرعي, وبسبب ليس من جهته.

стр. 166

ما يراعى في حالة فرض النفقة: ١- كفاية الزوجة مع مراعاة حال الزوج من اليسار والإعسار. ٢- مراعاة حال البلد الذي يقيمان فيه؛ من كونها حاضرة يعيش أهلها على الناعم من المطعم والكسوة, أو بادية يأكل أهلها الخشن من الطعام ويلبسون الغليظ من الثياب. ٣- غلاء الأسعار ورخصها حين العقد. ٤- إذا احتاجت الزوجة إلى من يخدمها لكون مثلها لا يخدم نفسها ولا خادم لها, لزمه خادم لها لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وتلزمه نفقة الخادم وكسوته بقدر نفقة الزوجين الفقيرين. ٥- إن لم تكن الزوجة أهلًا للإخدام أو كانت أهلًا له, ولكن كان الزوج فقيرًا فعليها الخدمة داخل المنزل، ولو كانت غنية ذات قدر؛ من غسل ثياب وعجن وكنس وفرش وطبخ له لا لضيوفه, بخلاف الخياطة ونحوهما مما هو من التكسب عادةً فلا تجب عليها١. نفقة المطلقة الرجعية أيام عدتها: يحب للمطلقة الرجعية النفقة من مطعم وملبس ومسكن كالزوجة سواء لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ٢ وكذلك ما لا بُدَّ منه من للنظافة العادية؛ إذ لا يمكن لأحد الاستغناء عنه. وكذلك المطلقة طلاقًا بائنًا بفسخ أو طلاق إن كانت حاملًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٣ إذ الحمل ولده, والإنفاق عليه دونها متعذر, فوجبت لها النفقة كما وجبت لها أجرة الرضاع٤.

стр. 167

بم تسقط النفقة؟ ١- لا نفقة لناشز: لا تجب النفقة للزوجة الناشز غير الحامل؛ لأن النفقة في مقابل الاستمتاع وما يتعلق بذلك من منافع متبادلة، والنشوز لا يتحقق معه ذلك, فإن كان لها ولد منه أعطاها نفقة ولدها إن كانت هي الحاضنة له أو المرضعة له؛ لأن نفقته بسبب القرابة وهي موجودة مع نشوز أمه، ويعطيها أجرة رضاعها إن طالبت بها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ١. والنشوز معصية الزوج والخروج على طاعته في غير معصية, ويكون ذلك بامتناعها من فراشة أو من انتقالها معه إلى مسكن مثلها, أو بخروجها من منزله بغير إذنه, أو بسفرها, أو انتقالها من منزله بغير إذنه, أو أبت السفر معه دون شرط سابق بعدمه٢. عسر الزوج بالنفقة: إن أعسر الزوج بنفقتها -الشاملة للكسوة والمسكن- الواجبة أو ببعضها، وأمكنه تحصيل نفقة المعسر, أجبرت على البقاء معه, أما إذا أعسر عن نفقة المعسر أيضًا فإن لها أن ترفع أمرها للقضاء لفسخ العقد على التراخي عند الحنابلة، أو يطلق عند المالكية بعد أن يؤجله مدة لعله يستطيع تحصيل ما ينفقه عليها. ويزيد في مدة التأجيل إن كان مسجونًا أو مريضًا, إن رجي الخروج من السجن أو البرء من المرض قريبًا, وإلا طلق عليه كما يطلق على الغائب إذا لم يترك لزوجته نفقتها، فإن علم له موضع وكان قريبًا على أقل من عشرة أيام، فإنه يعطي فرصة باجتهاد الحاكم بعد محاولة الاتصال به وإعلامه, فإن لم يحضر ولم يبعث نفقتها طلقها عليه٣.

стр. 168

فإن كان للغائب مال وحلفت أنها لم تتسلم نفقتها منه قبل سفره أنفق عليها الحاكم من ماله، ولها أن تطالبه بنفقتها مدة سفره ليدفعها لها معجلة حتى يقدم, أو يقيم لها كفيلًا يتولى الإنفاق عليها حتى يرجع١. فائدة في نفقة الوالدين والولد مع المقارنة بنفقة الزوجة: تجب نفقة الوالدين وإن علوا لقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٢، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، ولقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ٣, ومن الإحسان القيام بكفايتهما عند حاجتيهما, ولقوله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" ٤ وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال لهما نفقتهما واجبة في مال الولد. وتجب نفقة الولد وإن سفل لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٥ حتى يبلغ الذكر عاقلًا قادرًا على الكسب، والأنثى حتى يدخل بها. وهذه النفقة بالمعروف بحسب ما يليق بهم -أي: الفروع والأصول- من الحلال إذا كانوا فقراء, ولكن هذه النفقة لا تجب في مال الشخص إلّا إذا فضلت عن نفقته ونفقة زوجته في يومهم الحاضر, وكذلك لا تجب نفقة أصوله وفروعه -فضلًا عن غيرهما من أقاربه- من ثمن البضاعة التي يتاجر بها, ولا من ثمن ما يملكه من عقاره ولا من

стр. 169

ثمن آلة عمله التي يتعايش منها لحصول الضرر بذلك, لفوات ما يتحصل منه قوته وقوت زوجته، لكنه يجبر على العمل إن كان قادرًا على التكسُّب لكي ينفق على زوجته ووالديه وأولاده. وعلى ذلك يبدأ الإنسان بالإنفاق على نفسه، فإن بقي شيء فعلى زوجته, ثم على ابنه, ثم على أبويه إذا كان الجميع في حاجة، لكنه يقدم من كان حاجته أشد. ومن نفقة الصغير دفع أجرة الظئر١ التي ترضع الولد إن لم يكن للولد مال, فإن كان له مال فنفقة الصغير في مال نفسه، وتختص نفقة الصغير بالأب دون غيره, لقوله جل شأنه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢ لكن نفقة الظئر خاصة بالحولين لا ما زاد عنهما إلّا أن يتضرر الصغير بترك الرضاع في هذه السن. وعلى الشخص إعفاف من تلزمه نفقته من أبٍ وأولادٍ إن احتاجوا إلى ذلك وليس لهم ما يتزوجون به. وتقدَّر نفقة من ذكر من الأصول والفروع بقدر نفقة الكفاية من الطعام والكسوة والمسكن بقدر العادة.

стр. 170

المطلب الثاني: المعاشرة بالمعروف المعاشرة بالمعروف: هي الصحبة الجميلة بين الزوج والزوجة، وأن يكف كل منهما عن الآخرة أذاه, وأن يمطله بحقه مع قدرته، ولا يظهر الكراهة عند أدائه, بل يبذل ببشر وطلاقة ولا يتبعه منَّةً ولا أذى، لأن هذا من المعروف المأمور به. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١ وقوله جل شأنه:

стр. 171

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١. وقوله ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" رواه مسلم. وقال ﵊: "خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي" ٢ فعلى المسلم أن يكون لطيفًا في معاملة زوجته, رحيمًا في محاولة إصلاحها وتقويمها, وألا يشتد في هذا التقويم حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه, فقد قال ﵊: " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج لن تستقيم على طريقة, فإن ذهبت تقيمها كسرتها, وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج" متفق عليه. ويمكن إجمال المعاشرة بالمعروف فيما يلي: ١- التزين للزوج: قال ابن عباس ﵁: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف -أي آخذ- كل حقي الذي لي عليها, فتستوجب حقها الذي لها عليّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: زينة من غير مأثم. وعن ابن عباس أيضًا: أي: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن. ويستفاد من كلام ابن عباس ﵄, أنه يستحسن أن يتزين الرجل لزوجته, وإن كان يختلف من شخص لآخر, ومن الشباب إلى الشيوخ, ومن عصر إلى عصر, ومن بيئة إلى أخرى، فالمهم أن يتزين لها بالزينة التي تليق به في سنه وفي وضعه الاجتماعي كي تستلطفه وتشعر باهتمامه بها.

стр. 172

قال الإمام القرطبي: فإنما يعمل اللائق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال. ٢- إذا دعي للدخول والبناء بها وكان بالغًا وكانت هي مطيقة للوطء فعليه إجابتها لذلك بعد أن يمهل مدةً لتجهيز نفسه بما يناسب حاله، وإلّا وجب عليه أن ينفق عليها وهي في دار أهلها، وقد تقدَّم تفصيل ذلك. ٣- الإذن لها بزيارة والديها, ولاسيما إذا كانت بهما ظروف تقتضي ذلك، وألَّا يمنعهما من الدخول عليها، وكذلك لا يمنع أبناءها من غيره من الدخول عليها, وإن حلف بعدم دخول والديها عليها فإن عليه أن يحنث ويكفر عن يمينه, وكذلك إذا حلف بألا تزور والديها. ويقضي لها بالخروج وزيارة والديها إن كانت مأمونة ولو شابة, وهي محمولة على الأمانة حتى يظهر خلافها. ويقضي للصغار من أولادها من غيره بزيارتها كل يوم للتفقد حالهم, وللكبار من أولادها. ٤- أن يجهز لها سكنًا يناسب حالها بعيدًا عن أهله إذا امتنعت عن السكنى مع أهله في دار واحدة, ولو لم يثبت تضرر لها منهم بمشاجرة أو غيرها. ويستثنى من ذلك إذا اشترط عليها السكنى مع أهله فليس لها الامتناع. ولها أن تمتنع عن السكنى مع ولده الصغير من غيرها -والكبير أولى, إن كان له حاضن غيرها يحضنه, وإلَّا فليس لها الامتناع من ذلك, سواء علمت به حال البناء أم لا, وكذلك الزوج١. ٥- الوفاء لها بالشروط التي اشترطتها عليه في العقد، مثل عدم السفر بها أو لا يخرجها من بلدها, وغيرها من الشروط التي لا تناقض مقتضى العقد, ولا تلك التي نهى عنها الشارع, والتي سنفصل فيها القول في مبحث الاشتراط في العقد. ٦- عدم العزل عنها إلّا بإذنها؛ لأن لها حقًّا في الولد وكمال المتعة مثله, فلا يعزل عنها إلا بإذنها.

стр. 173

المطلب الثالث: ولاية التوجيه لقد منح الله الزوج باعتباره رب الأسرة القوامة عليها, والزوجة أحد أفراد هذه الأسرة تشملها هذه الولاية, وهذه الولاية تكاد تكون فطرية؛ لأن أيَّ مجتمعٍ مهما صغر شأنه وقلَّ عدده، لا بُدَّ فيه من فردٍ توكل إليه مهمة تدبير شأن هذا المجتمع، ورعاية شئونه، والقيام على حمايته، وتوجيه من ينشر عن الالتزام بواجباته, أو يخرج عن الإطار المنظم لحياته, لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ١. ولما كان الرجل قد كُلِّفَ بمسئولياتٍ كبارٍ قبل هذا المجتمع الصغير, سواء كان ذلك بتكليفه بتجهيز المكان الذي ستقيم به هذه الأسرة، وتجهيز كل الاحتياجات التي يصلح بها المكان لمعيشة هذه الأسرة، ثم الالتزام بالإنفاق عليها, وحمايتها في مدة بقائها في المنزل أو ظعنها عنه، كان هذا الرجل أحق أفراد الأسرة بأن توكل إليه هذه المهمة, لكن في إطار الشريعة الإسلامية، قال جلَّ شأنه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ٢ وسيأتي تفصيل الكلام في موضعين: أحدهما قبيل الكلام عن الطلاق، والآخر في قضية القوامة إن شاء الله تعالى.

стр. 174

المطلب الرابع: العدل في معاشرة الزوجة أو الزوجات الفرع الأول: قسم الرجل من نفسه لزوجه المراد من القسم هنا: تخصيص الرجل جزءًا من وقته للخلوة الشرعية بأهله, وذلك بأن يبيت معها ليلًا إذا كان يعمل نهارًا، فإن كان عمله ليلًا كالحراس مثلًا, فإنه يخصص لها نهارًا أو بعضه. وكذلك الحال بالنسبة لمن كان له أكثر من زوجة، فإنه يجب عليه أن يخصص لكلِّ واحدة منهن وقتًا يتفرغ لها فيه، ولا يجوز له أن ينشغل عنها بأعماله أو تهجده أو غير ذلك. ويرى جمع من الفقهاء أن هذا القسم واجب يأثم بتركه، ويخاطب بهذا الحكم كل رجل متزوج؛ سواء كان صحيحًا أم مريضًا، رجلًا سويًّا أم عنينًا, وفي الجملة أيًّا كانت حالة الرجل فإنه يجب عليه أن يقسم لأهله من نفسه. وهذا القسم حق للزوجة؛ سواء كانت صحيحة أم مريضة, مطيقة للوطء أو غير مطيقة، حائضًا أم خالية من الحيض, مسلمة أم ذمية، فإنه يحق لها المطالبة بذلك.

стр. 175

كيفية هذا القسم عند هذا الفريق: أن يجعل الرجل للمرأة ليلة على الأقل من أربع ليالٍ على افتراض أنه متزوج من أربع؛ حيث يؤمر بالمبيت معها ليلة, ثم إن إراد أن يفرغ بقية أيامه لأعماله وما يشغله فلا بأس. وإن كانت له زوجتان فإنه يبيت مع كل واحدة منهما ليلة, ثم يتفرغ في اليومين الآخرين إن شاء وهكذا. وبذلك يقول الحنابلة وأبو حنيفة في رواية محمد بن الحسن عنه, وكذلك يروى عن الثوري وأبي ثور١. ويرى مالك أنه إن ترك القسم لأهله من نفسه مضارة ولا علة به فإنه لا يترك حتى يجامع أو يفارق على ما أحب أو كره لأنه مضار٢. وفي ظاهر الرواية عند الحنفية: لا يتعين حقها في يوم وليلة من كل أربع, ولكن يؤمر الزوج بأن يراعي قلبها ويبيت معها أحيانًا٣. وفي المهذب عند الشافعية: لا يجب القسم؛ إذ هو حقه فجاز له تركه. أما أدلة من يرى وجوب القسم فمن أهمها: ١- حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذه قسمتي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"٤. ٢- قوله ﷺ : "يا عبد الله, ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا

стр. 176

رسول الله قال: فلا تفعل، صم وأفطر, وقم ونم, فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا وإن لزوجك عليك حقًًّا"١. ٣- تنفيذ عمر ﵁ لقضاء كعب بن سوار حين قضى بذلك: فقد جاءت امرأة إلى عمر ﵁ وقالت: إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، فقال: نعم الرجل زوجك وأثنى عليها، فأعادت كلامها مرارًا, وفي كل مرة يجيبها عمر بهذا، فقال كعب: يا أمير المؤمنين, إنها تشكو من زوجها في أنه هجر من صحبتها, فتعجب عمر من فطنته وقال: اقض بينهما, فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم, قال كعب: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن، وأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن, ولها يوم وليلة، فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إلى من الآخر, اذهب فأنت قاضٍ على البصرة٢. قال صاحب المغني: هذه قضية انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعًا٣. ويستدل للفريق الذي لم ير وجوب القسم للزوجة, بل ترك ذلك لإرادة الرجل ورغبته بأن العنين -وهو الذي لا يأتي النساء- يؤجل سنة من يوم أن خاصمته زوجته, فإن أتاها وإلّا فرق بينهما٤. وكذلك في آية الإيلاء: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فقد وقَّتَ الله تعالى للمولي من زوجته أربعة أشهر, فإن لم يأتها خلالها وإلا طلقت عليه, فلو كان القسم يوم من كل أربعة أيام لما جعل لعنين سنة, ولما جعل للمولي أربعة أشهر.

стр. 177

ويضاف إلى ما تقدَّم: الضرورات الكثيرة التي تعرض للرجال وتدفع بهم بعيدًا عن زوجاتهم؛ كالحج والغزو وزيارة الوالدين البعيدين والسفر للعمل في البلاد الأجنبية الشهور والسنين, وغير ذلك, فلا يستقيم هذا التقسيم مع هذه الضرورات. بعد أن أوجزنا وجهة الفريقين فيما مضى نحاول أن نجمع بين الرأيين، وذلك بالمصير إلى ما ذهب إليه الفريق الأول في حالة الاختيار, وفي حالة الاضطرار إلى ما ذهب إليه الفريق الثاني. فإذا كانت الظروف مهيأة للقاء الزوجين, وليس هناك مانع من قِبَلِ أحدهما أو غيرهما, فإنه يحكم على الزوج بتخصيص ليلة من أربع ليالٍ لزوجته, وإن لم يجب واستمرَّ في تعنته, فإنه ينذر من جهة القاضي بأنه إن لم يقسم لأهله فإنه سيفرق بينهما, ويضرب له القاضي أجلًا, وإلا طلق عليه للضرر. أما إذا وجد ظرف قاهر يحول دون تحقق القسم الذي يقول به الفريق الأول, وذلك بأن كان الزوج ذا أسفار ولا يمكن حمل زوجته معه, أو كان مريضًا أو مسنًّا أو نحو ذلك من الظروف، فحينئذ يمكن المصير إلى ما يقول به الفريق الثاني, وهو أمره بالفيئة إلى أهله دون تحديد وقت معين, والله أعلم١. الفرع الثاني: عدل الرجل بين زوجاته يجب على الرجل أن يعدل بين زوجتيه أو زوجاته, لحديث عائشة السابق، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁: "إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط" -تفرد برفعه همام.

стр. 178

قال الترمذي نقلًا عن الإمام البخاري: وحديث همام أشبه وهو ثقة حافظ١. ثم حديث عائشة عند البخاري: أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه ... الحديث٢. العدل في ألوان المعيشة المادية: يذهب الحنابلة والمالكية إلى أن الرجل يجب عليه القيام بكل ما يلزم الزوجة أو أزواجه من مسكن مناسب ومطعم مناسب, وما يتبع ذلك من ألوان الترفيه كالفاكهة والحلوى ونحوهما, ولا يطالب بالتسوية المطلقة بينهما في ذلك, إلا إذا كان يقصد بعدم التسوية المضارَّة بإحداهن أو الميل إلى الأخرى. فإذا قام لكلٍّ بما يجب لها بقدر حالها, فلا حرج عليه أن يوسِّع على من شاء بما شاء٣. أما الحنفية فيذهبون إلى وجوب التسوية في المطعم والملبس والمسكن وما يشتهى من ألوان الفواكه والزينة. ولكن المفتى به في مذهبهم هو عدم التسوية, بل تُعْطَى كل زوجة من الزوجتين أو الزوجات بقدر حالها٤. فأما وجهة الفريق الأول: فهي أن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكن القيام به إلا بحرج, فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء٥.

стр. 179

وأما وجهة الفريق الثاني فهي الأمر العام بالعدل مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ إلا ما خص بدليل، وحديثه ﷺ في حديث عائشة المتقدم "أن النبي ﷺ كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول: "اللهم هذه قسمتي فيما أملك, فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك". ولفظ العدل يشمل المبيت والنفقة. ونقول: إنه لا خلاف بين العلماء في أفضلية التسوية بين الزوجات فيما قدر عليه الزوج من النفقة وما إليها، لكنها لا تجب لضرورة عدم التساوي بين الزوجات في مدى الحاجة إلى النفقات وما إليها كمًّا وكيفًا بسبب عوامل كثيرة، من السن, والصحة، والمرض, وحال الزوجة من يسر وعسر, وما معها من أولاد, وهل هي مرضع أو حامل، وغير ذلك من العوامل التي تحتاج إلى رعاية خاصة من الزوج بظروف كلِّ زوجة من زوجاته, إلى جانب واجبه العام نحوهن. أما القسم في البيتوتة فهو محل إجماع من العلماء, لكن القسم يكون بحسب ظروف الزوج لكل واحدة ليلة أو ثلاث ليالٍ، وإن كان بعضهم لا يجيز الزيادة على ليلة واحدة, وعماد القسم يكون بالليل ويكون النهار تابعًا, إلا من كان عمله ليلًا فيكون القسم عنده بالنهار ويكون الليل تابعًا له١.

стр. 180

المبحث الثاني: حقوق الزوج حقوق الزوج المتولدة عن العقد كثيرة, لكننا نقتصر على ما هو الأهم من هذه الحقوق مراعاةً لظروف منهج هذه المادة. ومن أهم هذه الحقوق: ١- الدخول في طاعته والانتقال إلى بيته وتمكينه من نفسها، إلا لشرط أن تقيم في بيتها ويأتيها إذا أرادها فيسن له الوفاء بهذا الشرط. لكن هذا الواجب مقيد بإمكان الاستمتاع بالزوجة, وقد حدَّد بعض العلماء إمكان الاستمتاع بتسع سنوات, فإذا بلغت الزوجة تسعًا وطلبها زوجها وجب تسليمها إليه وليس لأهلها حبسها عنه وذلك: "أن النبي ﷺ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين"١. وذهب بعضٌ آخر من الفقهاء إلى أن ذلك مقيد بكونها تطيق الوطء, وإلا فلا يجب تسليمها إليه. فإن كان بالمرأة مانع مؤقت يمنع جماعه لها؛ كإحرام أو مرض أو سفر وحيض, فلا يلزم الأب تسليمها إلا بعد زوال هذا المانع. لكن كما أشرنا من قبل إذا طلب أهلها إمهالهم مدة قصيرة لتجهيزها, فإنه يمهلهم هذه المدة كما سبق أن أشرنا إلى أنه إذا طلبوه لتسلم زوجته فإنه يمهل مدة تتناسب مع ظروفه حتى يجهز نفسه٢.
следующие страницы →