الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ١ و"الذكر والأنثى"٢.
مناقشة هذه الأقوال:
أولًا: القول بأن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات.
وقد ذهب إليه جماهير من الجهابذة قديمًا وحديثًا، وهو قول قوي؛ ولكن تضعفه أمور:
١- اختلاف القائلين به في كون تلك اللغات متناثرة في القرآن أو مجتمعة في حرف واحد.
٢- اختلافهم في تعيين وتحديد تلك اللغات، والأحرف محدودة.
٣- القراءات تشتمل على أكثر من سبع لغات، واللغويون أنفسهم يذكرون الشيء الكثير منها في القرآن، والإمام أبو عبيدة نفسه ألَّف كتابًا جمع فيه عددًا كبيرًا من مفردات القرآن نسبها إلى مختلف لغات العرب.
٤- اختلاف عمر مع هشام بن حكيم كان في أمر القراءة، ورغم كونهما من أهل لغة واحدة.
٥- ما ذهب إليه ابن جرير وغيره يرده اشتمال القراءات على أنواع متعددة من التغاير والاختلاف،
стр. 107
والترادف -الذي ذكروه- نوع واحد منها.
كما أن قولهم يتنافَى مع حكمة نزول الأحرف السبعة من التيسير في القراءة، فاختلاف العرب يقع في اللهجات أكثر مما يقع في استعمال "هلم" مكان "أقبل" أو "تعالَ".
أما دعواهم أن عثمان ﵁ أجمع المسلمين على حرف واحد، وطرح بقية الأحرف الستة، فهو قول في غاية الضعف؛ لأنه دعوى بنسخ بعض القرآن بإجماع الصحابة؛ لأن كل حرف قرآن، فكيف يحق لعثمان -أو لغيره من الصحابة- أن يلغي شيئًا من القرآن بغير نص صريح من الشارع؟!
وكيف يجوز للصحابة إلغاء رخصة القراءة بالأحرف السبعة والحكمة منها لا تزال قائمة؛ بل هي أشد بعد دخول الناس من مختلف الألسن والأجناس في الإسلام؟!
كما أن وجود الأوجه المتعددة من القراءات في مصاحف عثمان برسم واحد أو برسمين مختلفين يدل دلالة واضحة على بطلان قول ابن جرير.
стр. 108
والحق أن عثمان لم يهمل شيئًا من الأحرف المنزلة الثابتة في العرضة الأخيرة ولم يطرحه، وهي باقية ضمن مصاحف عثمان، والرخصة بها قائمة إلى يوم القيامة١.
ثانيًا: قول ابن قتيبة والرازي وابن الجزري:
بأن المراد بالأحرف أنواع التغاير والاختلاف وهي سبعة، وهو من أحسن الأقوال وأقربها إلى الصواب؛ ولكن يُرد عليهم بأمور:
١- أنهم اختلفوا في حصر تلك الأنواع وتعيينها.
٢- أن الحكمة من تعدد الأحرف هو رفع الحرج والمشقة عن الأمة التي لم تكن تحسن الكتابة ولا القراءة، والأنواع التي ذكرها أصحاب هذا القول معظمها يتعلق بالخط والكتابة، ولا يدركها إلا المحققون من خواص العلماء، فكيف يكون اليسر فيها للأمة الأمية؟! بل هي زادت الطامة عليها وأكبرت المشقة.
٣- أن ابن قتيبة وابن الجزري لم يذكرا اختلاف اللهجات ضمن تلك الأنواع السبعة، مع أن معظم أوجه الاختلاف في أحرف القرآن هو من هذا النوع.
стр. 109
والرازي وحده هو الذي انفرد بذكر هذا النوع من الاختلاف.
٤- لقد تكلفوا كثيرًا في محاولتهم لحصر أنواع التغاير والاختلاف في سبعة؛ بحيث يمكننا أن نقول: إن الأحرف في نفسها شيء، وأنواع الاختلاف التي ذكروها شيء آخر مغاير لها.
٥- من الممكن أن نرجع تلك الأنواع إلى ثلاثة كما فعل ابن الجزري١:
أ- ما اختلف لفظه واتفق معناه، نحو: هلم، وأقبل، وتعالَ.
ب- ما اختلف لفظه ومعناه؛ لكنه اختلاف تنوع لا تضاد: مالك وملك، وقل وقال، وباعَدَ وباعِدْ.
ج- الاختلاف في اللهجات مع اتفاق اللفظ والمعنى؛ كالإمالة والفتح، والمد والقصر، والإدغام الفك، والتحقيق والتسهيل٢.
стр. 110
القول الراجح في المراد بـ"الأحرف السبعة ":
قبل أن نبين القول المختار ونبرهن عليه لنعلم:
أولًا: أن الأحاديث رغم كثرتها وتعدد طرقها لم تصرح ولا رواية واحدة بالمراد بالأحرف السبعة، ولم تكشف عن سر الأحرف، ومن المعلوم أن الشارع ﵇ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأمة في حاجة إلى معرفة كنه هذه الأحرف لتقرأ بها، فكيف خلت جميع ألفاظ الحديث من عبارة صريحة تفسر الأحرف؟ ولماذا أضرب جميع رواة الخبر من الصحابة عن ذلك؟
لعل ذلك لأحد الأمرين:
١- إما لوضوح المراد من الأحرف عندهم؛ بحيث لم يسأل أحد الصحابة من النبي ﷺ ولم يسأل أحد التابعين من أحد الصحابة عن المراد بالأحرف.
٢- أو لعدم وضوح المعنى وصعوبة تفسير الحديث.
الاحتمال الثاني مردود بالطبع؛ لأنه من السخف بمكان أن ندعي أن الصدر الأول لم يكن يعرف معنى الحديث، وهم أعمق فَهْمًا وأكثر علمًا بما أنزل، ثم يأتي أناس بعدهم بمئات السنين فيكشفون عن المراد بالحديث.
فالراجح أنهم سكتوا عن السؤال لوضوح المعنى المراد لديهم من الحديث؛ ولكن وقعت شبهة التناقض عند البعض -في بداية الأمر- فأزالها النبي -صلى الله عليه سلم- بالإخبار بهذه الرخصة؛ ولذلك انتهت المخاصمة بين
стр. 111
بعض الصحابة الذين وقع الخلاف فيما بينهم في أمر القراءة.
فهذا يدل -بالوضوح- على أنهم فهموا المراد بالحديث.
إذن ما المراد من الحديث؟
بعد البحث الدقيق والدراسة المتأنية فيما سبق من أقوال الأئمة، يترجح لدينا أن نقارب بين بعض الأقوال، ولا نمسك بقول واحد فقط فنتعصب له ونقيم الحجج والبراهين على صحته -ما دام تعددت الأقوال، وأغلبها غير مراد- وبالمقاربة يمكن لنا أن نخرج بنتيجة مشتركة تكون هي الأولى بالأخذ بها، وهي المراد من الحديث بمشيئة الله تعالى.
فنقول: إن المراد بـ"الأحرف السبعة": الوجوه السبعة لقراءة القرآن الكريم المتغايرة المنزلة قرآنًا، ويمكن القراءة بأي وجه منها.
والعدد "السبعة" على حقيقته؛ بمعنى: أن أقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية هو سبعة أوجه، وذلك في الكلمة الواحدة، ضمن نوع واحد من أنواع الاختلاف
стр. 112
والتغاير؛ كالأوجه في كلمة ﴿أَرْجِهْ﴾ ١ وفي كلمة ﴿يَتَّقْهِ﴾ ٢.
ولا يلزم أن تبلغ الأوجه هذا الحد في كل موضع من الكلمات القرآنية٣.
стр. 113
توضيح ذلك:
إن كلمة "الوجوه": ترجيح لأحد معاني "الحرف"؛ لأنه باستقراء ألفاظ الحديث لا يستقيم إلا هذا المعنى، وإليه ذهب أعلام القراء؛ أمثال: أبي حاتم السجستاني، وابن قتيبة، وأبي بكر الباقلاني، وأبي الفضل الرازي، وابن الجزري، وغيرهم.
وكلمة "المتغايرة": إشارة إلى وجود الاختلاف بين هذه الأوجه، وفيه ردٌّ على من يحصر الاختلاف في نوع واحد فقط كالترادف، نحو: هلم، وأقبل، وتعالَ ...
وكلمة: "المنزلة": رد على مَن زعم أن الرخصة كانت تتضمن إباحة التصرف في ألفاظ القرآن دون التقيد بما أنزل.
وكلمة "القراءة": يدل عليها ألفاظ الروايات، مثل: "أقرأني جبريل ... "، و"إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك"، وفي رواية:
стр. 114
"أن تقرئ أمتك"، وفي رواية: "فاقرءوا منها ما تيسر".
فمثل هذه الألفاظ تدل على أن الأحرف شيء يتعلق بالقراءة، وحكمة التيسير على الأمة لا تتحقق إلا في أوجه القراءة؛ إذ أصل المشقة إنما هو في القراءة نفسها.
وقولنا: "العدد السبعة مراد ... ": يدل عليه جميع الروايات؛ بحيث أصبح الجزء "على سبعة أحرف" من المتواتر اللفظي، والتدرج في إنزال الأحرف المشار إليه إجمالًا في حديث ابن عباس ﵄: "أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
والمبين تفصيلًا في حديث أبي بن كعب ﵁: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف...."، وهذا التدرج يدل بالوضوح على أن العدد مراد ومقصود به؛ وإلا فلا يكون للتدرج أي معنى.
وقولنا: "أقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه هو سبعة ... ": هو قول أكثر العلماء؛ وذلك لأن القرآن على نوعين من حيث القراءة والرواية:
١- مواضع الاتفاق: وهو معظم القرآن الكريم.
٢- مواضع الاختلاف: حيث ورد فيها وجهان أو
стр. 115
أكثر ... إلى سبعة وجوه.
ولنعلم أن كل ما رُوي أو أثبت في الكتب -ولو برواية صحيحة- لا يعد قراءة قرآنية؛ لإجماع العلماء على شرط التواتر، وموافقة مرسوم المصاحف العثمانية.
فإذا أجريت القراءات كلها على هذين الضابطين تجد أنها تتهاوى ولا يثبت منها إلا أقل من عُشرها.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١ ذكر فيه أبو حيان خمس عشرة قراءة٢؛ لكن المتواتر منها قراءتان فقط: "مَلِك" بحذف الألف، و"مالك" بإثبات الألف.
وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٣ ذكر فيه أبو حيان اثنتين وعشرين قراءة٤، بينما المتواتر منها وجهان فقط: "وعبَدَ" على وزن فَعَل بفتح الثلاثة مع نصب "الطاغوت" على المفعولية، و"عَبُد" على وزن فَعُل، بفتح الأول والثالث وضم الثاني مع خفض "الطاغوت".
وفي كلمة: ﴿أُفٍّ﴾ ٥ ذكر أبو حيان أربعين لغة٦،
стр. 116
ولا تجد في المتواترة إلا ثلاثة أوجه فقط: "أُفَّ" بفتح الفاء مع تشديدها، و"أفِّ" بكسر الفاء مع تشديدها، و"أفٍّ" بكسر الفاء منونة مع تشديدها.
وعلى هذا المنوال ستجد الأوجه المقرءوة المتواترة لا تتجاوز سبعة أوجه أبدًا؛ ولكن لا يلزم أن توجد كلمة في القرآن الكريم مقرءوة على سبعة أوجه؛ لأن الأوجه السبعة المنزلة نسخ من أفرادها الكثير في العرضة الأخيرة، فلعل ما بقي من أفراد تلك الأحرف المنزلة يبلغ ستة أوجه كحد أقصى لمواضع الخلاف١؛ لأنه لم يثبت أكثر من ستة أوجه متواترة في موضع في القرآن الكريم٢.
стр. 117
هل المصاحف العثمانية تشتمل على الأحرف السبعة أم لا ؟
للعلماء في ذلك آراء ثلاثة:
أ- ذهب الطبري والطحاوي وابن حبان وابن عبد البر وغيرهم إلى أنها لا تشتمل إلا على حرف قريش فقط.
واستدلوا على ذلك بقول عثمان ﵁ للرهط القرشيين: "إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم"١.
قالوا: إن الأحرف نزلت في صدر الإسلام للتيسير على الأمة ورفع الحرج والمشقة عنها في القراءة، ولما ذللت الألسنة ومرنت على لغة قريش، أمرت جميع القبائل بالقراءة بلغة قريش.
كما أن القراءة باللغات الكثيرة كانت مثار نزاع وخلاف بين المسلمين؛ لذلك اقتصر عثمان ﵁ على لغة واحدة، وهي لغة قريش، أما القراءات الموجودة -على كثرتها وتعددها- فهي كلها تمثل حرفًا واحدًا فقط٢.
الرد على هذا القول:
١- لا يستقيم الاستدلال بقول عثمان ﵁
стр. 118
على ما ذهبوا إليه؛ لأن المقصود من "إذا اختلفتم" اختلافهم في الرسم والكتابة، لا الاختلاف في جوهر الألفاظ وبنية الكلمات بدليل كلمة: "فاكتبوه".
٢- معنى قول عثمان ﵁: "نزل بلسانهم" أي: في بادئ الأمر، أو أن معظمه نزل بلسان قريش؛ لأنها كانت اللغة النموذجية بالنسبة لسائر اللهجات العربية، ويكون ذلك من قبيل إطلاق الكل وإرادة البعض، مثل قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ ١ والمراد: أطراف أصابعهم.
٣- لا يوجد دليل على أن عثمان أمر بكتابة المصاحف على حرف واحد وترك بقية الأحرف الستة؛ بل وجود القراءات المتعددة المختلفة في القرآن الكريم دليل على بقاء تلك الأحرف المنزلة.
ب- ذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة.
واحتجوا:
١- بأنه لا يجوز للأمة إهمال شيء من الأحرف؛ لكونها منزلة قرآنًا.
٢- نقلت المصاحف العثمانية من الصحف التي جمعها
стр. 119
أبو بكر وعمر، وقد كانت مشتملة على الأحرف السبعة.
أما عثمان ﵁ فأراد استنقاذ القرآن من اللحن فيه، فجمعهم على القراءات الثابتة عن الرسول ﷺ وأمرهم بترك ما سواها١.
وقد وضح الدكتور/ الزرقاني المراد من هذا القول بقوله:
"إن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها؛ ولكن على معنى أن كل واحد من هذه المصاحف اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف كلًّا أو بعضًا؛ بحيث لم تخلُ المصاحف في مجموعها عن حرف منها رأسًا"٢.
الرد على هذا القول:
يُرد على هذا القول بما يلي:
١- أن القراءة بكل حرف من الأحرف السبعة ليست واجبة على الأمة، ونزول القرآن على الأحرف السبعة رخصة للتيسير على الأمة في أمر القراءة.
٢- من المعلوم أن الشيء الكثير من أفراد الأحرف السبعة نسخ في العرضة الأخيرة وما قبلها، فما بقي منها أثبت في المصاحف العثمانية، وما نسخ منها تركت القراءة به.
стр. 120
ج- قول الجمهور:
ذهب جمهور السلف والخلف إلى أن المصاحف العثمانية في مجموعها تشتمل على ما ثبت في العرضة الأخيرة من الأحرف السبعة، فليس كل مصحف بمفرده يشتمل على جميع الأحرف السبعة؛ بل الثابت من الأحرف السبعة منتشر في المصاحف العثمانية كلها١.
أدلة هذا القول:
١- أن المصاحف العثمانية تم نسخها من الصحف التي جُمعت في عهد أبي بكر ﵁ وقد أجمع الصحابة على ما فيها من الأحرف السبعة.
٢- لم يرد خبر صحيح ولا ضعيف عن عثمان أنه أمر بإلغاء بقية الأحرف.
٣- الخلافات الموجودة في المصاحف العثمانية دليل قاطع على وجود الأحرف السبعة فيها، فلو كانت المصاحف مكتوبة بلغة واحدة وبحرف واحد فقط لما كان فيها وجود هذا الاختلاف.
٤- وجود الكلمات القرآنية على لغات ولهجات أخرى كثيرة -غير لغة قريش- في المصاحف العثمانية دليل على أن المصاحف لم يقتصر في كتابتها على لغة قريش فقط.
стр. 121
قال ابن الجزري:
"وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له"١.
стр. 122
المبحث الخامس: أوجه اختلاف القراءات
مدخل
...
المبحث الخامس: أوجه اختلاف القراءات
لا خلاف بين العلماء في وجود وثبوت اختلاف الأوجه القرائية؛ وإنما الخلاف في حصرها وتعيينها، والعلماء الذين رجحوا معنى "الأحرف السبعة" بالوجوه السبعة، حاولوا حصر الأوجه في سبعة، وقد ذُكرت عن كل من:
١- الإمام أبي حاتم السجستاني "ت٢٥٥هـ".
٢- الإمام ابن قتيبة الدينوري "ت٢٧٦هـ".
٣- الإمام القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني "ت٤٠٣هـ".
٤- الإمام أبي الفضل الرازي "ت٤٥٤هـ".
٥- الإمام ابن الجزري "ت٨٣٣هـ".
وهم مشتركون في أكثر تلك الأوجه؛ إلا أن البعض انفرد بذكر بعض الأوجه، وقد ذكرنا منها قول ابن قتيبة والرازي وابن الجزري في المبحث الرابع، فلا نعيدها هنا، وبقي أن نذكر قول السجستاني والباقلاني، ثم نذكر المآخذ على كل الأقوال من حيث العموم.
стр. 123
أولًا: قول الإمام أبي حاتم السجستاني
قال ﵀: ثم إني تدبرت الوجوه التي تتخالف فيها لغات العرب، فوجدتها على سبعة أنحاء، لا تزيد ولا تنقص، وبجميع ذلك نزل القرآن:
١- إبدال لفظ بلفظ آخر بمنزلته:
نحو: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١ و"فامضوا إلى ذكر الله".
ونحو: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ٢ و"كالصوف المنفوش".
وذلك مثل: الحوت والسمك، والعشب والكلأ، والنوم والرقود، والوعر والخشن، والسكين والمُدى.
٢- إبدال حرف بحرف بمنزلته:
مثل: ﴿التَّابُوتُ﴾ ٣ و"التابوه".
ومثاله من اللغة: قهرني وكهرني، الربا والرما.
٣- تقديم وتأخير: إما في الكلمة وإما في الحروف
فأما في الكلمة فنحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ٤.
ومثاله من اللغة: سلب زيد ثوبه، وسلب ثوب زيد.
وأما في الحروف فنحو: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ﴾ ٥ و"أفلم يأيس".
ومثاله من اللغة: صعق وصقع وجبذ وجذب.
стр. 124
٤- زيادة حرف أو نقصانه:
نحو: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ١.
ومثاله من اللغة: تعرفينه، وتعطينه.
ومنهم من يسقط بعض الحروف ترخيمًا، نحو: "يا مال ليقض علينا ربك"٢ بغير كاف من كلمة "مالك".
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ ٣.
ومثاله من اللغة: يا صاح في "يا صاحب".
٥- اختلاف حركات البناء:
نحو: ﴿الْبُخْلِ﴾ ٤ والبَخَل، و ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ ٥ وميسُرة، ومنه إشمام بعضهم الضمة في: قيل، وغيض ونحوهما.
ومثاله من اللغة: نَعَم ونَعِم.
٦- اختلاف الإعراب:
نحو: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٦ و"ما هذا بشرٌ".
ونحو: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٧.
стр. 125
ومثاله من اللغة: ما زائد حاضر "أي: ما زيد حاضر".
ومررت برجلان وقبضت منه درهمان، على لغة الحارث بن كعب.
٧- إشباع الصوت بالتفخيم والإظهار أو الاقتصاد به بالإضجاع والإدغام والفتح والإمالة، ثم تختلف مذاهب العرب في الإدغام والإظهار في كثير من الحروف١.
стр. 126
ثانيًا: قول القاضي أبي بكر الباقلاني
قال الباقلاني فيما حكى القرطبي عنه: تدبرت وجوه الاختلافات في القراءة فوجدتها سبعة:
١- منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، نحو: "هن أطهرْ لكم"١ و"أطهرُ" أي: بإسكان الراء وضمها، و"يضيقْ صدري"٢ و"يضيقُ صدري" أي: بإسكان القاف وضمها.
٢- ومنها ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب، مثل: "ربنا بَاعَد بين أسفارنا"٣ و"باعِدْ" أي: بصيغة الماضي والطلب.
стр. 127
٣- ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل:
﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ١ و"ننشرها" أي: بالزاء وبالراء.
٤- ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه، مثل:
﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ٢ و"كالصوف المنفوش".
٥- ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل:
﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٣ و"طلع منضود" بالحاء والعين.
٦- ومنها التقديم والتأخير، مثل:
﴿جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ٤ و"سكرة الحق بالموت".
٧- ومنها الزيادة والنقصان، نحو:
﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ ٥ و"له تسع وتسعون نعجة أنثى"٦.
стр. 128
مآخذ على الأقوال في الأوجه:
أ- لقد اتفق الجميع على أن الأوجه تنحصر في سبعة؛ إلا أنهم اختلفوا في تعيينها.
ب- انفرد الرازي بذكر اختلاف اللهجات ضمن الأوجه، وقد أهملها ابن قتيبة وتبعه الباقلاني في ذلك. ولم يذكر السجستاني إلا بعض الخلافات الأصولية في الوجه السابع، أما ابن الجزري فلا يراها من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى، ويقول: ولئن فرض فيكون من الأول١.
رغم أن الخلافات الأصولية في أحرف القرآن شيء كثير.
ج- استشهدوا للتمثيل ببعض هذه الأوجه بالقراءات الشاذة أو الضعيفة أو المنكرة.
د- الحكمة من تعدد الأحرف: رفع الحرج والمشقة من الأمة الأمية، والأنواع التي ذكروها معظمها يتعلق بالخط والكتابة، ولا يدركها إلا المحققون من خواص العلماء، فكيف يكون اليسر فيها للأمة التي لا تعرف الكتابة ولا القراءة؟!
هـ- تكلفوا كثيرًا في محاولتهم لحصر الأوجه في سبعة؛ بحيث يمكننا أن نقول: إن الأوجه في نفسها شيء، والأنواع التي ذكروها شيء آخر مغاير لها.
стр. 129
ز- من الممكن أن نرجع تلك الأنواع السبعة إلى ثلاثة كما فعل ابن الجزري١:
١- اختلاف اللفظ والمعنى واحد:
نحو: "الصراط" و"القدس" مما يطلق عليه أنه لغات فقط، فقد تقرأ "الصراط" بالصاد والسين والإشمام، وتقرأ "القدس" بضم الدال وإسكانها.
٢- اختلاف اللفظ والمعنى مع جواز اجتماعهما في شيء واحد:
نحو: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ٢ بالراء والزاء.
والإنشار -كما قال ابن قتيبة- الإحياء، والإنشاز: هو التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما٣.
٣- اختلاف اللفظ والمعنى وعدم اجتماعهما في شيء واحد؛ إلا أنه اختلاف تنوع وتغاير لا تضاد وتناقض:
نحو: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ ٤ بالتشديد والتخفيف.
و"الظن" على قراءة التشديد بمعنى "اليقين"،
стр. 130
والضمائر الثلاثة للرسل، فيكون المعنى: وتيقن الرسل أن أقوامهم قد كذَّبوهم في رسالاتهم.
و"الظن" على قراءة التخفيف بمعنى "الشك"، والضمائر الثلاثة للمرسَل إليهم؛ أي: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كَذَبوهم فيما أمروهم به.
فعلى هذا لا تضاد ولا تناقض وإن امتنع اجتماعهما في شيء واحد١.
стр. 131
المبحث السادس: الحِكَم والفوائد في اختلاف القراءات
ذكر الإمام ابن الجزري وغيره الحكم والفوائد في اختلاف القراءات؛ ومن أبرزها:
١- فيها دليل قاطع على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١.
وأكبر برهان وأعظم حجة في ذلك هو: عدم وجود أي تناقض أو تضاد في الوجوه المختلفة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ٢.
٢- فيها برهان قاطع على صدق الرسول ﷺ فبرغم تعددها وتنوع الأداء فيها، أداها كما نزلت عليه "هكذا أنزلت".
٣- فيها دلالة على عظمة هذه الأمة؛ حيث تلقت القرآن الكريم بالحروف المختلفة، ووعتها، وأحكمت ضبطها، وهي مَنْقَبَةٌ عظيمة، وميزة لها كبرى، تنفرد بها عن سائر الأمم.
стр. 132
٤- فيها دلالة على صيانة كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف مع كونه مشتملًا على الحروف والأوجه الكثيرة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
٥- أجلّ حكمة وأعظمها هي التيسير على الأمة في أمر القراءة والتخفيف عنها، رُوعي في ذلك اختلاف اللغات واللهجات، كما روعي في ذلك جميع الفئات: من شيخ كبير، وطفل صغير، وامرأة عجوز، ومن لم يقرأ كتابًا قط.
٦- فيها سهولة الحفظ وتيسير النقل، فحفظ كلمة ذات وجوه مختلفة أيسر من حفظ جمل من الكلام على وجه واحد.
٧- فيها يظهر إعجاز القرآن ويتجلى بإيجاز الكلام، فتقرأ كلمة واحدة بأكثر من وجه وهي برسم واحد، فتدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرار اللفظ وإعادة الخط، نحو: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢.
فقراءة النصب في "وأرجلكم" تدل على فرضية الغَسْل، وقراءة الجر تدل على جواز المسح على الخفين.
٨- فيها بيان المجمل وتوضيح المبهم نحو: "فامضوا إلى ذكر الله" فهي وإن كانت قراءة شاذة إلا
стр. 133
أنها تبين معنى القراءة المتواترة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١ فليس المراد من "السعي" المشي السريع.
٩- لها تأثير في الأحكام الفقهية:
أ- فقد تبين حكمًا مجمعًا عليه، كما في قراءة شاذة: "وله أخ أو أخت / من أم"٢ فكون الإخوة من أم أمر مجمع عليه.
ب- وقد ترجح حكمًا مختلفًا فيه: "أو تحرير رقبة / مؤمنة"٣.
وذلك في كفارة اليمين، وهو شرط عند الإمام الشافعي ﵀.
ج- وقد تجمع بين حكمين مختلفين؛ كقراءة: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٤ بالتخفيف أو بالتشديد، فقراءة التخفيف تدل على أصل الطهارة، وذلك بانقطاع الحيض، وقراءة التشديد تشير إلى التأكد من الطهارة، وذلك بالاغتسال، فينبغي الجمع بينهما.
١٠- فيها سند لقواعد نحوية وصرفية كما في قراءة:
стр. 134
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ١.
بالنصب في "الأرحام" وبالخفض، فقراءة النصب حجة للكوفيين، وقراءة الخفض حجة للبصريين.
١١- فيها حجة لأهل الحق، ودفع لأهل الأهواء والزيغ، كما في قراءة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ٢.
فعلى قراءة شاذة: "مَلِكًا" -بفتح الميم وكسر اللام- أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الآخرة.
١٢- فيها تمثيل للغات واللهجات العربية المختلفة؛ وبذلك حفظت القراءاتُ اللغةَ العربيةَ من الضياع والاندثار، فللقرآن والقراءات مِنَّةٌ على أهل العربية.
الخلاصة:
إن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإعجاز، والقراءات كلها معجزة، والتحدي قائم بكل حرف من تلك الحروف، وبذلك تتعدد المعجزات بتعددها٣.
стр. 135
المبحث السابع: معالجة بعض الشبهات حول القراءات
مدخل
...
المبحث السابع: معالجة بعض الشبهات حول القراءات
مما لا شك فيه أن أعداء الإسلام يحاولون -بشتى الوسائل- إيثار الجدل والخلاف بين المسلمين، وإيثار الشكوك والشبهات في مصدر التشريع الأول القرآن الكريم؛ طمعًا منهم في كسب بعض ضعاف الإيمان من المنتسبين إلى الإسلام؛ ليرفعوا بهم خسيستهم، وللأسف أنه يوجد في المسلمين -من هذا النوع- من يتأثر بزخرفة كلام أولئك الأعداء -خاصة بعد نشأة الاستشراق الألماني والأوربي- فيؤذي الإسلام وأهله بأشد مما يؤذيه أعداؤه.
ونحن نذكر -هنا- بعض الشبه التي يثيرها الأعداء حول القراءات واختلافها وتعددها، وحول نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة ... ثم نذكر كلام العلماء في الرد عليها.
стр. 136
١- الشبهة الأولى: حول مصدر القراءات
ذهب بعض المستشرقين إلى أن مصدر القراءات هو اللهجات واللغات، وتبعهم في ذلك المتتلمذ عليهم د/ طه حسين في كتابه السخيف "الأدب الجاهلي"؛ حيث يقول:
" ... والحق أنه ليست هذه القراءات السبع من الوحي في قليل ولا كثير، وليس منكرها كافرًا، ولا فاسقًا، ولا مغتمزًا في دينه؛ وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها ... "١.
стр. 137
الرد على هذه الشبهة:
أ- يكفي في الرد على مثل هذه الشبهة: إلقاء نظرة خاطفة على مفردات القراءات؛ حيث يتضح جليًّا بمشاهدة فرش الحروف أنه ليس كل القراءات لهجات ولغات، وإن كان أكثر الأصول من قبيل اللهجات؛ كالفتح والإمالة، والهمز، والإبدال، والتسهيل، والصلة أو الإسكان، وما إلى ذلك.
أما فرش الحروف فأكثرها لا يتعلق باللهجات، ونمثل لذلك ببعض القراءات الآتية من سورة البقرة:
١- ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ تُقرأ "يَخْدَعُون" و"يُخَادِعون".
٢- ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ٢ تقرأ بالتذكير والتأنيث.
٣- ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ٣ تقرأ بالإفراد وبالجمع.
стр. 138
٤- ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ١ تقرأ بالنون "نَغْفِرْ" وبالياء "يُغْفَرْ" وبالتاء "تُغْفَرْ".
٥- ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٢ تقرأ بنصب الراء وبرفعها.
وما إلى ذلك من القراءات الفرشية الأخرى الكثيرة، ماذا فيها من اللهجات؟
فهل يستقيم قول السقيم بأن مصدرها اللهجات؟
وما من شك أن مثل هذه الأقوال نوع من الإلحاد والزندقة والمروق من الدين -والعياذ بالله- ومحاولات فاشلة لهدم أساس الإسلام، والطعن في مصدر الشريعة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
ب- أما الخلافات الأصولية، فهي وإن كانت من قبيل اختلافات اللهجات؛ ولكنها من النوع الذي أمضاه الرسول ﷺ تيسيرًا وتوسعة على الأمة، ومع ذلك فمصدره هو الرواية والنقل، وليس الاجتهاد أو القياس، فقد رُوي عدم الإمالة في ذوات الياء من القراء الذين اختاروا
стр. 139
الإمالة فيها؛ وذلك لعدم ثبوت الإمالة فيها لديهم من حيث الرواية.
فمثلًا: مذهب الإمام حمزة إمالة الكلمات التي رسمت في المصاحف العثمانية بالياء، سواء كانت ألفها منقلبة عن الياء أو لا، ما عدا بعض الكلمات؛ منها:
كلمة ﴿سَجَى﴾ ١ في سورة الضحى.
فلا يميلها -وإن كانت مرسومة بالياء- لعدم ورودها وثبوتها رواية.
وكثيرًا ما ترد الرواية عن إمام من أئمة القراء في بعض حروف القرآن على وجه واحد، حتى يصير أصلًا من أصوله، ثم تجده يخالف أصله هذا في موضع واحد، أو في مواضع معدودة قليلة، فلا تجد مسوغًا لذلك إلا اتباع الرواية، فمثلًا:
تجد الإمام أبا جعفر المدني يقرأ كلمة "يَحزُن" بفتح الياء وضم الزاء في سائر القرآن، ثم تجده يقرأ "يُحزِن" بالأنبياء بضم الياء وكسر الزاء، في موضع واحد فقط.
وتجد نافع بن أبي نعيم تلميذ أبي كعفر يعكس، فيقرؤها في سائر القرآن بضم الياء وكسر الزاء، ثم يأتي على موضع الأنبياء فيقرؤه بفتح الياء وضم الزاء.
стр. 140
وتجد حفص بن سليمان يقرأ سائر الألفات في القرآن بالفتح ولا يميل منها شيئًا، حتى إذا أتى على قوله تعالى: ﴿مَجْرَاهَا﴾ بهود أمال الألف موضعًا واحدًا فقط.
وكذلك تجده لا يسهل شيئًا من الهمزات في القرآن، سواء اجتمعت همزتان في كلمتين أو في كلمة واحدة، إلا في: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ بفصلت، فيسهل ثانيتهما قولًا واحدًا، وكذا في ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٥١، ٩١] و ﴿آللَّهُ﴾ [يونس: ٥٩، والنمل: ٥٩] و ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣، ١٤٤] فيسهل الثانية فيها بخلف عنه.
وهكذا لا تجد أصلًا من أصول القراء يطرد في سائر المواضع إلا وتجد مواضع مستثناة يخالفها، وهذا يدل بوضوح على أن الشأن للرواية، وليس للقياس أو الاجتهاد اعتبار١.
стр. 141
الأدلة على أن مصدر القراءات الوحي الرباني:
من المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن وحي رباني، أوحاه الله إلى الرسول ﷺ بواسطة جبريل الأمين ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١.
ومهمة جبريل ﵇ تعليمه للرسول ﷺ وإنزاله عليه، ومهمة الرسول ﷺ تبليغه للناس بأمر من الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
وليس للرسول ﷺ أن يغير حرفًا مكان حرف، أو كلمة مكان كلمة أخرى، وهذا أمر مجمع عليه في الأمة الإسلامية٤.
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
هناك العديد من الآيات القرآنية تدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ ليس له تبديل الكلمات أو الحروف القرآنية.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ
стр. 142
يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ٣.
وإذا كانت القراءات جزءًا من القرآن الكريم، فهي كذلك من عند الله ، ومنزلة وحيًا منه ﵎.
وإذا كان الرسول ﷺ لا يستطيع أن يغير كلمة بكلمة أو حرفًا بحرف، فغيره من باب أولى.
ب- الأدلة من السنة:
أحاديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة تدل دلالة واضحة على أن القراءات منزلة من الله ، وليس للرسول ﷺ فيها سوى التبليغ، وتدل تلك الأحاديث على أن الصحابة ﵃ تلقوها من الرسول ﷺ ثم تلقاها عنهم التابعون
стр. 143
ومن بعدهم حتى وصلت إلينا متواترة جيلًا بعد جيل١.
وقد ذكر ابن الجزري في النشر أثر عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ وفيه: "القراءة سُنة يأخذها الآخِر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه"٢.
وذكر ابن مجاهد أحاديث تحذر الابتداع في القراءة؛ منها:
١- عن ابن مسعود: ﵁ قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم"٣.
٢- وعن علي ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا القرآن كما علمتم"٤.
ج- أقوال العلماء:
قال ابن الجزري: "وكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله ... وأن كله منزل من عند الله؛ إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها ... "٥.
стр. 144
وقال:
"وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله، وهو كلام لا شك فيه، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر فيه واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، ونقطع بذلك ونؤمن به ... "١.
وأقوال العلماء في اشتراط التواتر لقبول القراءات برهان قاطع على أن القراءات من الله .
يقول الإمام أبو عمرو الداني:
"وأئمة القراءة لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصلح في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية، ولا فُشُو لغة؛ لأن القرآن سُنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها"٢.
وعلى ضوء تلك الآيات والأحاديث والآثار وأقوال العلماء منع العلماء القراءة بالقياس المطلق؛ وهو الذي ليس له أصل في
стр. 145
القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه١.
ولهذا قال الإمام الشاطبي ﵀:
وما لقياس في القراءة مدخل ... فدونك ما فيه الرضا متكفلا٢
ومن ثَمَّ قال غير واحد من أئمة القراء: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قُرئ به لقرأت حرف كذا كذا، وحرف كذا كذا٣.