← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8639

صفحات في علوم القراءات

عبد القيوم عبد الغفور السندي

Полный текст (434 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأدلة على أن مصدر القراءات الوحي الرباني: من المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن وحي رباني، أوحاه الله إلى الرسول ﷺ بواسطة جبريل الأمين ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١. ومهمة جبريل ﵇ تعليمه للرسول ﷺ وإنزاله عليه، ومهمة الرسول ﷺ تبليغه للناس بأمر من الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. وليس للرسول ﷺ أن يغير حرفًا مكان حرف، أو كلمة مكان كلمة أخرى، وهذا أمر مجمع عليه في الأمة الإسلامية٤. أ- الأدلة من القرآن الكريم: هناك العديد من الآيات القرآنية تدل دلالة واضحة على أن الرسول ﷺ ليس له تبديل الكلمات أو الحروف القرآنية. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ

стр. 142

يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ٣. وإذا كانت القراءات جزءًا من القرآن الكريم، فهي كذلك من عند الله ، ومنزلة وحيًا منه ﵎. وإذا كان الرسول ﷺ لا يستطيع أن يغير كلمة بكلمة أو حرفًا بحرف، فغيره من باب أولى. ب- الأدلة من السنة: أحاديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة تدل دلالة واضحة على أن القراءات منزلة من الله ، وليس للرسول ﷺ فيها سوى التبليغ، وتدل تلك الأحاديث على أن الصحابة ﵃ تلقوها من الرسول ﷺ ثم تلقاها عنهم التابعون

стр. 143

ومن بعدهم حتى وصلت إلينا متواترة جيلًا بعد جيل١. وقد ذكر ابن الجزري في النشر أثر عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ وفيه: "القراءة سُنة يأخذها الآخِر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه"٢. وذكر ابن مجاهد أحاديث تحذر الابتداع في القراءة؛ منها: ١- عن ابن مسعود: ﵁ قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم"٣. ٢- وعن علي ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا القرآن كما علمتم"٤. ج- أقوال العلماء: قال ابن الجزري: "وكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله ... وأن كله منزل من عند الله؛ إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها ... "٥.

стр. 144

وقال: "وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله، وهو كلام لا شك فيه، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر فيه واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، ونقطع بذلك ونؤمن به ... "١. وأقوال العلماء في اشتراط التواتر لقبول القراءات برهان قاطع على أن القراءات من الله . يقول الإمام أبو عمرو الداني: "وأئمة القراءة لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصلح في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية، ولا فُشُو لغة؛ لأن القرآن سُنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها"٢. وعلى ضوء تلك الآيات والأحاديث والآثار وأقوال العلماء منع العلماء القراءة بالقياس المطلق؛ وهو الذي ليس له أصل في

стр. 145

القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه١. ولهذا قال الإمام الشاطبي ﵀: وما لقياس في القراءة مدخل ... فدونك ما فيه الرضا متكفلا٢ ومن ثَمَّ قال غير واحد من أئمة القراء: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قُرئ به لقرأت حرف كذا كذا، وحرف كذا كذا٣.

стр. 146

هل يجوز الاجتهاد في القراءات: يقول بعض الناس: يجوز الاجتهاد في القراءات. ولعل مستدلهم في ذلك فهمهم الخاطئ لأحاديث نزول القرآن الكريم بالأحرف السبعة؛ حيث يعتبرون ذلك إذنًا من الله ورسوله ﷺ بقراءة القرآن الكريم، لكل على لغته ولهجته كيفما شاء، ولو لم تكن القراءة مأثورة. ولذلك أجاز البعض القراءة بالقياس المقبول. وهو حمل ما لم يروَ عن النبي ﷺ على ما رُوي عنه، في جواز القراءة به لعلة مشتركة بين

стр. 147

الحرفين تسوغ ذلك، وذلك نحو قراءة "وحللنا" بدل "ووضعنا" في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ١. أو حمل ما له وجه ضعيف على ما له وجه قوي؛ كإظهار الميم المقلوبة من النون الساكنة أو التنوين، وترقيق الراء الساكنة قبل الكسرة والياء٢. وما من شك في أن القول بذلك مردود على قائله؛ لأن القرآن لا يُؤخذ بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظه، ومما ذكرنا من أقوال العلماء فيما سبق ومن بيت الإمام الشاطبي ﵀ كفاية في الرد على أمثال هؤلاء الجهلة الذين لا يقصدون من وراء مثل هذه الأقوال الساقطة إلا هدم أساس الإسلام عن علم أو عن جهل. قال ابن مجاهد: ولم أرَ أحدًا ممن أدركت من القراء وأهل العلم باللغة وأئمة العربية يرخصون لأحد في أن يقرأ بحرف لم يقرأ به أحد من الأئمة الماضين، وإن كان جائزًا في العربية؛ بل رأيتهم يشددون في ذلك، وينهون عنه، ويروون الكراهة له عمن تقدم من مشايخهم؛ لئلا يجسر على القول في القرآن بالرأي أهلُ الزيغ، وينسبون مَن فعله إلى البدعة والخروج عن

стр. 148

الجماعة، ومفارقة أهل القبلة، ومخالفة الأمة١. ويقول الباقلاني: "ولو قرأ قارئ مكان قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ "ووافى ربك" وما أشبه ذلك؛ لكان ممنوعًا بإجماع المسلمين"٢. يقول بدر الدين الزركشي: إن القراءات توقيفية وليست اختيارية ... وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة هؤلاء الأئمة، وأنها سُنة متبعة، ولا مجال للاجتهاد فيها ... وإنما كان كذلك؛ لأن القراءة سُنة مروية عن النبي ﷺ ولا تكون القراءة بغير ما رُوي عنه٣. ومن المعلوم أن القياس حجة شرعية -عند عدم وجود النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع- ولكنها ظنية في ثبوتها، ولا يجوز الرجوع إليها باعتباره أصلًا مستقلًّا بنفسه، أو مصدرًا أساسيًّا إلا بدليل خاص من القرآن أو السنة أو العقل السليم، وليس في القرآن أو السنة ما يسوغ الرجوع إليها في القراءات. والعقل هنا يمنع من القياس في القراءات؛ لأن

стр. 149

قرآنية القرآن لا تثبت إلا بما ينهى ويوصل إلى اليقين، والقياس -هنا- لا يوصل إلى يقين١. ولو كان للقياس اللغوي دور وتأثير في القراءة ما قرأ أبو عمرو -وهو أحد أعلام اللغة- "بارئْكم" بإسكان الهمزة، ولا قرأ مثلها: "يأمركم، يأمرهم، تأمرهم، ينصركم، يشعركم" كل ذلك بإسكان الراء المرفوعة عند غيره؛ إذ لا وجه لذلك عند أهل اللغة؛ ولذلك رد هذه الرواية سيبويه والمبرد وغيرهما. وكذلك ما كان لابن عامر أن يقرأ "وكذلك زين لكثير من المشركين قتلُ أولدَهم شركائِهم"٢ بالفصل بالمفعول بين المضاف والمضاف إليه. وما كان لأبي جعفر أن يقرأ: "ليُجزى قومًا بما كانوا يكسبون"٣ ببناء "يجزى" للمفعول ونصب "قومًا". ولا لحمزة أن يقرأ: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ"٤ بخفض "الأرحام"؛ وذلك لأن كل هذه الأوجه يصعب على أهل اللغة أن يجدوا لأنفسهم فيها مخرجًا أو

стр. 150

تأويلًا١؛ ولكن لم يسغ للقراء النحويين أمثال: ابن العلاء والكسائي أن ينكروها لثبوتها سندًا ورواية. الخلاصة: إن القراءات منزَّلة من عند الله ومصدرها وحي رباني، لا يجوز أخذها بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظ القرآن الكريم، وهي وإن كانت تشتمل على اللغات واللهجات ولكن لا يجوز الأخذ ولا القراءة بلهجة أو بلغة إلا بأثر ورواية مسندة.

стр. 151

الشبهة الثانية: أسباب اختلاف القراءات وتعددها نذكر هنا -أولًا- أقوال الناس في أسباب الاختلاف في القراءات، ومن ضمنها قول المستشرقين في ذلك، والرد عليه، ونذكر بعد ذلك السبب الأساسي في اختلاف القراءات. ذكر بعض الناس أسبابًا متعددة في اختلاف القراءات؛ منها: ١- اختلاف قراءة النبي ﷺ : فقد ورد أنه ﷺ لم يلتزم عند تعليمه القرآن للمسلمين لفظًا واحدًا، وتدل على ذلك أحاديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة؛ حيث صوَّب الرسول ﷺ قراءة كل من اختلف من الصحابة مع زميله، وقال كل واحد منهم أنه أخذها من الرسول ﷺ . والقراءات المتواترة بكثرتها خير دليل على ذلك؛ حيث إنها رُويت بأسانيدها الصحيحة المتواترة إلى الرسول ﷺ . ٢- اختلاف تقرير النبي ﷺ لقراءة الصحابة:

стр. 152

حيث كان الرسول ﷺ مأمورًا بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ: "عتى حين" بالعين بدل الحاء، والأسدي يقرأ: "تعلمون" و"تسود" بكسر التاء، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، فجعل الله لهم متسعًا في اللغات كتيسيره عليهم في الدين١. ٣- اختلاف النزول: كان الرسول ﷺ يعرض القرآن على جبريل في كل رمضان، وتلقى الصحابة حروف كل عرض، فمنهم من قرأ على حرف، ومنهم من قرأ على حرف آخر، وقد اجتمعوا على عرضات أخيرة، فلم يقع الاختلاف إلا في أحرف قليلة، وألفاظ متقاربة، ولعل قصة اختلاف عمر وهشام ﵄ تدل على اختلاف النزول؛ حيث فيها: "كذلك أنزلت"؛ ولهذا اختلفت المصاحف العثمانية في أحرف قليلة، وقد فرقها الصحابة في المصاحف.

стр. 153

٤- اختلاف الرواية عن الصحابة: ذلك أن الصحابة قد اختلف أخذهم للقرآن من فِيِّ الرسول ﷺ فمنهم من أخذ بحرف، ومنهم من أخذ بحرفين أو أكثر، كما أن قراء المصاحف العثمانية من الصحابة كانوا على علم بالقراءات المختلفة؛ ولذلك اختلف أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابعي التابعين عن أساتذتهم من التابعين، وهلم جرًّا ... إلى أن وصل الأمر إلى الأئمة المشهورين الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات. ٥- اختلاف اللغات أو اللهجات: ذهب إليه ابن قتيبة وأبو شامة، ويدل على قولهما ما رواه الضحاك عن ابن عباس ﵄: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب١. وتبناه بعض المعاصرين من تلامذة المستشرقين، والحق أن اختلاف اللغات أو اللهجات ليس هو في جميع القراءات؛ وإنما في بعضها٢. يقول الدكتور/ عبد الهادي الفضلي: وهذا النوع من الاختلاف داخل -فيما أرى-

стр. 154

ضمن تقرير النبي ﷺ وإمضائه لقراءات المسلمين ... والملاحظ أن هذه الأسباب المذكورة يُرجع أصحابها القراءات على اختلافها إلى قراءة النبي ﷺ أو تقريره، وإلى أنها كانت تيسيرًا للأمة ورحمة بها١. ٦- عدم النقط والشكل واجتهاد القراء في هيكل الكلمات القرآنية: ذهب إليه المستشرق جولد تسيهر٢، وتأثر به بعض المعاصرين من المنتسبين إلى الإسلام. ولقد تصدَّى للرد على هؤلاء كثيرون؛ منهم: ١- محمد طاهر الكردي في: تاريخ القرآن. ٢- عبد الوهاب حمودة في: القراءات واللهجات. ٣- عبد الفتاح القاضي في: القراءات في نظر المستشرقين والملحدين. وخلاصة تلك الردود: أ- إن وجود القراءات المختلفة كان قبل نقط المصاحف وشكلها؛ بل قبل نسخ المصاحف العثمانية

стр. 155

ووجودها؛ حيث كان الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والسطور، وتدل عليه أحاديث المخاصمة بين بعض الصحابة في بعض القراءات١. ب- اعتماد القراءات على النقل والرواية؛ ولذلك لم تقبل القراءات الموضوعة والمستنبطة من الرسم وهيكل الكلمات القرآنية، وأكبر دليل على ذلك أن القراء كلهم اتفقوا على نقل بعض الكلمات رغم مخالفتها لصريح الرسم؛ منها: كلمة "إيلافهم" في سورة "قريش" حيث أجمعت المصاحف على إثبات الياء في الموضع الأول رسمًا، فأثبتها القراء العشرة -ما عدا ابن عامر- قراءة، وأجمعت المصاحف على حذفها في الموضع الثاني رسمًا؛ ولكن أثبتها القراء العشرة -ما عدا أبا جعفر- قراءة؛ لثبوتها نقلًا ورواية٢.

стр. 156

يقول الشيخ محمد بن الحاج فيما نقل عنه الصفاقسي في غيث النفع: "لا يلزم موافقة التلاوة للرسم؛ لأن الرسم سُنة متبعة، قد توافقه التلاوة وقد لاتوافقه، انظر كيف كتبوا "وجايء"١ بالألف قبل الياء، و"لأ اذبحنه"٢، و"ولأ اوضعوا"٣ بألف بعد "لا"، ومثل هذا كثير، والقراءة بخلاف ما رُسِمَ"٤. ويقول أبو شامة: "والقراءة نقل، فما وافق منها ظاهر الخط كان أقوى، وليس اتباع الخط بمجرده واجبًا ما لم يعضده نقل"٥. ج- تناقض جولد تسيهر فيما ادعاه أولًا، وفيما انتهى إليه آخِرًا، فقد ختم حديثه عن القراءات بما هدم به من نتائج، وما تمسك به من نظريات، بنقله قول علي ﵁ أنه قال عندما سئل عن تحويل آية من القرآن إلى معنى قصده: "إن

стр. 157

القرآن لا يهاج١ اليوم ولا يحول". وبقوله: "لا اعتراف بصح قراءة، ولا تدخل قراءة في دائرة التعبير القرآني المعجز المتحدي لكل محاولات التقليد إلا إذا أمكن أن تستند إلى حجج من الرواية موثوق بها". وبأقواله الأخرى التي تنص على أنه لا رأي للمسلمين في القراءة بعد النبي ﷺ ولا عمل إلا بما ثبت عنه ﷺ ولا قبول إلا لما قرأ به ... فثبت بذلك كله أن الاختلاف في القراءات لم يكن بسبب الرسم أو عدم نقط المصاحف وشكلها؛ بل يرجع ذلك إلى النقل والرواية. د- إن الاختلافات بين المصاحف العثمانية من حيث الرسم قليلة: فالاختلاف بين مصحفي الكوفة والبصرة كان في خمسة أحرف. وبين مصحفي المدينة والعراق في "١٢" حرفًا.

стр. 158

وبين مصحفي الشام والعراق في نحو أربعين حرفًا. أما القراءات فكثيرة لا حصر لها١. هـ- اختلاف مرسوم المصاحف قام على أساس اختلاف القراءات المروية عن النبي ﷺ ومعنى هذا: أن القراءات واختلافها لم يتولد على أساس اختلاف مرسوم المصاحف٢. الخلاصة: إن أسباب اختلاف القراءات ترجع إلى سببين رئيسين -كما ذهب إليه الدكتور/ عبد الهادي الفضلي٣- وهما: ١- تعدد النزول: ويدخل فيه قراءة النبي ﷺ وبعض تقريره، والكثير من المروي عن الصحابة. ٢- تعدد اللهجات: ويدخل فيه القليل من فعل النبي ﷺ والكثير من تقريره.

стр. 159

والذي أراه هنا ويظهر لي -والله أعلم- أن سبب اختلاف القراءات واحد لا يتعدد، وهو الذي عُنون بـ"نزول القرآن على الأحرف السبعة"؛ ولكن هذا السبب يتوقف في وجوده على سبب آخر؛ وهو وجود اللغات واللهجات المختلفة، فيندرج في ذلك كل الخلافات القرآنية، سواء كانت لسبب قراءة النبي -صلى الله عليه سلم- أو تقريره أو بسبب تعدد النزول، أما اختلاف الرواية عن الصحابة فهو يتوقف على تلقيهم من الرسول ﷺ أو قراءتهم عليه. ثم قبل ما رُوي بالتواتر، أو الاستفاضة، وحُكم على ما دون ذلك بالشذوذ. وليس معنى تقرير النبي ﷺ لقراءة الصحابة أنه ﷺ كان يقرر قراءة كل صحابي يقرأها حسب لغته ولهجته باجتهاد منه دون التلقي؛ وذلك لأن القرآن كله -بأحرفه المختلفة- وحي منزَّل من الله لا قياس فيه ولا اجتهاد.

стр. 160

الفصل الثاني: رسم المصحف العثماني المبحث الأول: تعريف الرسم لغة واصطلاحا مدخل ... الفصل الثاني: رسم المصحف العثماني المبحث الأول: تعريف "الرسم" لغة واصطلاحا لغة: "الرسم" في اللغة: الأثر، ومنه قول الشاعر جميل بن معمر العذري: رسم دار وقفت في طَلَله ... كدت أقضي الحياة من جَلَله١ فالرسم هنا بمعنى آثار الدار. ويراد بـ"الرسم" أثر الكتابة في اللفظ كذلك. واصطلاحًا: تصوير كلمة بحروف هجائها، بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها؛ لتتحول اللغة المنطوقة إلى آثار مرئية. والمراد بالرسم العثماني: الوضع الذي ارتضاه عثمان ﵁ في عهده في كتابة كلمات القرآن الكريم وحروفه، حينما أمر بنسخ المصاحف.

стр. 161

أقسام الرسم: الرسم ينقسم إلى قسمين: أ- القياسي: وهو موافقة الخط اللفظ؛ كرسم كلمة: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ . ب- الاصطلاحي: وهو مخالفة الخط اللفظ؛ وذلك ببدل، أو زيادة، أو حذف، أو فصل، أو وصل، أو نحو ذلك، مما سيأتي تفصيله.

стр. 162

المراد بالمصاحف العثمانية: هي التي أمر عثمان ﵁ في عهد خلافته بكتابتها لإجماع الأمة عليها، وإحراق ما سواها، وكان ذلك بعدما شاور المهاجرين والأنصار في ذلك، واتفق الجميع على ما رآه ﵁ ووكل مهمة الكتابة إلى: زيد بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ﵃ وأمرهم أن ينسخوها من صحف أبي بكر الصديق ﵁ بعد أن يعرضوا ما فيها على حَمَلَةِ القرآن الكريم من الصحابة، ويتأكدوا من صحة ذلك بطلب نسخة خطية مما كُتب بين يدي النبي ﷺ فكتبوها، وكان عددها -على أصح الأقوال- ستة مصاحف، فلما أنجزوا المهمة، أرسل بنسخة إلى كل مصر من الأمصار الإسلامية الكبرى، وأبقى مصحفًا في المدينة، ويسمى "المدني العام"، وأمسك لنفسه مصحفًا ويسمى "المدني الخاص" أو "المصحف الإمام"، وأرسل مع كل مصحف مُقرئًا من أهل القرآن ليقرئهم. وقد أثبت كُتَّاب المصاحف العثمانية القراءات

стр. 163

المختلفة برسم واحد كلما أمكن ذلك، وما لم يمكنهم إثباته برسم واحد فرقوه في المصاحف برسمين مختلفين؛ كزيادة بعض الحروف أو الكلمات، أو نقصانها في بعض المواضع. ومما ساعدهم على إثبات القراءات المختلفة برسم واحد في معظم المواضع: تجريد الخط من النقط والشكل، وكتابة الآيات بطريقة إملائية خاصة تجعل الخط محتملًا لوجهين فأكثر١. وأكثر رسم المصاحف قياسي؛ أي: أنه موافق لقواعد العربية، وللخط الإملائي الحديث؛ إلا أنه قد خرجت أشياء عنها يجب علينا فيها اتباع مرسومها، فمنها ما عُرف حكمه، ومنها ما غاب عنا علمه، ولم يكن ذلك من الصحابة كيفما اتفق؛ بل عن أمر عندهم قد تحقق، كما يقول الدمياطي رحمه الله٢.

стр. 164

قواعد الرسم المصحفي: لقد حاول العلماء حصر قواعد رسم المصحف في ست قواعد؛ وهي: ١- الحذف. ٢- الزيادة. ٣- الهمز. ٤- البدل. ٥- الفصل والوصل. ٦- ما فيه قراءتان فيكتب على إحداهما.

стр. 165

توضيح القواعد: ١- قاعدة الحذف: الحروف التي تحذف كتابة هي: الألف، الواو، الياء، اللام. أمثلة حذف "الألف": "يأيُّها الناس، هأنتم، الله، مُسْلِمَتٍ، رَجُلَنِ". أمثلة حذف "الواو": "لا يستون، الغاون، داوُد، فَأوُا". أمثلة حذف "الياء": "غير باغ ولا عاد، وأطيعون، فارهبون، يعباد فاتقون". أمثلة حذف "اللام": "الَّيْل، الذي". ٢- قاعدة الزيادة: الحروف التي تزاد أحيانًا هي حروف المد الثلاثة. أمثلة زيادة "الألف":

стр. 166

"ملاقواْ، بنواْ إسرائيل، أولواْ الألباب، تفتؤاْ، شفعؤاْ". أمثلة زيادة "الواو": "أولوا، أوْلئك، أوْلاء، أوْلات". أمثلة زيادة "الياء": "نبإيْ، آناءيْ، تقاءيْ، بأييْكم، بأييْد". ٣- قاعدة الهمز: الهمزة تكتب أحيانًا ألفًا، نحو: البأساء، لتنوأ، أنزل. وتصور أحيانًا واوًا، نحو: اؤتمن، تقرؤه، لؤلؤ، يبدؤا. وترسم تارة ياءً، نحو: ائذن، سُئل، شاطئ. وأحيانًا تُوضع على السطر، نحو: ملء، الخبء، دفء١. ٤- قاعدة البدل: ترسم الألف واوًا، نحو: الصلوة، الزكوة، الحيوة. وتكتب ياءً، نحو: يا حسرتى، يا أسفى، إلَى، حتَّى. وترسم هاء التأنيث تاءً مفتوحة في بعض الكلمات، نحو: "شجرت، ابنت، قرت عين، فطرت، جنت النعيم، امرأت فرعون". ٥- قاعدة الوصل والفصل: كوصل "أنْ" بـ"لا" نحو: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ .

стр. 167

أو وصل "أن" بـ"ما"، نحو: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ﴾ . أو وصل "إن" بـ"ما"، ونحو: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ . أو وصل "عن" بـ"ما"، نحو: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . أو فصل "إن" عن "ما"، نحو: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ ١. أو فصل "ما" عن "حيث"، نحو: ﴿حَيْثُ مَا﴾ ٢. ٦- قاعدة ما فيه قراءتان: الكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة، وخلوها من النقط والشكل يجعلها محتملة لكل قراءة، كتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، نحو: "ملك يوم الدين"، "الصراط المستقيم". فيكون أحد الوجهين موافقًا للرسم تحقيقًا والثاني تقديرًا. وإن لم تحتمل إلا وجهًا واحدًا برسم واحد، كتبوها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على قراءة أخرى، نحو: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ "وأوصى بها إبراهيم"٣، أو "وقالوا اتخذ الله ولدًا" ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٤.

стр. 168

فوائد الرسم العثماني: هناك فوائد كثيرة في الرسم العثماني، وفي كتابة الكلمات القرآنية بالوضع الخاص كما فعل الصحابة ﵃ حين نسخهم للمصاحف؛ منها: ١- الدلالة على القراءات المختلفة المتنوعة في الكلمة بقدر الإمكان، فإن كان الرسم لا يحتمل أكثر من وجه كُتب بالوجه المخالف للأصل، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ١. حيث كتبت كلمة "هذان" دون الألف والياء في جميع المصاحف٢. وفي قراءتها ثلاثة أوجه: أ- هَذَان: بالألف بعد الذال وتخفيف النون. ب- هَذانّ: بالألف بعد الذال مع تشديد النون. ج- هَذين: بالياء بعد الذال مع تخفيف النون. وكلمة "إن" قُرئت بالتخفيف "إنْ" وبالتشديد "إنَّ". فبالتركيب تصبح في الكلمتين أربع قراءات على

стр. 169

النحو التالي: أ- "إِنَّ هذانِ": قراءة نافع وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي. ب- "إِنْ هَذانِّ": قراءة ابن كثير. ج- "إِنْ هَذانِ": رواية حفص عن عاصم. د- "إِنَّ هَذيْن": قراءة أبي عمرو. ٢- إفادة المعاني المختلفة: وذلك نحو قطع كلمة "أم" عن "مَن" في ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ﴾ للدلالة على أنها "أم" المنقطعة بمعنى "بل". ٣- الدلالة على أصل الحركة، في نحو: "إيتاء" بالياء بعد الهمزة، "سأوريكم" بالواو بعد الهمزة. أو الدلالة على أصل الحرف، في نحو: "الصلوة، الزكوة". ٤- إفادة بعض اللغات الفصيحة، فكتابة هاء التأنيث بتاء مفتوحة دلالة على لغة طيئ؛ حيث كان الوقف عندهم بالتاء. ٥- حمل الناس على تلقي القرآن الكريم مشافهة من أفواه الرجال، وصدور الحفاظ الثقات، فلا يمكن أخذ القرآن من المصاحف وحدها؛ لأن الأحكام التجويدية وطريقة أداء القرآن لا يمكن معرفتها إلا بالمشافهة، وهل يمكن النطق

стр. 170

الصحيح بفواتح السور من المصحف فقط دون التلقي؟ أيًّا كان رسم ذلك المصحف، ومهما كان القارئ بالغًا ذورة سنام الثقافة العصرية. وفي التلقي مشافهة مزية أخرى؛ وهي اتصال السند بالرسول ﷺ وهي ميزة لهذه الأمة تختص بها دون سائر الأمم١.

стр. 171

المبحث الثاني: حكم الالتزام برسم المصحف العثماني قول الجمهور وأدلته ... المبحث الثاني: حكم الالتزام برسم المصحف العثماني سبق أن ذكرنا أن رسم معظم الكلمات القرآنية موافق للفظه؛ بمعنى أنه قياسي. أما الكلمات التي رُسمت على خلاف التلفظ بها، هل يجوز أن تكتب -في المصاحف- بالرسم الإملائي الحديث، أم يجب في كتابتها اتباع الرسم العثماني؟ المسألة خلافية، وللعلماء فيها آراء ثلاثة: أ- قول الجمهور: ذهب الجمهور العلماء إلى وجوب اتباع الرسم العثماني في كتابة المصاحف. واستدلوا على ذلك بأدلة متعددة؛ منها: ١- أن الرسول ﷺ كان له كُتَّاب للوحي، وقد كتبوا الوحي المنزل عليه بين يديه بهذا الرسم، وأقرَّهم الرسول ﷺ على ما كتبوه؛ بل هناك ما يدل على أنه ﷺ كان يرشدهم إلى طريقة الكتابة؛ ومن ذلك قوله لمعاوية بن أبي سفيان ﵄: "ألقِ الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرِّق السين، ولا تعور الميم، وحسِّن "الله"، ومد "الرحمن"،

стр. 172

وجوِّد "الرحيم"، وضع قلمك على أذنك اليسرى؛ فإنه أذكر لك"١. وهذا يدل على أن الرسم توقيفي، وليس للصحابة فيه اجتهاد، فيجب على الأمة اتباعه وعدم مخالفته. ٢- جاء دور أبي بكر ﵁ فأمر بجمع القرآن وكتابته بعدما أقنعه عمر ﵁ في ذلك، فتم جمعه وكتابته بنفس الرسم الذي كتب به أمام الرسول ﷺ ولم يخالف في ذلك أحد الصحابة على كثرتهم. ٣- ثم جاء دور عثمان ﵁ فشكل لجنة رباعية لجمع وكتابة القرآن الكريم بالأوجه الثابتة المشهورة بين الصحابة، ووضع لهم قانونًا للجمع، فجمع القرآن الكريم كلَّه بجميع ما ثبت لديهم من الأوجه والأحرف، وتكونت مصاحف ستة -على أصح الأقوال- ووزعت على الأمصار المشهورة المركزية؛ وهي: "مكة، والشام، والكوفة، والبصرة" وخصص مصحف للمدينة، وأمسك عثمان ﵁ لنفسه مصحفًا، وكانت هذه المصاحف هي

стр. 173

التي أطلق عليها "المصاحف العثمانية"، وتقلدت الأمة رسمها، واشتهرت كتابتها بالرسم العثماني، وأجمع الصحابة ﵃ على ذلك الرسم، ولم ينكر أحد منهم شيئًا منه، وإجماع الصحابة واجب الاتباع. ٤- ثم استمر الأمر على ذلك، والعمل عليه في عصور التابعين والأئمة المجتهدين، ولم يرَ أحد منهم مخالفته، وفي ذلك نصوص كثيرة لعلماء الأمة: سُئل الإمام مالك ﵀ عن مخالفة رسم المصحف فقال: "لا أرى ذلك؛ ولكن يكتب على الكتبة الأولى"١. قال السخاوي ﵀: والذي ذهب إليه مالك هو الحق ... وقال الداني: لا مخالف له -أي: لمالك- في ذلك من علماء الأمة٢. وقال الإمام أحمد ﵀: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو، أو ألف، أو

стр. 174

ياء، أو غير ذلك١. ونقل الإمام الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع رسم المصحف العثماني٢. وأقوال العلماء في تأييد ذلك كثيرة؛ ومن ثَمَّ جعل العلماء موافقة الرسم أحد الأركان الثلاثة التي عليها مدار قبول القراءات٣.

стр. 175

القول الثاني: ب- وذهب بعض الناس١ إلى جواز كتابة المصاحف بالرسم الإملائي حسب ما تقتضيه قواعد أهل صناعة الخط. واحتجوا على ذلك: ١- بأن الصحابة ﵃ كتبوا المصاحف حسب ما كان لديهم من صناعة الخط، وكانوا غير مجيدين لها، فوقع منهم ما وقع من الأخطاء في رسم الكلمات القرآنية، فلا يجب علينا أن نتبعهم في ذلك الرسم؛ بل علينا أن نخالفهم فيه؛ لأن رسمهم قد يُوقع الناس في الخلط والالتباس والحيرة، ولا يمكنهم من القراءة الصحيحة. ٢- وبأنه لم يرد دليل شرعي يوجب كتابة المصحف برسم معين.

стр. 176

القول الثالث: ج- وذهب بعض المتأخرين١ وبعض المعاصرين إلى وجوب كتابة المصاحف العامة بالقواعد الإملائية؛ ولكن تجب المحافظة -عندهم- على الرسم العثماني القديم كأثر من الآثار الإسلامية النفيسة الموروثة عن السلف الصالح، فمن ثَمَّ تكتب مصاحف لخواص الناس بالرسم العثماني. يقول الدكتور/ عبد العظيم الزرقاني: "وهذا الرأي يقوم على رعاية الاحتياط للقرآن من ناحيتين: ١- ناحية كتابته في كل عصر بالرسم المعروف فيه؛ إبعادًا للناس عن اللبس والخلط في القرآن. ٢- وناحية إبقاء رسمه الأول المأثور، يقرؤه العارفون به ومَن لا يخشى عليهم الالتباس"٢.

стр. 177

القول الراجح: الراجح من ذلك قول الجمهور؛ وذلك لوجوه: ١- إن هذا الرسم الذي كتب به الصحابة القرآن الكريم حظي بإقرار الرسول ﷺ واتباعُ الرسول ﷺ واجبٌ على الأمة. ٢- أجمع عليه الصحابة لم يخالفه أحد منهم، وكان هذا الإنجاز الكبير في عصر الخلفاء الراشدين، واتباعُهم واجبٌ على الأمة؛ لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ... " ١. ٣- أجمعت عليه الأمة منذ عصور التابعين، وإجماع الأمة حجة شرعية، وهو واجب الاتباع؛ لأنه سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢. ٤- للرسم العثماني فوائد مهمة، ومزايا كثيرة، خاصة أنه يحوي على القراءات المختلفة، والأحرف المنزلة، ففي مخالفته تضييع لتلك الفوائد وإهمال لها.

стр. 178

أما ما ذهب إليه أصحاب المذهبين الآخرين، فيمكن الرد عليهم بما يلي: ١- فيهما مخالفة لإجماع الصحابة والتابعين وأهل القرون المفضلة. ٢- القواعد الإملائية العصرية عُرْضة للتغيير والتبديل في كل عصر، وفي كل جيل، فلو أخضعنا رسم القرآن الكريم لتلك القواعد لأصبح القرآن عرضة للتحريف فيه. ٣- الرسم العثماني لا يُوقع الناس في الحيرة والالتباس؛ لأن المصاحف أصبحت منقوطة مشكلة؛ بحيث وُضعت علامات تدل على الحروف الزائدة، أو الملحقة بدل المحذوفة، فلا مخافة على وقوع الناس في الحيرة والالتباس.

стр. 179

تنبيه: هناك فرق بين كتابة المصاحف الأمهات وبين كتابة الآيات القرآنية في غير المصاحف. فأما بالنسبة لكتابة المصاحف الأمهات: فيجب على المسلم اتباع الرسم العثماني فيها، ولا يجوز لأحد العدول عنه؛ للأدلة والوجوه التي سقناها في تأييد مذهب الجمهور. أما بالنسبة لكتابة الآيات القرآنية في غير المصاحف: ككتابتها في المؤلفات، وكتب التفسير، والرسائل العلمية، والأجزاء المفرقة من القرآن الكريم التي تعد للتعليم سواء كانت للناشئة أو الكبار، فينبغي فيها الالتزام بالرسم العثماني، وهو الأحوط خروجًا عن الخلاف؛ ولكن لا يجب الالتزام بالرسم العثماني فيها؛ بل يجوز أن تكتب بالرسم الإملائي العصري ولا يحرم ذلك١.

стр. 180

الفصل الثالث: الترتيل وركناه المبحث الأول: مفهوم كلمة "الترتيل " مدخل ... الفصل الثالث: الترتيل وركناه المبحث الأول: مفهوم "الترتيل" بين "القراءات" و"الترتيل" صلة قوية؛ لأن القراءات هي: أوجه مختلفة لقراءة كلمات القرآن الكريم، والقرآن نزل بالترتيل، قال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ١، ولا يقرأ إلا بـ"الترتيل"؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ ٢. فما هو "الترتيل" من حيث المعنى والمفهوم؟ وما حكمه؟ - "الترتيل" لغة: هو مصدر "رتل" من باب التفعيل، تقول: رتل فلان كلامه أي: أتبع بعضه بعضًا على مكث وتفهم من غير عجلة، ويقال: كلام رَتِل أي: مرتَّل، وثغر رَتَل أي: مستوي الثنيات، ورجل رَتِل أي: بيَّن الرتل، بمعنى: مفلَّج الأسنان٣. - اصطلاحًا: قراءة القرآن الكريم بتمهل واطمئنان مع تدبر المعاني، ومراعاة أحكام التجويد والوقف. فالترتيل: هي كيفية تلاوة كتاب الله تعالى المنزَّلة منه
следующие страницы →