ويسمى الإدغام ناقصًا؛ لذَهَاب الحروف وبقاء صفته.
- إدغام بغنة كامل، وله حرفان؛ وهما: النون والميم، نحو: ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ، ﴿يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ﴿مِنْ مَالٍ﴾ ، ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ .
ويلحق به إدغام نون التوكيد الخفيفة، الواقع في موضع واحد في القرآن، ورسم تنوينًا، وهو: ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ١ ويسمى الادغام هنا كاملًا؛ لذهاب الحرف وصفته معًا٢.
ب- الادغام بغير غنة: وله حرفان؛ وهما: اللام والراء، نحو:
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ ، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ، ﴿ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ .
ويسمى كاملًا؛ لذهاب الحرف وصفته معًا.
ملاحظة:
إدغام النون الساكنة في أحد حروفه مشروط بأن تكون النون الساكنة في كلمة، وحرف الإدغام في كلمة ثانية -كما مثلنا- ويستثنى من ذلك موضعان:
стр. 247
١- ﴿يس، وَالْقُرْآنِ﴾ .
٢- ﴿نْ وَالْقَلَمِ﴾ .
فإنه يجب فيهما الإظهار -رغم تحقق الشرط- اتباعًا للرواية.
أما لو وقعت النون الساكنة مع حرف الادغام في كلمة واحدة وجب الإظهار، ويسمى إظهارًا مطلقًا، وقد وقعت مع حرفين من حروف الإدغام في كلمة واحدة؛ وهما: الواو الياء، ووقع كل منهما في كلمتين فقط؛ وهي:
اجتماع النون مع الواو: "قنوان، صنوان".
اجتماع النون مع الياء: "الدنيا، بنيانا".
وسبب الإظهار:
١- اتباع الرواية.
٢- مخافة الالتباس المضاعف -الذي يتكرر أحد أصوله- لئلا يلتبس الأمر؛ بينما أصله النون فأدغمت نونه وبينما أصله التضعيف.
قال ابن بري في الدرر اللوامع:
فتظهر النون لواو أو يا ... في نحو قنوان ونحو الدنيا
стр. 248
خيفة أن يشبه في إدغامه ... ما أصله التضعيف لالتزامه١
٣- الإقلاب: وله حرف واحد؛ هو الباء، نحو: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ ، ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ ، ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
ويلحق به نون التوكيد الخفيفة الواقعة في موضع واحد في القرآن الكريم، وقد رسمت تنوينًا، وهو: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ ٢.
وكيفية الإقلاب: أن تخفى الميم المقلوبة عند الباء، مع إظهار الغنة وعدم الضغط على الشفتين عند النطق بالميم ولا فتحهما كليًّا، فيؤدَّى الإقلاب بضم الشفتين بتلطف أو بجعل فرجة خفيفة بينهما، ولا يضبط ذلك إلا بالتلقي مشافهة من أفواه المتقنين.
٤- الإخفاء: وله خمسة عشر حرفًا، وهي بقية حروف التهجي، وقد جمعها صاحب التحفة في أوائل كلم البيت:
"صـ"ف "ذ"ا "ث"ـنا "كـ"ـم "جـ"ـاد "شـ"ـخص "قـ"ـد "سـ"ـما
"د"م "طـ"ـيبا "ز"د "فـ"ـي "تـ"ـقًى "ضـ"ـع "ظـ"ـالما٣
стр. 249
الأمثلة حسب ترتيب الحروف المذكورة في البيت:
ويسمى الإخفاء: حقيقيًّا.
وكيفية أداء الإخفاء: أن يبعد اللسان عن مخرج النون؛ فلا يكون ملصقًا بمخرجه، وتؤدَّى الغنة بقدر حركتين من الخيشوم.
стр. 250
أحكام الميم الساكنة:
ثلاثة:
١- الإخفاء: وله حرف واحد؛ وهو الباء، نحو: ﴿يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ .
ويسمى الإخفاء: شفويًّا؛ لخروج الحرفين من الشفتين١.
وكيفية أداء الإخفاء هنا مثل كيفية أدائه في حالة الإقلاب، فلا ينبغي كز الشفتين ولا المبالغة في فتحهما؛ بل يكون بتلطف.
٢- الإدغام: وله حرف واحد؛ وهو الميم، نحو: ﴿لَهُمْ مَا﴾ .
ويسمى الإدغام: شفويًّا، أو إدغام متماثلين صغير.
٣- الإظهار: وله ستة وعشرون حرفًا؛ أي: جميع حروف الهجاء ما عدا الميم والباء٢.
ويكون الإظهار عند الواو والفاء أشد وآكد، ويسمى الإظهار: شفويًّا.
ومن أمثلة الإظهار:
في كلمة، نحو: ﴿الظَّمْآنُ﴾ ، ﴿أَمْتًا﴾ ، ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ ، ﴿يَمْحَقُ﴾ ، ﴿أَمْرًا﴾ .
стр. 251
في كلمتين، نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ ، ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ ، ﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ .
تقع الميم الساكنة قبل جميع حروف الإظهار في كلمة وفي كلمتين ما عدا ثمانية أحرف؛ حيث تقع قبلها في كلمتين، ولم تجتمع معها في كلمة، والحروف الثمانية جمعها صاحب "العميد" في أوائل كلم البيت:
"صـ"ـل "ذ"ا "غـ"ـرام "فـ"ـيك "قـ"ـبل "جـ"ـنونه
"خـ"ـصمي "ظـ"ـلوم / انتهى بصفاء١
ملاحظات:
١- أحكام الميم الساكنة الثلاثة -التي ذكرناها- مشروطة بأن تقع الميم الساكنة قبل حرف متحرك، نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... ﴾ .
٢- لو وقعت الميم الساكنة قبل ساكن -ولا يكون إلا همزة الوصل- وجب تحريكها -وصلًا- تخلصًا من التقاء الساكنين بإحدى الحركات الثلاث:
- إما بالفتح، نحو: "الم الله" فاتحة آل عمران، فتقرأ هكذا:
стр. 252
المِّيمَ الله، وهو موضع وحيد لا ثاني له في القرآن الكريم١.
- أو بالكسر: وذلك في غير ميم الجمع، نحو: "أم ارتابوا، إن يعلم الله، قم الليل ... ".
- أو بالضم، وذلك بعد الكاف، نحو: ﴿عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ .
أو بعد التاء، نحو: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ .
أو بعد الهمزة، نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا﴾ ولا ثاني لها.
أو بعد الهاء، نحو: ﴿مِنْهُمُ الَّذِينَ﴾ .
٣- إن اتصل ضمير الميم الساكنة وجب صلتها بواو لفظًا وخطًّا، ووصلًا ووقفًا، نحو: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ ، ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ...
стр. 253
أحكام اللام الساكنة:
تقع اللام في أول الكلمة، أو في وسطها، أو في آخرها.
١- في أول الكلمة:
وتختص بالأسماء فقط.
وهي لام "ال" للتعريف، سواء صح تجريدها عن الكلمة، نحو: "المحسنين، الشمس، القمر"، أو لم يصح، نحو: "الله، الذي، التي".
وتنقسم إلى قسمين: الشمسية والقمرية.
أ- الشمسية: وهي التي تُدْغَمُ فيما بعدها وجوبًا، وحروفها أوائل كلمات البيت:
طب ثم صل رحمًا تفز ضف ذا نِعَم ... دع سوء ظن زر شريفًا للكرم
وتسمى شمسية لإدغامها عند النطق بها في لفظ "الشمس".
ب- القمرية: وهي التي تظهر عند حرف من حروف: ابغ حجَّك وخَفْ عقيمه.
وتسمى "قمرية" لظهورها عند النطق بها في لفظ "القمر".
٢- في وسط الكلمة:
يجب إظهارها، سواء وقعت في الاسم، نحو: "سلسبيلا، سلطانا" أو في الفعل، نحو: "قلنا، جعلنا"، ولا تقع في وسط الحروف.
٣- في آخر الكلمة:
تدغم في "اللام" و "الراء" فقط، سواء وقعت في الفعل، نحو: "قل، اجعل"، أو في
стр. 254
الحرف، نحو: "بل، هل"، ولا تقع في آخر الأسماء.
الأمثلة:
﴿قُلْ لَكُمْ﴾ ، ﴿قُلْ رَبِّ﴾ ، ﴿وَاجْعَلْ لِي﴾ ، ﴿بَل لَا تُكْرِمُونَ﴾ ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ ، ﴿فَهَلْ لَنَا﴾ .
وتظهر اللام المتطرفة عند بقية الحروف.
ملاحظة: لحفص في ﴿بَلْ رَانَ﴾ في المطففين سكتة لطفية، والسكت يمنع الإدغام.
لا يوجد مثال لإدغام لام "هل" في "الراء" لعدم وقوع "هل" قبل الراء في القرآن كله.
стр. 255
الإدغام وتقسيماته:
التقسيم الأول:
الإدغام من حيث السبب:
عُرف مما تقدم أن الإدغام صفة من الصفات العارضة ...
والصفات العارضة تتوقف على أسباب، إن وجد سبب لصفة ما اتصف الحرف بها، وإن زال السبب انفكت عن الحرف وتخلفت.
وأسباب الإدغام ثلاثة:
١- التماثل: وهو اتحاد الحرفين اسمًا ورسمًا، أو أتحادهما مخرجًا وصفة؛ كاللام مع اللام.
٢- التجانس: وهو اتحاد الحرفين مخرجًا لا صفة؛ كالدال مع التاء.
٣- التقارب: وهو تقارب الحرفين مخرجًا كالدال مع السين، أو صفة كالشين مع السين، أو مخرجًا وصفة كاللام مع الراء.
وعلى هذا ينقسم الإدغام إلى ثلاثة أقسام:
١- إدغام متماثلين، نحو: "قد دخلوا، اضرب بعصاك، الذي،
стр. 256
التي، الله، من نعمة، لهم ما، ماليه هلك -في وجه-"١.
٢- إدغام متجانسين، نحو: "اركب معنا، قد تبين، يلهث ذلك، قالت طائفة".
٣- إدغام متقاربين، نحو: "قل رب، من لدنه، من ولي، من يقول، من ربك، من مال، الرحمن، الشمس".
التقسيم الثاني:
الإدغام من حيث قلة عمليته وكثرتها:
الحرفان المدغمان إما أن يكونا متحركين، أو يكون الأول ساكنًا والثاني متحركًا.
وعلى هذا ينقسم الإدغام إلى قسمين:
١- الصغير: وهو أن يكون الحرف الأول ساكنًا والثاني متحركًا، نحو: "منْ يَقول".
سمي صغيرًا لقلة عملية الإدغام، وهذا النوع هو المهم في رواية الإمام حفص لكثرته.
٢- الكبير: وهو إدغام متحرك في متحرك، نحو: "يعلم ما"٢.
وسمي كبيرًا لكثرة عملية الإدغام فيه؛ حيث يسكن الحرف
стр. 257
الأول ثم يدغم في الثاني، ولا يوجد هذا النوع من الإدغام في رواية الإمام حفص إلا في كلمة ﴿لا تَأْمَنَّا﴾ على وجه الإشمام فقط، ولا إدغام فيها على وجه الاختلاس، وكلمة ﴿مَكَّنِّي﴾ ١ وهي تقرأ بنون واحدة مشددة مكسورة.
التقسيم الثالث:
الإدغام من حيث الكمال والنقصان:
الحرف المدغم إما أن يكون مدغمًا في الثاني ذاتًا وصفة، أو ذاتًا لا صفة، أوذاتا لا صفة، وعلى هذا ينقسم الإدغام إلى قسمين:
١- الإدغام الكامل: وهو أن يُدغم الحرف الأول في الثاني ذاتًا وصفة، نحو: "من لدنه، من ربك، فما ربحت تجارتهم، قد تبين، اركب معنا، نخلقكم -على وجه-".
ومنه على قول المحققين: "من نعمة، من مال، لهم ما".
سمي كاملًا لذَهَاب الحرف ذاتًا وصفة؛ بحيث لم يبقَ أثر للحرف المدغم.
٢- الإدغام الناقص: وهو أن يدغم الحرف الأول في الثاني ذاتًا لا صفة، نحو: "من يقول، من ولي، بسطتَّ، أحطتُّ، نخلقكم -على وجه-".
стр. 258
التقسيم الرابع:
الإدغام من حيث الغنة وعدمها:
إذا كان الإدغام من قبيل إدغام النون الساكنة والتنوين، أو الميم الساكنة، فهو ينقسم إلى قسمين:
١- الإدغام بغنة: وهو أن تظهر الغنة في النطق مصحوبًا به.
وحروفه -في النون الساكنة والتنوين- أربعة: ينمو، نحو: "من يقول، من نعمة، من مال، من ولي".
وفي الميم الساكنة: حرف واحد؛ وهو الميم، نحو: "لهم ما".
٢- والإدغام بغير غنة: وهو ألا تظهر الغنة في النطق، وله -في النون الساكنة التنوين- حرفان؛ وهما: اللام والراء، نحو: "من لدنه، من ربك".
وبقية أنواع الإدغام مع بقية الحروف كلها بغير غنة؛ حيث لا توجد الغنة إلا في النون والميم فقط.
стр. 259
أنواع الصفات العارضة غير المتضادة:
يتلخص مما سبق من الكلام حول الصفات الأربع: الإظهار والإدغام والإخفاء والإقلاب، أن كل واحدة منها -ما عدا الإقلاب- تنقسم إلى أقسام، وفيما يلي نذكر أنواعها بالإيجاز دون إعادة تعاريفها:
أولًا: الإظهار: وينقسم إلى خمسة أقسام:
١- الإظهار الحلقي: وهو ما يتعلق بالنون الساكنة والتنوين.
٢- الإظهار الشفوي: وهو ما يتعلق بالميم الساكنة.
٣- الإظهار المطلق: ويتعلق بالنون والميم الساكنتين.
٤- الإظهار القمري: ويتعلق بلام "ال" للتعريف.
٥- إظهار اللام الساكنة "متوسطة ومتطرفة".
ثانيًا: الإدغام: وينقسم إلى أربعة أقسام:
١- الإدغام من حيث السبب، وتحته ثلاثة أنواع:
أ- المتماثلين.
ب- المتجانسين.
ج- المتقاربين.
٢- الإدغام من حيث قلة عمليته أو كثرتها، وينقسم إلى قسمين:
أ- الصغير.
ب- الكبير.
стр. 260
٣- الإدغام من حيث الكمال والنقصان، وينقسم إلى قسمين:
أ- الكامل.
ب- الناقص.
٤- الإدغام من حيث الغنة وعدمها، وينقسم إلى قسمين:
أ- الإدغام بغنة.
ب- والإدغام بغير غنة.
ثالثًا: الإخفاء: وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- الإخفاء الحقيقي: وهو ما يتعلق بالنون الساكنة والتنوين.
٢- الإخفاء الشفوي: وهو ما يتعلق بالميم الساكنة.
٣- الإخفاء المصحوب بالغنة: وهو ما يتعلق بالإقلاب.
стр. 261
المبحث الثالث: شرح الركن الثاني معرفة الوقوف
تعريف الوقوف لغة واصطلاحا
...
المبحث الثالث: الركن الثاني معرفة الوقوف
تعريف الوقف: لغة واصطلاحا
لغة: الكف والحبس، يقال: أوقفت الدابة؛ أي: حبستها.
واصطلاحًا: عبارة عن قَطْعِ الصوت عند آخر كلمة، زمنًا -يقدر بحركتين- يتنفس فيه عادة، بنية استئناف القراءة، لا بنية الإعراض عنها.
ويكون الوقف في رءوس الآيات، أو في أوساطها، ولا يجوز في أوساط الكلمات، ولا فيما اتصل رسمًا، نحو: "أينما، إنما، ألا ... ".
стр. 262
نشأة علم الوقف وأهميته:
الأصل في الوقف ما ورد عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثم يقف١.
فالوقف والاهتمام به ثابت عن الرسول ﷺ وكان الصحابة ﵃ يهتمون به عند القراءة، ويتناقلونه مشافهة، ويتعلمونه كما يتعلمون القراءة،
стр. 263
وقد ذكر ابن الجزري أثرًا عن ابن عمر ﵁ حيث قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره ولا زجره وما ينبغي أن يوقف عنده"١.
وهذا الأثر دليل على اهتمام الصحابة بالوقف؛ بل هو دليل على اجماعهم عليه.
وقد ذكر ابن الجزري أثرًا عن علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ أنه قال: "هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف"٢.
وقال ابن الجزري:
"وصح -بل تواتر- عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح ... وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب"٣.
وقد حض الأئمة على تعلمه ومعرفته والاعتناء به، واشترط كثير من العلماء على المجيز ألا يجيز أحدًا إلا بعد معرفته الوقف الابتداء؛ لأن به تُعرف معاني القرآن، ولا يمكن استنباط الأدلة الشرعية إلا بمعرفة الفواصل٤.
стр. 264
بداية التأليف فيه:
لقد استمر السلف الصالح في الصحابة والتابعين يتناقلون مسائل هذا العلم مشافهة إلى أن جاء عصر التدوين، فبدأ العلماء بالتدوين والتأليف فيه.
وفيما يلي نذكر بعض الكتب المؤلَّفة فيه:
١- كتاب "الوقف والابتداء" لضرار بن صرد المقرئ الكوفي "ت١٢٩هـ"١.
٢- كتاب "الوقوف" لشيبة بن نصاح المدني الكوفي "ت١٣٠هـ". قال ابن الجزري: "هو أول مَن ألف في الوقوف"٢.
٣- كتاب "الوقف والابتداء" لأبي عمرو بن العلاء "ت١٥٤هـ" من القراء السبعة.
٤- "الوقف والابتداء" لحمزة بن حبيب الزيات الكوفي "ت١٥٦هـ" من القراء السبعة.
стр. 265
٥- "وقف التمام" لنافع بن عبد الرحمن المدني "ت١٦٩هـ" من القراء السبعة.
وهناك كتب أخرى كثيرة عدَّها محقق كتاب: المكتفي في الوقف والابتداء للإمام أبي عمرو الداني "ت٤٤٤هـ" في مقدمة تحقيقه، وأوصلها إلى ٧٨ مؤلَّفًا في علم الوقف١.
ومما يلفت الانتباه أن كل من ألف في الوقف والابتداء كان من كبار القراء والنحويين واللغويين، وقلما نجد إمامًا في القراءة أو اللغة لم يشارك بالتصنيف في هذا العلم؛ فقد شارك فيه من القراء السبعة: نافع المدني، وأبو عمرو البصري، وحمزة الزيات الكوفي، والكسائي، كما شارك فيه من القراء العشرة: يعقوب الحضرمي "ت٢٠٥هـ"، وخلف بن هشام "ت٢٢٩هـ".
ومن قراء الشواذ: يحيى اليزيدي "ت٢٠٢هـ".
ومن النحويين: أبو جعفر الرؤاسي "ت١٧٠هـ" أستاذ الكسائي والفراء.
ويحيى بن زياد الفراء "ت٢٠٨هـ" ومعمر بن المثنى "ت٢١٠هـ"، والأخفش سعيد بن مسعدة "ت٢١٥هـ" وأبو حاتم السجستاني "ت٢٤٨هـ" وغيرهم، كما أن لرواة القراء السبعة مشاركة بالتصنيف في هذا العلم كذلك.
ولكن أغلب مؤلفاتهم مفقود، وأقدم ما وصلنا من الكتب المؤلفة في هذا العلم كتاب: الإيضاح في الوقف والابتداء لابن الأنباري "ت٣٢٨هـ"، وكتاب: "القطع والاستئناف" لابن النحاس "ت٣٣٨هـ"، كلاهما محقق ومطبوع٢.
стр. 266
أنواع الوقف عمومًا:
الوقف ثلاثة أنواع:
١- وقف الفقهاء.
٢- وقف النحويين.
٣- وقف القراء.
١- وقف الفقهاء:
هو حَبْسُ مال أو عِقَار أو أي شيء يمكن الانتفاع به لجهة معينة.
ودليل مشروعيته قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ... ﴾ ١.
٢- وقف النحويين:
هو قطع النطق عند آخر الكلمة، والوقف عليها بصورة معينة؛ نحو قولك: "رأيت زيدًا" فتقف وتقول: رأيت زيدًا، أو زيدَ، أو زيدْ.
стр. 267
٢- وقف القراء:
وهو المقصود هنا، وقد سبق تعريفه لغة واصطلاحًا.
وينقسم إلى أربعة أقسام:
١- اضطراري:
وهو ما يعرض للقارئ بسبب ضيق نَفَس ونحوه كعجز ونسيان، فله أن يقف على أي كلمة شاء؛ لكن يجب الابتداء بالكلمة الموقوف عليها إن صح الابتداء بها، نحو: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن وقف على "هدى" لا يبتدئ بها، بل يبتدئ بـ"على هدى ... ".
٢- انتظاري:
وهو أن يقف على مقطعة معينة من الجملة التامة؛ ليعطف عليها وجهًا آخر لقارئ نفسه، أو لراوٍ آخر من راويي قارئ واحد، فيكمل بقية الآية، وذلك عند جمع القراءات والروايات.
٣- اختباري:
وهو ما يتعلق بالرسم لبيان المقطوع والموصول، والثابت والمحذوف ونحوه، ولا يُوقف عليه إلا لحاجة؛ كسؤال ممتحن، أو تعليم مبتدئ لكيفية الوقف؛ كالوقف على التاء المجرورة أو المربوطة "سنت الله - سنة الله"، فيوقف على المجرورة بإثباتها، وعلى المربوطة بإبدالها هاءً.
стр. 268
٤- اختياري:
وهو ما يقصده القارئ لذاته من غير عروض سبب من الأسباب المتقدمة، وهو على أربعة أقسام: التام، الكافي، الحسن، القبيح.
والأخير يذكر كتتمة للأقسام ليعرفه القارئ فيتحرز منه.
١- التام:
هو الوقف على ما تم معناه ولم يتعلق بما بعده، لا لفظًا ولا معنًى، وأكثر ما يوجد هذا النوع في رءوس الآي، وعند انقضاء القصص واختتام السور؛ كالوقف على: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
وقد يكون قبل انقضاء الآية، نحو: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ وقد يكون في وسط الآية، نحو: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ .
حكمه: يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده.
٢- الكافي:
هو الوقف على ما تم معناه وتعلق بما بعده معنًى لا لفظًا.
كالوقف على: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقد يتفاضل هذا النوع من الوقف في الكفاية؛ فالوقف على ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كافٍ، وعلى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أكفي منه، وعلى ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أكفي منهما.
стр. 269
حكمه: يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده.
٣- الحسن:
هو الوقف على ما تم معناه وتعلق بما بعده لفظًا ومعنًى؛ كالوقف على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ من بداية الفاتحة، أو على ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
حكمه:
إن كان رأس آية، نحو: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو نحو: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده؛ بل هو سُنة، كما ذكر في الحديث أنه ﷺ كان يقطع قراءته آية آية.
وإن لم يكن رأس آية، نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيجوز الوقف عليه، ولا يجوز البدء بما بعده؛ بل عليه أن يعيد من بداية الجملة ويصلها بما بعدها.
وكذلك لا يحسن الابتداء بكل تابع دون متبوعه.
٤- القبيح:
هو الوقف على ما لم يتم معناه، وتعلق بما بعده لفظًا ومعنًى.
كالوقف على المضاف دون المضاف إليه، والمبتدأ دون الخبر، أو الفعل دون فاعله؛ كالوقف على "الحمد" من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، أو على "بسم" من ﴿بِسْمِ اللَّهِ ... ﴾ ، أو على "رب" من ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وهكذا كل ما لم يُفهم منه معنى.
стр. 270
حكمه:
لا يجوز تعمده إلا لضرورة؛ كانقطاع نَفَس أو عطاس أو نحو ذلك، وكذلك لا يجوز الابتداء ما بعده؛ بل بما قبله حتمًا.
-وأقبح القبيح:
الوقف والابتداء الموهمان خلاف المعنى المراد؛ كالوقف على "لا يستحيي" من ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... ﴾ أو الوقف على "لا إله" من ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ .
فمن وقف على مثل ذلك اختيارًا كان آثمًا، ومن تعمد معناه كان خارجًا عن الإسلام، والعياذ بالله.
ملاحظة:
الوقف في ذاته لا يوصف بوجوب ولا حرمة، ولا يوجد في القرآن وقف واجب يأثم القارئ بتركه، ولا حرام يأثم بفعله؛ إنما يتصف بالوجوب أو الحرمة حسب ما يعرض له من قصد إيهام خلاف المراد.
قال الإمام ابن الجزري:
وليس في القرآن من وقف وجب ... ولا حرام غير ما له سبب١
وقف المتكلف:
قد يتكلف البعض من القراء والمعربين في الوقف؛ فيخترع أنواعًا من الوقف يأباها سياق كتاب الله العزيز.
стр. 271
بعض رموز الأوقاف:
م: تعني الوقف اللازم.
وهو لزوم الوقف على ما تم معناه، فإن لم يوقف عليه أوهم غير المعنى المراد، وهو على ثلاثة أقسام:
١- التام: نحو الوقف على: "فلا يحزنك قولهم -م- إنا نعلم ما يسرون ... ".
٢- الكافي: نحو الوقف على: "وما هم بمؤمنين -م- يخادعون الله".
٣- الحسن: نحو الوقف على: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق -م- إذ قربا قربانا ... "١.
... - ... : أي وقف المعانقة أو المراقبة.
وهو الوقف على أحد الموضعين، فإن وقف على موضع لا يقف على ثانيهما، نحو: "ذلك الكتاب لا ريب ... فيه ... هدى للمتقين".
صلي: أي يجوز الوقف، والوصل أولى.
قلي: أي يجوز الوصل، والوقف أولى.
ج: يجوز الوقف.
ط: الوقف المطلق.
стр. 272
كيفية الوقف:
كيفية الوقف على ثلاثة أقسام:
١- بالسكون المحض: ويجوز على السواء على الموقوف عليه: المرفوع، والمنصوب، والمجرور، نحو: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
٢- بالإشمام: هو ضم الشفتين بعيد الوقف بالسكون، ولا يجوز إلا على المرفوع نحو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
٣- بالروم: وهو الإتيان ببعض الحركة، وقُدِّر بثلثيها؛ بحيث يسمعه القريب ولا يسمعه البعيد، ولا يجوز إلا في المرفوع والمجرور، نحو: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، ﴿نَسْتَعِينُ﴾ .
الوقف بالإشمام وبالروم يتعلقان بالسماع من أفواه المشائخ المتقنين مشافهة.
إذا كان الموقوف عليه منونًا بالنصب، نحو: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ وقف عليه بإبدال التنوين ألفًا، ويسمى مد عوض.
إذا كان الموقوف عليه "ة" المربوطة وقف عليها بإبدالها هاءً، نحو: ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ .
стр. 273
بعض الكتب المطبوعة في الوقف والابتداء:
١- الإيضاح في الوقف والابتداء، لابن الأنباري "ت٣٢٨هـ" طبع بتحقيق د/ محيي الدين رمضان عام ١٣٩١هـ.
٢- القطع والاستئناف، لابن النحاس "ت٣٣٨هـ"، طبع بتحقيق د/ أحمد خطاب العمر عام ١٣٩٨هـ.
٣- المتكفي في الوقف والابتداء، لأبي عمرو الداني "ت٤٤٤هـ".
طبع بتحقيق د/ يوسف المرعشلي، عام ١٤٠٤هـ.
٤- المقصد لتلخيص ما في المرشد، لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري "ت٩٢٦هـ"، طبع عدة مرات.
٥- منار الهدى في الوقف والابتداء، للأشموني "من أعيان القرن الحادي عشر الهجري"، طبع عدة مرات.
стр. 274
السكت والقطع:
أولًا: تعريف السكت
لغة:
المنع.
واصطلاحًا:
قطع الصوت زمنًا -دون زمن الوقف- من غير تنفس، بنية العود إلى القراءة في الحال.
وله حالتان:
١- يكون في وسط الكلمة، نحو: القرآن.
٢- ويكون في آخر الكلمة-وصلا- نحو: "من آمن، بل ران".
وأكثره وقوعًا على الساكن قبل الهمز، سواء كان الساكن صحيحًا، نحو: "من آمن، القرآن".
стр. 275
أو شبه صحيح -وهو حرف لين- نحو: "خلوا إلى، كهيئة الطير".
أوحرف مد، نحو: "قالوا آمنا، لا يمسهم السوء".
وقد ورد السكت -عمومًا- عن الإمام حفص عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر، وإدريس عن خلف العاشر على الساكن قبل الهمز -ما لم يكن حرف مد- في أحد الوجهين عنهم، من طريق طيبة النشر.
أما السكت من طريق الشاطبية، فقد ورد عن الإمام حمزة بخلف عن خلاد في بعض الصور، وعن حفص عن عاصم في بعض المواضع.
مواضع السكت -لحفص عن عاصم- من طريق الشاطبية:
ورد السكت عن الإمام حفص -وصلًا- في أربعة مواضع بالاتفاق، وفي موضعين بالخلاف:
أ- المواضع الأربعة المتفق عليها:
١- على الألف المبدلة من التنوين في كلمة "عوجا" من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ ١.
٢- على الألف من كلمة "مرقدنا" في قوله تعالى:
стр. 276
﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ١.
٣- على النون من كلمة "من" في قوله تعالى: ﴿قِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ٢.
٤- على اللام من كلمة "بل" في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٣.
يكون السكت في الموضعين الأولين في حالة الوصل فقط، ولا يكون في حالة الوقف، فالقارئ مخير بين أحد الأمرين:
١- إما أن يقف على الكلمة الأولى ويتنفس، فلا يكون السكت، ويبدأ بالكلمة التي بعدها.
٢- أو يصل الكلمة الأولى بما بعدها، ولا يقف، فيتحتم عليه السكت.
أما الموضع الثالث والرابع: فيتحتم السكت فيهما؛ لعدم جواز الوقف عليهما.
ب- موضعي السكت بالخلاف:
١- بين سورتي الأنفال والتوبة، على حرف الميم من "عليم" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ
стр. 277
وَرَسُولِهِ ... ﴾ ١.
٢- على الهاء من "ماليه" في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٢.
والسكت في الموضعين مرتبط بحالة الوصل فقط.
فائدة:
انفرد حفص في وجه السكت على المواضع الأربعة المتفق عليها، فلم يشاركه فيها أحد من القراء العشرة.
أما الموضعان المختلَف فيهما، فقد شاركه فيهما باقي القراء العشرة في أحد الوجهين عنهم، ما عدا حمزة ويعقوب في موضع "الحاقة"؛ حيث يقرآن بحذف الهاء وصلًا وإثباتها ساكنة وقفًا.
стр. 278
ثانيًا: تعريف القطع
لغة:
الإبانة والإزالة، تقول: قطعت الشجرة إذا أبنتها وأزلتها.
واصطلاحًا:
قطع القراءة رأسًا؛ أي: الانتهاء منها.
ولا يكون إلا في أواخر السور، أو أواخر الآيات، وهو ما يسمى بـ"رءوس الآي".
فإذا عاد القارئ إلى التلاوة مرة ثانية يستحب له الإتيان بالاستعاذة.
стр. 279
الفرق بين الوقف والسكت والقطع:
اتضح من تعريف كل من: الوقف، والسكت، والقطع، أن هناك فروقًا بينها؛ وهي:
١- الوقف والسكت يكونان بنية استئناف القراءة، والقطع يكون بنية الإعراض عنها.
٢- الوقف والقطع يكونان بالتنفس، ولا تنفس في حالة السكت.
٣- مقدار السكوت في الوقف حركتان، وفي السكت أقل من حركتين.
٤- تستحب الاستعاذة بعد القطع، ولا استعاذة في الوقف والسكت.
قد يطلق "الوقف" ويراد به القطع كذلك.
стр. 280
الفصل الرابع: توجيه القراءات
المبحث الأول: التعريف بعلم الاحتجاج وتأريخه
مدخل
...
الفصل الرابع: توجيه القراءات
المبحث الأول: التعريف بعلم الاحتجاج وتأريخه
الاحتجاج للقراءات:
تعريف "الاحتجاج":
"الاحتجاج" لغة:
مصدر "احتج" من باب "الافتعال"، وأصله من: الحجة، بمعنى: الدليل والبرهان١.
يقال: احتج عليه؛ أي: أقام الحجة عليه.
واصطلاحًا:
علم يبحث فيه عن ماهية القراءات ببيان عللها وتوجيهها من حيث اللغة والإعراب.
وقد يطلق عليه "علم علل القراءات"، وهو علم يتعلق بدراية القراءات؛ ويعني ذلك: أنه لماذا اختار القارئ قراءة معينة من بين القراءات الكثيرة التي صحت لديه وكان يتقنها؟
فقد يكون هذا الوجه تعليلًا نحويًّا أو لغويًّا، وقد يكون معنويًّا أو نقليًّا، يراعي القارئ فيه أخبارًا وأحاديث استأنس بها في اختياره.
فـ"الاحتجاج" معناه: تعليل الاختيار وبيان وجهه من حيث اللغة والإعراب.
وهذا لا يعني دليل صحة القراءة؛ لأن دليل القراءة صحة إسنادها وتواترها، فهي صحيحة لتواترها أو شهرتها واستفاضتها أو لصحة إسنادها -إن كانت من الآحاد- لا لعلة اختيار قارئ لها٢.
و"الاحتجاج" يشمل: القراءات المتواترة والشاذة، فقد احتج العلماء لقسميها وألَّفوا فيهما مؤلَّفات.
стр. 281
الاختيار ومفهومه:
وهنا -يحلو لي- أن أسعفك بمفهوم "الاختيار" لدى القراء بالإيجاز.
لقد علمنا -سابقًا- أن القراءات وحي منزَّل من الله .
وعلمنا أن الصحابة تعلموا القرآن بالأحرف المنزلة من الرسول ﷺ .
وكان كل واحد منهم يقرأ الحرف الذي أخذه منه ﷺ فالتزمه وداوم عليه؛ ولذلك نسبت بعض الأحرف إلى بعض الصحابة، فيقال: حرف أُبي، وحرف ابن مسعود ...
ثم جاء دور التابعين، وأخذوا القرآن ممن لقوا من الصحابة؛ فتعددت الأحرف لديهم.
ثم جاء دور تلامذتهم، وقد توسعوا في أخذ الأحرف وتلقيها من أساتذتهم من التابعين، فاختاروا بعض ما تعلموه
стр. 282
وداوموا على تلاوته والتزموه، وكان هذا العصر هو عصر الأئمة القراء، وقد اشتهروا بتعليم كتاب الله تعالى، فأقرءوا بعض تلامذتهم بما التزموه، والبعض الآخرين بما يتلاءم وطبائعهم حسب اللغة واللهجة التي درجوا عليها، ولم يُقرئوهم باجتهادهم؛ بل بما تعلموه من أساتذتهم بالأسانيد المتصلة إلى الرسول ﷺ ويتبين من ذلك أن كلمة: "الاختيار" لا تعني إجراء قياس واجتهاد في القراءات القرآنية؛ بل المقصود منها اختيار بعض ما رووه من الأحرف دون البعض عند التعليم والإقراء.
стр. 283
أسباب الاختيار:
لماذا اختاروا ولم يقرءوا بكل ما تعلموه؟
لذلك سببان:
١- الترجيح بين الروايات، واختيار أشهرها وأكثرها رواة؛ لأنهم كانوا يتتبعون ما عليه الأكثر، ويتجنبون ما انفرد به بعض الرواة، وشذ به واحد، فهذا الإمام نافع طلب السماع والتلقي من أكثر الشيوخ، حتى سمع من سبعين من التابعين؛ لكنه لم يقرئ بكل ما سمعه من شيوخه؛ بل قال: "فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءة
стр. 284
في هذه الحروف"١، وهكذا تجد غيره مثله.
٢- التخفيف على تلاميذهم، واختيار ما يناسب بعضهم دون بعض، حسبما يتفرس الشيخ فيهم، أو حسبما هو المشهور من القراءات في بلد التلميذ ومصره، فيؤثر بعض التلاميذ بحروف، والبعض الآخرين بحروف أخرى، وربما قرأ عليه تلميذه بما هو معروف لديه في بلده فيسمعه الشيخ ويقره إذا وافق بعض مروياته٢.
هذه هي حكاية "الاختيار"، وهكذا كانت بدايته.
ثم توجه القراء واللغويون بعد ذلك إلى بيان علل هذه الاختيارات، وبدءوا يقيمون حججًا لغوية ونحوية عليها يؤيدون بها ما ذهبوا إليه من الاختيار، وذلك الذي أطلقوا عليه فيما بعد اسم: "علم الاحتجاج" أو "توجيه القراءات"، وهذا العلم في الحقيقة يعتبر ثمرة من ثمرات علوم اللغة العربية التي اشتغل العلماء بها خدمة للقرآن الكريم.
وكان "الاحتجاج" بالقراءات -لدى القدامى- لإثبات قواعد النحو وعلم اللغة؛ ولكن لدى قلة من اللغويين وبقدر محدود.
стр. 285
أما "الاحتجاج" للقراءات بقواعد النحو وشواهد اللغة فكثير، وإن كان ذلك عكسًا للوضع الصحيح -في الحقيقة- فالمفروض أن يحتج للنحو ومذاهبه وقواعده وشواهده بالقراءات -سواء المتواترة أو الآحاد، ما دام ثبتت بالأسانيد الصحيحة- لما توافر لها من الضبط والوثوق والدقة والتحري، وذلك شيء لم يتوافر بعضه لأوثق شواهد النحو١.
يقول الإمام الفخر الرازي:
"إذا جوَّزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أَوْلَى، وكثيرًا ما ترى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقها دليلًا على صحتها فلأن يجعلوا القرآن دليلًا على صحتها كان أَوْلَى"٢.
وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربية؛ بل