الاختيار ومفهومه:
وهنا -يحلو لي- أن أسعفك بمفهوم "الاختيار" لدى القراء بالإيجاز.
لقد علمنا -سابقًا- أن القراءات وحي منزَّل من الله .
وعلمنا أن الصحابة تعلموا القرآن بالأحرف المنزلة من الرسول ﷺ .
وكان كل واحد منهم يقرأ الحرف الذي أخذه منه ﷺ فالتزمه وداوم عليه؛ ولذلك نسبت بعض الأحرف إلى بعض الصحابة، فيقال: حرف أُبي، وحرف ابن مسعود ...
ثم جاء دور التابعين، وأخذوا القرآن ممن لقوا من الصحابة؛ فتعددت الأحرف لديهم.
ثم جاء دور تلامذتهم، وقد توسعوا في أخذ الأحرف وتلقيها من أساتذتهم من التابعين، فاختاروا بعض ما تعلموه
стр. 282
وداوموا على تلاوته والتزموه، وكان هذا العصر هو عصر الأئمة القراء، وقد اشتهروا بتعليم كتاب الله تعالى، فأقرءوا بعض تلامذتهم بما التزموه، والبعض الآخرين بما يتلاءم وطبائعهم حسب اللغة واللهجة التي درجوا عليها، ولم يُقرئوهم باجتهادهم؛ بل بما تعلموه من أساتذتهم بالأسانيد المتصلة إلى الرسول ﷺ ويتبين من ذلك أن كلمة: "الاختيار" لا تعني إجراء قياس واجتهاد في القراءات القرآنية؛ بل المقصود منها اختيار بعض ما رووه من الأحرف دون البعض عند التعليم والإقراء.
стр. 283
أسباب الاختيار:
لماذا اختاروا ولم يقرءوا بكل ما تعلموه؟
لذلك سببان:
١- الترجيح بين الروايات، واختيار أشهرها وأكثرها رواة؛ لأنهم كانوا يتتبعون ما عليه الأكثر، ويتجنبون ما انفرد به بعض الرواة، وشذ به واحد، فهذا الإمام نافع طلب السماع والتلقي من أكثر الشيوخ، حتى سمع من سبعين من التابعين؛ لكنه لم يقرئ بكل ما سمعه من شيوخه؛ بل قال: "فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءة
стр. 284
في هذه الحروف"١، وهكذا تجد غيره مثله.
٢- التخفيف على تلاميذهم، واختيار ما يناسب بعضهم دون بعض، حسبما يتفرس الشيخ فيهم، أو حسبما هو المشهور من القراءات في بلد التلميذ ومصره، فيؤثر بعض التلاميذ بحروف، والبعض الآخرين بحروف أخرى، وربما قرأ عليه تلميذه بما هو معروف لديه في بلده فيسمعه الشيخ ويقره إذا وافق بعض مروياته٢.
هذه هي حكاية "الاختيار"، وهكذا كانت بدايته.
ثم توجه القراء واللغويون بعد ذلك إلى بيان علل هذه الاختيارات، وبدءوا يقيمون حججًا لغوية ونحوية عليها يؤيدون بها ما ذهبوا إليه من الاختيار، وذلك الذي أطلقوا عليه فيما بعد اسم: "علم الاحتجاج" أو "توجيه القراءات"، وهذا العلم في الحقيقة يعتبر ثمرة من ثمرات علوم اللغة العربية التي اشتغل العلماء بها خدمة للقرآن الكريم.
وكان "الاحتجاج" بالقراءات -لدى القدامى- لإثبات قواعد النحو وعلم اللغة؛ ولكن لدى قلة من اللغويين وبقدر محدود.
стр. 285
أما "الاحتجاج" للقراءات بقواعد النحو وشواهد اللغة فكثير، وإن كان ذلك عكسًا للوضع الصحيح -في الحقيقة- فالمفروض أن يحتج للنحو ومذاهبه وقواعده وشواهده بالقراءات -سواء المتواترة أو الآحاد، ما دام ثبتت بالأسانيد الصحيحة- لما توافر لها من الضبط والوثوق والدقة والتحري، وذلك شيء لم يتوافر بعضه لأوثق شواهد النحو١.
يقول الإمام الفخر الرازي:
"إذا جوَّزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أَوْلَى، وكثيرًا ما ترى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقها دليلًا على صحتها فلأن يجعلوا القرآن دليلًا على صحتها كان أَوْلَى"٢.
وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربية؛ بل
стр. 286
تصحيح قواعد العربية بالقراءة١.
وفي ذلك يقول الدكتور/ السيد الطويل:
"القراءة مصدر لتقنين النحو وضبط قواعده، ولا يصح أن تحكم عليها بما قرره النحاة من قواعد على أساس بيت مجهول القائل أو عبارة قالها عربي في البادية"٢.
стр. 287
نشأة الاحتجاج وتطوره:
يبدو لي -والله أعلم- أن الاحتجاج للقراءات نشأ منذ وقت مبكر، ويرجع ذلك إلى عصر صغار الصحابة الذين تلقوا القرآن الكريم من كبارهم، وتعرفوا على القراءات المختلفة والوجوه المتعددة للقراءة.
ومما يدل على ذلك قصة حبر الأمة: عبد الله بن عباس ﵄ فقد ذكر أنه قرأ آية بوجه فاستشهد لها بآية أخرى، والآية التي قرأها هي قوله تعالى: "وانظر إلى العظام كيف ننشرها"١.
قرأها بالراء "المهملة "ننشرها"، ثم احتج لها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٢.
وكأنه بذلك فسر آية "البقرة" بما في سورة "عبس"، واستشهد للوجه الذي قرأ به آية البقرة بالوجه المتفق على قراءته بالراء في سورة عبس.
وهكذا انتقل هذا العلم الجليل -نظير علم القراءات- من صدور الصحابة إلى صدور التابعين من تلاميذهم، وكلما انتشر علم القراءات واشتهر زاد علم الاحتجاج وازدهر.
стр. 288
الاحتجاج في عصر الأئمة القراء:
مِن القراء المشهورين مَن هو تابعي، ومنهم مَن هو مِن أتباعهم، وكان علم الاحتجاج معروفًا لديهم كما كان علم القراءات واللغة والنحو معروفًا لديهم ومنتشرًا فيهم.
ومِن أئمة القراءات مَن هو من أعلام اللغة والنحو؛ أمثال: أبي عمرو بن العلاء، والكسائي، ويعقوب الحضرمي، وغيرهم.
وكان كل قارئ من القراء يختار قراءة من بين القراءات المتعددة، ويفاضل بين القراءة التي يلتزمها وبين التي يعرفها ويتعلمها.
وكانت وجوه المفاضلة متعددة لدى الناس: من حيث وفرة التواتر وعدمه، ومن حيث جلالة الإمام القارئ وقِدَمه، ومن حيث البلدة التي استفاضت قراءته فيها واشتهرت١.
وقد نقل الاحتجاج لبعض القراءات عن أئمتها المشهورين؛ أمثال: عاصم الجحدري "ت١٢٨هـ" وعيسى بن عمر "ت١٤٩هـ"، وأبي عمرو "ت١٥٤هـ" وعلي الكسائي
стр. 289
"ت١٨٩هـ" وغيرهم١.
ويعتبر ذلك تخريجات واحتجاجات فردية لبعض القراءات، ينهج فيها أصحابها نهجًا لغويًّا وإعرابيًّا في الاحتجاج أو يستعينون بقراءة على تخريج قراءة أخرى، واستمر الأمر على ذلك إلى عصر التدوين والتأليف في الاحتجاج٢.
стр. 290
بواعث الاحتجاج للقراءات:
١- منذ أواخر القرن الثاني الهجري اشتد نشاط أعداء الإسلام والحاقدين عليه، وقد أخذ هذا النشاط ينمو حتى قَوِيَ واستحصد في القرن الثالث الهجري، وما تلاه من قرون، حين ارتفعت راية الإسلام على كثير من الأقطار، ودخلت شعوب كثيرة في دين الإسلام بعضها صادق في إيمانه، وبعضها حاقد يعمد إلى شبهات يثيرها حول الكتاب والسنة؛ رغبة في إشباع نهمه في الإلحاد، وإشاعة البلبلة والعبث والفساد، وقد أصاب القراءات شرر من كيد الكائدين في هذه العصور التي شاعت فيها
стр. 291
الزندقة، وتفشاها الإلحاد؛ حيث يثيرون مثل هذه الأسئلة:
ما سند هذه القراءات؟ وما حجتها؟
ولِمَ ذهب ذلك القارئ هذا المذهب؟
وهل له مُعتمَد من اللغة والنحو؟
من هنا تجرد النحاة والقراء -فيما ألَّفوا من كتب في الاحتجاج- للرد على هؤلاء، وآثروا القياس والنظر وأعملوهما فيما هو ثابت بالنقل والأثر؛ حتى يتصدوا للمعاندين ويواجهوهم بأسلحتهم نفسها التي جردوها في وجوه المسلمين وكتابهم المبين.
إذن، فكان من المعاندين نظر وتشكيك في كتاب الله، وكان من المسلمين دفاع عنه وفَهْم متشابهه وتوجيه حروفه وقراءته١.
٢- تطور الاحتجاج للقراءات بعد تسبيع ابن مجاهد؛ حيث بدأ هو بذكر توجيه القراءات في سورة الفاتحة من كتابه "السبعة"، ووجه كل خلاف بعد عزوه إلى قارئه؛ إلا أنه أمسك عن ذلك بعد انتهائه من الكلام في خلافات سورة الفاتحة مخافة التطويل وثقل الكتاب، يقول في "السبعة":
"قال أبو بكر: استطلت ذكر العلل بعد هذه
стр. 292
السورة، وكرهت أن يثقل الكتاب، فأمسكت عن ذلك، وأخبرت بالقراءة مجردة"١.
وكأن ابن مجاهد أثار بذلك موضوع الاحتجاج وبيان القراءات؛ ومن ثَمَّ نرى تلامذته ومعاصريه بدءوا بالتأليف في الاحتجاج، وأغلب المؤلفات في علم الاحتجاج أُلفت بعد ابن مجاهد في القرن الرابع الهجري، فنرى أن علم الاحتجاج أصبح ظاهرة من ظواهر التأليف في القراءات، فقد ذكر ابن النديم وغيره أناسًا كثيرين ممن ألفوا في الاحتجاج في هذا القرن٢.
стр. 293
التدوين في الاحتجاج:
لا يُعرف بالتحديد بداية التأليف في علم الاحتجاج، وإن كان بعض العلماء بدأ يحتج بالقراءات وللقراءات، ويستشهد بها ولها في مؤلفاته، كما فعل ذلك إمام النحو سيبويه "ت١٨٠هـ" في كتابه، وسواء كان هذا منهجًا انتهجه لنفسه أو كان استقاه من منهج شيخه الخليل بن أحمد؛ إلا أنه لا يعتبر تأليفًا -بالمعنى الدقيق- في الاحتجاج وتدوينًا لمادته، وإن كان تعرض له ضمنًا.
стр. 294
يرى الدكتور/ محمد سالم محيسن أن أوَّل من ألف في الاحتجاج هو أبو بكر محمد بن السراج "ت٣١٦هـ"١.
ويرى الدكتور/ عبد الفتاح شلبي أن التدوين في الاحتجاج بدأ في القرن الثاني الهجري، ويعد ممن ألف في هذا القرن:
١- هارون بن موسى الأعور "ت: قبل سنة ٢٠٠هـ" الذي قال عنه أبو حاتم السجستاني: "إنه أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألَّفها وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده". والبحث عن الإسناد ضرب من الاحتجاج.
٢- يعقوب بن إسحاق الحضرمي "ت٢٠٥هـ" أحد القراء العشرة، وقد ألف كتابًا سماه: الجامع، جمع فيه عامة اختلاف وجوه القرآن، ونسب كل حرف إلى من قرأ به، وكان هو أعلم أهل زمانه بالاختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه ... ٢.
ويرى الدكتور/ شلبي أن علمهما يكون جمعًا بين القراءات المتواترة والشاذة كما كان من قِبَل أبي عبيد القاسم بن سلام حيث جمع خمسا وعشرين قراءة٣.
стр. 295
الكتب المؤلَّفة في الاحتجاج:
لقد أُلفت في علم الاحتجاج كتب كثيرة؛ منها:
١- كتاب "احتجاج القراءة" لمحمد بن زيد المبرد "ت٢٨٥هـ"١.
٢- كتاب "احتجاج القراءة" لتلميذ المبرد أبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج "ت٣١٦هـ" أتم فيه سورة الفاتحة وجزءًا من سورة البقرة ثم أمسك٢.
٣- كتاب "الاحتجاج للقراء" لأبي محمد بن عبد الله بن جعفر المعروف بابن درستويه "ت٣٤٧هـ"٣.
٤- كتاب "الفصل بين أبي عمرو والكسائي" لأبي طاهر عبد الواحد البزار "ت٣٤٩هـ".
стр. 296
ويسبق إلى الذهن أنه لا بُدَّ أن يستعين في فصله بينهما بالنحو وقواعده.
٥- كتاب "الانتصار لحمزة" للمؤلف السابق١، وعنوان الكتاب يُوحي أنه من كتب الاحتجاج.
٦- كتاب "السبعة بعللها الكبير" لأبي بكر محمد بن الحسن الانصاري "ت٣٥١هـ"٢.
٧- كتاب "احتجاج القراءات" لأبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم العطار "ت٣٦٢هـ"، ألَّفه بعد وفاة ابن مجاهد.
٨- كتاب "السبعة بعللها الكبير" للمؤلف السابق٣.
٩- كتاب "الحجة في علل القراءات السبع" للحسين بن أحمد بن خالويه "ت٣٧٠هـ".
وقد طبع باسم "الحجة في القراءات السبع" بتحقيق الدكتور/ عبد العال سالم مكرم.
١٠- كتاب "الحجة في علل القراءات السبع" لتلميذ ابن مجاهد أبي علي الفارسي "ت٣٧٧هـ".
стр. 297
وهو يعتبر شرحًا لكتاب "السبعة" لشيخه ابن مجاهد١.
١١- "المحتسب في تبيين وجوه القراءات الشاذة وإيضاحها" لتلميذ الفارسي أبي الفتح عثمان بن جني "ت٣٩٢هـ"، وقد ذكر فيه علل القراءات التي لم تبلغ درجة التواتر٢.
١٢- كتاب "حجة القراءات" لأبي زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، وهو من رجال القرن الرابع الهجري٣.
١٣- كتاب "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" لمكي بن أبي طالب القيسي "ت٤٣٧هـ"، ويعتبر كتابه هذا شرحًا لكتابه "التبصرة" في القراءات السبع٤.
ثم أُلفت بعد ذلك كتب كثيرة في الاحتجاج.
أما كتب المتأخرين في الاحتجاج، فمن أشهرها:
- "إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر" لأحمد بن محمد البنا الدمياطي "ت١١١٧هـ"، وقد اشتمل كتابه
стр. 298
المذكور على ذكر القراءات العشر المتواترة والقراءات الأربع الشاذة مع بيان توجيهها١.
أما كتب المعاصرين في الاحتجاج، فمنها:
- "طلائع البشر في توجيه القراءات العشر" للشيخ محمد الصادق قمحاوي، مؤلف كتاب "البرهان في تجويد القرآن".
- "قلائد الفكر في توجيه القراءات العشر" للمؤلفين: قاسم أحمد الدجوي، ومحمد الصادق قمحاوي.
- "القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب" للشيخ عبد الفتاح القاضي "ت١٤٠٣هـ".
- "التذكرة في القراءات الثلاث المتواترة وتوجيهها من طريق الدرة" للدكتور/ محمد سالم محيسن.
- "المهذب في القراءات العشر وتوجيهها من طريق طيبة النشر" للمؤلف المذكور.
стр. 299
خلاصة ما مر به الاحتجاج من مراحل:
تتمثل تلك المراحل في الخطوات التالية:
١- الخطوة الأولى:
التخريحات والاحتجاجات الفردية لبعض القراءات، كما رُوي عن ابن عباس ﵄ وعن بعض الأئمة القراء؛ أمثال: عاصم الجحدري، وعيسى بن عمر، وأبي عمرو، والكسائي، وغيرهم. ويندرج تحت هذه الخطوة احتجاج سيبويه لبعض ما أورد في كتابه من قراءات؛ حيث إننا لا نعتبر كتاب سيبويه تأليفًا في الاحتجاج١.
٢- الخطوة الثانية:
وتتمثل في الكتب التي ألفت في الاحتجاج، دون تمييز بين القراءات المتواترة والشاذة، من بداية عمل هارون بن موسى الأعور إلى عصر إمام الصنعة ومسبع السبعة ابن مجاهد؛ حيث اتضحت معالم القراءات المتواترة وباتت مميزة من الشاذة.
٣- الخطوة الثالثة:
وتتمثل في الاحتجاج للقراءات المتواترة، بدءًا بالقراءات السبع التي اختارها الإمام ابن مجاهد -وأغلب المؤلَّفات في الاحتجاج بعد عمله تتمثل لذلك- وانتهاءً إلى القراءات العشر المتواترة.
وإن كان هناك مَن خصَّص تأليفًا في الاحتجاج للشواذ -كما فعل ابن جني والقاضي- أو جمع بين العشر المتواترة
стр. 300
وبين الأربع الشواذ، كما فعل الدمياطي١.
стр. 301
المبحث الثاني: صور الاحتجاج للقراءات
١- الاحتجاج بالإسانيد:
لما كان التواتر -عند الجمهور- وصحة الإسناد -عند البعض- من أهم أركان قبول القراءات وشروطه؛ لذا اهتم العلماء وأئمة القراءات بالأسانيد وطرقها المتعددة، وبالتأكيد من صحتها حسب مناهج المحدثين في قبول الأحاديث ومقاييسهم.
ويتضح ذلك جليًّا من النظر في كتب القراء المتقدمين ومؤلفاتهم؛ حيث يوردون كل الخلافات القرائية مقرونة بالأسانيد.
ومن رام منهم الاختصار في التأليف ذكر أسانيد القراءات التي أوردها في كتابه في مقدمة تأليفه حسبما وصلت إليه من كل قارئ.
فيأخذ من الأوجه التي صح سندُها منه إلى الرسول ﷺ ويترك ما عداها -إن تُكلم في رجالها- ويتضح ذلك من منهج ابن مجاهد في كتابه "السبعة"، وابن الباذش "ت٤٥٠هـ" في "الإقناع"، وغيرهما ممن كتب في القراءات.
ولما استقرت القراءات ودرست، وصحت أسانيدها
стр. 302
وهذبت، انتهج القراء بعد ذلك منهج التلخيص والتهذيب في تواليفهم، فبدءوا يذكرون القراءات بعزو لناقليها، ويتضح ذلك من منهج ابن الجزري "ت٨٣٣هـ" في النشر وتقريبه وتحبير التيسير وغيرها من الكتب، وقبله مشى عليه الصفاقسي في غيث النفع، وقبلهما مشى عليه صاحب "التيسير الداني" "ت٤٤٤هـ" وصاحب "العنوان" أبو طاهر الأندلسي "ت٤٥٥هـ" ومؤلف "التلخيص" أبو معشر الطبري "ت٤٧٨هـ" وغيرهم من المؤلفين.
ثم اتجه العلماء إلى عمل طبقات للقراء ووضع تراجم لأعلامهم في مؤلفات خاصة -على نهج تراجم رجال الحديث- ومن أشهر المؤلَّفات في ذلك:
١- "معرفة القراء الكبار" للذهبي "ت٧٤٨هـ"١، وقد رتبه على الطبقات فجعله في ثماني عشرة طبقة بدءًا من الصحابة وانتهاءً بعصره.
٢- "نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات" لشمس الدين محمد ابن الجزري "ت٨٣٣هـ".
стр. 303
٣- "غاية النهاية في طبقات القراء" لابن الجزري كذلك١.
وقد اختصره من كتابه السابق "نهاية الدرايات"، وجَمَعَ فيه ما في كتابي الداني والذهبي، وزاد عليهما كثيرًا٢، وقد رتب تراجم القراء فيه حسب ترتيب الأسماء بالحروف الأبجدية.
стр. 304
الاحتجاج النحوي واللغوي
الاحتجاج للأصول
...
٢- الاحتجاج النحوي واللغوي:
إذا أطلق "الاحتجاج" فهو ينصرف إلى هذا القسم منه.
ويشمل الخلافات: الأصولية، والفرشية.
أ- الاحتجاج للأصول:
سبق أن ذكرنا: أن الأصول الدائرة على اختلاف القراءات سبعة وثلاثون أصلًا٣ حسبما تضمنتها "الشاطبية" و"الدرة".
وتفصيلها كالآتي:
الإظهار، والإدغام، والإخفاء، والإقلاب، والصلة، والمد، والقصر، والتوسط، والإشباع، والتحقيق، والتسهيل،
стр. 305
والإبدال، والإسقاط، والنقل، والتخفيف، والحذف، والفتح، والتقليل، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والتغليظ، والاختلاس، والإحفاء، والتتميم، والإرسال، والتشديد، والتثقيل، والوقف، والسكت، والقطع، والإسكان، والروم، والإشمام، وياءات الإضافة، وياءات الزوائد١.
وأغلب هذه الأصول يرجع الاختلاف فيها إلى وجوده في اللغة العربية وثبوته من حيث القراءة.
وفيما يلي نذكر نماذج من التوجيهات لبعض هذه الأصول:
١- الإظهار والإدغام:
الإظهار: لغة: الإبانة والإيضاح.
واصطلاحًا: فصل الحرف الأول من الحرف الثاني من غير سكت عليه.
أو يقال: هو عبارة عن النطق بالحرفين، كل واحد منهما على صورته، موفّى صفته، مخلصًا إلى كمال بنيته.
والإدغام: لغة: الإدخال والستر، يقال: أدغمت اللجام في فم الفرس؛ أي: أدخلته فيه.
واصطلاحًا: النطق بالحرفين حرفًا كالثاني مشددًا.
стр. 306
والإظهار والإدغام لغتان واردتان عن العرب.
والإظهار هو الأصل؛ لعدم احتياجه إلى سبب، ولأنه هو الأكثر في الحروف، ولأن فيه إعطاء كل حرف حقه من إعرابه وحركة بنيته التي استحقها، والإدغام متوقف على سبب؛ وهو إرادة التخفيف، ولأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه ثم عاد مرة أخرى للمخرج بعينه ليلفظ بحرف آخر مثله صعب عليه.
وشبَّهه النحويون بمشي المقيد؛ لأنه يرفع رجلًا ثم يعيدها إلى موضعها أو قريب منه.
وشبهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين، وذلك ثقيل على السامع؛ ولذلك ورد الإدغام عن أبي عمرو بن العلاء كثيرًا، وقال: الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يُحسنون غيره، ومن شواهد الإدغام في كلام العرب قول الشاعر:
عشية تمنى أن تكون حمامة ... بمكة يغشاها الشتا والمحرم١
стр. 307
ولا ينتظم البيت إلا بإدغام التاءين من "عشية تمنى"١.
٢- المد والقصر:
"المد" لغة: الزيادة، ومنه: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ ٢ أي: يزدكم.
واصطلاحًا: إطالة زمن صوت حرف المد أو اللين عند ملاقاة همز أو سكون.
"والقصر" لغة: الحبس، ومنه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ٣ أي: محبوسات فيها.
واصطلاحًا: إثبات حرف المد أو اللين من غير زيادة عليه.
والقصر هو الأصل لعدم احتياجه إلى سبب، والمد فرع عنه لاحتياجه إلى سبب.
- فوجه المد: الاستعانة على النطق بالهمز محققًا، وبيانًا لحرف المد خوفًا من سقوطه عند الإسراع لخفائه وصعوبة الهمزة بعده -لأنه من حروف الشدة- فزيد في حرف المد ليظهر، ولئلا يزداد خفاءً بملاصقته للهمز الذي هو حرف قوي شديد.
- ووجه القصر: بقاء الحرف على أصله من غير زيادة عليه؛ لأن الهمز الواقع بعده لما كان بصدد الزوال في حالة الوقف
стр. 308
-كما في المد المنفصل- لم يعطَ في حالة الوصل حكمًا١.
٣- الفتح والإمالة:
الفتح:
عبارة عن فتح الفم بلفظ الحرف، وليس المراد منه فتح الحرف؛ لأن الألف لا تقبل الحركة٢، وقد يعبر عنه بـ"التفخيم" أو بـ"الفغر".
والإمالة:
لغة:
التعويج، تقول: أملت الرمح؛ أي: عوجته.
واصطلاحًا:
أن تنحوَ بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء.
وتنقسم إلى قسمين:
أ- الكبرى: ويقال لها: "الإضجاع" أو "البطح" أو "الإمالة المحضة"، وهي المراد عند الإطلاق؛ كإمالة حمزة والكسائي في نحو: "قلى"، "الأولى"، "فترضى" من رءوس آي سورة الضحى.
ومنها: إمالة حفص في "مجريها"٣.
ب- الصغرى: ويقال لها: "التقليل" أو "بين بين".
стр. 309
أو "بين اللفظين".
أي: بين لفظ الفتح ولفظ الإمالة، كما في رواية الإمام ورش، وقراءة الإمام أبي عمرو، ورواية دوري الكسائي.
وتوجيه الفتح والإمالة: أنهما لغتان فصيحتان نزل بهما القرآن الكريم، الفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة "بنوعيها" لغة عامة أهل نجد من تميم وقيس وأسد.
وهل الأصل هو الفتح والإمالة فرع عنه، أو العكس، أو هما أصلان؟
خلاف بين العلماء في ذلك.
وللإمالة أسباب كثيرة ذُكرت في مواضعها من كتب القراءات.
وفائدته: سهولة اللفظ بالحرف؛ لأن اللسان يرتفع بالفتح وينحدر بالإمالة، والانحدار أخف من الارتفاع١.
стр. 310
ب- الاحتجاج للفرش:
أي: الكلمات القرآنية المنتشرة في السور التي ذكرت فيها أوجه متعددة ونسبت إلى القراء المشهورين.
وهو باب طويل، وهو المقصود به، والمعنيُّ من الاحتجاج عند إطلاقه، وقد انصرفت جهود العلماء -قراءً ونحويين- إلى هذا الباب من الاحتجاج.
وفيما يلي نذكر نماذج من الاحتجاج في كلمات من القراءات المتواترة:
١- قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١.
- كلمة "مالك" قُرئت:
بإثبات الألف بعد الميم "مالك"، وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر.
وبحذف الألف "ملك"، وهي قراءة الباقين من العشرة؛ وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة٢.
- توجيه القراءة الأولى:
كلمة "مالك" بالألف اسم فاعل من ملك ملكًا بكسر الميم؛ أي: مالك مجيء يوم الدين، والمالك: هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف شاء، وقد أجمع القراء على إثبات الألف في: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ٣.
و"مالك" أمدح من "مَلِك" وأعم؛ حيث تقول: هو مالك الجن والإنس والطير والدواب، ولا تضيف "مَلِكًا" إلى هذه الأصناف.
стр. 311
كما أن زيادة المبنى -كما في "مالك"- تدل على زيادة المعنى.
- توجيه القراءة الثانية:
كلمة "مَلِك" على وزن فَقِه صفة مشبهة؛ أي: قاضي يوم الدين، و"المَلِك" هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من الملك بضم الميم.
و"ملك" أبلغ من "مالك"؛ لأن كل مَلِك مالك، وليس العكس، كما أن القراء أجمعوا على حذف الألف منه في مواضع، نحو: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ ١، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ٢، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ٣.
٢- قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ ٤.
في كلمة "يخدعون" -الثانية- المسبوقة بـ" ما"- قراءتان:
- "يَخْدَعون": بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الدال.
وهي قراءة: أبي جعفر ويعقوب وابن عامر والكوفيين.
- "يُخادِعون": بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال.
стр. 312
وهي قراءة: نافع ابن كثير وأبي عمرو١.
- توجيه القراءة الأولى:
"يخدعون": مضارع "خَدَعَ" على أن المفاعلة من جانب واحد "من المنافقين" كقول القاضي: عاقبتُ اللصَّ، والمعاقبة من القاضي وحده.
قال أهل اللغة: خدع وخادع بمعنى واحد، والخداع: إظهار خلاف ما في النفس، ويؤيدها الرسم المصحفي تحقيقًا.
- توجيه القراءة الثانية:
"يخادعون": من باب "المفاعلة"، قُرئت هكذا لمناسبة الكلمة الأولى في الآية، والمفاعلة إما على بابها، فتكون من جانبين؛ إذ هم يخادعون أنفسهم بما يمنونها من الأباطيل، وتمنيهم أنفسهم كذلك.
وإما أن تكون من جانب واحد -كما في القراءة الأولى- والمفاعلة لا تكون على بابها٢.
стр. 313
٣- قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ١.
كلمة "الأرحام" قُرئت بوجهين:
"والأرحامِ" بخفض الميم، وهي قراءة الإمام حمزة.
"والأرحامَ" بنصب الميم، وهي قراءة باقي العشرة٢.
- توجيه القراءة الأولى:
"والأرحام" بالخفض: عطف على الضمير المجرور في "به" على مذهب الكوفيين، أو أعيد الجار وحذف للعلم به، وجر على القسم تعظيمًا للأرحام وحثًّا على صلتها.
- توجيه القراءة الثانية:
"والأرحامَ" بالنصب: عطف على لفظ الجلالة، أو على محل "به"؛ كقولك: مررت به وزيدًا، وهو من عطف الخاص على العام؛ إذ المعنى: اتقوا مخالفته، وقطع الأرحام مندرج فيها، فنبه بذلك وقرنها باسمه تعالى على أن صلتها بمكان منه٣.
стр. 314
الفصل الخامس: في تراجم القراء
المبحث الأول: تراجم قراء القراءات المتواترة
مدخل
...
الفصل الخامس: تراجم القراء
المبحث الأول: تراجم قراء القراءات المتواترة
عرفنا -مما سبق من الكلام في الفصل الأول- أن القراء الذين اختارهم الإمام ابن مجاهد سبعة؛ وهم:
١- نافع المدني "٧٠-١٦٩هـ".
٢- ابن كثير المكي "٤٥-١٢٠هـ".
٣- أبو عمرو البصري "٦٨- ١٥٤هـ".
٤- ابن عامر الدمشقي "٨-١١٨هـ".
٥- عاصم الكوفي "ت١٢٧هـ".
٦- حمزة الزيات الكوفي "٨٠-١٥٦هـ".
٧- علي الكسائي الكوفي "١١٩-١٨٩هـ".
وقد رتبهم المؤلفون على هذا الترتيب حسب أهمية المدن الإسلامية المشهورة التي حملت القراءات منها. يقول ابن مجاهد:
"فأول مَن أبتدئ بذكره من أئمة الأمصار مَن قام بالقراءة بمدينة الرسول ﷺ ، وإنما بدأت بذكر أهل المدينة؛ لأنها مهاجر رسول الله ﷺ ومعدن
стр. 315
الأكابر من صحابته، وبها حفظ عنه الآخر من أمره١.
ثم جاء دور الإمام ابن الجزري الذي حقق القراءات ونقَّحها وأثبت تواتر قراءات القراء الثلاثة؛ وهم:
١- أبو جعفر المدني "ت١٣٠هـ".
٢- يعقوب الحضرمي البصري "١١٧- ٢٠٥هـ".
٣- خلف بن هشام البزار الكوفي "١٥٠-٢٢٩هـ".
وهؤلاء العشرة هم رواة القراءات العشر المتواترة، ونحن نقتفي أثر ابن مجاهد -مسبع السبع- وابن الجزري -المحقق- فنذكر لهم تراجم موجزة أولًا بأول، ثم نردفهم بذكر تراجم القراء الذين اشتهرت عنهم القراءات الشاذة؛ وهم:
١- الحسن البصري "٢١-١١٠هـ".
٢- ابن محيصن "ت١٢٣هـ".
٣- سليمان الأعمش "٦٠- ١٤٨هـ".
٤- يحيى اليزيدي "١٢٨- ٢٠٢هـ".
ثم نردفهم بذكر تراجم بعض الأعلام الذين لهم جهود مباركة في تحقيق علم القراءات ورفع مستواه إلى هذا القدر الذي نراه اليوم ونشاهده؛ فقد صار علمًا بارزًا يمتاز بمنجهه القويم، وأسلوبه الرصين، وبمؤلفاته القيمة، وسنختارمن أولئك الأعلام:
стр. 316
١- ابن مجاهد "٢٤٥-٣٢٤هـ".
٢- مكي بن أبي طالب "٣٥٥-٤٣٧هـ".
٣- أبا عمرو الداني "٣٧١-٤٤٤هـ".
٤- ابن فيرة الشاطبي "٥٤٨-٥٩٠هـ.
٥- ابن الجزري "٧٥١-٨٣٣هـ".
٦- القسطلاني "٨٥١-٩٢٣هـ".
٧- البنا الدمياطي "ت١١١٧هـ".
﵏ جميعًا.
وإليك التراجم بالتفصيل.
стр. 317
أولًا: الإمام نافع المدني
"٧٠-١٦٩هـ":
- اسمه ونسبه وشهرته:
هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني.
يُكنى أبا عبد الرحمن، وأبا رويم، وأبا نعيم، وأبا الحسن، وأبا عبد الله١.
مولى جَعونة بن شعوب الليثي الشِّجْعي، وأصله من "أصبهان" من مدن "إيران"، وكان أسود حالكًا، صبيح الوجه، حسن الخلق، فيه دعابة.
من الطبقة الثالثة بعد الصحابة.
- تاريخ ولادته ووفاته:
لم أقف على تاريخ ولادته -فيما بين يدي من المراجع- غير ما ذكره الدكتور/ محمد سالم محيسن: أنه ولد سنة ٧٠هـ٢.
توفي بالمدينة سنة ١٦٩هـ، وقيل: سنة ١٧٠هـ، وقيل غير ذلك.
- شيوخه:
أخذ القراءة عن سبعين من التابعين؛ ومن أشهرهم:
стр. 318
١- عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، توفي بالإسكندرية سنة ١١٧هـ.
٢- أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، توفي سنة ١٣٠هـ١.
٣- شيبة بن نصاح -مولى أم سلمة ﵂ مقرئ المدينة وقاضيها، توفي سنة ١٣٠هـ.
٤- مسلم بن جندب الهذلي التابعي المشهور، توفي سنة ١١٠هـ، وقيل: ١٣٠هـ.
٥- يزيد بن رومان، أبو روح المدني، القارئ الفقيه المحدِّث، توفي سنة ١٢٠هـ، وقيل: ١٣٠هـ.
وهؤلاء هم الذين ذكرهم نافع أنه أدركهم بالمدينة من الأئمة في القراءة، قال نافع: قرأت على هؤلاء، فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألفت هذه القراءة٢.
وتلقى هؤلاء الخمسة القراءات عن ثلاثة من الصحابة؛ وهم:
١- أبو هريرة ﵁ "ت٥٩هـ".
٢- عبد الله بن عباس ﵄ "ت٦٨هـ".
стр. 319
٤- عبد الله بن عياش المخزومي ﵁ "ت٧٨هـ". وهم قرءوا على أُبي بن كعب الذي قرأ على الرسول صلى الله عليه وسلم١.
- تلامذته:
استفاد منه خَلْقٌ كثير؛ حيث أقرأ الناس دهرًا طويلًا نيفًا عن سبعين سنة، ومِن أشهر مَن رَوَى القراءة عنه عرضًا وسماعًا:
١- إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، توفي ببغداد سنة ١٨٠هـ، وقيل: ١٧٧هـ.
٢- إسحاق بن محمد بن عبد الله المسيبي المدني، توفي سنة ٢٠٦هـ.
٣- سليمان بن مسلم بن جماز الزهري، توفي بعد ١٧٠هـ.
٤- مالك بن أنس الأصحبي المدني، إمام دار الهجرة، الفقيه المحدث، توفي سنة ١٧٩هـ.
٥- أبو عمرو بن العلاء، أحد القراء السبعة، توفي سنة ١٥٤هـ.
٦- الليث بن سعد الفهمي المصري، توفي قبل الإمام مالك بأربع سنين سنة ١٧٥هـ.
٧- عيسى بن مينا قالون "ت٢٢٠هـ".
стр. 320
٨- أبو سعيد عثمان المصري "ورش" "ت١٩٧هـ".
- مناقبه ومآثره:
هو إمام أهل المدينة، صاروا إلى قراءته، وتمسكوا باختياره، كان عالمًا بوجوه القراءات، متبعًا لآثار الأئمة المتقدمين، زاهدًا، جوادًا، صلى في المسجد النبوي ستين سنة.
قال مالك: قراءة أهل المدينة سُنَّة، قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت: فإن لم يكن؟ قال: قراءة عاصم.
كان ﵀ إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ قال: ما أمس طيبًا ولا أقرب طيبًا؛ ولكني رأيت فيما يرى النائم النبي ﷺ وهو يقرأ في في فيَّ، فمن ذلك الوقت أشم من فيَّ هذه الرائحة.
قال قالون: كان نافع من أطهر الناس خلقًا، ومن أحسن الناس قراءة.
وكان ﵀ يسهِّل القراءة لمن قرأ عليه إلا أن يقول له إنسان: أريد قراءتك، فيقرئه اختياره.