إليه المفضي إلى الحرام حرام، وهذا المعنى يعم الفرق السبع؛ لأن قرابتهن محرمة القطع واجبة الوصل.
وتختص الأمهات بمعنى آخر، وهو أن احترام الأم وتعظيمها واجب، ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف وخفض الجناح لهما والقول الكريم في خطابهما، ونهى عن التأفيف منهما، فلو جاز النكاح، والمرأة تكون في طاعة الزوج وطاعته مستحقة عليها للزمها ذلك، وإنه ينافي الاحترام، فيؤدي إلى التناقص.
وأقول: إن هذا الكلام حق لا ريب فيه؛ لأن الحياة الزوجية لا تتفق مع علاقات القرابة ولا تستقيم كلتاهما مع الأخرى فتفسد كلتاهما، وذلك فوق أنه قد يكون تنافس بين هؤلاء الأقارب على واحدة منهن فتكون القطيعة.
стр. 107
٢- مانع الرضاع:
وفيه عشرون مسألة.
المسألة الأولى: تعريفه
الرضاع في اللغة: مص الثدي مطلقا، مأخوذ من رضع الصبي وغيره يرضع كضرب يضرب، ورضع على وزن سمع يرضع رضعا فهو راضع، والجمع رُضع والرضيع المرضع وراضعه ورضاعا رضع معه، والرضع المراضع، والجمع رُضع، الجمع رُضعاء، وامرأة مرضع، أي: ذات رضع أو لبن رضاع، والجمع مراضيع.
فإن أريد مجرد الوصف بالإرضاع، قيل: مرضع بغير هاء، أي لها ولد ترضعه، إن أريد أنها محل إرضاع بالفعل، أي: وصفها حال إرضاعها ولدها، قيل. مرضعة بالهاء.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ ١.
стр. 108
الرضاع في الاصطلاح، عرفه الشافعية بقوله: اسم لحصول لبن امرأة آدمية حية أو ما حصل منه في معدة الطفل أو دماغه.
المسألة الثانية: حكمه
اتفق فقهاء الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب كلها على أنه إذا أرضعت امرأة بلبنها ولد غيرها فقد ثبت بذلك صلة القرابة الرضاعية بينها وبين من أرضعته وثبت تحريم الزواج بينهما وينتشر التحريم كذلك إلى أصولها وفروعها وأصول زوجها وفروعه.
ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه.
وكذلك لا ينتشر التحريم إلى من فوق المرتضع من آبائه وأمهاته ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته؛ إذ نظير هذا النسب حلال.
المسألة الثالثة: دليله
يستدل على التحريم بسبب الرضاع بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١.
стр. 109
ووجه الدلالة هو أن الله تعالى ذكر المحرمات من النساء بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم عطف على ذلك قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١ والعطف يقتضي التشريك في الحكم.
ومن السنة قوله ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة".
وأجمعت الأمة على تحريم النكاح بسبب القرابة الرضاعية.
المسألة الرابعة: مقدار الرضاع المحرم
ولا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات مشبعات مفترقات.
ويستدل على ذلك بما رواه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلوما يُحَرِّمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن.
ووجه الدلالة هو أن الحديث نص صريح في تحريم الرضاع بخمس رضعت.
واعترض على حديث عائشة: كان فيما نزل من القرآن إلخ.. باغتراضات أربعة؛ الاعتراض الأول:
إن هذا ليس بقرآن، لا يثبت بخبر الآحاد، ولو كان قرآن لثبت بين دفتي المصحف.
وأجاب الماوردي على ذلك بأجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أنه ثبت كونه من القرآن حكما لا تلاوة ورسما، والأحكام تثبت بأخبار الآحاد سواء أضيفت إلى السنة أو إلى القرآن، كما أثبتوا بقراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" حكم التتابع، وإن لم يكتبوا تلاوته، فإن استفاض نقله ثبت بالاستفاضة تلاوته وحكمه.
والجواب الثاني: أن هذا من باب منسوخ التلاوة الثابت حكمه فكان وروده بالاستفاضة والآحاد سواء في إثبات حكمه، وسقوط تلاوته كالذي روي عن عمر
стр. 110
أنه قال:"كان فيما أنزل الله "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله".
ولولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لكتبتها في حاشية المصحف ولو كانت من المتلو لكتبتها مع المرسوم، وإنما أراد بكتابتها في الحاشية؛ لأن لا ينساها الناس، ثم لم يفعل لئلا تصير متلوة.
والجواب الثالث: أن العشر نسخت بالخمس، وإنما أضافت عائشة ذلك إلى القرآن لما في القرآن من وجوب العمل بالسنة حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
الاعتراض الثاني:
أنه ثبت عن عائشة قالت: كان تحريم الرضاع في صحيفة فلما توفي رسول الله ﷺ تشاغلنا بغسله فدخل داجن الحي فأكلها، لو كان ذلك قرآنا لكان محفوظا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
وأجاب الماوردي عن هذا الاعتراض بجوابين:
الجواب الأول: أن الذي أكله داجن الحي هو رضاع الكبير وهو منسوخ.
الجواب الثاني: أن العشر منسوخ بالخمس ودعوى عدم حفظه مردوده؛ لأنه محفوظ في الصدور حيث ورد في صفة الأمة المحمدية "أناجيلهم في صدروهم".
الاعتراض الثالث:
هذا إثبات للنسخ بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ لأنها قالت: فتوفي رسول الله ﷺ وهو ممن يقرأ من القرآن، وبهذا لا يجوز.
стр. 111
وأجاب الماوردي -أيضا- عن هذا الاعتراض بجوابين:
الجواب الأول: أنها روت بعد الرسول ﷺ نسخا كان في زمانه، وقولها: كان مما يقرأ، أي: مما يعمل به.
الجواب الثاني: أنه كان يقرأ بعد الرسول ﷺ لإثبات حكمه، فلما ثبت حكمه تركت تلاوته.
الاعتراض الرابع:
أن فيه إثبات نسخ بخبر الواحد، والنسخ لا يكون إلا بإخبار التواتر
وأجاب عنه الماوردي كذلك بجوابين:
الأول: أن الطريق الذي يثبت بها خبر المنسوخ ثبت بها خبر الناسخ فلم يجز أن يجعل حجة في إثبات المنسوخ دون الناسخ.
الثاني: أنه ليس ذلك نسخا بخبر الواحد، وإنما هو نقل لنسخ بخبر الواحد، ونقل النسخ بخبر الواحد مقبول، فعلمت عائشة ﵂ العشر ونسخها بالخمس فروتها ورجعت إلى الخمس، وعملت حفصة ﵂ العشر ولم تعلم نسخها بالخمس فبقيت على حكم الأول في تحريم الرضاع بالعشر دون الخمس.
المسألة الخامسة: ضابط الرضعة
متى التقم المرتضع الثدي، فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض، كان ذلك رضعة.
والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيره أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب لا يخرجه من كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد من قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة.
أما إذا قطعت المرضعة عليه الرضعة، ثم أعادته لوجهان:
الأول: أنها رضعة واحدة ولو قطعته مرارًا.
الثاني: أنها رضعة أخرى.
стр. 112
وكذلك إذا انتقل الرضيع من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى قبل تمام الرضعة، قيل: تحسب واحدة قياسا على ما لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر، وقيل: تحسب رضعة أخرى.
المسألة السادسة: رضاع الكبير
اتفق الفقهاء على التحريم بسبب الرضاع إذا كان في الحولين واختلفوا في رضاع الكبير وهو ما زاد على الحولين هل هو محرم أو لا؟
على فريقين:
الفريق الأول: يرى جمهور الفقهاء أن رضاع الكبير لا يحرم وهو مذهب ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس.
الفريق الثاني: ويرى داود وأهل الظاهر أنه يحرم كرضاع الصغير وهو مذهب عائشة.
وسبب اختلافهم، هو تعارض الآثار في ذلك حيث ورد في المسألة حديثان:
أحدهما: حديث سالم، قد سبق تخريجه.
والثاني: حديث عائشة أخرجه البخاري ومسلم قالت: دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه سلم- وعندي رجل فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال ﷺ : "انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإن الرضاعة من المجاعة".
فمن ذهب إلى ترجيح هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء، إلا أن حديث سالم نازلة عين، وكان سائر أزواج النبي ﷺ ما عدا عائشة يرون أن ذلك رخصة لسالم ومن رجح حديث سالم وعلل حديث عائشة بأنها لم تعمل به قال: يحرم رضاع الكبير.
وحد الصغر المحرم: حولان كاملان.
стр. 113
لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ١.
ووجه الدلالة هو أنه جعل تمام الرضاعة في الشرع مقدر بحولين فاقتضى أن يكون حكمه في الشرع بعد الحولين مخلفا لحكمه في الحولين، وحكمه في الشرع في الحولين هو التحريم.
كما يستدل على ذلك أيضا بقوله ﷺ : "لا رضاع إلا في حولين".
ووجه الدلالة هو أن النفي في قوله: لا رضاع للتحريم لا للجواز.
المسألة السابعة:
إذا فطم المولود قبل الحولين ثم أرضعته امرأة بعد الفطام في الحولين فهل يثبت بهذا الرضاع حرمة أو لا؟
تثبت بهذا الرضاع حرمة النكاح؛ لقوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة".
ووجه الدلالة هو الرضاع المحرم الذي في سن المجاعة كيفما كان الطفل في سن الرضاع.
المسألة الثامنة:
ما صل إلى الجوف من غير رضاع هل يحرم أو لا؟
يحرم بالرضاع ما وصل إلى الجوف سواء أكان بمص الرضيع للثدي أو شربه اللبن وكذلك إذا وصل اللبن إلى جوفه بالوجور: الذي هو إيصال اللبن إلى جوفه بواسطة الفم بعد حلبه من المرأة، أو السعوط أي إدخاله إلى جوفه عن طريق الأنف، أو الحقنة: أي إيصاله إلى جوفه عن طريق الدبر.
ويستدل على ثبوت التحريم بالوجور والسعوط بقوله ﷺ : "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم".
стр. 114
ووجه الدلالة: هو أن صول اللبن بالجور والسعوط يحصل بهما إنبات اللحم وإنشاز العظم، كما يحصل بالارتضاع مساواتهما له في الحكم وهو التحريم.
المسألة التاسعة: اختلاط اللبن بغيره
إذا اختلط اللبن بغيره طعاما كان أم شرابا فهل يثبت به التحريم أو لا يثبت؟
اختلاط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى.
١- إذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى ووصل اللبنان إلى جوف رضيع في سن الرضاع المحرم ثبت التحريم بين المرأتين والرضيع أخذا بالأحوط.
ب- اختلاط لبن امرأة بطعام او شراب كالماء ونحوه.
ذكرنا في الفقرة "أ" الحكم إذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى، أما إذا اختلط لبن امرأة بطعام أو شراب فيرى جمهور فقهاء المذهب ثبوت التحريم به سواء أكان اللبن غالبا أم مغلوبا، ويرى المزني من فقهاء المذهب ثبوت التحريم به إن كان اللبن غالبا ولا يثبت به التحريم إن كان اللبن مغلوبا.
المسألة العاشرة: تحول اللبن إلى جبن ويطعمه الولد
إذا تحول اللبن بعد حلبه من المرأة إلى جبن وأطعمه الصبي فهل يثبت بتناوله ذلك تحرم أو لا يثبت؟
إذا تحول اللبن بعد حلبه إلى جبن وأطعمه الصبي ثبت به التحريم؟ لقوله ﷺ : $"إنما الرضاعة من المجاعة".
ووجه الدلالة: هو إن الإطعام أبلغ في سد المجاعة من مانع اللبن فوجب أن يكون أخص بالتحريم.
المسألة الحادية عشرة: لبن الفحل، أي المرأة المرضعة
اتفق الفقهاء على أن المرأة التي لها زوج إذا أرضعت ولد غيرها بلبنها الناتج عن وطء زوجها لها ثبت التحريم بالرضاع بينها وبين هذا الولد.
وكذلك يثبت التحريم بين الرضيع وبين صاحب اللبن -زوج المرضعة.
стр. 115
ويستدل على ذلك:
بما روي عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، قالت عائشة: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرني أن آذن له.
ووجه الدلالة: هو أن لبن الفحل يحرم بدليل أن النبي ﷺ أذن لعائشة في إذنها لأبي القعيس؛ لأنه عمها من الرضاعة.
وكذلك يستدل بما روي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن رجل تزوج بامرأتين فأرضعت إحداهما جارية غيرها وأرضعت الأخرى غلام غيرها، هل يتزج الغلام الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد لا تحل له.
المسألة الثانية عشر: صفة المرضع
لبن الميتة:
اتفق الفقهاء على أن المرأة الحية إذا أرضعت بلبنها ولدا في سن الرضاع المقرر شرعا صار هذا الولد ابنها من الرضاع واختلفوا في لبن الميتة هل تنتشر الحرمة بينها وبين من ارتضع لبنها وبين فروع هذه المرأة وأصولها وحواشيها أو لا تنتشر؟
باتفاق المذهب لا يثبت تحريم بين الرضيع وبين هذه المرأة الميتة التي ارتضع منها ولا بين أصولها وحواشها، وذلك وطء الميتة معتقدا حياتها لم يثبت بهذا الوطء تحريم بالمصاهرة فكذلك ارتضاع لبنها لا يثبت به تحريم.
البكر التي لم تمس بنكاح أو الثيب التي لم يقام له لبن وكذلك العجوز المسنة:
أجمع الفقهاء على أن البكر التي لم تنكح لو نزل بها لبن فأرضعت به مولودا كان المولود ولدها رضاعا ولا أب له من الرضاعة، كذلك الثيب التي لا زوج لها.
стр. 116
لبن الزانية:
اتفق الفقهاء على أن المزني بها إذا أرضعت بلبنها ولدا غير ابنها صار الرضيع ولدها رضاعا، ولا تثبت حرمة بين الزاني وبين الرضيع وذلك لأن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة، فلما لم تثبت حرمة الأبوة لم يثبت ما هو فرع لها.
لبن البهيمة:
اتفق الفقهاء على أنه لو ارتضع طفلان من بهيمة لم تثبت بذلك اللبن أخوة بينهما؛ لأنه لا يحرم إلا لبن الآدميات لقول المولى -جل ثناؤه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ١.
والبهيمة لا تكون بارتضاع لبنا أما محرمة، فكذلك لا يصير المرتضعان بلبنها أخوين.
ولأن التحريم لا يون إلا بالشرع، ولم يرد الشرع إلا في لبن الآدمية، والبهيمة دون الآدمية في الحرمة، ولبنها دون لبن الآدمية في إصلاح البدن، فلم يلحق به في التحريم.
ولأن الأخوة فرع الأمومة فإذا لم يثبت بهذا الرضاع أمومة فلأن لا تثبت به الأخوة أولى.
لبن الرجل:
لو فرض أن رجلا در ثديه لبنا فأرضع بهذا اللبن ولد غيره، فإنه لا تنتشر به الحرمة ولا تثبت بين هذا الرجل وبين الرضيع؛ لأن المقصود من اللبن إنبات اللحم وإنشاز العظم، وهذا لا يتحقق في لبن الرجل إذا فرض ذلك، غاية ما في الأمر أنه ماء أصفر، وذلك في قول عامة أهل العلم، وقال الكرابيسي من الشافعية، تثبت بهذا اللبن حرمة؛ لأنه لبن آدمي، أشبه لبن آدمية.
стр. 117
وأقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنه قياس في مقابلة النص الذي يقول فيه المولى : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ .
لبن الخنثى المشكل:
الخنثى: هو من خلق بآلتين آلة الذكورة وآلة الأنوثة. سمي بذلك لاشتراك الشبهين فيه مأخوذ من قولهم: تخنث الطعام والشراب إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه المقصود وشاركه طعم غيره، ورجل مخنث تشبه بالإناث في أقواله وأفعاله، ويرى الشافعي التوقف إلى البيان فإن بانت أنوثته انتشرت به الحرمة وإلا فلا.
المسألة الثالثة عشر: المحرمات رضاعا من جهة النسب
اتفق الفقهاء على أنه يحرم بالرضاع ما يأتي:
أولا: أصله من الرضاع
ويشمل ذلك المرأة التي أرضعت الصبي؛ لأنها أمه من الرضاع، وكذلك أم أمه من الرضاعة، وهكذا كل أصل لأمه من الرضاعة مهما علا ذلك الأصل، سواء أكان الأصل من النسب أم من رضاع.
ثانيا: الفروع من الرضاع
فيحرم على الرجل زواج ابنته من الرضاع؛ لأنه السبب في إدرار اللبن لها سواء أكانت المرأة وقت الرضاع تحت عصمة زوجها أم مطلقة منه بشرط أن يكون اللبن الذي أرضعت به البنت من حمل حدث من ذلك الرجل ويحرم على الرجال كذلك بنت بنته رضاعا، وبنت ابنه الرضاعي.
ثالثا: الفرع النسبي أو الرضاع للأبوين الرضاعيين
وهذا يشمل الأخوات من الرضاع، سواء أكن شقيقات أم لأب أم لأم، وكذلك بنات الأبوين من الرضاع سواء كن بناتهن من النسب أم من الرضاع وكذلك بنات الأخوة من الرضاع.
стр. 118
رابعًا: البطن الأولى فقط من فروع الأجداد والجدات الرضاعيين
وهن العمات والخالات من الرضاع.
ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته، فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبنتاها وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه.
وكذلك لا ينتشر التحريم إلى من فوقه من آبائه أمهاته، ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته.
فلأبي المرتضع من النسب وأجداده أن ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته إذ نظير هذا من النسب حلال.
المسألة الرابع عشرة: المحرمات رضاعا من جهة المصاهرة
يحرم رضاعا من جهة المصاهرة والجمع ما يأتي:
أولا: الأصول الرضاعية لزوجته، فأمها التي أرضعتها تحرم عليه وجدتها كذلك سواء أكانت أم أمها رضاعا أمْ أمُّ أبيها، سواء دخل بزوجته أو لم يدخل؛ لأن الرضاع في المصاهرة كالنسب فيها.
ثانيا: فروع زوجته من الرضاع إن دخل بزوجته، فتحرم عليه ابنتها رضاعا، سواء أكان طريقها البنت أم طريقها الابن.
ثالثا: زوجة أصله الرضاعي، وهو من كان أبا لمن أرضعته، أو كان هو سبب اللبن الذي رضع منه.
رابعا: زوجة فرعه، فتحرم عليه زوجة ابنه الرضاعي.
خامسا: يحرم الجمع بين الأختين من الرضاع وكذلك بين المرأة وعمتها من الرضاع، وبين المرأة وخالتها.
لقول رسول الله ﷺ : $"يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة".
стр. 119
ووجه الدلالة: هو أن الحديث أجرى الرضاع مجرى النسب، وشبهه، فثبت تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من التحريم ثبت للرضاعة، وإذا حرمت امرأة الأب والابن، وأم المرأة وابنتها من النسب حرم من الرضاعة، وإذا حرم الجمع بين الأختين من النسب حرم بين أختي الرضاعة.
ويفهم من كلام العلامة ابن القيم في زاد المعاد أنه وأستاذه شيخ الإسلام ابن تيمية يميلان إلى أن المصاهرة بالرضاع لا توجب تحريما؛ لأن المصاهرة لا تكون إلا مع النسب حتى لا تقطع الأرحام بين الأباء والأبناء، ولا رحم في الرضاعة يخشى عليها، ولا نص ولا قياس يجعل أقارب المرأة رضاعا كأقاربها نسبا، وإذا كان الشأن كذلك فالحل هو الثابت بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١.
ورجح الإمام محمد أبو زهرة وجهة نظرهما في ذلك فقال ما نصه: يبدو لنا أن نظر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم نظر له وجهه إذا تلونا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ ٢ فنرى أن الله تعالى ساق المحرمات بالنسب، ثم ساق المحرمات بالرضاعة رابطا بينهم وبين النسيبات، ثم المحرمات بالمصاهرة، ولم يشر بعدها للرضاعة، والمصاهرة لا تنصرف إلا إلى ما كان النسب سببها ولو كانت الرضاعة تثبت بالمصاهرة لعقب التحريم بالمصاهرة بها، وأشار النص إليها. ا. هـ.
المسألة الخامسة عشر: حكمة التحريم بالرضاع
عندما تقوم امرأة بإرضاع غير ولدها فإنها بذلك تغذيه بجزء منها، فتدخل أجزاؤها في تكوينه ويصبح الولد جزءا منها.
فلبنها در من دمها لينبت لحم الطفل وينشر عظمه فهي بذلك كالأم النسبية.
стр. 120
فإن كانت الأم النسبية غذته بدمها في بطنها فتلك غذته بلبنها وإذا حرمت عليه أمه النسبية فكذلك تحرم عليه أمه الرضاعية.
المسألة السادسة عشر: ما يخالف فيه الرضاع النسب
يتفق الرضاع مع النسب في التحريم المناكحة، وإثبات المحرمية فتجوز الخلوة بمحارم الرضاع، والمسافرة ومعهم.
وينفرد الرضاع عن النسب فيما يأتي:
أولا: الرضاع لا يثبت ميراثا ولا يوجب نفقة ولا يسقط به القصاص ولا الشهادة، بخلاف النسب فإنه يثبت الميراث، ويوجب النفقة، يسقط القصاص والشهادة.
ثانيا: يجوز للرجل أن يتزوج المرأة الأجنبية التي أرضعت أخته أو أخاه، لعدم وجود علاقة رضاعية بنيهما.
بينما لا يجوز له ذلك من النسب؛ لأن أم أخيه أو أخته إما أن تكون أمًّا وإما أن تكون زوجة أب وكلتاهما محرمة شرعًا.
ثالثا: يجوز للرجل أن يتزوج جدة ابنه من الرضاع، ليس له أن يتزوج جدة ابنه من النسب؛ لأن جدة ابنه من الرضاع لا نسب بينهما ولا رضاع ولا مصاهرة.
رابعًا: يجوز للرجل أن يتزوج المرأة الأجنبية التي أرضعت ولد ولده لا فرق بين الذكر والأنثى في الولد ولا في الرضيع، لكونها أجنبية عن الجد. بينما أن هذه من جهة النسب محرمة؛ لأنها إما أن تكون بنتا أو زوجة ابن وكلتاهما محرمة شرعًا.
خامسا: يجوز للرجل أن يتزوج أم المرأة الأجنبية التي أرضعت ابنه أو بنته، لعدم وجود علاقة رضاعية بين الأب وبين جدة ابنه أو بنته من الرضاع، بينما لا يجوز له ذلك من جهة النسب؛ لأن جدة الابن أو البنت إما أن تكون أمًّا وإما أن تكون أم زوجة وكلتاهما محرمة شرعًا.
سادسا: يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه أو أخت بنته من الرضاع؛ لأنها أجنبيه عن الأب.
стр. 121
بينما لا يجوز له ذلك من جهة النسب؛ لأنها إما أن تكون بنته أو ربيبته وكلتاهما محرمة شرعًا.
سابعًا: يجوز للرجل أن يتزوج أم عمه وأم عمته رضاعا أي المرأة التي أرضعت عمه أو عمته لكنها أجنبية عنه، بينما لا يجز له ذلك من جهة النسب؛ لأن أم العم وأم العمة إما أن تكون جدة أو زوجة جد وكلتاهما محرمة شرعًا.
ثامنا: يجوز للرجل أن يتزوج أم خالة وأم خالته رضاعا؛ لأنها أجنبية عنه، بينما لا يجوز له ذلك من جهة النسب لأنها إما أن تكون جدة أو زوجة جد وكلتاهما محرمة شرعًا.
تاسعًا: يجوز للرجل أن يتزوج عمة ابنه أو عمة ابنته من الرضاع؛ لأنها أجنبية. بينما لا يجوز له ذلك من جهة النسب؛ لأن عمة الابن أو عمة البنت أختا للاب وهي محرمة شرعًا.
المسألة السابعة عشر: الشك في الرضاع:
من القواعد المقررة في الفقه الإسلامي قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" وتطبيقا لهذا القاعدة لو وقع الشك في أصل الرضاع هل حدث أم لا؟ فإن الأصل عدم حدوثه لأن الشك إذا طرأ على اليقين سقط حكمه.
وإذا حدث الشك في عدد الرضعات عند من يقول باشتراط العدد في التحريم، فإنه يبني على الأقل فلو وقع الشك مثلا أرضع أربعا أم ثلاثا فإننا نبني على الأقل وهو الثلاث ونعتبر أنه أرضع ثلاثا.
المسألة الثامنة عشرة: ثبوت الرضاع
أولا: ثبوته بالشهادة
يثبت الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو أربع نسوة.
стр. 122
الأدلة:
ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ١.
ووجه الدلالة هو: أن الحق لما أقام المرأتين مقام الرجل ولم يقبل من الرجال أقل من اثنين وجب ألا يقبل من النساء أقل من أربع.
قول عمر ﵁: لا يقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
أن سبب نزول هذه الحرمة مما يطلع عليه الرجال فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين قياسا على حرمة الطلاق.
ثانيا: ثبوت الرضاع بالإقرار
الإقرار في اللغة: الثبوت والاعتراف وعدم الإنكار.
وفي الاصطلاح: إخبار من يصح إخباره بحق لغيره عليه.
واتفق الفقهاء على أنه إذا أقر الزوج بالرضاع قائلا: هي أختي أو عمتي أو ابنتي من الرضاع مثلا وأصر على إقراره فسخ النكاح بينهما قبل الدخول أو بعده.
وكذلك اتفقوا على أنه إذا كانت المقرة به هي الزوجة قائلة: هذا أخي من الرضاع مثلا وكذبها الزوج لا يفسخ النكاح بينهما؛ لأن الحرمة ليست إليها.
كما اتفقوا على أنهما إذا أقرا به معا وثبتا على إقرارهما انفسخ النكاح بينهما قبل الدخول أو بعده.
وكذلك اتفقوا على أنه إذا رجع المقر منهما في إقراره الذي أشهد عليه لا يجوز له الرجوع ولا يقبل رجوعه.
стр. 123
ثالثا: الاختلاف الرضاع
ذكر الشافعية أنه إذا ادعى الزوج رضاعا محرما وأنكرت الزوجة انفسخ النكاح بينهما: مؤاخذة له بقوله، ولها المهر المسمى إن كان النكاح صحيحا، وإلا فمهر المثل إن كان قد دخل بهما لاستقراره بالدخول ولها نصفه قبل الدخول؛ لأن سبب الفرقة جاء من جهته.
وإن ادعته الزوجة فأنكر الزوج صُدِق بيمينه وإن كانت الزوجة قد زوجت برضاها فالأصح تصديقها بيمينها، لاحتمال ما تدعيه ولم يسبق منها ما يناقضه.
وقيل: يصدق الزوج بيمينه لاستدامة النكاح الجاري في الصحة ظاهرًا كما قال الشافعية أيضا أنه إذا ادعى الزوج رضاعا محرما فأنكرت الزوجة وشهدت بذلك أمه أو ابنته لم تقبل شهادتهما؛ لأن شهادة الوالدة لولدها والولد لوالدة غير مقبولة.
وإن شهدت بذلك أمها أو ابنتها قبلت شهادتهما قولا واحدا في المذهب وإن ادعت ذلك المرأة وأنكره الزوج فشهدت بذلك لهما أمها أو ابنتها لم تقبل شهادتهما، وإن شهدت لها أم الزوج أو ابنته قبلت شهادتهما قولا واحدا في المذهب.
المسألة التاسعة عشرة: حكم إرضاع الأم ولدها
اتفق الفقهاء على إن كل أم يلزمها إرضاع ولدها لقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ١.
ووجه الدلالة هو أن قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبر في معنى الأمر أي ليرضعن فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة طالما الزوجية قائمة.
وذلك الإرضاع الواجب عليها في أحوال ثلاثة:
الأولى: إذا لم يوجد غيرها.
الثانية: إذا وجد غيرها وطلب منه أجرة على الرضاع ولا مال للطفل ولا لأبيه.
стр. 124
الثالثة: إذا امتنع الطفل عن الرضاع من ثدي غيرها، ولا يلزمها فيما عدا هذه الأحول الثلاثة شريفة كانت أم غير شريفة.
وإذا لم يجب على الإم إرضاع ولدها في غير الأحوال الثلاثة سالفة الذكر فإنه يترتب على عدم الوجوب ما يأتي:
أولا: إن تبرعت الأم بإرضاع ولدها، فإنها لا تمنع من ذلك.
ثانيا: إذا أرادت الأم إرضاع ولدها بأجرة ووجدت من سترضعه بدون أجرة، فإنه ينزع من أمه ويسلم إلى من سترضعه بدون أجرة، وقيل: لا ينزع لزيادة شفقتها عليه.
ثالثا: إذا طلبت الأم أجرة على إرضاع ولدها وكان هناك مرضعة غيرها بأجرة كذلك، فالأم أحق من غيرها؛ لأن الأم أحن وأشفق ولبنها أَمْرأ من لبن غيرها، والمرضعة المستأجرة تسمى -ظِئْرًا- ويجب عليها إرضاع الطفل في المكان الذي اتفق معها على إرضاعه فيه ولا تتعداه حتى لو اتفق معها على إرضاعه في بيتها.
المسألة العشرون: استحقاق الأم أجر إرضاع ولدها.
إذا أرضعت الأم ولدها فهل تستحق أجرة على إرضاعه أو لا؟
لا تستحق الأم أجرة على إرضاع ولدها سواء أكانت الزوجية قائمة بينها وبين الزوج أو لا ذلك لأن الأب إذا استأجر زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز، ولأن الرضاع واجب عليها ديانة لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إلا إذا عجزت عنه. فإذا أقدمت عليه بالأجرة ظهرت قدرتها، فكان الرضاع واجب عليها، ومن ثم فلا يجوز أخذ الأجرة على فعل الواجب.
الدليل الثاني: أن أوقات الرضاع مستحقة لاستمتاع الزوج ببدل وهو النفقة فلا يجوز لها أن تأخذ بدلا آخر.
стр. 125
وفي الوجه الثاني تستحق أجرة على إراضع ولدها لأن الرضاع عمل يجوز أخذ الأجرة عليه بعد البينونة فجاز أخذ الأجرة عليه قبل البينونة، كما أن استئجار الأم على إرضاع ولدها عقد إجارة يجوز مع غير الزوج فكذلك يجوز معه وهو الأصح.
стр. 126
مانع المصاهرة:
يقال في اللغة صاهر الرجل جماعة أي تزوج منهم فالتحريم بسبب المصاهرة معناه تحريم بسبب الزواج. واللاتي يحرمن بسبب المصاهرة أربع شعب:
الأولى: من كانت زوجة أصلة وإن علا ذلك الأصل سواء كان من العصبات كأبي الأب أو كان من الأرحام كأبي الأم وسواء دخل بها الأصل أم لم يدخل.
الثانية: من كانت زوجة فرعه سواء كان من العصبات كابن الابن أو من ذوي الأرحام كابن البنت وسواء دخل بها أم لم يدخل.
الثالثة: أصول من كانت زوجته سواء دخل بزوجته أم لم يدخل.
الرابعة: فورع من كانت زوجته وإن نزلن، ولكن بشرط الدخول بزوجته.
ويستدل على تحريم الطائفة الأولى بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ١.
وقد دلت هذه الآية بنصها على تحريم زواج من كانت زوجة للأب وبما اشتملت عليه من تعليل للتحريم تدل على تحريم أزواج الأجداد وإن علوا لأن وصف المقت والفاحشة يتحقق في التزوج ممن كان زوجات الأجداد وإن علوا، كما يتحقق من زوجة الأب، ويصح أن يفهم تحريم زوجات الأصول جميعا من النص على تحريم زوجات الأباء يراد بها الأصول إذ لفظ الأب قد يراد به الأصل مجازا فيشمل الأب الحقيقي والجد وإن علا، وقد انعقد الإجماع على تحريم زوجات الأجداد فكان ذلك التحريم ثابت بالإجماع.
стр. 127
هذا وإذا كان نكاح زوجة الأصل يفضي إلى قطع الرحم؛ لأنه إذا فارقها أصله، فقد يندم ويريد أن يعيدها فإذا تزوجها ابنه أو حفيده فقد قطع السبيل دون إرادته وأوحشه بذلك، وأن الفطرة السليمة تجافي ذلك النكاح الذي سماه الشارع مقتا وفاحشة.
وتدل الآية الكريمة على أن زوجة الأصل محرمة دخل بها الأصل أم لم يدخل؛ لأن النكاح المراد به العقد، فالعقد وحده سبب للتحريم سواء أكان معه دخول أم لم يكن.
ويستدل على تحريم الطائفة الثانية وهي زوجة الفروع بقول الله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ عطفا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ .
وقد قيد الله الأبناء بكونهم من الأصلاب لكي يعرف الأبناء بذلك الوصف، فيفيد النص أن الأبناء هم الذين من الصلب لا الذين يتبنون، وبهذا يتبين أن المحرم هن زوجات الأبناء لا زوجات المتبنين؛ لأنهم ليسوا أبناء.
هذا وقد ثبت تحريم زوجة الابن بالنص وثبت تحريم زوجة غير الابن كزوجة ابن الابن وابن البنت بالقياس المساوي الجلي؛ لأن سبب التحريم هو الجزئية، وكل فروع الشخص أجزاء منه أو يراد من الأبناء كل من اتصل به بصلة الولادة؛ لأن أولئك أبناء مجازا له.
وزوجة الفرع محرمة سواء حصل دخول بها أو لم يحصل.
والحكمة في تحريمها: هي المحافظة على العلائق بين أفراد الأسرة ومنع كل ما يؤدي إلى القطيعة بينهم؛ إذ لو أبيح للرجل أن يتزوج زوجة ابنه بعد أن يطلقها؛ لأدى ذلك إلى الضغينة بينهما؛ لأن الابن ربما يريد معاودة الحياة مع مطلقته فإذا رأى أباه قد تزوجها، أضغنه ذلك وأوحشه.
وإن زوجة الابن كبنت الرجل وكثيرا ما تناديه بنداء البنت لأبيها، فكيف يحل له زواجها وأن هذا ضد الفطرة السليمة.
стр. 128
ويستدل على تحريم الطائفة الثالثة بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ . عطفا على قول تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ .
فقد أثبت النص حرمة زواج الأم، وأثبت حرمة زواج الجدات بدلالة النص أو القياس الجلي، أو دلالة الأولى على حسب تسمية علماء الأصول لذلك النوع من الدلالة، وقد انعقد الإجماع على تحريم كل أصوله الزوجة سواء أدخل بالزوجة أم لم يدخل للإطلاق، وعدم التقييد بحال الدخول، كما قيد التحريم في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ .
وهذا رأي الجمهور من الفقهاء:
وهناك رأي آخر روي عن زيد بن ثابت وهو أنه إن حصل فراق البنت عن طلاق قبل الدخول تحل له الأم، وإن كان الفراق بسبب الوفاة فلا تحل؛ لأن الفرق بالموت، كالفراق بعد الدخول يثبت المهر كاملا فكان مثبتا للتحريم كما أثبت المهر.
وحجته في ذلك هي أن الله تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
وقد جاء القيد الأخير بعد الأمرين، فكان التحريم في الطائفتين مقيدا بالدخول.
وعلى ذلك يكن شرط الدخول ثابتا في تحريم الأمهات، كما هو ثابت في تحريم البنات.
واستدل الجمهور بظاهر الآية؛ لأن الوصف كان للحال الأخيرة دون سابقتها، فكانت الأولى على إطلاقها، وكان التحريم في الثانية مقيدا بحال الدخول، والأصل في الألفاظ أن تجري في ظاهرها.
واعتبار القيد للاثنين تخريج للكلام على غير ظاهره، ولا يخرج الكلام على غير الظاهر إلا لداع إليه، كعدم استقامة المعنى على الظاهر، والمعنى على الظاهر مستقيم لا يحتاج إلى تخريج.
стр. 129
وقد أيدت السنة هذا الظاهر وعينته، فقد روي أن رسول ﷺ قال: "أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده، فلا بأس أن يتزوج ابنتها، وأيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها".
ويستدل على تحريم الطائفة الرابعة وهن فروع من كانت زوجته المدخول بها بقول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
وذلك عطفا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ .
والربيبة: هي ابنة الزوجة سميت بذلك لأن زوج أمها يربيها.
وهي حرام بنص الآية سواء أكانت في الحِجْر أم لم تكن ووصفها بأنها في الحجر وصف كاشف وليس بقيد؛ لأن الغالب أنها تكون في الحجر.
ولقد قال بعض أهل العلم: إن تحريم الربيبة مقيد بأن تكون في الحجر، فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها واحتجوا بالآية وقالوا حرم الله الربيبة بشرطين:
أحدهما: أن تكون في حجر المتزوج بأمها.
والثاني الدخول بالأم.
فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم.
واحتجوا كذلك بقوله ﷺ : "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة"، فشرط الحِجْر.
ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك.
وليس ذلك بصحيح في نسبته وحجته لأن ذكر الوصف عند التحريم لا يدل على الحل إذا لم يكن بدليل لأنه عندما نص على حال الحل ذكرها في حال الدخول فقط فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يذكر عند الحل الحال التي
стр. 130
لا تكون في حِجْره، فأقصى ما يدل عليه الوصف أنه يشير إلى الغالب أو هو مبين للتحريم في حال وجوده والباقي فهم تحريمه من على التحريم أي بالقياس الجلي أو من مفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ١ فإنه يثبت أنه في حال الدخول تثبت الحرمة سواء أكانت في الحجر أو لم تكن.
فالحق إن ذلك الوصف ليس لتقييد بل خرج تخريج العادة ولبيان قبح التزوج بهن لأنهن غالبا في حجورهن كأبنائهم وبناتهم فلهن ما للبنات من التحريم.
وقبل أن أترك المقام أوضح ثلاث أمور تتعلق بالتحريم بالمصاهرة.
الأمر الأول: اللمس والنظر بشهورة أيعتبر كالدخول الحقيقي ويعطى حكمه فتحرم به الربيبة أو لا؟
قولان في المذهب المختار والمفتى به أنه لا يحرم إلا الدخول الحقيقي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ ولأن النظر اللمس بشهوة مباشرة لا يوجبان العدة فلا يتعلق بها التحريم.
وقيل: يتعلق بذلك تحريم كالدخول الحقيقي لقوله ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها وبنتها".
وقوله ﷺ : "لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها".
ووجه الدلالة أن الحديث الأول نص على أنه من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها، وتوعد الحديث الثاني من نظر إلى فرج امرأة وابنتها بعدم نظر الله إليه والوعيد لا يكون إلا على ارتكاب أمر محرم.
стр. 131
الأمر الثاني: الزنا, أثره في التحريم بالمصاهرة
من زنا بامرأة لا يحرم عليه نكاحها ولا تحرم بالزنا أمها ولا ابنتها ولا تحرم الزانية على ابن الزاني ولا على أبيه وذلك لأن الله تعالى بين المحرمات ولم يذكر منهن هذه وأحل ما دون ذلك.
وسئل النبي ﷺ عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها فقال: "لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح" وذكر البخاري تعليقا عن ابن عباس ﵄ ووصله البيهقي بإسناد صحيح أن رجلا غشى أم امرأته فسئل ابن عباس فقال: تخطى حرمتين ولا تحرم عليه امرأته.
وسئل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ﵄ عن الرجل يزني بالمرأة هل تحل لها أمها؟
فقالا: لا يحرم الحرام الحلال.
ويروى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفتوى من الأمصار أنه لا يحرم على الزاني نكاح من زنى بها، فنكاح أمها وبنتها أجوز.
ومن زنى بامرأة ثم أتت منه ببنت فقد قال إمامنا الشافعي -يرحمه الله- أكره أن يتزوجها فإن تزوجها لا أفسخ نكاحها.
والصحيح أنه لا تحرم عليه حتى لو تحقق أنها من مائه، وذلك لأنها ولادة لا يتعلق بها ثبوت النسب فلا يتعلق بها التحريم.
أما البنت المنفية بلعان فقال بعض فقهاء المذهب: أنها لا تحرم على من نفاها كالبنت من الزنا، ومنهم من قال: تحرم عليه؛ لأنها غير منفية عنه قطعا ولهذا لو أقر بها ثبت النسب.
стр. 132
الأمر الثالث: الوطء بشبهة والدخول في عقد فاسد
من عقد على امرأة فزفت إليه أخرى ودخل بها وهو يعتقد أنها المعقود عليها فإن هذا يعتبر وطئا بشبهة، ومن عقد على امرأة بدون شهود ودخل بها فإنه دخول في عقد فاسد.
وكلا الأمرين الوطء بشبهة والدخول في عقد فاسد كالوطء في ظل عقد صحيح يثبت بهما التحريم بالمصاهرة فتحرم الموطؤة على أصوله وفروعه، ويحرم عليه أصولها وفروعها.
الحكمة في التحريم بالمصاهرة:
إن الشرائع السماوية قد وافقت الشريعة الإسلامية في التحريم بسبب المصاهرة، فكان هذا دليلا على أن ذلك التحريم مشتق من الفطرة الإنسانية؛ إذ لم تختلف فيه الشرائع، والحق أنه يتفق مع الطبع السليم، فإن المرأة إذا اقترنت بالرجل صارت قطعة من نفسه وصار هو قطعة منها ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ١ وإذا صارت جزءًا لا ينفصل من نفسه كان من منطق الزواج أن تكون أمها كأمه، وابنتها كابنته، وتحرم هي على أبيه كما يحرم على أمها؛ إذ صار أبوه أباها أيضا، وتحرم على ابنها كما يحرم ابنها عليها، وما باعدت الحق كثير الشرائع التي تسمي أبا الزوجة أبا للزوج، وابنها ابنا له وأباه أبا لها، وما جاوز الناس في عرفهم الطبيعة والحق إذا أطلقوا هذه الأسماء وأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج أم زوجته وابنتها، وهي تتزوج أباه وابنه لأدى ذلك إلى أن تقام الحجب. وبذلك ينقطع الرجل عن أهله، وتنقطع هي عن أهلها، فيكون كلاهما في وحشة لا يجد من يسري عنه، ولا يجد كذلك من يعاونه ويزيل همه ويلقي إليه بدخائل نفسه.
стр. 133
ولأنه لو ساغ للأم أن تتزوج زوج ابنتها، وللبنت أن تتزوج زوج أمها لقطعت الأرحام ولأوجس الأصل خيفة من فروعه، وأوجس الفرع خيفة من أصله، وما بمثل ذلك تقام دعائم الأسر.
стр. 134
ثانيا: الموانع المؤقتة
المانع الأول: مانع العدد
اتفق الفقهاء على أنه يجوز للرجل الحر أن يجمع بين أربع حرائر ولا يزيد على ذلك.
ولم يخالفهم في ذلك إلا أقواما لا يعتد بخلافهم، وهم بعض الشيعة والروافض، وبعض أهل الظاهر.
وهؤلاء المخالفين سماهم فخر الدين الرازي: قوما سدى أي: ضائعين في تفكيرهم.
كما وصفهم القرطبي بقوله: وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة للإجماع.
الأدلة:
أولا: أدلة الجمهور
استدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١. ووجه الدلالة: هو أن الواو العاطفة للأعداد بعضها على بعض بمعنى "أو" ويؤيده قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢ فالآية محمولة على عادة العرب في الخطاب على طريق المجموعات فيكون المراد بها التخيير بين الزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع.
وكذلك استدلوا بما رواه ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا.
стр. 135
وروي عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "اختر منهن أربعا".
وروي عن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعا وفارق الأخرى".
فدلت الأحاديث بمجموعها على أنه لا يجوز للحر الزيادة في النكاح عن أربع.
وقال ابن عبد البر: الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية، ولكنها لم يرو شيء يخالفها عن النبي ﷺ والأصول تعضدها والقول بها والمصير إليها أولى، وبالله التوفيق.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: والأحاديث بمجموعها لا تقتصر عن رتبة الحسن لغيره فتنهض بمجموعها للاحتجاج بها، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال.
وقال -أيضا- في السيل الجرار: والاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث، وغيلان الثقفي، ونوفل بن معاوية، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، ولكن الاجماع على ما دلت عليه قد صارت به من المجمع على العمل به.
وحكى ذلك الإجماع ابن حجر في الفتح، وصاحب البحر الزخار، ولم ينقل عن أحد من السلف في عهد الصحابة والتابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع، فدل العمل وفق السنة على أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة.
ثانيا: أدلة الرافضة وبعض أهل الظاهر استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١.
وزعموا أن الواو للجمع وأكدوا زعمهم هذا بأن النبي ﷺ تزوج تسعا وجمع بينهن في عصمته إذن يباح للرجل المسلم أن يجمع بين تسع
стр. 136
من النسوة بل ذهب بعضهم إلى أقبح من هذا. فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكا منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع.
وفند زعمهم هذا القرطبي قائلا: وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة؛ إذ لم يسمع أن أحد من الصحابة والتابعين جمع في عصمته أكثر من أربع. ثم رد عليهم في موضع آخر، فقال: وأما قولهم: إن الواو جامعة، فقد قيل ذلك لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة، وكذلك تستقبح ممن يقول: أعط فلانا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول: ثمانية عشر، وإنما الواو في هذا الموضوع بدل، أي: أنكحوا ثلاثا بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو.
وأما قولهم: تزوج النبي ﷺ تسعا وجمع بينهن، فهذا من خصوصياته.
وكذلك رد على بعض أهل الظاهر القائلين بإباحة الجمع بين ثمان عشرة امرأة فقال: وكذلك جهلة الآخرون؛ لأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، ثلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا حصر للعدد، ومثنى وثلاث ورباع بخلافها، ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءت مزدوجة.
الترجيح:
وبعد أن استعرضت أقوال العلماء وأدلتهم مع مناقشة أدلة أصحاب الرأي الثاني القائلين بأنه يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع أرى بأن الراجح هو الرأي القائل بأنه لا يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع؛ لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
стр. 137
هذا بالإضافة إلى أن الاقتصار على أربع عدل وتوسط وحماية للنساء من ظلم يقع عليهن بسبب الزيادة على ذلك، وهذا بخلاف ما كانت عليه العرب في الجاهلية.
ولقد أصحبت هذه الزيادة أمرا استثنائيًّا نادرًا فلا يلزم الرجل بالتعداد بل الزواج بواحدة أصبح هو الأعم الأغلب.
المانع الثاني: مانع الجمع
أولا: الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها.
اتفق الفقهاء على أنه يحرم الجمع بين المرأة وأختها سواء أكانتا من أب وأم أو من أم أو من أب وسواء أكانتا من نسب أم رضاع وكذلك يحرم الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها بالنكاح.
لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١ ولقوله -صلى الله عليه سلم: "لا يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها".
ولا يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، عند الرافضة والخوارج ومن أعجبه قولهم وهم كما وصفهم ابن حجر: لا يعتد بخلاقهم؛ لأنهم مرقوا من الدين.
ثم لا فرق بين العمة أو الخالة حقيقة أو مجازًا كعمات آبائها وخالتهم، وعمات أمهاتهن وخالتهن وإن علت درجتهن من نسب أو رضاع.
ولقد استنبط الفقهاء من النصيين السابقين القرآني والنبوي قاعدة لتحريم الجمع بين المحارم، هي يحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لا يجوز له نكاح أخرى.
وكذلك لا يجوز الجمع بين المرأة ابنتها، قياسا على تحريم الجمع بين الأختين، بل هو أولى؛ لأن قرابة الولادة أقوى من قرابة الأخوة.
стр. 138
والحكمة من التحريم الجمع بين المرأة وأختها وبينها وبين عماتها أو خالتها هي: أن الجمع بينهما يؤدي إلى قطيعة الرحم بسبب ما يكون بين الضرتين من عداوة وكراهية، وقطيعة الرحم حرام وما أدى إلى حرام فهو حرام.
وكذلك اتفق الفقهاء على أنه يحرم الجمع بين المرأة وأختها وبينها وبين عمتها في عدة طلاق إحداهما طلاقا رجعيا واتفقوا على جواز الجمع بينهما إذا ماتت إحدهما فلو ماتت زوج الرجل جاز له نكاح أختها أو عمتها أو خالتها من غير انتظار مدة العدة.
أما إذا طلقت الزوجة طلاقا بائنا بينونة صغرى أم كبرى فإنه لا يحرم على الزوج عند فقهاء المذهب نكاح أختها أو عمتها أو خالتها في عدتها، لزوال النكاح بينهما بالبينونة، ومن ثم فإنه لو وطئها بعد علمه ببينونتها أقيم عليه الحد.
ثانيا: الجمع بين امرأة الرجل بعد وفاته أو طلاقها وابنته من غيرها بنكاح.
قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها بالنكاح، فأباح أكثر أهل العلم نكاحها، فعل ذلك عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أمية، وأباح ذلك ابن سيرين، وسليمان بن يسار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا أعلم ذلك حراما، وبه نقول: وذلك أني لا أجد دلالة أحرم بها، وكره ذلك الحسن البصري وعكرمة.
ثالثا: الجمع بين بنات العم وبنات الخال بنكاح.
يجوز الجمع بينهما بالاتفاق، لدخولهما في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١.
ولأن أحداهما تحل للأخرى لو كانت ذكرًا.
стр. 139
هذا ولم أتعرض للجمع بين المحارم بملك اليمين؛ لأن الله تعالى مَنَّ علينا بنعمة الإسلام التي حرر الله تعالى بها الرقاب من ذل العبودية لغير الله، ومن ثم عزفت عن الخوض في الحديث عنه لعدم وجوده.
المانع الثالث: مانع الكفر
اتفق أهل العلم على تحريم نكاح المسلم للمشركة، ونكاح المشرك المسلمة.
لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ١.
وكذلك اتفقوا على جواز نكاح المسلم للكتابية اليهودية أو النصرانية، ولم يخالف في ذلك إلا عبد الله بن عمر ﵄ فلقد سئل عن نكاحهما، فقال: حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، عقب القرطبي على قول ابن عمر، قائلا: أما حديث ابن عمر فلا حجة فيه؛ لأن ابن عمر ﵀ كان رجلا متوقفا، فلما سمع الآيتين في الواحدة التحليل، وفي الأخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف.
وقال الجصاص: يعني بآية التحليل ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢.
وبآية التحريم: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٣.
فلما رأى ابن عمر الآيتين في نظامهما تقتضي إحداهما التحليل والأخرى التحريم وقف فيه ولم يقطع بإباحته.
وحرم ابن عباس ﵄ نكاح الكتابيات إذا كن من أهل دار الحرب.
стр. 140
وعقب الجصاص على هذه التفرقة، فقال: ولم يفرق غيره ممن ذكرنا قوله من الصحابة بين الحربيات الذميات وظاهر الآية يقضي جواز نكاح الجميع لشمول الاسم لهن.
واختلف الروايات عن عمر بن الخطاب ﵁ فمرة قال: بالحل ومرة أخرى قال: بالكراهة.
وإذا تم نكاح المسلم للكتابية كما هو رأي الجمهور على ما سبق بيانه فإن هذا النكاح تترتب عليه جميع الآثار الشريعة والواجبات، إلا أنه لا يجري بينهما توارث لاختلاف الدين، والأولاد يكونون مسلمين لما تقرر في القواعد الفقهية: من أن الولد يتبع أشرف الأبوين دينا.
والغالب في الكتابيات أنهن يجهلن، ما قررته الشريعة الإسلامية من حقوق وواجبات لكل واحد من الزوجين على الآخر، ولهذا رأى ولاة الأمر في مصر أن يضعوا نظاما خاصا للزواج بالكتابيات ينحصر في النقاط التالية:
١- لا يتولى المأذون الزواج الخاص بالكتابيات، بل يترك أمره إلى القاضي الشرعي الذي يتولاه بنفسه، كما نصت على ذلك المادة "٢٧" من لائحة المأذونين ونصها: ليس للمأذون أن يباشر زواج من لا ولي لها من الأيتام، ولا العقود التي يكون أحد الطرفين فيها تابعا لدولة أجنبية أو كان غير مسلم، وإنما ذلك كله من اختصاص القضاء.
٢- وضع لهذا الزواج وثيقة خاصة دون فيها ما للزوج من حقوق شريعة بسبب هذا الزواج حتى تكون الزوجة على بينة من الأمر قبل الإقدام عليه، وتتلى هذه الأحكام على الزوجة، وتفهم كل ما تدل عليه، لتكون عالمة بما لها وما عليها راضية بذلك ملتزمة بما فيها ...
نصت هذه الوثيقة على ما يأتي:
أ- للزوج المسلم أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع رضيت بذلك أم كرهت.
стр. 141
ب- أن يطلق متى شاء قبلت أو عارضت وإذا طلقها طلاقا رجعيا فله أن يراجعها في أثناء العدة ولو عارضت ذلك، وإذا كان الطلاق بائنا فليس له أن يعيدها إلا بعقد ومهر جديدين إذا كانت البينونة صغرى، وإذا كانت كبرى فليس له أن يتزوجها إلا إذا تزوجت زوجا آخر، ودخل بها ثم طلقها وانتهت عدتها وأنه إذا طلقها قبل الدخول فلها نصف المهر المسمى وإن طلقها بعد الدخول فلها المهر المسمى أو مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول ولا تسميه للمهر فلها المتعة حسب تقدير القاضي أو اتفاقهما.
ج- له أن يلزمها بالطاعة في مسكنه الشرعي، ويمنعها من الخروج إلا بإذنه، وأنها تستحق النفقة وقت الزواج وفي العدة.
د- الأولاد الذين ترزقهم من المسلم يكونون مسلمين تبعا لدين أبيهم.
هـ- لا توراث بينها وبين زوجها المسلم إذا مات أحدهما؛ لأن شرط الإرث اتحاد الدين وأن الأولاد يرثون أباهم ولا يورثونها.
و لها حق في الحضانة إلا إذا رأى القاضي ما يمنع من بقاء الأولاد تحت سلطانها، وأن لها الحق في إرضاع أولادها، وأن أجرة الرضاعة والحضانة على أبيهم.
نكاح المجوسية ١:
اتفق أهل العلم على تحريم المسلم للمرأة المجوسية؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب بدليل ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال في مجوس البحرين: "إن
стр. 142
من أبى منهم الإسلام ضربت عليهم الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة".
نكاح الصابئة ١:
ويحرم عليه كذلك نكاح الصابئة؛ لأنها ليست من أهل الكتاب وأقول: لقد انتشر في عصرنا الحاضر الكثير والكثير من شبابنا المسلم في الكثير من الدول الأوروبية يرغبون في الزواج بغير المسلمة زاهدين في المسلمات الطاهرات وهذه فتنة عظيمة.
وأعظم منها: أن اليهود والنصارى يرغبون بناتهم في التزويج بالمسلمين لتنصيرهم وإبعادهم عن دينهم، فإذا نكحت أحداهن مسلما فإنها لا تزال تدعوه إلى دينها وترغبه فيه حتى يرتد ويدخل في دينها، فإذا لم يتحقق لها ذلك فلا أقل من أنها تجعل الأولاد الذين ولدوا تحت فراش المسلم نصارى أو يهود.
لذلك فإنني أرى حرمة نكاح المسلم لغير المسلمة أيا كان دينها، وسندي في ذلك ما روي أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة، أحرام هي يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر، أعزم عليك ألا تضع كتابي حتى تخلي سبيلها فإني أخاف أن يقتد بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين.
стр. 143
المانع الرابع: مانع الإحرام ١:
ويحرم على المحرم بالحج والعمرة أن يتزوج أو يزوج غيره بالوكالة أو الولاية الخاصة فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل.
لقوله ﷺ : "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب".
ولأن الإحرام عبادة حرمت الطيب فمن باب أولى يحرم النكاح وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم؟
فيه وجهان:
الوجه الأول: لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة.
الوجه الثاني: يجوز؛ لأن الولاية العامة أكد بدليل أنه يزوج بالولاية العامة.
المسلمة والكافرة ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة.
شهادة المحرم على النكاح:
وشهادة المحرم على النكاح جائزة ولا تؤثر في العقد؛ لأن العقد هو الإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك.
خطبة المحرم:
ويكره للمحرم أن يخطب؛ لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له.
مراجعة المحرم لزوجته:
يجوز للمحرم أن يراجع الزوجة في الإحرام؛ لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنها تصح من غير ولي ولا شهود.
стр. 144
المانع الخامس: مانع العدة ١
اتفق الفقهاء على أن النكاح لا يجوز في العدة أيا كان نوعها وكذلك اتفقوا على أنه إذا عقد رجل على امرأة في عدتها وجب التفريق بينهما دخل بها أم لم يدخل وذلك لأن نكاحها يفضي إلى اختلاط الأنساب وهو حرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام وإذا ما نقضت العدة جاز له نكاحها.
المانع السادس: مانع التطليق ثلاثا للمطلق
اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمطلق أن يعقد على امرأته التي طلقها ثلاثا مرة أخرى حتى تتزوج زوجًا آخر، ويدخل بها دخولا شرعيا ثم يطلقها بمحض إرادته، ثم تنقضي عدتها من الثاني.
لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٢.
واختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب جمهور العلماء والأئمة الأربعة إلى أن الوطء الذي يبيح التحليل هو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق.
المذهب الثاني: وذهب سعيد بن المسيب، والخوارج والشيعة وداود الظاهري أنها تحل للأول بنفس العقد.
стр. 145
الأدلة:
أولا: أدلة الجمهور
استدلوا بما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإن ما معه مثل الهدبة فقال رسول الله ﷺ : "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
ووجه الدلالة: هو أن المقصود بالعسيلة في الحديث الجماع ولو لم ينزل.
ثانيا: أدلة أصحاب المذهب الثاني
استدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ١.
الترجيح:
والراجح هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول لقوة ما استدلوا به، ولأن ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني مردود ببيان النبي ﷺ المقصود من الآية، وإجماع الأمة على أن الدخول الحقيقي شرط للحل. والله أعلم.
المانع السابع: مانع الزوجية
اتفق الفقهاء على أن الزوجية بين المسلمين، وأهل الذمة مانعة من موانع النكاح الشرعية.
لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٢.
ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى: عطف المحصنات بالواو العاطفة على قوله تعالى: حرمت عليكم، والعطف يقتضي التشريك في الحكم، والمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج يقال: امرأة محصنة أي متزوجة.