← Фараид

Фараид · id 8640

فقه النكاح والفرائض

محمد عبد اللطيف قنديل

Полный текст (373 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ب- أن يطلق متى شاء قبلت أو عارضت وإذا طلقها طلاقا رجعيا فله أن يراجعها في أثناء العدة ولو عارضت ذلك، وإذا كان الطلاق بائنا فليس له أن يعيدها إلا بعقد ومهر جديدين إذا كانت البينونة صغرى، وإذا كانت كبرى فليس له أن يتزوجها إلا إذا تزوجت زوجا آخر، ودخل بها ثم طلقها وانتهت عدتها وأنه إذا طلقها قبل الدخول فلها نصف المهر المسمى وإن طلقها بعد الدخول فلها المهر المسمى أو مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول ولا تسميه للمهر فلها المتعة حسب تقدير القاضي أو اتفاقهما. ج- له أن يلزمها بالطاعة في مسكنه الشرعي، ويمنعها من الخروج إلا بإذنه، وأنها تستحق النفقة وقت الزواج وفي العدة. د- الأولاد الذين ترزقهم من المسلم يكونون مسلمين تبعا لدين أبيهم. هـ- لا توراث بينها وبين زوجها المسلم إذا مات أحدهما؛ لأن شرط الإرث اتحاد الدين وأن الأولاد يرثون أباهم ولا يورثونها. و لها حق في الحضانة إلا إذا رأى القاضي ما يمنع من بقاء الأولاد تحت سلطانها، وأن لها الحق في إرضاع أولادها، وأن أجرة الرضاعة والحضانة على أبيهم. نكاح المجوسية ١: اتفق أهل العلم على تحريم المسلم للمرأة المجوسية؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب بدليل ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال في مجوس البحرين: "إن

стр. 142

من أبى منهم الإسلام ضربت عليهم الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة". نكاح الصابئة ١: ويحرم عليه كذلك نكاح الصابئة؛ لأنها ليست من أهل الكتاب وأقول: لقد انتشر في عصرنا الحاضر الكثير والكثير من شبابنا المسلم في الكثير من الدول الأوروبية يرغبون في الزواج بغير المسلمة زاهدين في المسلمات الطاهرات وهذه فتنة عظيمة. وأعظم منها: أن اليهود والنصارى يرغبون بناتهم في التزويج بالمسلمين لتنصيرهم وإبعادهم عن دينهم، فإذا نكحت أحداهن مسلما فإنها لا تزال تدعوه إلى دينها وترغبه فيه حتى يرتد ويدخل في دينها، فإذا لم يتحقق لها ذلك فلا أقل من أنها تجعل الأولاد الذين ولدوا تحت فراش المسلم نصارى أو يهود. لذلك فإنني أرى حرمة نكاح المسلم لغير المسلمة أيا كان دينها، وسندي في ذلك ما روي أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة، أحرام هي يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر، أعزم عليك ألا تضع كتابي حتى تخلي سبيلها فإني أخاف أن يقتد بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين.

стр. 143

المانع الرابع: مانع الإحرام ١: ويحرم على المحرم بالحج والعمرة أن يتزوج أو يزوج غيره بالوكالة أو الولاية الخاصة فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل. لقوله ﷺ : "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب". ولأن الإحرام عبادة حرمت الطيب فمن باب أولى يحرم النكاح وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم؟ فيه وجهان: الوجه الأول: لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة. الوجه الثاني: يجوز؛ لأن الولاية العامة أكد بدليل أنه يزوج بالولاية العامة. المسلمة والكافرة ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة. شهادة المحرم على النكاح: وشهادة المحرم على النكاح جائزة ولا تؤثر في العقد؛ لأن العقد هو الإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك. خطبة المحرم: ويكره للمحرم أن يخطب؛ لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له. مراجعة المحرم لزوجته: يجوز للمحرم أن يراجع الزوجة في الإحرام؛ لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنها تصح من غير ولي ولا شهود.

стр. 144

المانع الخامس: مانع العدة ١ اتفق الفقهاء على أن النكاح لا يجوز في العدة أيا كان نوعها وكذلك اتفقوا على أنه إذا عقد رجل على امرأة في عدتها وجب التفريق بينهما دخل بها أم لم يدخل وذلك لأن نكاحها يفضي إلى اختلاط الأنساب وهو حرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام وإذا ما نقضت العدة جاز له نكاحها. المانع السادس: مانع التطليق ثلاثا للمطلق اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمطلق أن يعقد على امرأته التي طلقها ثلاثا مرة أخرى حتى تتزوج زوجًا آخر، ويدخل بها دخولا شرعيا ثم يطلقها بمحض إرادته، ثم تنقضي عدتها من الثاني. لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٢. واختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل على مذهبين: المذهب الأول: ذهب جمهور العلماء والأئمة الأربعة إلى أن الوطء الذي يبيح التحليل هو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. المذهب الثاني: وذهب سعيد بن المسيب، والخوارج والشيعة وداود الظاهري أنها تحل للأول بنفس العقد.

стр. 145

الأدلة: أولا: أدلة الجمهور استدلوا بما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني، فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإن ما معه مثل الهدبة فقال رسول الله ﷺ : "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". ووجه الدلالة: هو أن المقصود بالعسيلة في الحديث الجماع ولو لم ينزل. ثانيا: أدلة أصحاب المذهب الثاني استدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ١. الترجيح: والراجح هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول لقوة ما استدلوا به، ولأن ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني مردود ببيان النبي ﷺ المقصود من الآية، وإجماع الأمة على أن الدخول الحقيقي شرط للحل. والله أعلم. المانع السابع: مانع الزوجية اتفق الفقهاء على أن الزوجية بين المسلمين، وأهل الذمة مانعة من موانع النكاح الشرعية. لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٢. ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى: عطف المحصنات بالواو العاطفة على قوله تعالى: حرمت عليكم، والعطف يقتضي التشريك في الحكم، والمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج يقال: امرأة محصنة أي متزوجة.

стр. 146

الركن الرابع من أركان النكاح: الشاهدان لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". ووجه الدلالة: هو نفي النبي ﷺ النكاح الذي افتقد الولي والشاهدين، والنفي يقتضي الفساد. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم التابعين حيث قالوا: "لا نكاح إلا بشهود". وقوله ﷺ : "لابد في النكاح من أربعة؛ زوج، وولي، وشاهدي عدل". وقال إمامنا الشافعي -يرحمه الله- في كتابه الأم: لا نكاح حتى يجمع أربعا، أن ترضى المرأة وهي بالغ، وأن يرضى الزوج البالغ، وأن ينكح المرأة الولي، أو السلطان، وأن يشهد على عقد النكاح شاهدان، فإن نقص النكاح واحدا من هذا كان فاسدًا. ولأن عقد النكاح يختلف عن بقية العقود في تجاوزه عن العاقدين إلى ثالث وهو الولد الذي يلزم حفظ نسبه خالفها في وجوب الشهادة عليه وجعلها ركنا من أركانه حفظا لنسب الولد ولأن الأبضاع يحتاط لها فأوجبت الشريعة الإسلامية صون الأنكحة عن الجحود فاشترط لعقد النكاح شاهدي عدل. ويشترط في شاهدي عقد النكاح شروط سبعة: الشرط الأول: أن يكونا مسلمين سواء أكانت المنكوحة مسلمة أم ذمية؛ إذ الكافر ليس أهلا للشهادة. الشرط الثاني: أن يكونا رجلين. قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١.

стр. 147

ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى أمر بشاهدين في الرجعة وهي أخف حالا من النكاح فكان ذلك في النكاح أولى. ولأن الفرج لا يسوغ فيها البذل والإباحة ومن ثم فإنها لا تستباح بشهادة النساء. الشرط الثالث: إن يكونا عدلين ولو ظاهرًا. لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل". والعدالة التي تقيل معها الشهادة هي ملكة في النفس تمنعها من ارتكاب الذنوب، فلو كانا فاسقين فلا ينعقد النكاح بشهادتهما؛ لأن النكاح لا ينعقد بولاية الفاسق، ومن ثم فلا ينعقد بشهادته فلو عرفا بها ظاهر لا باطنا انعقد النكاح بشهادتهما؛ لأن الظاهر من المسلمين العدالة، ولأن النكاح يجري بين أوساط الناس وعوامهم فلو اعتبر في الشاهدين العدالة الباطنة لاحتاج الناس إلى معرفتها ليحضروا من يتصف بها فيطول بهم الأمر ويشق عليهم ذلك. فلو ظهر فسق الشاهدين عند إنشاء العقد فالعقد باطل على المذهب لفوات العدالة كما لو ظهرا كافرين. ويظهر فسق الشاهد بالبينة، أو باتفاق الزوجين، أو بعلم نفسه، ولو أقر الزوجان أن النكاح عقد بشهادة عدلين حكم عليهما بصحة النكاح بإقرارهما، ثم ادعيا أنه عقد بشهادة فاسقين لم يعتد قولهما. ولا أثر لقولهما كنا عند العقد فاسقين؛ لأن الحق ليس لهما فلا يقبل قولهما على الزوجين. ولو اعترف الزوج بفسق الشاهدين وأنكرت الزوجة فرق بينهما مؤاخذة له بقوله، وتعتبر فرقة فسخ على الصحيح في المذهب، فلا تنقص عدد الطلاق، لأنه لم ينشئ طلاقا ولم يقر به، وقيل: هي طلقة بائنة تنقصه، وفي تلك الحالة سواء قلنا إنها فرقة فسخ أم فرقة طلاق فعليه نصف المهر المسمى إن لم يدخل وكله إن

стр. 148

دخل بها؛ لأن حكم اعترافه مقصور عليه، ولا يرثها وترثه بعد حلفها أن النكاح عقد بشهادة عدلين. وإن أقرت الزوجة بفسق الشاهدين وأنكر الزوج ذلك فإنه لا يفرق بينهما بل يقبل قوله عليها بيمينه؛ لأن العصمة بيده وهي تريد رفعها والأصل بقاؤها، وتؤاخذ بإقرارها بالنسبة لما يضرها فلو مات الزوج لا ترثه وإن ماتت هي أو طلقها قبل الدخول سقط المهر، وإن كان قد دخل بها فلها الأقل من المسمى أو مهر المثل، إلا إذا كانت محجورة عليها لسفهها فإن ذلك كله لم يسقط لفساد إقرارها بالمال. الشرط الرابع: أن يكونا مكلفين أي بالغين عاقلين، فلا تقبل شهادة الصبي المجنون لأنهما لا ولاية لهما على نفسيهما، ومن ثم فلا ولاية لهما على غيرهما لأن الشهادة من باب الولاية. الشرط الخامس: الحرية فلا ينعقد النكاح بشهادة الرقيق. الشرط السادس: السمع. فلا يصلح النكاح بحضور الشاهدين حتى يسمعا لفظ الولي بالبذل ولفظ الزوج بالقبول. فإن سمعا مع البذل والقبول ذكر الصداق شهدا به وبالعقد، وإن لم يسمعا ذكر الصداق شهدا بالعقد دون الصداق. الشرط السابع: أن يكونا بصيرين في أحد الوجهين؛ لأن الأقوال لا تثبت إلا بالمعاينة والسماع. وفي الوجه الثاني: ينعقد النكاح بشهادة الأعمى؛ لأنه أهل للشهادة في الجملة. والأصح انعقاد النكاح بشهادة ابني الزوجين أو ابن أحدهما وابن الآخر، وكذلك ينعقد بشهادة عدوهما أو عدو أحدهما وعدو الآخر؛ لأنهما من أهل الشهادة. وقيل: لا ينعقد النكاح بشهادة الأبناء أو الأعداء لتعذر ثبوت النكاح بهما.

стр. 149

الركن الخامس من أركان النكاح: الولي مدخل ... الركن الخامس من أركان النكاح: الولي فالولي ركن مهم في عقد النكاح لا يصح إلا به وليس للمرأة أن تنفرد بإنشاء عقد نكاحها إذن لها الولي أم لم يأذن صغيرة كانت أم كبيرة، شريفة أم غير شريفة بكرا أم ثيبا. وبه قال من الصحابة -رضوان الله عليهم- عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة. ومن التابعين: الحسن، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وشريع، والنخعي. ومن الفقهاء: الأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وإسحاق، ومالك الشافعي وأحمد خلافا للحنفية القائلين بأن المرأة البالغة العاقلة الرشيد تزوج نفسها بنفسها ويشترط إذن الولي عند صاحبيه. ويستدل على أن الولي ركن في النكاح لا ينعقد إلا به بالكتاب والسنة والقياس. أولا: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١. ووجه الدلالة على ثبوت الولاية من هذه الآية الكريمة من وجهين: أولهما: نهي الأولياء عن العضل -الذي هو المنع- فلو جاز للنساء الانفراد بالعقد لما أثر عضل الأولياء ولما توجه إليهم النهي عن العضل. الثاني: قوله في سياق الآية: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢. والمعروف ما تناوله العرف بالاختيار، وهو الولي والشاهدان ولا يجوز أن يتوجه النهي عن العضل في الآية إلى الأزواج لأمرين. أولهما: إن عضل الزوج قبل العدة فحق لا يجوز أن ينهى عنه. وإن عضل بعدة العدة فهو غير مؤثر.

стр. 150

الثاني: ما روي من سبب نزول الآية الكريمة أنها نزلت في معقل بن يسار زوج أخته رجلا ثم طلقها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها فعضلها معقل وحلف أن لا يزوجها فنهاه الله تعالى عن عضلها وأمره أن يزوجها ففعل. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ٢. ووجه الدلالة من الآيتين هو خطاب المولى بالنكاح للرجال ولم يخاطب به النساء، فيكون المعنى زوجوا أيها الأولياء الأيم التي لا زوج لها من النساء، وكذلك نهاهم قائلا: ولا تزوجوا أيها الأولياء من لكم الولاية عليها من المشركين حتى يؤمنوا. ثانيا: من السنة ويستدل على ركنية الولي في النكاح من السنة، بما رواه ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك، وعمران بن الحصين، أبو موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: $"لا نكاح إلا بولي". ووجه الدلالة: هو أن النهي فيقوله: "لا نكاح" يقتضي الفساد. وكذلك يستدل بما روي عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها". ووجه الدلالة: هو أن الحديث نص صريح في إبطال النكاح بغير ولي من غير تخصيص ولا تمييز، فدل ذلك على أن العقد يرجع إلى الولي ولا تباشره المرأة بنفسها وقال الترمذي: حديث حسن.

стр. 151

وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بسند حسن عن رسول الله ﷺ قال: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها". ثالثا: من القياس هو أن كل من كان من زوائد النكاح كان شرطا فيه كالشهود، ولأن كل عقد صارت المرأة فيه فراشا لم تملكه قياسا على الأمة، ولأن كل من عقد على نفسه واعترض عليه غيره في فسخه دل على فساد عقده كالأمة والعبد إذا زوجا أنفسهما بدون إذن السيد ولأن لولي المرأة حقين قبل بلوغها حقا في طلب الكفاءة وحقا في طلب العقد، فلما كان بلوغها غير مسقط لحقه في طلب الكفاءة كان غير مسقط لحقه في مباشرة العقد. فدلت هذه الأدلة من الكتاب السنة والقياس على بطلان النكاح بدون ولي. ولكن ما العمل إذا تناكح زوجان بدون ولي؟ الجواب عن ذلك أنه إذا لم يدخل بها يفرق بينهما فورًا ولا عدة عليهما ولا يتوارثان إن مات أحدهما ولا مهر لها، وإن كان قد دخل بها فلا حد عليهما سواء أكانا يعتقدان إباحة النكاح بدون ولي أو يعتقدان تحريمه أو يجهلان حكمه ويترتب على الدخول في النكاح بدون ولي ما يترتب على النكاح الصحيح من أحكام إلا في وجوب التفريق بينهما ولكنه يوجب العدة ويلحق النسب، ويثبت به التحريم بالمصاهرة ويتوراثان إن مات أحدهما.

стр. 152

شروط ولي النكاح: ويشترط في الولي شروط: الأول: الإسلام فلا ولاية لكافر على مسلمة لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ١. الثاني: البلوغ والعقل فلا ولاية لصبي ولامجنون؛ لأنهما لا ولاية لهما على أنفسهما فمن باب أولى لا ولاية لهما على غيرهما. الثالث: الذكورة فلا تلي المرأة عقد النكاح لنفسها أو لغيرها أذن الولي الذكر أم لم يأذن. الرابع: الحرية فلا ولاية لرقيق لأنه ناقص الأهلية. الخامس: العدالة لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي مرشد" والمراد بالرشد العدالة، ولأنه لفسقه عز عليه أن يتحرى الكفاءة في الزواج.

стр. 153

أسباب الولاية: للولاية في النكاح أسباب أربعة: السبب الأول: الأبوة وفي معناها الجدودة، وهي أقوى الأسباب بكمال الشفقة، فللأب تزويج البكر الصغيرة، والكبيرة بغير إذنها، ولكن يستحب استئذان البالغة

стр. 154

لما رواه الدارقطني في سننه عن رسول الله ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يزوجها أبوها". ووجه الدلالة: هو أن الحديث جعل الثيب أحق بنفسها من وليها أي أنها لا تجبر على النكاح ونص على أن البكر يزوجها أبوها أي يجبرها على النكاح. وروى ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صمتها أي سكوتها". ووجه الدلالة: هو أن النبي ﷺ لما جعل الثيب أحق بنفسها من وليها دل على أن ولي البكر أحق بها من نفسها ويكون قوله: "والبكر تستأذن في نفسها" محمول على الاستحباب دون الوجوب استطابة للنفس؛ لأنه لو كان محمولا على الوجوب لصارت أحق بنفسها من وليها كالثيب. فالإجبار على النكاح معتبر بالبكارة لا بالصغر، ومن ثم فإن للأب أو الجد إجبار البكر على النكاح؛ لأنها لم تمارس الرجال بالوطء فهي شديدة الحياء، ولأن الولي يحتاط لموليته مخالفة العار وغيره. ويشترط لإجبار البكر على النكاح شروط: ١- ألا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة. ٢- أن يزوجها من كفء. ٣- أن يزوجها بمهر المثل. ٤- أن يكون المهر نقدا من نقد البلد. ٥- أن يكون الزوج معسرا بالمهر. ٦- ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرتة كالأعمى أو الشيخ الهرم. ٧- ألا يكون قد وجب عليها الحج لها غرض في تعجيل براءة ذمتها منه فإن الزوج قد يمنعها لكون الحج على التراخي. ٨- ألا يكون بينها وبين الزوج الذي يجبرها الولي على نكاحه عداوة ظاهرة.

стр. 155

فإن افتقد شرط من هذه الشروط فليس له إجبارها ويسن ألا تزوج البكر الصغيرة حتى تبلغ ويسن استأذن البكر الكبيرة البالغة بأن يرسل إليها نسوة ثقات ينظرن ما في نفسها والأم بذلك أولى لأنها تطالع على ما لا يطلع عليه غيرها. والبكر: هي التي لم تفض بكارتها أو زالت بكارتها بغير الوطء كالأصبع أو حدة حدة الطمث، أو طول التعنيس، أو وطئت في دبرها أو زالت بكارتها بسقطة من أعلى إلى أسفل أو خلقت بلا بكارة. والثيب: هي التي زالت بكارتها بوطء صحيح أو غير صحيح. والثيب: لا يزوجها الأب إلا بإذنها والجد كالأب إن كانت بالغة وإن كانت غير بالغة فلا تزوج حتى تبلغ؛ لأن إذن الصغيرة غير معتبر فامتنع تزويجها إلى البلوغ. وتزوج الثيب البالغة العاقلة بصريح الإذن ولا يكفي سكوتها، لقوله ﷺ : "ليس للولي من الثيب أمرًا". ووجه الدلالة: هو أن الأمر المراد به الإجبار والإلزام وليس للولي إجبار الثيب وإلزامها. السبب الثاني: عصوبة من كان على حاشية النسب كالأخ والعم وبنيهما. فليس لأحد من هؤلاء تزويج الصغيرة بكرا كانت أم ثيبا حتى تبلغ وتأذن بالنكاح. وأما البالغة فإن كانت ثيبا، فلهم تزويجها بإذنها الصريح وإن زوجت بدون رضاها لم ينعقد النكاح. وإن كانت بكرا فلهم تزوجيها إذا استأذنوها، وهل يكفي سكوتها أم يشترط نطقها؟ وجهان في المذهب: أصحهما: يكفي سكوتها، وإذا اكتفينا بالسكوت حصل الرضا، ضحكت أم بكت، إلا إذا صاحب بكاؤها ما يدل على الرفض كالصياح وضرب الخد فلا يكون سكوتها رضا؛ لأن ذلك يشعر بعدمه.

стр. 156

والثاني: يشترط صريح نطقها كالثيب. وإذا أراد تزويج البكر بغير كفء فاستأذنها، فهل يكفي سكوتها؟ وجهان: أحدهما: يكفي سكوتها ويصح نكاحها. والثاني: لا يكفي بل لا بد من صريح النطق كالثيب وإذا استأذنها في التزويج بدون مهر أو بأقل من مهر المثل، أو بنقد غير نقد البلد فسكتت فلا يكفي سكوتها، لتعلقه بالمال كبيع مالها. ويجوز للمرأة أن تأذن لوليها -غير الأب أو الجد- بلفظ الإذن، ويجوز بلفظ الوكالة. ولو أذنت له ثم رجعت لم يصح تزويجها، كالموكل إذا عزل الوكيل فإن زوجها الولي بعد العزل قبل العلم ففي صحة النكاح وجهان. ولو قالت: رضيت إن رضيت أمي أو رضيت بما تفعله أمي فلا يكفي؛ لأن الأم لا تعقد، ولأن الصيغة الأولى صيغة تعليق وكذا لا يكفي رضيت إن رضي أبي؛ لأنه تعليق، وإن قالت: رضيت بما يفعله الولي كان إذنا. ولو أذنت في التزويج بألف، ثم قيل لها عند العقد بخمسمائة فسكتت وهي بكر كان سكوتها إذنا في تزويجها بخمسمائة، ولو قيل ذلك لأمها وهي حاضرة فسكتت لم يكن إذنا. السبب الثاني: الإعتاق. فالمعتق وعصبته يزوجون كالأخ. السبب الرابع: السلطنة. فيزوج السلطان بالولاية العامة البوالغ ثيبات أو أبكارًا بإذنهن، ولا يزوج الصغار حتى يبلغن، لقوله ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له".

стр. 157

الأحوال التي يزوج فيها السلطان: أولا: عضل الولي القريب ولو كان الأب وإن علا. والعضل: هو أن يمتنع الولي عن تزويج موليته. حكمه: صغيرة من الصغائر إلا إذا أصر الولي على الامتناع فإنه يكون كبيرة من الكبائر لإصراره عليه. دليل تحريمه: يستدل على تحريم العضل بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١. ووجه الدلالة: هو النهي عن العضل في قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والنهي يقتضي التحريم. متى يكون الولي عاضلا؟ يعتبر الولي عاضلا في الأحوال التالية: - إذا طلبت البالغة العاقلة رشيدة كانت أو سفيهة تزويجها من كفء فامتنع. - إذا دعته إلى تزويجها من عنين أو مجبوب؛ إذ لا حق له في التمتع. - إذا دعته إلى تزويجها بأقل من مهر مثلها أو بنقد غير نقد البلد ورضيت هي بذلك؛ لأن المهر حق خالص لها. - إذا دعته إلى تزويجها في نكاح التحليل فيرى بعض فقهاء المذهب إن كان امتناعه للخروج من الخلاف أو لقوة دليل التحريم عنده فلا إثم عليه، بل يثاب على قصده.

стр. 158

- لو طلبت التزويج من رجل وادعت كفاءته وأنكر الولي رفع أمرهما إلى القاضي، فإن لم تثبت كفاءته لم يعتبر عاضلا؛ لأن له حقا في الكفاءة، وإن ثبتت كفاءته ألزمه القاضي بتزويجها، فإن امتنع زوجها القاضي. فيما عدا ذلك لو امنتع الولي لم يكن عاضلا. ثبوت العضل عند الحاكم: ولا يتحقق العضل حتى يمتنع الولي عن التزويج بدون وجه حق بين يدي القاضي، وذلك بأن يحضر الخاطب والولي والمرأة ويأمره القاضي بالتزويج، فيقول: لا أفعل، أو يسكت، فحينئذ يزوجها القاضي. هذا إذا تيسر إحضار الولي عند القاضي، إما إذا تعذر إحضاره كأن هرب من القاضي أو امتنع عن الحضور بين يديه فيثبت القاضي عضله بالبينة ثم يقوم بتزويجها. ثانيا: عند غيبة الولي الأقرب: إذا غاب الولي الأقرب غيبة قريبة أم بعيدة فلا تنتقل الولاية إلى الولي الأبعد ولكن يزوجها السلطان بعد أن يرضى الخاطب ويحضر العقد أهلها ممن له لاية كالعصابات أولا ولاية له كالأخوال ليشاورهم الحاكم في الأمر وليسألهم عن كفاءة زوجها استطابة لنفوسهم، ولأنهم أعرف بحالها وحال الزوج فإن كان الزوج كفء زوجها الحاكم عن إذنها، وإن كان غير كفء لم يزوجها به وإن أذنت فيه ورضي أهلها؛ لأن للغائب حقا في طلب الأكفاء لها. ويستحب للحاكم إذا تعذر تزويجها بمن يقع عليه الاختيار أن ينيب الحاضر من أوليائها، فإن لم يفعل وتفرد بالعقد جاز. ثالثا: عند إرادة الولي تزويجها من نفسه ولا يوجد من يساويه في الولاية كأن كان الولي ابن عم ويريد أن يتزوج بابنة عمه ولا يوجد من يزوجها له ممن يساويه في الدرجة فيزوجها السلطان.

стр. 159

لقوله ﷺ : "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح؛ خاطب، ولي، وشاهدا عدل". ووجه الدلالة: هو جعل النبي ﷺ حضور أربعة أمر معتبر في صحة النكاح وجعل الخاطب منهم غير الولي، فلم يجز أن يصح بثلاثة يكون الولي منهم خاطبا، كما لا يجز أن يكون الشاهد منهم خاطبا. وقوله ﷺ "لا يتزوج الرجل المرأة حتى يكون الولي غيره ولا يشتري الوالي شيئا من الغنيمة ولا والوصي شيئا من الميراث". ولأن الولي مندوب لطلب الحظ لها في التماس من هو أكفأ وأغنى فإذا زوجها من نفسه انصرف نظره إلى حظ نفسه دونها فصار ممنوعا منه. رابعًا: إذا كان الولي محرما بحج أو عمرة لقوله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" فإن أحرم الولي الأقرب ففي أصح الوجهين يزوجها السلطان كما لو كان غائبا سواء أكان الإحرام بالحج أو العمرة، أو بهما معا صحيحًا أم فاسدًا. وفي الوجه الثاني: يسلب الإحرام الولاية عن الأقرب وينقلها إلى الأبعد، كما لو جن الأقرب. خامسا: عند انعدام الولي من سائر العصبات. لقوله ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له". سادسا: تزويجه للمجنونة البالغة التي فقد المجير لها على النكاح وهو "الأب وإن علا".

стр. 160

ترتيب الأولياء في النكاح: تقدم جهة القرابة، ثم الولاء، ثم السلطنة. ويقدم من القراب الأب وإن علا، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق وإن سفل، ثم ابن الأخ لأب وإن سفل، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق وإن سفل ثم ابن العم لأب وإن سفل. تولي عقد النكاح عاقد واحد: الأصل في العقود أن يتولى إنشاءها عاقدان موجب وقابل ومن بينها عقد النكاح ولكن قد يخرج عقد النكاح عن هذا الأصل أحيانا فيتولى إنشاءه عاقد واحد موجب وقابل ولذلك: إذا كان العاقد الجد، فهل يجوز أن يزوج ابنة ابنه الصغيرة أو الكبيرة بابن ابن آخر صغير له عليه ولاية؟ في أصح الوجهين يجوز ذلك لقوة ولايته قياسا على البيع. والثاني: لا يصح؛ لأن خطاب الإنسان مع نفسه لا ينتظم لقوله ﷺ : $"كل نكاح لا يحضره أربعة فهو سفاح". ويشترط لتولي الجد طرفي العقد شروط ثلاثة: أولها: ألا يكون أبو الولد من أهل الولاية. الثاني: أن يكون ابن الابن محجورا عليه إما لصغر سنه أو لسفهه. الثالث: أن تكون بنت الابن بكرا صغيرة أو كبيرة أو مجنونة بكرا أو ثيبًا. فيستفاد من الشرط الثالث أن يكون الجد مجبرا على النكاح. ولا بد من إيجاب وقبول كالبيع، وقيل: يكفي الإيجاب وذكر بعض فقهاء المذهب أن يقول الجد عند القبول وقلبت بالواو فإن قال: قبلت لم يصح.

стр. 161

موانع الولاية: الموانع جمع مانع، والمانع في اللغة الحاجز بين شيئين والمنع الحرمان، يقال: فلان ممنوع من كذا أي: محروم منه، ومنعه يمنعه: ضد إعطائه، والمانع في الاصطلاح، ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. كنزول دم الحيض على المرأة البالغة العاقلة فإنه مانع من الصلاة والصيام. وموانع ولاية النكاح ثمانية: المانع الأول: الرق فلا ولاية لرقيق، ويجوز أن يتوكل لغيره في قبول النكاح بإذن سيده بلا خلاف في المذهب وبغير إذنه في أصح الوجهين. ولا يصح توكيله في الإيجاب على الأصح عند الجمهور. المانع الثاني: ما يسلب النظر والبحث عن حال الزوج وهو واحد من صور ستة: الصورة الأولى: الصبا والجنون المطبق يمنعان الولاية وينقلانها إلى الأبعد، وفي الجنون المنقطع وجهان: أصحهما: أنه كالمطبق ويزوجها الولي الأبعد يوم جنون الأقرب، لبطلان أهليته. والثاني: لا يزيله كالإغماء، فعلى هذا ننتظر حتى يفيق ثم يعقد على الصحيح. الصورة الثانية: اختلال النظر لهرم أو خبل جبل عليه أو عارض يمنع الولاية وينقلها إلى الأبعد. الصورة الثالثة: الإغماء الذي يدوم يوما أو يومين فأكثر ففي أحد الوجهين تنتقل الولاية إلى الأبعد. وفي الوجه الثاني: لا تنتقل الولاية بل ننتظر إفاقته كالنائم. أما الإغماء الذي لا يدوم غالبا فهو كالنوم باتفاق المذهب ننتظر إفاقته ولا نتنتقل الولاية إلى الأبعد.

стр. 162

الصورة الرابعة: السكران إن كان متعديا بسكره كان فاسقا فيمنع من الولاية لفسقه، وإن لم يكن متعديا بسكره، فالمذهب أنه لا يزوج وننتظر إفاقته. الصورة الخامسة: الأمراض والآلام الشاغلة عن النظر ومعرفة المصلحة تمنع الولاية وتنقلها إلى الأبعد. الصورة السادسة: العمى يقدح في ولاية النكاح؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة فأشبه الصغر فتنتقل الولاية إلى الأبعد. وفي أصح الوجهين لا يقدح في الولاية لحصول المقصود بالبحث والسماع. ويجري الخلاف في ولاية الأخرس الذي له كتابة أو إشارة مفهمة فيزوج بهما، فإن لم تكن مفهمة فلا ولاية له وتنتقل الولاية إلى الأبعد. المانع الثالث: الفسق فسق عن أمر ربه خرج، ويتحقق الفسق بارتكاب الإنسان كبيرة من الكبائر أو الإصرار على الصغيرة، ولم تغلب طاعته على معاصيه. والفسق مانع من ولاية النكاح سواء أكان الأب وإن علا أو غيرهما من سائر العصبات، فسق بشرب خمر أو غيره، أعلن فسقه أو لا على المذهب. فتنتقل الولاية للأبعد، لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي مرشد". رواه الشافعي في مسنده بسند صحيح، وقال الإمام أحمد: إنه أصح شيء في الباب وقال الشافعي: والمرشد العدل. فالفسوق يمنع الولاية؛ لأنه نقص يقدح في الشهادة كالرق في أظهرالقولين. وفي القول الثاني: لا يمنع الولاية فيلي الفاسق تزويج موليته؛ لأن الفسقة لم يمنعوا من التزويج في عصر السلف الصالح وهذا ما صححه متأخري فقهاء المذهب وينبغي العمل به يقول الإمام الغزالي: ولا سبيل إلى الفتوى بغيره إذا الفسق قد عم البلاد والعباد، قال النووي: وهذا الذي قاله حسن وينبغي العمل به.

стр. 163

أما الحاكم فلا يقدح فسقه لأنه لا ينعزل به فيزوج بناته وبنات غيره بالولاية العامة تفخيما لشأنه. ويزوج الفاسق نفسه؛ لأن غايته أنه يضر بنفسه يحتمل في نفسه ما لا يحتمل في حق غيره؛ ولهذا يقبل إقراره على نفسه ولا تقبل شهادته على غيره. توبة الفاسق: إذا قلنا: إن الفسق مانع من موانع الولاية كما في أظهر القولين فإذا تاب الفاسق عن فسقه زوج موليته في الحال. المانع الرابع: اختلاف الدين فلا يزوج المسلمة وليها الكافر، بل يزوجها الأبعد من أولياء النسب أو الولاء أو السلطان. ولا يزوج الكافرة وليها المسلم بل يزوجها الكافر الأبعد، فإن لم يكن زوجها قاضي المسلمين بالولاية العامة. والمرتد لا ولاية له على مسلمة ولا مرتدة ولا غيرها من الكافرات. ولا فرق في ذلك كله بين أن يكون الزوج كافرًا أو مسلمًا. المانع الخامس: الإحرام وهو نية الدخول في النسك حجا كان أو عمرة. والإحرام مانع من موانع ولاية النكاح فيسلب الولاية وينقلها للأبعد كالجنون في أحد الوجهين. لقوله ﷺ : "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب". وفي أصح الوجهين: أنه مجرد الامتناع دون زوال الولاية لبقاء الرشد والنظر، فعلى هذا يزوجها السلطان كما لو غاب الولي الأقرب.

стр. 164

المانع السادس: البنوة ولا ولاية للابن على أمه وليس له أن يزوجها بالبنوة؛ لأنه يرى نكاحها عارًا، بمعنى أنه يمنع نكاحها ويراه عارا فهو لا يطلب الحظ لها في نكاح كفئها، فلذلك خرج الابن عن معنى الأولياء. وما روي من أن النبي ﷺ لما خطب أم سلمة، قالت: يا رسول الله ما لي ولي حاضر، فقال: "ما لك ولي حاضر ولا غائب لا يرضاني"، ثم قال لابنها عمر بن أبي سلمة: "قم يا غلام فزوج أمك". فهذا الحديث لا يفيد ولاية الابن في تزويج أمه لوجوه ثلاثة: أحدها: أن ابنها زوجها بالعصوبة لا بالبنوة؛ لأنه كان أقرب عصبتها الحاضرين، فهو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فكان من بني عمها يجتمعان في عبد الله بن عمر بن مخزوم. الثاني: أن قوله ﷺ : "قم فزوج أمك" أي جئني بمن يزوج أمك؛ لأنها لم يكن لها ولي، ولأن عمر ابنها كان غير بالغ قيل: إنه كان ابن ست سنين وقيل: ابن سبع سنين، فدل ذلك على أن أمره بالتزويج إنما كان أمرًا بإحضار من يتولى التزويج. الثالث: أن النبي ﷺ من خصوصياته أنه يتزوج بدون ولي، فأمر ابنها بذلك. هذا بالإضافة إلى أن راوي هذا الحديث إنما هو ثابت عن عمر بن أبي سلمة، وثابت لم يلق عمر فكان منقطعا. فإذا ما تقرر أن الابن لا يزوج أمه بالبنوة فله تزويجها بواحد من أسباب ثلاثة: ١- أن يكون عصبة لها من النسب بأن يكون ابن ابن عمها، وليس لها من هو أقرب منه. ٢- أن يكون الابن قاضيا وليس لها عصبة ما فيزوجها بولاية الحكم.

стр. 165

٣- أن يكون الابن وكيلا لوليها المناسب فيجوز له أن يزوجها بالوكالة لا بالولاية. المانع السابع: السفه السفه ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة، وسفه تسفيها نسبه إلى السفه، ويقال: سفه نفسه، وغبن رأيه، وسفه الرجل صار سفيها. والسفيه في إصطلاح الفقهاء: هو الذي لا يحسن القيام على شئون ماله وتدبيره، فيبذر في غير موضع الإنفاق. والسفيه الذي بلغ غير رشيد، أو بذر ماله بعد رشده ثم حجر عليه لا ولاية له في النكاح على المذهب؛ لأنه لا يلي أمر نفسه فمن باب أولى لا يلي أمر غيره. وقيل: يلي النكاح؛ لأنه كامل النظر في أمر النكاح، وإنما حجر عليه لحفظ ماله. المانع الثامن: ألا يكون وصيًّا. إذا أوصى الأب يتزوج ابنته لم يكن لوصية أن يزوجها صغيرة كانت أم كبيرة عين له الزوج أو لم يعينه. وذلك؛ لأن ولاية النكاح قد انتقلت بموت الأب إلى من يستحقها بنفسه من العصبات فصار موصيا فيما غيره أحق به فكان مردود الوصية فبات على ما لو أوصى بالولاية على مال أولاده ولهم جد إلى غيره بطلت وصيته. ولاية الأبعد في وجود الأقرب. لا تنتقل الولاية إلى الولي الأبعد إلا إذا كان الأقرب يوجد به مانع من موانع الولاية السابقة، وذلك لخروج الأقرب عن أن يكون وليا فأشبه المعدوم. فإن زال المانع للولاية عن الأقرب عادت الولاية إليه، ولو زوج الأبعد وادعى الأقرب أنه زوج بعد أهليته للولاية، فلا قول لهما -الأقرب والأبعد- وإنما القول قول الزوجين؛ لأن العقد لهما ومن ثم فلا يقبل فيه قول غيرهما. أما إذا تيقين الولي الأبعد أن الأقرب منه لا يوجد به مانع من موانع الولاية وعقد هو فلا يصح عقده.

стр. 166

انعدام الولي: إذا عدمت المرأة وليا مناسبا لها وكانت في بلد لا حاكم فيه وأرادت نكاح زوج. ففي أحد الوجهين: ليس لها أن تنكح حتى تجد وليا بنسب أو بحكم كما لو عدمت الشهود لم يجز أن تتزوج حتى تجد الشهود. والوجه الثاني: يجوز أن تزوج نفسها للضرورة، ولأن الولي إنما جعل في النكاح لنفي العار عنها بتزويجها غير الكفء فإذا عدم زال معناه. أو تولى أمرها رجل يكون بدلا من وليها حتى لا يخلو العقد من أربعة؛ الولي، والخاطب، والشاهدين.

стр. 167

تعدد الأولياء: إذا تعدد الأولياء من النسب وكانوا جميعا في درجة واحدة كأخوة أشقاء أو أعمام أشقاء أو لأب، وقالت: ما شاء منكم فليزوجني فيستحب أن يزوجها أفقههم بأحكام النكاح؛ لأنه أعلم بشرائطه، فإن لم يوجد فأكثرهم ورعًا؛ لأنه أشفق وأحرص على طلب الحظ، فإن لم يوجد فأسنهم لزيادة تجربته بشرط رضا الباقين لتجتمع الآراء. فإن زوجها المفضول برضاها بكفء صح ولا يحق للباقين الاعتراض عليه، وإن زوجها بغير كفء لم يصح العقد حتى يرضى الجميع بذلك، ولو أذنت لواحد منهم بعينه لم يزوجها غيره. فإن تخاصموا ولم يرضوا بواحد منهم وقد أذنت لكل منهم والخاطب لها واحد، وجبت القرعة بينهم قطعا للنزاع فمن خرجت قرعته زوج ولا تنتقل الولاية للسلطان. أما إذا تعدد الخاطب كأن تقدم لخطبتها أكثر من واحد في وقت احد فإنه يعتبر رضاها بالخاطب. وإن زوجها غير من خرجت قرعته وقد أذنت لكل منهم أن يزوجها صح تزويجه في أصح وجهين للإذن فيه.

стр. 168

وفي الوجه الثاني: لا يصح ليكون للقرعة فائدة. ولو أذنت لهم في التزويج فزوجها أحدهم بمن هو كفء لها وزوجها آخر بزوج آخر كفء لها، فللمسألة خمسة أحوال. الحال الأولى: أن يعرف السابق منهما ببينة فهو الصحيح والثاني باطل لما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن سمرة بن جندب ﵁ عن رسول الله -صلى لله عليه وسلم- قال: "إيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما". ووجه الدلالة: هو أن العقد الأول معلوم للولي الثاني وللزوج الثاني فيكون الثاني قد تزوج امرأة في عصمة زوج فكان عقده باطل. الحال الثانية: أن يقعا معا في وقت واحد، ففي تلك الحال العقدان باطلان، لأن الجمع بين رجلين ممتنع شرعًا. الحال الثالثة: أن يقعا ويجهل السابق منهما والمعية كذلك فالعقدان أيضا باطلان فلأنهما إن وقعا معا تدافعا أو مرتبا فلا اطلاع على السابق منهما ,إذا تعذر إمضاء العقد لغا؛ إذ الأصل في الأبضاع الحرمة حتى يتحقق سبب الإباحة. الحال الرابعة: أن يعرف السابق منهما ولكن لم يعلم عين السابق منهما بطل العقدان أيضا؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. الحال الخامسة: إن علم السابق ثم نسي من هو هل هو أحمد أم محمد وجب التوقف حتى يتبين السابق منهما لجواز التذكر؛ لأننا تحققنا صحة العقد فلا يرتفع إلا بقين فيمتنعان منها فلا يحل لواحد منهما الاستمتاع بها ولا تنكح غيرهما إلا ببينونة منهما بأن يطلقاها أو يموتا عنها أو يطلقها أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدتها منهما ولا تبالي بطول ضررها كزوجة المفقود، ولكن من حقها طلب فسح نكاحها منهما لتضررها بسبب التوقف. هذا كله إذا كان كُفْأين، أما إذا كان غير كفأين فنكاحهما باطل أو كان أحدهما كفء والآخر غير كفء فنكاح الكفء هو الصحيح وإن تأخر.

стр. 169

فإن ادعى كل زوج منهما أو أحدهما علمها بسبق نكاحه سمعت دعواهما؛ لئلا يتعطل حقها بشرط أن تكون ممن يقبل إقرارها بالنكاح، فإن لم تكن كذلك لم تسمع دعواهما إذ لا فائدة منها فإن أنكرت علمها به صدقت بيمينها؛ لأن اليمين توجهت عليها بسبب فعل غيرها. وإن أقرت لأحدهما ثبت نكاحه منها بإقرارها، وتسمع دعوى الزوج الآخر وتحلف اليمين على عدم علمها بنكاحه لها.

стр. 170

الإقرار بالنكاح: الإقرار في اللغة: مأخوذ من قر الشيء إذا ثبت، وقيل: الإقرار خلاف الجحود. وفي الشرع: اعتراف من يصح إقراره بإثبات حق له على غيره. والإقرار كما يقال: سيد الأدلة. ولا يخلو الحال من أن يكون المقر بالنكاح على نفسه الزوجة أو الزوج، أو الولي. أولا: إقرار الزوجة بالنكاح إذا أقرت حرة مكلفة بالنكاح، ففي أظهر القولين يقبل إقرارها بشرط تصديق الزوج بلا بينة؛ لأن النكاح حقهما فيثبت لتصديقهما لا فرق في ذلك بين البكر والثيب هذا إن صدقها في إقرارها الولي باتفاق المذهب. أما إن كذبها في إقرارها فلفقهاء المذهب ثلاث أوجه: أولها: وهو الأصح يحكم بقولها؛ لأنها تقر على نفسها. والثاني: لا يحكم بقولها؛ لأنها كالمقرة على الولي. والثالث: يقبل إقرار العفيفة ولا يقبل إقرار الفاسقة. ثانيا: إقرار الزوج بالنكاح لو قال الخاطب لولي المرأة: زوجت نفسي ابنتك فقبل الولي انعقد النكاح إذا اعتبرنا أن كل واحد من الزوجين معقود عليه. أما لو اعتبرنا أن المعقود عليه المرأة فقط فلا ينعقد؛ لأنه غير معهود. ثالثا: إقرار الولي بالنكاح لو كان الولي ممن له إنشاء النكاح المقربة عند الإقرار بغير رضاها كأن كان الأب وإن علا فقط، قبل إقراره؛ لقدرته على الإنشاء. وإن لم يكن له الإنشاء بغير رضاها لكونه غير الأب أو الجد أو كانت ممن لا تجبر لكونها ثيبا أو الزوج ليس بكفء لم يقبل إقراره.

стр. 171

الوكالة في النكاح: والتوكيل في النكاح جائز شرعًا. ويستدل على جوازه بأن النبي ﷺ وكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان لرسول ﷺ وهي بأرض الحبشة فأصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينارًا. كما وكل النبي ﷺ أبا رافع في تزويج ميمونة بنت الحارث الهلالية بمكة سنة سبع، فردت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها لرسول الله ﷺ بوكالة أبي رافع، وكان العباس زوج أختها أم الفضل. يدل كذلك على جواز الوكالة في النكاح، وأن النكاح عقد يقصد به المعاوضة فصحت فيه الوكالة كالبيع. بخلاف الوصية بالنكاح فإنها لم تصح لانقطاع ولاية الولي الموصي بموته فصار موجبا في حق غيره، وهو في الوكالة موكل مع بقاء حقه فصحت وكالته، وإن لم تصح وصيته. ممن تكون الوكالة في النكاح؟ تكون الوكالة في النكاح من الزوج أو الولي فقط ولا تصح من الزوجة؛ لأنه لا حق لها في مباشرة العقد، فلم يصح منها التوكيل فيه. توكيل الولي: لا يجوز للولي أن يوكل في النكاح إلا من يصح أن يكون وليا فيه وهو أن يكون: ١- ذكرًا. ٢- بالغا. ٣- عاقلًا. ٤- حرًّا. ٥- مسلما. ٦- رشيدًا. فإذا ما توفرت في الوكيل بالتزويج هذه الشروط الستة صح توكيله كما تصح ولياته، فإن أخل بهذه الأوصاف الستة بأن يوكل امرأة، أو صغيرًا، أو مجنونا، أو عبدًا، أو

стр. 172

كافرًا، أو سفيها لم يجز وكانت الوكالة باطلة؛ فإن عقد بها كان العقد فاسدا، وإذا ما توفرت في الوكيل هذه الشروط الستة لم يخلُ حال الولي الموكل له من أحد أمرين: أولهما: أن يكون ممن يجبر على النكاح كالأب والجد مع البكر، فله أن يوكل بإذنها وبغير إذنها كما يجوز له تزويجها بإذنها وغير إذنها. لكن هل يلز الولي بتعيين الزوج للوكيل أو يرده إلى اختياره؟ فيه قولان: القول الأول: يجوز أن يرده إلى اختياره؛ لأنه قد أقامه بالتوكيل مقام نفسه، فلم يلزمه التعيين كالتوكيل في الأموال. لكن يجب على الوكيل أن يزوجها بمن يكون كفئا لها ويستحب استئذانها وإذنها الصمت كإذنها مع الأب. القول الثاني: يجب على الولي تعيين الزوج للوكيل ولا يترك ذلك إلى اختياره؛ لأنه ليس للوكيل شفقة تدعوه إلى حسن اختيار الأزواج؛ ولأن الولي يعتني بدفع العار عن النسب بخلاف الوكيل. الأمر الثاني: أن يكون الولي ممن لا يجبر على النكاح كأن كان غير الأب والجد، أو كانت المرأة ثيبا. وفي هذه الحالة هل يلزم استئذان الولي لها في الوكالة أو لا يلزم؟ في ذلك وجهان: الوجه الأول: يلزم استئذانها في الوكالة؛ لأن الولي نائب عنها فاشبه الوكيل الذي لا يجوز له أن يوكل فيما هو وكيل فيه إلا بإذن موكله. ومن ثم فإن وكل الولي بدون إذنها فزوجها الوكيل بإذنها أو بدون إذنها لم يصح العقد لفساد الوكالة. الوجه الثاني: الوكالة جائزة وإن لم يستأذنها الولي فيها؛ لأنه موكل في حق نفسه الذي ثبت له بالشرع لا بالاستنابة قياسا على عدم استئذان الأب في الوكالة، وليس للوكيل حينئذ أن يزوجها إلا بإذنها، فإن زوجها بدون إذنها كان زواجا فاسدا سواء زوجها بكفء أو بغير كفء، ولو زوجها الوكيل بإذنها من غير كفء كان النكاح باطلا سواء أجازه الولي أو لم يجيزه على الصحيح في المذهب.

стр. 173

وقيل: يصح ولها الخيار، فإن كانت صغيرة خبرت بعد البلوغ وإن كان الولي غير الأب والجد والمرأة بكرا أو ثيبا، أو كان الأب والجد والمرأة ممن لا تجبر على النكاح لكوها ثيبا فإذن المرأة للولي يتضمن صور خمسة: الأولى: أذنت في التوكيل والتزويج، فله الأمران باتفاق المذهب. الثانية: أذنت في التوكيل، وسكتت عن التزويج، فله التوكيل، وله كذلك التزويج في الأصح، وقيل: لا يزوج لعدم التصريح من قبلها بالإذن فيه. الثالثة: أذنت في التوكيل ونهته عن التزويج بنفسه صراحة، بطل الإذن بالتوكيل؛ لأنها منعت الولي من تزويجها وردت التزويج إلى الوكيل الأجنبي فاشبه التوكيل منها له ابتداء. الرابعة: أذنت له في التزويج ونهته عن التوكيل صراحة فلا يوكل. الخامسة: أذنت في التزويج وسكتت عن التوكيل لم تأذن به أو تنهى عنه فله أن يوكل في أصح الوجهين؛ لأنه بالإذن متصرف بالولاية، وإذنها في التزويج شرط في صحة تصرفه وقد حصل. والوجه الثاني: ليس له أن يوكل؛ لأنه يتصرف بالإذن فلا يوكل إلا بالإذن. توكيل الزوج: ويشترط في وكيل الزوج بالنكاح شروط ثلاثة: ١- أن يكون ذكرًا. ٢- بالغا. ٣- عاقلًا. سواء أكان حرًّا أم عبدًا رشيدًا أم سفيها، وذلك لأن العبد والسفيه يقبلان النكاح لأنفسهما فصح أن يقبلاه لغيرهما. فأما توكيل المرأة أو الصبي أو المجنون فلا يصح؛ لأنه لا يصح منهم قبوله لأنفسهم ومن ثم فلا يصح منهم قبوله لغيرهم.

стр. 174

ولو عين الزوج للوكيل امرأة بعينها لزم على الوكيل تزويجه بها دون غيرها فإن زوجه بغيرها بطل العقد؛ لأن الوكيل سفير ومعبر عن الموكل، ومن ثم وجب عليه الالتزام بما ألزمه به موكله. بخلاف ما لو قال له: وكلتك في تزويجي بمن شئت؛ لأنه عام بشرط أن يزوجه بمن تكافئه. اشتراط المهر في التوكيل: إذا كان الموكل بالتزويج الولي أو الزوج فهل يشترط ذكر المهر أو لا يشترط؟ لو حدد الموكل للوكيل مهرا مقدرا لم يصح التزويج بدونه بخلاف ما لو أطلق فلا يشترط في التوكيل بقبول النكاح أو تزوجيه ذكر المهر فإن لم يذكره الزوج في التوكيل وجب على الوكيل أن يعقد له على من تكافئه بمهر المثل فما دونه، فإن عقد له بأزيد من مهر المثل صح بمهر المثل وسقطت الزيادة، وإن عقد وكيل الولي بدون ما قدر له الولي صح عقده بمهر المثل، ولو قال الولي للوكيل زوجها بشرط رهن أو ضمين بالمهر فلم يمتثل لم ينعقد تزويجه. لفظ الوكيل في عقد النكاح: لا يخلو الحال من أن يكون إنشاء عقد النكاح بالوكالة من طرف واحد كأن يكون منشئ العقد الولي ووكيل الزوج، أو وكيل الولي والزوج، أو يكون منشئ العقد وكيل الولي ووكيل الزوج، فإن كان منشئ العقد وكيل الولي والزوج، وجب على الوكيل أن يقول للزوج: زوجتك بنت فلان إن كانت مميزة باسم الأب وإلا فلا بد من ذكر صفتها ويرفع نسبها إلى أن تعرف معرفة تنفي الجهالة عنها. وإن كان المنشئ للعقد وكيل الزوج والولي، قال الولي: زوجت بنتي موكلك فلانا، ويقول الوكيل عن الزوج: قبلت نكاحها له، فإن لم يقل له وقع العقد للوكيل ولم ينصرف إلى الموكل بالنية بشرط أن يكون الوكيل ممن تحل له المعقود عليها. ولو جرى النكاح بين الوكيلين، فقال وكيل الولي: زوجت فلانة فلانا، فقال وكيل الزوج: قبلت نكاحها لفلان انعقد النكاح، ولو قال وكيل الزوج أولا: قبلت نكاح فلانة منك لفلان، فقال وكيل الولي: زوجتها فلانا جاز عقدهما؛ لأن تقديم القبول على الإيجاب جائز. فإن اقتصر وكيل الولي على قوله: زوجتها لم يصح؛ لأنه لا بد من تسميتها.

стр. 175

الكفاء في النكاح ... الكفاءة في النكاح: تعريفها: الكفء في اللغة النظير، والكفاءة بالمد: مصدر معناها المساواة، وكل شيء ساوى شيئا فهو مكافئ له. وفي الاصطلاح: مساواة الرجل للمرأة في أمور مخصوصة. حكمها والحكمة من مشروعيتها: ليست الكفاءة شرطا في صحة النكاح بل هي حق للمرأة والولي فلهما إسقاطها، ولأنها شرعت لدفع العار عنهم. دليل مشروعيتها: يستدل على مشروعية الكفاءة بالسنة والمعقول. فمن السنة: أخرج الحاكم الدارقطني البيهقي من حديث جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء". أخرج الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم". وأخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب عن رسول لله ﷺ قال: "يا علي ثلاثة لا تؤخر؛ الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفئا". ووجه الدلالة: هو أن هذه الأحاديث دلت بمجموعها على أن الكفاءة معتبرة في النكاح، وإن كان في سندها مقال: إلا أنه يقوي بعضها بعضا.

стр. 176

من المعقول: ويستدل على مشروعيتها، من المعقول بأن في نكاح غير الكفء عار يدخل على الزوجة والأولياء ويتعداهم إلى الأولاد، فكان لها وللأولياء دفع هذا العار عنهم وعن الأولاد. فيمن تعتبر؟ تعتبر الكفاءة في جانب الزوج حتى لا تيعر الزوجة ولا الأولياء بعدم كفاءته. ولا تعتبر الكفاءة في جانب الزوجة إلا إذا وكل الزوج غيره في تزويجه وكالة مطلقة وجب على الوكيل أن يعقد له على من تكافئه وكذلك إذا زوج الأب أو الجد الابن الصغير فإنه يجب عليهما تزويجه بمن تكافئه في ظاهر المذهب. في القول الثاني: يصح تزويجه بمن لا تكافئه ويثبت له الخيار إذا بلغ. الأمور التي تعتبر فيها الكفاءة: تعتبر الكفاءة في أمور سبعة: الدين: فغير المسلم ليس كفئا للمسلمة؛ بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ١. وإن اتفقا في الإسلام إلا أنهما اختلفا في التدين، فالفاسق ليس كفئا لذات الدين العفيفة؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ٢. النسب: لقله ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها، ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".

стр. 177

ووجه الدلالة: هو أن المراد بالحسب هو النسب، والاعتبار في النسب بالأب فمن أبوه عجمي وأمه عربية، ليس بكفء لمن أبواها عربي وأمها عجمية. الحرية: فلا يكون الرقيق كفئا للحرة الأصيلة، ولا عتيقة، ولا عتيق لحرة أصيلة ولا من مس الرق أحد آبائه لمن يمس الرق أحد آبائه. السلامة من العيوب المنفرة التي لا يمكن للزوجة العيش معها إلا بتضرر، وهي خمسة يشترك الرجال والنساء منها في ثلاثة: وهي الجنون والجذام والبرص، ويختص الرجال منها باثنين: الجب، والخصاء، وفي مقابلتها من النساء: القرن والرتق. وإنما اعتبرت هذه العيوب الخمسة في الكفاءة؛ لأنها لما أوجبت وجودها فسخ النكاح الذي لا يوجبه نقص النسب، فمن باب أولى أن تكون معتبرة في الكفاءة كالنسب. فأما العيوب التي لا توجب فسخ النكاح وتنفر منها النفس كالعمى وقطع عضو من الأعضاء وتشويه الصورة ففي اعتبارها في الكفاءة وجهان: أحدهما: لا تعتبر؛ لعدم تأثيرها في عقود النكاح. والثاني: تعتبر؛ لنفور النفس منها ولحصول المعرة بها، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه سلم- قال لزيد بن حارثة: "أتزوجت يا زيد؟ " قال: لا، قال: "تزوج فتسعتف مع عفتك، ولا تتزوج من النساء خمسا"، قال: "لا تزوج شهبرة ولا لهبرة ولا نهبرة ولا هبدرة ولا لفوتا"، قال: يا رسول الله لا أعرف ما قلت شيئا، فقال: "أما الشهبرة فالزرقاء البدينة". وأما اللهبرة: فالطويلة المهزولة، وأما النهبرة فالعجوز المدبرة، وأما الهبدرة فالقصيرة الدميمة، وأما اللفوت: فذات الولد من غيرك".

стр. 178

السن: إذا لم يكن هناك فارق كبير في السن بين الرجل والمرأة فلا يعتبر السن أمرا معتبرا في الكفاءة. لكن إذا اختلافا في طرفي السن كأن كان أحدهما ابن خمس عشرة سنة والآخر فوق الخمسين مثلا ففي اعتباره في الكفاءة وجهان: أحدهما: أنه شرط معتبر فلا يكن الشيخ الهرم كفئا للطفلة ولا المرأة العجوز كفئا للطفل، لما بينهما من التنافي ولأنه مع كبر السن تقل الرغبة وينعدم المقصود بالزوجية. الثاني: أنه غير معتبر؛ لأنه قد يطول عمر الكبير ويقصر عمر الصغير وربما يقدر الكبير على ما يعجز عنه الصغير. المال: لقوله -صلى الله عليه سلم: "تنكح المرأة لأربع، ولمالها" فإن كان الزوجان ممن يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال دون الأنساب فالمال فيهم شرط معتبر في الكفاءة. وإن كانوا من أهل البوادي وعشائر القرى الذين يتفاخرون بالأنساب لا بالأموال ففي أحد الوجهين أن المال شرط معتبر في الكفاءة؛ لما فيه من القدرة على أمور الدنيا. وفي الوجه الثاني: أنه ليس بشرط؛ لأنه قابل للزوال فيفتقر الغني ويتسغنى الفقير. الحرفة: فأصحاب الحرف الدنية ليسوا أكفاء لغيرهم، فالكناس والحارس، والراعي ونحوهم لا يكافئون غيرهم ممن هم من ذوي الجاه.

стр. 179

من صاحب الحق في الكفاءة؟ الكفاءة حق للمرأة والولي واحدا كان أو جماعة في درجة واحدة كالأخوة الأشقاء أو لأب، أو الأعمام الأشقاء أو لأب. حكم العقد على غير الكفء: إذا تزوجت امرأة برجل لا يكافئها لم يخلُ حال نكاحها من أقسام سبعة: القسم الأول: أن يكون قد رضيته الزوجة وكرهه الأولياء فالنكاح باطل لاعتبار حقهم في الكفاءة. القسم الثاني: أن يكون قد كرهته الزوجة ورضيه الأولياء فالنكاح -أيضا- باطل لاعتبار حقها في الكفاءة. القسم الثالث: أن يكون قد رضيته الزوجة والأولياء فالنكاح جائز؛ لأن النبي ﷺ زوج بناته ولا كفء لهن من قريب ولا من بعيد؛ لأنهن أصل الشرف، قد أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس المخزومية وهي بنت عمته بأن تنكح أسامة بن زيد وهو مولاه، وزوج زيد بن حارثة ﵁ بزينب بنت جحش وهي بنت عمته أمية بنت عبد المطلب، وزوج المقداد بن الأسود بضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وقال ﷺ : "إنما زوجت مولاي زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، والمقداد بن الأسود بضباعة بنت الزبير لتعلموا أن أكرمكم عند الله أحسنكم إسلاما"، ولأن الكفاءة معتبرة في الرجل والمرأة، فلما صح النكاح إذا تزوج الرجل بامرأة لا تكافئه صح النكاح إذا تزوجت المرأة برجل لا يكافئها. القسم الرابع: أن يزوجها أحد الأولياء برضاها دون رضى الباقين لم يصح النكاح على المذهب، وفي قول: يصح ولهم الخيار في فسخه، وقيل: يصح قطعا، وقيل: لا يصح قطعا.

стр. 180

القسم الخامس: أن يزوجها الأقرب برضاها فليس للأبعد الاعتراض إذ لا حق له في التزويج الآن. القسم السادس: أن يزوج الأب أو الجد بكرًا صغيرة أو بالغة غير كفء بغير رضاها، ففي أظهر القولين: أن النكاح باطل؛ لأنه على خلاف الغبطة، ولأن ولي المال لا يصح تصرفه بغير الغبطة فولي البضع من باب أولى. وفي القول الآخر: يصح، وللبالغة الخيار في الحال، وللصغيرة الخيار إذا بلغت. القسم السابع: أن يزوج السلطان أو نائبه من لا ولي لها برضاها بغير كفء لم يصح النكاح في الأصح؛ لأنه نائب عن المسلمين ولهم حظ في الكفاءة، والثاني: يصح كالولي الخاص. نقصان مهر المثل: إذا رضيت المرأة بالنكاح بأقل من مهر مثلها لم يكن للأولياء الاعتراض عليها فيه ولا أن يمنعوها من النكاح لنقصه، فإن منعوها صار المانع لها عاضلا وزوجها الحاكم. ويستدل على ذلك بما أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح من حديث عامر بن ربيعة أن امرأة تزوجت من نعلين فقال: رسول الله ﷺ لها: "أرضيت من نفسك ومالك بهاتين النعلين؟ " قالت: نعم، فأجازه. ووجه الدلالة من الحديث أنه اعتبر رضاها به دون الأولياء وأنه لم يسأل هل هذا مهر مثلها؟ فدل ذلك على أن نقصان المهر ورضا الأولياء غير معتبرين.
следующие страницы →