من المعقول:
ويستدل على مشروعيتها، من المعقول بأن في نكاح غير الكفء عار يدخل على الزوجة والأولياء ويتعداهم إلى الأولاد، فكان لها وللأولياء دفع هذا العار عنهم وعن الأولاد.
فيمن تعتبر؟
تعتبر الكفاءة في جانب الزوج حتى لا تيعر الزوجة ولا الأولياء بعدم كفاءته.
ولا تعتبر الكفاءة في جانب الزوجة إلا إذا وكل الزوج غيره في تزويجه وكالة مطلقة وجب على الوكيل أن يعقد له على من تكافئه وكذلك إذا زوج الأب أو الجد الابن الصغير فإنه يجب عليهما تزويجه بمن تكافئه في ظاهر المذهب.
في القول الثاني: يصح تزويجه بمن لا تكافئه ويثبت له الخيار إذا بلغ.
الأمور التي تعتبر فيها الكفاءة:
تعتبر الكفاءة في أمور سبعة:
الدين:
فغير المسلم ليس كفئا للمسلمة؛ بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ١.
وإن اتفقا في الإسلام إلا أنهما اختلفا في التدين، فالفاسق ليس كفئا لذات الدين العفيفة؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ٢.
النسب:
لقله ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها، ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".
стр. 177
ووجه الدلالة: هو أن المراد بالحسب هو النسب، والاعتبار في النسب بالأب فمن أبوه عجمي وأمه عربية، ليس بكفء لمن أبواها عربي وأمها عجمية.
الحرية:
فلا يكون الرقيق كفئا للحرة الأصيلة، ولا عتيقة، ولا عتيق لحرة أصيلة ولا من مس الرق أحد آبائه لمن يمس الرق أحد آبائه.
السلامة من العيوب المنفرة التي لا يمكن للزوجة العيش معها إلا بتضرر، وهي خمسة يشترك الرجال والنساء منها في ثلاثة: وهي الجنون والجذام والبرص، ويختص الرجال منها باثنين: الجب، والخصاء، وفي مقابلتها من النساء: القرن والرتق.
وإنما اعتبرت هذه العيوب الخمسة في الكفاءة؛ لأنها لما أوجبت وجودها فسخ النكاح الذي لا يوجبه نقص النسب، فمن باب أولى أن تكون معتبرة في الكفاءة كالنسب.
فأما العيوب التي لا توجب فسخ النكاح وتنفر منها النفس كالعمى وقطع عضو من الأعضاء وتشويه الصورة ففي اعتبارها في الكفاءة وجهان:
أحدهما: لا تعتبر؛ لعدم تأثيرها في عقود النكاح.
والثاني: تعتبر؛ لنفور النفس منها ولحصول المعرة بها، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه سلم- قال لزيد بن حارثة: "أتزوجت يا زيد؟ " قال: لا، قال: "تزوج فتسعتف مع عفتك، ولا تتزوج من النساء خمسا"، قال: "لا تزوج شهبرة ولا لهبرة ولا نهبرة ولا هبدرة ولا لفوتا"، قال: يا رسول الله لا أعرف ما قلت شيئا، فقال: "أما الشهبرة فالزرقاء البدينة".
وأما اللهبرة: فالطويلة المهزولة، وأما النهبرة فالعجوز المدبرة، وأما الهبدرة فالقصيرة الدميمة، وأما اللفوت: فذات الولد من غيرك".
стр. 178
السن:
إذا لم يكن هناك فارق كبير في السن بين الرجل والمرأة فلا يعتبر السن أمرا معتبرا في الكفاءة.
لكن إذا اختلافا في طرفي السن كأن كان أحدهما ابن خمس عشرة سنة والآخر فوق الخمسين مثلا ففي اعتباره في الكفاءة وجهان:
أحدهما: أنه شرط معتبر فلا يكن الشيخ الهرم كفئا للطفلة ولا المرأة العجوز كفئا للطفل، لما بينهما من التنافي ولأنه مع كبر السن تقل الرغبة وينعدم المقصود بالزوجية.
الثاني: أنه غير معتبر؛ لأنه قد يطول عمر الكبير ويقصر عمر الصغير وربما يقدر الكبير على ما يعجز عنه الصغير.
المال:
لقوله -صلى الله عليه سلم: "تنكح المرأة لأربع، ولمالها" فإن كان الزوجان ممن يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال دون الأنساب فالمال فيهم شرط معتبر في الكفاءة.
وإن كانوا من أهل البوادي وعشائر القرى الذين يتفاخرون بالأنساب لا بالأموال ففي أحد الوجهين أن المال شرط معتبر في الكفاءة؛ لما فيه من القدرة على أمور الدنيا.
وفي الوجه الثاني: أنه ليس بشرط؛ لأنه قابل للزوال فيفتقر الغني ويتسغنى الفقير.
الحرفة:
فأصحاب الحرف الدنية ليسوا أكفاء لغيرهم، فالكناس والحارس، والراعي ونحوهم لا يكافئون غيرهم ممن هم من ذوي الجاه.
стр. 179
من صاحب الحق في الكفاءة؟
الكفاءة حق للمرأة والولي واحدا كان أو جماعة في درجة واحدة كالأخوة الأشقاء أو لأب، أو الأعمام الأشقاء أو لأب.
حكم العقد على غير الكفء:
إذا تزوجت امرأة برجل لا يكافئها لم يخلُ حال نكاحها من أقسام سبعة:
القسم الأول: أن يكون قد رضيته الزوجة وكرهه الأولياء فالنكاح باطل لاعتبار حقهم في الكفاءة.
القسم الثاني: أن يكون قد كرهته الزوجة ورضيه الأولياء فالنكاح -أيضا- باطل لاعتبار حقها في الكفاءة.
القسم الثالث: أن يكون قد رضيته الزوجة والأولياء فالنكاح جائز؛ لأن النبي ﷺ زوج بناته ولا كفء لهن من قريب ولا من بعيد؛ لأنهن أصل الشرف، قد أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس المخزومية وهي بنت عمته بأن تنكح أسامة بن زيد وهو مولاه، وزوج زيد بن حارثة ﵁ بزينب بنت جحش وهي بنت عمته أمية بنت عبد المطلب، وزوج المقداد بن الأسود بضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وقال ﷺ : "إنما زوجت مولاي زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، والمقداد بن الأسود بضباعة بنت الزبير لتعلموا أن أكرمكم عند الله أحسنكم إسلاما"، ولأن الكفاءة معتبرة في الرجل والمرأة، فلما صح النكاح إذا تزوج الرجل بامرأة لا تكافئه صح النكاح إذا تزوجت المرأة برجل لا يكافئها.
القسم الرابع: أن يزوجها أحد الأولياء برضاها دون رضى الباقين لم يصح النكاح على المذهب، وفي قول: يصح ولهم الخيار في فسخه، وقيل: يصح قطعا، وقيل: لا يصح قطعا.
стр. 180
القسم الخامس: أن يزوجها الأقرب برضاها فليس للأبعد الاعتراض إذ لا حق له في التزويج الآن.
القسم السادس: أن يزوج الأب أو الجد بكرًا صغيرة أو بالغة غير كفء بغير رضاها، ففي أظهر القولين: أن النكاح باطل؛ لأنه على خلاف الغبطة، ولأن ولي المال لا يصح تصرفه بغير الغبطة فولي البضع من باب أولى.
وفي القول الآخر: يصح، وللبالغة الخيار في الحال، وللصغيرة الخيار إذا بلغت.
القسم السابع: أن يزوج السلطان أو نائبه من لا ولي لها برضاها بغير كفء لم يصح النكاح في الأصح؛ لأنه نائب عن المسلمين ولهم حظ في الكفاءة، والثاني: يصح كالولي الخاص.
نقصان مهر المثل:
إذا رضيت المرأة بالنكاح بأقل من مهر مثلها لم يكن للأولياء الاعتراض عليها فيه ولا أن يمنعوها من النكاح لنقصه، فإن منعوها صار المانع لها عاضلا وزوجها الحاكم.
ويستدل على ذلك بما أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح من حديث عامر بن ربيعة أن امرأة تزوجت من نعلين فقال: رسول الله ﷺ لها: "أرضيت من نفسك ومالك بهاتين النعلين؟ " قالت: نعم، فأجازه.
ووجه الدلالة من الحديث أنه اعتبر رضاها به دون الأولياء وأنه لم يسأل هل هذا مهر مثلها؟ فدل ذلك على أن نقصان المهر ورضا الأولياء غير معتبرين.
стр. 181
الخيار في النكاح والرد بالعيب:
الخيار في اللغة: طلب خير الأمرين أو الأمور.
وفي الاصطلاح: أن يكون أحد العاقدين أو لكليهما حق إمضاء العقد أو فسخه.
وعقد النكاح من العقود اللازمة طالما أنه قد استوفى أركانه وشروطه ومن ثم فلا ويثبت فيه لواحد من الزوجين خيار المجلس ولا خيار الشرط إلى ثلاث بخلاف
стр. 182
البيع، وذلك لأن الخيار موضوع لاستدراك المعاينة في الأعواض، وليس النكاح منها: لجوازه مع الإخلال بذكر العوض -الصداق- فإن شرط فيه خيار الشرط إلى ثلاث أبطله قولًا واحدًا في المذهب ولكن يدخل عقد النكاح الخيار بأسباب متفق عليها بين فقهاء المذهب وأسباب مختلف فيها بينهم.
أولا: أسباب الخيار المتفق عليها ثلاثة
١- العيب.
٢- التغرير.
٣- العتق.
العيوب المثبتة للخيار ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عيوب يشترك فيها الرجال مع النساء وهي ثلاثة:
الجنون: وهو زوال الشعور من القلب مع بقاء الحركة والقوة في الأعضاء.
فإذا وجد أحد الزوجين بالآخر جنونا سواء أكان مطبقا أم متقطع ثبت له الخيار، بخلاف الإغماء بسبب المرض فلا يثبت به خيار كسائر الأمراض، يلحق بالجنون الخبل والصرع.
الجذام: وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم ينقطع ويتناثر، ويكون في أي مكان من الجسم لكنه في الوجه أغلب، ويرجع فيه إلى قول الأطباء.
البرص: وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته.
هذا إذا كان كل من الجذام والبرص مستحكمين، بخلاف غيرهما من أوائل الجذام أو البرص، فلا يثبت به خيار.
القسم الثاني: عيوب تختص بالرجال وهي اثنتان
الجب: وهو قطع الذكر كله أو بعضه بحيث لم يتبق منه أقل من الحشفة، أما إذا كان الباقي منه قدرها بحيث يمكنه الإيلاج به فلا خيار بذلك.
стр. 183
العُنَّة: وهي أن يكون الزوج عاجزا عن الوطء في القبل خاصة، ويسمى الزوج عنينا: للين ذكره انعطافه مأخوذ من عنان الدابة للينة وتثبت العنة بإقرار الزوجة أو ببينة على إقراره؛ لأن الشهود لا يطلعون عليها وتثبت أيضا بيمينها بعد نكوله وإذا ثبت عنته ضرب القاضي له سنة تبدأ من وقت تحديد القاضي وحكمه بها وتعتبر السنة بالأهلة هكذا فعل عمر ﵁ وأقره الصحابة على ذلك، فإذا مضت السنة ولم يجامع تبين لنا عجزه.
القسم الثالث: عيوب تختص بالنساء وهي اثنتان
الرتق: وهو انسداد محل الجماع من المرأة بلحم.
القرن: وهو انسداد محل الجماع بعظم.
وليس على الزوج إجبار الرتقاء أو القرناء على شق الموضع فإن شقته وأمكن الوطء فلا خيار له.
فإذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيبا من هذه العيوب كان له الحق في فسخ النكاح على الفور بعد العلم به سواء أكان العيب حادثا بعد العقد أم قبله، أو بعد الوطء في غير العنة، أما هي إذا حدثت بعده فلا خيار ويقبل دعوى الجهل بأصل ثبوت الخيار أو بفوريته إن أمكن بألا يكون مخالطا للعلماء الذين يعرفون هذا الحكم.
ويستدل على ذلك بما رواه ابن عمر ﵄ -أن النبي -صلى الله عليه سلم- تزوج امرأة من بني بياضه فوجد بكشحها بياضا فردا، وقال: "دلستم علي".
ووجه الدلالة: هو أنه لما نقل عنه ﷺ العيب والرد وجب أن يكون الرد؛ لأجل العيب.
وروى ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اجتنبوا من النكاح أربعة: الجنون، والجذام، والبرص، والقرن".
стр. 184
ووجه الدلالة: هو أن تخصيصه لهذه العيوب الأربعة من عيوب النكاح يدل على اختصاصها بالفسخ.
ثبوت العيب عند الحاكم:
ويشترط في الفسخ بالعيب الرفع إلى الحاكم؛ لأنه مجتهد في الأصح، قياسا على الفسخ بالإعسار بالنفقة، وقيل: لا يشترط الرفع في الحاكم، بل لكل منهما الانفراد بالفسخ، كالرد بالعيب.
الآثار المترتبة على الفسخ بالعيب.
إذا كان الفسخ بعيب من هذه العيوب قبل الدخول فإنه يسقط المهر ولا متعة لها؛ لأن العيب إن كان به فهي الفاسخة فلا شيء لها، وإن كان بها فسبب الفسخ معنى وجد فيها فكأنما هي الفاسخة.
وإن كان الفسخ بعد الدخول وكان لا يعلم بالعيب إلا بعده، فالصحيح أنه يجب المسمى، وقيل: يجب مهر المثل؛ لقوله ﷺ : "فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها".
وتجب عليها العدة بالإصابة؛ لأن الإصابة فراش يلحق بها ولدها ولا نفقة لها في العدة سواء أكانت حاملا أم غير حامل؛ لانقطاع أثر النكاح بالفسخ.
ولا يرجع الزوج الفاسخ للنكاح بعد الفسخ بالمهر الذي غرمه على من غره من ولي أو زوجة بالعيب المقارن للعقد على الجديد في المذهب، لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد.
وفي القديم يرجع به للتدليس عليه بإخفاء العيب المقارن للعقد.
أما العيب الحادث بعد العقد إذا فسخ به فلا يرجع بالمهر قولًا واحدًا في المذهب لانتفاء التدليس.
стр. 185
ثبوت الخيار بالتغرير:
التغرير في اللغة: الخداع
وفي الاصطلاح: إغراء العاقد وخديعته ليأخذ المعقود عليه وهو يظن أنه في مصلحته، بينما هو خلاف ذلك في واقع الأمر.
والتغرير إما أن يكون بالزوج، وإما أن يكون بالزوجة.
أولا: التغرير بالزوج
إذا عقد رجل على امرأة على صفة من الصفات ثم تبين له خلاف ذلك كان عقد عليها على أنها بكر ثم تبين أنها ثثيب، أو عقد عليها على أنها طبيبة ثم تبين له أنها ممرضة مثلا.
ففي أحد القولين: يثبت له خيار الفسخ ولا مهر لها ولا متعة إن لم يكن قد دخل بها، وإن كان قد دخل بها فلها مهر مثلها ولا نفقة لها في العدة حتى ولو كانت حاملا.
وهل يرجع بالمهر على من غرر به؟
ففي الجديد لا يرجع؛ لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد.
وفي القديم يرجع للتدليس عليه.
والثاني: لا خيار له إن كانت حرة؛ لأن بيده طلاقها.
ثانيا: التغرير بالزوجة
إذا غرر رجل بامرأة وتزوجها على أنه حر فبان عبدا أو أنه قرشي فبان غير قرشيا وعلى أنه طبيب أو مهندس فظهر غير ذلك ففي صحة النكاح قولان:
القول الأول: أن النكاح باطل قياسا على ما لو أذنت في رجل بعينه فزوجت غيره.
стр. 186
والقول الثاني: أن النكاح صحيح ولها الخيار؛ لأنه منكوح بعينه وغرر بشيء وجد دونه فصار ذلك منه تدليسا، والتدليس في العقود يوجب الخيار ولا يوجب الفسخ كالعيوب في البيع.
وعلى كلا القولين لم يكن قد دخل بها فُرِّقَ بينهما ولا شيء عليه إن كان قد دخل بها فُرِّقَ بينهما وعليه مهر المثل ولا حد عليه ويلحقه الولد ولا نفقة لها حاملا كانت أم غير حامل.
خيار العتق:
إذا عتقت امرأة تحت رقيق كان لها الخيار في فسخ النكاح أو عدمه؛ لأنها تُعَيَّر بمن فيه رق.
لما رواه البخاري ومسلم أن بريرة عتقت تحت زوجها مُغِيث فخيرها النبي ﷺ بين المفارقة وبين المقام معه فاختارت نفسها.
ويثبت خيار العتق في أظهر القولين على الفور كما في خيار العيب.
وقيل: على التراخي لمدة ثلاثة أيام من حين علمها بالعتق؟ لأنها مدة قريبة تتروى فيها، إلا إذا قالت: جهلت العتق فإنها تصدق بيمينها إن أمكن بأن كان المعتق لها غائبًا، وكذا إن قالت: الخيار به في الأظهر.
فإن فسخت قبل الدخول فلا مهر لها ولا متعة، وإن فسخت بعد الدخول والوطء وجب لها المسمى للاستقرار بالوطء، ويكون المهر لسيدها.
ثالثا: أسباب الخيار المختلف فيها كثيرة
ومنها: إذا زوج الأب أو الجد بكرا بغير كفء وقلنا: بصحة النكاح فلها الخيار.
ومنها: ما لو زوج الصغير من لا تكافئه، وصححناه، فله الخيار إذا بلغ.
ومنها: ما لو ظنها مسلمة فظهرت كتابية، فله الخيار على رأي.
ومنها: أن يجد الزوج المرأة لا تحتمل الوطء إلا بالإقضاء.
ومنها: إعساره بالمهر أو النفقة.
стр. 187
الإعفاف:
تعريفه:
عف، العفة: الكف عما لا يحل ولا يجمل، والاستعفاف: طلب العفاف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس، أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها، ورجل عف وعفيف، وامرأة عفيفة.
حكمه:
إذا لم يكن الأب بحاجة إلى النكاح لضعف شهوته لم يجب على الابن تزويجه باتفاق في المذهب، وإن كان بحاجة إليه ففي جوب إعفافه بالتزويج قولان:
أحدهما: أنه لا يجب عليه إعفافه وإن وجبت عليه نفقته؛ لأن وجوب النفقة لا يقتضي وجوب تزويجه إن احتاج إليه، وبالقياس على عدم إعفاف الأم بالتزويج إن احتاجت إليه.
والقول الثاني: وهو اختيار جمهور فقهاء المذهب أن إعفافه واجب كنفقته، لعموم قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ١.
وإعفاف الأب بالتزويج عند الحاجة إليه من باب المصاحبة بالمعروف، ويخالف إعفاف الأم؛ لأن إعفاف الأب إلزام فوجب على الابن، وإعفاف الام اكتساب فلم يجب على الابن.
من يجب إعفافه من الآباء؟
الأب وإن علا سواء أكان من العصبة كأب الأب أم كان ذا رحم كأب الأم فهما في وجوب النفقة والإعفاف سواء بشرطين:
أولهما: أن يكون فاقد مهر الحرة أو ثمن الأمة؛ لأن القادر على ذلك مستغن عن الولد.
стр. 188
ثانيهما: أن يكون محتاجا إلى النكاح بأن تتوق نفسه إليه وإن لم يخف الزنا أو كانت تحته من لا تعفه كالصغيرة أو العجوز الشوهاء.
وإن احتاج للنكاح لا للتمتع بل للخدمة لنحو مرض أو كبر سن وجب إعفافه.
من يجب عليه الإعفاف؟
ويجب الإعفاف على الابن بشرط أن يكون حرًّا موسرًا، فإن أعسر بذلك الابن تحملته البنت بشرط أن تكون حرة موسرة فلو تعدد الفرع وكانوا ذكورا فقط أو إناثا فقط كان الإعفاف عليهما أو عليهم أو عليهن بالسوية كما في النفقة على المعتمد.
بم يكون الإعفاف؟
يكون الإعفاف بأن يعطيه مهر حرة، أو يقول له: أنكح وأنا أعطيك المهر، ويملكه أمة تحل له أو ثمنها؛ لأن غرض الإعفاف يحصل بكل من هذه الحقوق، بشرط أن تكون المنكوحة إن كانت حرة أو المشتراه، إن كانت أمة مما تعفه ليست عجوزًا شوهاء أو معيبة؛ لأنها إن كانت كذلك فإنها لا تعفه.
ويجب على الابن ألا يسلمه المهر إلا بعد عقد النكاح على الحرة أو بعد شرائه للأمة، ويجب عليه كذلك مؤنتهما.
وليس للأب تعيين النكاح دون التسري ولا تعيين رفيعة بجمال أو نحوه كشرف بل التعيين في ذلك للولد.
ولو اتفقا -الأب والولد- على مهر، فالتعيين حينئذ للأب؛ لأنه أقرب إلى إعفافه ولا ضرر فيه على الولد.
ويجب تجديد الإعفاف إذا ماتت أو انفسخ النكاح بعيب في الزوجة أو فيه، أو بالردة أو بالرضاع كما لو كان تحته صغيرة أو أرضعته زوجته التي أعف بها لأنها صارت أم زوجته من الرضاع.
أما إذا طلقها أو أعتقها بعذر كشفاق أو ريبة ولم يكن الأب مطلاقا.
ففي أصح الوجهين يجب تجديد إعفافه كما لو ماتت.
والثاني: لا يجب؛ لأن الأب قصد بالطلاق أو بالعتق قطع النكاح.
أما لو طلق أو أعتق بغير عذر فلا يجب تجديد إعفافه قولا واحد في المذهب.
стр. 189
آثار عقد النكاح الصحيح
أولا: حقوق الزوج على زوجته
...
آثار عقد النكاح ١:
إذا انعقد النكاح مستوفيا أركانه وشروطه ترتب عليه آثاره في الحال، ومن ثم فإنه يصبح لكل من الزوجين قبل الآخر حقوق شرعية رتبها الشارع على عقد النكاح.
وهذه الحقوق منها ما هو حق للزوج، ومنها ما هو حق للزوجة ومنها ما هو مشترك بينهما.
أولا: حقوق الزوج على زوجته
يقول المولى : ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ٢.
ويقول المصطفى ﷺ فيما يرويه أبو داود والترمذي وابن ماجه: "لو أمرت أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها".
لقد كفلت الشريعة الإسلامية حقوق الزوج على زوجته وقررت أن له عليها حقوقا وواجبات كثيرة من أهمها:
١- حقه في الاحتباس والطاعة:
والاحتباس معناه: أن تنتقل الزوجة إلى بيت زوجها بعد العقد عليها وبعد تسليمها المهر المسمى بينهما لتكون طوع أمره ما أطاع الله فيها.
وأما حق الطاعة: فالمقصود به أن تطيع زوجها في كل ما هو من آثار الزواج وما يكون حكما من أحكامه.
стр. 190
والطاعة التي أمر الشارع بها وجعلها حقا للزوج على زوجته تتحقق في أن تطيعه في غير معصية لله وأن تحفظه في نفسها وماله، وأن تمتنع عن الإتيان بشيء يضيق به الرجل، فلا تعبس في وجهه ولا تبدو في صورة يكرهها، وقد وصف الله تعالى الزوجات الصالحات المطيعات لأزواجهن فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ١.
ولقد قرن النبي -صلى الله عليه سلم- طاعة الزوج بإقامة الفرائض فقال فيما يرويه أحمد والطبراني: "إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت".
فطاعة الزوج من الأعمال الموجبة للجنة، وعصيانه من الأعمال الموجبة لدخول جهنم -عياذ بالله من ذلك- ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء يَكْفُرَن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قط".
وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيب فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح".
وطاعة الزوجة لزوجها ليست على الإطلاق بل هي مقيدة بقيود.
أولا: ألا تكون في معصية المولى لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثانيا: أن تكون فيما يتعلق بشئون الحياة الزوجية فلو أمرها في شيء يخصها كتصرفها في بيع مالها بدون رضاها فلا يجب عليها أن تطيعه.
ثالثا: أن يقوم هو أولا بقضاء ما وجب لها عليه من الحقوق.
стр. 191
٢- حقه في التمكين والقرار في البيت:
وهذا الحق الواجب للزوج على زوجته هو في مقابل إنفاق الزوج عليها.
والتمكين: هوأن تمكن الزوجة زوجها منها بحيث تكون المعاشرة الزوجية بينهما ممكنة.
وأما القرار في البيت: فالمقصود به أن تلزم الزوجة بيت زوجها، وأن يمسكها الزوج بمنزل الزوجية ويمنعها من الخروج منه إلا بإذنه.
بشرط أن يكون مسكنا ملائما لاستقرار المعيشة الزوجية فإذا لم يكن كذلك فلا تلزم الزوجة بالقرار فيه وقرار الزوجة في بيت زوجها اللائق بها أمر تقتضيه طبيعة المرأة، فالمرأة بحسب طبيعتها معدة للإنجاب، ومن ثم فهي ملزمة برعاية أطفالها والقيام بشئون المنزل.
والرجل تقتضي طبيعته أن يسعى على الرزق وأن يجد ويعمل خارج البيت.
ونص فقهاء المذهب على أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية بغير إذن زوجها إلى بيت أبيها أو أقاربها أو جيرانها لزيارة أو عيادة مريض أو تعزية أو قضاء حوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها لها لتعود من قريب.
وهل قرار الزوجة في بيت الزوجية يوجب عليها القيام بجميع الأعمال المنزلية من عجن وطبخ وغسل ونحو ذلك؟
من الأمور المسلم بها أن الحياة الزوجية يجب أن تقوم على التعاون المخلص بين الزوجين، فإذا كان في مقدور الزوجة القيام بخدمة بيتها كان ذلك أمرا واجبا عليها، وذلك لأن الزوج عليه أن يسعى ويكد ويعمل جاهدًا في طلب الرزق لزوجته وأولاده، فيكون في المقابل أن تقوم الزوجة بالإشراف على منزلها وخدمة بيتها إذا كانت تنظر إلى بيتها وزوجها بروح المودة والتفاهم.
فالحياة الزوجية تقوم أساسا على التعاون والإحساس بالمسئولية المشتركة بين الزوجين.
стр. 192
فها هي فاطمة بنت رسول الله ﷺ جاءت يوما تشكو إلى أبيها ما تعانيه من عمل في بيتها، فلم يأمر النبي ﷺ زوجها علي بن أبي طالب ﵁ بأن يحضر لها خادمة، وإنما قسم المسئولية بينها وبين زوجها فجعل على زوجها العمل والكسب وجعل عليها خدمة البيت.
وعلى هذا جرى العرف بين المسلمين في كل زمان ومكان طالما أنه لا يوجد بالزوجة مرض أو علة تمنعها من ذلك.
٣- ولاية التأديب:
من الحقوق التي يجب للزوج على زوجته حق التأديب والتقويم عندما يصدر منها ما يدعو لذلك.
لأن الزوج هو القيم على بيته وزوجته، فولاية التأديب إذًا مما تشمله قوامة الزوج على زوجته، والمولى قد جعل هذا الحق للرجل لما له، من حق التفضيل إذ إنه هو الراعي والمنفق على بيته المسئول عنه.
وولاية التأديب قد وجهت للزوج -أيضا- في مقابل عدل الزوج مع زوجته.
فإذا ما نشزت المرأة بخروجها عن طاعة زوجها فإن المولى- أعطى زوجها ولاية تأديبها ومقاومة هذا النشوز؛ لأنه إن تركها وشأنها فسوف تدمر بذلك الحياة الزوجية وتحولها إلى جحيم لا يطاق يقول الحق -سبحانه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ١.
ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة: أنها تبيح للرجل أن يؤدب زوجته ويقومها عندما يبدو منها النشوز أو يخافه فبينت أن الوعظ أولا عند خوف النشوز أو عند
стр. 193
بدايته فإن لم ترجع عن نشوزها انتقل إلى الهجر في المضاجع: بأن يضاجعها -أي ينام في فراشها- ويوليها ظهره ولا يجامعها.
ويكون هذا العلاج ناجحا مع الزوجة التي تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها، ولعل هذا ألمًا لها.
وينبغي ألا يصل هجره لها إلى أربعة أشهرحتى لا يصل لمدة الإيلاء.
فإن لم ترجع عن نشوزها انتقل إلى الوسيلة الثالثة وهي الضرب غير المبرح، فيتقي الوجه؛ لأنه موضع المحاسن، وينتقي المواضع المخوفة التي تتأثر بسرعة في جسم الإنسان، ولا يجوز أن يبلغ الضرب مقدار أدنى الحدود، وهو أربعين جلدة والعلاج بالضرب لا يلجأ إليه الإنسان إلا عندما تضيق به الحيل، وهو علاج للزوجات الشرسات اللاتي لا تجدي فيهن موعظة ولا يصلح مثلهن إلا بالضرب، فإن صلحت المرأة وعادت إلى طاعة زوجها وتركت النشوز وإلا فهناك عند الشقاق كما أمر المولى أن نبعث حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما.
وهل ترك الزوجة للصلاة من النشوز؟
نعم: يعتبر ترك الزوجة للصلاة من النشوز فللزوج إن رأى زوجته، لا تصلي ولا تصوم بغير عذر شرعي أن يعظها أولا بالحسنى وعظا دقيقا نافعا بدون تشدد أو تعنت، فإن لم ترجع عن نشوزها هجرها في المضجع، وألا قام بضربها ضربا غير مبرح حتى تؤدي ما عليها من حقوق وواجبات نحو ربها ودينها.
فيروى عن علي بن أبي طالب -كرم الله جهه ورضي الله عنه- قال: في تفسير قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ١.
قال: علموهم وأدبوهم.
стр. 194
نشوز الرجل وأحكامه:
يقول ربنا ﷻ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ١.
من المسائل التي تتصل بموضوع النشوز مسألة نشوز الزوج عن زوجته بإعراضه عنها وإظهاره الخشونة في معاملتها بعد أن كان رقيقا حسنا في المعاملة بسبب كبر سنها أو أنها أصبحت لا تلبي حاجاته المختلفة وعلى رأسها مطالب الفراش.
وعلى هذا فإنه يجوز للزوجة عند نشوز زوجها أن تصالحه على ترك شيء من قسمها أو نفقتها أو غير ذلك، ويجوز لها أن ترجع في ذلك؛ لأنها تنازلت عن حقها في القسم والنفقة بمحض إرادتها، ولها أن ترجع عن تنازلها متى شاءت.
٤- تزين المرأة لزوجها:
من حق الزوج على زوجته أن تتزين له بالكحل والخضاب والطيب ونحو ذلك من أنواع الزينة.
لما رواه أحمد في المسند عن كريمة بنت همام قالت: لعائشة ﵂ ما تقولين في الحناء؟
فقالت: كان حبيبي ﷺ يعجبه لونه، يكره ريحه، وليس يحرم عليكن بين كل حيضتين أو عند كل حيضة.
ويجب على الزوجة عند التزيين أن تتجنب التبرج المنهي عنه شرعًا.
وللشيخ سيد سابق -يرحمه الله- بحث قيم في التبرج وحكمه وأسبابه ونتائجه أذكره بنصه للاستفادة منه عسى أن تعود المرأة المسلمة إلى رشدها وتتمسك بمبادئ دينها الذي فيه عزها وكرامتها.
стр. 195
التبرج:
معناه: التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، وأصله الخروج من البرج، وهو القصر، ثم استعمل في خروج المرأة من الحشمة وإظهار مفاتنها وإبراز محاسنها.
التبرج في القرآن: وقد ورد التبرج في القرآن في مضعين:
الموضع الأول: في سورة النور: جاء في قول الله سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ ١.
والموضع الثاني: ورد في النهي عنه والتشنيع عليه في سورة الأحزاب، في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ٢.
منافاته للدين والمدنية: إن أهم ما يتميز به الإنسان عن الحيوان اتخاذ الملابس وأدوات الزينة، يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٣.
والملابس والزينة هما مظهران من مظاهر المدينة والحضارة، والتجرد عنهما إنما هو ردة على الحيوانية، وعودة إلى الحياة البدائية، والحياة وهي تسير سيرها الطبيعي، لا يمكن أن ترجع إلى الوراء إلا إذا حدثت لها نكسة تبدل آراءها، وتغير أفكارها وتجعلها تعود القهقرى ناسية أو متناسية مكاسبها الحضارية، ورقيها الإنساني.
وإذا كان اتخاذ الملابس لازما من لوازم الإنسان الراقي، فإنه بالنسبة للمرأة ألزم؛ لأنه هو الحفاظ الذي يحفظ عليها دينها وشرفها وكرامتها وعفافها وحياءها، وهذه الصفات ألصق بالمرأة، وأولى بها من الرجل، ومن ثم كانت الحشمة أولى بها
стр. 196
وأحق، إن أعز ما تملكه المرأة، الشرف، والحياء، والعفاف، والمحافظة على هذه الفضائل محافظة على إنسانية المرأة في أسمى صورها، وليس من صالح المرأة ولا من صالح المجتمع أن تتخلى المرأة عن الصيانة والاحتشام، ولا سيما وأن الغريزة الجنسية هي أعنف الغرائز وأشدها على الإطلاق، والتبذل مثير لهذا الغريزة ومطلق لها من عقالها، ووضع الحدود والقيود والسدود أمامها مما يخفف من حدتها ويطفئ من جذوتها ويذهبها تذهيبا جديرا بالإنسان وكرامته، ومن أجل هذا عُني الإسلام عناية خاصة بملابس المرأة، وتناول القرآن ملابس المرأة مفصلا لحدودها، على غير عادة القرآن في تناول المسائل الجزئية، بالتفصيل فهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ١.
وتوجيه الخطاب إلى نساء النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين دليل على أن جميع النساء مطالبات بتنفيذ هذا الأمر دون استثناء واحدة منهن مهما بلغت من الطهر، ولو كانت طهارة بنات النبي ﵊ وطهارة نسائه، ويولي القرآن هذا الأمر عناية بالغة ويفصل ذلك تفصيلا، فيبين ما يحل كشفه وما يجب ستره، فيقول: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ٢ إلخ الآية. حتى ولو كانت المرأة عجوزًا لا رغبة لها ولا رغبة فيها، يقول الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ ٣، ٤.
стр. 197
ويهتم الإسلام بهذه القضية، فيحدد السن التي تبدأ بها المرأة في الاحتشام فيقول الرسول ﷺ : "يا أسماء: إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه والمرأة فتنة، ليس أضر على الرجال منها، يقول الرسول ﷺ : "إن المرأة إذا أقبلت أقبلت ومعها شيطان، وإذا أدبرت أدبرت ومعها شيطان".
وتجرد المرأة من ملابسها وإبداء مفاتنها يسلبها أخص خصائصها من الحياء والشرف، ويهبط بها عن مستواها الإنساني. ولا يطهرها مما التصق بها من رجس سوى جهنم. يقول الرسول ﷺ : "صفنان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليشم من مسافة كذا وكذا".
وفي عهد النبوة كان رسول الله ﷺ يرى بعض مظاهر التبرج، فيلفت نظر النساء إلى أن هذا فسق عن أمر الله، ويردهن إلى الجادة المستقيمة، ويحمل الأولياء والأزواج تبعة هذا.
١- عن موسى بن يسار ﵁ قال: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين١ يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي واغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة من امرأة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل" ٢ وإنما أمر بالغسل لذهاب رائحتها.
стр. 198
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن العشاء" أي: الآخرة. ورواه أبو داود والنسائي.
وروي عن عائشة ﵂ قالت: بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس أنهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المسجد" رواه ابن ماجه. وكان عمر-﵁ يخشى من هذه الفتنة العارمة فكان يطب لها قبل وقوعها -على قاعدة: "الوقاية خير من العلاج" فقد روي عنه أنه كان يتعسس ذات ليلة فسمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج
فقال: أما في عهد عمر فلا، فلما أصبح استدعى نصر بن حجاج فوجده من أجمل الناس وجها فأمره بحلق شعره فازداد جمالا، فنفاه إلى الشام.
سبب هذا الانحراف: وقد سبب الجهل والتقليد الأعمى الانحراف عن هذا الخط المستقيم، وجاء الاستعمار فنفخ فيه وأوصله إلى غايته ومداه، فأصبح من المعتاد عن يجد المسلم المرأة المسلمة متبدلة، عارضة مفاتنها، خارجة في زينتها، كاشفة عن صدرها ونحرها وظهرها وذراعها وساقها. لا تجد أي غضاضة في قص شعرها، بل تجد من الضروري وضع الأصباغ والمساحيق والتطيب بالطيب
стр. 199
واختيار الملابس المغرية، وأصبح "لموضات" الأزياء مواسم خاصة يعرض فيها كل لون من ألوان الإغراء والإثارة.
وتجد المرأة من مفاخرها ومن مظاهر رقيها أن ترتاد أماكن الفجور والفسق والمراقص والملاهي والمسارح والسينما والملاعب والأندية والقهاوي ... تبلغ منتهى هبوطها في المصايف وعلى البلاج.
وأصبح من الألوف أن تعقد مسابقات الجمال تبرز فيها المرأة أمام الرجال، ويوضع تحت الاختبار كل جزء من بدنها، ويقاس كل عضو من أعضائها على مرأى ومسمع من المتفرجين والمتفرجات، والعابثين والعابثات وللصحف وغيرها من أدوات الإعلام مجال واسع في تشجيع هذه السخافات، والتغرير بالمرأة للوصول إلى المستوى الحيواني الرخيص، كما أن لتجار الأزياء دورًا خطيرًا في هذا الإسفاف.
نتائج هذا الانحراف: وكان من نتائج هذا الانحراف أن كثر الفسق، وانتشر الزنى، وأنهدم كيان الأسرة، وأهملت الواجبات الدينية وتركت العناية بالأطفال، واشتدت أزمة الزواج، وأصبح الحرام أيسر حصولا ومن الحلال ... وبالجملة فقد أدى هذا التهتك إلى انحلال الأخلاق وتدمير الآداب التي اصطلح الناس عليها في جميع المذاهب والأديان.. وقد بلغ هذا الانحراف حدا لم يكن يخطر على بال مسلم، وتفنن دعاة التحلل والتفسخ، واتخذوا أساليب للتجميل واستعمال الزينة ووضعوا لها منهجا وأعدوا معهدا للتدريس هذه الأساليب نشرت جريدة الأهرام تحت عنوان "مع المرأة" ما يلي "أول معهد لتدريس تصفيف الشعر السيدات في الإسكندرية" "خبير ألماني يقوم بالتدريس في المعهد بعد شهر".
لأول مرة تقيم رابطة مصففي شعر السيدات في الإسكندرية معهدا لتصفيف شعر السيدات.. أقيم المعهد من تبرعات أعضاء الرابطة، تبرع أحدهم "بسشوار"
стр. 200
وتبرع آخر ببعض المكاوي ودبابيس الشعر والفرش.. وهكذا تكون المعهد بعد أن استأجرت له الرابطة شقة صغيرة ليكون نواة معهد كبير في المستقبل.
وقد أصدرت الرابطة "أمر تكليف" إلى جميع أعضائها أصحاب المهنة" بالحضور لإلقاء المحاضرات النظرية والقيام بالتجارب والدروس العلمية أمام طلاب المعهد.
افتتح المعهد صباح أمس في مقر الرابطة في كليوباترا قام أحد أعضاء الرابطة بإلقاء محاضرة في كيفية قص الشعر، وبعض الطرق في فن القص، ثم قام بعمل تسريحة جديدة من تصميمه سماها "الشعلة" لإحدى "المنيكانات" وكان يشرح التسريحة وهو يقوم بها.
سيدرس في المعهد فن تصفيف الشعر، والصباغة، والألوان، والقص، وتقليم الأظافر، والمساج، والتدليك، يقول رئيس الرابطة في القاهرة وضيف رابطة الإسكندرية: إنه أنشأ مثل هذا المعهد في القاهرة من ٥ أشهر، ورغم قصر المدة أحرز المعهد نتيجة مشرفة؛ إذ إن الطلبة والطلبات يستفيدون من تبادل الأفكار بين أعضاء الرابطة، ومن عرض التسريحات وشرحها أمامهم، مما يرفع مستوى المهنة كما استفادوا أيضا من حضور بعض الخبراء الألمان ومحاضراتهم العلمية والنظرية أمام الطلبة، وسوف يحضر خبير ألماني إلى معهد الإسكندرية في الشهر القادم، كما تعقد الرابطة في الشهر نفسه مسابقة للحصول على جائزة الجمهورية في فن تصفيف الشعر، وستكون الدراسة في المعهد أسبوعية بصفة مبدئية، انتهى من نشر بالأهرام.
هذا فضلا عن الأموال الطائلة التي تستهلك في شراء أدوات التجميل، فقد بلغ عدد الصالونات في القاهرة وحدها ألف صالون لتصفيف وتجميل الشعر، ويوزع في العام ١٠ ملايين قلم روج وعطر وبودرة.
стр. 201
ولم يقتصر هذا الفساد على ناحية دون ناحية، بل تجاوزها إلى دور العلم، ومعاهد التربية وكليات الجامعة ... وكان المفروض أن تصان هذه الدور من الهبوط حتى تبقى لها حرمتها وكيانها المقدس، فقد جاء في صحيفة أخبار اليوم بتاريخ ٢٩/ ٢/ ١٩٦٢م ما يلي:
"فتاة الجامعة لا تفرق بين حرم الجامعة وصالة عرض الأزياء".
في هذه الأيام من كل عام، عندما تعلن الجامعة عن افتتاح أبوابها، تبدأ الصحف والمجلات في الكتابة عن الفتاة الجامعية وتثار المناقشات حول زيها ومكياجها.. فيطالب البعض بتوحيد زيها، ينادي آخرون بمنعها من وضع المكياج، قالت الكاتبة: وأنا لا أؤيد هذه الآراء، لإيماني بأن اخيتار الفتاة لأزيائها ينمي من شخصيتها، ويساعد على تكوين ذوقها.. والفتيات في معظم جامعات الخارج لا يرتدين زيا موحدا، ولا يحرمن من وضع المكياج، ولكني مع هذا لا ألوم كثيرا أصحاب هذه الآراء المتطرفة ... فالفتاة الجامعية عندنا تدفعهم إلى المطالبة بذلك؛ لأنها لا تعرف كيف تختار الزي والمكياج المناسبين لها كطالبة، ولا تبذل أي مجهود في هذا السبيل ... إنها لا تفرق كثيرا بين حرم الجامعة وصالة عرض الأزياء أو الكرنفال ... فهي تذهب إلى الجامعة في "عز الصباح" بفستان ضيق يكاد يمنعها من الحركة، مع الكعب العالي الذي ترتديه.. وعندما تغيره تستبدل به فتسانا واسعا تحته أكثر من "جيبونة" تشل بدورها حركة صاحبتها، وتجعلها أشبه بالأباجورة المتحركة، وهي فوق هذا إن نسيت كتبها ومجلد محاضراتها فهي لا تنسى أبدًا الحلق، والعقد، والسوار، والبروش، الذي تحلي به أذنيها وصدرها وذراعيها وشعرها في غير تناسق أو ذوق.
ثم مضت الكاتبة تقول: وهذا كله يرجع في رأيي إلى أن الفتاة الجامعية عندنا لا تأخذ الدراسة الجامعية مأخذ الجد ... فهي تضع فوقها زينتها وأناقتها ... والمفروض أن يكون العكس هو الصحيح، في وقت نالت فيه ثقافة المرأة أعلى
стр. 202
تقدير ليس معنى هذا أنني أطالب الفتاة الجامعية بإهمال ملابسها وزينتها ...
إنني أطالب بالاهتمام أولا بدروسها، ثم بتخفيف ماكياج وجهها، إن لم يكن مرعاة لحرم الجامعة، فعلى الأقل مراعاة لبشرتها التي يفسدها كثيرة الماكياج، في سن تكون نضارة الوجه فيها أجمل بكثير من الماكياج المصطنع ... ثم بعد ذلك أطالبها بالحد من استعمال الحلي، وبارتداء الملابس البسيطة التي تناسب الفتاة الجامعية كالفستان "الشيرزييه" و"التايير" ذي الخطوط البسيطة، والفستان الذي تنسدل جوبته إلى أسفل، في وسع خفيف لا يعرقل حركتها "والجوب والبلوزة، أو الجوب والبلوفر، أو الجوب والجاكت" وأن ترعي في اختيارها لهذه الأزياء الألوان الهادئة التي لا تثير "القيل والقال" بين زملائها الطلبة.
إنني إطلاب الفتاة الجامعية باتباع هذا. وأطالب أولياء أمورها بضرورة الإشراف التام على ثياب بناتهم، فالفتاة في العهد الجديد لم يعد هدفها الأول والأخير في الحياة إلا جلب الأنظار إليها "بالدندشة والشخلعة" إنها اليوم يجب أن تصقل بالثقافة والعلم والذوق السليم، فلم يعد أقصى ما تصبو إليه هو مكتب سكرتيرة تجلس عليه لترد على تليفونات المدير وإنما المجال قد فتح أمامها وجلست إلى مكتب الوزارة ... "هذا ما قالته إحدى الكاتبات في الأخبار، وهي تعتب على بنات جنسها، وتنعى عليهم هذا التصرف المعيب.
وهذه الحالة قد أثارت اهتمام زائرات القاهرة من الأجنبيات؛ إذ لم تكن المرأة الغربية تفكر في مدى الانحدار الذي تردت في المرأة الشرقية ... ففي "أهرام" ٢٧/ مارس ١٩٦٢ جاء في باب "مع المرأة" هذا العنوان: "المرأة الغربية غير راضية عن تقليد المرأة الشرقية لها" جاء تحت هذا العنوان: "اهتمام المرأة العربية بالموضات الغربية وحرصها على تقليد المرأة الغربية في تصرفاتها وفي طباعها لا تستسيغه السائحات الغربيات اللائي يحضرن لزيارة القاهرة، ولا يرفع سمعتها في الخارج كما تظن، فأصبحت عن ذلك الرأي صحفية إنجليزية زارت
стр. 203
القاهرة أخيرًا، وكتبت مقالا في مجلتها تقول: فيه: "لقد صدمت جدا بمجرد نزولي أرض المطار، فقد كنت أتصور أنني سأقابل المرأة الشرقية بمعنى الكلمة، ولا أقصد بهذا المرأة التي ترتدي الحجاب والحبرة، وإنما المرأة الشرقية المتحضرة التي ترتدي الأزياء العملية التي تتسم بالطابع الشرقي، وتتصرف بطريقة شرقية، لكنني لم أجد شيئا من هذا، فالمرأة هناك هي نفسها المرأة التي تجدها عندما تنزل إلى أي مطار أوروبي، فالأزياء هي نفسها بالحرف الواحد، وتسريحات الشعر هي نفسها والماكياج هو نفسه، حتى طريقة الكلام والمشية، وفي بعض الأحيان اللغة، إما الفرنسية أو الإنجليزية.
وقد صدمني من المرأة الشرقية أنها تصورت أن التمدن والتحضر هو تقليد المرأة الغربية، ونسيت أنها تستطيع أن تتطور وأن تتقدم كما شاءت، مع الاحتفاظ بطابعها الشرقي الجميل وفي "جمهورية" السبت ٩ يونيو ١٩٦٢ نشر تحت هذا العنوان: "كاتبة أمريكية تقول: امنعوا الاختلاط، وقيدوا حرية المرأة" نقلت الصحيفة، تحت هذا العنوان كلاما ثمنيا صريحا، وقد بدأت فقدمت الكاتبة الأمريكية للقراء، فقالت: غادرت القاهرة الصحفية الأمريكية "هيلسيان ستانسبري" بعد أن أمضت عدة أسابيع ها هنا، وزارت خلالها المدراس، والجامعات، ومعسكرات الشباب والمؤسسات الاجتماعية، ومركز الأحداث، والمرأة والأطفال وبعض الاسر في مختلف الأحياء، وذلك في رحلة دراسة لبحث مشاكل الشباب، والأسرة في المجتمع العربي "وهيلسيان" صحفية متجولة تراسل أكثر من ٢٥٠ صحيفة أمريكية، ولها مقال يومي، يقرؤه الملايين، ويتناول مشاكل الشباب تحت سن العشرين، وعملت في الإذاعة والتليفزيون، وفي الصحافة أكثر من عشرين عاما، وزارت جميع بلاد العالم، وهي في الخامسة والخمسين من عمرها.
стр. 204
تقول الصحفية الأمريكية بعد أن أمضت شهرا في الجمهورية العربية بعد أن قدمتها الجريدة هذا التقديم: "إن المجمتع العربي كامل سليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول. وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوروبي والأمريكي، فعندكم تقاليد موروثة تحتم تقييد المرأة، وتحتم احترام الأب والأم، تحتم أكثر من ذلك، عدم الإباحية الغربية التي تهدد اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا. ولذلك فإن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة الصغيرة -وأقصد ما تحت سن العشرين- هذه القيود صالحة ونافعة، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق، ومجون أوروبا وأمريكا، امنعوا الاختلاط قبل سن العشرين فقد عانينا منه في أمريكا الكثير، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعا معقدا، مليئا بكل صور الإباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين، يملئون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية، وإن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث وعصابات "جيمس دين" وعصابات للمخدرات، والرقيق. إن الاختلاط والإباحية والحرية في المجتمع الأوروبي والأمريكي قد هدد الأسر وزلزل القيم والأخلاق فالفتاة الصغيرة تحت سن العشرين في المجتمع الحديث تخالط الشبان، وترقص "تشاتشا" وتشرب الخمر والسجائر، وتتعاطى المخدات باسم المدنية والحرية والإباحية.
والعجيب في أوروبا أمريكا أن الفتاة الصغيرة تحت العشرين تلعب.. وتلهو وتعاشر من تشاء تحت سمع عائلتها وبصرها، بل وتتحدى والديها ومدرسيها والمشرفين عليها، تتحداهم باسم الحرية والاختلاط، تتحداهم باسم الإباحية والانطلاق، تتزوج في دقائق
стр. 205
وتطلق بعد ساعات ولا يكلفها هذا أكثر من إمضاء عشرين قرشا وعريس ليلة أو لبضع ليال، وبعدها الطلاق.. وربما الزواج فالطلاق مرة أخرى.
علاج هذا الوضع الشاذ: ولا مناص من وضع خطة حازمة للخلاص من هذه الموبقات، وذلك باتخاذ ما يأتي:
- نشر الوعي الديني وتبصير الناس بخطورة الاندفاع في هذا التيار الشديد.
- المطالبة بسن قانوني يحمي الأخلاق والآداب، ومعاقبة من تخرج عليه بشدة وحزم.
- منع الصحف وجميع أدوات الأعلام من نشر الصور العارية، ووضع رقابة على مصممي الأزياء.
- منع مسابقات الجمال والرقص الفاجر، وتحقير كل ما يتصل بهذا الأمر.
- اختيار ملابس مناسبة أشبه بملابس الراهبات، وتكلف كل من يشتغل بعمل رسمي بارتدائها.
- يبدأ كل فرد بنفسه، ثم يدعو غيره.
- الإشادة بالفضيلة والحشمة والصيانة والتستر.
- العمل على شغل أوقات الفراغ حتى لا يبقى متسع من الوقت لمثل هذا العبث.
اعتبار الزمن جزء من العلاج؛ إذ إنها تحتاج إلى وقت طويل.
دفع شبهة: ويحلو لبعض الناس أن يسايروا التيار ويمشوا مع الركب
، زاعمين أن ذلك تطور حتمي اقتضته ظروف المدنية الحديثة، ونحن لا نمنع أن يسير التطور في طريقه، وأن يصل إلى مداه، ولكنا نخشى أن يفسر التطور على حساب
الدين والأخلاق والآداب، فإن الدين وما يتبعه من تعاليم خلقية وأدبية، إنما هو من وحي الله، شرعه لكل عصر ولكل زمان ومكان ... فإذا كان التطور جائزا في أمور الدنيا، وشئون الحياة، فليس ذلك مما يجوز في دين الله. إن الدين نفسه هو الذي فتح للعقل الإنساني آفاق الكون، لينظر فيه، وينتفع بها فيه من قوى وبركات ويطور حياته لتصل إلى أقصى ما قدر له من تقدم ورقي ... فثمة فرق كبير بين ما يقبل التطور وبين ما لا يقبله، والدين ليس لعبة تخضع للأهواء وتوجهها الشهوات والرغبات. ا. هـ.
стр. 206
ثانيا: حقوق الزوجة
المهر
...
ثانيا: حقوق الزوجة
للزوجة على زوجها بموجب عقد النكاح الصحيح حقوق وواجبات مالية، وغير مالية.
أما الحقوق المالية، فهي المهر والنفقة.
أ- المهر:
تعريفه:
هو ما وجب علي الرجل بنكاح أو وطء أو تفويت يضع قهرًا.
وله ثمانية أسماء مجموعة في قول الشاعر:
صداق ومهر نحلة وفريضة
حباء وأجر ثم عفر علائق
شرح التعريف:
ما وجب: عام يدخل فيه المال والمنفعة وكل ما يصلح أن يكن ثمنا عند البيع ويقدم من الزوج لزوجته.
بنكاح: أي بعقد وذلك في غير المفوضة.
أو وطء: يدخل في الوطء بشبهة أو في النكاح الفاسد.
أو تفويت بضع قهرًا: كأن وطئت امرأة مكرهة على الزنا.
حكمه في العقد:
ليس المهر ركنا من أركان العقد ولا شرط من شروطه وإنما هو أثر من آثاره التي تجب بعده، ومن ثم فإنه يجب بالعقد وإن لم يسم فيه أصلا.
ولكن من السنة تسميته في العقد عند إنشائه؛ لأن النبي ﷺ لم يحل نكاحه ولا نكاح بناته منه.
ويسن ألا يدخل الزوج بزوجته حتى يعطيها شيئا من المهر خروجا من خلاف من أوجبه.
стр. 207
دليل مشروعيته:
يستدل على مشروعية المهر بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
دليل مشروعيته من الكتاب:
لقد تحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع عن المهر فوصفه مرة بأنه صدقة وهدية ومرة أخرى بأنه فريضة.
قال تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ٢.
وقال -جل شأنه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ٣.
ووجه الدلالة من هذه الآيات الكريمات أنها تقرر وجوب المهر للزوجة على زوجها، وذلك لأن الخطاب فيها جميعا موجه للأزواج حيث أمرهم المولى بأن يعطوا المهور لأزواجهم عن طيب نفس بأمر الله تعالى وفرضه من غير تنازع ولا شقاق.
السنة:
ويستدل على مشروعية المهر من السنة بأن النبي -صلى الله عليه سلم- لم يعقد زواجا له ولا لبناته إلا وجد به مهرا، ولأنه لو لم يكن واجبا لتركه ولو مرة واحدة ليدل على عدم وجوبه.
стр. 208
الإجماع:
وأجمعت الأمة على مشروعيته.
ومن المعقول:
في مشروعية الصداق إظهار لكرامة المرأة إذ بتقديمه لها يشعر الزوج بأنها شيء غال نفيس لا ينال بطريق الحلال إلا إذا دفع عصب الحياة وهو المال.
فيحرص عليها ويعالج الحياة عند التصدع والشقاق.
الحكمة من مشروعيته:
شرع المهر، وفرض على الزوج لزوجته لأسباب كثيرة من أهمها:
أوجب الشرع مهرا على الزوج لزوجته حتى لا يفرط فيها بسهولة بعد أن حصل عليها وإظهار لمكانة الزوجة في نفسه وإشعارًا له بأن الزوجة لا يسهل الحصول عليها إلا بالإنفاق والبذل.
إن الرجل في الإسلام هو الذي له القوامة على الزوجة والبيت وعليه المسئولية المنوطة بذلك، وتقديم المهر للزوجة هو أحد مظاهر تلك القوامة. إن إيجاب المهر على الزوج لزوجته يجعل الزوج يحرص جاهدا على استبقاء الحياة الزوجية قدر الإمكان ويحمله على التأني في الطلاق إن دعت إليه الحاجة، فلا يقدم عليه إلا عند الحاجة والضرورة لما يتطلب الطلاق من نفقات يتحملها الزوج مثل مؤخر الصداق الذي يدفع للمطلقة وكذلك دفع مهر لزوجة جديدة عند الرغبة في الزواج منها.
أسباب وجوبه:
ويجب المهر على الزوج بواحد من سببين:
أولهما: العقد الصحيح.
إلا أن وجوبه بالعقد الصحيح غير مستقر، أحيانا يسقط كله كما لو حصلت الفرقة بسبب من جهة الزوجة قبل الدخول بها حقيقة أو حكما كأن ارتدت عن الإسلام
стр. 209
وقد يسقط بعضه كما لو طلقت قبل الدخول بها حقيقة أو حكما وكان قد سمي لها مهرًا في العقد.
ويتأكد وجوبه بالدخول بها حقيقة أو حكما -الخلوة الصحيح أو بموت أحدهما قبل الدخل والخلوة- كما سنوضحه بعد إن شاء الله تعالى.
٢- بالدخول في الزواج الفاسد كالزواج بغير شهود، أو الوطء بشبهة كأن زفت إليه امرأة على أنها زوجته ثم تبين أنها ليست بزوجته.
لقوله -صلى الله عليكم وسلم: "فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها" ولأن دخول الزوج بالزوجة دخولا حقيقا قد استوفى الاستمتاع فوجب عليه حقها أي مهرها إذا تفرقا سواء كان التفرق من جهتها أم فرق بينهما القاضي ولا تبرأ منه ذمة الزوج.
ما يصلح أن يكون مهرًا وقدره:
كل ما صلح أن يكون مبيعا عوضا أو معوضا عينا أو دينا قليلا أو كثيرا ما لم ينته في القلة إلى حد لا يتمول صح كونه مهرا مؤجلا أو حالا وما لا يصح أن يكون كذلك فلا يصح أن يكون مهرًا، فإن عقد بما لا يتمول ولا يقابل بما لا يتمول فسدت التسمية ووجب مهر المثل.
أنواع المهر:
للمهر نوعان:
النوع الأول: المهر المسمى
وهو ما سمي في العقد تسمية صحيحة واتفق الطرفان عليه، أو فرض للزوجة بعد العقد الذي خلا عن التسمية بالتراضي وكان العقد صحيحا.
النوع الثاني: مهر المثل
والمراد به مهر امرأة تماثلها أو تقاربها من نساء العصبات في السن والمال والجمال والثيوبة والبكارة والبلد، فإن لم يكن نساء عصبات اعتبر بمهر أقرب
стр. 210
النساء إليها من أرحامها، فإن لم يكن لها أقارب من النساء اعتبر بنساء بلدها، ثم بأقرب النساء شبها بها.
ويجب مهر المثل في الأحوال التالية:
إذا كان المسمى غير مال كالدم أو الميتة.
إذا كان المسمى مالا غير محترم في حق المسلم كالخمر أو الخنزير.
إذا كان المسمى مجهولا جهالة فاحشة.
إذا عقدا على ما يتفقان عليه.
إذا وطئت امرأة بشبهة أو أكرهت على الزنا أو دخل بها بموجب عقد فاسد.
أحوال وجوبه كاملا:
ويجب للزوجة المهر كاملا على زوجها سواء أكان المسمى أم مهر المثل بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: الدخول الحقيقي؛ لقوله ﷺ : "فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها" ولأن الزوج بدخوله بمن تزوجها دخولا حقيقيا يكون قد استوفى المقصود بالزواج وهو الاستمتاع بزوجته فوجب لها في المقابل المهر ولأن وطء الشبه يوجب المهر ابتداء فذلك من باب أولى سواء وطئ الزوج زوجته بعد الدخول بها وطئا حلالًا أم حرمًا كأن كانت حائضا أو محرمة بالحج أو بالعمرة، ولا يستقر المهر كاملا بوطئه فيما دون الفرج كوطئه في الدبر ولا باستدخاله المني في فرجها بدون جماع، ولا بإزالة بكارتها بغير آلة الجماع.
الثاني: موت أحد الزوجين قبل الدخل الحقيقي وقبل الخلوة لإجماع الصحابة ﵃ ولأنه لا يبطل به النكاح بدليل التوارث وإنما هو نهاية له.
الثالث: الخلوة الصحيحة: وهي أن يجتمع الزوجان بعد العقد الصحيح في مكان يأمنان فيه من دخول الغير عليهما أو اطلاعه عليهما بدون إذنها، ولا يوجد هناك
стр. 211
مانع حسي، أو شرعي أو طبيعي يمنع الزوج من الوطء لزوجته في القديم في المذهب.
وعلى الجديد في المذهب وهو الأظهر أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر لا ولا تؤثر فيه.
تنصيفه:
يجب للزوجة نصف الصداق ويسقط نصفه بواحد من أمرين:
أولهما: إذا عقد الزوج على زوجته عقدا صحيحا وفرض لها مهرا عند العقد برضاهما ثم طلقها قبل الدخول بها دخولا حقيقيا أو الخلوة الصحيحة على القديم في المذهب وجب لها نصف المسمى وسقط النصف الآخر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ١.
تعويضا للزوجة عما لحقها من ضرر معنوي وجبرا لها وتخفيفا للحزن والأسى الذي أصابها بسبب من قبل الزوج، وأوجب الشرع على الزوجة أن تتنازل عن نصف ما كانت تستحقه لأنها لم تفقد شيئا.
الثاني: إذا حدثت الفرقة بينهما قبل الدخول الحقيقي أو الحكمي بسبب من جهة الزوج كالفرقة بسبب اللعان، أو الإيلاء، أو الفرقة بسبب امتناع الزوج عن الإسلام بعد إسلام الزوجة، أو وطئها أبوه أو ابنه بشبهة وهي تظنه زوجها.
سقوط المهر كله:
إذا وجب للزوجة على زوجها المهر بواحد من موجباته سالفة الذكر فإنه يسقط كله عن الزوج ولا يجب للزوجة عليه شيئا بواحد من أمور خمسة:
١- إذا أبرأت الزوجة زوجها قبل الدخول أو بعده بشرط أن تكون من أهل التبرع، وبشرط أن يكون المهر دينا في الذمة كالنقود وجميع المكيلات والموزونات إذا لم تكن معينة ولا مقصودة لذاتها.
стр. 212
٢- إذا كانت الفرقة بسبب من جهة الزوجة كأن ارتدت عن الإسلام، أو امتنعت عن الدخول في الإسلام بعد إسلام زوجها، أو فسخ الزواج بناء على طلب ولي أمر الزوجة لعدم كفاءة الزوجة أو لنقصان المهر عن مهر المثل.
٣- إذا كانت الفرقة من جهة الزوج قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة وكانت الفرقة فسخا بسبب خيار البلوغ أو خيار الإفاقة من الجنون والعته وذلك إذا كان المزوج له حال صغره أو جنونه غير الأب أو الجد ثم يبلغ أو يفيق فيختار نفسه قبل الدخول حقيقة أو حكما، لما له من حق الخيار وطلب الفرقة بينه وبين زوجته فعند ذلك لا حق للزوجة في شيء من المهر.
٤- إذا وهبت الزوجة مهرها كله للزوج وهي من أهل التبرع وقيل الزوج الهبة في المجلس، سواء قبضت الزوجة المهر أم لم تقبضه، وسواء أكان المهر عينا أم دينا.
٥- إذا فسد العقد بسبب من الأسباب المقتضية لفساد كأن كان العقد بدون شهود، وحصلت الفرقة بينهما من تلقاء نفسها أو فرق القاضي بينهما قبل الدخول الحقيقي.
نكاح التفويض:
التفويض: التزويج بلا مهر، وفوضت المرأة بضعها أي: أذنت لوليها في تزويجها بغير تسمية مهر.
المفوضة: لا يجب لها المهر بالعقد، ولها أن تطالب بفرضه فإن فرض لها كان المسمى في جميع ما ذكر، وإن لم يفرض حتى دخل بها وجب لها مهر المثل.
وإن مات أحدهما قبل الفرض ففي أحد القولين يجب لها مهر المثل، والثاني: لا يجب وإن طلقها قبل الفرض وجب لها المتعة.
стр. 213
المتعة وأحكامها:
تعريفها:
المتعة: بضم الميم وحكي كسرها مشتقة من المتابع وهو: ما يستمع به.
وفي الشرع: اسم للمال الذي يدفعه الزوج لزوجته لمفارقته إياها.
دليل مشروعيتها:
يستدل على مشروعية المتعة بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
ووجه الدلالة أن الله رفع الحرج عن المطلق قبل الدخول بقوله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
وذلك إذا خلا النكاح عن التسمية، فقد أمر المولى الأزواج بإعطاء المرأة تعويضا لها وإشعارًا بأن الزوج لا بد وأن يعوضها عما يكون قد فاتها لمجرد الإعلان عن زواجها منه حتى ولو لم يتم الزواج.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
حكمها:
باتفاق في المذهب تجب المتعة للمطلقة قبل الدخول بها والتي لم يفرض لها مهرا. أما المطلقة بعد الدخول سمي لها مهرا أم لم يسم له ففي القديم في المذهب لا متعة لها؛ لأن الله تعالى علق وجوب المتعة على شرطين: هما عدم المهر، وعدم الدخول فلا يجوز أن تجب بفقدهما.
стр. 214
وعلى الجديد من المذهب تجب لها متعة لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
ووجه الدلالة: هو أن قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ عام فيبقى على عمومه إلا ما خصه الدليل في المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى، ولأنه طلاق لم يسقط به شيء من المهر فجاز أن تجب لها المتعة كالمطلقة قبل الفرض وقبل الدخول.
وكل فرقة وردت من جهة الزوج أو من جهة أجنبي كالرضاع فحكمه حكم الطلاق في وجوب المتعة.
وكل فرقة وردت من جهة الزوجة أو بسببها كردتها أو فسخ النكاح لوجود عيب فيها من العيوب الموجبة للفسخ فلا متعة لها وذلك لأنها لا يجب لها مهرًا وبالتالي لا تجب لها متعة.
قدرها:
تقدير المتعة يرجع إلى الحاكم أو نائبه حسبما يرى على الموسع قدره على المقتر قدره، وقيل: يختلف باختلاف حال المرأة.
إعسار الزوج بالمهر:
إذا أعسر الزوج بالصداق قبل الدخول ثبت للزوجة بعساره الحق في فسخ النكح أو عدم فسخه.
وإن أعسر به بعد الدخول ففي أحد القولين يثبت لها الحق في فسخ النكاح، وفي القول الثاني لا حق لها في ذلك وعليها أن تنذره إلى ميسرة.
الاختلاف في الصداق:
الاختلاف في القبض:
إن اختلفا في قبضه فالقول قولها مع اليمين؛ لأن الأصل عدم القبض، وإن كان قد دفع لها شيئا وادعى أنه من المهر وادعت المرأة أنه هدية فإن اتفقا على أنه لم
стр. 215
يتلفظ بشيء عند تقديمه لها، فالقول قوله من غير يمين؛ لأن الهدية لا تصح بغير قول، وإن اختلفا في اللفظ فادعى الزوج أنه قال: هذا من صداقك وادعت المرأة أنه قال: هو هدية، فالقول قول الزوج؛ لأن الملك له.
الاختلاف في قدره أو في أجله أو في جنسه أو في عينه:
إن اختلفا في قدره كأن يقول الزوج عقدت بمائة فتقول الزوجة بل بمائتين، أو في جنسه كأن يقول الزوج تزوجتك على دراهم فتقول الزوجة: بل على دنانير، أو في أجله كأن يقول الزوج بمهر مؤجل، فتقول الزوجة بل بمهر حال، أو في عينه كأن يقول الزوج: تزوجتك بمهر قدره عشرة جمال فتقول الزوجة: بل بمهر عبارة عن منزل من طابقين.
فإن كان مع أحدهما بينة حكم له بها؛ لأن البينة على من ادعى، وإن لم يكن معهما بينة أو كان مع كل منهما بينة تعارض بينة الآخر فإنه لم يعتد بهما لتعارضهما ويتحالفان عند الحاكم؛ لأن الأيمان في الحقوق لا يستوفيها إلا الحاكم ويبدأ الزوج باليمين لقوة جانبه بعد التحالف ببقاء البضع له.
ثم بعد التحالف لا يفسد النكاح بل يسقط المسمى المختلف فيه لمصيره بالتحالف مجهولا ويجب مهر المثل حتى ولو زاد على ما دعته؛ لأنهما لما تحالفا وجب رد البضع فوجب بدله كالمبيع التالف.
لا خلاف في ذلك بين أن يختلف الزوجان قبل الدخول أو بعده أو يكون المختلف أحدهما مع ورثة الآخر أو مع ورثتهما معا، أو المختلف الزوج مع ولي الصغيرة البكر.
قبض المهر:
إذا كانت الزوجة بكرًا صغيرة أو كبيرة يلي أبوها بضعها ومالها كالمجنونة والسفيهة تولى الأب قبض المهر بنفسه؛ لاستحقاقه الولاية على مالها ولو قبضته من زوجها لم يصح ولم يبرأ الزوج منه إلا أن يبادر الأب إلى أخذه منها فيبرأ