مانع حسي، أو شرعي أو طبيعي يمنع الزوج من الوطء لزوجته في القديم في المذهب.
وعلى الجديد في المذهب وهو الأظهر أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر لا ولا تؤثر فيه.
تنصيفه:
يجب للزوجة نصف الصداق ويسقط نصفه بواحد من أمرين:
أولهما: إذا عقد الزوج على زوجته عقدا صحيحا وفرض لها مهرا عند العقد برضاهما ثم طلقها قبل الدخول بها دخولا حقيقيا أو الخلوة الصحيحة على القديم في المذهب وجب لها نصف المسمى وسقط النصف الآخر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ١.
تعويضا للزوجة عما لحقها من ضرر معنوي وجبرا لها وتخفيفا للحزن والأسى الذي أصابها بسبب من قبل الزوج، وأوجب الشرع على الزوجة أن تتنازل عن نصف ما كانت تستحقه لأنها لم تفقد شيئا.
الثاني: إذا حدثت الفرقة بينهما قبل الدخول الحقيقي أو الحكمي بسبب من جهة الزوج كالفرقة بسبب اللعان، أو الإيلاء، أو الفرقة بسبب امتناع الزوج عن الإسلام بعد إسلام الزوجة، أو وطئها أبوه أو ابنه بشبهة وهي تظنه زوجها.
سقوط المهر كله:
إذا وجب للزوجة على زوجها المهر بواحد من موجباته سالفة الذكر فإنه يسقط كله عن الزوج ولا يجب للزوجة عليه شيئا بواحد من أمور خمسة:
١- إذا أبرأت الزوجة زوجها قبل الدخول أو بعده بشرط أن تكون من أهل التبرع، وبشرط أن يكون المهر دينا في الذمة كالنقود وجميع المكيلات والموزونات إذا لم تكن معينة ولا مقصودة لذاتها.
стр. 212
٢- إذا كانت الفرقة بسبب من جهة الزوجة كأن ارتدت عن الإسلام، أو امتنعت عن الدخول في الإسلام بعد إسلام زوجها، أو فسخ الزواج بناء على طلب ولي أمر الزوجة لعدم كفاءة الزوجة أو لنقصان المهر عن مهر المثل.
٣- إذا كانت الفرقة من جهة الزوج قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة وكانت الفرقة فسخا بسبب خيار البلوغ أو خيار الإفاقة من الجنون والعته وذلك إذا كان المزوج له حال صغره أو جنونه غير الأب أو الجد ثم يبلغ أو يفيق فيختار نفسه قبل الدخول حقيقة أو حكما، لما له من حق الخيار وطلب الفرقة بينه وبين زوجته فعند ذلك لا حق للزوجة في شيء من المهر.
٤- إذا وهبت الزوجة مهرها كله للزوج وهي من أهل التبرع وقيل الزوج الهبة في المجلس، سواء قبضت الزوجة المهر أم لم تقبضه، وسواء أكان المهر عينا أم دينا.
٥- إذا فسد العقد بسبب من الأسباب المقتضية لفساد كأن كان العقد بدون شهود، وحصلت الفرقة بينهما من تلقاء نفسها أو فرق القاضي بينهما قبل الدخول الحقيقي.
نكاح التفويض:
التفويض: التزويج بلا مهر، وفوضت المرأة بضعها أي: أذنت لوليها في تزويجها بغير تسمية مهر.
المفوضة: لا يجب لها المهر بالعقد، ولها أن تطالب بفرضه فإن فرض لها كان المسمى في جميع ما ذكر، وإن لم يفرض حتى دخل بها وجب لها مهر المثل.
وإن مات أحدهما قبل الفرض ففي أحد القولين يجب لها مهر المثل، والثاني: لا يجب وإن طلقها قبل الفرض وجب لها المتعة.
стр. 213
المتعة وأحكامها:
تعريفها:
المتعة: بضم الميم وحكي كسرها مشتقة من المتابع وهو: ما يستمع به.
وفي الشرع: اسم للمال الذي يدفعه الزوج لزوجته لمفارقته إياها.
دليل مشروعيتها:
يستدل على مشروعية المتعة بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
ووجه الدلالة أن الله رفع الحرج عن المطلق قبل الدخول بقوله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
وذلك إذا خلا النكاح عن التسمية، فقد أمر المولى الأزواج بإعطاء المرأة تعويضا لها وإشعارًا بأن الزوج لا بد وأن يعوضها عما يكون قد فاتها لمجرد الإعلان عن زواجها منه حتى ولو لم يتم الزواج.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
حكمها:
باتفاق في المذهب تجب المتعة للمطلقة قبل الدخول بها والتي لم يفرض لها مهرا. أما المطلقة بعد الدخول سمي لها مهرا أم لم يسم له ففي القديم في المذهب لا متعة لها؛ لأن الله تعالى علق وجوب المتعة على شرطين: هما عدم المهر، وعدم الدخول فلا يجوز أن تجب بفقدهما.
стр. 214
وعلى الجديد من المذهب تجب لها متعة لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
ووجه الدلالة: هو أن قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ عام فيبقى على عمومه إلا ما خصه الدليل في المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى، ولأنه طلاق لم يسقط به شيء من المهر فجاز أن تجب لها المتعة كالمطلقة قبل الفرض وقبل الدخول.
وكل فرقة وردت من جهة الزوج أو من جهة أجنبي كالرضاع فحكمه حكم الطلاق في وجوب المتعة.
وكل فرقة وردت من جهة الزوجة أو بسببها كردتها أو فسخ النكاح لوجود عيب فيها من العيوب الموجبة للفسخ فلا متعة لها وذلك لأنها لا يجب لها مهرًا وبالتالي لا تجب لها متعة.
قدرها:
تقدير المتعة يرجع إلى الحاكم أو نائبه حسبما يرى على الموسع قدره على المقتر قدره، وقيل: يختلف باختلاف حال المرأة.
إعسار الزوج بالمهر:
إذا أعسر الزوج بالصداق قبل الدخول ثبت للزوجة بعساره الحق في فسخ النكح أو عدم فسخه.
وإن أعسر به بعد الدخول ففي أحد القولين يثبت لها الحق في فسخ النكاح، وفي القول الثاني لا حق لها في ذلك وعليها أن تنذره إلى ميسرة.
الاختلاف في الصداق:
الاختلاف في القبض:
إن اختلفا في قبضه فالقول قولها مع اليمين؛ لأن الأصل عدم القبض، وإن كان قد دفع لها شيئا وادعى أنه من المهر وادعت المرأة أنه هدية فإن اتفقا على أنه لم
стр. 215
يتلفظ بشيء عند تقديمه لها، فالقول قوله من غير يمين؛ لأن الهدية لا تصح بغير قول، وإن اختلفا في اللفظ فادعى الزوج أنه قال: هذا من صداقك وادعت المرأة أنه قال: هو هدية، فالقول قول الزوج؛ لأن الملك له.
الاختلاف في قدره أو في أجله أو في جنسه أو في عينه:
إن اختلفا في قدره كأن يقول الزوج عقدت بمائة فتقول الزوجة بل بمائتين، أو في جنسه كأن يقول الزوج تزوجتك على دراهم فتقول الزوجة: بل على دنانير، أو في أجله كأن يقول الزوج بمهر مؤجل، فتقول الزوجة بل بمهر حال، أو في عينه كأن يقول الزوج: تزوجتك بمهر قدره عشرة جمال فتقول الزوجة: بل بمهر عبارة عن منزل من طابقين.
فإن كان مع أحدهما بينة حكم له بها؛ لأن البينة على من ادعى، وإن لم يكن معهما بينة أو كان مع كل منهما بينة تعارض بينة الآخر فإنه لم يعتد بهما لتعارضهما ويتحالفان عند الحاكم؛ لأن الأيمان في الحقوق لا يستوفيها إلا الحاكم ويبدأ الزوج باليمين لقوة جانبه بعد التحالف ببقاء البضع له.
ثم بعد التحالف لا يفسد النكاح بل يسقط المسمى المختلف فيه لمصيره بالتحالف مجهولا ويجب مهر المثل حتى ولو زاد على ما دعته؛ لأنهما لما تحالفا وجب رد البضع فوجب بدله كالمبيع التالف.
لا خلاف في ذلك بين أن يختلف الزوجان قبل الدخول أو بعده أو يكون المختلف أحدهما مع ورثة الآخر أو مع ورثتهما معا، أو المختلف الزوج مع ولي الصغيرة البكر.
قبض المهر:
إذا كانت الزوجة بكرًا صغيرة أو كبيرة يلي أبوها بضعها ومالها كالمجنونة والسفيهة تولى الأب قبض المهر بنفسه؛ لاستحقاقه الولاية على مالها ولو قبضته من زوجها لم يصح ولم يبرأ الزوج منه إلا أن يبادر الأب إلى أخذه منها فيبرأ
стр. 216
الزوج حينئذ منه فإن كانت ثيبا لا تجبر على النكاح فليس للأب قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذنها لم يبرأ الزوج منه.
وإن كانت بكرا يجبرها أبوها على النكاح فالصحيح في المذهب أنه لا يملك قبض مهرها إلا بإذنها، وقيل: له قبض مهرها لأنه يجبرها على النكاح كالصغيرة.
المهر وجهاز المرأة:
من المسائل التي لها علاقة وثيقة بموضوع المهر مسألة تجهيز المرأة بما تحتاجه من أثاث منزلي أو ملابس وغير ذلك عند زفافها على زوجها فهل تجهيز بيت الزوجية مسئولية الزوج أم أن المرأة ملزمة شرعا بشراء ما يحتاجه بيت الزوجية من أثاث من مهرها أو مالها أو مال أبيها؟
يقول المولى : ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ١.
فهذا خطاب من المولى لأولياء النساء، وذلك لأن العرب في الجاهلية كانت لا تعطي النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كان إذا ولد لواحد منهم بنتا يهنئونه بقولهم: هنيئا لك النافجة: أي أنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك، وقال بعض علماءاللغة: النافجة: ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك وأمر الأولياء بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول جمهور العلماء وأهل اللغة.
فدلت الآية الكريمة على أن المهر حق خالص للمرأة ولا يجوز لأحد أن يأخذ منه شيئا.
وفي الحديث المتفق عليه من حيث سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت أهب نفسي لك، فقامت طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك حاجة بها،
стр. 217
فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك" الحديث.
يقول ابن عبد البر -يرحمه الله: في هذا الحديث دليل على أن ما يصدقه الرجل لزوجته لا يملك شيئا منه، وأنه للمرأة دونه، ألا ترى إلى قوله: "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك".
وأقول: من خلال النص القرآني الكريم، والحديث النبوي الشريف يفهم أن المهر حق خالص للزوجة ليس لأبيها ولا لزوجها، ولا لأحد حق فيه ومن ثم فلا تلزم شرعا بشراء ما يحتاجه بيت الزوجية من جهاز أو متاع إنما ذلك على الزوج، ولكن تعارف أهل مصر قديما وحديثا على قيام الزوجة بشراء ما يحتاجه بيت الزوجية من أثاث منزلي بما قبضته من مهر وربما يزيد عنه على أن يكون هذا الجهاز ملكا خاصا لها وللزوج وغيره جواز الاتنفاع به بإذنها ما دامت الزوجية قائمة بينهما وأبقت الزوجة الجهاز في بيت الزوجية.
وما تعارف عليه أهل مصر لا يتعارض مع الشرع بل هناك من الشرع ما يؤيده فروى السنائي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: جهز النبي -صلى الله عليه سلم- فاطمة في خميل قطيفة، أي ثوب له وبر من أي شيء، وقربة، ووسادة حشوها إذخر: أي نبات طيب الرائحة تحشى به الوسائد.
كما تعارف أهل مصر حديثا على كتابة ما يسمونه بقائمة الجهاز التي تأخذها الزوجة على الزوج لإثبات ملكيتها لأثاث بيت الزوجية عند حدوث شقاق بينهما.
وقد اعتبر واضعو قانون الأحوال الشخصية العرف في ذلك فجاء في المادة ٦٦ منه: أن الزوجة تلزم بتجهيز نفسها بما يتناسب وما تعجل من مهر قبل الدخول ما لم يتفق على غير ذلك، فإذا لم يجعل شيء من المهر فلا تلزم بالجهاز إلا بمقتضى الاتفاق أو العرف.
стр. 218
اختلاف الزوجين أو ورثتهما في ملكية متاع البيت أو بعضه:
إن اختلاف الزوجان حال حياتهما في ملكية الجهاز والأثاث المنزلي ومع أحدهما بينة تثبت ملكيته له حكم له بها وكذلك إن اختلف أحدهما مع ورثة الآخر أو ورثتهما بعد وفاتهما وإن لم يكن تمت بينة الجهاز يقسم بينهما نصفين أو بين ورثتهما بغض النظر عما يصلح للجار وما يصلح للنساء.
стр. 219
النفقة تعريفها وسبب وجوبها ودليله
...
ب- النفقة:
من الحقوق المالية الواجبة للزوجة على زوجها النفقة.
تعريفها:
النفقة لغة: الصرف يقال: أنفق ماله أي صرفه ولا تستعمل إلا في الخير.
وفي الاصطلاح: اسم لما يصرفه الإنسان على زوجته وعياله وأقاربه من طعام وكسوة ومسكن وخدمة.
والمراد بنفقة الزوجة: كل ما تحتاج إليه لمعيشتها من طعام وكسوة ومسكن وخادم وكل ما تحتاج إليه من فرش وغطاء حسبما تعارف أهل كل زمان ومكان. ويقول صاحب المغني المحتاج: والحقوق الواجبة للزوجية سبعة: الطعام، الإدام والكسوة وآلة التنظيف ومتاع البيت والسكنى وخادم إن كانت ممن تخدم.
سبب وجوبها للزوجة ودليله:
على الجديد في المذهب تجب نفقة الزوجة على زوجها بالتمكين التام من نفسها؛ لأنها سلمت ما ملك عليها وهو البضع فتستحق ما يقابله من الأجرة لها.
ولا تجب بمجرد العقد فقط، وذلك لأن النبي ﷺ عقد على السيدة عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، ودخل بها بعد سنتين، ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول بها، ولو كانت النفقة حقا لها لقدمها إليها، ولو قدمها لنقل إلينا.
وعلى القديم في المذهب تجب بالعقد وتستقر بالتمكين.
стр. 220
ويستدل على وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ١.
ووجه الدلالة هو أن الله تعالى جعل القوامة للرجل على المرأة والقيم على غيره هو المتكفل بأمره.
وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٢.
ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى أمر الأزواج بإسكان المطلقات في فترة العدة من حيث سكنوا من سعهم وطاقتهم والأمر للوجوب، فإذا كان الأمر بالإسكان والرعاية هنا للمطلقات، فمن باب أولى يجب للزوجات عند قيام الزوجية حقيقة أو حكما.
ومن السنة: ما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: في خطبة الوداع: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
ومنها: أن رجلا سأل النبي ﷺ قائلا: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟، فقال ﷺ : "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا كسيت".
ومنها: قول النبي ﷺ لهند زوجة أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ووجه الدلالة هو أن هذه الأحاديث دلت بمجموعها على وجوب نفقة الزوجة على زوجها.
стр. 221
وانعقد إجماع الأمة من لدن رسول الله ﷺ في كل العصور على ذلك حتى عصرنا الحاضر مستندين إلى الأدلة الشرعية التي دلت على ذلك كما أجمعت الأمة على أنه إذا امتنع الزوج من الإنفاق على زوجته التي مكنته من نفسها بدون مبرر شرعي كان ظالما وألزمه القاضي بأدائها.
الحكمة من مشروعيتها:
أجب الشرع على الزوج لزوجته النفقة لحكم سامية من أهمها:
١- أن الزوجة بتمكينها للزوج من نفسها أصبحت محبوسة في بيت الزوجية لحقه وهذا الاحتباس استوجب حقا لها في الإنفاق والكسوة والسكنى.
٢- أن الزوجة بالتمكين من نفسها تكون قد فرغت نفسها للحياة الزوجية من حفظ النسل والقيام على تربية الأولاد ورعاية شئون البيت، وخصصت نفسها لمنفعة زوجها، وهي بذلك لا تتمكن من الخروج للاكتساب والسعي على الرزق، فوجب لها نظير ذلك حق النفقة، عملا بالقاعدة العامة "كل من حبس نفسه لحق غيره ومنفعته فنفقته على من احتبس لأجله".
٣- اقتضت حكمة المولى أن يودع في الرجل القدرة على العمل والتكسب والتفوق في التدبير وحسن الأداء وجعل له القوامة والزعامة على الأسرة لذا كان واجبا عليه أن يكفي زوجته النفقة هي وأولادها وجعل الشرع نفقتها بابا من أبواب التقرب إلى الله، ومصدقا لقوله ﷺ : "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك".
فالرجل يكد ويتعب في سبيل الحصول على نفقة زوجته وعياله والزوجة ألقي على عاتقها رعاية البيت والسهر على تربية أبنائها.
وهذا أساس سليم تستقيم به الأسر وتنشأ في ظلها الأبناء.
стр. 222
ويوم أن انقلبت الموازين وخرجت المرأة في ظل ما يسمونه بالمدينة والتحضر للعمل وتركت مسئوليتها الأولى -البيت والأبناء- تزلزلت الأسرة وأنجبت للأمة جيلا فقد الحنان والعطف؛ لأنه افتقد الأم ودفأها وتربى بعيدا عنها، إما في ظل المربيات، وإما في ظل القريبات وكلاهما لا يعطي الطفل ما يحتاج إليه من الرعاية والعناية وحسن التربية والعجيب في الأمر أن المرأة عندما خرجت إلى منطلق الحياة في عصرنا حملت بذلك نفسها وبيتها ما قد كان في غنى عنه لو أنها استقرت في بيتها وراعت أولادها وتركت مهمة الإنفاق لزوجها.
والأعجب من ذلك أن المرأة لا تفهم هدف الإسلام في هذه الناحية فخيل لها أعداء الإسلام أن قيام الزوج على شئونها وقرارها في البيت ظلم لها وانتقاص من شأنها وصداقتهم في ذلك.
والحق الذي لا ريب فيه أنه تكريم وصيانة لها وتطبيق لفطرة الله الذي خلق الرجل وكيفه للعمل والكسب، وخلق المرأة وهيأها للقرار في البيت وبث العطف والحنان لأبنائها.
شروط وجوب النفقة:
يشترط لوجوب نفقة الزوجة على زوجها الشروط التالية:
١- أن يكون عقد الزواج صحيحا.
٢- أن تمكن زوجها من نفسها بأن تسلم نفسها له ولا تمتنع من الدخول في طاعته.
٣- ألا تمتنع من الانتقال حيث يريد الزوج إلا إذا أراد الزوج الإضرار بها بالسفر أو كانت لا تأمن على نفسها ومالها.
٤- أن يكونا من أهل الاستمتاع.
فإذا افتقد شرط في هذه الشرط لا تجب لها النفقة.
стр. 223
تقدير النفقة:
إذا كانت الزوجة مقيمة في بيت زوجها ويتولى الزوج الإنفاق عليها وإحضار ما يكفيها من طعام وكسوة وغيرهما، فليس للزوجة حينئذ مطالبته بفرض نفقة لها، ذلك لأن الزوج قائما بالواجب عليه نحوها.
أما إذا كان الزوج بخيلا لا يقوم بكفاية زوجته أو تركها بلا نفقة بغير حق، فلها الحق في مطالبته بأن يفرض لها نفقة من طعام وكسوة وغيرهما وللقاضي أن يحكم لها بذلك متى تثبت صحة دعواها، كما أن لها الحق أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف ولو بدون علم الزوج.
ويستدل على ذلك بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن هند زوجة أبي سفيان قالت لرسول الله -صلى الله عليه سلم: "يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال لها النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك ولدك بالمعروف" فتقدر نفقة الزوجة حسب حالة الزوج.
فإن كان موسرا كل يوم مدان من غالب قوت البلد، وإن كان معسرا لزمه مد واحد، وإن كان متوسط فمد ونصف.
ويجوز في ظاهر المذهب أن تأخذ ثمن ذلك نقدا، ويجب لها من الكسوة والسكنى ما جرت به العادة عرف.
لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ ١.
وهذا ما جرت عليه المحاكم الآن في تقدير نفقة الزوجة على زوجها تطبيقا للمادة ١٦ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩م ونصها: تقدر نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرًا وعسرًا، مهما كان حال زوجته.
стр. 224
ولا يدخل في نفقة الزوجة الطيب وثمن الأدوية ففي التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، ولا يجب عليه ثمن الطيب ولا أجرة الطبيب ولا شراء الأودية". ا. هـ.
الإعسار بالنفقة:
إذا ما أعسر الزوج بأداء النفقة الواجبة عليه لزوجته شرعا فللزوجة الخيار إن شاءت أقامت على النكاح وجعلت النفقة دينا في ذمة الزوج، وإن اختارات المقام مع إعساره بالنفقة وأرادت بعد ذلك فسخ النكاح جاز لها ذلك.
وإن شاءت أقامت على النكاح حالا، أو بعد إمهاله ثلاثة أيام على الأصح في المذهب.
وإن أعسر بنفقة الموسر أو المتوسط لم يكن لها الحق في فسخ النكاح ولكن لها نفقة المعسر، وما زاد عنها لا يكن دينا في ذمته.
وإن أعسر بالكسوة ثبت لها الفسخ قولا واحدا في المذهب وإن أعسر بالأدم لم تفسخ، وإن أعسر بالسكنى إن شاءت فسخت النكاح وإن شاء أقامت عليه وكانت السكنى دينا في ذمته.
الاختلاف في النفقة:
إنا اختلفا في قبضها فالقول قولها مع اليمين، وإن اختلفا في تسليمها نفسها الموجب لنفقتها قول الزوج مع يمينه.
الإبراء في دين النفقة:
إذا صارت النفقة دينا في ذمة الزوج لزوجته جاز أن تبرئة من هذا الدين كله أو بعضه، ولو أبرأته مما يكون لها من نفقة في المستقبل لم يصح إبراؤها؛ لأنه لم يثبت دينا بعد في ذمته، إلا إذا فرضت النفقة مشاهرة أو سنة جاز إبراؤها.
стр. 225
الحقوق غير المالية الواجبة للزوجة على زوجها:
من أهمها:
١- حسن المعاشرة:
امتثالا قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١.
ومن مظاهرحسن الخلق وكمال الإيمان معاشرة المرأة بالمعروف، يقول ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وخياركم خياركم لنسائهم" وإكرام الزوجة دليل على الشخصية المتكاملة، وإهانتها عنوان الخسة والدناءة.
يقول الرسول ﷺ : "ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا ليئم".
صيانتها:
يجب على الزوج أن يصون زوجته وأن يحفظها من كل سوء يخدش شرفها ويدنس عرضها ويعرض سمعتها للقيل والقال، وهذا من الغيرة التي يحبها الله ورسوله.
٢- العدل:
ويُعنى به القَسْم: بفتح القاف وسكون السين يقال: قسمت المال بين الشركاء، أي: فرقته بينهم، ومنه القسم بين النساء؛ لأن الزوج يقسم بينهن في المبيت ونحوه.
والعدل من الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للزوجة عموما سواء أكان للزوج زوجة أم أكثر.
لقول الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ٢.
стр. 226
فالعدل بالنسبة للزوجة الواحدة يقصد به معاملتها بالمعروف، وعدم إيذائها بالقول أو بالفعل، وأن يكون أمينا معها فيطعمها مما ياكل ويكسوها بما يليق بها وأن يسكنها المسكن اللائق بها.
والعدل بين الزوجات يقصد به تقسيم أيام وجود الزوج عند كل واحدة بمعنى أن يعدل فلا يزيد إحداهن أياما على حساب الأخرى.
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
تعريف القَسْم وحكمه:
القسمة: في اللغة التسوية بين الزوجات في المبيت.
والتسوية بين الزوجات مستحبة وليست بواجبة، ولكن الزوج إذا لم يَقْسِم بينهن فإنه يأثم؛ لقول النبي ﷺ : $"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" ولأن النبي -صلى الله عليه سلم- كان شديد الميل إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ ولأن المبيت حقه فله تركه.
زمان القسم:
والأصل في القسم الليل؛ لأنه زمان السكن والراحة، لقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ١.
إلا إذا كان الزوج ممن عمله ليلا كالحارس ونحوه فعماد القسم في حقه النهار؛ لأنه زمان سكنه وراحته والليل زمان معاشه.
فمن كان عماد قسمه الليل حرم عليه أن يدخل في نوبة واحدة من نسائه على غيرها منهن سواء أكان دخوله لحاجة أم لغيرها على الصحيح في المذهب، إلا لضرورة كأن تكون في النزع الأخيرة أو تكون قد فارقت الحياة أو شب حريق
стр. 227
بالبيت، وإذا دخل للضرورة فمكث طويلا قضي لصاحبة النوبة مثل ذلك القدر في نوبة المدخول عليها.
فلو تعدي بالدخول بلا ضرورة ولو كان لحاجة فإن طال زمانه قضي وإلا فلا قضاء عليه ولكنه يعصي.
مكان القسم:
يجب على الزوج أن يفرد لكل واحدة من نسائه مسكنا خاصا بها، لفعل النبي ﷺ ذلك.
ولأنهن لا يشتركن في النفقة فكذلك لا يشتركن في المسكن، ولأن بين الضرائر تنافسا وتباغضا إن اجتمعن خرجن إلى الافتراء والقبح، ولأنهن إذا اجتمعن شاهدت كل واحدة منهن خلوة الزوج بضرتها وذلك مكروه.
ويحرم عليه أن يقيم بمسكن واحد منهن ويدعو من بقي منهن إليه؛ لأن الحضور إلى بيت الضرة شاق على النفس ولا يلزمهن الإجابة فإن أجبنه فعلى صاحبة البيت التمنع وإن كان البيت ملك للزوج؛ لأنه لها حق السكنى فيه.
ويحرم أن يجمع ولو ليلة واحدة بين ضرتين في مسكن واحد لما بينهما من التباغض إلا برضاهما؛ لأن الحق لهما ولو رجعا بعد رضاهما جاز ذلك.
وإذا رضيا أو رضين الجمع في بيت واحد يكره كراهة تنزيهية أن يطأ إحداهما بحضرة الأخرة؛ لأنه عمل بعيد عن المروءة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوَجْسِ، وهو أن يطأ الزوج زوجته بحيث يسمع حسه فإن أسكنهن في بيت واحد وأفراد لكل واحدة منهن حجرة منه بحيث إذا دخلت توارت فيها عن ضرائرها، جاز ذلك بشرط أن يسكن مثلهن ذلك وليس من حق واحدة منهن أن تطالبه بمسكن منفرد.
стр. 228
وإن كان مثلهن لا يسكن مثل ذلك لجلالة قدرهن ويسر زواجهن وجب عليه أن يفرد كل واحدة منهن بدار فسيحة اعتبارا بالعرف، كما يعتبر العرف في كسوتهن.
قدر القسم:
للزوج أن يقسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها، ويجوز ليلتين وثلاثا بغير رضاهن، وقيل: لا تجوز الزيادة على ليل إلا برضاهن.
هبة أحدى الزوجات نوبتها من القسم لضرتها:
ويجوز أن تهب إحدى الزوجات نوبتها من القسم لأخرى, لما روي عن أم المؤمنين سودة بنت زمعة وهبت نوبتها من قسم رسول الله ﷺ لها لأم المؤمنين عائشة ﵂ ولا يلزم على الزوج قبول هذه الهبة وله أن يبيت عند الواهبة في نوبتها.
فإن رضي بالهبة وكانت الواهبة قد وهبته لمعينة بات عند الموهوب لها ليلتين، ولا يشترط في الهبة رضا الموهوب لها على الصحيح، ولو وهبت حقها للزوج، فهل له أن يختص واحدة بنوبة الأخرى؟ وجهان في المذهب.
ولو وهبت حقها لجميع الضرائر أو أسقطته مطلقا وجبت النوبة فيه بين الباقيات بلا خلاف.
وللواهبة الرجوع في هبتها متى شاءت، ويعود حقها في المستقبل؛ لأن المستقبل هبة لم تقبض حتى لو رجعت في اثناء الليل وجب عليه الخروج فورا من عند الموهوب لها.
ولا يجوز للواهبة أن تأخذ من حقها من القسم عوضا لا من الزوج ولا من الموهوب لها. فإن أخذت لزمها رده؛ لأن الحقوق لا تقبل العوض.
стр. 229
ويأخذ حكم طلاق الكناية قول الزوج على الطلاق فإن نوى بذلك الطلاق وقع وإن لم ينوي لم يقع لكن الخلاف في كفارة اليمين فيرى ابن تيمية أن عليه كفارة وهذا ما نرجحه ويرى ابن القيم أنه لا كفارة عليه.
ثانيها: أقسامه باعتبار السنة والبدعة
يكون الطلاق سنيا إذا طلق الزوج زوجته المدخول بها في طهر لم يمسها فيه وكانت هي غير حامل طلقة واحدة.
ويكون بدعيا إذا كانت مدخولا بها وطلقها أثناء الحيض أو النفاس أو في طهر جومعت فيه ولم يتبين حملها سواء كان الطلاق بلفظ واحد أو جمع الثلاث.
ولا يوصف الطلاق بلفظ سني ولا بدعي إذا طلق قبل الدخول أو بعد الدخول وكانت حامل أو لا تحيض
هل يقع الطلاق البدعي أو لا يقع؟
يرى جمهور الفقهاء وعلى رأسهم الأئمة الأربعة أن الطلاق البدعي يقع ويرى الشيعة الإمامية وابن تيمية وابن القيم أنه لا يقع.
والراجح رأي الجمهور إن كانت الطلقة الأولى أو الثانية ويؤخذ برأي ابن تيمية ومن وافقه إذا كانت الطلقة الثالثة جمعا بين الأدلة وحفاظا على الأسرة.
ثالثهما: أقسامه باعتبار العدد
يملك الحر على زوجته ثلاث طلقات فإن طلقها الأولى أو الثانية فإن الطلاق يكون رجعيا وله مراجعتها ما دامت في العدة إما بالقول كأن يقول راجعتك أو بالفعل كان يجامعها وتكون الرجعة بدون عقد ومهر جديدين ما دامت في العدة لكن إن انتهت عدتها ولم يراجعها فيها فإنها تكون بائنة منه بينونة صغرى فإن أراد مراجعتها فلا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين وبرضاها.
ويكون الطلاق بائنا بينونة كبرى إذا طلق الزوج زوجته المدخول بها الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
стр. 230
وإن كانت الجديدة ثيبا فإن من المستحب أن يخبرها بين أن يقيم عندها ثلاثا بلا قضاء، وبين أن يقيم عندها سبعا ويقضي للباقيات كما قال النبي ﷺ لأم سلمة عندما دخل بها: "إن شئت سبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت"، أي بالقسم الأول بلا قضاء.
ما يسقط حق الزوجة في القسم:
إذا استحقت الزوجة القسم فإنه يسقط حقها فيه بواحد من الأمور ثلاثة:
١- إن سافرت بغير إذنه قولا واحدا في المذهب وهي في سفرها آثمة وصارت أسوأ حالا من المقيمة الناشزة.
وإن سافرت بإذنه ففي أحد القولين يسقط حقها وفي القول الثاني: لا يسقط.
٢- إذا خرج سهمها عند الاقتراع وامتنعت بدون عذر عن الخروج مع الزوج.
٣- إذا كان بالزوجة جنون وخاف على نفسه منها.
ولا يمنع من القسم مرض الزوج ولا مرض الزوجة لما روي أن الرسول ﷺ كان يطاف به على نسائه في مرضه الذي مات فيه حتى أذن له بالتمريض في بيت عائشة ﵂.
فيقسم للمريضة والرتقاء والحائض والنفساء والتي حلف عليها يمين إيلاء أو ظهار، ولا يقربها حتى يكفر؛ لأن القسم للألفة والسكن لا الجماع.
حق الزوجة في طلب التطليق عند عدم العدل:
إذا لم يعدل الزوج بين زوجاته في المبيت ووجدت الزوجة غير المقسوم لها أنها متضررة بذلك، فهل الضرر الواقع عليها يعطيها الحق في طلب التفريق بينهما وبين زوجها؟
سبقت الإشارة إلى أن القسم بين الزوجات في المبيت ليس واجبا على الزوج وغير لازم عليه، فيجوز له تركه وليس لزوجاته مطالبته بذلك؛ لأن هذه الأمور ترجع إلى الطبع، ولكن يستحب عدم تعطيل الزوجات في المبيت؛ لأنه من باب
стр. 231
المعاشرة بالمعروف وتحصين الزوجات واجب عليه، ولأن ترك الزوج المبيت مع زوجته يؤدي إلى الفجور، ومن ثم فلا يجوز شرعا للزوجة للطلب التفريق بينها وبين زوجها عند تركه القسم في المبيت.
هل يلزم الزوج بالجماع عند القسم أو لا؟
اذا استقر القسم للزوجات فإنه لا يجبر على الجماع ولا يجب عليه وله أن يجامع من يشاء منهن؛ لأن الجماع إنما هو من دواعي الشهوة وخلوص المحبة التي لا يقدر على تكلفها بالتصنع لها.
لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ١.
قال الإمام الشافعي -يرحمه الله- معناه: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء بما في القلوب فلا تميلوا كل الميل في أن تتبعوا أهواءكم وأفعالكم "فتذورها كالمعلقة".
وهي التي ليست بزوجة ولا مفارقة.
فدلت هذه الآية الكريمة على أن التسوية بينهن فيما يقدر عليه من أفعاله في القسم والإيواء، ولا يلزمه التسوية بينهن فيما لا يقدر عليه من المحبة والشهوة فكذلك الجماع.
لذلك قال ﷺ : "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
ولكن يستحب أن يحصنهن بالجماع قدر استطاعته؛ لأنه من باب المعاشرة بالمعروف ولأن تركه قد يؤدي إلى الفجور فإن كانت الزوجة واحدة جامعها كل أربع ليال مرة اعتبارا بمن له أربع زوجات.
стр. 232
وإن رأى الزوج من نفسه عجزا عن إقامة حق الزوجة في مضجعها فلا بأس بأن يتناول الأدوية التي تزيد من قوته ونشاطه حتى يعفها بشرط ألا تكون محرمة.
واعتبر الشرع جماع الرجل زوجته من باب الصدقات التي يثاب عليها ففي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ولك في جماع زوجتك أجرًا".
قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال".
ويستحب أن يناما في فراش واحد إلا إذا كان لأحدهها عذر في الانفراد.
ويستحب المداعبة والملاعبة والملاطفة والتقبيل حتى تقضي المرأة حاجتها.
لما رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها" ومن الواجب أن يستترا عند الجماع.
لقوله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين" أي: الحمارين.
وتسن التسمية والاستعاذة عند الجماع للحديث المتفق عليه أن رسول الله -صلى الله عليه سلم- قال: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما في ذلك ولد لن يضر ذلك الولد الشيطان أبدًا".
ويحرم إتيان الزوجة في دبرها؛ لأنه عمل تنفر منه الفطرة ويأباه الطبع ويحرمه الشرع.
стр. 233
يقول المولى : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١.
والحرث هو موضع الغرس والزرع وموضع الحرث من الزوجة هو القبل للدبر.
العزل:
العزل: هو أن ينزع الرجل ذكره بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج منعا للحمل.
وهو جائز شرعًا، لما رواه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل، وفي رواية عنه عند مسلم: نعزل على عهد رسول الله -صلى الله عليه سلم- فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ولم ينهانا وروي عن الإمام الشافعي -يرحمه الله- أنه قال: نحن نروي عن عدد من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا بأسًا.
تحديد النسل:
من مقاصد النكاح التناسل والتكاثر كما سبقت الإشارة إليه ولكن الإسلام لا يمنع من تنظيم النسل باستخدام الوسائل الحديثة عند الضرورة كأن يكون الرجل ذا عيال لا يستطيع القيام على تربيتهم التربية الصحيحة، وكذلك إذا كانت الزوجة مريضة لا تقوى على مواصلة الحمل وتكراره ونحو ذلك.
تزين الرجل لزوجته:
يستحب أن يتزين الرجل لزوجته كما يجب أن تتزين هي له.
يقول جد الأمة عبد الله بن عباس ﵄: "إني لأتزين لأمرأتي كما تتزين لي وما أحب أن آخذ الحق كله الذي لي عليها، فستستوجب حقها الذي لها علي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢.
стр. 234
فعلي الزوج أن يظهر في نظر زوجته بالمنظر اللائق، ليكون عند زوجته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال.
стр. 235
الحقوق المشتركة بين الزوجين
مدخل
...
ثالثا: الحقوق المشتركة بين الزوجين
١- حل العشرة واستمتاع كل منهما بالآخر بالطريق المشروع ما لم يكن هناك ما يحرم الاستمتاع كأن تكون الزوجة حائضا أو نفساء أو محرمة بحج أو عمرة أو صائمة صيامًا فرضًا.
٢- ثبوت التوارث بينهما بمجرد إنشاء العقد حتى ولو لم يدخل بها فإذا مات أحدهما ورثه الآخر.
٣- ثبوت نسب الولد صاحب الفراش، فثبوت نسب الولد حق للوالد في صيانة وحفظ نسبه، وهو حق للزوج في إثبات نسب ولده إليه، وهو حق للزوجة في إثبات نسب الولد وإبعادها عن التهمة.
٤- حرمة المصاهرة، فتحرم الزوجة على آباء زوجها وأبنائه وفروع أبنائه وفروع بناته كذلك يحرم الزوج على أمهات الزوجة وبناتها وفروع أبنائها وفروع بناتها كذلك.
стр. 236
الطلاق:
الطلاق لغة: رفع القيد.
وشرعًا: رفع القيد الثابت بالنكاح الصحيح بألفاظ مخصوصة.
دليل مشروعيته:
يستدل على مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: آيات الطلاق ومنها قول الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ١.
ومن السنة: أحاديث كثيرة منها: ما روي أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال له رسول الله ﷺ : "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر لله بها" ٢.
ومن الإجماع: أجمعت الأمة على مشروعيته.
الحكمة من مشروعية الطلاق:
أنه سبيل للخلاص من الحياة الزوجية إذا استحالت فالطلاق راحة للطرفين عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ ٣.
حكم الطلاق:
اختلف الفقهاء في الأصل في الطلاق أهو التحريم أم الإباحة.
يرى الحنفية أن الأصل فيه الإباحة لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٤.
стр. 237
ونفي الجناح يقتضي الإباحة كما ثبت أن الرسول ﷺ طلق زوجته حفصة ﵂ كما فعل ذلك الصحابة ولم ينكر أحد منهم ذلك الفعل.
وذهب البعض الآخر من الفقهاء إلى أن الأصل فيه التحريم إلا لحاجة واستدلوا على ذلك بقول تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ ١ والطلاق من غير حاجة سبيل إلى الظلم فلا يصار إليه واستدلوا على ذلك أيضا بقوله ﷺ : "لعن الله كل ذواق مطلاق" فدل ذلك على أن الأصل في الطلاق التحريم.
وسواء قلنا بترجيح التحريم أم الإباحة في الطلاق فإن تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة وهي:
١- فيكون حراما إذا علم الرجل أنه لو طلق زوجته وقع في الزنا لتعلقه بها أو لعدم قدرته على الزواج بغيرها، وكذلك يكون حرامًا إذا طلق زوجته أثناء الحيض أو النفاس أو في طهر جامعها فيه وهو المعروف بالطلاق البدعي.
٢- يكون مكروها إذا كان من غير حاجة تدعو إليه.
٣- يكون واجبا إذا أيقن الزوج ظلمه لزوجته ماديا أو معنويا وكذلك طلاق المولى إذا انتهت مدة الإيلاء ولم يطأ زوجته.
٤ و٥- ويكون مندوبا أو مستحبا إذا كانت المرأة بذيئة اللسان ويخاف الوقوع منها في الحرام بأن تسب أمه أو أباه ويقع منهما الغضب عليه أو كانت الزوجة مفرطة في حقوق الله من صلوات وغيرها ولا يستطيع إجبارها على ذلك أو كانت غير عفيفة.
ويستحب الطلاق أيضا إذا تضررت الزوجة من الزوج لبغض أو غيره.
стр. 238
أركان الطلاق:
اختلف الفقهاء في عد أركان الطلاق على النحو التالي:
أولًا: يرى الحنفية أن ركن الطلاق واحد وهو اللفظ الدال على معنى الطلاق أو ما يقوم مقام اللفظ كالإشارة من الأخرس بشرط أن تكون مفهومة أو الهاتف أو الكتابة.
ثانيا: يرى المالكية أن أركان الطلاق أربعة
زوج، زوجة، اللفظ، القصد "النية".
ثانيا: يرى الشافعية والحنابلة أن أركان الطلاق خمسة:
الأربعة السابقة ويزاد عليها الولاية وذلك من طلاق الصغير أو الصغيرة أو المجنون والمجنونة.
الحكمة من جعل الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة.
وجعل الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة لأمرين:
الأمر الأول: أن الرجل يعالج الأمور بعقله لا بعاطفته فيتريث ولا يتعجل.
الأمر الثاني: أن الرجل عزم عند الارتباط الشرعي بالمرأة النصيب الأوفر من مهر وخلافه وسيغرم ما يترتب على الطلاق من مؤخر صداق ونفقة ومتعة فلا يتسرع حتى لا يضيع عليه ما غرمه أضف إلى هذا أنه من حق المرأة عند العقد عليها أن تشترط أن يكون الطلاق بيدها إذا رضي الزوج بذلك. كما أن لها هي الأخرى إنهاء العلاقة الزوجية إن تضررت بمعاشرة الزوج بذلك عن طريق الخلع وطلب التطليق من القاضي.
стр. 239
وإن كان مثلهن لا يسكن مثل ذلك لجلالة قدرهن ويسر زوجهن وجب عليه أن يفرد كل واحدة منهن بدار فسيحة اعتبارا بالعرف، كما يعتبر العرف في كسوتهن ونفقتهن.
قدر القسم:
للزوج أن يقسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها، ويجوز ليلتين وثلاثا بغير رضاهن، وقيل: لا تجوز الزيادة على ليلة إلا برضاهن.
هبة إحدى الزوجات نوبتها من القسم لضر
ويجوز أن تهب إحدى الزوجات نوبتها من القسم لأخرى.
لما روي أن أم المؤمنين سودة بنت زمعة وهبت نوبتها من قسم رسول الله ﷺ لها لأم المؤمنين عائشة ﵂ ولا يلزم على الزوج قبول هذه الهبة وله أن يبيت عند الواهبة في نوبتها.
فإن رضي بالهبة وكانت الواهبة قد وهبته لمعينة بات عند الموهوب لها ليلتين، ولا يشترط في الهبة رضا الموهوب لها على الصحيح، ولو وهبت حقها للزوج، فهل له أن يختص واحدة بنوبة الأخرى؟ وجهان في المذهب.
ولو وهبت حقها لجميع الضرائر أو أسقطته مطلقا وجبت النوبة فيه بين الباقيات بلا خاف.
وللواهبة الرجوع في هبتها متى شاءت، ويعود حقها في المستقبل؛ لأن المستقبل هبة لم تقبض حتى لو رجعت في أثناء الليل وجب عليه الخروج فورا من عند الموهوب لها.
ولا يجوز للواهبة أن تأخذ عن حقها من القسم عوضا لا من الزوج ولا من الموهوب لها، فإن أخذت لزمها رده؛ لأن الحقوق لا تقبل العوض.
стр. 240
تقسيمات الطلاق
واجبات الزوجة المعتدة
...
واجبات الزوجة المعتدة:
وأوجبت الشريعة الإسلامية على الزوجة إذا فارقها زوجها أمرين، وأحد هذين الأمرين عام في كل معتدة، وثانيهما خاص ببعض المعتدات دون البعض.
أما الأمر الأول: وهو العام في كل معتدة فهو أن تقضي عدتها في منزلها التي كانت تقيم فيه وقت قيام الزوجية، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١.
والحكمة التي قصدتها الشريعة من ذلك: بالنسبة للزوجة التي توفي عنها زوجها فلكي تكون المرأة بمشهد من المعالم التي كانت تعاشر زوجها فيها حتى تتمثله في قيامها وقعودها وفي حركاتها وسكناتها، وتذكر ما كان بينهما من وثيق الائتلاف فتقوم بواجب الوفاء له.
وأما بالنظر إلى من طلقها زوجها فلكي تكون هذه الزوجة تحت مسمعه وعلى قرب منه ليراقب أعمالها ويصونها عن الابتذال للناس ما بقيت آثار الزوجية بينهما؛ فعله يرى من آدابها وعفافها ما يعيد إليهما الحياة الزوجية هائنة سعيدة، وتدبر في قوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٢.
стр. 241
ويترتب على ما ذكرنا -من أنه يجب على الزوجة الاعتدال في منزل الزوجية- ما يلي:
- لا يجوز للزوجة أن تعتد في منزل آخر غير المنزل التي كانت تعاشر فيه زوجها إلا لعذر يبيح لها ذلك، ومن الأعذار التي تبيح لها ذلك أن ينهدم البيت أو يكون آيلا للسقوط، أو يكون بمنأى عن الجيران وحفظه الأمن فتخاف من السكنى فيه على نفسها أو مالها، أو يكون أجره فوق طاقتها، أو يخرجهما مالكه منه، أو يمنعها الورثة من السكنى فيه.
ومتى وجد عذر يبيح الخروج منه والسكنى في غيره كان لها ذلك، لكن إن كانت معتدة من طلاق سكنت حينئذ حيث يسكنها مطلقها، وإن كانت معتدة من وفاة سكنت في أقرب منزل يمكنها أن تسكن فيه؛ لتتحقق الحكمة في لزوم مسكن الزوجية بقدر الإمكان.
إذا خرجت المعتدة من المنزل الذي كانت تعاشر زوجها فيه بغير عذر يبيح لها ذلك كانت ناشزة، وسقطت نفقة عدتها إن كانت لها نفقة.
وأما الأمرالثاني -وهو الذي يخص بعض المعتدات دون البعض- فهو الإحداد، وهو ترك الزينة والطيب ونحوها؛ فلا يجوز لها أن تلبس الحلى ولا ثياب الحرير ونحوها ولا تتطيب ولا أن تدهن شعرها ولا تتكحل إلا لعذر وهذا واجب على من توفي عنها زوجها باتفاق الفقهاء.
وعلى المطلقة طلاقا بائنا عند الحنفية ولا حداد عليها عند الجمهور وهو الراجح وحكمته بالنظر إلى الأولى إظهار الحزن على وفاة زوجها وبالنظر إلى الثانية إظهار الأسف على انقطاع حبل الزوجية التي كانت بينهما.
ولا يجب الإحداد على المطلقة طلاقا رجعيا باتفاق الفقهاء بل المستحب لها أن تتزين وتلبس الحرير ونحوه لعل قلب زوجها يتحول إليها فيراجعها كما لا يجب الإحداد على من فارقها زوجها بعد زواج فاسد أو وطء بشبهة.
стр. 242
بيان من لا تجب لها نفقة العدة، ومن تجب لها:
لا تجب نفقة العدة لثلاث أنواع من النساء:
النوع الأول: كل امرأة توفي عنها زوجها؛ إذ لا سبيل إلى إيجاب نفقتها على أحد؛ أما على زوجها الذي مات فلعدم إمكان إيجابها عليه؛ لأنه لا ملك له بعد الوفاة، وهو ليس أهلا بعدها للإيجاب عليه وأما عدم إيجابها على ورثته فلأن نفقة الزوجية حق شخصي على الزوج فلا ينوب فيه وارثه عنه.
النوع الثاني:
كل امرأة تعتد بسبب فرقة حاصلة من جهتها وهي محظورة شرعًا، كالمرأة التي كان سبب فراقها لزوجها أنها طاوعت أباه أو ابنه على الزنا والسر في عدم استحقاق هذا النوع من النساء لنفقة العدة أنه يستحق العقاب والزجر على فعل المحظور الذي كان سببا في الفرقة، وإذا كان يستحق العقاب والزجر لم تجعل الشريعة له حق النفقة؛ لأنه تكريم لا عقاب.
والنوع الثالث:
كل امرأة فارقها زوجها بعد أن كان يعاشرها بعقد غير صحيح، وذلك يشمل نوعين: المفارقة بعد زواج فاسد، والموطوءة بشبهة والسر في عدم إيجاب نفقة العدة لأحد هذين أن الزواج الفاسد والوطء بشبهة لا يكون سببا في احتباس الرجل للمرأة، بل يجب عليهما أن يفترقا منه، والنفقة إنما تجب جزاء الاحتباس، وإذا كان الاحتباس غير جائز شرعًا كانت النفقة غير واجبة، لا في أثناء الاحتباس غير المشروع ولا فيما بعده.
وكل امرأة غير داخلة في أحد من هذه الأنواع الثلاثة فإنه يجب لها نفقة العدة، وذلك يشمل ثلاث أنواع أيضا:
النوع الأول: كل امرأة فارقها زوجها بغير وفاة بعد زواج صحيح شرعا بسبب من عنده، سواء أكانت الفرقة بالطلاق أم كانت بالفسخ، وسواء أكان سبب الفسخ
стр. 243
مشروعًا كاختياره بعد البلوغ أم لم يكن مشرعا كارتداده وفعله بأحد أصولها أو فروعها ما يوجب حرمة المصاهرة.
النوع الثاني: كل امرأة كانت سبب افتراقها عن زوجها من جهتها، ولكنه -مع ذلك- سبب غير محظور شرعًا، كأن تختار نفسها بالبلوغ، أو لنقصان مهرها عن مهر أمثالها.
النوع الثالث:
كل امرأة طلقها القاضي على زوجها بعد طلبها ذلك بواحد من أسباب طلب التطليق كغياب الزوج أو إعساره بالنفقة أو دفعا للضرر الواقع عليها بسبب الزوجية ماديا أو معنويا.
نفقة العدة وشروطها وسبب وجودها:
المراد بنفقة العدة التي تجب لبعض الزوجات، ولا تجب لبعضهن، هو الطعام والكسوة فقط ولا تدخل السكنى فيها كما كانت تدخل في نفقة الزوجية.
والسر في هذا أن السكنى بالنظر إلى المعتدة حق الشرع لا حق الزوجة، ولهذا لو أبرأت الزوجة الزوج من نفقة عدتها تناول هذا الإبراء ما يجب عليه من طعامها وكسوتها ولم يتناول السكنى؛ لأن الإنسان يستطيع أن يسقط حق نفسه وأما حق الشرع فليس في قدرته أن يسقطه.
ولوجوب نفقة العدة للزوجة على زوجها شرطان:
أحدهما: أن تكون المرأة المعتدة واحدة من الأنواع الثلاثة التي قدمنا أنه تجب لهن نفقة العدة.
وثانيهما: أن تكون غير ناشزة وذلك بألا تخرج من بيت الزوجية إلا لعذر من الأعذار التي بيناها وما أشبهها.
والسبب الذي اقتضى وجوب نفقة العدة على الزوج لزوجته هو أنها محتبسة في مدة العدة لحق هذا الزوج؛ أفلا ترى أنه لا يجوز لها أن تتزوج رجلا غيره ما لم تنقض عدتها منه؟!
стр. 244
ويترتب على جميع ما قدمنا بيان أمران:
الأول: أنه تجب السكنى وحدها لكل امرأة قلنا إن نفقة عدتها واجبة على زوجها، والثاني: أنه تجب النفقة بأنواعها الثلاثة الطعام والكسوة والسكنى لكل مرأة قلنا إنها تستحق نفقة العدة، ويجب أن يراعى في تقدير نفقة العدة كل ما ذكرنا أنه يراعى في نفقة الزوجية، من مراعاة حال الزوج يسارًا وإعسارًا، دون مراعاة حال الزوجة، كما رجحناه فيما سبق، ومن مراعاة غلاء أسعار الحاجيات ورخصها، ونحو ذلك.
متى تكون النفقة العدة دينا على الزوج؟
تكون نفقة العدة دينا على الزوج لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء سواء أذن القاضي للزوجة بالاستدانة على زوجها أم لم يأذن.
وقد اعتبر القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠م نفقة المعتدة من تاريخ الطلاق دينا صحيحا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء سواء أقضى القاضي بها أو تراضى الزوجان عليها أو لم يحصل واحد منهما.
стр. 245
الرجعة:
تعريفها:
الرجعة: بفتح الراء وسكون الجيم لغة: المرة والواحدة من الرجوع.
وشرعًا: استدامة الزواج القائم بين الزوج وزوجته وإلغاء عمل السبب وهو الطلاق الذي حدد أمد الزوجية بينهما بانقضاء العدة.
مشروعيتها:
شرعت الرجعة بالكتاب والسنة والإجماع:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ ١.
ووجه الدلالة هو أن المراد بالرد الرجعة.
ومن السنة:
روى أبو داود في سننه عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ طلق زوجته حفصة بنت عمر ثم راجعها.
روى الجماعة أن ابن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض فسأل عمر النبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها".
وأجمع أهل العلم أن الحر إذا طلق الحرة المدخول بها دون الثلاث أن له الرجعة في العدة.
شروطها:
يشترط في صحة الرجعة شرطان:
الشرط الأول: أن يكون الطلاق رجعيًّا، فلو كان الطلاق بائنا فلا يملك الزوج رجعة زوجته.
стр. 246
الشرط الثاني: أن تكون الرجعة في أثناء العدة فلو انقضت فلا يملك الزوج مراجعتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ١.
والمعنى: وأزواجهن أحق بإعادتهم إلى عصمتهم في أثناء ذلك الوقت الذي أمن بالتربص فيه.
هل يشترط في صحة الرجعة رضا الزوجة؟
لا يشترط لصحة الرجعة رضا الزوجة ولا علمها ولا حضور شهود ولكن ينبغي للزوج أن يعلمها حتى لا تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها، وينبغي له أن يشهد عليها بالعلم مخافة من أن تنكرها الزوجة بعد انقضاء عدتها فيصعب عليه إثباتها.
والرجعة حق أثبته الشارع للزوج متى استوفى الشرطين اللذين ذكرناهما، ولا يملك الزوج أن يسقط هذا الحق عن نفسه بقوله، نعم يملك أن يسكت عن مراجعتها حتى تنقضي عدتها، وحينئذ يسقط عنه حق إعادتها إلى عصمته، وعلى هذا لو قال الرجل لزوجته: لا رجعة لي عليك، لم يزل عنه بهذا القول ذلك الحق.
بم تكون الرجعة؟
تكون الرجعة بالقول وبالفعل فأما الرجعة بالقول فإنها تحصل بكل لفظ يصدر من الزوج يدل على معناها، كقوله: راجعتك، أو قوله: راجعت زوجتي، ويشترط للرجعة بالقول أن تكون منجزة، فلو كانت معلقة على شرط أو مضافة إلى المستقبل لم تصح؛ لأنها كالزوج وهو لا يقبل ذلك.
وأما الرجعة بالفعل فإنها تحصل بالمباشرة ودواعها التي توجب حرمة المصاهرة كالتقبيل واللمس بشهوة وتكون بالقول فقط عند الشافعية ومن وافقهم.
стр. 247
ومتى انقضت عدة الزوجة بانت من زوجها ولم تصح له مراجعتها إلا بعقد ومهر جديدين ورضاها.
ما أقل مدة يمكن فيها تصديق المرأة بأن عدتها قد انقضت؟
أقل مدة يمكن تصديق الزوجة بأن عدتها قد انقضت هي ستون يوما من وقت حصول الطلاق؛ وذلك لأنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى ثلاث حيضات كاملة وطهرين يتخللانها وأكثر مدة الحيض عشرة أيام وأقل مدة الطهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يومًا فتحتاج إلى ثلاث حيضات إلى ثلاثين يوما ويحتاج الطهران إلى ثلاثين يوما فإذا مضى عليها من وقت طلاقها أقل من ستين يوما وادعت أن عدتها قد انقضت بثلاثة أقراء لم تصدق في هذه الدعوى ويصح لزوجها أن يراجعها، ولو كان قد انقضى عليها من وقت طلاقها ستون يوما أو أكثر وادعت انقضاء عدتها بثلاثة أقراء صدقت في هذه الدعوى وعليها اليمين بأنها حاضت ثلاث مرات، ولم يعد لزوجها أن يراجعها هذا عند الحنفية وبه أخذ القانون.
أما عند الشافعية ومن وافقهم فأكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما وأقل الطهر بين الحيضين خمسة عشر يوما ومن ثم فإنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى خمس وسبعين يوما من وقت حصول الطلاق وذلك لأنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى ثلاث حيضات كاملة وطهرين يتخللانها، وأكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما وأقل الطهر الفاصل بين الحيضين خمسة عشر يوما فتحتاج ثلاث حيضات إلى خمسة وأربعين يوما ويحتاج الطهرين إلى ثلاثين يوما فإذا مضى عليها من وقت طلاقها أقل من خمسة وسبعين يوما ودعت أن عدتها قد انقضت بثلاثة أقراء لم تصدق ولو كان قد انقضى عليها من وقت طلاقها خمسة وسبعين يوما أو أكثر وادعت انقضاء عدتها بثلاثة قروء صدقت في هذه الدعوى وعليها اليمين بأنها حاضت ثلاث مرات ولم يعد لزوجها أن يراجعها.
стр. 248
الخلاف في الرجعة:
الخلاف في الرجعة يكون بين الزوج وزوجته، وهذا الخلاف لا ينحصر في مسائل معينة، فقد يكون الخلاف بينهما في أنه لا يملك عليها الرجعة بسبب كونها مطلقة قبل الدخول، ولا عدة لها عليها، ويدعي هو أن الطلاق حصل بعد الدخول الحقيقي فهو يملك مراجعتها.
ولكن الفقهاء ذكروا أن الخلاف بينهما إما أن يكون في أصل الرجعة، بأن يدعي الزوج أنه راجع زوجته، وتنكر الزوجة حصول الرجعة، وإما أن يكون في صحة الرجعة لاختلافهما في وجود شرط الرجعة، وذلك بأن يدعي أنه راجع زوجته في أثناء العدة فرجعته صحيحة وتدعي الزوجة أنه راجعها بعد انقضاء عدتها فرجعته غير صحيحة مثلا.
فإن كان الخلاف بينهما في أصل الرجعة، فإما أن تكون الزوجة في حال الاختلاف لا تزال في عدتها، وإما أن تكون قد انقضت عدتها.
فإن اختلفا في أصل الرجعة والمرأة لا تزال في عدتها فالقول قول الزوج لأنه يخبر عن حصول شيء لا يزال يملك حق إنشائه رضيت الزوجة أم لم ترض، فلا معنى لتكذيبه فيه، أفلا ترى أنا لو كذبناه لكان بصدد أن يقول: وعلى فرض أني كاذب فقد راجعتها الآن فلا نملك أن نرد حقه حينئذ في ذلك، وإن كان اختلافهما في أصل الرجعة بعد انقضاء العدة فالبينة على الزوج الذي يدعي الرجعة، فإن جاء ببينة مقبولة تؤيد دعواه حكمنا له بها وإن عجز فالقول للزوجة بلا يمين.
وإن كان الخلاف بينهما في صحة الرجعة وذلك بأن يجيء الرجل بعد أن تنقضي عدتها فيدعي أنه قد راجعها وهي في العدة فرجعته صحيحة وتقول الزوجة: إنه راجعها حقيقة، وحينئذ إما أن تذكر الزوجة تاريخا لمراجعة الزوج إياها وإما ألا تذكر تاريخا.
стр. 249
فإن ذكرت تاريخا للرجعة وكان بينه وبين وقت التطليق ستون يوما فأكثر فالقول للزوجة بيمينها.
ومعنى هذا أن الرجل لو أقام بينة مقبولة تؤيد دعواه على أن الرجعة كانت في أثناء العدة حكم له بها وإن لم يقم بينة أصلا، أو أقام بينة غير مقبولة، حلفنا الزوجة أن مراجعته إياها كانت بعد انقضاء العدة: فإن حلفت حكمنا لها بما تدعيه وإن نكلت حكمنا لزوجها بما يدعيه.
وإن ذكرت تاريخا للرجعة ولم يكن بينه وبين وقت التطليق ستون يوما عند الحنفية وخمسة وسبعون يوما عند الجمهور فالقول للزوج، ولا تصدق الزوجة في ذلك؛ لأن الظاهر يكذبها.
стр. 250
الخلع
مدخل
...
الخلع:
تمهيد:
الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن، والمودة، والرحمة، وحسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق، وقد يحدث أن يتغير قلب أي من الزوجين قبل الآخر، فتحل فيه الكراهية محل المودة والرحمة، والإسلام في هذه الحالة يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ١.
وفي الحديث الصحيح: "لا يفَرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقًا آخر" ٢.
إلا أنه قد يستحكم النفور بين الزوجين، ويشتد الشقاق ويصعب العلاج، وينفد الصبر ويذهب ما تأسس عليه البيت من السكن والمودة والرحمة وأداء الحقوق فتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإصلاح وحينئذ يرخص الإسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه.
فإن كانت الكراهية من جهة الزوج فبيده الطلاق وهو حق من حقوقه وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله.
وإن كانت الكراهية من جهة المرأة فقد أباح لها الإسلام أن تتخلص من الحياة الزوجية بطريق الخلع وذلك بأن تعطي الزوج ما أخذته منه مهرًا بسبب الزوجية لتنهي علاقتها به فلا ضرر ولا ضرار.
وإن كانت الكراهية منهما معا فإن طلب الزوج التفريق فيبده الطلاق وعليه تبعاته، وإن طلبت الزوجة الفرقة فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك.