الشرط الثاني: أن تكون الرجعة في أثناء العدة فلو انقضت فلا يملك الزوج مراجعتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ١.
والمعنى: وأزواجهن أحق بإعادتهم إلى عصمتهم في أثناء ذلك الوقت الذي أمن بالتربص فيه.
هل يشترط في صحة الرجعة رضا الزوجة؟
لا يشترط لصحة الرجعة رضا الزوجة ولا علمها ولا حضور شهود ولكن ينبغي للزوج أن يعلمها حتى لا تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها، وينبغي له أن يشهد عليها بالعلم مخافة من أن تنكرها الزوجة بعد انقضاء عدتها فيصعب عليه إثباتها.
والرجعة حق أثبته الشارع للزوج متى استوفى الشرطين اللذين ذكرناهما، ولا يملك الزوج أن يسقط هذا الحق عن نفسه بقوله، نعم يملك أن يسكت عن مراجعتها حتى تنقضي عدتها، وحينئذ يسقط عنه حق إعادتها إلى عصمته، وعلى هذا لو قال الرجل لزوجته: لا رجعة لي عليك، لم يزل عنه بهذا القول ذلك الحق.
بم تكون الرجعة؟
تكون الرجعة بالقول وبالفعل فأما الرجعة بالقول فإنها تحصل بكل لفظ يصدر من الزوج يدل على معناها، كقوله: راجعتك، أو قوله: راجعت زوجتي، ويشترط للرجعة بالقول أن تكون منجزة، فلو كانت معلقة على شرط أو مضافة إلى المستقبل لم تصح؛ لأنها كالزوج وهو لا يقبل ذلك.
وأما الرجعة بالفعل فإنها تحصل بالمباشرة ودواعها التي توجب حرمة المصاهرة كالتقبيل واللمس بشهوة وتكون بالقول فقط عند الشافعية ومن وافقهم.
стр. 247
ومتى انقضت عدة الزوجة بانت من زوجها ولم تصح له مراجعتها إلا بعقد ومهر جديدين ورضاها.
ما أقل مدة يمكن فيها تصديق المرأة بأن عدتها قد انقضت؟
أقل مدة يمكن تصديق الزوجة بأن عدتها قد انقضت هي ستون يوما من وقت حصول الطلاق؛ وذلك لأنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى ثلاث حيضات كاملة وطهرين يتخللانها وأكثر مدة الحيض عشرة أيام وأقل مدة الطهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يومًا فتحتاج إلى ثلاث حيضات إلى ثلاثين يوما ويحتاج الطهران إلى ثلاثين يوما فإذا مضى عليها من وقت طلاقها أقل من ستين يوما وادعت أن عدتها قد انقضت بثلاثة أقراء لم تصدق في هذه الدعوى ويصح لزوجها أن يراجعها، ولو كان قد انقضى عليها من وقت طلاقها ستون يوما أو أكثر وادعت انقضاء عدتها بثلاثة أقراء صدقت في هذه الدعوى وعليها اليمين بأنها حاضت ثلاث مرات، ولم يعد لزوجها أن يراجعها هذا عند الحنفية وبه أخذ القانون.
أما عند الشافعية ومن وافقهم فأكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما وأقل الطهر بين الحيضين خمسة عشر يوما ومن ثم فإنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى خمس وسبعين يوما من وقت حصول الطلاق وذلك لأنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى ثلاث حيضات كاملة وطهرين يتخللانها، وأكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما وأقل الطهر الفاصل بين الحيضين خمسة عشر يوما فتحتاج ثلاث حيضات إلى خمسة وأربعين يوما ويحتاج الطهرين إلى ثلاثين يوما فإذا مضى عليها من وقت طلاقها أقل من خمسة وسبعين يوما ودعت أن عدتها قد انقضت بثلاثة أقراء لم تصدق ولو كان قد انقضى عليها من وقت طلاقها خمسة وسبعين يوما أو أكثر وادعت انقضاء عدتها بثلاثة قروء صدقت في هذه الدعوى وعليها اليمين بأنها حاضت ثلاث مرات ولم يعد لزوجها أن يراجعها.
стр. 248
الخلاف في الرجعة:
الخلاف في الرجعة يكون بين الزوج وزوجته، وهذا الخلاف لا ينحصر في مسائل معينة، فقد يكون الخلاف بينهما في أنه لا يملك عليها الرجعة بسبب كونها مطلقة قبل الدخول، ولا عدة لها عليها، ويدعي هو أن الطلاق حصل بعد الدخول الحقيقي فهو يملك مراجعتها.
ولكن الفقهاء ذكروا أن الخلاف بينهما إما أن يكون في أصل الرجعة، بأن يدعي الزوج أنه راجع زوجته، وتنكر الزوجة حصول الرجعة، وإما أن يكون في صحة الرجعة لاختلافهما في وجود شرط الرجعة، وذلك بأن يدعي أنه راجع زوجته في أثناء العدة فرجعته صحيحة وتدعي الزوجة أنه راجعها بعد انقضاء عدتها فرجعته غير صحيحة مثلا.
فإن كان الخلاف بينهما في أصل الرجعة، فإما أن تكون الزوجة في حال الاختلاف لا تزال في عدتها، وإما أن تكون قد انقضت عدتها.
فإن اختلفا في أصل الرجعة والمرأة لا تزال في عدتها فالقول قول الزوج لأنه يخبر عن حصول شيء لا يزال يملك حق إنشائه رضيت الزوجة أم لم ترض، فلا معنى لتكذيبه فيه، أفلا ترى أنا لو كذبناه لكان بصدد أن يقول: وعلى فرض أني كاذب فقد راجعتها الآن فلا نملك أن نرد حقه حينئذ في ذلك، وإن كان اختلافهما في أصل الرجعة بعد انقضاء العدة فالبينة على الزوج الذي يدعي الرجعة، فإن جاء ببينة مقبولة تؤيد دعواه حكمنا له بها وإن عجز فالقول للزوجة بلا يمين.
وإن كان الخلاف بينهما في صحة الرجعة وذلك بأن يجيء الرجل بعد أن تنقضي عدتها فيدعي أنه قد راجعها وهي في العدة فرجعته صحيحة وتقول الزوجة: إنه راجعها حقيقة، وحينئذ إما أن تذكر الزوجة تاريخا لمراجعة الزوج إياها وإما ألا تذكر تاريخا.
стр. 249
فإن ذكرت تاريخا للرجعة وكان بينه وبين وقت التطليق ستون يوما فأكثر فالقول للزوجة بيمينها.
ومعنى هذا أن الرجل لو أقام بينة مقبولة تؤيد دعواه على أن الرجعة كانت في أثناء العدة حكم له بها وإن لم يقم بينة أصلا، أو أقام بينة غير مقبولة، حلفنا الزوجة أن مراجعته إياها كانت بعد انقضاء العدة: فإن حلفت حكمنا لها بما تدعيه وإن نكلت حكمنا لزوجها بما يدعيه.
وإن ذكرت تاريخا للرجعة ولم يكن بينه وبين وقت التطليق ستون يوما عند الحنفية وخمسة وسبعون يوما عند الجمهور فالقول للزوج، ولا تصدق الزوجة في ذلك؛ لأن الظاهر يكذبها.
стр. 250
الخلع
مدخل
...
الخلع:
تمهيد:
الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن، والمودة، والرحمة، وحسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق، وقد يحدث أن يتغير قلب أي من الزوجين قبل الآخر، فتحل فيه الكراهية محل المودة والرحمة، والإسلام في هذه الحالة يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ١.
وفي الحديث الصحيح: "لا يفَرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقًا آخر" ٢.
إلا أنه قد يستحكم النفور بين الزوجين، ويشتد الشقاق ويصعب العلاج، وينفد الصبر ويذهب ما تأسس عليه البيت من السكن والمودة والرحمة وأداء الحقوق فتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإصلاح وحينئذ يرخص الإسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه.
فإن كانت الكراهية من جهة الزوج فبيده الطلاق وهو حق من حقوقه وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله.
وإن كانت الكراهية من جهة المرأة فقد أباح لها الإسلام أن تتخلص من الحياة الزوجية بطريق الخلع وذلك بأن تعطي الزوج ما أخذته منه مهرًا بسبب الزوجية لتنهي علاقتها به فلا ضرر ولا ضرار.
وإن كانت الكراهية منهما معا فإن طلب الزوج التفريق فيبده الطلاق وعليه تبعاته، وإن طلبت الزوجة الفرقة فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك.
стр. 251
تعريفه:
لغة: مأخوذ من النزع والإزالة، تقول: خلعت الثوب ونحوه إذا نزعته عنك.
وشرعًا: حل عقد الزوجية بلفظ الخلع وما في معناه في مقابل عوض تلتزم به المرأة.
مشروعيته:
شرع الخلع بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١.
ووجه الدلالة: أن افتداءها نفسها هو الخلع.
ومن السنة: ما روي أن جميلة بنت سهل زوجة ثابت بن قيس بن الشماس جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا أنا ولا ثابت ولا ما أعطاني، وسألته أن يطلقها على حديقتها التي أصدقها إياها، فقال النبي ﷺ : "خذ الحديقة وطلقها تطليقة".
وأجمعت الأمة على مشروعيته.
صفة الخلع:
الخلع من جانب الزوج يمين، وذلك لأن الزوج بمخالفته زوجته قد علق طلاقها على قبولها أن تعطيه ما ذكره من البدل، أفلا ترى أنه حين يقول لها: خالعتك على مائة دينار إنما بقصد معنى: إن أديت لي مائة دينار فقد خلعتك من رباط الزوجية الذي يربطك بي، والتعليق يمين.
وهو من جانب الزوجة معارضة، وذلك لأن الزوجة تقصد بقبولها إعطاءه ذلك البدل الذي ذكره افتداء نفسها منه، ألا ترى أنها حين تقول له: قبلت، أو حين
стр. 252
تقوله له: خالعني على مائة دينار -إنما تقصد معنى: رضيت أن أشتري منك عصمتي بمائة دينار- وإذا كان الأمر على هذا الوجه كان النظر إليها على أنها عقد معاوضة.
ومن أحكام اليمين: أنها تلزم من صدرت منه بمجرد صدورها، وأنه لا يجوز له أن يشرط فيها الخيار لنفسه، ويجوز له أن يعلقها على ما يريد من الشروط، كما يجوز له أن يضيفها إلى ما يريد من الزمان المستقبل، ولا يشترط فيها الرضا بل تنعقد ولو كان من صدرت له منه مكرها عليها.
ومن أحكام عقود المعاوضات: بأنها لا تلزم الموجب لها بمجرد إيجابه، وإنما تلزمه بعد قبول الطرف الثاني، وأنه يجوز فيها اشتراط الخيار، وأنه لا يجوز تعليقها على الشروط، ولا إضافتها إلى زمان مستقبل وأنه يتعين فيها رضا العاقد، وعلمه بمعنى العبارة الدالة عليها.
وإذ كان الخلع يمينا من جهة الزوج وجب أن نطبق عليه جميع ما نطبقه على اليمين بالنظر إليه، وإذ كان معاوضة من جهة الزوجية وجب أن نطبق عليه جميع ما نطبقه على عقود المعاوضات بالنظر إليها.
أركان الخلع:
ركن الشيء: هو ما لا يتم الشيء إلا به وهو جزء منه.
وللخلع أركان خمسة:
الأول: الزوج
ويشترط فيه أن يكون ممن ينفذ طلاقه، ومن ثم فلا يصح خلع الصبي والمجنون ويصح خلع المحجور عليه بفلس أو سفه سواء أذن الولي أم لا، وسواء كان العوض مهر الزوجة أو غيره، ولكن لا يسلم عوض الخلع إلى السفيه بل يسلمه إلى الولي.
стр. 253
الثاني: الزوجة "المختلعة"
ويشترط فيها أن تكون أهلا للتبرع، وذلك بأن تكون بالغة، عاقلة، ألا تكون مريضة مرض الموت، ألا تكون محجورة عليها لسفه.
الثالث: المعروض وهو "البضع"
ويشترط فيه أن يكون مملوكا للزوج.
فأما البائنة بخلع وغيره فلا يصح خلعها، ويصح خلع الرجعية على الأظهر لأنها زوجة.
وقيل: لا يصح خلعها لعدم الحاجة إلى الافتداء.
وقيل: يصح خلعها بالطلقة الثالثة دون الثانية لتحصيل البيونة الكبرى.
الرابع: العوض
وهو كالصداق فيجوز قليلا وكثيرا، عينا ودينا، ويشترط فيه أن يكون معلوما متمولا مع سائر شروط الأعواض، كالقدرة على التسليم واستقرار الملك وغيرهما.
الخامس: الصيغة
ويشترط فيها ألا يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي فإن تخلل كلام كثير، بطل الارتباط بينهما، وإن تخلل كلام يسير لم يضر على الصحيح.
شروط الخلع:
شرط الشيء: ما لا يتم الشيء إلا به وهو خارج عنه.
ويشترط في صحة الخلع شروط ثلاثة:
الأول: أن يكون بلفظ الخلع أو ما في معناه كالمفاداة.
الثاني: أن يكون نظير عوض.
الثالث: أن يكون برضا الطرفين.
стр. 254
آثار الخلع:
متى وقع الخلع مستوفيا أركانه وشروطه فإنه يرتبت عليه آثاره الشرعية التالية.
أن يقع به الطلاق بائنا، لما روي في الأثر "الخلع طلقة بائنة".
ولأن الخلع طلاق على مال بوجه مخصوص، والطلاق على المال بائن، وقيل: الخلع فسخ لعقد النكاح.
دفع العوض الذي ذكر فيه للزوج وذلك لأن الزوج قد علق طلاقها على قبولها لهذا العوض وقد رضيت به.
سقوط جميع الآثار المترتبة على فرقة النكاح من مؤخر صداق ونفقة وخلافة سواء ذكرا إسقاط مثل ذلك أم لم يذكراه.
وقيل: لا يسقط إلا ما ذكراه فقط.
المقارنة بين الخلع وبين الطلاق على مال:
يشترط الخلع والطلاق على مال في ثلاث أمور:
١- أن كل واحد منهما يشترط فيه قبول الزوجة.
٢- أنه متى صح البدل وقع به الطلاق البائن.
٣- أن البدل يلزم ذمة الزوجة فيهما.
والفرق بين الخلع والطلاق على مال من أربعة أوجه:
١- أن الخلع لا تكون صيغته إلا من مادة الخلع أو ما يقوم مقامه، فأما الطلاق على مال فقد تكون عبارته من مادة الخلع كأن يقول لها: خلعتك على أن تعطيني عشرين جنيها؛ فتقول: قبلت. وقد تكون عبارته من غير مادة الخلع، كأن يقول لها: طلقتك أو خلصتك أو ابنتك على عوض قدره عشرون جنيها.
٢- أن الخلع المستكمل لشروطه تسقط به الحقوق الثابتة لكل واحد من الزوجين قبل الآخر عند العقد سواء نص على سقوطه أم لا لم ينص على
стр. 255
نحو ما بيناه في آثار الخلع، أما الطلاق على مال فلا يسقط به شيء من الحقوق إلا بالنص على سقوطه.
٣- أنه لو بطل البدل في الخلع -كأن يخالعها على خمر أو خنزير- وقع به الطلاق بائن بدون عوض عند الجمهور، ولو بطل البدل في الطلاق على مال وقع به طلاق رجعي.
٤- أن الخلع يجوز في الطهر والحيض ولا يتقيد وقوعه بوقت لأن الله أطلق إباحة الافتداء ولم يقيده بزمن دون زمن فقال تعالى: ﴿ِفَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١.
ولأن الرسول ﷺ أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس من غير بحث ولا استفسار عن حال الزوجة.
أما الطلاق فإنه منهي عنه في حال الحيض حتى لا تطول العدة على المطلقة.
أما في الخلع فالمرأة هي التي تطلب الطلاق فتجاب إليه سواء أكانت في حيض أو طهر.
стр. 256
التوكيل في الخلع:
ويصح التوكيل في الخلع من كل واحد من الزوجين أو من أحدهما منفردًا.
وذلك لأن كل واحد منهما يجوز أن يوجب الخلع فصح أن يكون وكيلا وموكلا وذالك باتفاق الفقهاء.
اختلاف الزوجين في الخلع:
إذا اختلفا في الخلع فادعاه الزوج وأنكرته المرأة بانت منه بإقراره ولم يستحق عليها عوضًا؛ لأنها منكرة وعليها اليمين.
وإن ادعته المرأة أنكره الزوج فالقول قوله لذلك، ولا يستحق عليها عوضًا؛ لأنه لا يدعيه، وذلك باتفاق الفقهاء.
стр. 257
وإن اتفقا على الخلع واختلفا في قدر العوض أو جنسه أو حلوله أو تأجيله أو صفته فالقول قول المرأة عند الجمهور قياسا على الطلاق على مال؛ ولأن المرأة منكرة للزيادة فالقول قولها لقوله ﷺ : "اليمن على المدعي عليه".
وعند الشافعية يتحالفان لأنه اختلاف في عوض العقد فيتحالفان فيه كالمتبايعين إن اختلفا في الثمن.
هل الخلع فسخ أم طلاق؟
اختار جمهور أهل العلم أنه طلاق.
مستدلين على ذلك بما رواه البخاري من حديث ابن عباس في قصة فاطمة بنت قيس ﵂ أن النبي ﷺ قال لثابت بن قيس: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة".
وبما رواه البيهقي من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة.
ويرى البعض الآخر من أهل العلم أن الخلع فسخ وليس بطلاق مستدلين على ذلك بأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَان﴾ ثم ذكرالخلع بقوله -سبحانه: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال -سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ .
فلو كان الخلع طلاقا لكان عدد التطليقات أربعا صح الأثر بذلك عن ابن عباس ﵄ فيما أخرج عبد الرزاق ٧/ ٤٨٧ وسعيد بن منصور الأثر رقم ١٤٥٥ والبيهقي ٧/ ٣١٦.
وكذلك استدلوا بما أخرجه الترمذي رقم ١١/ ٩٥ عن سلمان بن يسار عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبي ﷺ -
стр. 258
فأمرها أن تعتد بحيضة. فلو كان الخلع طلاقا ما أمرت أن تعتد بحيضة ومن ثم فهو فسخ.
وأقول: إن القائلين بأن الخلع فسخ حجتهم أقوى.
стр. 259
العدة:
معناها:
العِدة -بكسر العين- في اللغة معناها إحصاء الشيء، تقول: عددت الشيء أعده عدة؛ تريد أحصيته إحصاء، وربما أطلق لفظ العدة على الشيء المعدود، ومنه قولهم عدة المرأة أيام أقرائها، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ١ تطلق شرعا على زمن قدره الشاعر لزوال ما بقي من آثار الزواج بعد الفرقة.
وقولنا: زمن قدره الشارع، سيأتي إيضاحه وبيان أنه قد يكون بالأشهر وقد يكون بالإقراء وقد يكون بوضع الحمل.
وقولنا: لزوال ما بقي من آثار الزواج، إشارة إلى علة وجوب الاعتداد وسيأتي إيضاحها.
وقولنا: بعد الفرقة، أعم من أن تكون الفرقة بالطلاق أو بالفسخ أو بالموت.
هل على الزوج عدة؟؟
قد يكون انتظار الأمد الذي حددته الشريعة واجبا على المرأة، وهذا هو الغالب، وقد يكون ذلك الانتظار واجبا على الرجل.
فالزوجة التي دخل بها زوجها ثم حل رباط الزوجية بسبب أي سبب يجب عليها أن تنتظر ولا تتزوج بغير زوجها الذي فارقها حتى ينقضي الأمد الذي حدده الشارع، والزوجة التي توفي عنها زوجها يجب عليها أن تتربص ولا تتزوج بغيره حتى ينتهي الزمن الذي حددته الشريعة لها، والمرأة التي عقد عليها عقد زواج فاسد ودخل بها زوجها دخولا حقيقيا ثم تركها أو قضى القاضي بفسخ زواجهما يجب عليها أن تنتظر ولا تتزوج بغير زوجها الذي فارقها الأمد الذي حددته الشريعة لها.
стр. 260
وأما الرجل الذي فارق زوجته بطلاق أو فسخ فلا يجب عليه الانتظار أن يتزوج سواها إلا في مواضع نذكر لك منها ما يلي:
١- إذا كان قد فارق امرأة ويريد أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو بنت أختها فإنه لا يجوز له أن يتزوج واحد من هؤلاء إلا بعد انقضاء عدة التي فارقها؛ لأنه لا يجوز له الجمع بين المرأة وإحدى محارمها في عصمة رجل واحد، وما دامت العدة باقية فالعصمة لم تزل.
٢- إذاكان الرجل قد فارق امرأة وهو متزوج بثلاث غيرها فإنه لا يجوز له أن يتزوج امرأة أخرى إلا بعد أن تنقضي عدة التي فارقها؛ لأنه لو فعل ذلك يكون قد جمع في عصمته بين أكثر من أربع نساء وهو غير جائز شرعًا.
٣- إذا كان الرجل قد فارق امرأته الحرة وأراد أن يتزوج أمة فإنه لا يجوز له أن يعقد عليها إلا بعد انقضاء عدة التي فارقها؛ لأنه لو فعل ذلك كان قد تزوج أمة وهو واحد لطول الحرة وهو لا يجوز.
حكمة مشروعية العدة:
وجبت العدة على من وجبت عليهن من النساء لحكم سامية.
فمنها: الوفاء للزوج المتوفى، بإظهار الحداد عليه والحزن على فقدانه. وفي ذلك من سمو العاطفة ومن تقدير الرابطة الزوجية بين الزوجين اللذين ارتبطا بعقد صحيح مقبول شرعًا ما ليس يخفى أمره.
ومنها: التحقق من براءة رحم المرأة وخلوه من الأولاد، ولما كانت هذه الحكمة لحق الأزواج الذين فارقوا هؤلاء الزوجات حتى لا ينسب أولادهم لغيرهم، ولحق الأزواج الذين يريدون التزوج بهؤلاء الزوجات من بعد، لئلا ينسب إليهم من الأولاد من ليس منهم في قبيل أو دبير؛ لم تفرق الشريعة فيها بين من تفارق الرجل بعد زواج صحيح محترم شرعًا ومن تفارقه بعد زواج لا احترام له شرعًا
стр. 261
لأنه إن فات النظر إلى الرجل الذي فارقها فقد بقي النظر إلى الرجل الذي يريد أن يتزوجها.
ومنها: إعطاء الزوج الذي فارق زوجتها فرصة ليرتجعها إن بدا له؛ فلعله فارقها تحت تأثير لم يكن في طوقه أن يدفعه عن نفسه، أو لعله تخيل الشيء ثم خاله صحيحا ليس من الصحة في شيء، فيأخذه الندم ويتحرق قلبه حسرة أو أسفا على ما جر على نفسه، فلئلا تنقطع عليه السبل أوجبت الشريعة على الزوجة أن تنتظره مدة معلومة، حتى إذا انقضت المدة ولم يعدها إلى عصمته فقد أوصدت عليه أبواب المعذرة واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ١.
ثم تأمل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ ٢.
تدرك وجه ما نقول.
أسباب العدة:
للعدة أسباب ثلاثة:
١- الطلاق بنوعيه الرجعي والبائن بعد الدخول.
٢- الوفاة.
٣- الوطء بشبهة.
стр. 262
بيان من تجب عليها العدة من النساء ومن لم تجب:
تجب العدة على أربع أنواع من النساء:
١- كل امرأة توفي نها زوجها بعد عقد زواج صحيح شرعًا، سواء كان قد دخل بها قبل وفاته أم لم يكن قد دخل بها.
والدليل على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ١.
ووجه الاستدلال من الآية أنه سبحانه أوجب على الزوجات اللاتي يتوفى أزواجهن الانتظار هذه المدة من غير تفرقة بين أن يكون الزوج قد دخل بها أو لم يدخل؛ فعلمنا أن كل زوجة يتوفى عنها زوجها تجب عليها العدة.
٢- كل امرأة يتوفى عنها زوجها بعد عقد غير صحيح شرعًا، بشرط أن يكون قد دخل بها دخولا حقيقيا وهذه العدة واجبة لمعرفة براءة رحمها من الحمل لا وفاء لحق زوجها المتوفى عليها؛ ولهذا تعتد عدة من فارقها زوجها بغير الموت.
٣- كل امرأة طلقها زوجها أو فسخ زواجها بعد الدخول بها حقيقة أو حكما، إذا كان عقد زواجهما صحيحًا شرعًا.
٤- كل امرأة فارقها زوجها بعد الدخول بها حقيقة إذا كان قد دخل بها بناء على عقد زواج غير صحيح شرعًا أو بناء على وطء بشبهة.
ولا تجب العدة على نوعين من النساء:
١- كل امرأة توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها إذا كان عقد زواجهما غير صحيح شرعًا، وذلك لأنه سبحانه إنما أوجب الانتظار على الزوجات اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن واسم الزوجة والزوج لا يطلق شرعا إلا على من تكون زوجيتهما صحيحة في نظر الشرع.
стр. 263
٢- كل امرأة فارقها زوجها بسبب غير الوفاة قبل أن يدخل بها دخولا حقيقيا وقبل أن يخلو بها خلوة صحيحة، إذا كان عقد زواجهما صحيحا شرعًا أو غير صحيح.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١.
متى تبدأ العدة؟
تبدأ العدة من حين المفارقة سواء كانت بسبب الوفاة أو الطلاق بنوعيه بعد الدخول أو بسبب الوطء بشبهة.
أنواع المعتدة:
- إن كانت المرأة المعتدة حاملا فعدتها وضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢.
سواء أكانت مطلقة أم توفي عنها زوجها أو موطوءة بشبهة وإن كانت غير حامل فلا يخلو حالها من أمرين:
١- أن يكون متوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٣.
أن تكون مطلقة أو موطوءة بشبهة: فإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة قروء أي ثلاثة حيضات لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٤.
стр. 264
وإن لم تكن من ذوات الحيض لصغرها أو لبلوغها سن اليأس فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ١.
انتقال العدة من نوع إلى نوع:
قد تفارق المرأة زوجها وهي من غير ذوات الحيض فتكون عدتها ثلاث أشهر، ثم يطرأ عليها الحيض فتكون ممن يجب عليهن الاعتداد بالقروء، وقد تفارق المرأة زوجها وهي من ذوات الحيض فتكون عدتها بالإقراء ثم ينقطع عنها الدم فتصبح من اللائي يجب عليهن الاعتداد بالأشهر، أو يمتد بها الدم بلا انقطاع فلا تعرف كيف تعتد، وقد يكون سبب الفرقة غير وفاة الزوج فيكون على المرأة أن تعتد بثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر ثم يموت الزوج قبل انقضاء ذلك فتصبح ممن يجب اعتدادهن بأربعة أشهر وعشرة أيام فهذه ثلاثة أنواع وسنتكلم على كل نوع منها كلمة مجملة فنقول:
إذا فارق الرجل المرأة وهي ممن تعتد بثلاثة أشهر، وشرعت في الاعتداد فعلا ثم حاضت في أثناء العدة فإنه يجب عليها شيئان:
الأول: أن تلغي ما مضى لها من العدة قبل الحيض ولا تحتسب به.
الثاني: أن تبدأ العدة بالحيض فتتربص ثلاث حيضات كاملة وذلك لأن الأصل في الاعتداد إنما هو بالأقراء والشهور الثلاثة نيابة عنها وقد كنا جعلنا عدتها بالأشهر لأن الأصل غير ممكن فإذا حصل الأصل فعلا فلا يجوز العدول عنه، فإن كان الدم قد طرأ عليها بعد ما انقضت عدتها بانقضاء ثلاث أشهر لم نكلفها الاستئناف لأن الأصل لم يحصل إلا بعد ما تم قيام الفرع مقامه.
стр. 265
إذا فارق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض وشرعت في الاعتداد بالأقراء فعلا ثم انقطع عنها الدم فلم تعد تراه أصلا فإنا على الرأي الصحيح والمعمول به قانونا عليها أن تنتظر تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أشهر.
لما أثر عن عمر ﵁ قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة أشهر ثم حلت.
ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعا.
أما إذا فارق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض ثم استمر نزول الدم عليها بدون انقطاع بحيث صارت لا تستطيع أن تميز بين أيام طهرها من أيام حيضها ولا يمكنها تحديد ثلاث حيضات كاملة؛ فإنه ينظر في أمر هذه المرأة: فإن كان لها عادة سابقة في الحيض والطهر، وكانت تذكر هذه العادة رددناها إلى عادتها، وإن لم تكن لها عادة سابقة، أو كان لها عادة سابقة ولكنا لا تذكرها؛ فإنها تسمى حينئذ ممتدة الحيض ويسميها الفقهاء المتحيرة.
وقد اختلف الفقهاء في الأمد الذي تنقضي عدتها به، فقال قوم: تنقضي عدتها بسبعة أشهر من تاريخ الفرقة، وقال قوم: ترد إلى الأشهر فتعتد بثلاثة أشهر.
وإذا طلق الرجل زوجته فشرعت في الاعتداد بالأقراء إن كانت من ذوات الحيض أو بالأشهر إن كانت من غير ذوات الحيض، ثم مات عنها زوجها وهي في أثناء العدة؛ فإما أن يكون طلاقها رجعيا وإما أن يكون طلاقها بائنًا، فإن كان طلاقها رجعيا فإنه يجب عليها أمران: الأول: أن تلغي القدر الذي أمضته في الاعتداد من حين الطلاق إلى حين الوفاة، والثاني: أن تعتد عدة المتوفى عنهن أزواجهن وهي أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وذلك لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملكا ولا حلا، والزوجية قائمة بعده ما دامت الزوجة في العدة فيصدق على هذه المرأة وهي في العدة من الطلاق الرجعي أنها قد توفي عنها زوجها
стр. 266
فكان عليها أن تعتد عدة النساء اللاتي يتوفى أزواجهن عنهن، وإن كان طلاقها بائنا فإما أن يكون زوجها حين طلقها مريضا مرض الموت بحيث يصدق عليها أنه فار بتطليقها وإما أن يكون حين طلقها صحيحا، فإن كان زوجها صحيحا حين طلقها فإنها تتم عدة طلاقها ولا تعتد عدة الوفاة، وذلك لأن الطلاق البائن يقطع الزوجية من حين صدوره من الزوج؛ فلا يصدق عليها حين يتوفى أنها توفي عنها زوجها، وإن كان زوجها حين طلقها مريضا مرض الموت بحيث يعتبر فارا بطلاقها ويكون لها نصيبها في تركته فقد اختلف العلماء في المدة التي تعتدها فقال قوم: تعتد عدة المطلقات ومثلها مثل كل امرأة أبانها زوجها، والذي عليه الفتوى أنها حينئذ تعتد بأبعد الأجلين: عدة الوفاة، وعدة الطلاق، فأيتهما كانت أطول من الأخرى فهي عدتها، وذلك لأن في هذه المرأة شبهين شبها من الزوجات وشبها من المبانات، فأما شبهها بالزوجات فأنها وارثة لهذا المتوفى وبمقتضى هذه الشبهة تجب عليها عدة الوفاة، وأما شبهها بالمبانات فأن زوجيتهما قد انقطعت من حين صدور الطلاق وبمقتضى هذه الشبه تجب عليها عدة الطلاق، فأعطيناها حكم الشبهين جميعًا، ولكنا قضينا بتداخل أقصرهما أمدًا في أطولهما أمدًا، فمتى انتهى أطول العدتين أمدا فقد انتهتا جميعًا.
عدة المختلعة من زوجها:
يرى جمهور العلماء أن عدتها عدة طلاق لأن الفرقة بينها وبين زوجها حدثت بعد الدخول في حال الحياة فكانت ثلاث حيضات كغير الخلع وهذا هو الراجح.
ويروى عن عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عباس، وإسحاق، وابن المنذر، أن عدة المختلعة حيضة، وذلك لما روي عن ابن عباس "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة".
стр. 267
الإيلاء:
تعريفه:
الإيلاء لغة الحلف.
وشرعًا: حلف الزوج عن الامتناع من وطء الزوجة مطلقا أو مدة تزيد عن أربعة أشهر.
مشروعيته:
كان الرجل من أهل الجاهلية يحلف على ألا يمس امرأته السنة والسنتين، والأكثر من ذلك يقصد الإضرار بها فيتركها لا هي زوجة ولا هي مطلقة فأراد المولى أن يضع حدا لهذا العمل الضار فوقته بمدة أربعة أشهر، ليتروى فيها الرجل لعل وعسى يرجع إلى رشده فإن رجع في تلك المدة أو في آخرها بأن حنث في اليمين ووطء زوجته وكفر عن يمينه فيها وإلا طلق.
فقال -عز من قائل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
أركانه:
للإيلاء أركان أربعة:
الحالف: وهو كل زوج بالغ عاقل مختار قادر على الوطء فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون والمكروه والمجبوب والأشل.
المحلوف به: هو الله تعالى أو صفة من صفاته باتفاق في المذهب وكذا إذا حلف بغير الله على الجديد وهو الصحيح؛ لأنه يمين يلزمه بالحنث فيها حق فصح به الإيلاء كاليمين بالله ولما روي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كل يمين منعت جماعها في إيلاء، ولأنها يمين منعت جماعها فكانت
стр. 268
إيلاء كالحلف بالله ولأن تعليق الطلاق والعتاق على وطئها حلف فيكون موليا لتحقيق المنع باليمين.
فلو قال: إن طئت فعبدي حر أو أنت طالق، أو قال: إن وطئتك فلله علي نذر كذا كان موليا.
المحلوف عليه: وهو الجماع في الفرج، فلو حلف على ترك الجماع في الدبر أو فيما دون الفرج لم يكن موليا بشرط أن تكون المحلوف على ترك جماعها زوجة حقيق لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ١.
ولأن غير الوجه لا حق له في وطئها فلا يكون موليا منها كالأجنبية وإن حلف على ترك وطء أجنبية ثم نكحها، لم يكن موليا؛ لأنه إذا كانت اليمين قبل النكاح لم يكن قاصدا الإضرار، فأشبه الممتنع بغير يمين.
ويصح الإيلاء من المطلقة الرجعية في عدتها؛ لأنها في حكم الزوجة يلحقها الطلاق فيلحقها الإيلاء، سواء أكانت مسلمة أم ذمية قبل الدخول وبعده بالغة أو غير بالغة صغيرة أو غير صغيرة إلا أنه لا يطالب بالرجوع إذا كانت الزوجة مجنونة أو صغيرة لأنهما ليستا من أهل المطالبة.
الألفاظ المستخدمة في الإيلاء:
تنقسم الألفاظ المستخدمة في الإيلاء إلى خمسة أقسام:
١- ما كان صريحا في الظاهر والباطن كقوله لها: والله لا أجامعك.
٢- ما كان صريحا في الظاهر كناية في الباطن كقوله لها: والله لا وطئتك ولا جامعتك، فهذا صريح في الظاهر اعتبارًا بالعرف، فيجعله موليا في الحكم، وكناية في الباطن لاحتمال لا أطؤك بقدمي فإن قصد الإيلاء كان مواليا وإلا فلا.
٣- ما كان كناية في الظاهر والباطن كقوله: والله لا ضاجعتك أو لا أجمع رأسي ورأسك، ونحو ذلك من الألفاظ المحتملة للوطء وغيره فلا يكون موليا بها إلا بالنية.
стр. 269
٤- ما كان مختلفا فيه وهو ثلاثة ألفاظ: لا باضعتك، لا باشرتك لا مسستك ففي هذه الألفاظ الثلاثة قولان:
القول الأول: وهو القديم من المذهب أنها صريح في الظاهر كناية في الباطن.
القول الثاني: وهو الجديد أنها كناية في الظاهر والباطن.
٥- ما لم يكن صريحا ولا كناية كقوله: لأوحشتك أو لا أخزنتك ونحو ذلك فلا يكون بها الحالف موليا.
المدة:
تقدر مدة الإيلاء بما لا يزيد على أربعة أشهر تبدأ من وقت اليمين، فإن حلف على عدم جماعها أربعة أشهر فما دونها لا يعتبر موليا.
ولا تخلو مدة الإيلاء من أقسام ثلاثة:
أحدها: أن تكون مطلقة كأن يقول والله لا أجامعك أبدًا.
الثاني: أن تكون مقدرة بزمان كأن يقول: والله لا أجامعك إلى سنة أو إلى شهر كذا وإلى يوم كذا.
فينظر في هذا الزمان فإن زاد على أربعة أشهر كان موليا، وإن قدر بأربعة أشهر فما دونها لم يكن موليا.
الثالث: أن تكون المدة معلقة على شرط مستحيل كقوله: والله لا أجامعك حتى تصعدي إلى السماء، أو كان أمرًا يستبعد حصوله في الاعتقاد كقوله: والله لا أجامعك حتى تقوم الساعة، أو علقه بأمر يعلم تأخره عن أربعة أشهر كقوله: والله لا أجامعك حتى يقدم فلان من السفر وهو يعلم أنه لا يقدم إلا بعد أكثر من أربعة أشهر، فهو قول في هذه الأحوال الثلاثة.
وإن علق إيلاءه على شرط يتحقق وجوده قبل أربعة أشهر كقوله: والله لا أجامعك حتى تمام الشهر، أو يظن تحقق وجوده كقوله: والله لا أجامعك حتى يجيء المطر وكان الوقت وقت نزوله غالبا، فلا يعتبر في الحالتين موليا.
стр. 270
وإن علق إيلاءه على موته أو موتها أو موت فلان فعلى الأصح يكون موليا. وقيل: لايعتبر موليا.
وإن علق الإيلاء على حمل الزوجة وكانت ممن لا تحمل لصغر سنها أو لبلوغها سن اليأس فهو مول -وإن كانت ممن تحمل فلا يعتبر موليا؛ لإمكان حملها.
وإن علق الإيلاء على فطام الولد فقال: والله لا أجامعك حتى تفطمي ولدك فإن أراد به قطع الرضاع لم يكن موليا؛ لأنه يمكنه قطعه في الحال، وإن أراد به مدة رضاع الحولين ينظر في الباقي منها فإن كان أكثر من أربعة أشهر كان موليا وإن كان أقل لم يكن موليا.
وإن علق الإيلاء على المشيئة فلا يخلو الحال من أمرين:
أولها: تعليقه على مشيئتها فإن شاءت ألا يقربها فهو مول، وإن لم تشأ فلا يعتبر موليا، وتعتبر مشيئتها على الفور في المجلس؛ لأن فيه تمليك لها فيراعى فيه الفورية.
الثاني: تعليقه على مشيئة أجنبي كقوله: والله لا أجامعك إن شاء أبي فشاء أبوه عدم مجامعتها فهو مول إن زادت المدة عن أربعة أشهر وإلا فلا، ولا تعتبر مشيئة الأب هنا على الفور في المجلس على الأصح.
الآثار الشرعية المترتبة على الإيلاء:
يترتب على الإيلاء الآثار الشرعية التالية:
١- تضر الزوج -المولي- مدة أربعة أشهر بنص القرآن الكريم لا تحتاج إلى حكم القاضي في ضربها، وهي حق للزوج لا مطالبة عليها فيها بشيء؛ لأن الله تعالى أنظره بها فصار كإنظار تأجيل الدين لا يجوز المطالبة بها قبل انقضائها، وتحتسب المدة من وقت الإيلاء، لا من وقت المحاكمة، فإذا انقضت مدة التربص أربعة أشهر كانت الزوجة بالخيار إن شاءت تركته ولم تطالبه بشيء.
стр. 271
وإن شاءت طالبته بواحد من أمرين:
أولهما: الفيء: وهو الجماع سواء أكان وطئه حلالا أم محظورا كأن تكون حائضا أو نفساء أوصائمة أو محرمة أو هو صائم أو محرم؛ لأن الفيء في اللغة الرجوع إلى ما فارق، وهو بالإيلاء ممتنع من الجماع فكانت الفيئة الرجوع إليه.
وإذا كانت الفيئة الرجوع إلى الجماع فلا يخلو حاله من أن يكون قادرًا عليه، أو عاجزًا عنه فإن كان قادرًا عليه لا يصح فيئه إلا بالجماع وأقله التقاء الختانين، وإن كان عاجزًا عنه بعذر من مرض أو غيره فاء بلسانه وهو أن يقول: لست أقدر على الوطء ولو قدرت عليه لفعلته، وإذا قدرت عليه فعلته، فيقوم فيئه بلسانه في حال عذره في إسقاط المطالبة مقام فيئه بوطئه، وذلك لأنه لا فرق بين الرجوع بالقول أو الرجوع بالفعل، ولأن الفيئة تراد لرفع الضرر بالإيلاء وسكون النفس إلى زواله بها، وقد يرتفع الضرر وتسكن النفس بقول العاجز كما يرفع بفعل القادر ولأن الفيئة ترفع الضرر.
وإذا ثبت أن الفيئة باللسان تسقط المطالبة في حال العذر، فإذا زال العذر سقط حكم الفيئة باللسان ولزمه أن يفيء بالجماع، إلا إذا كان هناك عذر من جهتها كالمرض، والحبس، والإحرام، والصوم الواجب، والاعتكاف الواجب، والنفاس كان هذا العذر مانعا لها من المطالبة بحقها من الجماع لعدم قدرتها عليه، ويطالب بالطلاق؛ لأنه هو الذي في مقدوره.
الثاني: الطلاق
وأدناه طلقة رجعية، فإن امتنع عن الطلاق ففي أصح القولين يطلق عليه الحاكم طلقة واحدة رجعية، وفي القول الثاني: يجبر الزوج على الطلاق، ولا يطلق عليه الحاكم؛ لأن الطلاق لا يكون إلا ممن ملك الطلاق، والمالك له إنما هو الزوج.
وإذا طلق الزوج: فهو مخير في عدد الطلاق وأقله واحدة يملك فيها الرجعة، فإن طلق اثنتين فإن له الرجعة بعدها وإن طلق ثلاثا بانت منه وطلاقه واقع.
стр. 272
وإن طلق الحكم على أصح القولين فيشترط لطلاقه شروط ثلاثة:
١- أن يكون الزوج ممتنعا عن الطلاق، فإن لم يكن الزوج ممتنعا طلق الحاكم عليه فطلاقه غير واقع.
٢- أن يقتصر في طلاقه على طلقة واحدة رجعية، فإن طلق أكثر منها وقعت واحدة ولم يقع الزائد عليها.
٣- أن يوقع الطلاق في زمان الوجوب بعد انقضاء المدة فإن طلق قبل انقضائها لم يقع طلاقه؛ لأنه لم يجب ما يستوفيه.
طلاق الحاكم والزوج معا:
إن طلق الحاكم والزوج معا فلا يخلو الحال من أمور ثلاثة:
أولها: أن يسبق طلاق الزوج طلاق الحاكم؛ فطلاق الزوج واقع وطلاق الحاكم غير واقع سواء علم الحاكم بطلاق الزواج أو لم يعلم.
الثاني: أن يسبق طلاق الحاكم طلاق الزوج فإن علم الزوج بطلاق الحاكم وقع طلاقهما معا، وإن لم يعلم بطلاقه ففي أحد الوجهين لا يقع طلاقه؛ لأنه واجب قد سبق الحكم باستيفائه منه، وفي الوجه الثاني: يقع طلاقه؛ لأنه يملك ما وجب وما لا يجب.
الثالث: أن يطلق الزوج والحاكم معا في وقت واحد، فطلاق الزوج واقع وفي وقوع طلاق الحاكم وجهان:
الوجه الأول: يقع طلاقه؛ لأنه لم يسبقه الزوج بالطلاق.
الوجه الثاني: لا يقع؛ لأنه لم يسبق الزوج بالطلاق.
٢- إذا وطئها في مدة التربص الأربعة أشهر حنث في يمينه لفعل المحلوف عليه، فإن كان الحلف بالله أو بصفاة من صفاته وجبت عليه كفارة يمين كسائر الأيمان، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة أو صيام ثلاثة
стр. 273
أيام متتابعات أو متفرقات، وإذا لزمته الكفارة سقط الإيلاء، وإن كان اليمين على صوم أو عتق فله أن يخرج منها بكفارة يمين؛ لقوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمنيه" وله أن يفي بما نذر.
وإن كان الحلف بالطلاق الثلاث طلقت ثلاثا وهو المذهب فإن جامع لزمه النزع، فإن استدام لزمه المهر بما استحل من فرجها دون الحد، وقيل: يلزمه الحد.
٣- اجتماع الإيلاء والطلاق:
إن طلق المولي في مدة الإيلاء انقطعت المدة ولم يسقط الإيلاء، فإن راجعها وبقيت مدة التربص واستؤنفت المدة من وقت الرجعة فإن وطئها حنث في اليمين وسقط الإيلاء؛ لأنه أزال الضرر.
٤- اجتماع الإيلاء مع الظهار:
إذا جمع الزوج بين الإيلاء والظهار في امرأة واحدة أو ظاهرها ثم آلي منها، فإن انقضت مدة الإيلاء فقد اجتمع عليه في الوطء حقان متنافيان.
أحدهما: يحرم الوطء في حق الله -تعالى- حتى يكفر وهو الظهار.
والثاني: يوجب الوطء في حق الزوجة قبل التفكير وهو الإيلاء، فإن عجل الكفارة في الظهار ووطئ في الإيلاء خرج من تحريم الظهار بالكفارة ومن حق الإيلاء بالوطء، وإن طلق خرج بالطلاق من حق الإيلاء، وخرج من إثم الظهار بترك الوطء، وإن لم يفعل أحد هذين الأمرين ووطئ قبل التكفير في الظهار كان عاصبا بالوطء في حكم الظهار، وخارجا به في الإيلاء من حق الزوجة.
فإن طلب الإمهال في الوطء حتى يكفر عنه الظهار أمهل.
٥- اجتماع الإيلاء مع الخلع:
إن خالع الزوج زوجته فقد بانت منه بالخلع وسقط حكم الإيلاء في النكاح، فإن عاد فتزوجها بعقد ومهر جديدين تضرب له مدة الإيلاء من جديد إذا قلنا: إن فرقة
стр. 274
الخلع طلقة واحدة رجعية على القديم في المذهب، وإذا قلنا: إن فرقة الخلع فسخ يجري مجرى الطلاق الثالث في أحد الوجهين لم يكن موليا، وعلى الوجه الثاني القائل: إن فرقة الخلع فسخ دون الطلاق الثلاث فإنه يكون موليا.
٦- الإيلاء في الغضب والرضا سواء، لعموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ١.
٧- تعتد الزوجة التي آلي منها زوجها ثم طلقها بعد المدة المضروبة له شرعًا لأنها مطلقة كسائر المطلقات.
الاختلاف في الإيلاء:
إن اختلفا في أصل الإيلاء هل آلي منها أو لا، أو اختلفا من انقضاء المدة فالقول قول الزوج بيمينه.
وإن اختلفا في انقضاء المدة فادعتها المدة فادعتها وأنكرها فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح وهي تدعي ما يخالفه من استحقاق الفرقة.
وإن ادعى الزوج وطئها وأنكرت وطئها فإن كان ثيبا فالقول قول الزوج في الوطء مع يمينه بالله لقد أصابها لأن الوطء يجب الاستتار به ولا يمكن إقامة البينة عليه فالقول قول من يدعيه، ولأن بقاء النكاح ودوام صحته أصل قد استصحبه الزوج بدعوى الإصابة والزوجة تدعي ما يخالف الأصل من وجوب الفرقة بإنكارها الإصابة فكان القول فيه قول الزوج مع يمينه استصحابا للأصل.
وإن كانت بكرا فالقول قولها؛ لأن البكارة من شواهد صدقها على عدم الإصابة.
ولو اعترفت بالوطء بعد المدة وأنكر الزوج سقط حقها في المطالبة بالفيء لاعترافها بالوطء فلو رجعت وأنكرت قالت: لم يطأني لم يسمع قولها؛ لأنها أقرت بوصول حقها إليها فلا يقبل رجوعها.
стр. 275
الظهار:
تعريفه: الظهار لغة: مصدر مأخوذ من الظهر مشتق من قول الرجل إذا ظاهر امرأته "أنت علي كظهر أمي" أي: ظهرك محرم علي كتحريم ظهرها، وخص الظهر لاختصاصه بالركوب لأن الزوجة مركوب الزوج عند جماعها.
وشرعًا: تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى محرمة عليه.
تاريخه: قد كان الظهار طلاقا في الجاهلية لا رجعة بعده وكذلك كان الإيلاء بل هو أشد الطلاق عندهم لما فيه من تشبيه الزوجة بالأم التي تحرم حرمة على التأبيد، بل لا تجوز بحال من الأحوال فجاء الإسلام وأبطل هذا الحكم.
حكمه: الظهار محرم بل اعتبره فقهاء المذهب من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ ١.
دليل تحريمه: يستدل على تحريمه قبل الإجماع بقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ٢.
فسبب نزول هذه الآية أن أوس بن الصامت ظاهر امرأته خولة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ وقالت: ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي. فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٣.
وروى هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: أول من ظاهر في الإسلام زوج خولة فأتت النبي ﷺ فذكرت له فقال: "ما أتاني في هذا شيء" فقالت: يا رسول الله نال مني وجعلت تشكو إلى الله تعالى فبينما هما كذلك إذ
стр. 276
نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١.
ثم حبس الوحي فانصرف رسول الله ﷺ إليها فتلى عليها، فقالت: ما نجد رقبة فقال رسول الله ﷺ : "هو ذلك" فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٢.
ثم حبس الوحي فانصرف رسول الله -صلى الله عليه سلم- فتلى الوحي عليها فقالت: ما نستطيع فقال رسول الله ﷺ : "هو ذلك" فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ٣.
فانصرف إليها رسول الله ﷺ فتلاها عليها فقالت: ما نجد فقال رسول الله ﷺ : "إنا نستعينه" قال أصحابنا: فنزلت الآيات الثلاث.
فالأولى: في قصتها.
والثانية: في قصته.
والثالثة: في بيان حكم كل مظاهر لكونها عامة هذا هو السبب في نزل آي الظهار وبيان حكمه.
ثم حدثت قصة أخرى بعد استقرار حكم الظهار، وهي ما رواه سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ يصيب من النساء ما لا يصيبه غيري فلما أظلني شهر رمضان خشيت أن لا أنزع عنها إلى أن يدركني الفجر فتظاهرت منها فخدمتني في ليلة قمراء فرأيت ساقها فلم ألبث أن وثبت إليها فجامعتها ثم أنطلقت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له فقال: "أعتق رقبة"، فقلت: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما أملك رقبة غير هذه وضربت بيدي إلى رقبتي
стр. 277
فقال: "صم شهرين متتابعين" فقلت: وهل أصباني ما أصابني إلا من الصوم، فقال: أطعم ستين مسكينا فقلت: يا رسول الله لقد بتنا ليلتنا هذه وما لنا طعام نأكله فقال: "اذهب إلى صدقة بني زريق فخذها وأطعم منها ستين وكل أنت وأهلك الباقي".
فخبر خوله مع أوس بن الصامت سبب لبيان حكم الظهار وما نزل من القرآن وخبر سلمة بن صخر مع امرأته بعد استقرار حكمه وظهور ما نزل فيه والله أعلم.
الفرق بين الظهار والطلاق:
يفرق بينهما من وجوه:
١- أن الظهار يوجب تحريما يرفع بالكفارة، والطلاق خلاف ذلك.
٢- أن الظهار يجوز تأقيته بمدة والطلاق لا يجوز فيه ذلك.
٣- أن الطلاق مشروع والظهار ممنوع.
أركانه:
للظهار أركان أربعة:
١- المظاهر:
وهو كل زوج يصح طلاقه بالغًا عاقلًا مختارًا ولو ذميا سكران كان أم غير سكران.
٢- المظاهر منها:
وهي كل زوجة يلحقها الطلاق دخل بها أو لم يدخل مسلمة أو ذمية حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة حتى لو كانت في عدتها من طلاق رجعي فتخرج الأجنبية فلو قال رجل لأجنبية: إن نكحتك فأنت علي كظهر أمي لم يصح ظهاره.
٣- الصيغة:
فصريح الظهار: أنت علي كظهر أمي وما في معناه كقوله: أنت معي أو عندي أو لي كظهر أمي، ومتى أتى بصريح الظهار قال: أردت غيره لم يقبل قوله
стр. 278
على الصحيح، وقيل: يقبل قوله؛ لأنه حق الله تعالى ومن الصريح قوله: جسمك أو بدنك أو نفسك كبدن أمي أو جسدها لتضمنه الظهر، ومنه أيضا أنت عليَّ كبدن أمي أو بطنها أو صدرها ونحوها من الأعضاء التي لا تذكر في معرض الكرامة والاعتزاز، مما سوى الظهر؛ لأنه عضو يحرم التلذذ به فكان كالظهر.
ومن الصريح ذكره جزء شائع من زوجته كنصفك أو ربعك أو ظهرك أو رأسك. ومن الكناية: أن يذكر عضوا يحتمل الكرامة كانت علي كعين أو رأس أمي أو روحها أو وجهها فإن قصد الظهار كان مظاهرًا وإلا فلا.
٤- المشبه به:
الأم ويلحق بها كل من حرم وطؤها على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة إلا مرضعة المظاهر وزوجة ابنة؛ لأنهم كانتا حلالا له في وقت سابق على التحريم.
الآثار الشرعية المترتبة على الظهار:
يترتب على الظهار الآثار الشرعية التالية:
١- يحرم على المظاهر بالظهار الوطء فقط ولا تحرم عليه دواعيه من أنواع الاستمتاع كاللمس والنظر بشهوة والتلذذ بما دون الفرج في أحد القولين إلا أنه يتجنبه احتياطا وإذا فعله ففعله غير محرم لأن المراد بالمس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ الوطء فقط في عرف الشرع، ولأن تحريم الوطء في الحيض والصيام لا يوجب تحريم التلذذ بما سواه فكذلك الظهار.
وقيل: يحرم عليه التلذذ بما دون الفرج كما يحرم عليه الوطء في الفرج؛ لأن المراد بالمس التقاء البشرتين حقيقة، ولأنه بالظهار جعل تحريمها عليه كتحريم أمه وكل الاستمتاع بأمه حرام.
وهذا ما أرجحه: عملا بالقاعدة الفقهية "ما أدى إلى حرام فهو حرام".
٢- تجب على المظاهر كفارة الظهار بالعودة إلى الحياة الزوجية بينه وبين المظاهر منها.
стр. 279
لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ١.
والعود في الظهار: هو أن يمسكها بعد ظهاره زمنا يمكنه طلاقها فيه؛ لأن ظهاره منا يقتضي إبانتها فإمساكها عود فيما قال ولأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته.
هذا إذا كان الظهار مطلقا وكانت الزوجية قائمة بينهما حقيقة أما إذا كان الظهار مؤقتا كأن قال: أنت علي كظهر أمي شهرًا فإنه يكون عائدا بالوطئ في المدة لا بالإمساك.
والعود في الرجعية: إنما هو بالرجعة.
بشرط ألا يتصل بالظهار فرقة بأي سبب من الأسباب فلو اتصل بالظهار فرقة بموت منهما أو من أحدهما أو فسخ النكاح أو فرقة بسبب طلاق رجعي أو بائن ولم يراجع أو جن الزوج عقب ظهاره فلا عود ولا كفارة في جميع ما ذكر، لتعذر الفراق في حالتي الطلاق والجنون وفوت الإمساك في الموت، وانتفائه في الفسخ.
٣- إذا عاد المظاهر لزمته الكفارة.
لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٢.
وهل الكفارة وجبت عليه بالظهار والعود معًا، أم بالظهار فقط والعود شرط، أم بالعود فقط؟
أوجه: أصحها أنها وجبت بالظهار والعود معا وذلك هو الموافق: لظاهر الآية وفقا لترجيحهم أن كفارة اليمين تجب باليمين والحنث معا، فكذلك كفارة الظهار تجيب بالظهار والعود معًا، وسيأتي بيان كفارة الظهار إن شاء الله تعالى بعد الحديث عن أحكامه.
стр. 280
٤- لا يقع ظهار المرأة فلو قالت امرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي فلا كفارة عليها ولا يلزمها شيء وكلامها لغو؛ لأن التحليل والتحريم في النكاح من الرجال ليس بيد النساء منه شيء.
يصح تعليق الظهار كأن يقول: إذا جاءك رمضان فأنت علي كظهر أمي، فجاء رمضان صار مظاهرًا.
يصح تأقيت الظهار كأن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرًا أو شهرين.
فإن وطئها في المدة فقد وجبت الكفارة.
لما روي أن سلمة بن صخر ظاهر زوجته شهر رمضان ثم وطئها قبل أن ينتهي الشهر فأخبر النبي ﷺ بذلك فأمره بالكفارة.
٧- إذا كرر المظاهر لفظ الظهار فإن قصد التأكيد فكفارة واحدة وإن أراد الاستئناف وجب عليه لكل لفظ كفارة.
٨- إتباع الظهار بالطلاق.
لو ظاهر زوجته ثم أتبع الظهار بالطلاق لم يكن عائدا ولا كفارة عليه؛ لأن العود يكون بإمساكها مدة يمكنه فيها الطلاق وهو بالطلاق غير ممسك سواء أكان الطلاق رجعيا أو بائنا؛ لأنها تحرم عليه بالطلاقين -الرجعي والبائن- معا فلا يجب عليه الكفارة، فإن كان ذلك كذلك فإن كان الطلاق رجعيا فراجعها في العودة فالظهار بحاله ويصير عائدا فيه تجب الكفارة عليه، بالرجعة في أحد القولين.
وفي القول الثاني: لا يكون عائدا بالرجعة حتى يمضي بعدها زمان العود بالإمساك عن الطلاق مدة يقدر فيها على الطلاق وإن كان الطلاق بائنا أو رجعيا فلم يراجع حتى انقضت العدة سقط الظهار في هذا النكاح.
إتباع الظهار باللعان:
إذا لاعن المظاهر بعد أن مضى عليه زمان العود فقد وجبت عليه الكفارة ولا تسقط عنه باللعان كما لا تسقط عنه بالموت.
стр. 281
كفارة الظهار:
الكفارة مأخوذة من الكفر أي الستر لسترها تخفيفا من الله تعالى وهل الكفارات بسبب حرام زواجر كالحدود والتعازير أو جوابر للخلل الواقع؟
وجهان، أو وجههما الثاني: لأنها عبادات ولهذا لا تصح إلا بالنية لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" وكفارة الظهار مرتبة بنص القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ١.
وبمثل ذلك أمر النبي ﷺ سلمة بن صخر حين ظاهر امرأته وخصال كفارة الظهار ثلاثة:
أولها: عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل بشرط ألا تكون ممن يعتق عليه كالأب أو الابن، فإن لم يجد الرقبة أو ثمنها انتقل إلى الخصلة الثانية.
ثانيها: الصيام
فيصوم شهرين متتابعين لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ فإن دخل في الصيام في أول الشهر أيام صام إلى الهلال ثم أتم شهرا بالهلال ثم يتم الأول من الشهر الثالث.
وإن جامع بالليل وهو يكفر بالصيام أثم وعصى، لأنه جامع قبل التكفير ولا يبطل التتابع؛ لأن جماعه لا يؤثر في الصوم كالأكل ليلا، فإن أفطر لعذر المرض أو السفر ففي أحد القولين ينقطع التتابع وفي القول الثاني: لا ينقطع كما لا يقطعه حيض المرأة وإن دخل المظاهر في الصوم فقطعه بصوم رمضان أو بفطره يوم العيدين لزمه الاستئناف من جديد؛ لأنه قطع التتابع بسبب لا عذر فيه وكان بإمكانه عدم الدخول في صوم الكفارة حتى ينتهي من صيام رمضان، والفطر في العيدين.
стр. 282
ثالثها: الإطعام
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ . لكل مسكين مد من غالب قوت البلد، ولا يكف في إطعامهم دعوتهم إلى الغداء أو العشاء بل لا بد من تمليكهم إياه ولا يكفي في الإطعام أقل من ستين وإن دفع لهم أكثر من التسين مدا.
لو دفع المكفر لمسكين واحد مدا من الطعام ثم اشتراه منه وملكه لغيره حتى أتم ستين مسكينا على هذا النحو أجزأه ولكن مع الكراهة.
العجز عن خصال الكفارة الثلاث:
إن عجزمن لزمته الكفارة عن جميع الخصال بقيت في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها إلأا لأنه لا يجامع زوجته حتى يكفر لعموم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
التلفيق: هو أن يأتي بجزء من خصلة من خصال الكفارة مع جزء من خصلة أخرى منها.
ولا تجزئ كفارة ملفقة من خصلتين كأن يصوم شهرًا ويطعم ثلاثين مسكينا.
стр. 283
اللعان:
تعريفه:
اللعان لغة: مصدر لاعن كقاتل عن اللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله .
وشرعا: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العارية، أو إلى نفي الولد.
وسمي اللعان لعانا: لأنه موجب لبعد أحد المتلاعنين من الله تعالى للقطع بكذب أحدهما وإن لم يتعين.
قيل: بل سمي بذلك لما فيه من لعن الزوج لنفسه.
ويقال: التعن الرجل إذا لعن نفسه، ولاعن إذا لاعن زوجته.
مشروعيته:
اللعان حكم ورد به الشرع في الأزواج بعد استقرار حد الزنا والقذف على العموم. والأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١.
ومن السنة: ما أخرجه البخاري أن هلال بن أمية قذف زوجته عند النبي ﷺ بشريك بن سمحاء، فقال له النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك"، فقال: يا نبي الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجل ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يكرر ذلك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبيا إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت آيات اللعان.
стр. 284
وأجمعت الأمة على مشروعيته.
سببه:
وسبب اللعان أمران:
أحدهما: قذف الرجل زوجته قذفا يوجب حد الزنا لو قذف أجنبية.
الثاني: نفي الحمل أو الولد ولو كان من وطء بشبهة أو نكاح فاسد.
أركان اللعان:
أركان اللعان أربعة:
١- الملاعن:
٢- الملاعنة:
ويشترط فيهما أن يكونا زوجين مكلفين أي: بالغين عاقلين سواء أكانا مسلمين أو كافرين عدلين أم فاسقين، أم محدودين في قذف أم كان أحدهما كذلك حرين أم عبدين رشيدين أم سفيهين، ويصح من السكران والآخرس والخرساء والمعلومي الإشارة ومن المطلق رجعيا، ويصح كذلك من الزوج للمطلقة بائنا لنفي الولد.
٣- سبب: وسبقت الإشارة إليه.
٤- لفظ وهو إما صريح كأن يقول: يا زانية، وإما كناية كأن يقول: يا فاجرة أو يا فاسقة أنت تحبين الخلوة أو لا تردين يد لامس، وإما تعريض: كأن يقول: أمي لست بزانية فإن أراد بالكناية والتعريض القذف كان قذفًا وإلا فلا، ويعزر للإيذاء إذا لم يرد القذف ويصدق بيمينه في عدم إرادته للقذف.
لغة اللعان:
إن كان المتلاعنان ممن أصل لسانهما عربي وعموم كلاهما بالعربية ويعرفان الأعجمية فلا يجوز لهما اللعان إلا بالعربية لأمرين.
أولهما: أن اللعان محمول الألفاظ على ما يقتضيه القرآن فاقتضى أن يكون بلسانه العربي من العرب.
стр. 285
الثاني: أن في عدول العربي عن لسانه مع القدرة عليه ريبة تضمن احتمالا يمنع من تغليظ اللعان.
وإن كان أصل لسان الملاعن أعجمي وهو يحسن العربية.
ففي أحد الوجهين: لا يجوز أن يلاعن إلا بها اعتبارًا بلفظ القرآن المعول عليه في اللعان.
وفي الوجه الثاني: يجوز أن يلاعن أصل لغته الأعجمية.
كيفية اللعان:
هو أن يقول الزوج عند الحاكم في جماعة من المسلمين بعد وعظ الحاكم: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا وأن هذا الولد من زنا وليس مني أربع مرات، ويقول في الخامسة بعد أن يعظه الحاكم: وعليَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين.
ويترتب على هذه الملاعنة من الزوج إثبات جريمة الزنا على الزوجة، وبالتالي يجب عليها حد الزنا، إلا أن الشارع الحكيم شرع لهذه الزوجة الملاعنة طريقا لدفع حد الزنا عنها في هذه الحالة وذلك بلعانها للزوج الذي لاعنها بأن تقول هي الأخرى: أربع مرات أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم تقول في المرة الخامسة: وإن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
ولو قالا: أحلف بالله أو أقسم بالله ففيه وجهان:
أحدهما يجوز؛ لأن اللعان يمين فجاز بألفاظ اليمين.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه أخل باللفظ المأمور به والمنصوص عليه؛ وإن أبدل لفظ اللعنة بالإبعاد أو لفظ الغضب بالسخط ففيه وجهان أيضا:
أحدهما: يجوز؛ لأن معنى الجميع واحد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ترك للمنصوص عليه.