← Адаб

Адаб · id 8641

تطور الأدب الحديث في مصر

أحمد هيكل

Полный текст (433 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من ذا يرى دمه أعز مكانة ... من أن يخصب في فلسطين الربا وطن يعذب في الجحيم وأمة ... أعزز علينا أن تصاب وتنكبا إنا لنعلم أن آكل لحمهم ... سيخوض منا في الدماء ليشربا١ ب- من الناحية الفنية: أما من الناحية الفنية، فإن زعماء الاتجاه المحافظ البياني ظلوا على طريقتهم في محافظتها على تقاليد الشعر العربي التي حددتها عصور الازدهار، ووقفوا عند ما ألفوا من الاهتمام قبل كل شيء بالجانب البياني، وجعل إتقان الصياغة في المحل الأول٢، شأنهم في ذلك شأن "الكلاسيكيين" الذين تعد الصياغة المتقنة أبرز خصائصهم٣. وليس من شك أنهم أحسوا بحرج موقفهم، وخاصة بعد الهجوم العنيف الذي وجه إليهم من أصحاب الاتجاه التجديدي الذهني، وبصفة أخص، بعد ظهور كتاب "الديوان"، الذي أخرجه العقاد والمازني، وجعلا من أهم أهدافه هدم هؤلاء المحافظين، بتحطيم زعيمهم شوقي عن طريق نقد شعره وبيان ما فيه من تخلف، وبعد عن الفن الشعري الذي يتطلبه العصر٤. وقد عبر حافظ عن هذا الإحساس عند الشعراء المحافظين، حين قال: ملأنا طبقا الأرض وجدًا ولوعة ... بهند ودعد والرباب وبوزع وملت بنات الشعر منا مواقفًا ... بسقط اللوى والرقمتين ولعلع تغيرت الدنيا وقد كان أهلها ... يرون متون العيس ألين مضجع

стр. 282

وكان بريد العلم عيرًا وأينقا ... متى يعيها الإيجاف في البيد تظلع فأصبح لا يرضى البخار مطية ... ولا السلك في تياره المتدفع ونحن كما غنى الأوائل لم نزل ... نغني بأرماح وبيض وأدرع عرفنا مدى الشيء القديم فهل مدى ... لشيء جديد حاضر النفع ممتع؟! ١ غير أن هذا الإحساس لم يتجاوز هذا الاعتراف من جانب حافظ، وبعض محاولات للتجديد لا تنم عن فهم لحقيقته عند رفاق حافظ، ممن حسبوا أن التجديد هو الحديث عن بعض المخترعات الحديثة، كالقطار والطيارة، وما إلى ذلك، وجعل مجرد الحديث عن هذه الأشياء ثورة على الحديث عن الجمل والناقة مثلًا، مع أن من المقررات أن التجديد لا يكون في تناول شيء جديد فحسب، وإنما في طريقة تناول هذا الشيء، بل في طريقة الإحساس به والوقوف منه، قبل طريقة الحديث عنه، وقد تناول الشعراء المحافظون ما تناولوا من مخترعات حديثة بنفس الطريقة القديمة، التي تتناول الشيء من الخارج، وتعدد مظاهره لونًا وحجمًا وفائدة أو ضررًا، دون أن تتعدى ذلك -في الغالب- إلى وقع هذا الشيء على نفس الشاعر، أو تحاول النفاذ من الحدود الشكلية لهذا الشيء إلى ما وراء اللون والحجم، والمظاهر السطحية، بل أكثر من ذلك، قد عبر الشعراء المحافظون عن هذه المخترعات الحديثة، بتلك الأوصاف والتراكيب، والصور التي ألفت، بل استهلكت في الحديث عن أشياء معرفة في القدم، ومن ذلك قول شوقي في الطيارة: أعقابٌ في عنان الجو لاح ... أم سحاب فر من هوج الرياح أم بساط الريح ردته النوى ... بعد ما طوف في الدهر وساح أو كأن البرج ألقى حوته ... فترامى في السموات الفساح٢

стр. 283

جـ- محاولات تجديدية: ولعل المحاولة الوحيدة الجادة في مجال التجديد الشعري من جانب المحافظين هي تلك المحاولة التي قام بها شوقي لتطويع الشعر للمسرح، والحق أن هذه المحاولة ليست وليدة تلك الفترة التي يساق عنها الحديث، ولم يتجه إليها شوقي في تلك السنوات فقط، وإنما بدأها من قبل ذلك بسنين١، ولكن الحق أيضًا، أن شوقي كان قد انصرف عن كتابة المسرحيات الشعرية منذ خاب أمله بعد كتابة مسرحيته الأولى "علي بك الكبير"، التي ألفها في فرنسا سنة ١٨٩٣، ولكنه تحت عبء الإحساس بالجمود، وإزاء الاتهام بالتخلف، وأمام هجمات دعاة التجديد في هذه الفترة؛ اتجه من جديد إلى الشعر المسرحي منذ سنة ١٩٢٧، ووالي إخراج مسرحياته الشعرية من ذلك التاريخ حتى سنة ١٩٣٢، فأخرج في هذه السنوات: "مصرع كليوباترا" و"مجنون ليلى" و"قمبيز" و"عنترة" و"الست هدى"، كما أعاد كتابة مسرحيته الشعرية الأولى "علي بك الكبير" بما يتلاءم مع مستواه الشعري والفني الجديد، وربما يجنبه الأخطاء التي تورط فيها حين أقدم على المحاولة لأول مرة٢. وربما اعتبرت محاولة أخرى لأحمد محرم، في المحل الثاني من هذه المحاولة؛ وذلك أنه أراد أن يطوع الشعر للقصص التاريخي الحماسي الطويل، فألف نحو سنة ١٩٣٣ "ديوان مجد الإسلام٣" ليحكي بالشعر سيرة

стр. 284

الرسول وبطولاته وغزواته، وربما أراد محرم بهذا العمل أن يطرق بالشعر العربي فن الملحمة، ولكنه في الواقع لم يخرج ملحمة بالمفهوم الفني لهذا الجنس الأدبي، وإن طاب لكثير ممن تحدثوا عن هذا العمل أن يسموه "الإلياذة الإسلامية"١. وذلك أن الملحمة في حقيقتها، وكما عرفت -من أروع نماذجها التي خلفها "هوميروس"- تعتمد أساسًا على الأساطير الشعبية، والبطولات الخيالية، التي تصل أحيانًا إلى جعل الأبطال في مصاف الآلهة، أو أنصاف الآلهة، وهي لهذا كله لا تعني بالوقائع التاريخية ولا الأحداث الحقيقية، وإنما تعني قبل كل شيء بالخيال الجامح والتصوير الأسطوري، مما كان يرضي ظمأ الجماهير إلى البطولة الخارقة، وتلهفها على الأبطال الخياليين٢. أما "ديوان مجد الإسلام"، فبرغم اتخاذه سيرة بطل عظيم مادة، وبرغم تسجيله لمعارك وانتصارات باهرات، فإن هذا العمل الشعوي قد التزم الوقائع التاريخية، وسجل الأحداث الحقيقية، ولم يعتمد أصلًا على الأساطير ولم يحكم الخيال؛ ثم هو بعد ذلك قد التزم في البناء الفني شكل القصائد الغنائية المتتالية، التي تؤلف في جملتها ديوانًا ذا موضوع واحد، هو حياة محمد ﷺ ، وبطولاته وغزواته. وقد درج الشاعر على أن يقدم بين يدي معظم القصائد -بمقدمة نثرية تجمل الأحداث التاريخية التي ستعالج فيما يلي من أبيات، كذلك درج على التزام الوزن والقافية في كل قصيدة تعالج فصلًا، أو موضوعًا معينًا، ثم تغيير الوزن والقافية في القصيدة الأخرى، وهكذا. ومن هنا نرى أن أهم تجديد في هذا العمل، هو معالجته في ديوان

стр. 285

كامل لموضوع واحد، هو سيرة الرسول وبطولاته وغزواته، أما بعد ذلك فهو -في جملته- قصائد غنائية تستلهم مادة تاريخية، ولا تؤلف ملحمة إلا على سبيل التجوز، واعتبار الحديث عن البطولة بالشعر المتسم بالطول والإفاضة، كافيًا لإطلاق هذا الاسم١. وهذه أبيات من القصيدة الأولى، التي تحمل عنوان: "مطلع النور الأول"، وفي هذه الأبيات يتحدث الشاعر عن ثبات محمد ﷺ ؛ وعدم استجابته لإغراء قومه بالملك والمال، حتى يصرفوه عن دعوته: جاءه عمه يقول: أترضى ... أن يقيموك سيدًا أو أميرا ويصبوا عليك من صفوة الما ... ل، حيًا ماطرًا وغيثًا غزيرا لو أتوني بالنيرين لأعرضـ ... ـت أريهم مطالبي والشقورا٢ إن يشيروا بما علمت فإنى ... لأدع الهوى وأعصي المشيرا دون هذا دمي يراق، ونفسي ... تطعم الحتف رائعًا محذورًا٣ ... على أن محاولة شوقي برغم نجاحها، إنما كانت محاولة للتجديد في فن الشعر بعامة، وليست محاولة للتجديد في مجال الشعر الغنائي بخاصة، فهي تهدف إلى عمل شعر "درامي"، وهو نوع من الشعر مغاير في حقيقته للشعر الغنائي من الناحية الفنية، وإن خدمت الشعر العربي بوجه عام، وفتحت أمامه ميدانًا من أخصب الميادين.

стр. 286

لهذا نستطيع أن نقرر: إنه باستثناء محاولة شوقي الناجحة -أو برغمها- قد تجمد الاتجاه الشعري المحافظ في هذه الفترة، حيث لم يضف جديدًا إلى مجاله الموضوعي، ولم يصب تجديدًا في أسلوبه الفني، وحيث وقف عند المرحلة التي وصل إليها، منذ وصل إلى قمته مع أمير الشعراء. وقد سار في هذا الاتجاه الشعري المحافظ بعد جيل شوقي، جيل آخر تمثل في علي الجارم، ومحمد الأسمر وعزيز أباظة، وعلي الجندي ومحمود غنيم وغيرهم. ولكن بموت شوقي سنة ١٩٣٢، ماتت سيادة هذا الاتجاه، وظل كل السائرين في طريقة يحاولون جاهدين أن يقربوا من قمته الشامخة، التي علاها كثير من الجليد.

стр. 287

٢- انحسار الاتجاه التجديدي الذهني: إذا كانت الظاهرة الأولى من ظواهر الشعر في هذه الفترة، هي ظاهرة تجمد الاتجاه المحافظ البياني، فالظاهرة الثانية هي ظاهرة انحسار الاتجاه التجديدي الذهني١، فقد شهدت هذه الفترة انحسار هذا الاتجاه كمًّا وكيفًا، حتى أوشك أن يختفي من الحياة الأدبية، لولا جهود العقاد وإصراره وأصالته، التي حفظت لهذا الاتجاه الاستمرار، برغم ما أحاط به من معوقات. وقد من أهم أسباب انحسار هذا الاتجاه -ومن أهم مظاهره أيضًا- توقف شكري عن إصدار دواوين جديدة، بعد أن أصدر ديوانه السابع "أزهار الخريف" سنة ١٩١٨. وقد كان هذا التوقف من جانب شكري، بسبب تأزمه النفسي، نتيجة لإحساسه بخيبة الأمل، وعدم نيله ما كان يطمح إليه من مجد أدبي لم يحققه له إصدار سبعة دواوين، ثم نتيجة لعدد من الصدمات في حياته العامة وصلاته الخاصة٢،

стр. 288

ربما كان من أقساها عليه إقذاع صديقه المازني في نقده، وإقرار صديقه العقاد لهذا النقد، بنشره في كتاب الديوان الذي أصدراه معًا، والذي اتهم فيه شكري بالجنون، وسمي صنم الألاعيب، ونصح بالانصراف عن التأليف ليريح أعصابه المختلة، ويريح القراء من جهوده العقيمة١!! كذلك كان من أسباب انحسار هذا الاتجاه -ومن مظاهره أيضًا- انصراف المازني عن الشعر، منذ أصدر ديوانه الثاني سنة ١٩١٧، فقد اتجه إلى الصحافة، وآثر القصة والمقال من بين فنون الأدب، حيث لم يعد يرى الشعر كافيًا لسد حاجاته أولًا، ولا للتعبير الطليق عما يريد أن يعالج من شئون الحياة ثانيًا، وقد حول تأملاته وذهنياته الشعرية، إلى لون من السخرية الواعية، أجاد استخدامه فيما كان يكتب من مقالات اجتماعية، ومن قصص أو صور قلمية٢. وهكذا بقي العقاد وحده من زعماء الاتجاه التجديدي الذهني يواصل كتابة الشعر، ولكنه لم يجعل الشعر همه أو فنه الأدبي الأول، بل انصرف هو الآخر إلى الصحافة والكتابة السياسية أولًا، ثم إلى التأليف الأدبي والإسلامي أخيرًا، حتى اعتبر في طليعة الكتاب السياسيين في أوائل هذه الفترة، ثم اشتهر كعلم من أعلام الكتابة الأدبية والإسلامية في آخريات تلك السنوات٣.

стр. 289

وبرغم أن العقاد في هذه الفترة لم يجعل الشعر همه أو فنه الأول، قد ظلت دواوينه تتوالى دون انقطاع، بل لقد أخرج في عام وحد من أعوام تلك الحقبة ديوانين اثنين.. فبعد أن أخرج الجزء الأول من ديوانه الأول سنة ١٩١٦، ثم الجزاء الثاني سنة ١٩١٧، أخرج الجزء الثالث من هذا الديوان سنة ١٩٢١، ثم جمع تلك الأجزاء وضم إليها الجزء الرابع، وسمى كل ذلك: "ديوان العقاد"، ونشره سنة ١٩٢٨ ١. وفي سنة ١٩٣٣، أخرج العقاد ديوانين آخرين، الأول باسم "وحي الأربعين"، والثاني باسم "هدية الكروان"، ثم أخرج سنة ١٩٣٧ ديوان المسمى "عابر سبيل٢". والملاحظ على شعر العقاد الذي ظهر في تلك الفترة، أنه قد سار -في جملته- على المبادئ التي ارتضاها هو وزميلاه شكري والمازني منذ الفترة السابقة، وهي المبادئ التي تقوم قبل كل شيء على عدم اعتبار الشعر المحافظ البياني مثلًا أعلى للشعر في العصر الحديث، والتي تهتم بالتجديد في موضوعات الشعر، وطريقة أدائه، وتعني في المحل الأول بنفس الشاعر وأصالته، والتي تعطي قيمة كبرى للخيط الذهني في النسيج الشعري، وتحاول محاولة جادة لتحقيق الوحدة العضوية وصدق التجربة الشعرية٣، كل هذا مع توفيق أحيانًا وإخفاق في بعض الأحايين، وخاصة حين يطغى الفكر، فيفسد طبيعة الشعر٤.

стр. 290

ففي الجزء الثالث من ديوان العقاد الأول، هذا الجزء الذي ظهر سنة ١٩٢١، نراه يعني بالتأملات الفكرية، والقضايا الذهنية، التي تصل أحيانًا إلى درجة التفلسف، كما نراه يبتعد عن التأثير بالقيم البيانية، ويركز اهتمامه على التأثير بالقيم الفكرية، ثم نراه يجعل صدق التجربة الشعرية، وتحقيق الوحدة العضوية في المحل الأول: ومما يؤيد ذلك هذا النموذج الذي يتحدث فيه العقاد عن الإنسان، وحريته الفطرية، وما يكبلها به الإنسان نفسه من قيود مختلفة، وقد سمى الشاعر هذا النموذج "حانوت القيود"، وفيه يقول: تزود منه الناس في كل حقبة ... وحجوا إليه موكبًا بعد موكب يصيحون فيه بالقيود كأنهم ... سراحين في واد من الأرض مجدب فمن قائل: عجل بقيدي فإنني ... طليق، ومن عان كثير التقلب إذا أخطأ الأغلال قطب وجهه ... كئيبًا، وإن أثقلنه لم يقطب فهذا إلى قيد من العقل ناظر ... وما العقل إلا من عقال مؤرب يخفض من أهوائه كل ناهض ... ويغلب من آماله كل أغلب ويمشي بأغلال التجارب معجبًا ... على غبطة منه لمن لم يجرب وهذا إلى قيد من الحب شاخص ... وفي الحب قيد الجامح المتوثب ينادي: أنلني القيد يا من تصوغه ... ففي القيد من سجن الطلاقه مهربي أدره على لبي وروحي ومهجتي ... وطوق به كفى وجيدي ومنكبي ورصعه بالحسن المسوم وأجله ... بكل سعيد في المناظر طيب عزيز علينا أن نعيش وحولنا ... أسارى الهوى من فائز ومخيب١ وفي الجزء الرابع من ديوانه الأول، الذي صدر سنة ١٩٢٨، ومعه كل الأجزاء الثلاثة السابقة؛ نرى العقاد يسير في نفس الخط التجديدي الذهني، وربما يصل فيه إلى درجة أكثر نضجًا وأتم استراء، بل قد يصل إلى حد من التأمل الفلسفي ينتهي به -في بعض التجارب- إلى فلسفة السخط

стр. 291

والرفض، والإقرار "بلا جدوى شيء في هذا الوجود"، ففي ذلك الجزء من ديوان العقاد، نراه -مثلًا- يقول في قطعة بعنوان "سيان": يا شمس ما ضرك لو لم تشرقي؟ ... يا روض ما ضرك أو لم تعبق؟ يا قلب ما ضرك لو لم تخفق؟! ... سيان في هذا الوجود الأحمق من كان مخلوقًا ومن لم يخلق١!! وإنما قلت: "إن شعر العقاد في تلك الفترة قد سار -في جملته-" على المبادئ التي ارتضاها هو وزميلاه من قبل، ولم أقل: قد سار كله على تلك المبادئ؛ لأن العقاد كان في بعض هذا الشعر يفعل فعل الشعراء المحافظين، من حيث النظم في المناسبات والسياسات والإخوانيات، التي تصل أحيانًا إلى حد التفاهة. وليس من شك أن روح الفترة التي عرفنا أنها كانت فترة صراع سياسي، قد أثرت على العقاد، فحادت به -بعض الشيء- عن الطريق الذي رسمه هو وصاحباه من قبل، وليس من شك أيضًا في أن ارتباط الشاعر ببعض الهيئات، وصلته ببعض الأصدقاء، قد كان من العوامل التي ورطته في بعض شعر المناسبات والإخوانيات، إلى جانب ما ورطته فيه صراعات الفترة من شعر السياسيات. فمثلًا نرى العقاد في الجزأين الثالث والرابع من ديوانه الأول، قد أورد قصائد تخالف ما أخذ به نفسه هو وصاحباه من قبل، وتماثل ما أخذه على خصومه، حين هاجم رثائهم، وأمداحهم وتهانيهم، وما إلى ذلك من شعر المناسبات. فنحن نطالع له في الجزء الثالث قصيدة رثاء السلطان حسين٢، وأخرى في رثاء محمد فريد٣، وثالثة في رثاء الطلبة الذين ذهبوا ضحية حادث قطار في إيطاليا٤. كما نطالع له في الجزء الرابع قصيدة في سعد زغلول بمناسبة عودته من

стр. 292

منفاه سنة ١٩٢٣ ١. ثم نطالع بعد تلك القصيدة مباشرة قصيدة أخرى في ذكرى مرور أربعين يومًا على وفاة سعد٢.. كما نطالع بعد ذلك في أواخر الديوان قصيدة ثالثة٣ في سعد أيضًا قالها العقاد بمناسبة زيارة الزعيم الوفدي لمدينة أسوان سنة ١٩٢٣. وما نراه في الجزأين الثالث والرابع من ديوان العقاد الأول، نراه فيما صدر له بعد ذلك من دواوين، فنراه في "هدية الكروان"، قد جعل معظم الديوان لموضوعات تسير في خطه الشعري الحقيقي، بل قد جعل قسمًا كاملًا من الديوان لمناجاة طائرة الكروان، وعرض كثير من القضايا العاطفية والفكرية من خلال هذه النجوى، ومن ذلك قصيدة "اليوم الموعود" التي يقول فيها: لي جنة يا يوم أجمع في يدي ... ما شئته من زهرها المتبسم وأذوق من ثمراتها ما أشتهي ... لا تحتمي مني ولا أنا أحتمي لم آس بين كرومها وظلالها ... إلا على ثمر هناك محرم فكأنها هي جنة في طيها ... ركن تسلل من جحيم جهنم أبدًا يذكرني النعيم بقربها ... حرمان مرؤود وعزة معدم وأبيت في الفردوس أنعم بالمنى ... وكأنني من حسرة لم أنعم٤ ولكننا نرى في الديوان نفسه أن الشاعر قد أورد بعض التهاني والتقريظات٥، بل نراه ينظم قصيدة في وصف البيرة على لسان طفل، فيقول كلامًا دون مستوى العقاد، واتجاهه بمسافات ومسافات، وحسبنا أن نقرأ مطلع هذه القصيدة الذي يقول فيه:

стр. 293

البيلا البيلا البيلا ... ما أحلى سلب البيلا١ وفي "وحي الأربعين" نرى العقاد -إلى جانب ما له من "تأملات في الحياة"، و"خواطر في شئون الناس" و"قصص وأماثيل" و"وصف وتصوير"، و"غزل ومناجاة" -نراه إلى جانب كل ذلك قد عقد بابًا باسم "قوميات واجتماعيات"، أورد فيه قصيدة ألقيت في حفل جمعية من جمعيات الإحسان، وأخرى قيلت بمناسبة عيد الاستقلال السوري، ومطلع هذه القصيدة يذكرنا بطريقة المحافظين الخطابية وجلجلتها البيانية، فهو يقول فيه: ربع الشآم أعامر أم خالي ... اليوم عيدك عيد الاستقلال٢ كما نرى الشاعر إلى جانب كل ذلك قد عقد بابًا باسم "متفرقات"، وضمنه قصيدة في مشروع القرش، كما ضمنه أبياتًا في إهداء كتاب، وقصيدتين في رثاء الكاتب محمد السباعي، والشاعر حافظ إبراهيم. بل نجد الشاعر في هذا الديوان، يقدم للقراء ما يشبه الاعتذار، عن اكتفائه بما قدم فقط من شعر قليل متصل بالمناسبات المصرية، وعن عدم إيراده لكل ما قد قال في تلك المناسبات من شعر، وفي ذلك يقول: "اكتفينا بما نقدم في هذا الباب، ولم ننشر فيه كل القصائد التي نظمت في المناسبات المصرية، رعاية لعهد الائتلاف"٣. وفي ديوان "عابر سبيل" نجد العقاد يسير في اتجاهين متضادين، أو -على الأقل- متباعدين أشد التباعد، فنحن نجده أولًا يبلغ حد المبالغة في رعاية مذهبه الشعري، الذي يرى أن موضوع الشعر هو كل ما يقع على الحس ويثير الوجدان، حتى ولو كان أبسط الأشياء، ومن هنا يجعل القسم الأول من هذا الديوان نماذج تطبيقه لهذه النظرية، فيتحدث عن جملة أشياء

стр. 294

مما يقع في طريق عابر السبيل، وتقع عليه عينه كل يوم، "كالبيت" و"أصداء الشارع" و"عسكري المرور" و"الفنادق"، و"القطار العابر" و"المصرف" و"المتسول" و"جهات الدكاكين"، وهو خلال حديثه عن هذه الأشياء -التي لا تلفت الشعراء عادة- يستبطن الأسرار التي تحتويها، ويكشف المعاني الإنسانية التي تعكسها، ويستخرج العبر الكونية التي وراءها، فهو يعمل ذهنه وفكره بل فلسفته في أشياء قد تبدو أبعد ما تكون عن الذهن، والفكر والفلسفة، ومن أمثلة ذلك قوله عن "الفنادق" مثلًا: حسب الفنادق أن تذكرنا ... مر الفناء بكل من يحيا تبدو الوجوه لعين عابرها ... وتغيب عنه كأنها رؤيا في كل توديع وتفرقة ... شيء من التوديع للدنيا١ ومن أروع أمثلة هذا الباب في "عابر سبيل"، قول العقاد في "وجهات الدكاكين": إن الدكاكين التي عرضت ... تلك المطارف تعرض النوبا تحكي الفواجع كلهن لنا ... صدقًا، ولا تحكي لنا كذبا هذا الستار، فنح جانبه ... تجد القضاء يهيئ اللعبا انظر إلى النساج منحنيًا ... يطوي بياض نهاره دأبا وانظر إلى السمسار مقتصدًا ... أو طامعًا في الربح مغتصبا وانظر إلى التجار، ما عرفوا ... غير النضار وعده تعبا وانظر إلى الشارين قد سمحوا ... بالمال يقطر من دم صببا وانظر تر الحسناء لابسة ... لا تلتمس غير الهوى أربا لو تعرف الحسناء ما صنعت ... شقت جيوب ردائها رهبا هذا زمان العرض فانتظروا ... عرضًا يرينا الويل والحربا بهر النفوس بكل ظاهرة ... وطوى جمال النفس محتجبا فالويل للعين التي امتلأت ... والويل للقلب الذي نضبا٢

стр. 295

ثم نحن نجد الشاعر بعد هذه المبالغة في الذهنية، والتفلسف والابتعاد عن الموضوعات المعروفة إلى موضوعات هي أبعد ما تكون عن مجالات الشعراء؛ تجده يسير في اتجاه مضاد، أو على الأقل في اتجاه شديد البعد عن هذا الاتجاه. فهو نفس الديوان يعقد بابًا "للقوميات" يتحدث فيه عن "ذكرى الجهاد"، وعن "عيد بنك مصر"، كما يتحدث عن "ذكرى سيد درويش"، وعن نقل "جثمان سعد زغلول"، وعن "بعض المتطوعين في مشروع القرش"، وعن "بعض العهود السياسية"، وعن "دار العمال" ... ثم يعقد بابًا آخر "للمتفرقات" يورد فيه قصائد في تكريم أحد البشوات بمناسبة حفل قد أقامه أبناء أسوان لهذا الباشا، ثم يورد كذلك قصيدة في تهنئة عروسين، وأخرى في طبيب عيون، كما يورد في هذا الباب قصيدة في الملك غازي ملك العراق، وقد نظمها لتكون أغنية كما يقول الديوان، وفيها يقول على طريقة المحافظين: غازي قلوب الشعب بالكرم ... والفضل والتوفيق والحسنى١ وهكذا نرى الاتجاه التجديدي الذهني قد انحسر في تلك الفترة، فهو بعد أن كان يندفع بقوة ثلاثة من الشعراء الرواد، الذين كانوا يجعلون الشعر فنهم الأول، أصبح يسير هادئًا بجهد شاعر واحد من هؤلاء الثلاثة، جعل من الشعر -في الغالب- مجالا للتعبير عن لحظات التوهج الذهني، وصرف جل طاقته إلى الكتابة السياسية والاجتماعية أولًا، والأدبية والإسلامية آخرًا، ثم هو بعد أن كان يأخذ نفسه بقيم شعرية صارمة، تباعد بينه وبين تقاليد الشعراء المحافظين، قد ترخص -بعض الشيء- في هذه القيم، حتى اقترب في بعض شعره من هؤلاء الشعراء، فمدح ورثى وهنأ وقرظ، وتورط في كثير من شعر المناسبات، التي كان يحارب التورط فيها هو وزميلاه من قبل. ولكن برغم انحسار الاتجاه التجديدي الذهني في هذه الفترة، قد ظل يمثل -بنماذجه الجيدة- خطًّا مميزًا في مسيرة الشعر العربي الحديث، واستطاع ما تم على يد عملاقه العقاد، من نتاج شعري أولًا، ومن كتابات نقدية ثانيًا، أن يبقى -بعد رواده الأول- ممثلًا في نتاج نفر ممن تتلمذوا على العقاد وشعره، كمحمود عماد، وعبد الرحمن صدقي، وعلي أحمد باكثير. كما استطاع أن يسهم أعظم الإسهام فيما ظهر بعده من اتجاهات تجديدية أخرى، كان أهمها الاتجاه الذي هو موضوع الحديث التالي:

стр. 296

٣- ظهور الاتجاه الابتداعي العاطفي: بعد سنوات من مبدأ تلك الفترة، وبعد أن أصيب الاتجاه الشعري الأول بالتجمد١، ومنى الاتجاه الثاني بالانحسار٢، كانت الظروف مهيأ لنشأة اتجاه شعري ثالث؛ فنشأ هذا الاتجاه ليعوض بحرارته وانطلاقه ما أصاب الحياة الشعرية من تجمد على أيدي البيانيين، ومن انحسار على أيدي الذهنيين. وإذا كنت قد سميت الاتجاه الأول "الاتجاه المحافظ البياني" نظرًا لميله إلى المحافظة على القيم الشعرية التي خلفتها عصور الازدهار، ثم لاهتمامه بالناحية البيانية -قبل كل شيء- في التعبير الشعري٣، وإذا كنت قد سميت الاتجاه الثاني "الاتجاه التجديدي الذهني"، نظرًا لاهتمامه بالتجديد في مفهوم الشعر وأسلوبه ووظيفته، ثم لإبرازه الجانب الفكري في مضمون الشعر٤؛ أقول: إذا كنت سميت الاتجاهين السابقين على هذا النحو، فإنني أميل إلى تسمية هذا الاتجاه الثالث "الاتجاه الابتداعي العاطفي"، نظرا لكون الشعر السائر في هذا الاتجاه لا يتسم بالتجديد فحسب، وإنما يتجاوزه إلى الابتداع المنطلق المتحرر، ثم لكون هذا الشعر يجيش بالعاطفة

стр. 297

الحارة المتدفقة، لا بالبيان المنمق، ولا بالذهن المتفلسف، وسوف تتضح تلك التسمية بصورة أكثر جلاء، حين أعرض للخصائص الفنية لهذا الاتجاه١. أما تلك الظروف التي هيأت التربة لظهور هذا الاتجاه، وجعلت منه اتجاهًا ضروريًّا -في ذلك الحين- لسد الفراغ في الحياة الفنية، فأهمها ذلك الصراع الذي كان قد احتدم بين المحافظين البيانيين وعلى رأسهم شوقي، وبين المجددين الذهنيين وعلى رأسهم العقاد، فهذا الصراع الذي بدأ في أوائل القرن العشرين، ووصل إلى ذروته مع كتاب "الديوان" سنة ١٩٢١ ٢ قد كشف القناع عن محاسن كل من الاتجاهين ومساوئهما، فاتضح أجمل ما في الاتجاه البياني من روعة الأسلوب وجمال الصياغة، ورونق الموسيقى، ومائية الشعر، واتضح كذلك أجمل ما في الاتجاه الذهني من اهتمام بالصدق الفني، والتفات إلى الجانب الوجداني، واتجاه إلى التعبير عن نزعات النفس، وحقائق الكون، وأسرار الطبيعة، هذا إلى الاهتمام بالوحدة العضوية، والصورة الشعرية. كذلك برز -من خلال هذا الصراع- أقبح ما في الاتجاهين، من تأس لخطى السابقين، واتجاه إلى المناسبات، وميل إلى الخطابية عند المحافظين٣، ومن برود ذهني، وجفاف شعري، وميل إلى العقلانية عند المجددين٤، ومن هنا كانت الفرصة متاحة أمام جيل الشباب من الشعراء لكي يختار أحسن ما في الاتجاهين، ويتجنب أسوأ ما فيهما، وأن يمزج بين محاسن كل حين يقول شعرًا يريد له أن ينجو مما تورط فيه الجيلان السابقان من محافظين، ومجددين على السواء.

стр. 298

وهكذا كان الصراع بين "الاتجاه المحافظ البياني" و"الاتجاه التجديدي الذهني"، من أهم العوامل التي هيأت لظهور "الاتجاه الابتداعي العاطفي"، وتبصيره بكثير من قيم الشعر، فأخذ ما أخذ، وطرح ما طرح، وليس من شك في أن جهود رواد "الاتجاه التجديدي" العقاد وشكري والمازني، قد كانت من أهم ما أفاد منه هذا "الاتجاه الابتداعي" الذي ليس إلا خطوة أفسح نحو التجديد١. وهناك عامل ثان من العوامل التي هيأت لظهور هذا الاتجاه، وهو التأثر بشعر "الرومانتيكيين" الأوروبيين، وبالإنجليز منهم بصفة خاصة، فقد كان رواد هذا الاتجاه من شعراء الشباب -في ذلك الحين- مثقفين ثقافة أوروبية، ومجيدين بصفة خاصة للغة الإنجليزية، ومتعلقين بصفة أخص بشعر "الرومانتيكيين" الإنجليز٢؛ فأحمد زكي أبو شادي٣ الذي

стр. 299

يعتبره عدد من الدارسين رائد هذا الاتجاه، كان قد عاش في إنجلترا نحو عشر سنوات لإتمام دراسته في الطب، وكان مفتونًا ببعض الشعراء "الرومانتيكيين" الإنجليز، وإبراهيم ناجي١، الذي يعد من أهم معالم

стр. 300

هذا الاتجاه -إن لم يكن أهمها جميعًا- كان من المجيدين للغة الإنجليزية، ومن أقوياء الصلة بالشعر الإنجليزي "الرومانتيكي"، بالإضافة إلى معرفته بالفرنسية وقراءته لبعض الشعراء الفرنسيين، ومحمد عبد المعطي الهمشري١، الذي يمثل أبرز خصائص هذا الاتجاه كان أيضًا يقرأ الشعر

стр. 301

الإنجليزي، ويتمثل بعض خصائص شعرائه "الرومانتيكيين"، وكذلك علي محمود طه المهندس١؛ فقد كان على علم بالإنجليزية والفرنسية، وله قراءات في شعرهما وبخاصة الشعر الرومانتيكي، ومثله صالح جودت٢،

стр. 302

وحسن كامل الصيرفي١، وهكذا نرى أن هؤلاء الذين يعتبرون الدعامات الأولى لهذا الاتجاه -كانوا جميعًا ممن يقرأون الشعر "الرومانتيكي" ضمن ما يقرأون من أدب أوروبي، وكان لهم ميل خاص إلى" وردز وورث" Wordsworth" و"بيرون" Byron و"شيلي" Shelly و"كيتس" Keats من "الرومانتيكيين" الإنجليز٢. بل إن بعض رواد هذا "الاتجاه الابتداعي العاطفي"، كان مفتونًا ببعض هؤلاء "الرومانتيكيين" لدرجة تشبيه نفسه به، واتخاذ حياته نمطًا لحياته، فأبو شادي مثلًا، كان يرى في حياة "كيتس" صورة لحياته، وكان يتحدث عن هذا الشاعر الإنجليزي، وكأنه يتحدث عن نفسه، وكان يرى في تلك المشابهة عزاء عما يعانيه من اضطهاد وعدم تقدير، ومما قاله في ذلك عن "كيتس": "إن أساليبه ونزعاته التجديدية لم ترض جمهرة الأدباء في البداية، ولكنها استحالت فيما بعد إلى مفخرة من مفاخر الأدب الإنجليزي، وأن شخصيته الأدبية القوية لم تهضمها البيئة ولا المطالعات، بل هو الذي هضمها.. وأن المواهب الجديدة

стр. 303

قد لا يعترف بها اعترافًا منصفًا إلا بعد زوال صاحبها، وعلى الأخص إذا كان من الشباب؛ لأن الناس غالبًا عبيد ما تعودوه"١. وهناك عامل ثالث من العوامل التي هيأت لظهور هذا الاتجاه، وهو التأثر بأدب المهجر٢، وقد كان هذا العامل كبير الأثر بصفة خاصة عند الشعراء المحبين لهذا "الاتجاه العاطفي"، ولكنهم لا يجيدون، لغة أجنبية ولا يستطيعون الإفادة من الشعر "الرومانتيكي" في لغته الأصلية.

стр. 304

ومعروف أن أدب المهجر المبكر الممثل في نتاج جبران خليل جبران، يغلب عليه الطابع الرومانسي، برغم أن معظمه نثر، ومعروف أيضًا أن أهم شعراء المهجر قد التقوا في دعوتهم التجديدية، بدعوة المجددين المصريين التي رادها العقاد وشكري والمازني١، غير أن شعر هؤلاء المهجريين كان أكثر من شعر المجددين انطلاقًا وتحررًا، كما كان أقل ذهنية وأغزر عاطفية، أو بعبارة أخرى، كان أشبه بشعر "الرومانتيكيين" الغربيين، ثم إن أدب المهجر نثرًا وشعرًا كان قد بدأ يذاع في مصر خلال كتب هؤلاء المهجريين، ودواوينهم وقصائدهم، التي كانت تنشر في بعض المجلات الأدبية حينذاك، مثل الهلال والمقتطف٢، ومن هنا كان هذا الشعر

стр. 305

أحد العوامل التي هيأت لظهور هذا "الاتجاه الابتداعي العاطفي"، وكان أكثر المستفيدين من الشعر المهجري، هؤلاء الشعراء الابتداعيين العاطفيين الذين لم يتح لهم -حينذا- الاتصال المباشر بالشعر "الرومانتيكي" الغربي. وربما كان الشعر المترجم الذي كان ينشره العقاد وشكري والمازني وغيرهم، عاملًا مشابهًا لهذا العامل، من حيث التأثير على طائفة من شعراء الشباب الذين تطلعوا إلى الابتداع، وفاضوا بالعاطفة، وآثروا هذا الاتجاه الشعري الثالث، دون اتصال مباشر بروافد ثقافية أجنبية، بل اعتمدوا -إلى درجة كبيرة- على الشعر المترجم عن "الرومانتيكيين"، كما اعتمدوا على شعر المهجر المشبه بدوره لشعر هؤلاء "الرومانتيكيين". بقي عامل رابع من أهم العوامل التي شاركت في إظهار هذا الاتجاه بطابعه الابتداعي المنطلق، ونزعته الفردية الثائرة، ثم بسمته العاطفي الحزين، ونظرته الدامعة الساخطة، وهذا العامل ليس عاملًا فنيًا أو ثقافيًا كالعوامل السابقة، وإنما هو عامل اجتماعي، فقد سيطر على تلك الفترة التي يساق عنها الحديث، شعور جارف باستقلال الشخصية المصرية، وإحساس غامر بالحرية الفردية، وتشبع مستغرق بروح الثورة، وذلك لما تقدم من عوامل، كان في مقدمتها روح ثورة سنة ١٩١٩، ومشاركة كل القوى الوطنية فيها، ثم فوزها بإنهاء حماية بريطانيا، وإعلان الاستقلال، وصدور الدستور، وفتح البرلمان، وتأكيد ضمان الحريات١، وإلى هذا العامل الأول يرد ما كان عند أصحاب هذا الاتجاه من شعور بالشخصية، وإحساس بالفردية وتشبع بروح الثورة ... ثم شهدت تلك السنوات التي

стр. 306

ظهر فيها هذا الاتجاه ظلام الحياة الاجتماعية في مصر، بسبب فساد السياسة، وتأزم الاقتصاد، واضطهاد الحرية، مما كان نتيجة مباشرة لتعدد العدوان على الدستور، وتكرر إغلاق البرلمان، وتآمر قوى الشر على كل ما حققه الشعب من مكاسب بثورة سنة ١٩١٩، وكانت الملكية الباغية، والاستعمار الطاغي، والإقطاع المستغل، أهم أطراف هذا التآمر، الذي وصل إلى ذروته في عهد إسماعيل صدقي سنة ١٩٣٠، على نحو ما اتضح في التمهيد لهذا الفصل١.. وإلى هذا العامل الثاني يرد ما كان من ضيق طائفة من الشباب الشاعر الحساس بالحياة، وتبرمه بالعيش، وشعوره بخيبة الأمل، فقد دفعته تلك الظروف الأخيرة إلى أن ينطوي ويهرب، ويبحث عن العزاء في الحب حينًا، وفي رحاب الطبيعة حينًا آخر، كما أغرته بأن يتشبث بالأحلام ويتعلق بالخيالات، ويهيم بالرؤى، ليلوذ بعالم أكثر شفافية، وأعظم رحابة وأفسح صدرًا، وهكذا هيأت ظروف الحياة الاجتماعية التربة في مصر لينمو بها هذا الاتجاه الذي فيه كثير من الخصائص الرومانسية٢، وتآزرت تلك الظروف مع عوامل ثقافية وفنية أخرى، فكان هذا الاتجاه بجانبيه: الابتداعي المطلق، والعاطفي الجياش. هذاوقد ألِف بعض الباحثين أن يحددوا تاريخ ظهور هذا الاتجاه بظهور مجلة "أبولو "سنة ١٩٣٢، وتكوين جمعيتها في العام نفسه، باعتبار أن أهم شعراء هذا الاتجاه كانوا من بين جماعة "أبولو"، أو ممن ينشرون

стр. 307

شعرهم على صفحات مجلتها، وينالون تشجيع مؤسسها الدكتور أبي شادي١. كذلك درج بعض الباحثين على تسمية هذا الاتجاه باسم "جماعة أبولو"٢ باعتباره قد انبثق من خلال تلك الجماعة التي أسسها أبو شادي، وبالغ البعض فسمى الاتجاه "مدرسة أبولو"٣. والحق أن هذا الاتجاه قد ظهر قبل ظهور مجلة "أبولو"، وتأسيس جمعيتها بسنين، حيث كان رواد هذا الاتجاه ينشرون شعرهم -قبل ظهور تلك المجلة في صحف ذاك العهد، التي كانت تعني بالأدب، كالسياسة الأسبوعية والبلاغ الأسبوعي، وكالمصور والهلال، والمقتطف وغيرها٤، ثم إن مجلة "أبولو" -برغم أن صاحبها كان من أوائل رواد هذا الاتجاه- لم تكن وقفًا على اللون الشعري الذي يتسم بالابتداعية والعاطفية، بل كانت تفسح صفحاتها لكل الاتجاهات، حتى لأشدها محافظة وأكثرها تعلقًا بالقديم، فكانت تنشر لشوقي والرافعي، ومحرم، كما كانت تنشر

стр. 308

لناجي وعلي محمود طه والهمشري١، بل لقد وصل عدم التزامها بمذهب معين إلى حد أن جعلت أول رئيس لمجلس إدارتها زعيم المحافظين أحمد شوقي، على حين ضم المجلس شعراء من اتجاهات مختلفة بعضهم محافظ، وبعضهم مبتدع٢. ومن هنا لا أميل إلى جعل تاريخ ظهور هذا الاتجاه، هو مجلة "أبولو"، كما لا أميل إلى تسمية هذا الاتجاه باسم "جماعة أبولو"؛ لأن هذا الاتجاه قد ظهر قبل المجلة أولًا، ثم؛ لأن المجلة لم تكن وقفًا عليه ثانيًا. ويمكن اعتبار سنة ١٩٢٧ تاريخ ظهور هذا الاتجاه٣، ففي هذا العام أخرج الدكتور أحمد زكي أبو شادي ديوان "الشفق الباكي"٤ الذي يمثل-

стр. 309

إلى حد كثير -كثيرًا من خصائص هذا الاتجاه، وفي نحو هذا التاريخ كان علي محمود طه وإبراهيم ناجي، ومحمد عبد المعطي الهمشري، وصالح جودت وحسن كامل الصيرفي؛ ينتجون طلائع شعرهم السائر في هذا الاتجاه، ويحاول بعضهم نشره في صحف ذلك العهد١. على أن بعض هؤلاء الشعراء قد سبق هذا التاريخ الذي حدد نقطة ابتداء لظهور هذا الاتجاه، ونشر بعض شعره مبكرًا، كأبي شادي الذي أخرج ديوانه الأول سنة ١٩١١ باسم "أنداء الفجر"، وكعلي محمود طه الذي نشرت له قصيدة في السفور سنة ١٩١٨ ٢، غير أن هذا الشعر المبكر لا يحمل طابع ذلك الاتجاه الابتداعي العاطفي، وإن نسب إلى شعراء صاروا فيما بعد من كبار الابتداعيين العاطفيين، فديوان أبي شادي الأول، وما تبعه من دواوين قبل "الشفق الباكي"، شعر مليء بالتقليدية والمحاكاة لشوقي، وغير شوقي من الشعراء المحافظين، وإن ضم بعض لمحات من التجديد أو الابتداع، وقصيدة علي محمود طه يغلب أنها ككل ماله من شعر مبكر، إن اتسم بعضه بالعاطفة الحزينة، وبعض لمحات الابتداع، فهو لا يمثل خصائص هذا الاتجاه "الابتداع العاطفي" ذات السمات المعينة في الموضوعات والأسلوب، والقيم الشعورية والفنية المختلفة، التي لم تتهيأ الظروف لإبرازها قبل سنة ١٩٢٧. ولذا يحسن صرف النظر عن هذا التاريخ المبكر لنتاج بعض شعراء هذا الاتجاه السابق لسنة ١٩٢٧، كما يحسن صرف النظر عن التاريخ المتأخر الذي حدده البعض بظهور مجلة "أبولو"، وجمعيتها سنة ١٩٣٢. وإذا كانت سنة ١٩٢٧ قد شهدت ميلاد هذا الاتجاه في شكل روافد

стр. 310

صغيرة لا تكاد تلفت الأنظار، فإن سنة ١٩٣٢ قد شهدت تجميع هذه الروافد في شكل تيار قوي واضح، قد أخذ مجراه في الحياة الأدبية من خلال مجلة "أبولو"، فقد كانت هذه المجلة فرصة لهؤلاء الشبان الابتداعيين العاطفيين لكي ينموا ويتضاعفوا ويشتدوا، ثم كانت سنة ١٩٣٤ بمثابة موسم الفيضان لهذا التيار الجديد، حيث ظهرت في هذا العام الدواوين الأولى لمعظم شعرائه الرواد، فقد ظهر لعلي محمود طه "الملاح التائه"، وظهر لإبراهيم ناجي، "من وراء الغمام"، وظهر لحسن كامل الصيرفي "الألحان الضائعة"، وظهر لصالح جودت ديوانه الأول الذي سماه باسمه، وكان ظهور هذه الدواوين الأولى في عام واحد أشبه بمظاهرة فنية تعلن استواء هذا الوليد الذي رأى النور سنة ١٩٢٧، ثم راح يدرج في رحاب "أبولو" سنة ١٩٣٢، ثم اكتمل فتيًّا سنة ١٩٣٤، فلفت أنظار النقاد الكبار من أمثال العقاد وطه حسين، فكتبوا عنه لأول مرة، وإن كانت كتابات العقاد، وطه حسين -في ذلك الحين- ليست في صالح هذا الاتجاه الجديد، لظروف كان أكثرها بعيدًا عن النقد والشعر كما سنرى فيما بعد١. وإذا كنت لم أمل إلى تسمية هذا الاتجاه باسم "أبولو" لما أوضحت من أسباب، وآثرت تسميته باسم يحدد ابتداء طابعه الفني كما صنعت مع الاتجاهات السابقة، فإنني لا أميل كذلك إلى إطلاق اصطلاح "مدرسة" على هذا الاتجاه، وذلك؛ لأن المدرسة الأدبية تقوم أساسًا على دعائم فلسفية معينة، وتكون لها قيم فنية محددة؛ وذلك ما لا نجده -بدقة- في هذا الاتجاه الشعري؛ فهو لا يقوم على دعائم فلسفية تجعل لأصحابه فلسفة خاصة تغاير فلسفة الآخرين، وهو لا يلتزم قيمًا فنية صارمة تعزل شعراءه.

стр. 311

تمامًا عن قيم غيرهم من محافظين ومجددين، وإنما هو يختار أحسن ما رأى في الاتجاهات السابقة، ويفيد من الآداب الغربية، ويمزج بين هذه وتلك، ويضيف إليها كثيرًا من الخلق والإبداع، مما يشكل له مجموعة من الخصائص الفنية المشتركة التي تجعل منه اتجاهًا مميزًا بين اتجاهات الشعر، لكنها لا تصل به إلى مستوى المدرسة الفنية ذات الأسس الفلسفية المحددة، والقيم الفنية الفريدة. على أن من بين أعلام هذا الاتجاه أنفسهم من نفي تقيد هذا الاتجاه بمذهب معين؛ فأحمد زكي أبو شادي يرى أن رفاقه من أصحاب هذا الاتجاه آمنوا بالرمزية والسريالية، والرومانسية والواقعية وغيرها، على درجات شتى، وإن ندر بينهم من اقتصر في شعره على مذهب وأحد من هذه المذاهب١، وقد سمى الاتجاه مع ذلك مدرسة، وليس من شك في أن مثل هذه التسمية -بعد ما قرره هو نفسه- فيها كثير من التجوز. وتلك الخصائص الفنية المشتركة التي يتسم بها هذا الاتجاه، منها ما يتصل بالموضوعات الشعرية وطبيعة التجارب، ومنها ما يتصل بالأسلوب الفني وطريقة الآداء، ومنها ما يرتبط بالألفاظ والمعجم الشعري، ومنها ما يرجع إلى الأوزان، والقالب الموسيقي. أ- خصائصه المتصلة بالموضوعات، وطبيعة التجارب: أما خصائص هذا الاتجاه المتصلة بالموضوعات، وطبيعة التجارب الشعرية، ففي مقدمتها الاهتمام بموضوع الحب والمرأة، وقد كان شعراء هذا الاتجاه يتخذون من الحب ملاذًا يفرون إليه من عذاب الحياة، وعزاء يعوضون به ظلم الدهر، ومرقي يسمون عليه فوق العالم الأرضي، ومن ذلك قول ناجي: هوى كالسحر صيرني ... أرى بقريحة الشهب وطهرني وبصرني ... ومزق مغلق الحجب

стр. 312

سموت كأنني أمضي ... إلى رب يناديني فلا قلبي من الأرض ... ولا جسدي من الطين سموت ودق إحساسي ... وجزت عوالم البشر نسيت ضغائن الناس ... غفرت إساءة القد١ ومن ذلك أيضًا قول أبي شادي: أمانًا أيها الحب ... سلامًا أيها الآسي أتيت إليك مشتفيًا ... فرارًا من أذى الناس حنانك أيها الداعي ... فأنت مليك أنفاسي فررت وحولي الدنيا ... تحارب كل إحساسي٢ وكان بعض الشعراء يكلف بالمرأة روحًا ووجدًا وعذابًا، وبعضهم يهيم بها جسدًا ومتعة ونعيمًا، ومن النوع الأول إبراهيم ناجي والهمشري، ومن النوع الثاني علي محمود طه، وصالح جودت، يقول ناجي واصفًا لصاحبته بعض ما يعاني من وحدة وجوى، وخداع وهم وخيبة أمل: كم مرة يا حبيبي ... والليل يغشى البرايا أهيم وحدي وما في الظـ ... ـلام شاك سوايا أصير الدمع لحنًا ... وأجعل الشعر نايا يشدو ويشدو حزينًا ... مرددًا شكوايا مستعطفًا من طوينا ... على هواه الطوايا حتى يلوح خيال ... عرفته في صبايا يدنو إلي وتدنو ... من ثغره شفتايا إذا بحلمي تلاشى ... واستيقظت عينابا ورحت أصغي وأصغي ... لم ألفِ إلا صدايا٣

стр. 313

ويقول صالح جودت معبرًا لصاحبته عن الظمأ الذي يعانيه، واللهفة إلى الري الذي يطمع فيه: أجل ظمآن يا ليلى ... وماء الحب في نهرك خذيني في ذراعيك ... وضميني إلى صدرك دعيني أشرب النور الذي ... ينساب في شعرك وروى لهفة الظمآ ... ن بالقبلة من ثغرك هبيني ليلة أثمل ... يا ليلاي من خمرك١ ومع هذا كان شعراء هذا الاتجاه يجلون المرأة ويكبرونها، وكانوا يغفرون زلاتها ويلتمسون الأعذار لآثامها، حتى ولو كانت ممن فرضت عليهن الظروف القاسية أن يحيين حياة الليل، أو يخضن خوضًا في الوحل. فهذا علي محمود طه يقول عن مغنية دخل مخدعها ذات مساء: فمضت في عتابها: كيف لم ند ... ر بما برحت بك الأتراح إن أسأنا إليه فاليوم نجزيك ... بما ذقته رضى وسماح ولك الليلة التي جمعتنا ... فاغتنمها حتى يلوح الصباح قلت: حسبي من الربيع شذاه ... ولعيني زهره اللماح نحن طير الخيال والحسن روض ... كلنا فيه بلبل صداح بليت في هواه منا قلوب ... وأصابت خلودها الأرواح٢ وهذا إبراهيم ناجي يقول لراقصة رآها في مرقص ذات ليلة، ثم جمعهما لقاء في الليلة التالية: لا تكتمي في الصدر أسرارا ... وتحدثي كيف الأسى شاء أنا لا أرى إثمًا ولا عارا ... لكن أرى امرأة وبأساء

стр. 314

أفديك باكية وجازعة ... قد لفها في ثوبه الغسق ودعتها شمسًا مودعة ... ذهبت وعندي الجرح والشفق تمضي وتجهل كيف أكبرها ... إذ تختفي في حالك الظلم روحًا إذا أثمت يطهرها ... ناران؛ نار الصبر والألم١ بل هذا صالح جودت يصف تجربة له مع بغي، هزته مأساتها فأنسته كل ما لجسدها من مفاتن، وكل ما يمكن أن يثير من رغبات، وراح يدافع عنها وينتصف لها، ويحمل المجتمع الظالم كل ما يتناثر حولها من آثام: وقفت بالباب في ثوب رقيق ... تفتح الباب لقطاع الطريق ثم قالت: مرحبًا يا مرحبًا ... بأخي اللذات أهلا بالعشيق قلت: لا أبغي متاعًا ليس لي ... جنبيه، ما أنا إلا صديق خبريني يا ابنتي أنت التي ... لقيت في خدرها ألفي عشيق هل وجدت الرفق فيهم ساعة ... هل وجدت الطاهر القلب الرفيق يا إلهي، كيف أعددت لها ... بعد دنياها عذابًا؟ هل تطيق؟! أشقى الدهر يشقى بعده ... وهو بالرحمة في الأخرى خليق!! ٢ وأخيرًا هذا محمود حسن إسماعيل٣ يقول على لسان واحدة من بائعات

стр. 315

الهوى، محملًا إثمها للدنيا القاسية الظالمة، وللبشر الآثمين المخادعين: واهًا على دنياي ما صنعت ... بالحسن في كنف الصبا الفاني فتكت بعصمته ولو عدلت ... فتكت بقلب الآثم الجاني سرق الأثيم قداستي ومضى ... ومضيت أندب حظي الكابي حيرى أروم القبر لي عوضًا ... عن خسة الدنيا وأوصابي ويقال في حكم الورى سقطت ... ونعم، ولكن من خداعكم لولا أذى الإنسان ما حملت ... إثم الهوى عذراء بيتكم١ ومن أهم الموضوعات التي عني بها شعراء هذا الاتجاه أيضًا، موضوع الطبيعة، فكلهم قد أحب الطبيعة وعشقها، بل منهم من حاول أن يمتزج بها، ويذوب فيها، وقد كانت الطبيعة عندهم كذلك مهربًا يلوذون بصفائه من كدر الحياة، ويغسلون في طهره ما يصيبهم من رجس العيش، ويجدون في رحابته متنفسًا لما يعانون من ضيق وتأزم، كل هذا بما يخلعونه عليها من خيال مجنح، هو الذي يجعل لحديثهم عن الطبيعة قيمة ابتداعية٢، يقول أبو شادي عن الطبيعة: يا طريق الحزين عرج على الغر ... س وسر بينه بروحي وحسي يا صميم الحقول س ربي وخذني ... من وجود وهبته كل يأس في جوار المياه تجري فتروي ... قبل ري الغراس قلبي ونفسي في جوار النبات يخفق من خفقي، ... ويفضي بهمسه مثل همسي يا طريق الحزين ما عالم النا ... س لمثلي، فليس مثلي بإنسي أنا بعض من الوجود الذي يأ ... بى وجودًا على فساد ورجس٣

стр. 316

ويقول ناجي مخاطبًا البحر من قصيدة له بعنوان: "خواطر الغروب": قلت للبحر إذا وقفت مساء ... كم أطلت الوقوف والإصغاء وجعلت النسيم زادًا لروحي ... وشربت الظلال والأضواء أنت عات ونحن حرب الليالي ... مزقنا وصيرتنا هباء وعجيب إليك يممت وجهي ... إذا مللت الحياة والأحياء أبتغي عندك التأسي ما تملك ... ردًّا وما تجيب نداء١ ويقول محمود حسن إسماعيل قصيدته "الناي الأخضر راسمًا صورة حية من المرح والنشوة، التي تملأ وجدانه ببعض مظاهر الطبيعة البسيطة، وكأنه يستعيض بها عما حرم من مرح، ونشوة في دنيا الناس: زمارتي في الحقول قد صدحت ... فكدت من فرحي أطير بها الجدي في مرتعي يراقصها ... والنحل في ربوتي يجاوبها والضوء من نشوة بنغمتها ... قد مال في ردأة يلاعبها رنا لها من جفون سوسنة ... فكاد من سكرة يخاطبها نفخت في نايها فطربني ... وراح في عزلتي يداعبها سكران من بهجة الربيع بلا ... خمر به رقرقت سواكبها٢ ويقول الصيرفي مناجيًا "شجرة عارية"، يمتزج بها، ويبثها أحزانه، ويقارن بين حظها وحظه: أنا أنت لكن خبريني ... أترى أعود إلى ربيعي ترويك أمطار الشتا ... ء إذا ارتويت من الدموع أنا أنت منفرد يحيط ... بي السكان بلا سمير لكن تحيط بك الطيور ... ر كعهدك الماضي الزهير

стр. 317

وتحط فوقك تطلب الذكرى ... وتهجرني طيوري ولسوف يرتد الربيع ... فخبريني عن ربيع١ ويقول الصيرفي أيضًا عن "جدول"، واصفًا هدوءه ثم ثورته، مشيرًا بذلك إلى حالته النفسية، حتى كأنه هو الجدول نفسه، وليس ذلك إلا لإحساسه بالاتحاد به، والفناء فيه: يسير وفي ضفتيه الجمال ... كلحن على شفتي غانيه منابعه من جنان الحياة ... على تلعات الهوى الساميه تفانيت فيه كأغنية ... مضى في الأثير صداها الجميل وذبت على ضفتيه كما ... تذوب الرغائب في المستحيل وفي ليلة كاكتئاب الخريف ... جرى جدولي كالدم النازف تهب الأعاصير في وحشة ... على صدره الخافق الواجف هدوؤك يا جدولي أين ولي ... وهمسك يا جدولي أين راح أعد للضفاف ترانيمها ... ورجع لها أغنيات المراح٢ ومن أبرز الموضوعات والتجارب الشعرية التي عالجها شعراء هذا الاتجاه: الحنين إلى مواطن الذكريات، والهروب إليها في لهفة حزينة وتعطش مُر، وذلك فرارًا من الحاضر المؤلم والواقع النفر.. ومواطن الذكريات عندهم كثيرًا ما تكون مرابع للطبيعة، أو مدارج للحب، أو مسارح قد لعب الحب عليها أدواره بين أحضان الطبيعة. يقول الهمشري في "النارنجة الذابلة"، جامعًا حولها أعذب ذكريات صباه، وأجمل أيام حداثته، بكل ما فيها من نقاء وطهر وصفاء.

стр. 318

كانت لنا عند السياج شجيرة ... ألف الغناء بظلها الزرزور طفق الربيع يزورها مستخفيًا ... ويفيض منها في الحديقة نور حتى إذا حل الصباح تنفست ... فيها الزهور وزقزق العصفور وسرى إلى أرض الحديقة كلها ... نبأ الربيع وركبه المسحور كانت لنا يا ليتها دامت لنا ... أو دام يهتف فوقها الزرزور قد كنت أجلس صوبها في شرفتي ... أو كنت أجلس تحتها في ظلتي أو كنت أرقب في الضحى زرزورها ... متهللًا يغشى نوافذ غرفتي طورًا ينقر في الزجاج وتارة ... يسمو يزرزر في وكار سقيفتي فإذا رآني طار في أغنية ... بيضاء واستوفى غصون شجيرتي كانت لنا يا ليتها دامت لنا ... أو دام يهتف فوقها الزرزور١ وكثيرًا ما يكون هذا الهروب إلى مواطن الذكريات يصاب بخيبة الأمل، ويصطدم بالواقع المرير الذي يضاعف الحرة، ويزيد مما يحس به الشاعر من مرارة، يقول ناجي في دار أحبابه، مجسمًا فجيعته حين عاد إليها، وهي مهد أعذب ذكرياته، فوجدها قد تغيرت وحال فيها كل شيء: هذه الكعبة كنا طائفيها ... والمصلين صباحًا ومساء كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها ... كيف بالله رجعنا غرباء دار أحلامي وحبي لقيتنا ... في جمود مثلما تلقى الجديد أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا ... يضحك النور إلينا من بعيد رفرف القلب بجنبي كالذبيح ... وأنا أهتف يا قلبي اتئد فيجيب الدمع والماضي الجريح ... لم عندنا؟ ليت أنا لم نعد

стр. 319

أين ناديك وأين السمر ... أين أهلوك بساطًا وندامى كما أرسلت عيني تنظر ... وثب الدمع إلى عيني، وغاما١ ويقول الهمشري في قريته، وكان قد أمل أن يكون في العودة إليها مهربًا لروحه المعذب، وملاذًا لقلبه الجريح، ولكنه اكتشف أنه انتقل إليها بأعباء نفسه، وعذاب روحه وجراحات قلبه، وبكل ما حملته الدنيا من أوجاع؛ فانعكس كل هذا على جمال القرية فجعلها شائهة، واختلط بصفو الطبيعة فيها فكدرها، وكنت خيبة الأمل، واصطدام الذكريات الحلوة بالواقع المرير: رجعت إليك اليوم من بعد غربتي ... وفي النفس آلام تفيض ثوائر أتيت لألقى في ظلالك راحة ... فيهدأ قلبي وهو لهفان حائر ولكن بلا جدوى أتيت فلم أجد ... سوى قفرة أشباحها تتكاثر وقد نسجت أيدي الشتاء سياجها ... عليها، وأسوار الظلام تحاصر٢ ومن أبرز الموضوعات والتجارب الشعرية التي اهتم بها شعراء هذا الاتجاه أيضًا، موضوع الشكوى، فهم كثيرًا ما يفضون بأحزانهم ويصورون آلامهم، التي تكون أحيانًا واضحة الاسباب مبررة، وأحيانًا أخرى غامضة غائمة مجهولة المصدر، حتى لنرى الواحد منهم، وكأنه يحزن لمجرد الحزن ويشكو لمجرد الشكوى، أو كأنه يجد في الحزن متعه، أو في الألم لذة، كما يجد في الشكاية تعبيرًا عن متعة الحزن ولذة الألم، ولعل ذلك لاعتقادهم -ككل الرومانتيكيين- أن الألم يطهر النفس والحزن يسمو بالروح، أو لاعتقادهم أن الألم من سمات الحساسين والحزن من صفات الواعين الشاعرين٣ ... يقول

стр. 320

علي محمود طه متحدثًا عن شقائه وأرقه وفزعه وحيرته، ومرجعًا كل مآسيه إلى أن الأرض مهد الشر منذ الأزل: شقي أجنته الدياجي السوادف ... سليب رقاد أرقته المخاوف ترامى به ليل كأن سواده ... به الأرض غرقى والنجوم كواسف هي الأرض مهد الشر من قبل خلقنا ... ومن قبل أن دبت عليها الزواحف غذتها الضحايا بالجسوم فأخصبت ... وأترعها سيل من الدم جارف ولي قصة يشُجي القلوب حديثها ... ويعجز عن تصويرها اليوم واصف ألا إنّ لي قلبًا طعينًا تحوطه ... عصائب تنزو من دمي ولفائف١ ويقول الهمشري، متحدثًا عن وحدته وعذابه، وضياع أمله ومرارة يأسه، ويتعلل أخيرًا بخلود الشعر ومجد الفن: جلست على الصخر الوحيد وحيدا ... وأرسلت طرفي في الفضا شريدا وكفكفت دمعًا لا يكفكف غربه ... وواسيت قلبًا في الضلوع عميدا أرى صفحة الآمال قد ضاق أفقها ... ولاح على اليأس البعيد مديدا لقد عشت في دنيا الخيال معذبا ... فيا ليت شعري هل أموت سعيدا لقد كنت في الدنيا جمالا يزينها ... بما شاده شعري على هذه الدنيا خلقت لروحي سحرها لا لغيرها ... ومن أجلها أقضي ومن أجلها أحيا إذا ذبل النارنج عاش عبيره ... وكان له في الوهم من نفحه محيا ويخلد بعد البدر في الفكر رونق ... يغذي خيال الشعر والحب والوحيا٢ ويقول ناجي شاكيًا ما يعاني في وحدته من هواتف الذكريات الحزينة، وأشباح الأماني الخائبة: يا وحدتي جئت كي أنسى وهأنذا ... ما زلت أسمع أصداء وأصواتا مهما تصاممت عنها فهي هاتفة ... يا أيها الهارب المسكين هيهاتا
следующие страницы →