ويقول ناجي مخاطبًا البحر من قصيدة له بعنوان: "خواطر الغروب":
قلت للبحر إذا وقفت مساء ... كم أطلت الوقوف والإصغاء
وجعلت النسيم زادًا لروحي ... وشربت الظلال والأضواء
أنت عات ونحن حرب الليالي ... مزقنا وصيرتنا هباء
وعجيب إليك يممت وجهي ... إذا مللت الحياة والأحياء
أبتغي عندك التأسي ما تملك ... ردًّا وما تجيب نداء١
ويقول محمود حسن إسماعيل قصيدته "الناي الأخضر راسمًا صورة حية من المرح والنشوة، التي تملأ وجدانه ببعض مظاهر الطبيعة البسيطة، وكأنه يستعيض بها عما حرم من مرح، ونشوة في دنيا الناس:
زمارتي في الحقول قد صدحت ... فكدت من فرحي أطير بها
الجدي في مرتعي يراقصها ... والنحل في ربوتي يجاوبها
والضوء من نشوة بنغمتها ... قد مال في ردأة يلاعبها
رنا لها من جفون سوسنة ... فكاد من سكرة يخاطبها
نفخت في نايها فطربني ... وراح في عزلتي يداعبها
سكران من بهجة الربيع بلا ... خمر به رقرقت سواكبها٢
ويقول الصيرفي مناجيًا "شجرة عارية"، يمتزج بها، ويبثها أحزانه، ويقارن بين حظها وحظه:
أنا أنت لكن خبريني ... أترى أعود إلى ربيعي
ترويك أمطار الشتا ... ء إذا ارتويت من الدموع
أنا أنت منفرد يحيط ... بي السكان بلا سمير
لكن تحيط بك الطيور ... ر كعهدك الماضي الزهير
стр. 317
وتحط فوقك تطلب الذكرى ... وتهجرني طيوري
ولسوف يرتد الربيع ... فخبريني عن ربيع١
ويقول الصيرفي أيضًا عن "جدول"، واصفًا هدوءه ثم ثورته، مشيرًا بذلك إلى حالته النفسية، حتى كأنه هو الجدول نفسه، وليس ذلك إلا لإحساسه بالاتحاد به، والفناء فيه:
يسير وفي ضفتيه الجمال ... كلحن على شفتي غانيه
منابعه من جنان الحياة ... على تلعات الهوى الساميه
تفانيت فيه كأغنية ... مضى في الأثير صداها الجميل
وذبت على ضفتيه كما ... تذوب الرغائب في المستحيل
وفي ليلة كاكتئاب الخريف ... جرى جدولي كالدم النازف
تهب الأعاصير في وحشة ... على صدره الخافق الواجف
هدوؤك يا جدولي أين ولي ... وهمسك يا جدولي أين راح
أعد للضفاف ترانيمها ... ورجع لها أغنيات المراح٢
ومن أبرز الموضوعات والتجارب الشعرية التي عالجها شعراء هذا الاتجاه: الحنين إلى مواطن الذكريات، والهروب إليها في لهفة حزينة وتعطش مُر، وذلك فرارًا من الحاضر المؤلم والواقع النفر.. ومواطن الذكريات عندهم كثيرًا ما تكون مرابع للطبيعة، أو مدارج للحب، أو مسارح قد لعب الحب عليها أدواره بين أحضان الطبيعة.
يقول الهمشري في "النارنجة الذابلة"، جامعًا حولها أعذب ذكريات صباه، وأجمل أيام حداثته، بكل ما فيها من نقاء وطهر وصفاء.
стр. 318
كانت لنا عند السياج شجيرة ... ألف الغناء بظلها الزرزور
طفق الربيع يزورها مستخفيًا ... ويفيض منها في الحديقة نور
حتى إذا حل الصباح تنفست ... فيها الزهور وزقزق العصفور
وسرى إلى أرض الحديقة كلها ... نبأ الربيع وركبه المسحور
كانت لنا يا ليتها دامت لنا ... أو دام يهتف فوقها الزرزور
قد كنت أجلس صوبها في شرفتي ... أو كنت أجلس تحتها في ظلتي
أو كنت أرقب في الضحى زرزورها ... متهللًا يغشى نوافذ غرفتي
طورًا ينقر في الزجاج وتارة ... يسمو يزرزر في وكار سقيفتي
فإذا رآني طار في أغنية ... بيضاء واستوفى غصون شجيرتي
كانت لنا يا ليتها دامت لنا ... أو دام يهتف فوقها الزرزور١
وكثيرًا ما يكون هذا الهروب إلى مواطن الذكريات يصاب بخيبة الأمل، ويصطدم بالواقع المرير الذي يضاعف الحرة، ويزيد مما يحس به الشاعر من مرارة، يقول ناجي في دار أحبابه، مجسمًا فجيعته حين عاد إليها، وهي مهد أعذب ذكرياته، فوجدها قد تغيرت وحال فيها كل شيء:
هذه الكعبة كنا طائفيها ... والمصلين صباحًا ومساء
كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها ... كيف بالله رجعنا غرباء
دار أحلامي وحبي لقيتنا ... في جمود مثلما تلقى الجديد
أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا ... يضحك النور إلينا من بعيد
رفرف القلب بجنبي كالذبيح ... وأنا أهتف يا قلبي اتئد
فيجيب الدمع والماضي الجريح ... لم عندنا؟ ليت أنا لم نعد
стр. 319
أين ناديك وأين السمر ... أين أهلوك بساطًا وندامى
كما أرسلت عيني تنظر ... وثب الدمع إلى عيني، وغاما١
ويقول الهمشري في قريته، وكان قد أمل أن يكون في العودة إليها مهربًا لروحه المعذب، وملاذًا لقلبه الجريح، ولكنه اكتشف أنه انتقل إليها بأعباء نفسه، وعذاب روحه وجراحات قلبه، وبكل ما حملته الدنيا من أوجاع؛ فانعكس كل هذا على جمال القرية فجعلها شائهة، واختلط بصفو الطبيعة فيها فكدرها، وكنت خيبة الأمل، واصطدام الذكريات الحلوة بالواقع المرير:
رجعت إليك اليوم من بعد غربتي ... وفي النفس آلام تفيض ثوائر
أتيت لألقى في ظلالك راحة ... فيهدأ قلبي وهو لهفان حائر
ولكن بلا جدوى أتيت فلم أجد ... سوى قفرة أشباحها تتكاثر
وقد نسجت أيدي الشتاء سياجها ... عليها، وأسوار الظلام تحاصر٢
ومن أبرز الموضوعات والتجارب الشعرية التي اهتم بها شعراء هذا الاتجاه أيضًا، موضوع الشكوى، فهم كثيرًا ما يفضون بأحزانهم ويصورون آلامهم، التي تكون أحيانًا واضحة الاسباب مبررة، وأحيانًا أخرى غامضة غائمة مجهولة المصدر، حتى لنرى الواحد منهم، وكأنه يحزن لمجرد الحزن ويشكو لمجرد الشكوى، أو كأنه يجد في الحزن متعه، أو في الألم لذة، كما يجد في الشكاية تعبيرًا عن متعة الحزن ولذة الألم، ولعل ذلك لاعتقادهم -ككل الرومانتيكيين- أن الألم يطهر النفس والحزن يسمو بالروح، أو لاعتقادهم أن الألم من سمات الحساسين والحزن من صفات الواعين الشاعرين٣ ... يقول
стр. 320
علي محمود طه متحدثًا عن شقائه وأرقه وفزعه وحيرته، ومرجعًا كل مآسيه إلى أن الأرض مهد الشر منذ الأزل:
شقي أجنته الدياجي السوادف ... سليب رقاد أرقته المخاوف
ترامى به ليل كأن سواده ... به الأرض غرقى والنجوم كواسف
هي الأرض مهد الشر من قبل خلقنا ... ومن قبل أن دبت عليها الزواحف
غذتها الضحايا بالجسوم فأخصبت ... وأترعها سيل من الدم جارف
ولي قصة يشُجي القلوب حديثها ... ويعجز عن تصويرها اليوم واصف
ألا إنّ لي قلبًا طعينًا تحوطه ... عصائب تنزو من دمي ولفائف١
ويقول الهمشري، متحدثًا عن وحدته وعذابه، وضياع أمله ومرارة يأسه، ويتعلل أخيرًا بخلود الشعر ومجد الفن:
جلست على الصخر الوحيد وحيدا ... وأرسلت طرفي في الفضا شريدا
وكفكفت دمعًا لا يكفكف غربه ... وواسيت قلبًا في الضلوع عميدا
أرى صفحة الآمال قد ضاق أفقها ... ولاح على اليأس البعيد مديدا
لقد عشت في دنيا الخيال معذبا ... فيا ليت شعري هل أموت سعيدا
لقد كنت في الدنيا جمالا يزينها ... بما شاده شعري على هذه الدنيا
خلقت لروحي سحرها لا لغيرها ... ومن أجلها أقضي ومن أجلها أحيا
إذا ذبل النارنج عاش عبيره ... وكان له في الوهم من نفحه محيا
ويخلد بعد البدر في الفكر رونق ... يغذي خيال الشعر والحب والوحيا٢
ويقول ناجي شاكيًا ما يعاني في وحدته من هواتف الذكريات الحزينة، وأشباح الأماني الخائبة:
يا وحدتي جئت كي أنسى وهأنذا ... ما زلت أسمع أصداء وأصواتا
مهما تصاممت عنها فهي هاتفة ... يا أيها الهارب المسكين هيهاتا
стр. 321
جرت على الأماني من مجاهلها ... وجمعت ذكر قد كن أشتاتا
ما أسخف الوحدة الكبرى وأضيعها ... إذا الهواتف قد أرجعن ما فاتا
بعثن ما كان مطويًّا بمرقده ... ولم يزلن إلى أن هب ما ماتا
تلفت القلب مطعونا بوحدته ... وأين وحدته باتت كما باتا
حتى إذا لم يجد ريًا ولا شبعا ... أفضى إلى الأمل المطعون فاقتاتا١
وكان بعض شعراء هذا الاتجاه تصل به الشكوى أحيانًا إلى حد رفض الحياة وتمنى الموت، ومن ذلك قول محمود حسن إسماعيل بعد أن أطال الشكوى في قصيدته "مقبرة الحي":
يا شاكي الهم لأيامه ... لقد شكوت البغي للباغيه
أقصر عن الشكوى إليها فما ... ديناك إلا حية غاويه
إهابها يغري وفي نابها ... لمن تمس الوخزة القاضيه
دهر له في بطشه لذة ... كالوحش يفري مهجة الثاغيه
غبن من الأيام لا رحمة ... تحيي ولا صبر على العاديه
ولا فناء عاجل أشتهي ... في ورده الراحة مما بيه٢
ومن الموضوعات التي اهتم بها بعض شعراء هذا الاتجاه -بعد الحب والطبيعة والحنين والشكوى- موضوع تصوير البؤس، وإبراز بعض الجوانب المظلمة في المجتمع، فقد عني بعض الشعراء بتصوير تعاسة الريف وشقاء الفلاح، كما عنوا بإبراز مأساة بعض ضحايا المجتمع كالمشرد والبغي، وكان أكثر الاهتمام في هذال الشعر الاجتماعي موجهًا إلى الريف، وما يعاني من تخلف وفقر، وإلى الفلاح وما يقاسي من ظلم وقهر حتى لقد كتب أبو شادي عديدًا من القصائد في الريف والفلاح٣، بل كتب محمود حسن إسماعيل
стр. 322
ديوانًا كاملا سماه "أغاني الكوخ١، وجعل محوره القرية وساكنها، وقصد -فيما قصد- تعميق الإحساس بالريف ومأساته، وبالفلاح والظلم الاجتماعي الواقع عليه.. يقول أبو شادي عن الفلاح الذي سماه "أميرنا الصعلوك"، محملًا المجتمع إثم تخلفه، بل مجاهرًا بأن المجتمع سيظل مجرمًا حتى ينصف الفلاح المظلوم:
هو ذلك الفلاح يا قومي الذي ... يحيا حياة سوائم ورغام
وهو الذي لولاه ما ارتفعت لنا ... رأس ولا كنا من الأقوام
إنا جميعًا مجرمون إزاءه ... حتى يخلص من هوى الإجرام
حتى ينال حقوقه في عيشة ... خلصت من الأدران والأسقام٢
ويقول محمود حسن إسماعيل، جاعلًا من بكاء الساقية رمزًا لبكاء نفسه، ومن الثور المغمض العين، الذي يدور والنير على كتفيه والسوط يلهب ظهره، رمزًا لهذا الفلاح الكادح المعذب، الذي أغمض الجهل عيونه، وأثقل الذل كاهله، والهب العذاب ظهره، تمامًا كهذا الثور الذي تنوح عليه الساقية، أو تنوح عليه نفس الشاعر:
لها عيون دائمات البكا ... بمدمع كالسيل في رفده
دؤوبة الشكوى على راسف ... في الذل مفجوع على جده
دارت به البلوى فما راعه ... إلا عماء غال من رشده
أعمى رماه البين في دارة ... لم يدر نحس الخطو من سعده
شدت حبال الذل في رأسه ... وفت صرف الرق في كبده
منادح الضجة في أذنه ... وملعب السوط على جلده
والسائق الإبله لا ينثني ... عن ضربه العاني وعن كيده
يتلو على آذانه سورة ... من قسوة السيد على عبده٣
وبالإضافة إلى هذا الموضوع من موضوعات الشعر لم يكن شائعًا
стр. 323
بين كل شعراء هذا الاتجاه، قد كان كذلك يعالج في جو "رومانسي" غالبًا، وبطريقة رمزية أحيانًا، وكان الجو الرومانسي يختلط بحب الشاعر للطبيعة وإيثاره لحياة الريف، ويوشك أن يشيع الرضا عن تلك الحياة، ولا يدعو إلى الثورة عليها بالقدر الواجب، كما كانت الملامح الرمزية تحجب المضمون، وتبتعد بالهدف، وتكاد تفقد الشعر جانبه الاجتماعي الرائع، وكل ذلك كان نتيجة لغلبة الطابع "الرومانسي" على شعراء هذا الاتجاه، وميلهم إلى استخدام بعض الوسائل الرمزية كما سنرى، ثم كانت نتيجة أيضًا لعدم اكتمال الوعي بوظيفة الشعر والأدب عمومًا، وكونه يجب أن يكون هادفًا -قبل كل شيء- إلى تطوير الحياة والارتفاع بها إلى مستوى أفضل.
ومن الموضوعات التي التفت إليها بعض شعراء هذا الاتجاه -بعد كل ما مضى- موضوع التأمل، وهذا التأمل كان يتجه إلى حقائق الكون بلمحة الصوفي حينًا، كما كان يرمقها بعين المتفلسف حينًا آخر، ولكن كل التأملات كان يغلب عليها، الجيشان العاطفي -المتسق مع طبيعة هذا الاتجاه- لا الطابع الذهني الذي كان يطغى على شعر أمثال شكري والعقاد والمازني، ممن سمي اتجاههم -لذلك- "بالاتجاه التجديدي الذهني".
ومن الحقائق التي كان يتأملها بعض شعراء هذا الاتجاه "الابتداعي العاطفي" بجيشان عاطفة: حقائق الله والناس، والخير والشر، والخلود والفناء، والحياة والموت وما إلى ذلك، ومن نماذج هذا الشعر التأملي، قول الصيرفي من قصيدة بعنوان "الحيارى" مناجيًا الله ، ومعبرًا عن حيرة الإنسان إزاء سره:
قد سبحنا بالفكر عندك يا رب ... فتاهت أرواحنا في سمائك
وشدونا ما قد شدونا ولكن ... ضاع هذا جميعه في فضائك
وعرفنا من الخيال معانيه ... وغابت عنا معاني جلائك
وسمعناك في الضمائر توحي ... ما يهز القلوب من إيحائك
فجهلناه واستمعنا إلى ما ... يملأ الجو من صفير هوائك
стр. 324
ورأيناك في الظلام مضيئًا ... فمشينا به حيارى ضيائك
ورأيناك في الجمال ولكن ... لم تقدر لنا حياة الملائك
أنت قدرت أن نعيش حيارى ... والحيارى هنا ضحايا قضائك١
ومن نماذج هذ الشعر التأملي أيضًا قول إبراهيم ناجي من قصيدة بعنوان "الحياة"، مبينًا كيف يضل الإنسان إذا تأملها، حتى ليستوي جهله وعلمه؛ لأن حقيقته أنه صغير مغرور:
جلست يومًا حين حل المساء ... وقد مضى يومي بلا مؤنس
أريح أقداما وهت من عياء ... وأرقب العالم من مجلسي
أرقبه يا كد هذا الرقيب ... في طيب الكون وفي باطله
وما يبالي ذا الخضم العجيب ... بناظر يرقب في ساحله
سيَّان ما أجهل أو أعلم ... من غامض الليل ولغز النهار
سيستمر المسرح الأعظم ... روايةً ظالت وأين الستار
عييت بالدنيا وأسرارها ... وما احتيالي في صموت الرمال
أنشد في رائع أنوارها ... رشدًا فما أغنم إلا الضلال
يا رب غفرانك إنا صغار ... ندب في الأرض دبيب الغرور
نسحب في الدنيا ذيول الصغار ... والشيب تأديب لنا والقبور٢
ومن نماذج هذا الشعر التأملي كذلك، قول صالح جودت من قصيدة بعنوان "أكذوبة الموت"، يتحدث فيها عن خلود الروح، ويصل من ذلك إلى استمرار حياة الإنسان برغم انتقاله ممن هذه الدنيا:
стр. 325
قد حرت في الموت وفي أمره ... وما زواه الله من سره
وكلما سألت عنه امرأ ... أجابني: والله لم أدره
والروح إما حل في غيره ... أو آثر الإخلاد في بئره
فلم يقول الناس مات امرؤ ... إن هاجر الدنيا إلى قبره
أليس في القرر حياة امرئ ... تطول بالمرء إلى حشره
فكيف قالوا: إنه ميت ... من يوم أن غيب عن دهره
وليس بعد رحلته سوى ... جديد عيش دب في إثره١
وأخيرًا من هذا الشعر التأملي، هذه القصيدة الجريئة التي تعالج تجربة الشك، وتجعل الموت هو العصا التي ترفع في وجه العباد، فتحملهم على الإيمان، وفيها يحكي صالح جودت قصة راهب تمرد على حياة العبادة، بل كفر بالله والآخرة وراح يغري الكاهن برأيه، حتى خدعه واستماله، وقبيل أن يتركا الدير إلى الدنيا ومتعها، هبط ملك الموت ليقبض روح الراهب، فلم يكن منه إلا الإسراع إلى التوبة، والاعتراف بالله واليوم الآخر.. يقول صالح جودت من تلك القصيدة على لسان الراهب:
خلني يا كاهن الدير إلى ... نضرة الأيام أجتاز القفار
أنت أفنيت شبابي راحلا ... لم أميز فيه ليلا من نهار
أجلال في صلاتي نحه ... أو وقار؟ ما لمثلى والوقار
أإلى النار إذا عفت التقى ... إنها أهون من طول اصطبار
ثم يمضي الشاعر متحدثًا على لسان الراهب باسطًا أسباب شكه، ومصرحًا بجوانب تمرده، إلى أن يقول على لسانه، حين هبط عليه ملك الموت فتاب وأناب:
يا ملاك الموت ... آمنت بسلطان الإله
أيها الكاهن قدني ... لمحاريب الصلاه
стр. 326
فإله الكون يدعوني إلى غير الحياه
خلني أفني الهنيات البقايا في هواه
يا ملاك الموت إن قابلت رب العالمين
قل له قد جاءك الراهب مصدوع اليمين
لابسًا في موقف الذل مسوح النادمين
فلقد علمته بالموت ما معنى اليقين١
ومثل هذا اللون من الشعر التأملي المثير للشكوك، والمسبب للانفعالات غير الحميدة، مؤاخذ من معظم النقاد، وإن كان بعضهم يرى أن من حق الأديب أن يعبر عن أي انفعال، ويقول هذا البعض: إن على الباحثين عن الانفعالات المسعدة أن يتلمسوها في الأخلاقيات والدينيات٢.
هذا، وقد كان شعراء هذا الاتجاه يبتعدون -في فترة ظهوره- عن الشعر السياسي، وعن شعر المناسبات بصفة عامة، وذلك باستثناء أحمد زكي أبي شادي، الذي كان يهتم بالموضوعات السياسية والوطنية والقومية منذ وقت مبكر، حتى لقد أظهر ديوانًا كاملًا باسم "مصريات"، وحتى حشد في ديوانه الشفق الباكي قصائد عن: "اضطهاد الرأي العام" و"مصر للحضارة" و"عصبة النيل" و"المؤتمر الوطني"، و"الطيار المصري" و"بيت الأمة" و"الزعيم" وعن "الكرامة القومية" و"دار بن لقمان" و"كارثة دمشق"، وعن الأمير عبد الكريم الخطابي الذي سماه "الأسير".
لكن بعد سنوات من ظهور هذا الاتجاه، أخذ شعراؤه يدنون قليلًا من الموضوعات السياسية والوطنية والقومية، بل أخذوا يخوضون بشعرهم بعض المناسبات التي كانت من أهم مجالات الشعراء المحافظين.
فنجد لإبراهيم ناجي بعض القصائد الوطنية في "مصر" و"يوم الشباب"
стр. 327
و"الشهيد الجراحي" الذي سقط برصاص الإنجليز سنة ١٩٣٥، كما نجد له قصائد في مدح أنطون الجميل، ودسوقي أباظة، وعزيز أباظة وعبد الحميد عبد الحق، وإبراهيم عبد الهادي، والدكتور علي إبراهيم، والدكتور زكي مبارك، والفنان سامي الشوا١، وأخيرًا نجد له قصائد في المناسبات التي كانت تتلمسها "جماعة أدباء العروبة"، وبعض هذه القصائد يصل إلى حد الفكاهة والحديث عن بعض الأمور التافهة٢.
ونجد لعلي محمود طه بعض القصائد الوطنية والقومية، كقصائد: "على النيل"، و"مصر" و"عودة المحارب"، وكقصائد "يوم فلسطين" و"شهيد ميسلون" و"بطل الريف" و"الأمير المجاهد٣، كما نجد له قصائد في بعض المناسبات العربية والمحلية، كقصيدته في تحية زعماء العروبة بمناسبة اجتماعهم في القاهرة سنة ١٩٤٤؛ لتكوين الجامعة العربية، وكقصيدته في رثاء جبرائيل تقلا صاحب الأهرام٤.
стр. 328
ونجد كذلك لمحمود حسن إسماعيل قصائد عديدة في مناسبات وطنية، وقومية مختلفة، كما نراه يمدح ويرثي، حتى ليمثل المدح والرثاء قسمًا بارزًا من بعض دواوينه١.
وبرغم كل ذلك، قد ظل شعراء هذا الاتجاه أقل من غيرهم من الشعراء اهتمامًا بالشعر الوطني والقومي، وبشعر المناسبات على وجه العموم، وبقيت الموضوعات الغالبة على شعرهم هي تلك الموضوعات المتصلة بالحب والطبيعة والحنين والشكوى والتأمل، وما إلى ذلك مما سلف عنه الحديث، وقد كانوا يتفاوتون -بطبيعة الحال- في التعلق ببعض هذه الموضوعات أكثر من بعضها الآخر؛ فناجيى يكثر من شعر الحب المعذب المحروم، وعلي طه يكثر من شعر الحب المانح المعطاء، والهمشري يكثر من شعر الطبيعة والحنين، والصيرفي يكثر من شعر الشكوى والتأمل، ومحمود حسن إسماعيل يكثر من شعر الطبيعة والريف، وهكذا.
ب- خصائصه من حيث الأسلوب وطريقة الأداء:
وأما خصائص هذا الاتجاه من حيث الأسلوب وطريقة الأداء، فأساسها الطلاقة البيانية، والحرية التعبيرية٢، بحيث تستعمل اللغة استعمالاً جديدًا أو شبه جديد، وفي استخدام الألفاظ ودلالتها، ووضع الصفات من موصوفاتها، ثم في التوسع الكبير في المجازات، والابتكار المبدع في الصور، وأخيرًا في تفضيل معجم شعري خاص، مؤثر من الكلمات ما كان ذا موسيقى معينة، ومن التعابير ما كان ذا إيحاءات خاصة.
وهذه الجوانب المتصلة بالأسلوب وطريقة الأداء، هي أهم ما يتضح فيه عنصر الابتداع، الذي هو أحد ركني هذا الاتجاه.
стр. 329
أما تلك الخصائص القائمة على هذا الأساس، فأولاها التوسع في نقل الألفاظ من مجالات استعمالها القريبة المألوفة، إلى مجالات أخرى بعيدة مبتكرة، لا عن طريق المجاز القديم المعتمد على العلاقات التي ذكرها البلاغيون، وإنما عن طريق مجاز جديد معتمد على تراسل الحواس، بحيث يستعمل للشيء المسموع ما أصله للشيء الملموس، أو المرئي أو المشموم، ويستخدم للشيء المشموم ما من شأنه أن يستخدم للشيء المرئي، أو الملموس أوالمسموع، وهكذا. ومن هنا يتحدثون عن نعومة النغم، أو بياض اللحن، أو تعطر الأغنية، كما يتحدثون عن العطر القمري، أو الأريج الناعم، أو العبير المنغوم، ومن ذلك قول الهمشري مخاطبًا "النارنجة الذابلة":
خنقت جفوني ذكرياتٌ حلوة ... من عطرك القمري والنغم الوضي
فانساب منك على كليل مشاعري ... ينبوع لحن في الخيال مفضض
وهفت عليك الروح من وادي الأسى ... لتعب من خمر الأريج الأبيض١
فالشاعر في البيت الأول يستعمل للعطر -وهو مشموم- صفة القمرية المفيدة للإشراق، وشأنها أن تستعمل للمنظور، كما يستعمل للنغم- وهو مسموع- صفة الوضاءة، وشأنها أن تستعمل كذلك للمنظور.
وهو في البيت الثاني يستعمل كلمة ينبوع مع اللحن، وشأنها أن تستعمل مع الماء ونحوه، ثم يجعل هذا اللحن مفضضًا، كما تجعل الأشياء التي تدرك بالعين لا بالأذن.
ثم هو في البيت الثالث يعطي الأريج -وهو من المشمومات- صفة البياض التي من شأنها أن تكون للمرئيات.
ومثل هذا الاستعمال كثير عند شعراء هذا الاتجاه، وبخاصة عند الهمشري الذي كان أكثرهم إيغالا فيه.
ومصدر هذه الخاصة التعبيرية عندهم؛ التأثر بالشعراء الرمزيين، الذين كانت هذه الخاصة من أبرز سمات أسلوبهم، والذين اتصل رواد هذا الاتجاه
стр. 330
بشعرهم، وعرفوا تلك الخاصة عندهم فنقلوها بمهارة إلى اتجاههم، فقد كان إبراهيم ناجي مثلًا على صلة بشعر "بودلير" الشاعر الرمزي الفرنسي، وقد ترجم له "أزهار الشر"، كذلك كان علي محمود طه على صلة بشعر "بودلير" وقد ذكره هو والشاعر الفرنسي الرمزي "فرلين" في كتابه "أرواح شاردة"١.
و"بودلير" هو القائل: "إن العطور والألوان والأصوات تتجاوب٢" أي أن لونًا خاصًّا قد يحدث في النفس أثرًا مشابها للأثر الذي يحدثه صوت معين أو عطر بذاته، وبهذا يكون بين الحواس تجاوب وتراسل، بحيث تتلقى حاسة معطى حاسة أخرى٣، وبناء عليه إذا أحس شاعر أن نغمًا معينًا يحدث في نفسه أثرًا مشابهًا لما تحدثه الوضاءة، فلا بأس عليه إذا قال عن هذا النغم: إنه نغم وضيء. وإذا أحس للحن معين تأثيرًا أشبه بتأثير ملمس الحرير، فلا ضير عليه إذا قال عن هذا اللحن: إنه لحن ناعم. وكل ذلك بناء على وحدة الأثر النفسي للشيء المستعمل له اللفظ منقولًا، والشيء الذي كان يستعمل له في الأصل، وليس بناء على الجامع الكلي الذي يشترك فيه المشبه والمشبه به في البلاغة التقليدية، ولا بناء على أية علاقة أخرى من تلك العلاقات التي يذكرها البلاغيون في باب المجاز٤.
ويفسر الشاعر الهمشري الأساس الفني للتعبير الرمزي في مثل "السكون المشمس"، بقوله: "إننا عندما نجلس في بستان ساكن رأد الضحى، ترسم في عقولنا صور متفاوتة لهذه الساعة التي مرت بنا، فإذا استعرضنا صورة ملازمة
стр. 331
لهذا السكون، وهي الشمس، فلم لا يكون السكون مشمسًا١؟ ". وكأن الهمشري يضع أساسًا ثانيًا لظاهرة تراسل الحواس، إلى جانب الأساس الأول الذي هو وحدة الأثر النفسي، أما هذا الأساس الثاني، فهو الملازمة الخارجية بين الشيء الذي يستعمل له اللفظ بعد نقله، والشيء الذي كان يستعمل له اللفظ قبل النقل.
وقد أثارت هذه الخاصة التعبيرية ثائرة كثير من المحافظين، فأكثروا من اتهام مستخدميها بالهذيان والخلط، والخروج على العرف اللغوي، والحق أن هذا الاستخدام ليس لا ضربًا من المجاز، ولكن مع شيء من التوسع؛ فإذا كان أساس المجاز هو علاقة بين شيئين كالمشابهة في الاستعارة مثلاً، فإن أساس هذا اللون من الاستعمال، هو وحدة الأثر النفسي، أو الملازمة الخارجية بين شيئين. وهذا الاستعمال -كالمجاز التقليدي- سبيل من سبل توسيع اللغة، وإثرائها ومرونتها وحيوية تعبيرها وتجددها، وهو -من الناحية الفنية- وسيلة إلى نقل الحالة النفسية بدقة أكثر ورهافة أشد، حيث يكون اللفظ المنقول أدق تعبيرًا، وأرهف أداء في حالة نفسية معينة، لارتباطه بموقف يتلازم فيه شيئان، أو لوحدة الأثر النفسي بين الشيء المنقول له اللفظ، والشيء المنقول منه٢.
والخاصة الثانية من خصائص هذا الاتجاه في الأسلوب وطريقة الأداء، هي التجسيم، أي تحويل المعنويات من مجالها التجريدي إلى مجال آخر حسي، ثم بث الحاية فيها أحيانًا، وجعلها كائنات حية تنبض وتتحرك، برغم ما في عملية التجسيم وحدها من صعوبة أدركها النقاد٣.
يقول ناجي في معاودة ذكريات حب قديم:
стр. 332
ذوت الصبابة وانطوت ... وفرغت من آلامها
عادت إلي الذكريات ... بحشدها وزحامها١
فالصبابة -وهي تجريدية- يجعلها الشاعر تذوي كالنبات، وتنطوي كالبساط. والذكريات -وهي من المجردات- تعود بتجسيم الشاعر في احتشاد وازدحام، كأنها أشياء مجسمة، أو كائنات حية، وليست معاني مجردة.
ويقول ناجي أيضًا في الغد، وما يزحمه من ظنون وهواجس:
إنّ غدًا هوة لناظرها ... تكاد فيها الظنون ترتعد
أطلُّ في عمقها أسائلها ... أفيك أخفى خياله الأبد؟ ٢
فالغد -وهو من المجردات- يجسمه الشاعر في صورة هوة، والظنون -وهي من المعاني التجريدية أيضًا- يجسمها الشاعر، بل يهبها الحياة ويجعلها ترتعد، والأبد -وهو تجريدي كذلك- يجسمه الشاعر حتى ليجعل له خيالا يختبئ في هوة الغد.
والخاصة الثالثة من الخصائص الأسلوبية لهذا الاتجاه وطريقته في الأداء، هي التشخيص، أي منح الحياة الإنسانية لما ليس بإنسان، حتى ليتصور شعراء هذا الاتجاه ما ليس إنسانا، وكأنه إنسان يحس إحساسه، ويفكر تفكيره ويفعل أفعاله.. ومن ذلك قول الهمشري:
فنسيم المساء يسرق عطرًا ... من رياض سحيقة في الخيال
صور المغرب الذكي رباها ... فهي تحكي مدينة الأحلام
ووراء السياج زهرة فل ... غازلتها أشعة في المساء
إنّ هذي الأزهار تحلم في الليل ... وعطر النارنج خلف السياج
стр. 333
والندى والظلال تنعس في الما ... ء وهذا الشعاع خلف الغمام١
فالشاعر يجعل النسيم لصًّا ظريفًا، يسرق العطر من رياض سحيقة في الخيال، كما يجعل المغرب مصورا ذكيًا ترسم ألوانه لوحة الربا، ثم يجعل أشعة المساء محبة غزلا، وزهرة الفل حبيبته التي يوجه إليها هذا الغزل، وأخيرًا يجعل الأزهار تحلم في الليل، والندى والظلال تنعس في الماء، وكل هذا بسبب منح الشاعر الحياة الإنسانية لهذه المظاهر الطبيعية، واعتبارها -في تصوره- كالبشر في إحساسهم، وتفكيرهم، وأفعالهم.
بل إن خاصة التشخيص ومنح الحياة الإنسانية، لا تقتصر على المحسوسات، وإنما تتجاوزها إلى المجردات، ومن ذلك قول ناجي وقد عاد إلى بيت أحباب فوجده قد تغير:
والبلى أبصرته رأي العيان ... ويداه تنسجان العنكبوت
صحت: يا ويحك تبدو في مكان ... كل شيء فيه حي لا يموت
كل شيء من سرور وحزن ... والليالي من بهيج وشجي
وأنا أسمع أقدام الزمن ... وخطى الوحدة فوق الدرج٢
فالبلى -وهو معنى تجريدي- لا يجسمه الشاعر فحسب، ولا يخلع عليه الحياة فقط، وإنما يمنحه حياة إنسانية ويشخصه، حتى ليراه ويداه تنسجان العنكبوت ... وكذلك الزمن والوحدة -وهما معنيان مجردان- يمنحهما الشاعر حياة البشر، حتى يكون للزمن وقد أقدام، وللوحدة صوت خطى، وهما يجوسان خلال بيت الأحباب المهجور.
والخاصة الرابعة من خواص هذا الاتجاه المتصلة بالأسلوب وطريقة الأداء، هي التجريد، وتحويل المحسوسات من المجال المادي الذي هو طبيعتها، إلى
стр. 334
مجال معنوي هو من خلق الشاعر، وهذه الخاصة عكس الخاصة السابقة، وأقل منها استعمالًا، ولكنها من سمات التعبير الشعري عند شعراء هذا الاتجاه أيضًا. ومن نماذجها قول محمود حسن إسماعيل في شمعة غرفته:
كأنها والدجن يلهو بها ... أمنيةٌ في يأسها فانيه١
وقول عبد الحميد الديب في بائس فنان:
كأنه حكمه المجنون يرسلها ... من غير قصد فلا تصغي لها أذن
ثيابه كأمانيه ممزقة ... كأنها -وهو حي- فوقه كفن
هو الهدى صرفتكم عنه محنته ... إن العزيز مهين حين يمتحن٢
فالشمعة -والظلام يلهو بها- أمنية فانية عند الشاعر الأول، والبائس حكمة مجنون، وثيابه أمان ممزقة، وهو هدى صرفت الناس عنه محنته، عند الشاعر الثاني.
والخاصة الخامسة من خصائص أسلوب هذا الاتجاه وطريقه تعبيره، هي التعاطف مع الأشياء، الذي يصل أحيانًا إلى حد الامتزاج بها، أو الحلول فيها والتفكير من خلالها٣، فالشاعر لا يكتفي بخلع الحياة على الشيء غير الحي، ولا يقف عند منح الإنسانية لما ليس بإنسان، ولا يقنع بإقامة مشاركة وجدانية بينه وبين الأشياء، وإنما يتجاوز ذلك كله إلى جعل الشيء يفكر بدلاً منه، ويحس نيابة عنه، ويعبر عما يريد هو أن يومئ إليه، ومن ذلك قول الهمشري في "النارنجة الذابلة":
وهنا تحركت الشجيرة في أسى ... وبكى الربيع خيالها المهجور
وتذكرت عهد الصبا فتأوهت ... وكأنها بيد الأسى طنبور
وتذكرت أيام يرشف نورها ... ريق الضحى ويزورها الزرزور٤
стр. 335
فالواقع أن الشاعر هو الذي تحرك في أسى وبكى خياله على الربيع، وهو الذي تذكر عهد الصبا، فأرسل الآهات على أيام النور والوضاءة والطلاقة والتغريد، نعم هو الشاعر الذي فعل كل هذا، ولكنه حل في الشجرة أو اتحد بها، فجعلها تحس ما يحس وتشعر بما يشعر، وتعبر عما يريد أن يعبر عنه١.
ولعل من ذلك أيضًا قول الصيرفي عن "عقب السيجارة":
في الأرض ملقاة مذهبة ... هذي البقية من سجارتها
منبوذة كانت مقربة ... من ثغرها تفنى لسلوتها
كانت تؤانسها فتخلق من ... موج الدخان عوالما شتى
كانت تؤانسها فتبعث من ... قبر الحياة حوادثًا موتى
فرمت بها يا سوء ما يلقى ... من عز يوما من هوى الغيد
يفنى الفؤاد هوى وما أشقى ... قلبًا يضحى فوق جلمود٢
فعقب السيجارة من شأنه أن يلقى، وألا يصان في متحف، ولكنها ليست سيجارة عادية، إنها سيجارة امتزج بها الشاعر وفكر من خلالها، أو ربط بين مأساته ومأساتها، فجعلها تحس بما أحس به، حين نبذته الحبيبة وطرحته، بعد أن كان المؤنس الذي يخلق لها عوالم شتى، ويبعث حولها الحوادث الموتى، ولهذا الامتزاج بين الشاعر والسيجارة، كانت صرخته من أجل هذا "العقب" الملقى على الأرض، أو من أجل نفسه الممثلة في هذا "العقب": "يا سوء ما يلقى من عز يوما في هو الغيد"، "وما أشقى قلبًا يضحى فوق جلمود".
والخاصة السادسة من خصائص هذا الاتجاه المتصلة بالأسلوب الفني
стр. 336
وطريقة الأداء الشعري، هي خاصة التعبير بالصورة، فالغالب على شعراء هذا الاتجاه هو عدم التعبير المباشر عن الأفكار، والعواطف والأحاسيس، وإنما التعبير عنها من خلال صور شعرية، وهذه الصور تكون حينًا صورًا جزئية تؤلف لتجسيم الفكرة، أو لتعميق الإحساس بالعاطفة، كقول أبي شادي في ملاحة حسناء:
هيفاء ينبض بالملاحة جسمها ... فترى الحياة من الثياب تطل١
وكقول ناجي في عذاب محبوبه له:
كم تقلبت على خنجره ... لا الهوى مال ولا الجفن غفا٢
وتكون الصورة أحيانًا أخرى صورة كلية تمثل مشهدًا حيًّا خارجيًّا، أو جوًّا نفسيًّا داخليًا، وهذا المشهد أو ذاك الجو يؤلف من صور جزئية تتآزر لتشكل الصورة الكلية، وصور شعراء هذا الاتجاه تمتزج فيها الحقيقة بالخيال غالبًا، فهي تتخذ نقطة انطلاق من الواقع، ثم تضم إليها إضافات خلاقة من خيال الشاعر، لتؤلف في النهاية شيئًا جديدًا مبتدعا٣، وقد تعتمد الصورة على الخيال فقط، ولكنه الخيال المستمد من الواقع كثيرا من عناصره.
ومن أمثلة صورهم التي تمثل مشهدا خارجيا حسيا، وتمتزج فيها الحقيقة بالخيال، قول الهمشري في قريته، وقد لفها المساء:
وقد نسجت أيدي الشتاء سياجها ... عليها، وأسوار الظلام تحاصر
لقد رنقت عين النهار وأسدلت ... ضفائرها فوق المروج الدياجر
وقد خرج الخفاش يهمس في الدجى ... ودبت على الشط الهوام النوافر
وطارت من الجميز تصرخ بومة ... على صوت هرّ في الدجى يتشاجر
وفي فترات ينبح الكلب عابسًا ... يجاوبه ذئب من الحقل خادر٤
стр. 337
فهذه الصورة الكلية تتألف من صور جزئية عديدة، تجمع بين المرئي والمسموع والساكن والمتحرك، فهناك النهار ترنق عينه للنوم، وهناك الدياجر تسدل ضفائرها على المروج، وهناك الخفاش يهمس في الظلام، والهوام النوافر تدب على الشط، وهناك البومة تطير من الجميز صارخة، على صوت هر يتشاجر في الدجى، وخلال هذا كله ينبح كلب عابس، ويعوي ذئب وسنان.
وليس يبعد أن تكون تلك الصورة رمزًا لجو الشاعر النفسي، وما فيه خلال رسم تلك الصورة من قتام وكآبة، وتشاؤم وإعوال١.
ومن الصور الكلية التي تصور حالة نفسية داخلية، وتعتمد أساسًا على الخيال المستمد من الواقع كثيرًا من عناصره؛ قول ناجي عن لحظة إحساس بداعي الجسد، وقد انتابه هو وصاحبته مرة في ساعة لقاء وشوق:
ومن الشوق رسول بيننا ... ونديم قدم الكأس لنا
وسقانا فانتفضنا لحظة ... لتراب آدمي مسنا٢
فالواقع أنه لم يكن في الخارج الحسي رسول يسعى بين الشاعر وصاحبته، أو نديم يقدم لهمًا كأسًا، وهما لم يتعرضا لهبوب تراب من أي نوع يصيبهما بالانتفاض؛ وإنما هي صورة خيالية محضة يستمد خيالها بعض عناصره من الواقع لتعبر عن جو نفسي داخلي، هو ما أحس به الشاعر في تجربته تلك.
هذا وقد كان التعبير بالصورة عند أصحاب هذا الاتجاه يتسم بالتوفيق غالبًا؛ وذلك حين تتضح الصور، وتتآزر لتحقيق الوحدة، وفي بعض الأحيان كان يخفق التعبير بالصور لعدم تحقق الوضوح الكافي، أو لعدم التآزر بينها أو للسببين معًا٣.
стр. 338
والخاصة السابعة من خصائص هذا الاتجاه المتعلقة بالأسلوب، وطريقة الأداء، هي الميل إلى استخدام التعابير الرامزة، التي يغلفها سرت من الضباب الخفيف، أو يغشيها جو من الإبهام اللطيف، فيحول بينها وبين الدلالة المحددة المباشرة. فهي لا تعطي مدلولًا وضعيًّا أو مجازيًا دقيقًا، وإنما تثير في النفس أحلامًا ورؤى وأحاسيس مبهمة، تنتقل بها إلى أودية خيالية بعيدة، تبعث بها ذكريات قديمة، أو تخلق فيها علاقات بين أشياء تبدو غريبة.. ومن تلك التعابير: "اللهب المقدس" و"الشاطئ المجهول" و"وادي الجن" و"شاطئ الأعراف"، و"حجب الغيب" و"نهر النسيان"، و"بحر العدم" و"عروس البحر"، فتعبير "اللهب المقدس" مثلا يحمل المرء على أجنحة الخيال إلى معابد الوثنيين، وهم يوقدون نيرانهم ويقومون بعباداتهم في حرارة ذاهلة، وإخلاص ساذج، فحين يعبر بهذا التعبير عن نار الحب مثلًا، فإنه يلقى على هذا الحب لونًا من القداسة، ويقربه من العبادة الحارة الذاهلة والإخلاص الفطري ... وتعبير "الشاطئ المجهول" حيث يذكر في مجال خبط الإنسان نحو مصيره الغامض، فإنه يثير في النفس مشاعر اصطخاب الحياة وتلاطمها، حتى كأنها محيط تنتهي أمواهه إلى شاطئ غامض رهيب لا يدري ما يخبأه وراءه، وهكذا يمكن أن يقال في بقية هذه التعابير١.
وقد أدت الخصائص السابقة، كخاصة التوسع في المجاز بناء على وحدة الأثر النفسي، وكخاصة تجسيم المعنويات، وخلع الحياة الإنسانية على ما ليس بإنسان، وكخاصة استخدام التعابير الرامزة -أدت تلك الخصائص إلى خاصة ثامنة من خصائص الأداء الشعري لهذا الاتجاه، وتلك الخاصة هي التجديد في الوصف، فشعراء هذا الاتجاه يكثرون من الأوصاف الجديدة، التي لم يعرفها الاستعمال اللغوي، ولم يألفها التراث الشعري، فالمرأة مثلًا ليست شمسًا أو قمرًا،
стр. 339
وليست غصنًا أو رئمًا، وإنما هي كما قال ناجي في بعض حبائبه:
أين من عيني حبيب ساحر ... فيه نبل وجلال وحياء
واثق الخطوة يمشي ملكًا ... ظالم الحسن شهي الكبرياء
عبق السحر كأنفاس الربى ... ساهم الطرف كأحلام المساء
مشرق الطلعة في منطقه ... لغة النور وتعبير السماء١
فنحن نرى المرأة هنا نبيلة، وجليلة، وحيية. وخطوتها واثقة، وحسنها ظالم وكبرياؤها شهي، كما أن سحرها عبق، وطرفها ساهم وطلعتها مشرقة، ومنطقها مضيء وطاهر؛ لأن فيه لغة النور وتعبير السماء، وليس من شك في أن جل هذه الأوصاف جديدة كل الجدة، تحمل طابع الابتداع المؤكد للطلاقة الفنية والحرية التعبيرية.. وهكذا شاعت تلك الأوصاف الجديدة في شعر هذا الاتجاه، مثال: "الخيال المجنح" و"المجداف المرح" و"الموجة البرة" و"الزورق المجهد"، و"الأسرار الحيارى" عند علي محمود طه، ومثل: "البلبل الخيالي" و"المغرب الذكي" و"الحلم الذهبي"، و"الذهول الهامد" و"العالم المسحور" عند الهمشري، ومثل: الطعنة المجنونة" و"الليل الضرير" و"السراب الخئون"، و"اللانهاية الخرساء" و"الهوى المجروح" و"الخصر الجائع" عند ناجي.. فهذه الأوصاف ليست مما عرف في الاستعمال العربي قبل هؤلاء الشعراء، وهي لا ترد إلى قياس تأسوه أو نمط سابق ساروا عليه، وإنما هي مرتطبة -قبل كل شيء- بتلك الروح الابتداعية التي كانت تسيطر على هؤلاء الشعرا، وتجعلهم يرون الأشياء بعين حرة، ويحسون الأمور إحساسًا مرهفًا؛ فهم يؤمنون بتراسل الحواس، ويلجأون إلى تجسيم المعنويات وتجريد المحسوسات، وخلع الحياة على ما ليس بحي، بل منح الإنسانية لما ليس بإنسان؛ وهم يؤثرون تعابير لا تحمل دلالة محددة، بقدر ما تحمل إيحاء ورمزًا، ولا تفيد معنى دقيقًا، بقدر ما تثير إحساسًا وتخلق جوًا، وهذا الإيحاء والرمز، وذلك
стр. 340
الإحساس والجو، هو مايرونه أصدق في نقل تجاربهم، وحالاتهم النفسية إلى قارئيهم أو المتلقين عنهم.
والخاصة التاسعة من خصائص هذا الاتجاه التعبيرية، خاصة تتصل باللفظة المفردة، وهي الإكثار من استعمال الألفاظ المرتبطة بالطبيعة، والألفاظ المتصلة بالجو الروحي، فشعراء هذا الاتجاه يكثرون من استعمال أسماء المظاهر والمشاهد الطبيعية، ويكثرون من ذكر الأشياء المرتبطة بالطبيعة على وجه العموم، فهم يكثرون من ذكر ألفاظ كالشفق والأفق، والشروق والغروب، والفجر والصباح، والشعاع والضياء، وكالبحر والعباب، والموجد والغدير، والجدول والبحيرة، والشط والضفة، وكالروض والدوح، والواحة والحقل، والموج والغاب، والربوة والصخرة، وكالضباب والظلام، والغيم والبرق، والرياح والعواصف، والنسيم والندى، والعطر والشذى، وكالزهر والورد، والعصفور والبلبل؛ وكالسفين والزورق، والشراع والملاح، وما إلى ذلك مما يتصل بعالم الطبيعة.
وشعراء هذا الاتجاه أيضًا يستعملون كثيرًا هذه الألفاظ المتصلة بالحياة الدينية، أو بالعالم الروحي على وجه العموم، من مثل: المعبد والمصلى، والمحراب والدير، ومثل: الصلاة والسجود والتسبيح والخشوع، ومثل: الراهب والعابد والناسك والخاشع، ومثل: النبي والملاك والوحي والسماء، وما إلى ذلك من ألفاظ تتصل بالجو الروحي الشفاف.
يقول علي محمود طه في أغنية غزلية، مستخدمًا كثيرًا من الألفاظ المتصلة بمعجم الطبيعة:
دنا الليل فيها الآن يا ربة أحلامي
دعانا ملك الحب إلى محرابه السامي
تعالى فالدجى وحي أناشيد وأنغام
سرت فرحته في الماء والأشجار والسحب
تعالى نحلم الآن فهذي ليلة الحب
стр. 341
على النيل وضوء القمر الوضاح كالطفل
جرى في الضفة الخضراء خلف الماء والظل
تعالى مثله نلهو بلثم الورد والطل
هناك على ربا الوادي لنا مهد من العشب
يلف الصمت روحينا ويشدو بلبل الحب١
فهنا نجد الليل والدجى، والماء والأشجار، والسحب والقمر، والنيل والضفة، والظل والطل، والورد والعشب، والربوة والبلبل؛ وهي من معجم الطبيعة.
ويقول الهمشري من قصيدة عاطفية، جامعًا بين ألفاظ من المعجم الطبيعي، وأخرى من المعجم الروحي:
كنت فجرًا وكنت فيه ضبابا ... شاع في أفقه الوضيء فتاها
وهبطت الحياة شعلة تقديس ... وجئت الحياة أنت إلهًا
أنت لحن مقدس علوي ... قد تهادى من عالم نوراني
سمعت وقعه السماوي روحي ... فأفاقت في معبد الأحزان
أنت عطر مجنح شفقي ... فاوح الروح في خمود الذهول
قد سرى في الخيال طيب شذاه ... من زهور في شاطئ مجهول
أنت ظل مقدس أنت كهف ... طائفي في ربوة الأحلام
غمر الروح في سكينتها السحر ... فتاهت عن عالم الآلام٢
فهنا نجد الفجر والضباب، والأفق والضوء، والعطر والشفق، والشذى والزهر، وكلها من معجم الطبيعة، كما نجد الشعلة والتقديس والإله، واللحن
стр. 342
العلوي، والعالم النوراني، والوقع السماوي، والظل المقدس، والكهف الطائفي، وكلها من المعجم الروحي.
والخاصة العاشرة من خصائص هذا الاتجاه في التعبير، خاصة تتصل كذلك باللفظة المفردة، تلك الخاصة هي الميل إلى الألفاظ الرشيقة، ذات الخفة على اللسان وحسن الواقع في الأذن، وذات الإمكانيات الموسيقية الصافية الهامسة البعدية عن الصخب الخطابي والتفاصح اللغوي، والبريئة من الجفاف والوعورة اللذين يتنافيان مع لغة الشعر١، وقد يكون بعض هذه الألفاظ مما لا يعطي معنى قيما، أو يزيد الدلالة شيئًا، بقدر ما تكون له قدرة على خلق جو شعري صاف رفيع، يحلق فيه الشاعر ومن يتلقون عنه، فيرون الأشياء مغلقة بكثير من الأثيرية، أو يرتفع بتلك الأشياء إلى جوه الشعري الصافي، فيخفف من كثافتها ويمنحها كثيرًا من الشفافية والروحية٢، ويمكن أن نجد أوضح صورة لذلك في شعر علي محمود طه، الذي كان أبرع شعراء هذا الاتجاه في استخدام الألفاظ الرشيقة المنغومة التي تخلق هذا الجو الشعري المحلق، ففي قصيدة الجندول مثلًا نجد حشدًا من تلك الألفاظ التي لها رشاقة، وفيها طاقة موسيقية كبيرة أولًا، ولها بعد ذلك قدرة على خلق جو شعري صاف مجنح، أكثر مما لها من قدرة على أداء معان قيمة، أو إضافة دلالات ذات شأن، ومن تلك الألفاظ: "المجالي" و"عروس" و"حلم" و"خيال"، و"عشاق" و"سمار" و"مهد" و"جمال"، و"موكب" و"غيد" و"كرنفال" و"جندول" و"كأس"، و"كرم" و"خمر" و"راح" و"أقداح" و"عطر"، و"مغاني" و"سمات" و"أعطاف" و"لفتات"، وما إلى ذلك من ألفاظ ذات رشاقة موسيقية، وقدرة على خلق الجو الشعري، بتتابعها ووفرتها واحتشادها، بكل ما تحمل من نغم حلو، وظل موح وإشعاع نفسي، وراء الدلالات المعجمية
стр. 343
المحددة والمعاني اللغوية الضيقة١.
وقد يضاف إلى تلك الخصائص التعبيرية المتصلة باللفظة المفردة، خاصة استخدام بعض أسماء من "المثيولوجيا" اليونانية أو التاريخ الفرعوني، وهذه الخاصة تتضح عند أحمد زكي أبي شادي، وتبدو كذلك عند علي محمود طه، ولكن بصورة أقل.
فأبو شادي يكثر من ذكر أسماء مثل: "أزوريس" و"أرفيوس" و"إيزيس" و"أخناتون" و"فينوس"، وأحيانًا يبلغ به الإصرار على ذكر بعض تلك الأسماء، حد تحويرها بما يتلاءم مع الوزن، ومن ذلك قوله مثلًا عن "فينوس":
ولو لم يكن "لفنوس" الخلود ... لزلزلت الأرض زلزالها٢
وقوله ذاكرًا "أخناتون" في حديثه عن "نفرتيتي":
هذي حياة النيل ربه عرشه ... ومنى "أتون" رشاقة وجلالا٣
وعلي طه يذكر أسماء مثل "سافو" و"تاييس" و"بليتيس" و"كيوبيد"، وما إلى ذلك، ومنه قوله في "مخدع مغنية":
نام في بابه العزيز "كيوبيد"، ولكن في كفه المفتاح٤.
جـ- خصائصه في موسيقى الشعر:
وأما خصائص هذا الاتجاه في موسيقى الشعر، فأهمها الاعتماد الكبير على القالب المقطعي، إلى جانب الاعتماد على القالب الموحد، ومعنى ذلك أن شعراء هذا الإتجاه كانوا -إلى جانب نظمهم القصائد ذات الوزن المطرد، والقافية الملتزمة- يكثرون من نظم القصائد المؤلفة من مقاطع، تختلف قوافيها من
стр. 344
مقطع إلى مقطع، وقد تختلف أوزانها من جزء إلى جزء. فهذا النوع الثاني الذي يسمى القصائد المقطعية كان عندهم لونين، لون ليس فيه من تنوع إلا في القافية، التي تتغير من مقطع إلى مقطع، كالمزدوج الذي يتألف من أزواج شطرات، كل زوج على قافية واحدة تخالف بقية القوافي. وكالمربع الذي يتالف من مقاطع، كل مقطع مكون من بيتين، أحيانًا يكون بين الشطرين الأول والثالث منهما اتفاق في قافية، وبين الآخرين اتفاق في قافية أخرى، وأحيانًا تكون الشطرات الأربع متحدة في قافية تخالف فيها بقية المقاطع، وفي بعض الأحيان تتحد ثلاث شطرات فقط في القافية، وهي الشطرات الأولى والثانية والرابعة، أما الثالثة فتكون حرة، وكالخمس الذي يتألف من مقاطع، كل مقطع مكون من خمس شطرات، تتحد أحيانًا في القافية التي تخالف قافية المقاطع الأخرى في القصيدة، وأحيانًا أخرى تتحد منها أربع شطرات في القافية وتختم بشطرة خامسة ملتزمة في كل الخواتيم، ومتفقة مع قافية الفقرة الأولى. وكالمسمط الذي يتألف من مقاطع تختلف قوافيها دون أن تحصر في أربع، أو خمس على أن يختم كل مقطع بشعر -أو أكثر- يكون على قافية متماثلة في القصيدة كلها١.
ومن أمثلة هذا الشعر المنوع القوافي في مهارة، وتفنن قول ناجي في "عاصفة روح"، وهو من المربع الذي تتفق فيه الشطرة الأولى مع الثالثة، والثانية مع الرابعة:
أين شط الرجاء ... يا عباب الهموم
ليلتي أنواء ... ونهاري غيوم
أعولي يا جراح ... أسمعي الديان
لا يهم الرياح ... زورق غضبان٢
إلى آخر هذه القصيدة التي تمضي هكذا في تقابل بين كل شطرين من شطرات المقطع الواحد.
стр. 345
ومنه أيضًا قول علي محمود طه في "سيرانادا مصرية"، وهي من المسمط:
دنا اليل فهيا الآن يا ربة أحلامي
دعانا ملك الحب إلى محرابه السامي
وتعالى فالدجى وحي أناشيد وأنغام
سرت فرحته في الماء والأشجار والسحب
تعالى نحلم الآن فهذي ليلة الحب
على النيل وضوء القمر الوضاح كالطفل
جرى في الضفة الخضراء خلف الماء والظل
تعالى مثله نلهو بلثم الورد والفل
هناك على ربى الوادي لنا مهد من العشب
يلف الصمت روحينا ويشدو بلبل الحب١
إلى نهاية هذه القصيدة التي تؤلف من مقاطع خماسية، ثلاثة الأبيات الأولى من كل على قافية تتغير من مقطع إلى آخر، والبيتان اللذان يختم بها المقطع على قافية ملتزمة في القصيدة كلها.
وهذا اللون من القصائد المقطعية يسير في تلك التجديدات التي استحدثت قديمًا في العصر العباسي، ونظم منها كثير من الشعراء العباسيين المحدثين، حينما أرادوا التجديد في موسيقى الشعر٢.
وأما اللون الثاني من لوني هذا الشعر المقطعي، فهو اللون الذي يتجاوز التنويع في القافية، ويصل إلى الوزن نفسه، وفي هذا اللون نرى شعراء هذا الاتجاه لا يتلزمون وحدة الوزن الشعري، التي تفرض أن تكون القصيدة كلها من بحر واحد، وفي حالة واحدة من حالاته -التامة أو المجزوءة أو المشطورة، أو المنهوكة- وإنما يتحررون، فيجعلون القصيدة على حالات
стр. 346
مختلفة من حالات البحر، فيكون جزء من الرمل مثلا في حالته التامة ذات الافعيل الثلاث، وجزء آخر من الرمل في حالته المنهوكة ذات التفعيلة الواحدة، فتأتي شطرة طويلة وأخرى قصيرة، وقد يؤلف الشطران بيتًا واحدًا من أبيات القصيدة، ومن أمثلة ذلك قول أبي شادي في إحدى قصائده الغزلية:
جزع الصب وللحزن العميق في سبيلك
لوعة الدنيا، فمن هذا يطيق لمثيلك١
إلى آخر هذه القصيدة، التي يستخدم فيها الشاعر بحر الرمل في حالتين من حالاته، الحالة الأولى تعتمد على ثلاث تفعيلات، والحالة الثانية تعتمد على تفعيلة واحد، وقد جعل الأولى لكل الشطرات الأولى من القصيدة، وجعل الثانية لكل الشطرات الثانية منها.
على أن ذلك التنويع في موسيقى الشعر لم يكن يقوم عند شعراء هذا الاتجاه على غير أساس، وإنما كان أساسه هو التزام التماثل بين الأجزاء المتقابلة، بحيث ينتظم تنسيق محدد، برغم ما فيها من تنويع وتلوين.
فالشاعر الذي يجعل أولى الشطرات من ثلاث تفعيلات عليه أن يضع مقابلا لهذه الشطرة، وعليه أن يجعل المقابل على نفس الوزن، فإذا لم تكن الشطرة الثانية هي المقابل المماثل، كانت الشطرة الأولى من البيت الثاني مثلا.
وإذا كانت الشطرة الثانية من تفعيلة واحدة، التزام الشاعر أن يجعل تلك لتلك الشطرة مقابلا مماثلا في الوزن أيضًا، وهكذا. والشاعر الذي يجعل هذه البداية جزءًا أول من مقطع، ويتبعه بأبيات تختلف في نغمها عن هذا الجزء، عليه أن يلتزم ذلك النظام الثنائي في كل المقاطع بحيث يتحقق التقابل والتماثل، مع وجود التنويع والتحرر، وقد يصل هذ التنويع والتحرر درجة بالغة تكثر فيها الشطرات المختلفة، وتتسع خلالها درجة التخلف بين شطرة طويلة
стр. 347
وأخرى قصيرة، ولكن ذلك يكون دائما محكوما بمبدأ التقابل والتماثل، فكل شطرة لها ما يقابلها ويماثلها، ويحقق معها تناسقا وانسجاما، بل ضبطا وإحكاما، برغم التنويع الكثير والاختلاف البعيد.. ولعل أوضح نماذج ذلك، قول الصيرفي في إحدى قصائده العاطفية:
ليتني البسمة تعلو شفتيك ... مثلما تعلو طيور فوق أيك
تتنزى وهي تشدو ... في السكون
تختفي حينا وتبدو ... في الغصون
فأرى من أين تأتي وتبين ... وأرى هل أنت حقا تبسمين
لي من قبلك أم لا تحفلين ... بسلامي وكلامي؟ ليتني١
وهذا اللون من الشعر المقطعي الذي ينوع الأوزان إلى جانب تنويع القوافي يسير في طريق الموشحات، التي اخترعها الأندلسيون منذ أواخر القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي"، والتي نقلت عنهم إلى المشرق٢، وازدهرت حينا بين طائفة من الشعراء المجيدين، ولكنها ظلت -في جملتها- دون القصيدة، بل أهملت أخيرا كقالب موسيقي للشعر، إلى أن التفت إليها المهجريون، ثم شعراء هذا الاتجاه الابتداعي العاطفي، وأكسبوها جدة بما لهم من أسلوب جديد، وأغراض جديدة.
ومن أهم خصائص موسيقى الشعر لهذا الاتجاه كذلك، الاعتماد على البحور ذات الموسيقى الجياشة المتدفقة، دون رنين عال أو نبرة خطابية، فهم يميلون -من بين بحور الشعر- إلى الخفيف والرمل والهزج، وإلى المجزوءات التي تشيع الحركة والخفة، والهمس في نغم الشعر، وهم يقلدون من
стр. 348
البسيط والطويل والوافر، وما إليها من البحور ذات التفاعيل الكثيرة، والنبرة الخطابية والرنين العالي.
وهكذا جدد هؤلاء الشعراء في موسيقى الشعر، ولكن تجديداتهم -في جملتها- مل تكن مبتكرة كتجديداتهم في الأسلوب وطريقة الأداء، حيث كانت تجديداتهم في مجال موسيقى الشعر مبنية على أنماط عربية قديمة، بعضها قد سبق إليه المشارقة في العصر العباسي، وبعضها قد ابتكره الأندلسيون بعد ذلك بقليل، ففضل شعراء الاتجاه الابتداعي العاطفي هو في التفاتهم إلى هذه الينابيع الثرة للنغم الشعري، -وهي قوالب الموشحات- التي كانت قد أهملت، وأوشك أن يطمرها الزمن، برغم أنها تستطيع مد موسيقى الشعر العربي دائمًا بما لا يحد من ألحان منوعة، تحول دون الرتابة التي قد تترتب على التزام الوزن المضطرد والقافية الملتزمة، كما تحول دون النثرية التي تتبع إهمال الوزن والقافية، والتمرد عليهما تمامًا.
على أننا إذا أردنا أن نتلمس إضافات شعراء هذا الاتجاه، إلى هذه القوالب الموسيقية المسبوقة، فإننا لن نخطئ بعض هذه الإضافات؛ ففي قالب القصيدة الموحدة نجد بعضهم يستخدم بحورًا قديمة، ولكن في صورة لم يألفها الشعر العربي، ولم يقرها العروضيون، كاستخدام بحر في تفعيلة واحدة من تفاعيله لكل شطرة، ومن ذلك قول أبي شادي في قصيدة له عن "الأمل":
يا أمل ... يا أمل
يا هدى ... من عمل
يا حلى ... للبطل
يا قوي ... في الجلل١
إلى آخر القصيدة التي تتألف كل شطرة من شطراتها من تفعيلة واحدة هي "فاعلن".. وكاستخدام بحر في مجموعة تفاعيله التامة، دون رضوخ لما يشترط فيها من بعض الحذف الذي لاحظه العروضيون على المأثور من شعر
стр. 349
العرب، كما حدث في تفاعيل الرمل مثلًا، حيث اشترطوا ألا تؤلف ست تامة منها بيتًا من الشعر، ولكن بعض الشعراء من السائرين في هذا الاتجاه، لم يأهبوا بهذا، ونظموا من الرمل على تفاعيله التامة الست، ونجد نماذج من ذلك عند أبي شادي، وعلي محمود طه.
وفي القصيدة المقطعية التي من اللون الأول، نرى أن بعض الشعراء، يقطع أحيانًا رتابة الوزن المطرد، بإدخال بعض المقطوعات المخالفة في وزنها لمعظم مقطوعات القصيدة، ويكون ذلك غالبًا حين يتغير الموقف النفسي، أو حين يتغير المتحدث، أو حين يطرأ تغيير ما على السياق يسمح -أو يقتضي- أن تتغير الموسيقى.
ومن أمثلة ذلك ما نجده في قصيدة الأطلال لإبراهيم ناجي، فقد سارت كلها على مقطوعات رباعية من بحر الرمل بتفاعيله الست، إلا عدة مقطوعات ذكرها الشاعر قرب ختام القصيدة، جاعلًا كل شطر منها على تفعيلتين بدلًا من ثلاث، مع اختلاف بينها كذلك من حيث تمام التفعيلتين، أو حذف بعض الأجزاء منهما، فعلى حين نجد الشاعر يمضي في معظم القصيدة على هذ النحو:
يا فؤادي رحم الله الهوى ... كان صرحًا من خيال فهوى
اسقني واشرب على أنغامه ... وارو عني طالما الدمع روى١
نراه قبيل نهاية القصيدة يقصر الوزن، فيقول:
لست أنسى أبدا ... ساعة في العمر
تحت ريح صفقت ... لارتقاص المطر٢
ويمضي هكذا في بعض المقاطع التي فيها تغيير للموقف والمتحدث، ثم يعود إلى وزن الأصلي حين يعود هو إلى الحديث كما كان في أول القصيدة، ولذا يختم القصيدة بنفس النغم الذي بدأها به.
стр. 350
ومن أمثلة هذا التغيير الذي يدخله الشاعر على وزن القصيدة المقطعية التي من اللون الأول، ما نجده عند الهمشري في قصيدة "النارنجة الذابلة"، حيث يلجأ صاحبها في بعض المواطن إلى عدم التزام شكل المقطع الذي سار عليه منذ أول القصيدة، فهو قد غلب استخدام المقاطع رباعية مسمطة ببيت خامس مكرر تختم به المقطوعة، ولكنه لم يلتزم ذلك في كل القصيدة، بل جعل بعض المقاطع ثنائية على طريقة المزدوج، وجعل بعضها رباعية بلا تسميط، وهكذا جاءت المقاطع منوعة خلال القصيدة، وإن غلب عليها المقطع المسمط١، وهذا التغيير قد أحدث في القصيدة حركة، وبعد بها كثيرًا عن الرتابة، بل حقق بها مرونة الشعور، وتنوع الإحساس الذي يوحى به تنوع النغم٢.
على أن بعض شعراء هذا الاتجاه قد أقدموا على محاولات أكثر جرأة، وذلك في السنوات الأولى التي شهدت فكرة التجارب الفنية، ومن تلك المحاولات، استخدام قال الشعر المرسل، الذي لا يلتزم قافية ما، وإنما يلتزم الوزن فحسب٣. وكان شكري قد سبق إلى هذا القالب، ولكن هذا القالب المرسل لم يصادف نجاحًا عنده، كما لم يصادف في محاولات شعراء هذا الاتجاه كذلك، ومن محاولات بعضهم الجريئة، استعمال أكثر من بحر في القصيدة الواحدة، مع التنويع في الشطرات طولًا وقصرًا، ومع التحرر من القافية٤، وهذه المحاولة تشبه من بعض الوجوه بعض محاولات الشعر الحرب، حيث لا يلتزم وحدة
стр. 351
البيت كما لا يلتزم القافية، ولكن هذه المحاولة هي الأخرى لم تصادف أي نجاح في شعر أصحاب هذا الاتجاه، ولذا عدل عنها وعن مثيلاتها الدكتور أحمد زكي أبو شادي، الذي كان أكثر شعراء هذا الاتجاه جرأة في محاولة التجديد في موسيقى الشعر.
هذه أهم خصائص هذا الاتجاه في الموضوعات والتجارب، وفي الأسلوب وطريقة الأداء، ثم في الموسيقى والقالب النغمي.
د- خصائصه من حيث المضمون:
أما خصائصه من حيث المضمون، فأولاها غلبة الجانب الوجداني على المضمون الشعري، بحيث تبدو العاطفة أوضح خيط في نسيجه، أو بحيث تمثل أهم ما عند الشاعر، وأبرز ما يحاول نقله إلى الآخرين.
والخاصة الثانية هي غلبة طابع الحزن على تلك العاطفة، بحيث تصدر عن أسى ومرارة حينًا، وعن يأس واستسلام حينًا، وتثير الشجن والحزن في كثير من الأحايين.
والخاصة الثالثة هي فردية النزعة بحيث يعبر الشاعر -في الأعم الأغلب- عن أحاسيسه هو، ويهتم بهمومه الفردية، ولواعجه الذاتية وشئونه الخاصة على وجه العموم١، وقلما التفت الشاعر -في فترة ظهور هذا الاتجاه- إلى أحاسيس الجماعة، أو اهتم بالأمور الوطنية أو القومية، وحين اهتم بعض الشعراء بتلك الأمور فيما بعد، كانت دائمًا في المحل الثاني.
ونتيجة لهذه النزعة العاطفية الذاتية المنطوية الحزينة، جاءت دواوين شعراء هذا الاتجاه الأولى، تحمل عناوين توحي بالانطواء والذاتية، وتسبح في جو عاطفي حزين، فناجي يسمى ديوانه "من وراء الغمام" ليوحي بأنه شاعر محلق في سماء الشعر، وأنه بعيد عن الأرض، ناء عن دنيا الناس، وأنه
стр. 352
غير مبتهج في هذا التحليق، وإنما هو وراء غمام من الهموم القاتلة، تجعله يرى كل شيء وقد اكتسى غلالة رمادية، أو تجعله لا يرى شيئًا على حقيقته، بعد أن حال الغمام بينه وبين الأشياء.
وعلي محمود طه يسمى ديوانه "الملاح التائه" ليُفهِم أنه هارب من الحياة والأحياء، وأنه يضرب في عوالم شتى من الحيرة والضياع، والوحدة كملاح تاه في بحار لا يعرف لها شط، ولا يدري لعابرها مصير.
وحسن كامل الصيرفي يجعل ديوانه "الألحان الضائعة"؛ ليدل على يأسه الجاثم وحظه العاثر وحزنه العميق؛ فأشعاره ألحان ضاعت سدى؛ لأنها لم تجد أذنًا مصغية، والشاعر يعزفها لنفسه في انطوائية، ويأس ومرارة.
وأحمد زكي أبو شادي يجعل اسم ديوان "الشفق الباكي"؛ ليفيد أنه يستلهم جانبًا نائيًا من الحياة، وهذا الجانب حزين جريح، ففيه لون الدم أولًا، وفيه أحزان البكاء ثانيًا؛ لأنه شفق وباك معًا، وفي هذا الجانب تتمثل نفس الشاعر المنطوية الحزينة الباكية الجريحة.
وبرغم أن هذه النزعة الفردية العاطفية المنطوية الحزينة، كانت تمثل روح الفترة١، قد كانت أهم ما أخذ على هذا الاتجاه، وأبرز ما سبب الهجوم على أصحابه فيما بعد، فقد لوحظ أن شعراء هذا الاتجاه باتباعهم هذه النزعة الفردية المنطوية، قد وقفوا سلبيين من قضايا عصرهم ومشكلات وطنهم، وبدلًا من أن يناضلوا بالكلمة المنغومة المجنحة ليحققوا لمجتمعهم، ووطنهم حياة أفضل، أو على الأقل ليحاربوا الطغيان والظلم الذي جثم على صدره؛ راحوا يبكون ويحملون، ويهربون إلى أحضان الطبيعة حينًا، وإلى حنان الحب حينًا آخر، تاركين وطنهم ومجتمعهم لما فرض عيه من ظلم، وتآمر وانتكاس٢.
ويبدو أن المسألة كانت لونًا من رد الفعل الشديد، قابل به هؤلاء
стр. 353
الشعراء ما كان عند الشعراء المحافظين من إفراط في الإسهام بالشعر من ميادين النضال دون رعاية -في كثير من الأحيان- لمقتضيات الفن ومتطلبات الشعر، حتى تحولت قصائد كثيرة إلى خطب منظومة، بل حتى تورط هذا الاتجاه المحافظ في شعر المناسبات وغرق فيه غرقًا.. أو يبدو أن المسألة كانت عدم نضج في الوعي بوظيفة الشاعر، وما يجب عليه نحو مجتمعه من التزام بقضاياه، واتخاذ موقف نضالي في سبيل تحقيق أمانيه، ولتمكينه من حياة أفضل، وليس ببعيد أن يكون الأمران معًا قد سببا هذه النزعة التي نأت بأغلب شعراء هذا الاتجاه عن الارتباط بقضايا مجتمعهم، ودفعتهم دفعًا إلى الهروب من الظلم، والقهر والفساد، بالانطواء والحزن والشكوى، لا بالمقاومة والتمرد والثورة.
هـ- أهم مصادر تلك الخصائص:
هذه هي أهم خصائص هذا الاتجاه، وليس من شك في أن كثيرًا منها قد أفاده شعراؤه من ثقافتهم الأجنبية التي وصلتهم بنتاج شعراء "الرومانتيكية" الغربيين، وبخاصة الإنجليز، وقد مضى ما يوضح صلتهم بشعر هؤلاء الشعراء، وإعجابهم به١، وقد تمثل تأثرهم بهؤلاء "الرومانتيكيين" في أكثر من جانب، كالاهتمام بموضوعي الطبيعة والحب٢، والاتجاه إلى موضوع الحنين
стр. 354
إلى مواطن الذكريات١، والإكثار من الشكوى وبث الحزن٢، ثم في النزعة العاطفية المنطوية، والروح الهاربة على أجنحة الخيال٣، وأخيرًا في الثورة على الأساليب المحافظة، واصطناع أساليب مبتدعة٤.
وليس من شك أيضًا في أن بعض الخصائص الفنية لهذا الاتجاه، قد أفادها شعراؤه من صلتهم بنتاج الشعراء الرمزيين، وقد مضى أيضًا ما يوضح أن أعلام هذا الاتجاه "الابتداع العاطفي"، كانوا على صلة بشعر "بودلير" و"فرلين"٥. كذلك كان أحمد زكي أبو شادي يشيد بقيمة بعض الخصائص الرمزية في التعبير، ومن المأثور عنه قوله: "كلما سما الفن كان رمزيًا في بلاغته؛ لأنه بهذا الرمز يثير التفكير والتأمل، ويثير عواطف شتى مكنونة، ويحيي ذكريات، ويكون علاقات ذهنية ونفسية متنوعة بين صور الحياة"٦.
وكذلك كان الهمشري أيضًا يدرك القيمة الفنية لبعض الوسائل الرمزية، كالإبهام الرمزي الذي يقول فيه: "إنه أسمى ما يصل إليه الفكر العبقري في نواحي تعبيره"٧.
стр. 355
وقد تجلى هذا التأثر بالرمزية في خاصة التوسع في المجاز، بناء على فكرة تجاوب الحواس التي نبه إليها "بودلير"١. كما تجلى في خاصة استخدام التعابير الموحية، التي تخلق جوًا، وتثير خيالا وتجلب ذكرى، أكثر مما تؤدي معنى أو تفيد دلالة أو تزيد فكرة٢.
ويمكن أن يضاف إلى مصادر هذه الخصائص الفنية عند بعض شعراء هذا الاتجاه مصدر آخر، هو الأدب المهجري، الذي كان في طابعه العام يتسم "بالرومانتيكية"، وفي بعض جوانبه يرتبط بالرمزية، ومن ذلك كتب جبران خليل جبران، التي تتمثل "ورمانتيكيتها" في جيشان العاطفة، وانطوائية النزعة وغلبة طابع الحزن، والاهتمام بموضوعي الطبيعة والحب، كما تمسها الرمزية في العبارات الموحية، والصور المعبرة عن حالات النفس، والمخاطبة لمكنون اللاشعور، وقد ظهر النتاج المهجري مبكرًا، وكان بعضه ينشر في مصر في وقت نشأة هذا الاتجاه وظهوره إلى النور، فقد أخذت كتب جبران خليل جبران تظهر منذ سنة ١٩٠٥ ٣، وتوافر عدد منها ومن غيرها في الفترة التي يساق عنها الحديث، فكانت رافدًا من روافد هذا الاتجاه، وخاصة بالنسبة لمن لم يكونوا يجيدون لغة أجنبية من الشعراء المتطلعين بحكم نزعتهم التجديدية، إلى زاد يشحذ ملكاتهم، ويثير خيالاتهم، ويعطيهم النموذج الذي عليه ينسجون.
ولا يمكن، ونحن بصدد الحديث عن مصادر هذا الاتجاه الفنية، أن ننسى تأثير كل من المحافظثين والمجددين السابقين، حيث أفاد شعراء هذا الاتجاه من حركة الصراع بينهما، وأخذوا من سمات كل اتجاه أحسنها، بل أفادوا