فنهاه أشراف المشركين بأن العلة لا تزال، وأنهم يخشون أن يغلبهم نساؤهم وأولادهم على الإسلام، حتى ألجئوه إلى الهجرة فهاجر فلقى فى طريقه ابن الدغنة «١» سيد قومه فسأله عن سبب هجرته فأخبره الخبر، وهو يعرف فضائل أبى بكر من قبل الإسلام فأجاره وأعاده إلى مكة بجواره أى حمايته، ومنعه منهم.
وخبره هذا رواه البخارى فى باب الهجرة من صحيحه وفيه ما نصه: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة (أى أجازته) وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه فى داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا «٢»، فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه فى داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ فى غير داره، ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه «٣» نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون عنه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه فى داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه فى داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك «٤»، ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتى، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإنى أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله » أ. هـ.
قلنا: إن هذا التأثير هو الذى حملهم على صد النبى ﷺ بالقوة عن تلاوة القرآن فى البيت الحرام وفى أسواق الموسم ومجامعه، حتى إنهم كانوا يقذفونه بالحجارة، وهو سبب
стр. 107
تواصيهم بما حكاه الله تعالى عنهم فى قوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦].
وقد أدرك هذا فلاسفة فرنسا «١»؛ فذكر فى كتاب له قول دعاة النصرانية إن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى، وقال فى الرد عليهم: إن محمدا كان
يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته فى جذب الناس إلى الإيمان ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين.
(أقول): ولو كان القرآن ككتب القوانين المرتبة وكتب الفنون المبوبة، لما كان لقليله وكثيره من التأثير ما كان لسوره المنزلة.
ومن الشواهد الكثيرة على صحة قول هذا الفيلسوف ما روى أن كبراء قريش اجتمعوا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذى قد فرق جماعتنا وشئت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد فجاء النبى ﷺ فكلمه فيما قالوا عنه، وما يخافون من عاقبة أمره أن يفضى إلى قيام بعضهم على بعض بالسيوف، وعرض عليه كل ما يمكن أن يريده من المال والرئاسة والتزوج بعشر من خير نساء قريش، حتى إذا أتم كلامه تلا عليه النبى ﷺ سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣]، قام عتبة فأمسك على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه. فلما رجع إليهم وجدوه متغيرا فقالوا قد صبأ (أى مال) إلى محمد وقص عليهم خبره وما وقع من الرعب فى قلبه من قراءته. ومما قاله: وقد علمتم أن محمدا، إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. وفى رواية أنه قال: «كلمنى بكلام والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما أقول له» أ- هـ. مختصرا من رواية المحدثين وهو مفصل فى السير النبوية.
كان كل ما يطلبه النبى ﷺ من قومه أن يمكنوه من تبليغ دعوة ربه بتلاوة القرآن على الناس وإذ قال تعالى مخاطبا له: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ
стр. 108
إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، أى: وأنذر به كل من بلغه من غيركم من الناس. وقال فى آخر سورة النمل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل: ٩١ - ٩٣].
إن رؤساء قريش عرفوا من جذب الناس إلى الإسلام بوقعه فى أنفسهم هم ما لا يعرفه غيرهم، وعرفوا أنه ليس لجمهور العرب مثل ما لهم من أسباب الجحود والمكابرة، فقال لهم عمه أبو لهب من أول الأمر: خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب، ففعلوا، وكان من ثباته ﷺ على بث الدعوة واحتمال الأذى ما أفضى بهم إلى الاضطهاد وأشد الإيذاء له ولمن يؤمن به، حتى ألجئوهم إلى الهجرة بعد الهجرة، ثم إجماع الرأى على قتله، لولا أن خرج من وطنه مهاجرا، ثم صاروا يقاتلونه فى دار هجرته وما حولها، وينصره الله عليهم، إلى أن اضطروا إلى عقد الصلح معه فى الحديبية سنة ست من الهجرة، وكان أهم شروط الصلح السماح للمؤمنين بمخالطة المشركين، وهو الذى كان سبب سماعهم للقرآن، ودخولهم بتأثيره فى دين الله أفواجا. فكان انتشار الإسلام فى أربع سنين بالسلم والأمان أضعاف انتشاره فى ست عشرة سنة من أول الإسلام.
стр. 109
فعل القرآن فى أنفس المؤمنين
كان كل من يدخل فى الإسلام قبل الهجرة يلقن ما نزل من القرآن- ليعبد الله بتلاوته- ويعلم الصلاة ولم يفرض فى مكة من أركان الإسلام غيرها. فيرتل ما يحفظه فى صلاته اقتداء بالنبى ﷺ إذ فرض الله عليه التهجد بالليل من أول الإسلام.
قال تعالى فى أول سورة المزمل: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤]، ثم قال فى آخرها:
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠]، أى: فى صلاة الليل وغيرها، ثم ذكر الأعذار المانعة من قيام الليل كله ما كان منها فى ذلك العهد؛ كالمرض والسفر وما سيكون بعد سنين، وهو القتال فى سبيل الله.
ومما ورد فى صفة الصحابة رضى الله عنهم أن الذى كان يمر ببيوتهم ليلا يسمع منها مثل دوى النحل من تلاوة القرآن، وقد غالى بعضهم فكان يقوم الليل كله حتى شكا منهم نساؤهم فنهاهم النبى ﷺ عن ذلك، وكان هو يصلى فى كل ليلة إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة منهن، وما قبلها مثنى مثنى، وكان هو يطيل فيهن حتى تورمت قدماه من طول القيام فأنزل الله عليه مرفها ومسليا: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ١، ٢] إلخ.
فتربية الصحابة التى غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية، وزكّتها تلك التزكية التى أشرنا إليها آنفا، وأحدث أعظم ثورة روحية اجتماعية فى التاريخ إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن فى الصلاة وتدبره فى غير الصلاة، وربما كان أحدهم يقوم الليلة بآية واحدة يكررها متدبرا لها، وكانوا يقرءونه فى كل حال حتى مستلقين ومضطجعين كما وصفهم الله بقوله:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١]، وأعظم ذكر الله تلاوة كتابه المشتمل على ذلك أسمائه الحسنى، وصفاته المقدسة، وأحكامه وحكمه وسننه فى خلقه، وأفعاله فى تدبير ملكه كما تقدم.
وقد وصف الله تعالى فعل القرآن فى هؤلاء المؤمنين بقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣].
стр. 110
ولو كان القرآن ككتب القوانين والفنون لما كان لتلاوته كل ذلك التأثير فى قلب الطباع، وتغيير الأوضاع. بل لكانت تلاوته تمل فتترك، فأسلوب القرآن الذى وصفناه آنفا من أعظم أنواع إعجازه اللغوى، وتأثيره الروحى، ومن ارتاب فى هذا فلينظر فى المسائل التى تشتمل عليها السورة منه وليحاول كتابتها نفسها أو مثلها. بأسلوب تلك السورة ونظمها وأسلوب سورة أخرى كالسور التى يتكرر فيها الموضوع الواحد بالإجمال الموجز تارة وبعض التفصيل تارة، وبالإطناب فيه أخرى. كالاعتبار بقصص الرسل مع أقوامهم فى سورة المفصل (كالذاريات والقمر والحاقة) وفيما فوقها (كالمؤمنون والشعراء والنمل) وفيما هو أطول منها (كالأعراف وهود) ثم لينظر ما يفضى إليه عجزه من السخرية والتكرار المملول. الذى يغثى منه الذوق غثيانا، وتمجه القلوب وتستفرغه استفراغا.
وقد بين غوستاف لوبون فى كتابه (روح الاجتماع) أن تكرار الدعوات الدينية والسياسية والاجتماعية فى الخطب والمقالات التى تثير الجماعات وتدعّهم (تدفعهم بعنف) إلى الانهماك والتفانى فيها دعاء هو الذى يثبتها فى القلوب، ولذلك يعتمد عليه خطباء السياسة ورؤساء الأحزاب ومؤسسوها، وكذلك التجار وغيرهم فيما ينشرونه من الإعلانات فى الصحف ويعلقونه فى الشوارع.
(ونقول): ما كان محمد ولا أحد من أهل عصره يعلمون هذا. لكن الله يعلم من طبائع الجماعات والأقوام. فوق ما يعلمه حكماء عصرنا وسائر الأعصار، وإنما القرآن كلامه ليس فيه من التكرار، إلا ما له أكبر الشأن فى انقلاب الأفكار، وتغيير ما فى الأنفس من العقائد والأخلاق، ولو جمعت أبلغ خطب رجال السياسة التى أحدثت التأثير فى أحزابهم وقرئت بعد ذلك مرات قليلة لسارع الملل إلى نفس كل قارئ حتى أتباع ذلك الخطيب أنفسهم وقراءة القرآن لا يملها أحد يفهم معانيها، ويذوق حلاوة أسلوبها.
ألا وإن تقليب القلوب والأفكار، لأعسر من فلق الصخور وتحويل الجبال، وقد ضرب الله لهذا المثل بقوله: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١].
وهكذا كان تأثير القرآن فى العرب، فهذا مثلهم، وأما مثل بنى إسرائيل بعد رؤيتهم آيات الله لموسى فقوله لهم بعد سردها: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤].
стр. 111
حسبنا ما بينا به تأثير القرآن، وما أحدثه من الثورة العربية العالمية من ناحية أسلوبه ونظمه وتكراره المعجز للبشر بشكله، ونقفى عليه بإصلاحه وإعجازه بموضوعه، وهو تعاليمه الدينية والسياسية والمدنية وغيرها. فنقول:
***
стр. 112
الفصل الخامس فى مقاصد القرآن فى تربية نوع الإنسان وحكمة ما فيه من التكرار فى الهداية وإعجازه بالبيان
إن مقاصد القرآن من إصلاح أفراد البشر وجماعاتهم وأقوامهم، وإدخالهم فى طور الرشد، وتحقيق. أخوتهم الإنسانية ووحدتهم، وترقية عقولهم، وتزكية أنفسهم؛ منها ما يكفى بيانه لهم فى الكتاب مرة أو مرتين أو مرارا قليلة، ومنها ما لا تحصل الغاية منه إلا بتكراره مرارا كثيرة لأجل أن يجتث من أعماق الأنفس كل ما كان فيها من آثار الوراثة والتقاليد والعادات القبيحة الضارة، ويغرس فى مكانها أضدادها، ويتعاهد هذا الغرس بما ينميه حتى يؤتى أكله، ويبدو صلاحه، ويينع ثمره، ومنها ما يجب أن يبدأ بها كاملة، ومنها ما لا يمكن إلا بالتدريج، ومنها ما لا يمكن وجوده إلا فى المستقبل، فيوضع له بعض القواعد العامة، ومنها ما يكفى فيه الفحوى والكناية.
والقرآن كتاب تربية عملية وتعليم، لا كتاب تعليم فقط، فلا يكفى أن يذكر فيه كل مسألة مرة واحدة واضحة تامة كالمعهود فى متون الفنون وكتب القوانين وقد بين الله تعالى ذلك بقوله فى موضوع البعثة المحمدية: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ١، ٢]، فآياته المتلوة هى سور القرآن، المرشدة إلى سننه فى الأكوان، والتزكية هى التربية بالعمل وحسن الأسوة، و (الكتاب) هو الكتابة التى تخرج العرب من أميتهم، و (الحكمة) هى العلوم النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة، وما يسمى فى عرف شعوب الحضارة بالفلسفة، فجميع مقاصد القرآن وبيان السنة له تدور على هذه الأقطاب الثلاثة.
وإننا نذكر هنا أصول هذه المقاصد كما وعدنا عند قولنا: إن ما جاء به محمد ﷺ هو أعلى وأكمل مما جاء به من قبله من جميع الأنبياء والحكماء والحكام. فهو برهان علمى على أنه من عند الله تعالى، لا من فيض استعداده الشخصى.
стр. 113
وإننا نقسم هذه المقاصد إلى أنواع، ونبين حكمة القرآن وما امتاز به فى كل نوع منها بالإجمال، لأن التفصيل لا يتم إلا إذا يسر الله لنا إنجاز ما وعدنا به من تفسير ومقاصد القرآن كلها فى أبواب نبين فى كل باب منها وجه حاجة البشر إلى ذلك المقصد، وكون القرآن وفى بهذه الحاجة بما نأتى به من جملة آياته فيه، وإنما هذا الفصل نموذج منه.
стр. 114
المقصد الأول من مقاصد القرآن فى بيان حقيقة أركان الدين الثلاثة التى دعا إليها الرسل وضل فيها أتباعهم
إنّ أركان الدين الأساسية التى بعث الله تعالى بها جميع رسله، وناط بها سعادة البشر هى الثلاثة المبينة بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، وهاك الكلام على كل واحد منها بالإيجاز، لأن المراد هنا بيان أن ما جاء به القرآن منها هو أتمّ وأكمل من المعروف فى سائر الأديان، وفيه صلاح لما أفسد أهل الملل من دين الأنبياء، مما طرأ على كتبهم من الضياع والتحريف، وما ابتدعوا فيه من الأهواء والتقاليد، وليس المراد بيانها فى ذاتها بالتفصيل الذى يتوقف عليه العمل، حتى إذا ثبت ما يقصده من نبوة محمد ﷺ وكون هذا القرآن كلام الله أوحاه إليه، علم منه أنه يجب على المؤمن به أن يتعلم جميع ما فرضه عليه.
وهذه الأركان الثلاثة تدل عليها آثار الملل القديمة البائدة كالمصريين والكلدانيين، وبقايا كتب أممها الباقية كالهنود والمجوس والصينيين، وغرضنا فى هذا الكتاب أن نبين لجميع الشعوب المتدينة أن ما هم عليه من الدين ليس هو عين ما أوحاه الله إلى رسله الذين ظهروا فى أسلافهم، ولا هو بالمصلح لهم فى أنفسهم وأعمالهم، وإنّ الإسلام هو الدين الحقّ الثابت عقلا ونقلا، والمبين لكل ما يحتاجون إليه من الهداية، وبهذا الاعتبار جعلناها مقصدا واحدا لا ثلاثة، وجعلنا المقصد التالى له فى موضوع الرسل والرسالة.
الركن الأول للدين الإيمان بالله تعالى
إنّ الركن الأوّل الأعظم من هذه الأركان- وهو الإيمان بالله تعالى- قد ضلّ فيه جميع الأقوام والأمم. حتى أقربهم عهدا بهداية الرسل، فاليهود على حفظهم لأصل عقيدة التوحيد، قد غلب عليهم التشبيه، وغاب عنهم أن يجمعوا بين النصوص المتشابهة فى صفات الله وبين عقيدة التنزيه. فقد جعلوا الله كالإنسان بتعب ويندم على ما فعل، كخلقه
стр. 115
الإنسان؛ لأنه لم يكن يعلم أنه سيكون مثله أو مثل الآلهة «١»، وزعموا أنه كان يظهر فى شكل الإنسان حتى إنه صارع إسرائيل، ولم يقدر على التفلت منه حتى باركه فأطلقه «٢»، وعبدوا بعلا وغيره من الأصنام.
والنصارى جدّدوا من عهد قسطنطين الوثنيات القديمة، واتخذوا المسيح ربا وإلها وعبدوا القديسين وصورهم، حتى صارت كنائس النصارى كهياكل الوثنية الأولى مملوءة بالصور والتماثيل المعبودة. على أنّ عقيدة التثليث والصّلب والفداء التى جعلوها أساس الدين- بل الدين كله- هى عقيدة الهنود فى كرشنة وثالوثة فى جملتها وتفصيلها وهى مدعومة بفلسفة خيالية غير معقولة، وبنظام يقوم بتنفيذه الملوك والقياصرة، وتبذل فى سبيله القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويربى عليه الأحداث من الصغر تربية وجدانية خيالية لا تقبل حجّة ولا برهانا، فغمر الشرك بالله هذه الأرض بطوفانه وطغت الوثنية على أهلها.
هدم القرآن معاقل هذه الوثنية وحصونها المشيدة فى الأفكار والقلوب، وما كان ليتم هذا بإقامة برهان عقلى أو عدة براهين على توحيد الله ؛ بل لا بد فيه من دحض الشبهات، وتفصيل الحجج العقلية والعلمية والمواعظ الخطابية بالعبارات المختلفة وضرب الأمثال. لذلك كان أكثر المسائل تكرارا فى القرآن مسألة توحيد الله فى ألوهيته بعبادته وحده، واعتقاد أنّ كلّ ما سواه من الموجودات سواء فى كونهم ملكا وعبيدا له، لا يملكون من دونه نفعا ولا ضرا لأحد، ولا لأنفسهم إلا فيما سخره من الأسباب المشتركة بين الخلق.
وأمّا تكرار توحيد الربوبية، وهو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الدينى فليس لإقناع المعطلين والمشركين بربوبيته تعالى فقط. بل أكثره لإقامة الحجة به على بطلان شرك العبادة بدعاء غير الله تعالى لأجل التقرب إليه بأولئك الأولياء وابتغاء شفاعتهم عنده.
فشر الشرك وأوغله فى إفساد عقائد المؤمنين بالله من ضعفاء العقول. وحملهم على التدين بالأوهام والخرافات المخالفة لما أثبتته التجارب من سنن الله فى المخلوقات «٣»؛ إنما هو توجه
стр. 116
العبد إلى غير الله تعالى فيما يشعر بالحاجة إليه من كشف ضرّ وجلب نفع من غير طريق الأسباب. فقد ذكر الدعاء فى القرآن أكثر من سبعين مرة. بل زهاء سبعين بعد سبعين مرة، لأنه روح العبادة ومخها. بل هو العبادة التى هى دين الفطرة كلّه، وما عداه من العبادات فوضعى تشريعى من تعليم الوحى فهو يغذيها وينقيها من شوائب الآراء، وينفى عنها تقاليد الأهواء.
بعض آيات الدعاء أمر بدعائه تعالى وحده، وبعضها نهى عن دعاء غيره مطلقا، ومنها حجج على بطلان الشرك أو على إثبات التوحيد، ومنها أمثال تصور كل منهما بالصور اللائقة المؤثرة، ومنها إخبار بأن دعاء غيره لا ينفع ولا يستجاب، وأن كل من يدعى من دونه تعالى فهو عبد له، وأن أفضلهم وخيارهم كالملائكة والأنبياء
يدعونه هو ويبتغون الوسيلة إليه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشرك الذين يدعونهم من دون الله أو مع الله ويتبرءون منهم، وأمثال ذلك مما يطول شرحه، بل يضيق المقام عن تلخيصه.
وثم أنواع أخرى من آيات الإيمان بالله تعالى تغذى التوحيد، وتصعد بأهله درجات متفاوتة فى السّمو بمعرفته تعالى والتأله والتوله فى حبه، من التنزيه والتقديس والتسبيح له وذكر أسمائه الحسنى ممزوجة ببيان الأحكام الشرعية المختلفة حتى أحكام الطهارة والنساء والإرث والأموال، وبحكمه فى الخلق والتدبير لأمور العالم، وسننه فى طباع البشر وفى شئونهم الاجتماعية، ووضع كل اسم منها فى الموضع المناسب له من علم وحكمة وقدرة ومشيئة وحلم وعفو ومغفرة ورحمة وحب ورضا وما يقابل ذلك، ومن الأمر بالتوكل عليه والخوف منه لإجلاله أو لعدله، والرجاء فى رحمته وفضله؛ وناهيك بما سرد منها سردا لجذب الأرواح العالية إلى كماله المطلق وفنائها فى شهوده عن شهودها بله أهواءها وشهواتها كما تراه فى فاتحة سورة الحديد: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ١ - ٣] إلخ.
стр. 117
وفى آخر سورة الحشر: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فهذه الأسماء الإلهية هى ينابيع الحياة الروحية فى القلوب، ومشرق أنوار المعارف الإلهية على العقول؛ ومنها استمدّ الأولياء العارفون والأئمة الربانيون تلك الحكم السامية، والكتب العالية فى معرفته تعالى وأسرار خلقه، والأدعية والقصائد فى حبّه ومناجاته. بعد أن تربوا بكثرة ذكره وتلاوة كتابه.
وهذا هو الغرض الأوّل من أمر القرآن المؤمنين بذكر الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ليكون الله تعالى غالبا على أمرهم، كما قال فى وصف يوسف ﵇: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [يوسف: ٢١]، فيمقتون الباطل والشر، ويكون كل حظّهم من الحياة الحق والخير، لما يثمره الذكر لهم من صلاة الله عليهم وملائكته ليخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
بهذا التكرار الذى جعله أسلوب القرآن المعجز مقبولا غير مملول، طهّر الله عقول العرب وقلوبهم من رجس الشرك وخرافات الوثنية، وزكّاها بالأخلاق العالية والفضائل السامية.
وكذا غير العرب ممن آمن بالله وأتقن لغة كتابه، وصار يرتله فى عبادته ويتدبر آياته، حتى إذا دب فى الشعوب الإسلامية دبيب الجهل بلغة القرآن، وقل تدبره الذى فرضه الله عليهم، واعتمد المسلمون فى فهم عقيدتهم على الكتب الكلامية المصنفة، وفى أعمال عباداتهم على كتب الفقه الجافة، وفى تزكية أنفسهم على الأوراد البشرية المؤلفة، ضعف التوحيد فى قلوب الكثيرين، وشابته شوائب الشرك الأصغر ثم الأكبر، واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع «١» اعتقادا وعملا، وتأولا وجدلا. فصار أدعياء العلم يتأولون تلك الآيات الكثيرة فى التوحيد بشبهاتهم وأهوائهم وتقاليدهم المبتدعة. وهجروا القرآن هجرا غير جميل، وعاقبهم الله بما أوعدهم كما هو مشاهد ومعلوم.
стр. 118
على أن بعض المتكلمين قد تأوّلوا صفات الله تعالى بنظرياتهم الجدلية، وبعض الصوفية قد بالغوا فى التوحيد وفهم الصفات أو حملها على الأذواق والوجدانات الروحية، حتى أنكر بعضهم تأثير الأسباب فى مسبباتها، وانتهى بهم ذلك إلى بدعة الجبر التى أفسدت على أهلها كل شىء، وقال بعضهم بوحدة الوجود، بيد أن الأولين منهم كانوا يقولون بما يهديهم إليه النظر العقلى أو رياضة النفس وما تثمره من الشعور الوجدانى مع الاعتماد فى فهم النصوص على صميم اللغة والمأثور عن السلف ثم خلف من بعدهم خلف من المقلدين لا حظ لهم من القرآن ولا من البرهان ولا من الوجدان، وإنما يتبعون أهواء العوام ويتأوّلون لهم بكلام أمثالهم من المصنفين الجاهلين، ولو فقهوا أقصر سورة فى التوحيد والتنزيه كما يجب- وهى سورة الإخلاص- لما وجد الشرك إلى أنفسهم سبيلا.
إن عقيدة التوحيد القرآنى هى أعلى المعارف التى ترقى الإنسان إلى أعلى ما خلق مستعدا له من الكمال الروحى والعقلى والمدنى. وقد صرح كثير من علماء الإفرنج بأن سهولة فهم هذه العقيدة وموافقتها للعقل والفطرة هما السبب الأكبر لقبول الأمم له وانهزام النصرانية من أمامه.
قد كان توحيد المسلمين الأولين لله ومعرفتهم به وحبهم له وتوكلهم عليه هو الذى زكى أنفسهم، وأعلى هممهم، وكملهم بعزة النفس، وشدة البأس، وإقامة الحق
والعدل، ومكنهم من فتح البلاد وسياسة الأمم، وإعتاقها من رق الكهنة والأحبار والرهبان والبوذات والموبذانات الروحى والعقلى، وتحريرهم من ظلم الملوك واستبدادهم وإقامة وإحياء العلوم والفنون الميتة وترقيتها فيهم، وقد تم لهم من كل ذلك ما لم يقع مثله ولا ما يقاربه لأمة من أمم الأرض. حتى قال الدكتور «غوستاف لوبون» المؤرخ الاجتماعى الشهير فى كتابه (تطور الأمم) إن ملكة الفنون لا يتم تكوينها لأمة من الأمم الناهضة إلا فى ثلاثة أجيال:
أوّلها جيل التقليد، وثانيها جيل الخضرمة، وثالثها جيل الاستقلال والاختصاص، قال: إلا العرب وحدهم فقد استحكمت لهم ملكة الفنون فى الجيل الأول الذى بدءوا فيه بمزاولتها.
وأقول: إنّ سبب ذلك تربية القرآن لهم على استقلال العقل والفكر واحتقار التقليد الأصم الأعمى، وتوطيد أنفسهم على إمامة البشر وقيادتها فى أمور الدين والدنيا معا، وقد خفى كل هذا على أسلافهم بعد ذهاب الخلافة الإسلامية، وزوال النهضة العربية وتحول السلطان إلى الأعاجم الذين لم يكن لهم من الإسلام إلا الظواهر التقليدية المنفصلة عن هداية القرآن.
стр. 119
الركن الثانى للدين: عقيدة البعث والجزاء
الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث والحساب والجزاء على الأعمال، هو الركن الثانى للدين الذى بعث الله به الرسل ﵈، وبه يكمل الإيمان بالله تعالى، ويكون باعثنا على العمل الصالح وترك الفواحش والمنكرات والبغى والعدوان، وكان جل مشركى العرب ينكرونه أشدّ الإنكار، وأما أهل الكتاب وغيرهم من الملل- التى كان لها كتب وتشريع دينى ومدنى، ثم فقدت كتبهم أو حرّفت واستحوذت عليهم الوثنية- فكلهم يؤمنون بحياة بعد الموت وجزاء يختلفون فى صفتهما لا فى أصلهما ولكن إن إيمانهم هذا قد شابه الفساد ببنائه على بدع ذهبت بجل فائدته فى إصلاح الناس، وأساسها عند الهنود وغيرهم من قدماء الوثنيين، وخلائف النصارى المتبعين لدين القيصر قسطنطين، هو وجود المخلص الفادى الذى يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه، وهو الأقنوم الثانى من الثالوث الإلهى الذى هو عين الأول والثالث وكل واحد منهما عين الآخر، وكل ما تقوله النصارى فى فداء المسيح للبشر وغير ذلك من ولادته إلى رفعه فهو نسخة مطابقة لما يقوله الهنود فى كرشنة وبوذا فى اللفظ والفحوى كما، قلما يختلفان إلا فى الاسمين.
كرشنة ويسوع «١».
وأما اليهود فكلّ ديانتهم خاصة بشعب إسرائيل، وادعاء محاباة الله تعالى له على سائر الشعوب فى الدنيا والآخرة، ويسمونه إله إسرائيل، كأنّه ربهم وحدهم لا رب العالمين، وديانتهم أقرب إلى المادية منها إلى الروحية، فكان فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابعا لفساد الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى ومعرفته، ومحتاجا إلى الإصلاح مثله.
جاء القرآن للبشر بهذا الإصلاح، فقد أعاد دين النبيين فى الجزاء إلى أصله المعقول وهو ما كرّم الله تعالى به الإنسان، من جعل سعادته وشقائه منوطين بإيمانه وعمله، اللذين هما فى كسبه وسعيه، لا من إيمان غيره وعمله، وأنّ الجزاء على الكفر والظلم والفساد فى الأرض، يكون بعدل الله تعالى بين جميع خلقه بدون محاباة شعب على شعب والجزاء على الإيمان والأعمال الصالحة يكون بمقتضى الفضل، فالحسنة بعشرة أمثالها وقد يضاعفها الله تعالى أضعافا كثيرة.
стр. 120
وقد نص القرآن على ما جاء به من هذا الإصلاح هو ما أوحاه إلى إبراهيم أبى الأنبياء المعروفين الذين يدين الله بنبوتهم اليهود والنصارى، وإلى موسى والأنبياء الذين كانوا من بعده على شرعه، فقال تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: ٣٥ - ٤١]، أى:
أن أصل دين الله لجميع رسله أنه لا تحمل نفس وازرة- أى خاطئة- خطيئة نفس أخرى بفداء ولا غيره، وأنه ليس للإنسان إلا سعيه وعمله فلا يجزى بعمل غيره. وقد يدخل فى عموم عمله ما يكون سببا له كالذى يعمله ولده أو تلميذه بتأثير تربيته وتعليمه، وما يسّنه من سنّة حسنة أو سيئة فله مثل جزاء من يعمل بهما من بعده.
الأصل الجامع فى ذلك قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس: ٧ - ١٠]، أى: إن الله الذى خلق هذه النفس وسواها بما وهبها من المشاعر والعقل، قد جعلها بإلهام الفطرة والغريزة مستعدة للفجور الذى يرديها ويدسيها «١»، والتقوى التى تنجيها وتعليها، ومتمكنة من كل منهما بإرادتها، والترجيح بين خواطرها ومطالبها، ومنحها العقل والدين يرجحان الحق والخير على الباطل والشر، فبقدر طهارة النفس وأثر تزكيتها بالإيمان ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال يكون ارتقاؤها فى الدنيا وفى الآخرة والضد بالضد فالجزاء أثر طبيعى للعمل النفسى والبدنى ولذلك قال تعالى: (٦: ١٣٩ سيجزيهم وصفهم) وهذا هو الحق الذى يثبته من عرف حقيقة الإنسان، وحكمة الديان، وهو مما أصلحه القرآن من تعاليم الأديان.
فإذا علمت ما كان من إنكار مشركى العرب للبعث والجزاء، ومن فساد إيمان أهل الكتاب وسائر الملل فى هذه العقيدة، وعلمت أنها مكملة للإيمان بالله تعالى، وأن تذكرها هو الذى يقوى الوازع النفسى الذى يصد الإنسان عن الباطل والشر والظلم والبغى، ويرغبه فى التزام الحق والخير وعمل البر- علمت أن إصلاحها ما فعل العجل
فى شعب كبير إلا بتكرار التذكير بها فى القرآن، بالأساليب العجيبة التى فيها من حسن البيان، وتقريب البعيد
стр. 121
من الأذهان، تارة بالحجة والبرهان، وتارة بضرب الأمثال، وقد تكرّر فى آيات بينات، لعلها تبلغ المئات، ومن إعجازه أنها لا تمل ولا تسأم، بل لا يكاد يشعر قارئها بتكرار معانيها، وإن تقارب جنسها ونوعها وترادفت سورها. فتأمل ذلك فى سور المفصل، ترى تكرار الكلام على البعث والجزاء فيها بما لا يخطر على بال بشر من اختلاف الأسلوب والنظم والفواصل ولا سيما المتناسبة المتصلة كالمرسلات مع النبأ، والنازعات مع عبس، والتكوير مع الإفطار، والمطففين مع الانشقاق وغيرهن.
قلنا: إنّ الإيمان بالبعث والجزاء، وهو الركن الثانى فى جميع الأديان، من لوازم الركن الأول وهو الإيمان بالله المتصف بجميع صفات الكمال، المنزه عن البعث فى أفعاله وأحكامه، ولهذا كان من أظهر أدلة القرآن عليه قوله بعد ذكر البعث وجزاء الكافرين فى آخر سور المؤمنون: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، وقوله فى آخر سورة القيامة: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: ٣٦]، فكفر الإنسان بهذا الركن فى أركان الإيمان يستلزم كفره بحكمة ربّه وعدله فى خلقه وكفره بنعمته بخلقه فى أحسن تقويم. وبتفضيله على أهل عالمه (الأرض) حيث سخّرها وكل ما فيها لمنافعه، وعلى كثير ممن خلق فى عالم الغيب الذى وعده بمصيره إليه، ويستلزم جهله بما وهبه من المشاعر والقوى والعقل. وجهله بحكمته فى خلقه مستعدا لما ليس له حد ونهاية من العلم. الدال على أنه خلقه لحياة لا حد لها ولا نهاية فى الوجود.
ومن لوازم هذا الكفر والجهل كله احتقاره لنفسه باعتقاده أنه خلق عبثا لا لحكمة بالغة.
وأن وجوده فى الأرض موقوت محدود بهذا العمر القصير المنغص بالهموم والمصائب والظلم والبغى والآثام. وأنه يترك سدى لا يجزى كل ظالم من أفراد بظلمه. وكل عادل وفاضل بعدله وفضله. وإذا كان هذا الجزاء غير مطرد فى الدنيا لجميع الأفراد، تعين أن يكون جزاء الآخرة هو المظهر الأكبر للعدل العام، كما قال تعالى: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: ١٨٥].
ومن أبدع أساليبه المكررة الجامعة وأروعها: المحاجة فى النار بين الأتباع والمتبوعين والغاوين والمغوين والضالين والمضلين، من شياطين الإنس والجن. وبراءة بعضهم من بعض ومنه التنادى والتحاور بين أهل الجنة وأهل النار.
стр. 122
البعث الإنسانى جسمانى روحانى
ومما جاء فى القرآن مخالفا لما عند النصارى من عقيدة البعث والجزاء: أن الإنسان فى الحياة الآخرة يكون إنسانا كما كان فى الدنيا، إلا أن أصحاب الأنفس الزكية والأرواح العالية. يكونون أكمل أرواحا وأجسادا مما كانوا بتزكية أنفسهم فى الدنيا. وأصحاب الأنفس الخبيثة والأرواح السافلة يكونون أنقص وأخبث مما كانوا بتدسية أنفسهم فى الدنيا، ويعلم مما ثبت عن قدماء المصريين وغيرهم من الغابرين أن الأديان القديمة كانت تعلم الناس عقيدة البعث بالروح والجسد. إلا أنهم ظنوا أن أجسادهم تبقى بعد موتهم فيبعثون بها عينها، ولكن بيّن القرآن أنّ كلّ من على الأرض فان، وأنها تكون بقيام الساعة هباء منبثا، وقال علماء العقائد من أهل السّنّة إنّ بعث الأجساد يكون بعد العدم التام، وقال تعالى:
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ [الواقعة: ٦٠ - ٦٢].
ولو كان البعث للأرواح وحدها لنقص من ملكوت الله تعالى هذا النوع الكريم المكرم من الخلق. المؤلف من روح وجسد، فهو يدرك اللذات الروحية واللذات الجسمانية، ويتحقق بحكم الله «جمع حكمه» وأسرار صنعه فيهما معا، من حيث حرم الحيوان والنبات من الأولى، والملائكة من الثانية، وما جنح من جنح أصحاب النظريات الفلسفية إلى البعث الروحانى المجرد إلا لاحتقارهم اللذات الجسدية وتسميتها بالحيوانية مع شغف أكثرهم بها، وإنما تكون نقصا فى الإنسان إذا سخّر عقله وقواه لها وحدها، وحتى صرفه اشتغاله بها عن اللذات العقلية والروحية بالعلم والعرفان أو أضعفها- وأصل هذا الإفراط والتفريط غلو الهنود فى احتقار الجسد، وجعلهم مدار تربية النفس على تعذيبه بالرياضات الشاقة، وتبعهم فيه نسّاك النصارى كما تبعوهم فى عقيدة الصّلب والفداء والتثليث، على أنهم نقلوا أن المسيح ﵇ شرب الخمر مع تلاميذه لما ودعهم فى الفصح وقال لهم: إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا فى ملكوت أبى (متى ٦: ٢٩)؛ وجرى اليهود على عكس ذلك، وجاء الإسلام بالاعتدال فأعطى الإنسان جميع حقوقه، وطالبه بما يكون بها كاملا فى إنسانيته مرجح لروحانيته على حيوانيته، متزودا من دنياه لآخرته.
ويؤخذ مما ورد فى الآيات والأحاديث النبوية من صفة حياة الآخرة: أن القوى الروحية
стр. 123
تكون هى الغالبة والمتصرّفة فى الأجساد، فتكون قادرة على التشكّل بالصور اللطيفة، وقطع المسافات البعيدة فى المدة القريبة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة وأهل النار- وإن ترقى البشر فى علم الكيمياء وخواص الكهرباء والصناعات والآلات فى عصرنا قد قرّب كلّ هذا من حس الإنسان، بعد أن كان الماديون والملحدون يعدون مثل قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
[الأعراف: ٤٤]، من تخيلات محمد صلوات الله وسلامه عليه- وها نحن أولاء نخاطب من مصر أهل عواصم أوروبا بالمسرة (بالكسر: آلة التليفون) ونسمع خطبهم ومعازفهم بالمذياع (آلة الراديو) وسنراهم ويروننا بآلة التليفزيون «١» مع التخاطب حينما يعم انتشارها.
وأما علماء الروح من الإفرنج وغيرهم فقد أثبتوا أنّ الأرواح البشريّة تكون بعد الموت قادرة على التشكل فى أجساد تأخذها من مادة الكون كالملائكة والجن وكما يقول الصوفية فى الإنس «٢»، وهذه مسألة أو مسائل قد شرحناها من قبل فى تفسير المنار، وإنما نذكرها هنا بالإجمال ردا على من زعموا أن القرآن مستمد من كتب اليهود والنصارى ومن عقل محمد ﷺ الباطن وإلهاماته الروحية «٣».
стр. 124
ويناسب هذا ما جاء فى القرآن من نبأ خراب العالم وقيام الساعة التى هى بدء ما يجب الإيمان به من عقيدة البعث والجزاء، ولم يوجد له أصل عند أهل الكتاب ولا غيرهم، ولا هو مما يمكن أن يكون قد عرفه محمد ﷺ بذكائه ونظرياته العقلية، وجملته أن قارعة- والظاهر أنها كوكب- تقرع الأرض قرعا، وتصخّها صخا، وترجّها رجا، فتكون هباء منبثا، أى غبارا دقيقا متفرقا فى الفضاء، وحينئذ يختل ما يسمّى فى عرف العلماء بسنة الجاذبية العامة، فتتناثر الكواكب ثم يدخل العلم فى طور جديد هو المراد بالحياة الآخرة «١»، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد من علماء الكون ولا من الدين، فلا يمكن أن يقال أن محمدا ﷺ سمعه من أحد فى بلده أو فى سفره، ولا يعقل أن يكون قاله برأيه وفكره، فهو من أنباء القرآن الكثيرة التى تدحض زعم القائلين بالوحى النفسى. وقد صرّح غير واحد من علماء الهيئة الفلكية المعاصرين بأن خراب العالم بهذا السبب هو أقرب النظريات العلمية لخرابه. وسنفصل ذلك بالشواهد على ما جاء فى القرآن موافقا لأصول العلم الحديث فى ملحقات الكتاب، من الجزء الثانى له.
ولقد كان أعظم آيات الجزاء تأثيرا فى أنفس العرب وصف نعيم الجنة وعذاب النار ببلاغته العجيبة فى المبالغة التى امتازت بها لغتهم، وفيها ما يدل على أنها غيبية مخالفة للمعهود فى الدنيا كقوله تعالى فى صفة النار: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة: ٧]، وفى الجنة: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، وقوله بعد ذكر النعيم الحسى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢]، وناهيك بمناجاته تعالى ورؤيته التى أنكرها وتأول نصوصها المعتزلة ومن تبعهم وعدوها من المتشابهات ولا غرو، فكل أمور الآخرة متشابهات، قال تعالى فى ثمرها: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة: ٢٥]، قال ابن عباس رضى الله عنه فى تفسيرها: (لا يشبه شىء مما فى الجنة ما فى الدنيا إلا فى الأسماء).
(أقول): فكيف يشبه خالقها شيئا من خلقه؟.
стр. 125
الركن الثالث للدين: العمل الصالح
الركن الثالث من مقاصد بعثة الرسل- وهو العمل الصالح- أثر لازم للإيمان بالله وبالحساب والجزاء فى الآخرة وثمرة له، وهو يمدّه ويستمدّ منه فكل من الإيمان والعمل يغذّى الآخر ويقويه، ويتوقف كمال كل منهما على الآخر؛ فمن فسد إيمانه فسد عمله، وكان رياء ونفاقا أو تقليدا صوريا. فلا يكون العمل صالحا مصلحا لعامله إلا بجعله على الوجه الذى شرعه الله لأجله. وهذا مكرر فى القرآن فى سور كثيرة لإصلاح ما أفسده البشر فيه يجعله تقليديا غير مزكّ للنفس ولا مصلح لشئون الاجتماع، ولكن دون تكرار توحيد الله وتقديسه الذى هو الأصل الذى يتبعه غيره، على أنه يقرنه به.
ولولا الحاجة إلى هذا التكرار فى التذكير والتأثير لكانت سورة العصر وحدها كافية فى الإصلاح العلمى العملى على قصرها، كسورة الإخلاص فى الركن الأول الاعتقادى، وكل منهما تكتب فى سطر واحد، فهما من معجزات إيجاز القرآن وهدايته، وكسورة الزلزلة فى الركن الثانى وهى تكتب فى ثلاثة أسطر؛ وقد روى الإمام أحمد، والطبرانى فى الكبير أن صعصعة بن معاوية أتى النبى ﷺ فقرأ عليه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧،
٨]، فقال حسبى لا أبالى أن لا أسمع غيرها.
وروى أنّ بعض الأعراب سمع النبى ﷺ يقرؤها فقال: يا رسول الله: أمثقال ذرة؟ قال:
«نعم». فقال الأعرابى: وا سوأتاه ثم قام وهو يقولها، فقال النبى ﷺ : «لقد دخل قلب الأعرابى الإيمان». وروى عن زيد بن أسلم رضى الله عنه أن النبى ﷺ دفع رجلا إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ هذه الآية فقال: حسبى- فذكر الرجل المعلم ذلك النبى ﷺ فقال له: «دعه فقد فقه». نقل هذه الروايات وغيرها السيوطى فى الدر المنثور عن مخرجيها، ومنها أن بعض كبار الصحابة كان ربما يعطى المسكين حبة عنب ويقول إن فيها ذات كثيرة، اهتداء بهذه الآية، وبقوله ﷺ فى حديث مسلم: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا».
فتدبر هذا تعلم منه قدر استعداد عقول العرب لهداية القرآن، وكيف صلحت به أنفسهم، وصاروا أئمة الناس فى الإصلاح، آمن بعضهم بأنه يرى فى الآخرة جزاء عمله خيره وشره وإن قلّ فكان كالذرة، فوطّن نفسه على عمل كل ما استطاع من الخير، وترك كل عمل من الشر، وهذا فقه الدين كله كما شهد له مبلغ الدين ﷺ .
стр. 126
إنما كان العمل الصالح من لوازم الإيمان بالله فى الدرجة الأولى لأن من عرف الله تعالى عرف استحقاقه للحمد والشكر والعبادة والحب والتعظيم، وهو من لوازم الإيمان بالجزاء على الأعمال فى الدرجة الثانية خوفا من العقاب ورجاء فى الثواب. فالأركان الثلاثة يمر بعضها بعضا بمقتضى هداية الأنبياء الموافقة للفطرة الإنسانية دون تقاليد الوثنية التى لا شأن فيها لعلم الإنسان ولا عمله فى سعادته، لأنّ مدارها على إيمانه بوجود الفادى الشفيع أو على إقراره به. وإن كان لا يعقله، بل ينكره عقله، وتأباه فطرته، وقد أبطل القرآن عقيدة الفداء والشفاعة الوثنية فى آيات عديدة.
ويدخل فى الأعمال الصالحة العبادات المفروضة التى يتقرب بها إلى الله تعالى، سائر أعمال البر التى ترضيه بمالها من التأثير فى صلاح البشر كبر الوالدين وصلة الرحم وإكرام اليتامى والمساكين. ومن أصوله الوصايا الجامعة فى آيات سورة الإسراء وهى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما «١» وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً «٢» مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ «٣» إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ
стр. 127
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [الإسراء: ٢٣ - ٣٩].
هذه الآيات أجمع وأعظم من الوصايا العشر التى فى التوراة. وتأمل آيات الوصايا فى سورة الأنعام (١٥١ - ١٥٣)، وآية البر فى سورة البقرة (١٧٧)، وغير ذلك من آيات الحث على الفضائل، والزجر عن الرذائل والمعاصى الضارة بالأبدان والأموال، والأموال، والأعراض والعقول والأديان، ومثارها الأكبر إتباع الهوى وطاعة وسوسة الشيطان، ويضادهما ملكة التقوى، فهى اسم جامع لما يقى النفس من كلّ ما يدنّسها وتسوء به عاقبتها فى الدنيا والآخرة، ولهذا تذكر فى المسائل الدينية والروحية والحربية وغيرها، وهاك كلمة وجيزة فى الموضوع.
стр. 128
سنّة القرآن فى تهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال والفرق بينها وبين كتب الفلسفة والآداب
القرآن كتاب هداية فعلية، لا كتاب فنّ وعلم نظرى، فهو يرشد متدبّره والمتفقه فيه إلى داعيتى الحق والخير، والباطل والشر من نفسه، وإلى طريق تزكيتها بمحاسبتها على أعمالها، لتغليب الحق والخير على ضدهما، وتجد هذا التهذيب والتثقيف فيه يدور على أمرين فطريين لا يتوقف فهمهما على فلسفة أرسطو ولا ابن سينا. وهو مجاهدة النفس بالتخلى عن اتباع الهوى، والتحلى بفضيلة التقوى، وقد تكرر فيه ذم اتباع الهوى والنهى عنه، وتعليله بأنه يصد متبعه عن الحق والعدل فى زهاء ثلاثين آية، وتكرر ذكر التقوى والمتقين فى زهاء مائتى آية أو أكثر، واكتفى هنا بذكر آية واحدة فى كل منهما.
قال الله تعالى فى عبادة الهوى بعد أن ذكر لنبيه ﷺ أنه أتى بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، وفضّلهم على عالمى زمانهم، وآتاهم بينات من الأمر-
أمر التشريع- فاختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ثم ذكر له أنه جعله على شريعة من الأمر، وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وهم المشركون الذين لا شريعة لهم، وأعلمه أن الظالمين من الذين تفرّقوا بعد العلم فكان ضارا بهم ومن الذين لا يعلمون بعضهم أولياء بعض، والله ولى المتقين دون كل منهم، وأن هذا القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون، وأنه تعالى لم يجعل الذين اجترحوا السيئات، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، لا فى المحيا ولا فى الممات، وأنه خلق السماوات والأرض بالحقّ ولتجزى كل نفس بما كسبت، لا كما يزعم المشركون من تركهم سدى، ولا كما يدّعى أهل الكتاب من كونه تعالى يحابى بعض الشعوب وبعض الناس بأنسابهم؛ أو لأجل من يفديهم ويشفع لهم.
قال الله تعالى بعض آيات فى هذه المعانى:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: ٢٣]، وفى معناها من سورة الفرقان:
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٣، ٤٤].
стр. 129
وقال تعالى فى ثمرة التقوى للمؤمنين بعد عدة وصايا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال: ٢٩]، وقد قلت فى تفسير هذه الآية من جزء التفسير التاسع ما مختصره.
هذه الآية آخر وصايا المؤمنين فى هذا السياق وهى أعمّها، والأصل الجامع لها ولغيرها وكلمة «الفرقان» فيها كلمة جامعة ككلمة التقوى فى مجيئها هنا مطلقة، فالتقوى هى الشجرة، والفرقان هو الثمرة، وهو صيغة مبالغة من مادة الفرق، ومعناها فى أصل اللغة:
الفصل بين الشيئين أو الأشياء، والمراد بالفرقان هنا: العلم الصحيح والحكم الحقّ فيها، ولذلك فسروه بالنور، وذلك أن الفصل والتفريق بين الأشياء والأمور فى العلم هو الوسيلة للخروج من حيز الإجمال إلى حيز التفصيل، وإنما العلم الصحيح هو العلم التفصيلى الذى يميز الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص، وإن شئت قلت بين الكليات والجزئيات، والبسائط والمركبات، والنسب بين أجزاء المركبات، من الحسيات والمعنويات، ويبين كل شىء من ذلك، ويعطيه حقه الذى يكون به ممتازا من غيره، وإيراد الأمثلة على ذلك يطول (وقد ذكرنا نموذجا منها فى التفسير).
فقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [الأنفال: ٢٩] معناه إن تتقوا الله فى كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه وشرعه، وبمقتضى سننه فى نظام خلقه يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى ملكة من العلم والحكمة تفرّقون بها بين الحق والباطل، وتفصّلون بين الضار والنافع، وتميزون بين النور والظلمة، وتميزون بين الحجة والشبهة. وقد روى عن بعض مفسرى السلف تفسير الفرقان هنا بنور البصيرة الذى يفرق بين الحق والباطل وهو عين ما فصّلناه من الفرقان العلمى الحكمى، وعن بعضهم تفسيره بالبصر يفرق بين المحق والمبطل بما يعز المؤمن ويذل الكافر، وبالنجاة من الشدائد فى الدنيا ومن العذاب فى الآخرة، وهذا من الفرقان العملى الذى هو ثمرة الفرقان العلمى. ذكر كل منهم ما رآه مناسبا لحال وقته أو حال من لقنه ذلك، ولم يقصد تحليل المدلول اللغوى، ولا المعنى الكلى الذى هو ثمرة التقوى بأنواعها. وهذا النور فى العلم الذى لا يصل إليه إلا بالتقوى هو الحكمة.
أمر الله تعالى فى مواضع كثيرة من كتابه باتقائه، وباتقاء النار، وباتقاء الشرك والمعاصى، وباتقاء الفتن العامة فى الدول والأمم، وتقدم فى وصايا هذا السياق. وباتقاء الفشل والخذلان فى الحرب، وباتقاء ظلم النساء، وبيّن أن العاقبة فى إرث الأرض للمتقين
стр. 130
كما أن الجنة فى الآخرة للمتقين؛ قال تعالى فى سورة الطلاق: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق: ٤]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق: ٥]، وأمثال ذلك فى التقوى العامة والخاصة وأجرها وعاقبتها كثير.
فمعنى التقوى العام: اتقاء كل ما يضر الإنسان فى نفسه وفى جنسه الإنسانى القريب والبعيد، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والغايات الحسنة والكمال الممكن. ولذلك قال العلماء: إنها عبارة عن ترك جميع الذنوب والمعاصى وفعل ما يستطاع من الطاعات، وزدنا على ذلك: اتقاء الأسباب الدنيوية المانعة من الكمال وسعادة الدارين بحسب سنن الله تعالى فى الكون، كالنصر على الأعداء وجعل كلمة الله هى العليا فى الأرض، كما هى فى الواقع ونفس الأمر، وكلمة الذين كفروا السفل كذلك، وكمال ذلك يتوقف على العلم الواسع بالكتاب والسّنّة، وكمال هذا يتوقف على معرفة سنن الله تعالى فى الإنسان مجتمعا ومنفردا كما أرشد إليه فى آيات من كتابه، ومن ثم كانت ثمرة التقوى العامة الكاملة هنا حصول ملكة الفرقان التى يفرق صاحبها بنوره بين الأشياء التى تعرض له من علم وحكم وعمل، فيفصل فيها بين ما يجب قبوله وما يجب رفضه، وبين ما ينبغى فعله وما يجب تركه. وتنكير الفرقان للتنويع التابع لأنواع التقوى، كالفتن فى السياسة والرئاسة والحلال والحرام والعدل والظلم، فكل متق لله فى شىء يؤتيه فرقانا فيه.
وبذلك كان الخلفاء والحكام من أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم من خلفاء العرب أعدل حكام الأمم فى الأرض حتى فى عهد الفتح، قال بعض حكماء الإفرنج «١»: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب، ولكنهم لم يتقوا فتن السياسة والرئاسة لقلة خبرتهم. فعوقبوا عليها بتفرقهم وضعفهم وزوال ملكهم، وكان من بعدهم من أعاجم المسلمين دونهم لجهلهم بكل نوع من أنواع التقوى الواجبة، وحرمانهم من فرقانها، فهم يزعمون أنهم يجددون مجدهم، مع جهل هذا الفرقان المبين، وعدم الاعتصام بالتقوى المزكية للنفس، المؤهلة لها للإصلاح فى الأرض، بل مع انغماسهم فى السكر والفواحش، لظنهم أن الإفرنج قد ترقوا فى دنياهم بفسّاقهم
وفجّارهم، وإنما ترقوا بحكمائهم وأبرارهم، الذين وقفوا حياتهم على العلم والعمل النافع.
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ هذا عطف على يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً، أى:
ويمحو بسبب هذا الفرقان وتأثيره ما كان من تدنيس سيئاتكم لأنفسكم فتزول منها داعية
стр. 131
العود إليها المؤدى إلى الإسرار المهلك، ويغفرها لكم بسترها وترك العقاب عليها وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، ومن أعظم فضله أن جعل هذا الجزاء العظيم (وهو الفرقان) بقسميه السلبى والإيجابى جزاء للتقوى وأثرا لها». انتهى تفسير الآية مختصرا.
سنّة القرآن فى الإرشاد إلى العبادات
وأما سنّة القرآن فى الإرشاد إلى الأعمال الصالحة فهى بيان أصولها ومجامعها وتكرار التذكير بها بالإجمال، وأكثر ما يحث عليه من العبادات الصلاة التى هى العبادة الروحية العليا، والاجتماعية المثلى، والزكاة التى هى العبادة المالية الاجتماعية الكبرى. كرر الأمر بهما فى آيات كثيرة، وبين أهم منافعهما بقوله تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: ١٩ - ٢٥].
ولم يكرر فيه ما يحفظ بالعمل والاقتداء بالرسول من أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج، بل لم يذكر منها إلا ما لذكره فائدة خاصة. وذكرت فيه أحكام الصيام فى موضع واحد من السورة الثانية، ولم يذكر فيه عدد الركعات فى كلّ صلاة، ولا عدد الركوع والسجود ولا نصاب الزكاة فى كل نوع مما تجب فيه؛ لأنّ كلّ هذا يؤخذ من بيان الرسول ويحفظ بالعمل، وليس فى ذكره تزكية للنفس ولا تغذية للإيمان، وسيأتى بعض فوائد الزكاة فى الكلام على إصلاح القرآن المالى من المقصد السابع.
وسنعقد فى ملحقات الكتاب من الجزء الثانى منه فصلا فى أسرار العبادات الإسلامية من روحية واجتماعية وصحية نبين بها فضلها وامتيازها على جميع عبادات الملل الأخرى؛ فيعلم به أنه لو لم يجئ محمد ﷺ بغيرها لنهضت برهانا على نبوته. وإكمال الله الدين به.
стр. 132
ترجيح فضائل القرآن على الإنجيل
نحن (المسلمين) نؤمن بأن إنجيل المسيح ﵇ هدى ونور بشهادة القرآن له، وإن كنا لا نعرفه، وإنما نؤمن أنه هداية خاصة مؤقتة .. لا عامة دائمة. وإن الله تعالى إنما أكمل دينه ووحيه بالقرآن. ففضائله أتمّ وأكمل. وأعمّ وأشمل. وأبقى وأدوم.
وأذكر فضيلتين من فضائل الإنجيل يزعم النصارى أن ما هو مأثور عندهم فيهما أكمل وأفضل مما جاء به الإسلام؛ (الأولى): قول المسيح ﵇: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى من يبغضكم، ومن ضربك على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر» «١»، ومن المعلوم بالبداهة أن امتثال هذه الأوامر يتعذر على غير الأدلة المستعبدين من الناس، وأنه قد يكون من أكبر المفاسد بإغراء الأقوياء بالضعفاء الخاضعين، وإنك لتجد أعصى الناس لها من يسمون أنفسهم بالمسيحيين.
أمثال هذه الأوامر لا تأتى فى دين الفطرة العام لأن امتثالها من غير المستطاع، والله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]، وإنما قرر القرآن فى موضوعها الجمع بين العدل والفضل والمصلحة. قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٠ - ٤٣].
ولا يخفى أن العفو والمغفرة للمسيء إنما تكون من القادر على الانتصار لنفسه، وبذلك يظهر فضله على من عفا عنه، فيكون سببا لاستبدال المودة بالعداوة، فى مكان الإغراء التعدى ودوام الظلم، ولذلك قال تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
فانظر كيف بين مراتب الكمال ودرجاته من العدل والفضل، وكيف استدل عليه بما فيه من المصلحة وحكم العقل، أفليس هذا الإصلاح الأعلى على لسان أفضل النبيين والمرشدين دليلا على أنه وحى من الله تعالى قد أكمل به الدين؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، لا يجحده إلا من سفه نفسه فكان من الجاهلين.
стр. 133
(الثانية): مبالغة المسيح ﵇ فى التزهيد فى الدنيا والأمر بتركها وذم الغنى، حتى جعل دخول الجمل فى ثقب الإبرة أيسر من دخول الغنى ملكوت السماوات.
ونقول: إن هذه المسألة وسابقتها إنما كانتا إصلاحا مؤقتا لإسراف اليهود وغلوهم فى عبادة المال حتى أفسد أخلاقهم، وآثروا دنياهم على دينهم، والغلو يقاوم مؤقتا
بضده.
وكذلك كانت دولة الرومان السالبة لاستقلال اليهود وغيرهم دولة مسرفة فى الظلم والعدوان، والفسق والطغيان.
وأما الإسلام فهو دين البشر العام الدائم، فلا يقرر فيه إلا ما هو لمصلحة الناس كلّهم فى دينهم ودنياهم، وهو فى هذه المسألة ذم استعمال المال فيما يضر من الإسراف والطغيان، وذم أكله بالباطل ومنع الحقوق المفروضة فيه والبخل به عن الفقراء والضعفاء. ومدح أخذه بحقه وبذله فى حقه، وإنفاقه فى سبيل الله بما ينفع الناس ويعزّ الملة ويقوى الأمة، ويكون عونا لها على حفظ حقيقتها واستقلالها.
وسترى فى المقصد ما هو أعظم من هذا فى إصلاحه العالى.
فهذه المسألة وما قبلها مما أكمل الله تعالى به الدين، فيما أوحاه من كتابه إلى محمد رسول الله ﷺ وخاتم النبيين، وما كان لرجل أمى ولا متعلم أن يصل بعقله إلى أمثال هذا الإصلاح لتعاليم الكتب السماوية التى يتعبّد بها الملايين من البشر، ولكتب الحكماء والفلاسفة أيضا، فهل الأقرب إلى العقل أن يكون بوحى من الله ، أم من نفس محمد ﷺ ؟.
ومهما أنسى من شىء فلن أنسى أول كلمة فى المفاضلة بين فضائل الإسلام والمسيحية طرقت سمعى ووعاها قلبى، أتحسبون أننى سمعتها من أحد شيوخنا الأعلام كالعلامة الشيخ حسين الجسر أو الأستاذ الإمام؟ لا لا، إنما سمعتها من أكبر وجهاء النصارى فى طرابلس الشام (إسكندر كاستفليس) الذى كان قنصل دولتى روسيا وألمانيا معا، جئته من قبل والدى فى مسألة مالية وأنا تلميذ، وكان يسمع أننى عصرى حر الفكر، فلما انتهى الحديث الذى جئته من أجله فتح لى باب الحديث فى الأمور القوميّة والوطنيّة والترقى العصرى، فسمع منى انتقادا لتقصير مسلمى بلادنا وتأخرهم عن غيرهم خلافا لما يرشدهم إليه دينهم، ولم يكن يتوقع هذا منى، فعاملنى بمثل حريتى، وعلى ما كان يصفه به وجهاء بلادنا من التعصب الدينى السياسى لا الاعتقادى، وكان مما قاله هذه الكلمة: إن فى الإسلام فضائل كالجبال وأشمخ وأرسخ، ولكنكم دفنتموها حتى لا تكاد تعرف أو ترى، ونحن عندنا شىء قليل ضئيل ككلمة «حب الله والقريب» فما زلنا نمطه ونمده ونقول الفضائل المسيحية حتى ملأ الدنيا كلها.
стр. 134
شبهة فلسفية على عمل الخير لمرضاة الله تعالى
على ذكر الفلسفة أذكر شبهة لمقلدتهم على الفضائل وعمل الخير بهداية الدين يلوكونها بألسنتهم ولا يعقلون فسادها، وهى أنّ الكمال البشرى؛ أن يعمل الإنسان الخير لذاته أو لأنه خير لا لعلة، ويعدون من أكبر العلل أن يعمله لمرضاة الله أو رجاء فى ثواب الآخرة أو خوفا من عقابها. حتى أننى قرأت لكاتب اشتهر بأنه يمدح الإسلام ويدافع عنه مقالا يهذى فيه بهذه الفلسفة. ومعنى هذا- إن كانوا يفقهون أن من النقص فى الإنسان أن يقصد بعمل الخير والبر ما أرشد إليه الدين من تزكية نفسه وترقية روحه، بحيث تكون راضية مرضية عند ربّ العالمين ذى الكمال المطلق الأعلى، وأهلا لجواره فى دار كرامته. وإنما يكون كاملا إذا خرج عن طبعه، وقصد بعمله النفع لغيره دون تزكية نفسه ودون إرضاء ربه، وأعمل العمل لذاته أى لا لمصلحة ولا لمنفعة فيه، وهذا سفه وعبث ينزه عنه العقلاء.
(فإن قيل): بل نقصد به المصلحة العامة أو المنفعة الخاصة بغير العامل.
(قلنا): إن هذا مما شرعه الدين وجعله مما يرضى الله تعالى، وينال به ثوابه، فهل تشترطون فى كونه خيرا أن يكون فاعله كافرا بالله لا يبتغى رضوانه ولا ثوابه، وأن يحب نفع الناس بشرط أن لا ينتفع هو بعمله فيما لا يضرهم؟ ألا إن هذا لمن الحماقة والسفه، لا من الحكمة والفلسفة.
مثال ذلك: أنّ جميع الصدقات الواجبة والمستحبة من الخير الذى يفضل بها المؤمن غيره على نفسه وأهله، وقد مدح الله فيها الإيثار على النفس، حتى مع الحاجة والفقر، فقال فى أنصار نبيه ﷺ ورضى عنهم: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩]، وذم الرياء فيها وفى كل عمل وهو منفعة دنيوية. وقلّما يفعل غير المؤمن خيرا إلا لأجل الرياء والسمعة. أفتقولون: إنه مع هذا من الخير، وإنما يخرجه من محيط الخير، أن يرتفع به إلى القرية عند الله ؟ وأى خير وفضل وكمال أعلى من القرب إلى ذى العزة والجلال؟.
وجملة القول: إن أركان الدين الثلاثة مأثورة عن جميع الملل القديمة وذلك دليل على أنّ أصلها واحد وهو الوحى وهداية الرسل، وأنه كان قد دبّ إليها الفساد بتعاليم الوثنية وبدعها، فجاء محمّد النبى الأمى بهذا القرآن من عند الله تعالى فأصلح ما كان من
стр. 135
فسادها، الذى جعلها غير كافية لسعادة البشر الآخذين بها، من شوب الإيمان بالله بالشرك، وتشبيه الخالق بالخلق وجعل الجزاء بالمحاباة والفداء لا بالحق والعدل، وجعل العبادات تقاليد كاللعب واللهو، غير مثمرة لتزكية النفس، ولا راجحة فى ميزان العقل، فجاءت عبادات الإسلام وآدابه كلها معقولة مكملة لفطرة الإنسان.
стр. 136
المقصد الثانى من مقاصد القرآن: بيان ما جهل البشر من أمر النبوة والرسالة ووظائف الرسل
كانت العرب تنكر الوحى والرسالة إلا أفرادا من بقايا الحنفاء فى الحجاز وغيره، ومن دخل فى اليهودية والنصرانية لمجاورته لأهلهما، وكانت شبهة مشركى العرب وغيرهم على الوحى استبعاد اختصاص الله تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم، وهم متساوون فى الصفات البشرية بزعمهم، ويقرب منهم اليهود الذين أنكروا أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده، وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة فى شعب إسرائيل وحده، كأن بقيّة البشر ليسوا من عباده الذين يستحقون من رحمته وفضله ما أعطاه لليهود من هداية النبوة. على أنهم وصفوا الأنبياء بالكذب والخداع والاحتيال على الله ومصارعته، وارتكاب كبائر المعاصى- كما تقدم فى
المقصد الأول- ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم؛ وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من الباباوات والعباد، وعبدوهم أيضا، على أنهم نقلوا عن بعض خواص تلاميذه إنكارهم إياه فى وقت الشدة، وعن بعضهم أنه أسلمه لأعدائه، وأنه لعن أكبرهم وسماه شيطانا، وأنه قال لهم: «كلكم تشكون فىّ هذه الليلة»، واتخذ كل من الفريقين أحبارهم ورهبانهم وقساوسهم أربابا من دون الله تعالى بأن نحلوهم حق التشريع الدينى من وضع العبادات والتحليل والتحريم «١»، وكل ذلك من الكفر بالله وإنكار عدله، وعموم رحمته وفضله، ومن مفسدات نوع الإنسان، وجعل السواد الأعظم منه مستعبدا لأفراد من أبناء جنسه، فأبطل الله تعالى كل ذلك بما أنزله من كتابه على خاتم النبيين ﷺ .
١ - بعثة الرسل فى جميع الأمم ووظائفهم:
قال الله : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل: ٣٦]، وقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]، وكرّم الله الإنسان وجعل التشريع الدينى من حقوقه وحده، وإنما النبيون والرسل مبلغون عنه وليسوا بمسيطرين على الأقوام، وطاعتهم تابعة لطاعته، فقد أبطل ما نحلهم الناس من ربوبية التشريع، كما أبطل عبادتهم
стр. 137
وعبادة من دونهم من القديسين، وبذلك تحرر الإنسان من الرق الروحى والعقلى الذى منيت به الأمم المتدينة ولا سيما البوذيين والنصارى.
ولضلال جميع أهل الملل والنحل فى ذلك كرر هذا الإصلاح فى كثير من السور بالتصريح بأن الرسل بشر مثل سائر البشر يوحى إليهم، وبأنهم ليسوا إلا مبلّغين لدين الله تعالى الموحى إليهم. قال الله تعالى لخاتمهم المكمل لدينهم فى خاتمة سورة [الكهف، الآية ١١٠]: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً .. الآية. وقال فى جملتهم: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [الكهف: ٥٦]، ومثلهما فى سورة [الأنعام، الآية: ٤٨)، وفى معناهما آيات أخرى بعثهم مبشرين ومنذرين بالقول والعمل، لا متصرفين فى الكون بالنفع والضر بأنفسهم، ولا بتأثيرهم فى إرادته تعالى. وقد شرحنا ذلك فى تفسير قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨]، وقد بين ذلك النبى ﷺ بأقواله وأعماله وأخلاقه فى العبودية والتواضع بما لا يدع لتأويل الآيات سبيلا. حتى فطن لذلك بعض العلماء الإفرنج الأحرار فقال: إن محمدا لما رأى خزى النصارى بتأليه نبيهم وعبادته لم يكتف بتلقيب نفسه برسول الله حتى أمرهم بأن يقولوا: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله».
٢ - أطوار النصارى وما انتهوا إليه فى الدين:
ومن عجيب أمر النصارى أن وثنيى أوروبا غلبوهم على دينهم لضعفهم وتفرقهم بعدم وجود نظام يجمع أمرهم بقوة حاكمة فتصدّى لجمعهم الملك قسطنطين فانتزعهم من دين التوحيد الذى كان عليه إبراهيم وموسى وعيسى وسائر النبيين، وأسس لهم كنائس كهياكل قومه الوثنيين، ورئاسة دينية رومانية تناوئ اليهود أو الساميين، إلا فلسفة بولس عدو المسيح والمسيحيين، ثم وضع لهم الأحبار والأساقفة من اليونان والروم عقائد وعبادات وشرائع وشعائر كثيرة، لم يبن شىء منها على أساس التوراة التى هى ناموس موسى (ع. م)، ونقلوا عن المسيح أنه قال- قوله الحق- أنه ما جاء لينقض الناموس وإنما جاء ليتممه، ولكن هؤلاء الأوروبيين نقضوه ووضعوا لأنفسهم نواميس أخرى مخالفة له ولما تممه به المسيح من الزهد وترك عبادة المال والشهوات والرياء وحب الرئاسة والبغى والعدوان، وعادوا أتباعه اليهود فى كل شىء.
стр. 138
ولما بعث خاتم النبيين الذى بشر به موسى وعيسى والنبيون عليه وعليهم الصلاة والسلام، وبين الفريقين- اليهود والنصارى- ما اختلفوا فيه من أمر الدين، ورأوا اليهود والنصارى يتبعونه لعلمهم بأنه جدد لهم دين أنبيائهم عادوه وحاربوه كما تقدم، ولكنهم استفادوا من نوره ﷺ ما حملهم على إصلاح كبير فى دينهم قاتل عليه بعضهم بعضا حتى صارت أوروبا فريقين متكافئين فى القوة، وكل ذلك معروف بالتفصيل فى العالم كله.
ثم حدث بعد ذلك أن حرب دين الإصلاح (البروتستنت) ما زال يتدرج فيما خالف فيه دين الكاثوليك والأرثوذكس وهو حرية البحث فى الدين حتى صار الملايين من أتباعه لا يؤمنون بعصمة كتب العهد القديم ولا العهد الجديد، ثم عقدوا مجامع ومناظرات قرروا فيها بطلان القول بألوهية المسيح.
ثم حدث فى هذا العام أن جاهر الجمهور الأعظم فى الممالك الجرمانية بوجوب بناء دين الأمة على قواعد جنسها الآرى، وهدم قواعد الجنس السامى الدينية وأنبيائه من بنى إسرائيل، فبرز البابا يناهضهم ويصرح بأنهم يعودون إلى الوثنية القديمة فعلم من هذا الحدث الجديد أنّ الديانة النصرانية التى هدمها الشيوعيون فى شرق أوروبا وآسيا (الروسية) وطفقوا يبثّون الدعوة بهدمها هى وسائر الأديان، والتى أعقبهم الفاشيون من الجرمان بهدمها فى قلب أوروبا- ليست بالديانة التى تثبت فى عواصف هذه الفتن الجديدة، وإنما الذى يقوى على ذلك دين الإسلام وحده.
فلا سبيل إلى إنقاذ أوروبا وسائر العالم من فوضى كفر التعطيل والإباحة إلا به.
٣ - مسألة الشفاعة:
وأما مسألة الشفاعة التى كان مشركو العرب يثبتونها لمعبوداتهم فى الدنيا، وأهل الكتاب يثبتونها لأنبيائهم وقديسيهم فى الدنيا والآخرة، فقد نفاها القرآن وأبطلها وأثبت أن الشفاعة لله جميعا، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٢٨، ٢٩]، وقد فصلنا ذلك فى تفسير سورة البقرة وغيرها مرارا (ومنه أن الشفاعة الثابتة فى الأحاديث غير الشفاعة والوثنية والنصرانية المنفية فى القرآن)، وقد قرر هذه المسألة فى بضع وعشرين آية من السور المكية والمدنية.
فأنت ترى أن القرآن قد بين حقيقة هذه المسألة التى ضل فيها الملايين من البشر فأشركوا
стр. 139
بالله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، فهل كان هذا مما استمده محمد ﷺ من علماء أهل الكتاب، فجادوا به عليه وبخلوا به على أقوامهم؟ أم هو نابع من نفسه وزهو يقتضى أن ما ينبع منها أعلى من وحى الله لغيره على حسب دعوى أتباع هؤلاء الرسل؟ كلا إنما هى من وحى الله تعالى له.
٤ - الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم:
ومما بيّنه القرآن فى مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى وعدم التفرقة بينهم فى الإيمان، وأنّ الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلّهم؛ لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة، ووظيفتهم فى إرشاد المكلفين رسالته وشرعه واحدة، قال الله تعالى فى خواتيم سورة البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]، وبين فى سورة [النساء، الآيات: ١٥٠ - ١٥٢] أن التفرقة بينهم فى الإيمان هى الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان.
وهذا مبنىّ على الإيمان بأن دين الله تعالى الذى أرسل به جميع رسله واحد فى أصوله ومقاصده من هداية البشر وإصلاحهم، وإعدادهم لسعادة الدنيا والآخرة، وإنما كانت تختلف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام، ومقتضيات الزمان والمكان، حتى بعث الرسول بالأصول الموافقة لكلّ زمان ومكان، مع الإذن بالاجتهاد فى المصالح التى تختلف باختلاف الأطوال والأحوال، فالإيمان ببعضهم دون بعض فى رسالتهم الإلهية اتباع للهوى فى الإيمان وجهل بحقيقة الدين، فلا يعتد به، لأنه عين الكفر.
وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بنى إسرائيل وأبيهم وجدهم، على ما يذكرون فى كتبهم من عيوب ومنكرات وفواحش يرمونهم بها.
وأما المسلمون فيؤمنون بأن رب العالمين أرسل فى كل الأمم رسلا هادين مهديين فهم يؤمنون بهم إجمالا، وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلا، فقد كرّم الإسلام بهذا نوع الإنسان، ومهّد به السبيل للألفة والأخوة الإنسانية العامة التى نبينها بعد، فالمسلم صديق ومحبّ وحبيب لجميع الأنبياء والمرسلين فى الدنيا والآخرة، وتجاه هذا يصح أن يقال: إن غير المسلم عدو لله ولهم كلهم، لأن تكذيبه لبعضهم تكذيب لرسالتهم ولمرسلهم سبحانه.
стр. 140
وهذه المزية لأمة محمد ﷺ من المزايا التى كان بها حجة على سائر الأمم، وأهلا لمنصب الإمامة فيها، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣]، فهى الوسط العدل فى الإيمان بجميع الرسل وما جاءوا به من أركان الدين الثلاثة (كما بيناه فى المقصد الأول) وفى غير ذلك من الفضائل والأعمال.
وأما شهادتها على الناس فهى تابعة لما كلفته من دعوة جميع الأمم إلى حقيقة دين الرسل التى تلقتها من خاتم النبيين ﷺ وحلّت محلّه فى الدعوة إلى ما جاء به من بعده، فهو ﷺ يشهد عليها يوم القيامة كما يشهد كل رسول على قومه الذين كانوا فى زمانه كما قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١].
ومن المعلوم بنص القرآن أنّ بعض الأنبياء والرسل أفضل من بعض بتخصيص الله تعالى، وبما كان لكلّ نبى من عمل فى نفع العباد وهدايتهم، وهى متفاوتة جدا،
قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: ٢٥٣]، ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمدا خاتم النبيين، الذى أكمل الله به الدين وأرسله رحمة للعالمين، هو الذى رفعه الله عليهم كلهم درجات كما بيناه فى تفسير تلك الآية بالإجمال «١»، وفصلناه فى هذا الكتاب أقصد التفصيل.
وأنك لتجد مع هذا أنه ﷺ قال لأتباعه: «لا تفضلوا بين أنبياء الله» قاله إنكارا على رجل من المسلمين لطم يهوديا لأنه قال: لا والذى اصطفى موسى على البشر فشكاه إلى النبى ﷺ فغضب غضبا شديدا على صاحبه المسلم، وقاله وبين مزية لموسى ﵊ فى الآخرة ثم قال: «ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى»، والحديث رواه الشيخان فى الصحيحين، وفى روايات أخرى للبخارى: «لا تخيروا بين الأنبياء»، وفى بعضها: «لا تخيرونى على موسى». والغرض من ذلك كله منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء ﵈، ومن التعادى بين الناس لأجلهم، ومن الغلو فيه ﷺ ، وإلا فهو قد قال فى تعليل نهيه عن سؤال أهل الكتاب عن شىء: «والله لو كان حيا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعنى». أبو يعلى من حديث جابر.
стр. 141
ذلك بأن مثل الأنبياء كمثل ولاة الأقطار فى مملكة واحدة، أو مثل قواد الجيش فى المعسكرات المتفرقة لدولة محدودة، ومثل خاتمهم صاحب الرسالة العامة كمثل القائد والوالى العام عند إرادة توحيد السياسة والقيادة، وهذا معنى تبشير الأنبياء بمحمد ﷺ «١»، وأخذ الميثاق عليهم بوجوب الإيمان به ونصره وأتباعه إذا جاءهم فرضا كما نراه فى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] «٢».
стр. 142
بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله وما يشبه بعضها من الكرامات، وما يشتبه بها من خوارق العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها
تكلمنا فى الفصل الثانى فى آيات الأنبياء التى تسميها النصارى بالعجائب، ويسميها علماء الكلام منا بالمعجزات، ويعدّونها قسما من خوارق العادات، وكان الكلام فيها هنالك للمقابلة والموازنة بين آيات الأنبياء الكونية وآيات خاتمهم الكبرى العلمية العقلية الدائمة وهى القرآن، وتأثير كل فى الاهتداء إلى الإيمان.
ونأتى هنا ببحث آخر فى تلك الآيات، وما يشبهها أو يشتبه بها من الكرامات، وسائر خوارق العادات، وما كان من إصلاح الإسلام لضلال البشر فيها، والصعود بهم إلى أعلى مراقى الإيمان، واللائق بطور الرشد العقلى لنوع الإنسان، والعلم الواسع بسنن الأكوان، الذى منحوه برسالة محمد خاتم النبيين ﵊، فنقول:
آيات الله تعالى فى خلقه نوعان:
(النوع الأول): الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة فى نظام الخلق والتكوين وهى أكثرها وأظهرها وأدلّها على كمال قدرته وإرادته، وإحاطة علمه وحكمته، وسعة فضله ورحمته.
(النوع الثانى): الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهى أقلّها وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره فى جميع ما خلق وما يخلق، وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التى قام بها نظام هذا العالم، فالسّنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شىء خلقه، وقد يأتى بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة، ولولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التى تتحرك بنظام دقيق لا علم لها ولا إرادة ولا اختيار فيه، كآلة الساعة الصغيرة التى تعرف بها أوقات الليل والنهار. وآلات البواخر والمعامل الكبيرة.
والماديون المنكرون لوجود الخالق، والفلاسفة الذين يسمونه العلة الفاعلة للوجود يعبرون عن هذا النظام (بنظرية الميكانيكية)، وهم يتكلفون اختراع العلل والأسباب لكل ما يرونه مخالفا لسننه المعروفة، ويسمّون ما لا يهتدون إلى تعليله من الأمور المخالفة لها بفلتات
стр. 143
الطبيعة، ويقيسون ما لم يظهر لهم تعليله على ما اقتنعوا بتعليل له وإن لم يقم عليه دليل يثبته، ويقولون إن ما لم يظهر لنا اليوم فلا بد أن يظهر لنا أو لمن بعدنا غدا. وهذا دأبهم فى جميع نظرياتهم العلمية إذ ليس عندهم علم قطعى بشيء منها، وهذا مرادهم من تسميتها بالنظريات، فمعناها المسائل الموضوعة للنظر والبحث والاستدلال «١».
سنن الله فى عالم الشهادة وعالم الغيب:
ونحن معشر المؤمنين بعالم الغيب وما فيه من الملائكة- وهم جند الله الأكبر- وما لهم من التأثير والتدبير فى عالم الشهادة المادى بإذن الله تعالى وتسخيره، نعتقد أن لله تعالى سننا فى نظام ذلك العالم غير سننه الخاصة بعالم المادة، وأن الإنسان هو حلقة الاتصال بين العالمين، فجسده ووظائفه الحيوية من عالم الشهادة، وروحه من عالم الغيب، وهو ما دام فى عالم الجسد المادى فإن جميع مداركه تكون مشغولة بعالم المادة وسننها، وحاجاته الشخصية والنوعية منها، فيحجبه ذلك عن عالم الروح الغيبى حتى روحه وهى الفصل المقوم لحقيقته، وإنما يكون الظهور والسلطان للروح على الجسد فى الحياة الآخرة، إلا من اصطفى الله تعالى من رسله وأنبيائه فأعدّهم بفضله ورحمته للاتصال بملائكته والتلقى عنهم، وأظهرهم على ما شاء من غيبه ليبلغوا عباده عنه ما أمرهم به، وقد يشرف غيرهم من الأصفياء وأصحاب الرياضات النفسية على بعض الخواص الروحية دون ما يطلع عليه الله أنبياءه ورسله ﵈.
الغيب قسمان حقيقى وإضافى:
الغيب: ما غاب علمه عن الناس، وهو قسمان: غيب حقيقىّ لا يعلمه إلا الله، وغيب إضافىّ يعلمه بعض الخلق دون بعض لأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطرى والعمل الكسبى، ومن أظهره الله على بعض الغيب الحقيقى من رسله فليس لهم فى ذلك كسب لأنه من خصائص النبوة غير المكتسبة «٢».
стр. 144
ومن دونهم أفراد من خواصّ أتباعهم وأوتوا نصيبا من الإشراف على ذلك العالم بانكشاف ما للحجاب، وإدراك ما لشىء من تلك الأنوار، كان بها إيمانهم برسلهم فوق إيمان أهل البرهان. وقد روى عن أمير المؤمنين علىّ كرّم الله وجهه أنه قال: «لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا». يعنى والله أعلم أن الله قد شرح صدره للإسلام، فكان على نور من ربّه بلغ به مقام الاطمئنان، وقد صحّ عن بعض من دونه من الصحابة فى العلم والعرفان، أنهم رأوا النور الغيبى بالعيان، ورأوا الملائكة ﵈، فى غير ما كانوا يرون جبريل متمثلا بصورة إنسان.
ومن دون هؤلاء أفراد آخرون قد يكون لهم من سلامة الفطرة، أن معالجة النّفس بأنواع من الرياضة، أو من طروء مرض يصرف قوى النفس عن الاهتمام بشهوات الجسد، أو من سلطان إرادة قوية على إرادة ضعيفة تصرفها عن حسها، وتوجه قواها النفسية إلى ما شاءت أن تدركه لقوتها الخاصة بها- قد يكون لهؤلاء الأفراد فى بعض الأحوال من قوة الروح ما يلمحون به بعض الأشياء أو الأشخاص البعيدة عنهم، وتتمثل لهم بعض الأمور قبل وقوعها مرتسمة فى خيالهم فيخبرون بها فتقع كما أخبروا، وثبت هذا وذاك عند بعض الماديين فى هذا الزمان «١».
стр. 145
الخوارق الحقيقية والصورية عند الأمم
إنّ الأمور التى تأتى فى الظاهر على غير السنن المعروفة. أو الخارقة للعادات المألوفة، منقولة عن جميع الأمم فى جميع العصور نقلا متواترا فى جنسه دون جميع أنواع أو أفراد وقائعه، وليست كلّها خوارق حقيقية، فإن منها ما له من أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعى يستفاد بتعليم خاص، وإن منها لما هو من خصائص قوى النفس فى توجيهها إلى مطالبها، وفى تأثير أقوياء الإرادة فى ضعفائها، ويدخل فى هذين المكاشفة فى بعض الأمور والتنويم المغناطيسى، وشفاء بعض المرضى ولا سيما المصابين بالأمراض العصبية التى يؤثر فيها الاعتقاد والوهم، ومنها بعض أنواع العمى والفالج، فإن من الناس من يفقد بصره بمرض يطرأ على أعصاب عينيه وهما صحيحان تلمعان فى وجهه، أو يغشاهما بياض عارض مع بقاء طبقاتهما صحيحة، وليس منه الكمه والعمى الذى يقع بطمس العينين وغئورهما كالذى أبرأه المسيح ﵇ بإذن الله تعالى.
ومنه انخداع البصر بالتخييل الذى يحذقه المشعوذون، ومنه ما فعله سحرة فرعون المبين بقوله تعالى: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: ٦٦].
ومنه انخداع السمع كالذى يفعله الذين يدّعون استخدام الجن إذ يتكلمون ليلا بأصوات غريبة غير أصواتهم المعتادة فيظن مصدّقهم أنّ ذلك صوت الجنى، وقد يتكلمون نهارا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاههم «١»، فلا ينبغى أن يوثق بشيء من أخبارهم ولا من نقلهم، ومن الدلائل على كذب المنتحلين لهذه الغرائب إنهم جعلوها وسيلة لمعايشهم الدنيئة، وأنهم لو كانوا صادقين فيها لتنافس الملوك وكبار علماء الكون فى صحبتهم والانتفاع بهم.
وقد بينّا هذه الأنواع من الخوارق الصورية فى بحث السحر من تفسير سورة الأعراف «٢»، وفى المقالات التى عقدناها للكرامات وأنواعها وتعليلها فى المجلد الثانى من المنار، وأتممناها فى المجلد السادس منه.