ذلك بأن مثل الأنبياء كمثل ولاة الأقطار فى مملكة واحدة، أو مثل قواد الجيش فى المعسكرات المتفرقة لدولة محدودة، ومثل خاتمهم صاحب الرسالة العامة كمثل القائد والوالى العام عند إرادة توحيد السياسة والقيادة، وهذا معنى تبشير الأنبياء بمحمد ﷺ «١»، وأخذ الميثاق عليهم بوجوب الإيمان به ونصره وأتباعه إذا جاءهم فرضا كما نراه فى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] «٢».
стр. 142
بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله وما يشبه بعضها من الكرامات، وما يشتبه بها من خوارق العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها
تكلمنا فى الفصل الثانى فى آيات الأنبياء التى تسميها النصارى بالعجائب، ويسميها علماء الكلام منا بالمعجزات، ويعدّونها قسما من خوارق العادات، وكان الكلام فيها هنالك للمقابلة والموازنة بين آيات الأنبياء الكونية وآيات خاتمهم الكبرى العلمية العقلية الدائمة وهى القرآن، وتأثير كل فى الاهتداء إلى الإيمان.
ونأتى هنا ببحث آخر فى تلك الآيات، وما يشبهها أو يشتبه بها من الكرامات، وسائر خوارق العادات، وما كان من إصلاح الإسلام لضلال البشر فيها، والصعود بهم إلى أعلى مراقى الإيمان، واللائق بطور الرشد العقلى لنوع الإنسان، والعلم الواسع بسنن الأكوان، الذى منحوه برسالة محمد خاتم النبيين ﵊، فنقول:
آيات الله تعالى فى خلقه نوعان:
(النوع الأول): الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة فى نظام الخلق والتكوين وهى أكثرها وأظهرها وأدلّها على كمال قدرته وإرادته، وإحاطة علمه وحكمته، وسعة فضله ورحمته.
(النوع الثانى): الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهى أقلّها وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره فى جميع ما خلق وما يخلق، وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التى قام بها نظام هذا العالم، فالسّنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شىء خلقه، وقد يأتى بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة، ولولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التى تتحرك بنظام دقيق لا علم لها ولا إرادة ولا اختيار فيه، كآلة الساعة الصغيرة التى تعرف بها أوقات الليل والنهار. وآلات البواخر والمعامل الكبيرة.
والماديون المنكرون لوجود الخالق، والفلاسفة الذين يسمونه العلة الفاعلة للوجود يعبرون عن هذا النظام (بنظرية الميكانيكية)، وهم يتكلفون اختراع العلل والأسباب لكل ما يرونه مخالفا لسننه المعروفة، ويسمّون ما لا يهتدون إلى تعليله من الأمور المخالفة لها بفلتات
стр. 143
الطبيعة، ويقيسون ما لم يظهر لهم تعليله على ما اقتنعوا بتعليل له وإن لم يقم عليه دليل يثبته، ويقولون إن ما لم يظهر لنا اليوم فلا بد أن يظهر لنا أو لمن بعدنا غدا. وهذا دأبهم فى جميع نظرياتهم العلمية إذ ليس عندهم علم قطعى بشيء منها، وهذا مرادهم من تسميتها بالنظريات، فمعناها المسائل الموضوعة للنظر والبحث والاستدلال «١».
سنن الله فى عالم الشهادة وعالم الغيب:
ونحن معشر المؤمنين بعالم الغيب وما فيه من الملائكة- وهم جند الله الأكبر- وما لهم من التأثير والتدبير فى عالم الشهادة المادى بإذن الله تعالى وتسخيره، نعتقد أن لله تعالى سننا فى نظام ذلك العالم غير سننه الخاصة بعالم المادة، وأن الإنسان هو حلقة الاتصال بين العالمين، فجسده ووظائفه الحيوية من عالم الشهادة، وروحه من عالم الغيب، وهو ما دام فى عالم الجسد المادى فإن جميع مداركه تكون مشغولة بعالم المادة وسننها، وحاجاته الشخصية والنوعية منها، فيحجبه ذلك عن عالم الروح الغيبى حتى روحه وهى الفصل المقوم لحقيقته، وإنما يكون الظهور والسلطان للروح على الجسد فى الحياة الآخرة، إلا من اصطفى الله تعالى من رسله وأنبيائه فأعدّهم بفضله ورحمته للاتصال بملائكته والتلقى عنهم، وأظهرهم على ما شاء من غيبه ليبلغوا عباده عنه ما أمرهم به، وقد يشرف غيرهم من الأصفياء وأصحاب الرياضات النفسية على بعض الخواص الروحية دون ما يطلع عليه الله أنبياءه ورسله ﵈.
الغيب قسمان حقيقى وإضافى:
الغيب: ما غاب علمه عن الناس، وهو قسمان: غيب حقيقىّ لا يعلمه إلا الله، وغيب إضافىّ يعلمه بعض الخلق دون بعض لأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطرى والعمل الكسبى، ومن أظهره الله على بعض الغيب الحقيقى من رسله فليس لهم فى ذلك كسب لأنه من خصائص النبوة غير المكتسبة «٢».
стр. 144
ومن دونهم أفراد من خواصّ أتباعهم وأوتوا نصيبا من الإشراف على ذلك العالم بانكشاف ما للحجاب، وإدراك ما لشىء من تلك الأنوار، كان بها إيمانهم برسلهم فوق إيمان أهل البرهان. وقد روى عن أمير المؤمنين علىّ كرّم الله وجهه أنه قال: «لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا». يعنى والله أعلم أن الله قد شرح صدره للإسلام، فكان على نور من ربّه بلغ به مقام الاطمئنان، وقد صحّ عن بعض من دونه من الصحابة فى العلم والعرفان، أنهم رأوا النور الغيبى بالعيان، ورأوا الملائكة ﵈، فى غير ما كانوا يرون جبريل متمثلا بصورة إنسان.
ومن دون هؤلاء أفراد آخرون قد يكون لهم من سلامة الفطرة، أن معالجة النّفس بأنواع من الرياضة، أو من طروء مرض يصرف قوى النفس عن الاهتمام بشهوات الجسد، أو من سلطان إرادة قوية على إرادة ضعيفة تصرفها عن حسها، وتوجه قواها النفسية إلى ما شاءت أن تدركه لقوتها الخاصة بها- قد يكون لهؤلاء الأفراد فى بعض الأحوال من قوة الروح ما يلمحون به بعض الأشياء أو الأشخاص البعيدة عنهم، وتتمثل لهم بعض الأمور قبل وقوعها مرتسمة فى خيالهم فيخبرون بها فتقع كما أخبروا، وثبت هذا وذاك عند بعض الماديين فى هذا الزمان «١».
стр. 145
الخوارق الحقيقية والصورية عند الأمم
إنّ الأمور التى تأتى فى الظاهر على غير السنن المعروفة. أو الخارقة للعادات المألوفة، منقولة عن جميع الأمم فى جميع العصور نقلا متواترا فى جنسه دون جميع أنواع أو أفراد وقائعه، وليست كلّها خوارق حقيقية، فإن منها ما له من أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعى يستفاد بتعليم خاص، وإن منها لما هو من خصائص قوى النفس فى توجيهها إلى مطالبها، وفى تأثير أقوياء الإرادة فى ضعفائها، ويدخل فى هذين المكاشفة فى بعض الأمور والتنويم المغناطيسى، وشفاء بعض المرضى ولا سيما المصابين بالأمراض العصبية التى يؤثر فيها الاعتقاد والوهم، ومنها بعض أنواع العمى والفالج، فإن من الناس من يفقد بصره بمرض يطرأ على أعصاب عينيه وهما صحيحان تلمعان فى وجهه، أو يغشاهما بياض عارض مع بقاء طبقاتهما صحيحة، وليس منه الكمه والعمى الذى يقع بطمس العينين وغئورهما كالذى أبرأه المسيح ﵇ بإذن الله تعالى.
ومنه انخداع البصر بالتخييل الذى يحذقه المشعوذون، ومنه ما فعله سحرة فرعون المبين بقوله تعالى: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: ٦٦].
ومنه انخداع السمع كالذى يفعله الذين يدّعون استخدام الجن إذ يتكلمون ليلا بأصوات غريبة غير أصواتهم المعتادة فيظن مصدّقهم أنّ ذلك صوت الجنى، وقد يتكلمون نهارا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاههم «١»، فلا ينبغى أن يوثق بشيء من أخبارهم ولا من نقلهم، ومن الدلائل على كذب المنتحلين لهذه الغرائب إنهم جعلوها وسيلة لمعايشهم الدنيئة، وأنهم لو كانوا صادقين فيها لتنافس الملوك وكبار علماء الكون فى صحبتهم والانتفاع بهم.
وقد بينّا هذه الأنواع من الخوارق الصورية فى بحث السحر من تفسير سورة الأعراف «٢»، وفى المقالات التى عقدناها للكرامات وأنواعها وتعليلها فى المجلد الثانى من المنار، وأتممناها فى المجلد السادس منه.
стр. 146
إنّ عوام الشعوب الذين يجهلون تواريخ الأمم، وما وجد عند كل منها من هذه الغرائب، ومما كشفه العلماء من حيل فيها وعلل، يغترون بما عندهم منها، ويخضعون للدجالين والمحتالين الذين ينتحلونها، ويمكنونهم من أموالهم فيسلبونها، ويأتمنونهم على أعراضهم فينتهكونها، ولا سيما إذا كانوا يأتون ما يأتون منها، على أنه من كرامات الأولياء وعجائب القديسين، ويقل تصديق هذا أو الانقياد لأهله حيث ينتشر تعليم التواريخ وما عند جميع الأمم من ذلك، على أنه لا يزال كثيرا فى جميع بلاد أوروبا وأمريكا، ولعله دون ما فى بلاد الشرق ولا سيما القرى وهمج الزنوج وغيرهم.
بيد أن آيات الله الحقيقية التى نسميها المعجزات هى فوق هذه الأعمال الصناعية الغريبة لا كسب لأحد من البشر ولا صنع لهم فيها، وأن ما أيد به رسله منها لم يكن يكسبهم ولا عملهم ولا تأثيرهم، حتى ما يكون بدؤه بحركة إرادية يأمرهم الله تعالى بها، ألم يهد لك كيف خاف موسى ﵇ حين تحولت عصاه حية تسعى، فولّى مدبرا ولم يعقب «١» لشدة خوفه منها، حتى هدأ الله روعه وأمن خوفه؟ أو لم تقرأ قوله لمحمد ﷺ : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧]؟، أو لم تفهم ما أمره الله تعالى أن يجيب به مقترحى الآيات عليه من قومه بقوله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٣]؟، وقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام: ١٠٩] وما فى معناهما؟!.
стр. 147
الفرق بين المعجزة والكرامة
إن الله تعالى لم يؤيد رسله بما أيّدهم به من المعجزات إلا لتكون حجة لهم على أقوامهم يهدى بها المستعد للهداية، وتحق بها الكلمة على الجاحدين المعاندين فتقع عليهم العقوبة، وذلك لا يكون إلا بإظهارها، فهو واجب لإتمام تبليغ الدعوة التى أرسلوا لتبليغها. وما كان الأنبياء يدعون الله تعالى بشيء من خوارق العادات غير ما يؤيدهم به من الآيات الدالة على صدقهم فى دعوى الرسالة إلا لضرورة كالاستسقاء.
وكان خاتمهم وأكرمهم على الله تعالى يصبر هو وأهل بيته وأصحابه على المرض والجوع والعطش، ولا يدعو لهم ﷺ بما يزيل ذلك إلا نادرا. وقد سألته المرأة التى كانت تصرع أن يدعو الله لها بالشفاء فأرشدها إلى أن الصبر على مصيبتها خير لها، فشكت إليه أنها تتكشف عند النوبة وسألته أن يدعو لها ألا تتكشف فدعا لها واستجاب الله دعاءه.
وكان المشركون يقترحون عليه الآيات كآيات موسى وعيسى (ع. م)، فيجيبهم بأمر الله تعالى بما هو صريح فى أن الآيات عند الله وهو القادر عليها دون الرسول، ومنه التعجب من طلبهم بقوله تعالى له: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٣]، وقوله وما فى معناها ما حكاه من جواب الرسل الأولين لأقوامهم الذين كانوا يطالبونهم بمثل ذلك بقوله تعالى: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١].
والأصل فى الكرامة الإخفاء والكتمان وكثيرا ما يكون ظهورها فتنة للناس.
وما كان أهلها يظهرون ما لهم كسب فيه منها كالمكاشفة إلا لضرورة وقد صرح بهذا محققو العلماء والصوفية، فهو متفق عليه بينهم خلافا للمشهور بين العامة.
قال التاج السبكى فى سياق حجج منكرى جواز وقوع الكرامات من طبقات الشافعية:
«(الحجة الثانية): قالوا لو جازت الكرامة لاشتبهت بالمعجزة، فلا تدلّ المعجزة على ثبوت النبوة. والجواب منع الاشتباه بقرن المعجزة بدعوى النبوة دون الكرامة، فهى إنما تقترن بكمال اتباع النبى من الولى. وأيضا فالمعجزة يجب على صاحبها الاشتهار، والكرامة مبناها على الإخفاء، ولا تظهر إلا على الندرة والخصوص لا على الكثرة والعموم. وأيضا فالمعجزة يجوز أن تقع بجميع خوارق العادات، والكرامة تختص ببعضها كما بيناه من كلام القشيرى وهو الصحيح» أ. هـ. ثم قال:
стр. 148
«(الحجة الرابعة): قالوا لو جاز ظهور خوارق العادات على أيدى الصالحين لما أمكن أن يستدل على نبوة الأنبياء بظهورها على أيديهم لجواز أن تظهر على يد الولى سرا فإن من أصول معظم جماعتكم أنّ الأولياء لا يظهرون الكرامات ولا يدعون بها وإنما تظهر سرا وراء ستور ويتخصص بالاطلاع عليها آحاد الناس ويكون ظهورها سرا مستمرا بحيث لا يلتحق بحكم المعتاد، فإذا ظهر نبى وتحدّى بمعجزة جاز أن تكون مما اعتاده أولياء عصره من الكرامات فلا يتحقّق فى حقه خرق العادة، فكيف السبيل إلى تصديقه مع عدم تحقق خرق العوائد فى حقه؟ وأيضا تكرر الكرامة يلحقها بالمعتاد فى حق الأولياء وذلك بصدهم عن تصحيح النظر فى المعجزة إذا ظهر نبى فى زمنهم».
وقال فى الجواب: «لأئمتنا وجهان؛ الأول: منع توالى الكرامات واستمرارها حتى تصير فى حكم العوائد، وإنما يجوز ظهورها على وجه لا تصير عادة فلا يلزم ما ذكروه، والثانى:
وهو لمعظم أئمتنا قالوا: إنه يجوز توالى الكرامات على وجه الاختفاء بحيث لا يظهر ولا يشيع ولا يعتاد لئلا تخرج الكرامات عن كونها كرامات» أ. هـ.
وأقول: إن المحققين من الصوفية يوافقون علماء الكلام والأصول على منع توالى الكرامات وتكرارها، ومنع إظهارها.
قال الشيخ محيى الدين بن عربى: إن ما يتكرر لا يكون كرامة لأنه يكون عادة وإنما الكرامة من خوارق العادات.
وقال الشيخ أحمد رفاعى: إنّ الأولياء يستترون من الكرامة كما تستتر المرأة من دم المحيض، وصرحوا بأنها ليست بشرط للولاية ولا دليل عليها.
جهل هذا الأصل المحكم من عقائد الإسلام أدعياء العلم من سدنة القبور والمعبودة وغيرهم، فظنوا أنّ المعجزات والكرامات أمور كسبية كالصناعات العادية، وأن الأنبياء والصالحين يفعلونها باختيارهم فى حياتهم وبعد مماتهم متى شاءوا، ويغرون «١» الناس بإتيان قبورهم ولو بشد الرحال إليها، لدعائهم والاستغاثة بهم عندها ليدفعوا أو يرفعوا عنهم نزول البلاء والشدائد التى يعجزون عن دفعها بكسبهم وكسب أمثالهم من البشر بالأسباب العادية- كالأطباء مثلا- ويتقرّبون إليهم بالنذور والقرابين كما كان المشركون يتقربون إلى
стр. 149
آلهتهم من الأصنام وغيرها، وهم يأكلونها سحتا حراما، ويخبرونهم بأن دين الله تعالى يأمرهم أن يعتقدوا أنهم يقضون حوائجهم، حتى قال بعضهم إنهم يخرجون من قبورهم بأجسادهم ويتولون قضاء الحاجات، وكشف الكربات، ولو كانت كذلك لما كانت من خوارق العادات، وقال بعضهم فى كتاب مطبوع: إن فلانا من الأقطاب يميت ويحيى، ويسعد ويشقى، ويفقر ويغنى. بل قالوا وكتبوا ما هو أبعد من ذلك عن نصوص الكتاب والسنة القطعية المحكمة، والعقائد المجمع عليها المعلومة من الدين
بالضرورة فى الأصل، وما كان عليه مسلمو القرون الأولى، فصارت بانتشار الخرافات والجهل من الكرامات. التى تؤوّل وتحرف لأجلها الآيات المحكمات. وقد فصّلنا هذا فى تفسير المنار مرارا ونجمله فيما يأتى:
стр. 150
الكافرون بالآيات صنفان: مكذبون ومشركون، وعلاج كل منهما
الكافرون بآيات الله تعالى صنفان؛ صنف: يكذبها كلها ولا يؤمنون بشيء منها، وصنف: يشرك بالله غيره فيها فينحله ما هو خاص به لا يقدر عليه سواه بدعوى أن الله تعالى هو الذى أعطاهم القدرة الغيبية على ذلك وصرفهم فى العالم كرامة لهم.
أى: هو الذى أشركهم معه، كما كان المشركون يقولون فى حجهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما تملك)، وإنما يتحامون ألفاظ العبادة والشرك والخلق دون معانيها. فيكذبون على الله تعالى وعليهم بما يكذبهم به كتابه المنزل، ونبيه المرسل، ولكنهم يؤولون ما هو حجة عليهم، ويحرفون ما هو شبهة لهم، فيحتجون به على جهلهم، كآية:
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الزمر: ٣٤]، وهى كأمثالها فى جزاء جميع المؤمنين المتقين فى الآخرة، ويذكرون أن الله كان يرزق مريم ﵍ بغير حساب، وما كان رزقها من فعلها، ولا يدرى أحد كيف سخره الله لها ويذكرون وحيه إلى أم موسى بإرضاعه وإلقائه فى اليم، وما هو من فعلها أيضا، وقد قيل بنبوتها، ويذكرون عرش ملكة سبأ وهو من آياته تعالى لنبيه سليمان، وليس فى الآية تصريح برؤيته مستقرا عنده كيف كانت، فقيل إن الذى جاء به جبريل، وقيل ملك آخر، وقيل ولى وهو وزير سليمان، وهذا من الإسرائيليات غير المعقولة.
إنّ إفساد هؤلاء الخرافيين للبشر فى دينهم ودنياهم لأشدّ من إفساد المنكرين للآيات المكذبين بها، ذلك بأنهم هم أكبر أسباب هذا الإنكار والتكذيب، وبزعمهم أن الأنبياء ومن دونهم من الصالحين يتصرّفون فى الخلق بما يخالف سنن الله تعالى فيه أو يبدلها بغيرها ويحولها عما وضعت له، وزعمهم أن الله هو الذى دعا الناس إلى هذا الاعتقاد وجعله أساس دينه، فكذّبوا بالدين من أساسه، فدعوى تصرف الأنبياء والصالحين فى الكون قول على الله بغير علم، وافتراء على الله بكونه شرعا لم يأذن به الله، وهو أشد أنواع الكفر بالله لأن ضرره متعد بما فيه من إضلال الناس باعتقاد باطل يتبعه عبادة باطلة غير مشروعة.
стр. 151
علاج خرافات تصرف الأولياء فى الكون:
أما الذين يشركون بالله فى عبادته بجهلهم لآياته وتقليد أمثالهم من الجاهلين فى خرافاتهم، فلا علاج لهم إلا تعليمهم توحيد الله الخالص فى ربوبيته وألوهيته بآيات القرآن، دون نظريات كتب الكلام، وتعليمهم وظائف الرسل، وكونهم بشرا اختصهم الله تعالى بوحيه لتبليغ عباده ما ارتضاه لهم من الدين بالقول والعمل، وحصر اختصاصهم بالتعليم والإرشاد تبشيرا وإنذارا، وتنفيذ أحكام شرعه فيهم بالعدل والمساواة، ولم يؤتهم من التصرف الفعلى فى خلقه ما يقدرون به على هداية أقرب الناس وأحبهم إليهم بالطبع كالوالد والولد والزوجة ومن دونهم من أولى القربى، فوالد إبراهيم الخليل عاش كافرا ومات كافرا عدوا لله ورسوله وخليله، وولد نوح أول الرسل إلى الأمم مات كافرا ولم يأذن الله تعالى لنوح بحمله فى السفينة فكان من الكافرين المغرقين، وكان أبو لهب عمّ محمّد- حبيب الله ورسوله- أشدّ أعدائه الصادين عنه المؤذين له، وأنزل الله فى ذمه ووعيده سورة من القرآن يتعبد بها المؤمنون إلى يوم القيامة لم ينزل مثلها فى أحد من أعدائه وأعداء رسوله ﷺ . بل كان من كمال حكمة الله تعالى أن عمه الذى كفله ورباه وكف عنه أذى المشركين ما استطاع لم يؤمن به وقد عرض عليه أن ينطق بكلمة «لا إله إلا الله» ليشهد له بها يوم القيامة فامتنع فأنزل الله تعالى فيه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦] رواه مسلم فى صحيحه. وقد شرحنا هذا الموضوع فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤] .. الآيات «١»، ثم بينا فى خلاصة هذه السورة (الأنعام) وظائف الرسل ﵈ بما يحسن أن يراجعه من يحب استيفاء هذا الموضوع «٢»، وإذا كان الأنبياء والمرسلون لم يؤتوا القدرة على التصرف فى الكون فكيف يؤتاه الأولياء وغيرهم؟!.
стр. 152
المنكرون للمعجزات وشبهة الخوارق الكسبية عليها
وأما المنكرون للآيات فلا يمكن أن تقوم عليهم الحجّة إلا بالقرآن كما تقدّم فهم لا يصدّقون ما ينقله اليهود والنصارى من آيات موسى وعيسى وغيرهما من النبيين (ع. م)، ولا يسلمون صحة تواترها، إذ يقيسون نقلهم لها على ما ينقله العوام فى كل عصر عن بعض المعتقدين فى بلادهم من الخوارق الخادعة التى مثارها الوهم والتخيّل، ويحتجون على ذلك بأن يوسيفوس المؤرخ اليهودى المعاصر للمسيح (ع. م) لم ينقل للناس أخبار عجائبه التى تقصها الأناجيل التى ألّفت بعده. ويعلّلونها على تقدير صحة النقل بما يعللون به الخوارق الصورية التى يشاهدونها فى كل عصر، فإن لم يستطيعوا تعليلها قالوا إنه لا بد لها من سبب كسبى يظهر لنا أو يعترف به فاعلوها كما وقع فى أمثالها من صوفية الهندوس (الفقراء) كالارتفاع فى الهواء وغير ذلك مما هو أغرب منه (كما بيناه فى الكلام على عجائب المسيح من الفصل الثانى).
أعجوبة من خوارق الهنود
روت إحدى الجرائد المصرية فى هذه الأيام «١» من أخبار سائحى الإفرنج فى الهند حادثة لفقير من هؤلاء الفقراء اسمه سارجو هاردياس وقعت فى سنة ١٨٣٧، خلاصتها أن هذا الفقير جاء قصر المهراجا رانجيت سنجا أمير بنجاب وعرض عليه أن يريه بعض كراماته وكان المهراجا لا يصدّق ما ينقل من خوارق هؤلاء الفقراء، فسأله عما يريد إظهاره فقال إنه يدفن أربعين يوما ثم يعود إليهم حيا، فأحضر المهراجا نفرا من أطباء الانكليز والفرنسيس وأمراء بنجاب فجلس الفقير القرفصاء أمامهم فكفّنوه بعد أن وضعوا القطن والشمع على أذنيه وأنفه- كما أوصاهم- وخاطوا عليه الكفن ووضعوه فى صندوق من الخشب السميك وسمّروا غطاءه ووضع المهراجا عليه ختمه، ودفنوه فى قبو داخل حجرة صغيرة فى حديقة القصر وأقفلوا بابها ووضع المهراجا ختمه بالشمع على قفلها، وأمر اثنين من رجال حرسه الأمناء بحراستها وطائفة من جنده بمعاونتهما، وكان ذلك كله بمشهد من حضر من الأوربيين والبنجابيين وحاشية المهراجا.
стр. 153
ولما تمت الأربعون حضر هؤلاء كلّهم قصر المهراجا وشاهدوا ختم الحجرة كما كان، والعشب أمامها فى الحديقة لم تطأه قدم أحد، ثم فتحوا باب الحجرة وامتحنوا أختام القبو ثم أخرجوا الصندوق وامتحنوا أختامه فوجدوها كلّها على حالها، ففتحوه وأخرجوا الفقير منه فإذا هو كما وصفه أحد أولئك من الانكليز قال:
لما فتحوا الصندوق وأخرجوا الفقير منه وجدت الذراعين والساقين صلبة والرأس مائلا على إحدى الكنفين فخلتنى أمام جثّة هامدة فارقتها الحياة منذ أمد بعيد، فطلبت من طبيبى أن يفحصها فانحنى عليها وجسّ القلب والصدغين والذراعين وقال: إنه لم يجد أثرا للنبض البتة ولكنه شعر حرارة فى منطقة الدماغ إلخ.
ثم نفذ ما أوصى الفقير أن يعمل بعد إخراجه فغسّل بالماء الحار فرد على الأوصال لينها السابق بالتدريج، وأزيل القطن والشمع عن الأذنين والأنف ووضعت أكياس دافئة على الرأس فدبّت الحياة فى الجسد المسجى، وتقلصت الأعصاب والأطراف ثم اضطربت فسال منها عرق غزير وعادت الأعضاء إلى حالتها الأولى، وبعد دقائق اتسعت حدقتا العينين وعاد إليهما لونهما الطبيعىّ، فلمّا رأى الفقير المهراجا شاخصا إليه دهشا متحيرا قال له:
أرأيت يا مولاى صدق قولى وفعلى؟ وبعد نصف ساعة خرج من التابوت وأنشأ يحدث الحاضرين أحسن حديث ويطرفهم بما يحير العقول أ. هـ.
إن هذه الحادثة من آيات الله التى أظهرتها الرياضة المكتسبة، وهى أعجب من رواية الإنجيل لموت ليعازر ثم حياته بدعاء المسيح بعد أربعة أيام- كما تقدم فى بحث عجائبه (ع. م) - وأغرب من حادثة أصحاب الكهف أيضا من بعض الوجوه فإن الفقير الهندى قد سد أنفه، ولفّ فى كفن، ووضع فى تابوت دفن تحت الأرض، فحيل بينه وبين الهواء الذى لا يعيش أحد بدونه عادة، وأهل الكهف ناموا فى فجوة واسعة من كهف بابه إلى الشمال مهب الهواء اللطيف، وكانت الشمس تصيب مدخله من جانبيه عند شروقها وعند غروبها مائلة متزاورة عنهم، فتلطف هواءه من حيث لا تصيبهم، وإنما كان أكبر الغرابة فى نومهم طول مدة لبثهم فيه، وكانت طويلة جدا حتى على نقل البيضاوى وغيره من المفسرين أن قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [الكهف: ٢٥] الآية- حكاية عن بعض المختلفين فى أمرهم، فإن كان خلافا ظاهر السياق فقد يقويه قوله تعالى فى الآية بعدها:
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا [الكهف: ٢٦]، والله أعلم بكل حال على كل حال، وإن خفى سر آياته على خلقه، ولا شىء من الأمرين بمحال، وقد نام بعض أهل العصر بمرض النوم عدة أشهر.
стр. 154
ولكن ما جرى للفقير الهندى مخالف لسنّة الحياة العامة فى الناس، فإذا ثبت أنه وقع بطريقة كسبية من طريق رياضة هؤلاء الصوفية لأبدانهم وأنفسهم بما تبقى به الحياة كامنة فى أجسادهم مثل هذه المدة الطويلة مع انتفاء أسبابها العامة فى أحوال الناس الاعتيادية من دورة الدم والنفس وغير ذلك، فلا وجه لاتخاذ أحد من العقلاء إنكار كل ما يخالف السّنن العامة قاعدة عامة، ولا سيما فعل الخالق لها وهو خالق كلّ شىء بقدرته، وواضع نظام السّنن والأسباب بمشيئته، وأكثر منكرى الخوارق يؤمنون به، وإنما ينكرون وقوع شىء مخالف لسننه بأنه مناف لحكمته، ومن ذا الذى أحاط بحكمه أو بسننه علما؟
وإنما الذى يقضى به العقل أن لا نصدق بوقوع شىء على خلاف السّنن الثابتة المطردة فى نظام الأسباب العامة إلا إذا ثبت ثبوتا قطعيا لا يحتمل التأويل، وهذا هو المعتمد عند المحقّقين من المسلمين وعلماء المادة وعلماء النفس وغيرهم، وقد ثبت فى هذا العصر من خواص الكهرباء وغيرها ما لو قيل لعقلاء الناس وحكمائهم قبل ثبوته بالفعل إنه من الممكنات، لحكموا على مدعى مكانه بالجنون لا بتصديق الخرافات كما قلنا من قبل «١».
المعجزات قسمان: تكوينية، وروحانية تشبه الكسبية
المعجزات كلّها من الله تعالى لا من كسب الأنبياء كما نطق به القرآن الكريم، ولكنها بحسب مظهرها قسمان: قسم لا يعرف له سنة إلهية يجرى عليها فهو يشبه الأحكام الاستثنائية فى قوانين الحكومات، وأما ما يكون بإرادة سنية من الملوك لمصلحة خاصة- ولله المثل الأعلى- وقسم يقع بسنة إلهية وروحانية لا مادية.
أما المأثور من آيات الله التى أيد بها موسى (ع. م) وأثبتها القرآن له كالآيات التسع بمصر فهى من القسم الأول، ولم يكن شىء منها بكسب له حقيقى ولا صورى، وكذلك الآيات الأخرى التى ظهرت فى أثناء خروجه ببنى إسرائيل ومدة التيه، بل كل ذلك كان بفعل الله بدون سبب كسبى لموسى (ع. م) إلا ما يأمره الله تعالى به من ضرب البحر أو الحجر بعصاه التى هى آيته الكبرى. ولم ينقل عن أحد من الأنبياء آية كهذه الآيات فضلا عمّن دونهم، ولا هى مما يحتمل أن يكون بسبب من الأسباب الروحية التى
تكون لأحد من الناس بالرياضة وتوجيه الإرادة أو خواص المادة وقواها.
وأما المسيح (ع. م) فالآيات التى أيده الله تعالى بها- على كونها خارقة للعادات
стр. 155
الكسبية وعلى خلاف السنن المعروفة للناس- قد يظهر فيها أنها كلها أو جلها حدث على سنة الله فى عالم الأرواح كما كان خلقه كذلك، فقد حملت أمه به بنفخة من روح الله فيها (وهو الملك جبريل ﵇ كانت سبب علوقها به بفعلها فى الرحم ما يفعل مسيح الرجل بقدرة الله ، فلا غرو إن كانت مظاهر آياته أعظم من مظاهر سائر الروحانيين من الأنبياء والأولياء كالكشف وشفاء بعض المرضى وغير ذلك من التأثير فى المادة الذى اشتهر عن كثير منهم، والفرق بينه وبين الروحانيين من صوفية الهنود والمسلمين أن روحانيته ﵇ أقوى وأكمل، وأقدس وأفضل، وإنها لم تكن بعمل كسبى منه. بل من أصل خلق الله إياه بآية منه كما قال الله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٩١]، وقال:
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠]، فآيتهما هى الحمل به وخلقه بنفخ الروح الإلهى. لا بسبب التلقيح البشرى، ولا بما قيل من احتمال وجود مادتى الذكورة والأنوثة فى رحمها كوجودها فى بعض الأحياء الدنيا.
وأعظم آياته الروحانية التى أثبتها له التنزيل ولم ينقلها مؤلفو الأناجيل الأربعة وروى أنها منصوصة فى إنجيل الطفولة الذى نبذته المجامع الكنسية قبل البعثة المحمدية ففقد من العالم) هى أنه كان يأخذ قطعة من الطين فيجعلها بهيئة طير فينفخ فيه (أى من روحه) فيكون طيرا بإذن الله تعالى ومشيئته، والمروى أنه كان يطير قليلا ويقع ميتا، ودون هذا إحياء الميت الصحيح الجسم القريب العهد بالحياة فإن توجيه سيال روحه القوى إلى جثة الميت مع توجيه قلبه إلى الله ودعائه كاد يكون سببا روحانيا لإعادة روحه إليه بإذن الله ومشيئته، كما يمس النور ذبال السراج المنطفئ فتشتعل، أو كما يتصل السلك الحامل للكهربائية الإيجابية بالسلك الحامل للكهربائية السلبية بعد انقطاعها فيتألق النور منهما، وما ينقل عن صوفية الهنود إعادة الحياة إلى ميت مؤقتا فهو إن صحّ مكسوب بالرياضة، وقد ثبت عن بعض أطباء هذا العصر إعادة الحياة الحيوانية إلى فاقدها عقب فقدها بعملية جراحية أو بمعالجة للقلب.
ومن دون هذا وذاك شفاء بعض الأمراض ولا سيما العصبية سواء أكان سببها مس الشيطان وتلبسه بالمجنون كما فى الأناجيل أم غيره، فإن الشيطان روح خبيث لا يستطيع البقاء مع توجيه الروح الطاهر الذى هو شعلة من روح القدس جبريل ﵇ واتصاله بمن تلبس به، وقد وقع مثل هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الروحانيين حتى أن
стр. 156
تلميذه العلامة المحقق ابن القيم ذكر أنه أرسله أو رجلا آخر إلى مصروع وخاطب الجنى الذى فيه بقوله: الشيخ يأمرك أن تخرج، فخرج وشفى الرجل فى الحال، وما من مرض عصى أو غيره إلا وهو ضعف فى الحياة حقيق بأن يزول باتصال هذا الروح بالمصاب به وبما دونه من تأثير النفس.
ومن دون هذا وذاك المكاشفات المعبر عنها فيما حكاه تعالى عنه «١» بقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩]، وقد أنبأ غيره من أنبياء بنى إسرائيل وغيرهم، وكذا غيرهم من الروحانيين ولا سيما صالحى أمة محمد ﷺ بما هو أعظم من هذا من الأمور المستقبلة ولكنها درجات متفاوتة فى القوة والضعف، وطول المدة وقصرها، والثقة بالمرئى وعدمها، وإدراك الحاضر الموجود، والغائب المفقود، وما كان فى الأزمنة الماضية، وما يأتى فى الأزمنة المستقبلة، فأعلاها خاص بالأنبياء إذا لم يوجد ولن يوجد بشر يعلم بالكشف ما وقع منذ القرون الأولى كأخبار القرآن من الرسل الأولين مع أقوامهم، أو ما يقع بعد سنين فى المستقبل كإخباره عن عودة الكرة للروم على الفرس، وإخباره ﷺ بفتح الأمصار واتباع الأمم لأمته، ثم بتداعيهم عليها كما يتداعى الآكلون إلى قصعة الطعام، وقد أخبر بعض أصحابه بأعيانهم بما يقع من ذلك فى زمنهم كسقوط ملك كسرى، وسنعقد فصلا خاصا بأخبار الغيب فى القرآن والحديث فى الجزء التالى كما وعدنا فى فاتحة هذه الطبعة، ومن المكاشفات الثابتة فى هذا العصر ما يسمّونه قراءة الأفكار، وقد شاهدنا من فعله، ومنها مراسلة الأفكار كما تقدّم.
فتبين بهذا وذاك أن آيات الله تعالى المشهور لموسى (ع. م) بمحض قدرته تعالى دون سننه الظاهرة فى قواه الروحية، وأنّ آياته لعيسى (ع. م) بخلاف ذلك، والنوع الأول أدل على قدرة الله تعالى ومشيئته واختياره فى أفعاله فى نظر البشر لبعدها عن نظام الأسباب والمسببات التى تجرى عليها أفعالهم
стр. 157
عبادة بعض الناس للمسيح وللأولياء دون موسى
وإنما عبد بعض البشر عيسى واتخذوه إلها ولم يعبدوا موسى كذلك وآياته أعظم لأنهم جهلوا أنّ آيات عيسى جارية على سنن روحية عامة قد يشاركه فيها غيره فظنوا أنه يفعلها بمحض قدرته التى هى عين قدرة الخالق سبحانه لحلوله فيه واتحاده به بزعمهم، وآيات موسى بمحض قدرة الله وحده، ولم يفطنوا لاتباع عيسى لموسى فى
شرعه (التوراة) إلا قليلا مما نسخه الله على لسانه؛ من إحلال بعض ما حرم عليهم بظلمهم عقوبة لهم، ومن تحريم ما كانوا عليه من الغلو فى عبادة المال والشهوات.
ومثل النصارى فى هذا من يفتنون من المسلمين بعبادة الصالحين بدعائهم فى الشدائد لاعتقادهم أنهم يدفعون عنهم الضرّ، ويجلبون لهم النفع بالتصرف الغيبى الخارج عن سنن الله فى الأسباب والمسببات الداخل عندهم فى باب الكرامات، وهو خاص بالرب تعالى، ولكنهم لا يطلقون على أحد منهم اسم الربّ ولا الإله ولا الخالق. إذ الأسماء اصطلاحية، وإنما الفرقان بين الخالق والمخلوق والرب والمربوب أن الربّ الخالق هو القادر على النفع والضر لمن يشاء وصرفهما عمن يشاء بما يسخره من الأسباب وبدونها إن شاء، وأن المخلوق المربوب هو المقيد فى أفعاله الكسبية الاختيارية فى النفع والضر بسنن الله تعالى فى الأسباب والمسببات التى سخرها تعالى لجميع خلقه، ولكنهم يتفاوتون فى العلم والعمل بها كما يتفاوتون فى الاستعداد لها بقوى العقل والحواس والأعضاء، وفى وسائلها، وقد بلغ البشر بالعلم والعمل الكسبيين من المنافع ودفع المضار ما لم يعهد مثله لأحد من خلق الله قبلهم لا الأنبياء ولا غيرهم لأن الأنبياء المرسلين لم يبعثوا لهذا، وإنما بعثوا لهداية الناس إلى معرفة الله وعبادته وتهذيب أخلاقهم بها، فمنافع الدّنيا لا تطلب منهم أحياء ولا أمواتا، وإنما تطلب من أسبابها، وما وراء الأسباب لا يقدر عليه إلا الله وقد قتل الظالمون بعض الأنبياء والأولياء، وآذوا بعضهم بضروب من الإيذاء، ولم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم، ولذلك تكرر فى القرآن الحكيم نفى هذا النفع والضرر عن كل ما عبدوا من دون الله بالذات أو بالشفاعة عند الله تعالى كما قال: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨]، ومثلها آيات. وأمر خاتم رسله أن يعلم الناس ذلك كما فعل من قبله من الرسل فقال: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ
стр. 158
يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨]، وقال تعالى: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً [الجن: ٢١]، وقد فصلنا هذه المسألة مرارا.
ونلخص الموضوع هنا فى المسائل الآتية: (١) أن الله تعالى قد أتقن كل شىء خلقه فجعله بإحكام ونظام لا تفاوت فيه، ولا اختلال، وسنن مطردة ربط فيها الأسباب بالمسببات، فمخلوقاته العليا والسفلى. هى مظهر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولهذا قال حجة الإسلام الغزالى: ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وهذا النظام المطرد فى الأكوان، والثابت بالحس والعقل ونصوص القرآن- هو البرهان الأعظم على وحدانية خالق السموات والأرض: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢].
(٢) إن سنن الله تعالى فى إبداع خلقه ونظام الحركة والسكون والتحليل والتركيب فيه لا يحيط بها علما غيره ، وكلما ازداد البشر فيها نظرا وتفكرا واختيارا وتدبرا وتجربة وتصرفا، ظهر لهم من أسرارها وعجائبها ما لم يكونوا يعلمون ولا يظنون، ومن منافعها ما لم يكونوا يتخيلون ولا يتوهمون.
وها نحن أولاء نرى مراكبهم الهوائية من تجارية وحربية تحلّق فى الجو، حتى تكاد تبلغ محيط الهواء، وبعض مراكبهم البحرية تغوص فى لجج البحار، ونراهم يتخاطبون من مختلف الأقطار، كما نطق الوحى بتخاطب أهل الجنة مع أهل النار، فيسمع أهل المشرق أصوات أهل المغرب، وأهل الجنوب حديث أهل الشمال وخطبهم وأغانيهم، قبل أن يسمعها بعض أهل البلد أو المكان الذى يصدر عنه الكلام «١»، وقد يغمز أحدهم زرا كهربائيا فى قارة أوروبا فتتحرك بغمزته آلات عظيمة فى قارة أخرى فى طرفة عين، وبينهما المهامة الفيح، والجبال الشاهقة، ومن دونهما البحار الواسعة، والجاهلون بهذه السنن الإلهية، والفنون العملية، لا يزالون يلجئون فى طلب المنافع ودفع المضار من غير طريق الأسباب- التى ضيّق الجهل عليهم سبلها- إلى قبور الموتى من الصالحين المعروفين والمجهولين، ليقضوا لهم حاجاتهم، ويشفوا مرضاهم، ويعينوهم على أعدائهم، بل ينتقموا لهم من أصدقائهم الذين عادوهم بغيا وفسادا. من زوج وقريب وجار ووطنى، وأعداؤهم فى دينهم ووطنهم من الأجانب قد سادوا حكومتهم، واستذلّوا أمّتهم، واستأثروا بجل ثروتهم، ولا يتصرف فيهم هؤلاء الأولياء بما يدفع عن المسلمين ضررهم وإذلالهم!!.
стр. 159
(٣) إنّ الأصل فى كلّ ما يحدث فى العالم أن يكون جاريا على نظام الأسباب والمسببات، وسنن الله التى دلّ عليها العلم، وأخبرنا الوحى بأنه لا تغيير فيها ولا تبديل لها ولا تحويل، فكلّ خبر عن حادث يقع مخالفا لهذا النظام والسنن فالأصل فيه أن يكون كذبا اختلقه المخبر الذى ادعى شهوده، أو خدع به ولبس عليه فيه، فإن كان قد وقع فلا بد أن يكون له سبب من الأسباب الخفية التى يجهلها المخبر، كما حقّقه علماء الأصول فى بحث الخبر وما يقطع بكذبه منه.
(٤) إن آيات الله التى تجرى على غير سننه الحكيمة فى خلقه لا يثبت العلم بها إلا بدليل قطعى. وقد كان من حكمته أن أيّد بعض النبيين المرسلين بشيء منها لإقامة حجتهم وتخويف المعاندين لهم، وقد انقطعت هذه الآيات ببعثة خاتمهم محمّد ﷺ وسبب ذلك أو حكمته ختم النبوّة برسالته .. وجعل ما أوحاه إليه آية دائمة، وهداية عامة لجميع البشر مدة بقائهم فى هذه الدنيا، وأنزل عليه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، لعلمه تعالى بأنهم لا يحتاجون بعد الوحى إلى وحى آخر، ولا إلى آية على أنه من عند الله تعالى إلا هذا القرآن نفسه، وهذا الكتاب فى جملته وتفصيله مشتمل على كثير من الدلائل العقلية العلمية على كونه من عنده، كما فصلنا من قبل، ونزيده بيانا فيما بعد.
وقد ادّعى الباب والبهاء والقاديانى الوحى فى القرنين الأخيرين فجاءوا بأسخف ما عزا إلى مسيلمة الكذاب، وسأورد نماذج من وحيهم الشيطانى فى الجزء الثانى من هذا الكتاب مما فيه عبرة لأولى الألباب.
ختم النبوة وانقطاع الخوارق بها ومعنى الكرامات
(٥) لو كان للبشر حاجة بعد القرآن ومحمّد ﷺ إلى الآيات كما يدّعى المفتونون بالكرامات ومخترعو الأديان والنّحل الجديدة لما كان ختم النبوّة، وقد بلغ من غلو مارقة الصوفية الروحانية أن امتروا فى ختم النبوّة «١»، فانكروه أو تألوه لا دعائهم نوعا منها، ومنهم من ابتدع اسما أو وصفا للنبوّة التى ادعوها وهو النبوّة الظلية وفتن بفتنتهم البابية والبهائية، حتى عبدوا الباب والبهاء إذا ادعيا الألوهية، وفتن بها (غلام أحمد القاديانى) فادعى النبوّة والمسيحية له ولخلفائه بلا انقطاع، حتى سامها المرتزقة منهم والرعاع.
стр. 160
وقد بين شيخنا الأستاذ الإمام فى رسالة التوحيد كيف ارتقى التشريع الدينىّ فى الأمم بارتقاء نوع الإنسان فى الإدراك والعقل كارتقاء الأفراد من طفولة إلى شباب إلى كهولة حتى بلغ فيها رشده واستوى، وصار يدرك بعقله هذه الهداية العقلية العليا (هداية القرآن) بعد أن كان لا سبيل إلى إذعانه لتعليم الوحى، إلا ما يدهش حسه ويعى عقله من آيات الكون (يعنى أنه بلغ هذا الرشد فى جملته واستعداد كثير من أفراده لا كلهم ولا أكثرهم).
بين فى الكلام على وجه الحاجة إلى الرسالة أن سموّ عقل الإنسان وسلطانه على قوى الكون الأعظم بما هى مسخرة له تنافى خضوعه واستكانته لشىء منها. إلا ما عجز عن إدراك سببه وعلته، واعتقد أنه من قبل السلطان الغيبى الأعلى لمدبر الكون ومسخر الأسباب فيه. فكان من رحمة الله تعالى به «أنه أتاه من أضعف الجهات فيه وهى جهة الخضوع والاستكانة فأقام له من بين أفراده مرشدين هادين، وميزهم من بينها بخصائص فى أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم، وأيد ذلك زيادة فى الإقناع بآيات باهرات تملك النفوس، وتأخذ الطريق على سوابق العقول، فيستخذى الطامح، ويذل الجامع، ويصدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه».
ثم قال فى رسالة محمّد ﷺ : نبى صدق الأنبياء ولكنه لم يأت فى الإقناع برسالته بما يلهى الأبصار، أو يحير الحواس، أو يدهش المشاعر، ولكن طالب كل قوة بالعمل فيما أعدت له واختص العقل بالخطاب، وحاكم إليه الخطأ والصواب وجعل فى قوة الكلام، وسلطان البلاغة، وصحة الدليل. مبلغ الحجة وآية الحق الذى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢].
لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن
(٦) إنه لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء فى هذا العصر بحجّة لا يمكن لمن عقلها ردها إلا هذا القرآن العظيم، وما ثبت فيه بالنص الصريح منها، أقول هذا اتجاه إنكار العلماء الواقفين على كتب الأديان التى قبل الإسلام- حتى كتب اليهود والنصارى- وعلى تواريخها لتواتر ما ذكر فيها من الآيات واشتباههم فى كونها خوارق حقيقية، وفى كون الخوارق تدل على نبوتهم، وحجتهم على الأول: أنّ التواتر الذى يفيد العلم القطعى غير متحقق فى نقل شىء منها، وهو نقل الجمع الكثير الذى يؤمن تواطؤهم على الكذب لخبر أدركوه بالحس وحمله عنهم مثلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل بدون انقطاع، وإنما يكون
стр. 161
استحالة تواطؤهم على الكذب بأمور أهمها عدم التحيز والتشيع لمضمون الخبر وعدم تقليد بعضهم لبعض فيه، وآية صحة هذا التواتر حصول العلم القطعى به وإذعان النفس له، وعدم إمكان رده اعتقادا ووجدانا، وهذا غير حاصل فى رواية آيات الأنبياء الأولين عندهم، بل زعم بعض علماء الإفرنج أن قصة المسيح وضعية خيالية لا واقعة حقيقية، ولها أمثال فى التاريخ. وتقدم الكلام فى آياته والمراد فيها.
وشبهتهم على الثانى: أنّ وقوع الخوارق المذكورة لا يدلّ على النبوّة والرسالة كما بيناه فى الكلام على الآيات والخوارق وإثبات النبوّة من أواخر الفصل الثانى.
وأما آية القرآن فهى باقية ببقائه إلى يوم القيامة، وكلّ واقف على تاريخ الإسلام يعلم علما قطعيا أنه متواتر تواترا متصلا فى كل عصر من عصر الرسول الذى جاء به إلى الآن، وأما الذى يخفى على كثير منهم فهو وجوه إعجازه الدالة على أنه وحى إلهى، وقد شرحنا شبهتهم عليه وبينا بطلانها فى هذا الكتاب، وإذ قد ثبت بذلك كونه وحيا من الله تعالى فقد وجب الإيمان بكل ما أتته من آياته فى خلقه سواء أكانت لتأييد رسله وإقامة حجّتهم أم لا، كما يجب على كلّ مؤمن به أن يؤمن بها، ويجب أن يؤمن بانقطاع معجزات الرسل بعد ختم النبوة بمحمّد ﷺ .
وإذ كان لا يجب على مسلم أن يؤمن بوقوع كرامة كونية خارقة للعادة بعد محمد خاتم النبيين ﷺ فلا يضرّ مسلما فى دينه أن يعتقد كما يعتقد أكثر عقلاء العلماء والحكماء من أن ما يدعيه الناس من الخوارق فى جميع الأمم أكثره كذب، وبعضه صناعة علم، أو تأثير نفس، أو شعوذة سحر- وأقله من خواص الأرواح البشرية العالية، وعلامته أن يكون علما صحيحا موافقا للمنقول الشرعى، والمعقول القطعى، أو عملا نافعا مشروعا، وأن يكون من صدر عنه مؤمنا عاقلا صالحا، فكل ما ينقله المتصوّفة مخالفا لذلك من التصرف الضار بالناس فى دينهم أو صحتهم فهو إن صح من تأثير الأنفس الخبيثة كالإصابة بالعين والتنويم المغناطيسى الضار لا كله.
(٧) إنّ الثابت بنصوص القرآن من آيات الأنبياء المرسلين المعنية قليل جدا. فما كانت دلالته من هذه النصوص قطعية فصرفه عنها بالحكم فى التأويل الذى تأباه مدلولات اللغة العربية، وينقض شيئا من قواعد الشرع القطعية، يعد ارتدادا عن الإسلام، وما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية وجب حمله على ظاهره إن لم يعارضه نصّ أو دليل مثله أو أقوى منه، فإن عارضه فحينئذ ينظر فى الترجيح بين المتعارضين بالأدلة المعروفة، والخروج عن ذلك ابتداع.
стр. 162
الإيمان بالقدر والسّنن العامة وآيات الله الخاصة
إننا نؤمن بأن الله تعالى هو خالق كلّ شىء بقدرته وإرادته، واختياره وحكمته، وأنه الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ كما قال فى سورة الم [السجدة، الآية: ٧]، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ كما قال فى سورة [النمل، الآية: ٨٨]، وأنه ليس فى خلقه تفاوت ولا فطور كما قال فى سورة [الملك، الآية: ٣]، وأنه خلق كل شىء بنظام وتقدير لا جزافا ولا أنفا «١»، كما قال فى سورة [القمر، الآية: ٤٩] إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، وقال فى [سورة الفرقان، الآية: ٢] وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، وقال فى سورة [الحجر، الآية: ١٩ - ٢١] وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ «٢».
وأن له تعالى فى نظام التكوين والإبداع، وفيما هدى إليه البشر من نظام الاجتماع، سننا مطردة تتصل فيها الأسباب بالمسبّبات، لا تتبدل ولا تتحول محاباة لأحد من الناس، وأن سننه تعالى عامة فى عالم الأجسام وعالم الأرواح، وقد ورد ذكر السنن الاجتماعية باللفظ فى سورة: المائدة، والأنفال، والحجر، والإسراء، والكهف، والأحزاب، وفاطر، والمؤمن (غافر)، والفتح.
فهذه الآيات البيّنات ناطقة بأنّ القدر والتقدير عبارة عن النظام العام فى الخلق الذى تكون فيه الأشياء بقدر أسبابها بحسب السنن والنواميس العامة التى وضعها الخالق لها، لا ما اشتهر عند الجماهير من الناس من أن المقدر ما ليس له سبب، أو ما يفعله الله على خلاف النظام والسنن، وقد يصح إطلاقه على ما لا يعرفون سببه، ولا يحيط بأسباب الحوادث علما إلا خالقها، ومقدر سببها وسنتها.
نؤمن بأنّ له تعالى فى خلقه آيات بينات، وأن له فى آياته حكما جلية أو خفية، وأن ما منحنا إياه من العقل والشرع يأبيان علينا أن نثبت وقوع شىء فى الخلق على خلاف ما تقدم بيانه من نظام التقدير، وسنن التدبير، إلا ببرهان قطعى يشترك العقل والحس فى إثباته
стр. 163
وتمحيصه، وأنه لا بد أن يكون وقوعه لحكمة بالغة لا عن خلل ولا عبث، وأن ما خفى علينا من حكمه تعالى فهو كسائر ما يخفى علينا من أمور خلقه، نبحث عنهما لنزداد علما بكماله، ونكمل به أنفسنا بقدر استطاعتنا، ولا نتخذها حجّة ولا عذرا على الكفر به لجهلنا، وقد ثبت لأعلم علماء البشر فى كل عصر أنّ ما نجهل من هذا الكون أكثر مما نعلم، ويستحيل أن يحيط البشر به علما.
أجمع على هذا علماء هذا العصر الماديين على سعة علمهم بالمادة وسننها، وكثرة ما أحدثوا من الصناعات والمنافع بتسخيرها، فما قولك بعالم الرّوح والغيب؟ إنه ليظهر فيهم قبلهم صدق قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
ونؤمن بأن الله تعالى قد أرسل إلى البشر رسلا هدوهم بآياته إلى الخروج من مضيق مدارك الحس، وما يستنبطه الفكر منها بادئ الرأى، إلى ما وراءها من سعة عالم الغيب، ولولا هدايتهم لظلّ البشر ألوف الألوف من السنين ينكرون وجود ما لم يكونوا يدركونه بحواسهم من الأجسام وأعراضها، وبقياسهم ما جهلوا على ما علموا منها. وما ينكره الإنسان ويعتقد استحالة وجوده لا يبحث عنه.
وقد علمنا من التاريخ أنّ الإيمان بالله وبآياته لرسله، وباليوم الآخر، وبما يكون فيه من الحساب والجزاء على الأعمال، هو الذى وجه عقول البشر إلى البحث فى أسرار الوجود، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الارتقاء فى العلوم والفنون والصناعات فى الأجيال المختلفة، ولم يكن لغير المؤمنين بالغيب منهم نصيب فى ذلك- فهذا الإيمان بالأركان الثلاثة من الغيب هو الذى أوصل البشر إلى علوم وأعمال كان يعدها غير المؤمنين بالغيب من مجالات العقول كالغيب الذى أنكروه، حتى لم يعد شىء من أخبار الغيب بعيدا عن العقل بعد ثبوتها.
فتبين لنا بهذا وبما قبله أنه كان للبشر بآيات الأنبياء ثلاث فوائد هى من حكم نصبه تعالى لتلك الآيات.
(الأولى): جعلها دليلا حسيا على اختياره تعالى فى جميع أفعاله، وكون سنن النظام فى الخلق خاضعة له، لا حاكمة عليه ولا مقيدة لإرادته وقدرته.
(الثانية): جعلها دليلا على صدق رسله فيما يخبرون عنه بوحيه، ونذرا للمعاندين لهم
стр. 164
من الكفار، ولو كانت مما يقدر عليه البشر بكسبهم، أو تقع منهم باستعداد روحى فيهم، لما كانت آية على صدقهم.
(الثالثة): هداية عقول البشر برؤيتها إلى سعة دائرة الممكنات، وضيق نطاق المحال فى المعقولات، وإلى أن كون الشيء بعيدا عن الأسباب المعتادة والأمور المعهودة والسنن المعروفة، لا يقتضى أن يكون محالا يجزم العقل بعدم وقوعه، وبكذب المخبر به ولو مع قيام الدليل على صدقه، وإنما غايته أن يكون الأصل فيه عدم الثبوت فيتوقف ثبوته على الدليل الصحيح، وهذه قاعدة كبار علماء الكون فى هذا العصر، فلا ينقصهم لتكميل علمهم إلا ثبوت آية الله تعالى لا يمكن أن يكون لها علة من سنن الكون وسبب من أسبابه المطردة، والماديون المنكرون لآيات الرسل لن يجدوا هذه الآية فى عالم المادة وإنما يجدونها فى القرآن.
ذلك بأنّ كلّ ما فى عالم المادة فهو خاضع لما يسمى فى عرفهم بالأسباب والنواميس والعلل، وفى لغة القرآن بالسنن والقدر (كما قرأنا عليك آنفا)، ولذلك تجدهم
يبحثون بالتحليلات المادية عن الموجود الأول فى الأزل، وما كان يبحث عنه الفلاسفة المتقدمون بالدلائل العقلية ويسمّونه علّة العلل، وإنما الموجود الأول هو الله تعالى واجب الوجود الذى صدر عنه كلّ ما عداه من الموجودات، وهم لما يعرفوا أول ما صدر عنه بمحض قدرته ومشيئته المعبر عنها عندنا بكلمة التكوين، وهى قوله تعالى للشيء (كن فيكون) وهذا غيب الغيوب، ومنهم من يرى أن العلم به متعذر ومنهم من يطلبه ويرجوه.
ولكن الأمر قد انقلب عندهم إلى ضده فإن كثيرا من الذين وصلوا إلى هذه العلوم والأعمال المقربة لآيات الرسل، وما دعوا إليه من الإيمان بالغيب من العقول، قد صارت هذه العلوم نفسها سببا لإنكارها ما كان سببا لها وموصلا إليها (وهو الآيات والإيمان بالغيب) لا إنكار إمكانه فى العقل. بل إنكار ثبوته بالفعل، فهم ينكرون أن يكون الخالق قد فعل ما صاروا يفعلون نظيرا له فى الغرابة، وكان ينبغى لهم أن يجعلوه دليلا عليه مبينا لحقيته كما قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣]، ولكنهم كلما أراهم آية من آياته الروحية فى أنفسهم أو من آياته الكونية فى الآفاق التمسوا لها سنة أو فرضوها فرضا بقياس ما لم يعرفوا على ما عرفوا، فأخرجوها عن كونها بمحض قدرته وإبداعه، وظلوا على لبسهم كالذين طلبوا من محمّد ﷺ أن ينزل عليهم ملكا رسولا فقال الله فيهم: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
стр. 165
[الأنعام: ٩]، أى: لما كانوا لا يمكن لهم أن يدركوا الملك ويتلقوا عنه إلا إذا كان بصورة رجل مثلهم، وهو ما استنكروه من كون الرسل بشرا مثلهم، فلو جعل الله ملكا رسولا إليهم لجعله مثلهم، ولالتبس عليهم أمره بما يلبسونه على أنفسهم من استنكار كون الرسل بشرا مثلهم.
وهكذا يفعلون الآن؛ ظهرت لهم فى عصرنا عدّة آيات روحية من المكاشفات والتأثير فى المادة فيشبهوها بما عرفوا من الأمور المادية، فأطلقوا على تلك المكاشفات اسمى قراءة الأفكار ومراسلة الأفكار، وقالوا إنها من قبيل نقل الكلام بالسيال الكهربائى من مكان إلى مكان، حتى لا يعترفوا بآية إبداعية أو غيبية من الخالق لا تخضع لعلمهم، وهم ما زالوا يرتقون فى الأسباب إلى أن وصلوا من ظواهر تكوين الكهرباء الإيجابية والسلبية (بما يسمونه: الكترون والبروتون) إلى مستوى قريب من عالم الغيب، وظنوا أنهما أصل لكلّ ما فى عالم الشهادة من شىء. على أن الكهرباء ليست بمادة محض، ولا بقوة محض، ولكنها شىء موجود دخل فى حكم علمهم بوجه ما، وهم عتاة لا يؤمنون إيمانا تعبديا إلا بآية تعلو على مدارك علمهم وعقولهم.
الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين:
إنّ حرمان هؤلاء العلماء من الإيمان بآية كونية لله تعالى من هذا النوع قد جعل حظّ البشر من هذا الارتقاء العجيب فى العلم أنهم ازدادوا به شقاء حتى صارت حضارتهم مهدّدة بالتدمير العلمى الصناعى فى كل يوم، وجميع علمائهم المصلحين، وساستهم الدهاقين. فى حيرة من تلافى هذا الخطر، ولن يتلافى إلا بالجمع بين العلم والدين، وهذا ما جاءهم به محمّد خاتم النبيين، ولأجله أثبتت الآيات بكتابه وفى كتابه المبين. إذ لا يمكن أن يخضع البشر إلا لما هو فوق استطاعتهم. بقيام الدليل على أنه من السلطان الغيبى الإلهى الذى هو فوق استعدادهم، ولا يظهر هذا السلطان والبرهان فى علوم الكون. لما ذكرنا من شنشنتهم فيها، وإنما يظهر أكمل الظّهور فى هذا القرآن، وسنتحدّاهم به أتمّ التحدى فى خاتمة هذا الكتاب ...
стр. 166
المقصد الثالث من مقاصد القرآن إكمال نفس الإنسان من الأفراد والجماعات والأقوام
(بجعل الإسلام دين الفطرة السليمة، والعقل والفكر، والعلم والحكمة، والبرهان والحجّة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال).
قد أتى على البشر حين من الدهر لا يعرفون من الدين إلا أنه تعاليم خارجة عن محيط العقل كلف البشر «١» مقاومة فطرتهم بها، وتعذيب أنفسهم ومكابرة عقولهم وبصائرهم خضوعا للرؤساء الذين يلقنونهم إياها، فإن انقادوا لسيطرتهم عليهم بها كانوا من الفائزين، وإن خالفوهم سرا أو جهرا كانوا من الهالكين، والحقّ الواقع أنهم كانوا بهذا الخضوع والخنوع من الخاسرين، ولكن عجز عقلاؤهم وحكماؤهم عن انتياشهم (وانتشالهم) من مهاوى التهلكة، وإخراجهم من ظلمات الشرك والظلم والاستبداد. إلى نور التوحيد والحرية والعدل والاستقلال.
حتى إذا بعث الله رسوله محمدا خاتم النبيين- يتلو عليهم آياته ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم مما كانوا فيه من الضلال المبين- كان هو الذى أخرجهم من الظّلمات إلى النور، وبيّن لهم أنّ دين الله الإسلام هو دين الفطرة، والعقل، والفكر، والعلم، والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال، وأن لا سيطرة على روح الإنسان وعقله وضميره لأحد من خلق الله، وإنما رسل الله هداة مرشدون، مبشّرون ومنذرون كما تقدّم بيانه فى المقصد الذى قبل هذا، ونبين هذه المزايا بالشواهد المختصرة من القرآن فنقول:
١ - الإسلام دين الفطرة:
قال الله : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠].
الحنيف صفة من الحنف (بالتحريك) وهو الميل عن العوج إلى الاستقامة، وعن الضلالة
стр. 167
إلى الهدى، وعن الباطل إلى الحق، ويقابله الزّيغ وهو الميل عن الحق إلى الباطل إلخ، وفطرة الله التى فطر النّاس عليها هى الجبلة الإنسانية «١» الجامعة بين الحياتين: الجسمانية الحيوانية، والروحانية الملكية، والاستعداد لمعرفة عالم الشهادة وعالم الغيب فيهما، وما أودع فيها (أى الجبلة) من غريزة الدين المطلق الذى هو الشعور الوجدانى بسلطان غيبى فوق قوى الكون والسّنن والأسباب التى قام بهما نظام كل شىء فى العالم، فرب هذا السلطان هو فاطر السموات والأرض وما فيهما، والمصدر الذاتى للنفع والضر المحركين لشعور التعبد الفطرى وطلب العرفان الغيبى المودعين فى الغريزة.
فالعبادة الفطريّة هى التوجه الوجدانى إلى هذا الربّ الغيبى فى كل ما يعجز الإنسان عنه من نفع يحتاج إليه ويعجز عنه بكسبه، ودفع ضر يمسه أو يخافه ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته، وفى كل ما تشعر فطرته باستعدادها لمعرفته، والوصول إليه مما لا نهاية له، وأعنى بالإنسان جنسه فما يعجز عنه المرء بنفسه دون أبناء جنسه فإنه يعده من مقدوره، ويعد مساعدة غيره له عليه من جنس كسبه، فطلبه للمساعدة من أمثاله ليس فيها معنى التعبد عند أحد من البشر؛ فتعظيم الفقير للغنى بوسائل استجدائه وخضوع الضعيف للقوى لاستنجاده واستعدائه على أعدائه وخنوع السوقة «٢» للملك أو الأمير لخوف منه أو رجائه- لا يسمى شيئا من ذلك عبادة فى عرف أمة من الأمم ولا ملة من الملل، وإنما روح العبادة الفطرية ومخّها هو دعاء ذى السلطان العلوى والقدرة الغيبية التى هى فوق ما يعرفه الإنسان ويعقله فى عالم الأسباب، ولا سيما الدعاء عند العجز وفى الشدائد، قال ﷺ : «الدّعاء هو العبادة «٣»»، هكذا بصيغة الحصر، أى هو الركن المعنوى الأعظم فيها لأنه روحها المفسر برواية: «الدّعاء مخّ العبادة «٤»»، وكلّ تعظيم وتقرب قولى أو عملى لصاحب هذه القدرة والسلطان الغيبى فهو عبادة له «٥».
стр. 168
هذا أصل دين الفطرة الغريزى فى البشر، لا ما زعمه بعض الكتاب المعاصرين من أن دين الفطرة فى الآية الكريمة أن يعمل الإنسان متبعا شعوره وأفكاره ووجدانه بمقتضى طبيعته دون تلقى شىء من غيره، فهذا جهل، لا يقره دين ولا عقل، وفوضى لا يستقيم معها أمر، فإنّ الإنسان يجنى على فطرته وغرائزها وقواها بجهله وسوء اجتهاده، فشعوره الفطرى الذى بيّناه هو الذى ولد له العقائد الوثنية بعبادته كل ذى تأثير لا يعرف له سببا، لحسبانه أنه هو صاحب السلطان الغيبى القادر على نفعه وضره، ومن ثمّ كان محتاجا إلى تكميل فطرته بالوحى الإلهى.
وعلى هذا الأصل بنى الدين التعليمى التشريعى الذى هو وضع إلهى يوحيه الله إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم فى العمل بمقتضى غريزة الدين كما وقع بالفعل، ولا يقبل البشر هذا الدين التعليمى بالإذعان والوازع النفسى إلا إذا كان الملقن لهم إياه مؤيدا فى تبليغه وتعليمه من صاحب ذلك السلطان الغيبى الأعلى، والتصرف المطلق فى جميع العالم، الذى تخضع له الأسباب والسنن فيه وهو لا يخضع لها، سواء كان له هذا التصرف لذاته وهو رب العالمين، أو كانت له بولايته له تعالى ونيابته عنه. وقد شرحنا هذه الحقيقة آنفا مختصرا مما بيناه فى مواضع مع التفسير والمنار فى معنى كون الإسلام دين الفطرة، وأنه شرع لتكميل استعداد البشر للرقى فى العلم والحكمة، ومعرفة الله المعدة إياهم لسعادة الآخرة، فليس فيه شىء يصادمها.
فهذا الدين التعليمى حاجة من حاجات الفطرة البشرية لا يتم كمالها النوعى بدونه، فهو لنوع الإنسان كالعقل لأفراده كما حققه شيخنا الأستاذ الإمام.
قد كان دين الله الذى بعث به جميع رسله لجميع الأمم مصلحا لما أفسدته الوثنية من فطرتهم بجهلهم ثم بتقليد بعضهم لبعض، على أنهم كانوا إذا طال الأمد على بعثة الرسل يضلون عن هدايتهم إلى أن أتم الله الدين وأكمله للبشر كما تقدم بيانه فى المقصدين، الأول والثانى من مقاصد القرآن. وفى حديث الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه». يعنى أنهما يفسدان فطرته الاستعدادية بتلقينه دينا محرفا منسوخا بدلا من إكمالها.
وكان من فضل الله على عباده بعد إكماله دينه أن ضمن لهم حفظ كتابه هذا من التحريف والتبديل والنسيان والزيادة والنقصان، فقال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]، وعصم أمة خاتم النبيين أن تضلّ كلّها عنه، كما ضلت الأمم
стр. 169
قبلهم، فإن كان ﷺ قد أخبر بما أطلعه الله عليه من مستقبلها أنهم سيتبعون سنن من قبلهم من اليهود والنصارى، فقد أخبر أيضا بأنه لا بد أن يبقى بعضهم على الحق ليكونوا حجة الله على خلقه فقال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».
رواه أحمد والبخارى عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه، وفى رواية لهم عن معاوية: «لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون للناس». رواه مسلم والترمذى وابن ماجة عن ثوبان بلفظ: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتى أمر الله وهم كذلك إلى قيام الساعة» «١». رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: «لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة». وروى آخرون
من طرق ضعيفة يقوى بعضها بعضا أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. ولله الحمد.
٢ - الإسلام دين العقل والفكر:
تقرأ قاموس الكتاب المقدس فلا تجد فيه كلمة (العقل) ولا فى معناها من أسماء هذه الغريزة البشرية التى فضل الإنسان بها جميع أنواع هذا الجنس الحى كاللب والنهى، لا لأن هذه المادة لم تذكر فى كتب العهدين مطلقا بل لأنها لم ترد فيها أساسا لفهم الدين ودلائله والاعتبار به، ولا أن الخطاب بالدين موجه إليه، وقائم به وعليه، وكذلك أسماء التفكر والتدبر والنظر فى العالم التى هى أعظم وظائف العقل.
أما ذكر العقل باسمه وأفعاله فى القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة، وأما ذكر أولى الألباب أى العقول ففي بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولى النهى (جمع نهية بالضم كغرفة) أى العقول، فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه.
أكثر ما ذكر فعل العقل فى القرآن قد جاء فى الكلام على آيات الله وكونه المخاطبين بها والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء ويراد بهذه الآيات فى الغالب آيات الكون الدالة على علم الله ومشيئته وحكمته ورحمته كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ
стр. 170
وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤]، ويلى ذلك فى الكثرة آيات كتابه التشريعية، ووصاياه كقوله فى تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر [سورة الأنعام: ١٥١]: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وكرر قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ أكثر من عشرات كأمره لرسوله ﷺ أن يحتج على قومه بكون القرآن من عند الله لا من عنده بقوله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦]، وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله فى أهل النار فى سورة [سورة الملك الآية: ١٠]: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ، وفى معناها قوله تعالى من [سورة الأعراف: ١٧٩]: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ، وقوله فى [سورة الحج: ٤٦]: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها.
كذلك آيات النظر العقليّ والتفكر كثيرة فى الكتاب العزيز، فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر، وأنّ الغافلين الذين يعيشون كالأنعام لا خطّ لهم منه إلا الظواهر التقليدية التى لا تزكى الأنفس ولا يثقف العقول، ولا تصعد بها فى معارج الكمال، بعرفان ذى الجلال والجمال، ومنها قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: ٨]، وقوله فى صفات العقلاء أولى الألباب: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٩١]، وقوله بعد نفى علم الغيب والتصرف فى خزائن الأرض عن الرسول ﷺ وحصر وظيفته فى اتباع الوحى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠].
وقد صرّح بعض حكماء الغرب بما لا يختلف فيه عاقلان فى الأرض من أنّ التفكّر هو مبدأ ارتقاء البشر، وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه.
كانت التقاليد الدينية قد حجرت حريّة التفكر واستقلال العقل على البشر. حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، وأعتقهم من هذا الرقّ، وقد تعلم هذه الحرية أمم الغرب من المسلمين، ثم نكس هؤلاء المسلمون على رءوسهم فحرموها على أنفسهم إلا قليلا منهم حتى عاد بعضهم يقلدون فيها من أخذوها عن أجدادهم، وقد اعترف علماء الغرب لعلماء سلفنا بسبقهم وإمامتهم لهم فيها وفى ثمراتها، ونقل شيخنا الأستاذ الإمام طائفة من أقوالهم فى كتاب (الإسلام والنصرانية).
стр. 171
٣ - الإسلام دين العلم والحكمة والفقه:
ذكر اسم العلم معرفة ونكرة فى عشرات من آيات القرآن الحكيم تناهز المائة، وذكرت مشتقات أضعاف ذلك، وهو يطلق على علوم الدين والدنيا بأنواعها، فمن العلم المطلق قوله تعالى فى وصايا سورة [الإسراء، الآية: ٣٦]: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا أى: لا تتبع ما ليس لك به علم يثبت عندك بالرؤية البصرية، أو بالروايات السمعية، أو بالبراهين القطعية، فإن الله يسألك عما أعطاك من آلات هذا العلم الثلاث.
قال الراغب فى تفسير لا تَقْفُ، أى: تحكم بالقيافة والظن. وقال البيضاوى ما ملخصه: ولا تتبع ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب. أ. هـ.
ومنه قوله تعالى فى العلم المأثور فى التاريخ: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الأحقاف: ٤]، ومنه قوله تعالى فى علوم البشر المادية: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: ٦، ٧] إلخ، وقوله فى العلم الروحى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
وهاتان الآيتان فى بيان ضعف علم البشر وقلته حتى الدنيوى منه لا يزال يعترف العلماء أيهم أوسع علما بمضمونهما، وبأن علمهم لا يتجاوز الظواهر، وقد صرح بعض
فحول علماء الغرب بأنهم كلما ازدادوا علما عملوا من حاجتهم إلى تحقيق ما سبق والزيادة عليه ما لم يكونوا يعلمون، كما قال الإمام الشافعى:
كلما أدّبنى الده ... ر أرانى نقص عقلى
وإذا ما ازددت علما ... زادنى علما بجهلى
وقوله تعالى فى العلم العقلى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ [الحج: ٨]، الظاهر أنّ المراد بالعلم فيه: العلم النظرى بدليل مقابلته بالهدى والكتاب المنير، وهو هدى الدين والوحى. وقوله فى العلم الطبيعى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [الروم: ٢٢]، بكسر اللام أى: علماء الكون، ومثله قوله بعد ذكر إخراج الثمرات المختلف ألوانها من ماء المطر، واختلاف ألوان الطرائق فى الجبال وألوان الناس والدواب: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ
стр. 172
الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨]، فالمراد بالعلماء هنا الذين يعلمون أسرار الكون وأطواره وأسباب اختلاف أجناسه وأنواعه وألوانها وآيات الله وحكمه فيها، وهو يشمل أكثر العلوم والفنون أو جميعها، وفى معناها آيات فى سور أخرى.
عظّم القرآن شأن العلم تعظيما لا تعلوه عظمة أخرى بقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨]، فبدأ بنفسه وثنى بملائكته، وجعل أولى العلم فى المرتبة الثالثة، ويدخل فيها الأنبياء والحكماء ومن دونهم من أهل الدرجات فى قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١]، وأمر أكرم رسله وأعلمهم بأن يدعوه بقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤].
ويؤيد الآيات المنزلة فى مدح العلم والحث عليه ما ورد فى ذم اتباع الظن كقوله تعالى:
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس: ٣٦]، ومثله: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [النجم: ٢٨]، وقوله فى قول النصارى بصلب المسيح: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧].
وبلغ من تعظيمه لشأن العلم البرهانى أن قيد به الحكم بمنع الشرك بالله تعالى والنهى عنه وهو أكبر الكبائر وأقصى الكفر فقال تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣].
وقال الله تعالى فى برّ الوالدين الكافرين: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [العنكبوت: ٨]، ومعلوم من الدين بالضرورة أن الشرك بالله لا يكون بعلم ولا ببرهان، لأنه ضرورى البطلان، وترى تفصيل هذا فيما بعده من تعظيم أمر الحجة والدليل، وما يليه من ذم التقليد.
стр. 173
الحكمة والفقه
وأما الحكمة فقد قال الله تعالى فى تعظيم شأنها المطلق: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [البقرة: ٢٦٩]، وقال الله تعالى فى بيان مراده من بعثة محمد خاتم النبيين: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢]، وفى معناها آيتان فى سورتى البقرة وآل عمران، وقال لرسوله ممتنا عليه: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣]، وقال له: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥]، وقال له فى خاتمة الوصايا بأمهات الفضائل والنهى عن كبار الرذائل، مع بيان عللها وما لها من العواقب:
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء: ٣٩]، وقال لنسائه رضى الله عنهن:
وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤].
وقد أتى الله جميع أنبيائه ورسله الحكمة ولكن أضاعها أقوامهم من بعدهم بالتقاليد والرئاسة الدينية، ونسخها بولس من النصرانية بنص صريح. قال الله تعالى فى اليهود: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: ٥٤]، فالكتاب أعلى ما يؤتيه تعالى لعباده من نعمة ويليه الحكمة، ويليه الملك، وقال الله تعالى فى نبيه داود ﵇: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ [البقرة: ٢٥١]، وقال الله تعالى لنبيه عيسى ﵇: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [المائدة: ١١٠]، وقال: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [لقمان: ١٢]، وذكر من حكمته وصاياه لابنه بالفضائل ومنافعها ونهيه عن الرذائل معللة بمضارها.
فالحكمة أخصّ من العلم، هى العلم بالشىء على حقيقته وبما فيه من الفائدة والمنفعة الباعثة على العمل، فهى بمعنى الفلسفة العملية كعلم النفس والأخلاق وأسرار الخلق، وسنن الاجتماع، ويدل عليه قوله تعالى بعد وصايا سورة الإسراء التى نقلناه آنفا: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ [الإسراء: ٣٩].
стр. 174
ويكثر فى القرآن ذكر الفقه وهو الفهم الدقيق للحقائق الذى يكون به العالم حكيما عاملا مثقفا، فراجع منها فى سورة الأنعام ٢٥، ٦٥، ٦٨، وفى سورة الأعراف: ١٧٨، وفى
سورة الأنفال: ٦٥، وفى سورة التوبة: ٨٢، ٨٨، ٣٢١. وحسبك ما فى هذه السور الأربع تعريفا بالفقه وأنه هو الحكمة لا علم ظواهر الأحكام من الطهارة والبيع والإجازة إلخ، فإن تسمية هذا بالفقه اصطلاحية لا قرآنية، ومنه ما هو ضد فقه القرآن كالحيل التى تعلم الناس التقصى من حكمة القرآن.
٤ - الإسلام دين الحجة والبرهان:
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء: ١٧٤]، وقال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧]، قيد الوعيد على الشرك بكونه لا برهان لصاحبه يحتج به، مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك تعظيما لشأن البرهان، وذلك أنه تعالى يبعث الأمم مع رسلهم وورثتهم الذين يشهدون عليهم، ويطالبهم بحضرتهم بالبرهان على ما خالفوهم فيه كما قال: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٥].
وأقام البرهان العقلى على بطلان الشرك بقوله بعد ذكر السموات والأرض من سورة [الأنبياء، الآية: ٢٢]: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، ثم قفى عليه بمطالبة المشركين بالبرهان على ما اتخذوه من الآلهة من دونه مطالبة تعجيز فقال فى [الآية: ٢٤]: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ، ومثله فى سورة [النمل، الآية: ٦٤]: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
وقال فى سياق محاجة إبراهيم لقومه وإقامة البراهين العلمية لهم على بطلان شركهم:
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام: ٨١]، ثم قال فى آخره: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٨٣]، فالدرجات هنا درجات الحجة والبرهان العقلىّ فى العلم، ولذلك قدم فيه ذكر الحكمة على العلم، وتقدم فى الكلام على العلم آية رفع الدرجات فيه.
стр. 175
ومما جاء فيه البرهان بلفظ السلطان قوله تعالى: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٣٥]، وفى معناها من هذه [السورة، الآية: ٥٦]: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ، وفى عدة سور أخرى أنه تعالى أرسل موسى إلى فرعون بآياته (وسلطان مبين).
٥ - الإسلام دين القلب والوجدان والضمير:
قال الفيومى فى المصباح: ضمير الإنسان قلبه وباطنه والجمع ضمائر، وقال: والقلب من الفؤاد معروف- يعنى أنه ضميره ووجدانه الباطل (قال): ويطلق على العقل أ. هـ وقد شرحنا معناه هذا وطرق استعماله فى تفسير آية الأعراف «١»، وقد ذكر القلب فى القرآن الكريم فى مائة آية وبضع عشرة آية.
منها قوله تعالى فى سورة [ق، الآية: ٣٧]: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، وقوله فى سورة ا [لشعراء، الآية: ٨٨، ٨٩]: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، ومنها مدحه لخليله إبراهيم ﵇ بقوله: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، قوله حكاية عنه: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، وقوله فى صفة المؤمنين: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]، وقوله فى صفات الذين اتبعوا عيسى ﵇: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها «٢» إلخ.
ووصف قلوب المؤمنين بالخشوع والإخبات لله وتمحيصها من الشوائب، وقلوب الكفار والمنافقين بالرجس والمرض والقسوة والزّيغ، وعبر عن فقدها للاستعداد للحق والخير بالطبع والختم والرين عليها، أى أنها كالمختوم المطبوع عليه فلا يدخله شىء جديد، أو كالمعدن أحاط به وغلب عليه الرين وهو الصدأ أو الدنس فلا تقبل الصقل والجلاء.
وإذا كان الإسلام دين العقل والبرهان وحرية الضمير والوجدان، فقد أبطل ما كان عليه النصارى وغيرهم من الإكراه فى الدين والإجبار عليه، والفتنة والاضطهاد لمخالفيهم فيه، والآيات فى ذلك كثيرة بيناها فى محلها، ومن دلائلها ذم القرآن للتقليد وتضليل أهله.
стр. 176
٦ - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود:
كل ما نزل من الآيات فى مدح العلم وفضله واليقين فيه واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان، والمطالبة بالبرهان، وذم اتباع الظن والحرص فيما يطلب فيه الإيمان والعلم- يدل على ذم التقليد، وقد ورد فى ذمه النعى على أهله آيات كثيرة كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠]، وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا
يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
[المائدة: ١٠٤]، ذمهم من ناحيتين؛ (إحداهما): الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء به عن الترقى فى العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحى العاقل فإن الحياة تقتضى النمو والتوليد، والعقل يطلب المزيد والتجديد.
(والثانية): أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر فى التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء فى العمل، ويؤيده قوله تعالى: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٢٨]، وقال الله تعالى فى عبادة العرب للملائكة: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٠ - ٢٣]، وتراجع الشواهد على هذا فى قصة إبراهيم مع قومه فى سورة الأنبياء والشعراء والصافات.
فالقرآن قد جاء يهدى جميع متّبعى الملل والأديان السابقة إلى استعمال عقولهم مع ضمائرهم للوصول إلى العلم والهدى والاطمئنان فى الدين، وألا يكتفوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من ذلك، فإن هذا جناية على الفطرة البشرية والعقل والفكر والقلب التى امتاز بها البشر، وبهذا العلم والهدى امتاز الإسلام ودخل فيه العقلاء من جميع الأمم أفواجا، ثم نكث المسلمون على رءوسهم إلا قليلا منهم، واتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وغيرهم فى التقليد لآبائهم ومشايخهم المنسوبين إلى بعض أئمة علمائهم الذين نهوهم عن التقليد ولم يأمروهم به، فأبطلوا بذلك حجّة الله تعالى على الأمم التى وكل الله
стр. 177
دعوتها إليهم، وصاروا حجة على دينهم، فكيف يدعون إليه وحجته القرآن وهم يحرمون الاهتداء به؟ حتى إن أدعياء العلم الرسمى «١» فيهم ينكرون أشد الإنكار على من يدعونهم إلى اتباع كتاب الله وهدى رسوله وسيرة السلف الصالح من أهله ونحن معهم فى بلاء وعناء نقاسى منهم ما شاء الجهل والجمود من استهزاء، وطعن وبذاء، وتهكم بلقب (المجتهد) الذى احتكره الجهل لبعض المتقدمين من العلماء.
ولو كان فينا علماء كثيرون يظهرون الإسلام فى صورته الحقيقية العلمية العقلية لدخل الناس المستقلون فى العقل والعلم فيه أفواجا حتى يعم الدنيا؛ لأن التعليم العصرى فى جميع مدارس الأرض يجرى على طريقة الاستقلال فى الفهم واتباع الدليل فى جميع بلاد الإفرنج والبلاد المقلد لهم، ولكن أكثر هؤلاء يرون جميع الأديان تقليدية، ويعتدونها نظما أدبية واجتماعية للأمم، فلهذا يرون الأولى بحفظ نظامهم اتباعهم دينهم التقليدى، وبهذا يعسر علينا أن نقنعهم بامتياز الإسلام على دينهم، لأنه يقل فينا من يقدر على إظهار الإسلام فى صورته التى خصه بها القرآن. وما بيّنه من سنة خاتم النبيين ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين والسلف الصالحين، رضوان الله عليهم أجمعين.
بيد أنّ محافظة الإفرنج على نظام النصرانية بدون إيمان إذعان سيزول، فقد كثرت الجمعيات الدينيّة والعلمية التى تصرح بإنكار ألوهية المسيح وأكثر تقاليد الكنائس «٢».
دحض شبهة، وإقامة حجة
يتوهّم بعض المقلدين أنّ دعوة المسلمين إلى الاهتداء بالكتاب والسّنة والاستقلال فى فهمهما التى اشتهر المنار بها فى عصرنا، هى التى جرّأت بعض الجاهلين على دعوى الاجتهاد فى الشريعة والاستغناء عن تقليد الأئمة والانتقاد عليهم وعلى أتباعهم بما هو ابتداع جديد، واستبدال للفوضى بالتقليد، وهو وهم سببه الجهل بالدين وبالتاريخ، فمذاهب الابتداع والإلحاد قديمة، قد نجمت قرونها فى خير القرون وعهد أكبر الأئمة، وكان أشدها إفسادا للدين الدعوة إلى اتباع الأئمة المعصومين، الذين لا يسألون عن الدليل،
стр. 178
على خلاف ما كان عليه أئمة السنة من تحريم اتباع أحد لذاته فى الدين بعد محمد المعصوم الذى لا معصوم بعده ﷺ ، ولكن المقلّدين لهؤلاء المجرمين للتقليد قد اتبعوا القائلين بعصمة أئمتهم، حتى ملاحدة الباطنية منهم، فهم يردون نصوص الكتاب والسنة بأقوال أئمتهم، بل بأقوال كل من ينتمى إليهم من أدعياء العلم على اعتقادهم وإقرارهم بأنهم غير معصومين.
وإنما تروج البدع فى سوق التقليد الذى يتبع أهله كل ناعق، لا فى سوق الاستقلال والأخذ بالدلائل، ومن باب التقليد دخل أكثر الخرافات على المسلمين لانتساب جميع الدجالين من أهل الطرائق وغيرهم إلى أئمة المذاهب المجتهدين، وهم فى دعوى اتباعهم من الكاذبين، ونحن دعاة العلم الصحيح والاهتداء بالكتاب والسنة أحق منهم باتباع الأئمة، ولا نعنى بالاهتداء بالكتاب والسّنة أن كل واحد منهم إمام مجتهد مطلق كمالك والشافعى رضى الله عنهم فهذه أعلى درجة فى العلم، والعلم درجات كما قال الله ، وقد كان يوجد فى السلف قبل تدوين المذاهب عوام وخواص كلهم يهتدون بهما.
وصاحب المنار قد وقف نفسه على الردّ على جميع الملاحدة والبهائية والقاديانية والقبوريين وسائر مبتدعة عصرنا وهو لم يدع مذهبا له يدعو إليه، ولم يخالف إجماع الأمة، ولا فرق عنده بين الأئمة، ولله الحمد والمنة.
٧ - الحرية الشخصية فى الدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورئاسة السيطرة:
هذه المزية من مزايا الإسلام، وهى نتيجة المزايات التى بينّا بها كونه دين الفطرة، فأما منع الإكراه فيه وعليه فالأصل فيه قوله تعالى لرسوله ﷺ بمكة: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٩ - ١٠١]، علم الله تعالى رسوله بهذه الآيات أن من سننه فى البشر أن تختلف عقولهم وأفكارهم فى فهم الدين وتتفاوت أنظارهم فى الآيات الدالة عليه فيؤمن بعض ويكفر بعض، فما كان يتمناه ﷺ من إيمان جميع الناس مخالف لمقتضى مشيئته تعالى فى اختلاف استعداد الناس للإيمان، وهو منوط باستعمال عقولهم وأنظارهم فى آيات الله فى خلقه، والتمييز بين هداية الدين وضلالة الكفر «١».
стр. 179
ثم قوله تعالى عند ما أراد أصحابه أخذ من كان بنى النضير من أولادهم عند إجلائهم عن الحجاز وكان قد تهود بعضهم: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، فأمرهم ﷺ أن يخيروهم فمن اختار اليهود أجلى مع اليهود ولا يكره على الإسلام، ومن اختار الإسلام بقى مع المسلمين، كما بيناه فى تفسير الآية من جزء التفسير الثالث.
وأما منع الفتنة وهى اضطهاد الناس لأجل دينهم حتى يتركوه فهو السبب الأول لشرعية القتال فى الإسلام وسيأتى فى المقصد الثامن من هذا الكتاب.
وأما منع رئاسة السيطرة الدينية كالمعهودة عند النصارى ففيها آيات مبينة فى القرآن، وأحاديث صريحة فى السّنة، وهى معلومة بالضرورة من سيرة النبى ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وقد بيناها فى الكلام على وظائف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وحسبك منها قوله لرسوله ﷺ خاتم النبيين: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١، ٢٢].
стр. 180
المقصد الرابع من مقاصد القرآن الإصلاح الإنسانى الاجتماعى السياسى الوطنى بالوحدات الثمانى
(وحدة الأمة- وحدة الجنس البشرى- وحدة الدين- وحدة التشريع بالمساواة فى العدل- وحدة الأخوة الروحية والمساواة فى التعبد- وحدة الجنسية السياسية الدولية- وحدة القضاء- وحدة اللغة).
جاء الإسلام والبشر أجناس متفرقون. يتعادون فى الأنساب والألوان، واللغات والأوطان والأديان، والمذاهب والمشارب، والشعوب والقبائل، والحكومات والسياسات، يقاتل كل فريق منهم مخالفة فى شىء من هذه الروابط البشرية وإن وافقه فى البعض الآخر، فصاح الإسلام بهم صيحة واحدة دعاهم بها إلى الوحدة الإنسانية العامة، الجامعة، وفرضها عليهم، ونهاهم عن التفرق والتعادى وحرمه عليهم، وبيان هذا التفرق ومضاره بالشواهد التاريخية وبيان أصول الكتاب الإلهى وسنة خاتم النبيين فى الجامعة الإنسانية. لا يمكن بسطهما إلا بمصنّف كبير، فنكتفى فى هذا المقصد من إثبات الوحى المحمدى بسرد الأصول الجامعة فى هذا الإصلاح الإنسانى الداعى إلى جعل الناس على ملة واحدة، ودين واحد، وشرع واحد، وحكم واحد، ولسان واحد، كما أن جنسهم واحد، وربهم واحد، ونبدأ بالأصل الجامع فى هذا، ونقفى عليه بالأصول والشواهد المفصلة له.
الأصل الأول
للجامعة الإسلامية الإنسانية: وحدة الأمة قال الله تعالى فى سورة الأنبياء مخاطبا أمة الإسلام بعد ذكر خلاصة من قصصهم: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢] «١».
ثم بين لهم فى سورة «المؤمنون» أنه خاطب جميع النبيين بهذه الوحدة للأمة فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: ٥١، ٥٢].
ولكن لكلّ نبى أمة من الناس هم قومه، وأما خاتم النبيين فأمّته جميع الناس، وقد فرض الله عليهم الإيمان بجميع رسله وعدم التفرقة بينهم، فالإيمان بخاتمهم كالإيمان