← Общие книги

Общие книги · id 8642

الوحي المحمدي

محمد رشيد رضا

Полный текст (259 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٦ - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود: كل ما نزل من الآيات فى مدح العلم وفضله واليقين فيه واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان، والمطالبة بالبرهان، وذم اتباع الظن والحرص فيما يطلب فيه الإيمان والعلم- يدل على ذم التقليد، وقد ورد فى ذمه النعى على أهله آيات كثيرة كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠]، وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤]، ذمهم من ناحيتين؛ (إحداهما): الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء به عن الترقى فى العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحى العاقل فإن الحياة تقتضى النمو والتوليد، والعقل يطلب المزيد والتجديد. (والثانية): أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر فى التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء فى العمل، ويؤيده قوله تعالى: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٢٨]، وقال الله تعالى فى عبادة العرب للملائكة: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٠ - ٢٣]، وتراجع الشواهد على هذا فى قصة إبراهيم مع قومه فى سورة الأنبياء والشعراء والصافات. فالقرآن قد جاء يهدى جميع متّبعى الملل والأديان السابقة إلى استعمال عقولهم مع ضمائرهم للوصول إلى العلم والهدى والاطمئنان فى الدين، وألا يكتفوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من ذلك، فإن هذا جناية على الفطرة البشرية والعقل والفكر والقلب التى امتاز بها البشر، وبهذا العلم والهدى امتاز الإسلام ودخل فيه العقلاء من جميع الأمم أفواجا، ثم نكث المسلمون على رءوسهم إلا قليلا منهم، واتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وغيرهم فى التقليد لآبائهم ومشايخهم المنسوبين إلى بعض أئمة علمائهم الذين نهوهم عن التقليد ولم يأمروهم به، فأبطلوا بذلك حجّة الله تعالى على الأمم التى وكل الله

стр. 177

دعوتها إليهم، وصاروا حجة على دينهم، فكيف يدعون إليه وحجته القرآن وهم يحرمون الاهتداء به؟ حتى إن أدعياء العلم الرسمى «١» فيهم ينكرون أشد الإنكار على من يدعونهم إلى اتباع كتاب الله وهدى رسوله وسيرة السلف الصالح من أهله ونحن معهم فى بلاء وعناء نقاسى منهم ما شاء الجهل والجمود من استهزاء، وطعن وبذاء، وتهكم بلقب (المجتهد) الذى احتكره الجهل لبعض المتقدمين من العلماء. ولو كان فينا علماء كثيرون يظهرون الإسلام فى صورته الحقيقية العلمية العقلية لدخل الناس المستقلون فى العقل والعلم فيه أفواجا حتى يعم الدنيا؛ لأن التعليم العصرى فى جميع مدارس الأرض يجرى على طريقة الاستقلال فى الفهم واتباع الدليل فى جميع بلاد الإفرنج والبلاد المقلد لهم، ولكن أكثر هؤلاء يرون جميع الأديان تقليدية، ويعتدونها نظما أدبية واجتماعية للأمم، فلهذا يرون الأولى بحفظ نظامهم اتباعهم دينهم التقليدى، وبهذا يعسر علينا أن نقنعهم بامتياز الإسلام على دينهم، لأنه يقل فينا من يقدر على إظهار الإسلام فى صورته التى خصه بها القرآن. وما بيّنه من سنة خاتم النبيين ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين والسلف الصالحين، رضوان الله عليهم أجمعين. بيد أنّ محافظة الإفرنج على نظام النصرانية بدون إيمان إذعان سيزول، فقد كثرت الجمعيات الدينيّة والعلمية التى تصرح بإنكار ألوهية المسيح وأكثر تقاليد الكنائس «٢». دحض شبهة، وإقامة حجة يتوهّم بعض المقلدين أنّ دعوة المسلمين إلى الاهتداء بالكتاب والسّنة والاستقلال فى فهمهما التى اشتهر المنار بها فى عصرنا، هى التى جرّأت بعض الجاهلين على دعوى الاجتهاد فى الشريعة والاستغناء عن تقليد الأئمة والانتقاد عليهم وعلى أتباعهم بما هو ابتداع جديد، واستبدال للفوضى بالتقليد، وهو وهم سببه الجهل بالدين وبالتاريخ، فمذاهب الابتداع والإلحاد قديمة، قد نجمت قرونها فى خير القرون وعهد أكبر الأئمة، وكان أشدها إفسادا للدين الدعوة إلى اتباع الأئمة المعصومين، الذين لا يسألون عن الدليل،

стр. 178

على خلاف ما كان عليه أئمة السنة من تحريم اتباع أحد لذاته فى الدين بعد محمد المعصوم الذى لا معصوم بعده ﷺ ، ولكن المقلّدين لهؤلاء المجرمين للتقليد قد اتبعوا القائلين بعصمة أئمتهم، حتى ملاحدة الباطنية منهم، فهم يردون نصوص الكتاب والسنة بأقوال أئمتهم، بل بأقوال كل من ينتمى إليهم من أدعياء العلم على اعتقادهم وإقرارهم بأنهم غير معصومين. وإنما تروج البدع فى سوق التقليد الذى يتبع أهله كل ناعق، لا فى سوق الاستقلال والأخذ بالدلائل، ومن باب التقليد دخل أكثر الخرافات على المسلمين لانتساب جميع الدجالين من أهل الطرائق وغيرهم إلى أئمة المذاهب المجتهدين، وهم فى دعوى اتباعهم من الكاذبين، ونحن دعاة العلم الصحيح والاهتداء بالكتاب والسنة أحق منهم باتباع الأئمة، ولا نعنى بالاهتداء بالكتاب والسّنة أن كل واحد منهم إمام مجتهد مطلق كمالك والشافعى رضى الله عنهم فهذه أعلى درجة فى العلم، والعلم درجات كما قال الله ، وقد كان يوجد فى السلف قبل تدوين المذاهب عوام وخواص كلهم يهتدون بهما. وصاحب المنار قد وقف نفسه على الردّ على جميع الملاحدة والبهائية والقاديانية والقبوريين وسائر مبتدعة عصرنا وهو لم يدع مذهبا له يدعو إليه، ولم يخالف إجماع الأمة، ولا فرق عنده بين الأئمة، ولله الحمد والمنة. ٧ - الحرية الشخصية فى الدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورئاسة السيطرة: هذه المزية من مزايا الإسلام، وهى نتيجة المزايات التى بينّا بها كونه دين الفطرة، فأما منع الإكراه فيه وعليه فالأصل فيه قوله تعالى لرسوله ﷺ بمكة: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٩ - ١٠١]، علم الله تعالى رسوله بهذه الآيات أن من سننه فى البشر أن تختلف عقولهم وأفكارهم فى فهم الدين وتتفاوت أنظارهم فى الآيات الدالة عليه فيؤمن بعض ويكفر بعض، فما كان يتمناه ﷺ من إيمان جميع الناس مخالف لمقتضى مشيئته تعالى فى اختلاف استعداد الناس للإيمان، وهو منوط باستعمال عقولهم وأنظارهم فى آيات الله فى خلقه، والتمييز بين هداية الدين وضلالة الكفر «١».

стр. 179

ثم قوله تعالى عند ما أراد أصحابه أخذ من كان بنى النضير من أولادهم عند إجلائهم عن الحجاز وكان قد تهود بعضهم: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، فأمرهم ﷺ أن يخيروهم فمن اختار اليهود أجلى مع اليهود ولا يكره على الإسلام، ومن اختار الإسلام بقى مع المسلمين، كما بيناه فى تفسير الآية من جزء التفسير الثالث. وأما منع الفتنة وهى اضطهاد الناس لأجل دينهم حتى يتركوه فهو السبب الأول لشرعية القتال فى الإسلام وسيأتى فى المقصد الثامن من هذا الكتاب. وأما منع رئاسة السيطرة الدينية كالمعهودة عند النصارى ففيها آيات مبينة فى القرآن، وأحاديث صريحة فى السّنة، وهى معلومة بالضرورة من سيرة النبى ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وقد بيناها فى الكلام على وظائف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وحسبك منها قوله لرسوله ﷺ خاتم النبيين: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١، ٢٢].

стр. 180

المقصد الرابع من مقاصد القرآن الإصلاح الإنسانى الاجتماعى السياسى الوطنى بالوحدات الثمانى (وحدة الأمة- وحدة الجنس البشرى- وحدة الدين- وحدة التشريع بالمساواة فى العدل- وحدة الأخوة الروحية والمساواة فى التعبد- وحدة الجنسية السياسية الدولية- وحدة القضاء- وحدة اللغة). جاء الإسلام والبشر أجناس متفرقون. يتعادون فى الأنساب والألوان، واللغات والأوطان والأديان، والمذاهب والمشارب، والشعوب والقبائل، والحكومات والسياسات، يقاتل كل فريق منهم مخالفة فى شىء من هذه الروابط البشرية وإن وافقه فى البعض الآخر، فصاح الإسلام بهم صيحة واحدة دعاهم بها إلى الوحدة الإنسانية العامة، الجامعة، وفرضها عليهم، ونهاهم عن التفرق والتعادى وحرمه عليهم، وبيان هذا التفرق ومضاره بالشواهد التاريخية وبيان أصول الكتاب الإلهى وسنة خاتم النبيين فى الجامعة الإنسانية. لا يمكن بسطهما إلا بمصنّف كبير، فنكتفى فى هذا المقصد من إثبات الوحى المحمدى بسرد الأصول الجامعة فى هذا الإصلاح الإنسانى الداعى إلى جعل الناس على ملة واحدة، ودين واحد، وشرع واحد، وحكم واحد، ولسان واحد، كما أن جنسهم واحد، وربهم واحد، ونبدأ بالأصل الجامع فى هذا، ونقفى عليه بالأصول والشواهد المفصلة له. الأصل الأول للجامعة الإسلامية الإنسانية: وحدة الأمة قال الله تعالى فى سورة الأنبياء مخاطبا أمة الإسلام بعد ذكر خلاصة من قصصهم: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢] «١». ثم بين لهم فى سورة «المؤمنون» أنه خاطب جميع النبيين بهذه الوحدة للأمة فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: ٥١، ٥٢]. ولكن لكلّ نبى أمة من الناس هم قومه، وأما خاتم النبيين فأمّته جميع الناس، وقد فرض الله عليهم الإيمان بجميع رسله وعدم التفرقة بينهم، فالإيمان بخاتمهم كالإيمان

стр. 181

بأولهم وبمن بينهما، فمثلهم كمثل الملوك أو الولاة فى الدولة الواحدة، ومثل اختلاف شرائعهم بنسخ المتأخر منها لما قبله كمثل تعديل القوانين فى الدولة الواحدة أيضا إلى أن كمل الدين. الأصل الثانى: الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم، وشاهده العام قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وقد بلغ النبى ﷺ ذلك فى حجة الوداع، فتلا الآية وقال ما خلاصته: إنه ليس لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود «ولا العكس» إلا بالتقوى (من حديث العداء بن خالد فى المعجم الكبير للطبرانى). وهذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التآلف بالتعارف وإلى ترك التعادى بالتخالف «١». الأصل الثالث: وحدة الدين باتباع رسول واحد جاء بأصول الدين الفطرى الذى جاء به غيره من الرسل، وأكمل تشريعه بما يوافق جميع البشر، وشاهده الأعم قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] ولما كان الإسلام دين الفطرة وحرية الاعتقاد والوجدان جعل الدين اختياريا بقوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]. الأصل الرابع: وحدة التشريع بالمساواة بين الخاضعين لأحكام الإسلام فى الحقوق المدنية والتأديبية بالعدل المطلق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والملك والسوقة، والغنى والفقير، والقوى والضعيف، وسنذكر بعض شواهده فى إصلاح التشريع من المقصد السادس. الأصل الخامس: الوحدة الدينية بالمساواة بين المؤمنين بهذا الدين فى أخوته الروحية وعباداته، وفى

стр. 182

الاجتماع للاجتماع منها، كالصلاة ومناسك الحج «١»، فملوك المسلمين وأمراؤهم وكبار علمائهم يختلطون بالفقراء فى صفوف الصلاة والطواف بالكعبة المشرفة والوقوف بعرفات وسائر مواطن الحج، ولا تجد شعوب الإفرنج المنتسبين إلى النصرانية ولا رجال الدين من غيرهم يرضون بمثل هذه المساواة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة للعمل بها من أول الإسلام إلى اليوم، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وقال الله تعالى فى أحكام المشركين المحاربين: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة: ١١]. الأصل السادس: وحدة الجنسية السياسية الدولية بأن تكون جميع البلاد الخاضعة للحكم الإسلامى متساوية فى الحقوق العامة، كحماية أهلها والدفاع عنهم إلا حقّ الإقامة فى جزيرة العرب ولا سيما الحجاز، فإنه خاص بالمسلمين لأن للحرمين وسياجهما من الجزيرة حكم المعابد والمساجد، وحكم الإسلام فى معابد الملل الداخلة فى ذمته أنها خاصة بأهلها ولها حرمتها، لا يجوز لغير أهلها دخولها بغير إذن منها، المسلمون وغيرهم فى هذا سواء. الأصل السابع: وحدة القضاء واستقلاله ومساواة الناس فيما أمام الشريعة العادلة، إلا أنه يستثنى منه الأحكام الشخصيّة الدينية، فإنّ الإسلام يراعى فيها حرية العقيدة والوجدان بناء على أساسه فى ذلك، فهو يسمح لغير المسلمين فى أمور الزوجية ونحوها أن يتحاكموا إلى رؤساء ملتهم، وهذا ضرب من المساواة ليس له فى غير الإسلام ضريب، لأنه اشتراك فى الحكم والتشريع، وأما إذا تحاكموا إلينا فإننا نحكم بينهم بعدل شريعتنا الناسخة لشرائعهم، والأصل فيه قوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢] وقوله تعالى فى الآية [٤٨]: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.

стр. 183

الأصل الثامن: وحدة اللغة، ووجهها: أنه لا يمكن أن يتم الاتحاد والإخاء بين الناس وصيرورة الشعوب الكثيرة أمة واحدة إلا بوحدة اللغة «١» وما زال الحكماء الباحثون فى مصالح البشر العامة يتمنّون لو يكون لهم لغة واحدة مشتركة، يتعاونون بها على التعارف والتآلف، ومناهج التعليم والآداب، والاشتراك فى العلوم والفنون والمعاملات الدنيوية، وهذه الأمنية قد حققها الإسلام بجعل لغة الدين والتشريع والحكم لغة جميع المؤمنين به والخاضعين لشريعته. إذ يكون المؤمنون مسوقين باعتقادهم ووجدانهم إلى معرفة لغة كتاب الله وسنة رسوله لفهمهما والتعبد بهما، والاتحاد بأخوتهم فيهما، وهما مناط سيادتهم، وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، ولذلك كرّر فى القرآن بيان كونه كتابا عربيا، وحكما عربيا، وكرر الأمر بتدبره والتفقه فيه، والاتعاظ والتأديب به، وأما غير المؤمنين فيتعلمون لغة الشرع الذى يخضعون لحكمه، والحكومة التى يتبعونها لمصالحهم الدنيوية كما هى عادة البشر فى ذلك، وكذلك كان الأمر فى الفتوحات الإسلامية العربية كلها. وقد فصّلت فى المنار والتفسير مسألة وجوب تعلم اللغة العربية فى دين الإسلام وكونه مجمعا عليه بين المسلمين كما قرره الإمام الشافعى رضى الله عنه فى رسالته، وهو الذى جرى عليه العمل فى عهد الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين، ثم خلفاء الأمويين والعباسيين إلى أن كثر الأعاجم، وقلّ العلم، وغلب الجهل، فصاروا يكتفون من لغة الدين بما فرضه الله فى العبادات من القرآن والأذكار «٢». الشواهد من السنّة على وحدة الجنس واللغة: كان النبى ﷺ ينكر على المسلمين كل نوع من أنواع التفرقة الذى ينافى وحدتهم وجعلهم أمة واحدة كالجسد الواحد كما شبههم بقوله: «مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى». رواه الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنه، وكان يخص بمقته وإنكاره التفرق فى الجنس النسبى أو اللغة. أما الأول فمشهور ومنه أن أبا ذر رضى الله عنه وهو من السابقين الأولين المتقين تغاضب مع بلال الحبشى مولى أبى بكر رضى الله عنه وتسابا فقال

стр. 184

أبو ذر: يا ابن السوداء، فشكاه بلال إلى النبى ﷺ فقال لأبى ذر: «أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية». رواه البخارى فى مواضع، ومسلم بدون ذكر اسم بلال، ولفظ البخارى فى كتاب الأدب عن أبى ذر: كان بينى وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرنى إلى النبى ﷺ فقال لى: «أساببت فلانا؟». قلت: نعم. قال: «أفنلت من أمه؟». قلت: نعم. قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية». قلت: على ساعتى هذه من كبر السن؟ قال: «نعم هم إخوانكم». إلخ الحديث .. وسيأتى فى الوصية بالرقيق، وروى أن أبا ذر تاب توبة نصوحا حتى أمر بلالا أن يطأ على وجهه. وأما الثانى فيجمعه مع الأول ما رواه الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهيرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسى وصهيب الرومى وبلال الحبشى فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا؟ (يعنى- هذا المنافق- بالرجل النبى ﷺ وأن الأوس والخزرج من قومه العرب ينصرونه لأنهم من قومه، فما بال الذى يدعو الفارسى والرومى إلى نصره؟)، فقام إليه معاذ بن جبل رضى الله عنه فأخذ بتلبيبته «١»؛ ثم أتى النبى ﷺ فأخبره بمقالته، فقام النبى ﷺ مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودى: إن الصلاة جامعة «٢»، وقال ﷺ : «يا أيها النّاس إنّ الربّ واحد، والأبّ واحد، وإنّ الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنّما هى اللّسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربىّ». فقام معاذ فقال: فما تأمرنى بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: «دعه إلى النّار»، فكان قيس ممن ارتد فى الردة فقتل. أرأيت لو ظل المسلمون على هذه التربية المحمدية أكان وقع بينهم من الشقاق والحروب باختلاف الجنس واللغة كل ما وقع وأدى بهم إلى هذا الضعف العام؟ أرأيت لو حافظوا على هذه الأخوة الإسلامية أكانت حدثت فيهم تلك الشعوبية المجوسية الأولى، وهذه العصبية التركية الأخرى؟ كلا إنهم لو حافظوا عليهما لعمموا أخواتها، ولأصلحوا بها شعوب الأرض كلّها. يعترض بعض أولى النظر القصير، والبصر الكليل على توحيد اللغة فى الشعوب المختلفة بأنه خلاف طبيعة البشر، ويرد عليهم بأنّ توحيد الدين أبعد من توحيد الله عن

стр. 185

طبيعة البشر إن أريد بالبشر جميع أفرادهم، وأن الحكماء ما زالوا يسعون لجمع البشر على لغة واحدة مشتركة، مع علمهم أن ترقى بعض اللغات بترقى أهلها فى العلوم والفنون والسياسة والقوة والعصبية يستحيل معه أن يرغبوا عنها إلى غيرها، ولم يسع أحد منهم لجمعهم على دين واحد، وأنّ القرآن الذى شرع توحيد الدين مع شرعه ولغته لجميع البشر. قد علمنا أن حكمة الله تعالى فى خلق الإنسان تأبى أن يكون الناس كلهم أمة واحدة تدين بدين واحد قال الله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩] وإنما دعاهم إلى هذه الرحمة ليقل الشقاء الذى يثيره الخلاف فيهم: هذا الخلاف الذى جعل أعظم شعوب الأرض وأرقاهم فى العمران يبذلون فى هذا العهد أكثر ما تستغله شعوبهم من ثروة العالم فى سبيل الحروب التى تنذر عمرانهم الخراب والدمار. فإذا كان مقتضى طبع البشر أن لا يتفقوا كلهم على شىء واحد من لغة ولا دين ولا غيرهما من الأمور التى تختلف فيها الآراء، فهذا لا يمنع دعوتهم كلهم إلى الحق والخير، ولا بد أن يستجيب خيارهم على قاعدة غلب الحق على الباطل. وقد استشكل هذا بعض العلماء من حيث المخاطب بتنفيذه، فقلت لهم: إن المخاطب بتعميم لغة الإسلام، هم أولو الأمر المخاطبون بتعميم دعوة الإسلام وإقامة شرع الإسلام، وقد جرى على ذلك الصحابة والخلفاء من بعدهم كما تقدم. دعا الإسلام البشر كلهم إلى دين واحد يتضمن توحيد اللغة وغيرهما من مقومات الأمم فكانوا يدخلون فيه أفواجا، حتى امتدّ فى قرن واحد ما بين المحيط الغربى إلى أقصى الهند أو الصين، ولولا ما طرأ عليه من الابتداع، وعلى حكوماته من الظلم والاستبداد، وعلى شعوبه من الجهل والفساد، والتفرق بالاختلاف. لدخل فيه أكثر البشر، ولصارت لغته لغة لكل من دخل فى حظيرته من الأمم فمن غرائزهم اختيار الأفضل إذا عرفوه، بل علمنا القرآن أن هذه سنة عامة. فى الاجتماع البشرى، بل فى كل تنازع بين الحق والباطل، والنافع والضار، والصالح والفاسد، إنما يكون الغلب للأفضل والثبات والبقاء للأمثل، فراجع الآيات فى دمغ الحق للباطل، ثم اعتبر فيه بهذا المثل الماثل: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: ١٧].

стр. 186

قال أحد كبار العلماء الألمان فى الآستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة: إنه ينبغى لنا أن نقيم تمثالا من الذهب لمعاوية بن أبى سفيان فى ميدان كذا من عاصمتنا (برلين). قيل له لماذا؟ قال: لأنه هو الذى حوّل نظام الحكم الإسلامى عن قاعدته الديمقراطية على عصبية الغلب، ولولا ذلك لعم الإسلام العالم كلّه، وإذن لكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عربا مسلمين. قد أعجبت هذا الألمانى عصبيته القومية، وخيلاؤه الأوروبيّة، التى عتلت قومه وجيرانهم إلى جحيم الحرب الأخيرة عتلا «١» فأخسرت أوروبا عشرين مليونا من الرجال، وألوف الملايين من الأموال، وباء فيها قومه بالخزى والنكال، وسيطرة الاستذلال، وإنما كان كره أن يكونوا قد اهتدوا بالإسلام، بما صرفت بصره وعصبيّته الألمانية، عن رؤية المصلحة الإنسانية الجامعة، ولو نظر فيها فأبصرها لعلم أنّ الأفضل والأمثل والأكمل للبشر توحيد شعوبهم بحيث يتفاضلون بعلوم أفرادهم وأعمالهم، لا بأنسابهم وأوطانهم ولغاتهم المفرقة بينهم، وهو قد علم من قبل أن هذه الجامعة الإنسانية لا سبيل إليها إلا بهداية الإسلام فلا تنال إلا به، ولو اهتدت به أوروبا اليوم لزالت أضغانها، ووجهت علومها وفنونها إلى إسعاد البشر وعمارة الأرض كلها، فإنّ إصرار الإفرنج على الكبرياء بجلدتهم البيضاء واحتقارهم للسود والحمر والسمر والصفر وهضمهم لحقوقهم، واستباحتهم لظلمهم. لمن أكبر العار على حضارتهم، وإن استثناءهم للأصفر اليابانى أخيرا من هذا الاحتقار، لما يلطخهم بعار فوق عار، وإن حضارة الإسلام الإنسانية الجامعة لتعلو عليها ألوف من الأميال لا الأمتار. فهل يعقل أن يكون تقرير هذه الأصول التى توحّد الأمم والشعوب وتؤلف بينها بما يجمع كلمتهم عليها بالوازع النفسى لا بالقهر العسكرى من رأى أو إلهام نبع من نفس محمد الأمى فى سن الكهولة ففاق بها جميع الأنبياء والحكماء؟ أم الأقرب إلى العقل أن تكون بوحى من الله تعالى أفاضه عليه ﷺ ؟ «٢».

стр. 187

المقصد الخامس من مقاصد القرآن «وتقرير مزايا الإسلام العامة فى التكاليف الشخصية من الواجبات والمحظورات» ونلخص أهمها بالإجمال فى عشر جمل أو قواعد الأولى كونه وسطا جامعا لحقوق الروح والجسد، ومصالح الدنيا والآخرة، وهو نص قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] وقد تقدم ذكره وبيان معنى الشهادة على الناس فيها، وبينا فى تفسيرها فى أول الجزء الثانى من تفسير المنار أنّ المسلمين وسط بين الذين تغلب عليهم الحظوظ الجسدية والمنافع المادية كاليهود، والذين تغلب عليهم التعاليم الروحيّة وتعذيب الجسد وإذلال النفس والزهد ... كالهندوس والنصارى، وإن خالف هذه التعاليم أكثرهم. الثانية كون غايته الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة بتزكية النفس بالإيمان الصحيح ومعرفة الله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، لا بمجرد الاعتقاد والاتكال، ولا بالشفاعات وخوارق العادات، وتقدم بيانه أيضا. الثالثة كون الغرض منه التعارف والتأليف بين البشر لا زيادة التفريق والاختلاف كما يزعم أعداء الأديان، وتقدم شواهده فى كونه عاما مكملا ومتمما لدين الله على ألسنة رسله فى الكلام على آية القرآن وعموم بعثة محمد ﷺ ، وفى الكلام على الرسل من المقصد الثانى وإنما تفصيل أصوله فى تلك الوحدات الثمانى التى بيناها آنفا فى المقصد الرابع . الرابع كونه يسرا لا حرج فيه ولا عسر ولا إرهاق ولا إعنات، قال الله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] وقال بلغت حكمته: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [سورة البقرة: الآية ٢٢٠]، وقال عظمت رأفته: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، وقال جلت منته: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ

стр. 188

مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، وقال عمت رحمته: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة: ٦]. ومن فروع هذا الأصل أن الواجب الذى يشق على المكلف أداؤه ويحرجه ويسقط عنه إلى بدل أو مطلقا كالمريض الذى يرجى برؤه، والذى لا يرجى برؤه ومثله الشيخ الهرم- الأول يسقط عنه الصيام ويقضيه كالمسافر، والثانى لا يقضى بل يكفّر عن فطره بإطعام مسكين فدية عن كل يوم إذا قدر- وأما المحرم فيباح للضرورة بنص القرآن وإن كان تحريمه أو النهى عنه لسد ذريعة الفساد فيباح للحاجة كما بيناه فى تفسير آيات الربا وآيات الصيام، وآية محرمات الطعام «١». الخامسة منع الغلو فى الدين وإبطال جعله تعذيبا للنفس بإباحة الطيبات والزينة بدون إسراف ولا كبرياء وقد فصلنا ذلك فى تفسير الآيات الواردة فى الأمر بالأكل من الطيبات فى سورة البقرة، وسورة المائدة، وتفسير قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣١، ٣٢]. وقال الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء: ١٧١]، وفى هذا النهى اعتبار للمسلمين لأنهم أولى بالانتهاء عن الغلو بأن دينهم دين الرحمة واليسر، والأحاديث الصحيحة فى نهى المسلمين عن الغلو فى العبادة وعن ترك الطيبات، وعن الرهبانية والخصاء، مبينة لهذه الآيات وهى مصداق تسمية النبى ﷺ لملته بالحنيفية السمحة. السادسة قلّة تكاليفه وسهولة فهمها، وقد كان الأعرابىّ يجيء النبى ﷺ من البادية فيسلم فيعلّمه ما أوجب الله وما حرّم عليه فى مجلس واحد فيعاهده على العمل به فيقول ﷺ : «أفلح الأعرابىّ إن صدق»، وكان هذا أعظم أسباب قبول الناس له، ولكنّ الفقهاء أكثروا بآرائهم الاجتهادية حتى صار العلم بها متعسرا، والعمل بها كلّها متعذرا، ولا يعترض على هذه

стр. 189

المزية بالصلوات الخمس فى كلّ يوم وليلة؛ فإن أقلّ ما تجزئ به كلّ صلاة منها يمكن أن يؤدّى فى خمس دقائق، ومنها صلاة وقتها عقب القيام من النوم فى الصباح، وصلاة قبل النوم فى الليل، فهل يشق على المرء أن يؤدى فى سائر يومه ثلاث صلوات متفرقة فى ربع ساعة منه؟ فإن قيل: إنه يشترط فيه الطّهارة. قلنا: إنّ طهارة البدن والثياب مطلوبة شرعا وطبا فى كلّ وقت، فهى تكون قبل الصّلاة فلا تضيّع على المسلم وقتا ولا عملا فى أثناء النهار إلا نادرا، وكذلك الغسل الواجب قلّما يجب إلا فى الليل أو الصباح، وأما الوضوء فلا يشق منه فى أثناء العمل إلا غسل الرجلين على الذين يلبسون الجوارب والأحذية العصرية، ومن لبسها على طهارة يجوز له المسح عليها بدلا من الغسل، وأما فوائد هذه الصلاة وهذه الطهارة فى النفس والبدن، فهى لا تقدّر بثمن، فالصلاة تطهير للنفس وتزكية لها بمناجاة المؤمن لربّه فتصدّه عن الفحشاء والمنكر «١». السابعة انقسام التكليف إلى عزائم ورخص، وكان ابن عباس يرجّح جانب الرخص، وابن عمر يرجّح العزائم، والناس درجات فى التقصير والتشمير والاعتدال، فهو يوافق البدوى الساذج والفيلسوف الحكيم وما بينهما من الطبقات. قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢]. الثامنة نصوص الكتاب والسنة وهدى السنة مراعى فيهما درجات تفاوت البشرية فى العقل والفهم وعلو الهمة وضعفها، فالقطعى منها هو العام، وغير القطعى تتفاوت فيه الأفهام، فيأخذ كل أحد منه بما أداه إليه اجتهاده، ولذلك كان النبى ﷺ يقر كل أحد من أصحابه فيه على اجتهاد كما فعل عند ما نزلت آية البقرة فى الخمر والميسر والدالة على تحريمهما دلالة ظنية فتركهما بعضهم دون بعض، وأقر كلا على اجتهاده إلى أن نزلت آيتا المائدة بالتحريم القطعى. قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ

стр. 190

[العنكبوت: ٤٣] وبيان ذلك أن الفرائض الدينية العامة فيه، والمحرمات الدينية العامة لا يثبتان إلا بنص قطعى يفهمه كل أحد، والأول مذهب الحنفية. وأما الثانى وهو التحريم فهو مذهب جمهور السلف أيضا، وأما الآيات الظنية الدلالة وأحاديث الآحاد الظنية الرواية أو الدلالة، هى موكولة إلى اجتهاد من ثبت عنده فى العبادات والأعمال الشخصية، وإلى اجتهاد أولى الأمر فى الأحكام القضائية والأمور السياسية، وقد بينّا هذا فى مواضع من التفسير والمنار. التاسعة معاملة الناس بظواهرهم، وجعل البواطن موكولة إلى الله تعالى، فليس لأحد من الحكام ولا الرؤساء الرسميين ولا لخليفة المسلمين أن يعاقب أحدا، ولا أن يحاسبه على ما يعتقد أو يضمر فى قلبه، وإنما العقوبات على المخالفات العملية للأحكام العامة المتعلقة بحقوق الناس ومصالحهم، وقد فصلنا هذا فى أحكام المنافقين من خلاصة تفسير سورة براءة (التوبة). العاشرة مدار العبادات كلّها على اتباع ما جاء به النبى ﷺ فى الظاهر، فليس لأحد فيها رأى شخصى ولا رئاسة، ومدارها فى الباطن على الإخلاص لله تعالى وصحة النية، والآيات والأحاديث فى الأمرين كثيرة. ... كل واحدة من هذه العشر: جديرة بأن تجعل مقصدا خاصا من مقاصد الوحى، ويستدل بها على أنه من عند الله : لا من الآراء والإلهامات النفسية لمحمد ﷺ الأمى فى عهد الكهولة، وقد جاءت مصلحة لما أفسده رؤساء الأديان كلها من السيطرة على عقائد الناس وأعمالهم، والتّحكّم فى وجدانهم، وهو لم يكن يعلم من تفصيل هذه المفاسد شيئا، وإنما غرضنا الاختصار، لأن أهل هذا العصر مترفون كثيرو الشواغل فيملون التطويل.

стр. 191

المقصد السادس من مقاصد القرآن بيان حكم الإسلام السياسى الدولى: نوعه، وأساسه، وأصوله العامة الإسلام دين هداية وسيادة وسياسة وحكم، لأنّ ما جاء به من إصلاح البشر فى جميع شئونهم الدينية، ومصالحهم الاجتماعية والقضائية، يتوقف على السيادة والقول والحكم بالعدل وإقامة الحق، والاستعداد لحماية الدين والدولة، وفيه أصول وقواعد. القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى الحكم فى الإسلام للأمة، وشكله الشورى، ورئيسه الإمام أو (الخليفة) منفّذ لشرعه، والأمة هى التى تملك نصبه وعزله، قال الله تعالى فى صفات المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، وقال لرسوله ﷺ : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، وكان ﷺ يشاور أصحابه فى المصالح العامة من سياسية وحربية ومالية مما لا نص فيه فى كتاب الله تعالى، وقد بينت فى تفسيرها حكمة ترك الشورى لاجتهاد الأمة لأنها مصلحة تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة، ولو قيدت بنظام لجعل تعبديا «١». وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] فأولو الأمر أهل الحلّ والعقد والرأى الحصيف فى مصالحها الذين تثق بهم الأمة وتتبعهم فيما يقررونه بدليل قوله تعالى بعد تلك الآية من السورة نفسها: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [النساء: ٨٣] فأولو الأمر الذين كانوا مع الرسول وكان الأمر يرد إليه وإليهم فى الشئون العامة للأمن من الأمن والخوف وغيرهما: هم الذين كان ﷺ يستشيرهم فى الأمور الدقيقة والسرية المهمة. وكان يستشير جمهور المسلمين فيما لهم به علاقة عامة ويعمل برأى الأكثر وإن خالف رأيه، كاستشارتهم فى غزوة أحد فى أحد الأمرين: الحصار فى المدينة أو الخروج إلى أحد للقاء المشركين فيه. وكان رأيه ورأى بعض كبار الأمة الأول، ورأى الجمهور الثانى، فنفذ رأى الأكثر، ولكنه استشار فى مسألة أسرى بدر خواص أولى

стр. 192

الأمر، وعمل برأى أبى بكر كما فصّلناه فى تفسير سورة الأنفال، ولم تكن آية الأمر له بالمشاورة قد نزلت فهى إنما نزلت فى غزوة أحد (وكانت غزوة بدر فى السنة الثانية للهجرة وغزوة أحد فى الرابعة). وقد بينت فى تفسير الآية الأولى [وهى الآية: ٥٨ من سورة المائدة] ما تدل عليه من قواعد الحكم الإسلامى وكونه أفضل من الحكم النيابى الذى عليه دول هذا العصر «١». ومن الدلائل الكثيرة على أن التشريع القضائى والسياسى هو حق الأمة المعبر عنها فى الحديث بالجماعة: أن القرآن يخاطب بها جماعة المؤمنين فى هاتين الآيتين الخاصتين بالحكم العام والدولة وفى سائر الأحكام العامة كقوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١] وما يليها من الآيات المتعلقة بالمعاهدات والحرب والصلح، وما فى معناها من سور الأنفال، والبقرة، وآل عمران، ومثل قوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]. وكذلك خطابه لهم فى أحكم الأموال كالغنائم وتخميسها وقسمتها، وأحكام النساء وغيرها (وقد بينا هذا كله فى مواضعه من التفسير). وقد صرّح كبار النظار من علماء الأصول بأنّ السلطة فى الإسلام للأمة يتولاها أهل الحلّ والعقد الذين ينصبون عليها الخلفاء والأئمة ويعزلونهم إذا اقتضت المصلحة عزلهم. قال الإمام الرازى فى تعريف الخلافة: هى رئاسة عامة فى الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص. وقال فى القيد الأخير (الذى زاده على من قبله): هو احتراز عن كل الأمة إذا عزلوا الإمام لفسقه. وقال العلامة السعد التفتازانى فى شرح المقاصد عند ذكر هذا التعريف وما علل به القيد الأخير: وكأنه أراد بكل الأمة أهل الحل والعقد واعتبر رياستهم على من عداهم أو على كل من آحاد الأمة. أ. هـ. وقد فصلنا مسألة سلطة الأمة فى كتابنا «الخلافة أو الإمامة العظمى». فهذه القاعدة الأساسية لدولة الإسلام أعظم إصلاح سياسى للبشر قررها القرآن فى

стр. 193

عصر كانت فيه جميع الأمم مرهقة بحكومات استبدادية استعبدتها فى أمور دينها ودنياها، وكان أول منفذ لها رسول الله ﷺ ، فلم يكن يقطع أمرا من أمور السياسة والإدارة العامة للأمة إلا باستشارة أهل الرأى والمكانة فى الأمة، ليكون قدوة لمن بعده. ثم جرى على ذلك الخلفاء الراشدون. فقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى أول خطبة خطبها على منبر رسول الله ﷺ عقب مبايعته: «أما بعد فقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينونى، وإذا زغت فقومونى». وقال الخليفة الثانى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «من رأى منكم فىّ عوجا فليقوّمه» فقال أعرابى: لو رأينا فيك عوجا لقوّمناه بسيوفنا، فقال: «الحمد لله الذى جعل فى المسلمين من يقوّم عوج عمر بسيفه»، وكان يجمع أهل العلم والرأى من الصحابة ويستشيرهم فى كل مسألة ليس فيها نص من كتاب الله، ولا سنة أو قضاء من رسول الله ﷺ . وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه: «أمرى لأمركم تبع». وكذلك كان عمل الخليفة الرابع على المرتضى رضى الله عنه وكرّم وجهه، ولا أذكر له كلمة مختصرة مثل هذه الكلمات على المنبر. وإذا أوجب الله المشاورة على رسوله فغيره أولى، ولا يصح أن يكون حكم الإسلام أدنى من حكم ملكة سبأ العربية، فقد كانت مقيّدة بالشورى، ووجد ذلك فى أمم أخرى وامتاز الإسلام بجعله دينا ثابتا بقول الله وسنة رسوله العلمية وسيرة الخلفاء الراشدين وإجماع الأمة، وإن جهل ذلك من جهله من الفقهاء، فجعلوها فضيلة مندوبة لا واجبة لإرضاء الملوك والأمراء. ذلك بأنّ ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن الصراط المستقيم إلا قليلا منهم، وشايعهم علماء الرسوم المنافقون، وخطباء الفتنة الجاهلون، حتى صار المسلمون يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم، وكان من حسن حظ الإفرنج فى حربهم الصليبية أن كان سلطان المسلمين الذى نصره الله عليهم يقتفى فى حكمه أثر الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز بقدر علمه- وهو صلاح الدين الأيوبى (ر. ح) الذى قال لأحد رجاله المتميزين عنده وقد استجداه على رجل غشّه: «ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين؟ قاض يحكم بينهم، والحق الشرعى مبسوط للخاصّة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته، فالحق يقضى لك أو عليك» ومعنى عبارة السلطان أنه ليس منفذا لحكم الشرع- كالشحنة وهو صاحب الشرطة- وأنّ القضاة مستقلون بالحكم لأنهم يحكمون بالشرع العادل المساوى

стр. 194

بين الناس. وقد اقتبس الصليبيون منه طريقة حكمه، ثم درسوا تاريخ الإسلام فعرفوا منه ما جهله أكثر المسلمين المتأخرين حتى أسّسوا حكم دولهم على قاعدة سلطة الأمة التى جاء به الإسلام، وصاروا يدعونها لأنفسهم، ويعيبون الحكومات الإسلامية باستبدادها، ثم يجعل الإسلام نفسه سبب هذا الاستبداد والحكم الشخصى، وصار المسلمون الجاهلون بدينهم وبتاريخهم يصدقونهم، ويرى المشتغلون بالسياسة وعلم الحقوق منهم أنه لا صلاح لحكوماتهم إلا بتقليدهم، فكان هذا من أسباب ضياع أعظم مزايا الإسلام السياسية التشريعية وذهاب أكثر ملكه، وصدق عليه أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى أعدائهم، وهم يعدون مئات الملايين، فتدبر قوله تعالى فى أعدائهم الأولين يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢].

стр. 195

أصول التشريع فى الإسلام المعروف عند جمهور أهل السنة أن أصول التشريع الأساسية أربعة: (١) القرآن المجيد، والمشهور عند علماء الأصول: أن آيات الأحكام العملية فيه، من دينية وقضائية وسياسية لا تبلغ عشر آياته، وعدّها بعضهم خمسمائة آية للعبادات والمعاملات، والظاهر أنهم يعنون الصريح منها، وأكثرها فى الأمور الدينية، لأنّ أكثر أمور الدنيا موكول إلى عرف الناس واجتهادهم. (٢) ما سنّة رسول الله ﷺ للعمل والقضاء به من بيان وتنفيذ لكتاب الله تعالى، وقالوا أيضا: إن أحاديث الأحكام الأصول خمسمائة حديث تمدها أربعة آلاف فيما أذكر. (٣) إجماع الأمة؛ واتّفق أهل السنة على الاحتجاج بإجماع الصحابة فى الدينيات، والشيعة على إجماع أهل البيت فى عرفهم، وفى إجماع المجتهدين من غيرهما تفصيل. (٤) اجتهاد الأئمة والأمراء والقضاة والقواد فى الأمور القضائية والسياسية والإدارية والحربية، فخصّه بعض الفقهاء بالقياس. وأنكر بعضهم القياس وأقره آخرون كما فصّلنا ذلك فى مواضع، أبسطها ما فى تفسير آية ١٠١ من سورة المائدة. ورد فى هذا الترتيب أحاديث وآثار تدل على العمل به فى عهد النبى ﷺ ، والخلفاء الراشدين (منها) حديث معاذ أن النبى ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: «كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟». قال أقضى بما فى كتاب الله، قال: «فإن لم يكن فى كتاب الله؟». قال: فبسنّة رسول الله ﷺ قال: «فإن لم يكن فى سنة رسول الله؟». قال: أجتهد رأيى لا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ ، صدرى ثم قال: «الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله ﷺ ». رواه أبو داود والترمذى من طريق الحارث بن عمرو، وفيه مقال وله شواهد، وأما العمل بهذا الترتيب فهو معروف عن الخلفاء الراشدين، قد بيناه فى محله وبه أمر عمر رضى الله عنه قاضيه شريح فى كتابه المشهور فى القضاء ولكن الفقهاء يقدمون الإجماع حتى العرفى عند علماء الأصول- وهو مختلف فيه- على النص المختلف فى حكمه. والأصل فى شرعية اجتهاد الرأى للحكّام حديث: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد». رواه الجماعة كلهم عن أبى هريرة إلا الترمذى فعن عمرو بن العاص.

стр. 196

بل كان النبى ﷺ يعطى أمراء الجيوش والسرايا حقّ الحكم بما يرون فيه المصلحة بقوله للواحد منهم: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا». رواه أحمد، ومسلم، والترمذى، وابن ماجة من حديث بريدة. وقال مثل ذلك فى إنزالهم على ذمة الأمير دون ذمة الله ورسوله لئلا يخفرها، وهذا من أوسع النصوص الصحيحة فى تفويض الأحكام السياسية والعسكرية إلى الخلفاء والأمراء وقواد الجيوش، لأنها من المصالح العامة التى تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، وهو مذهب الإمام مالك (ر ح). قواعد الاجتهاد من النصوص أحكام الكتاب والسّنّة: منها أحكام خاصة بالأعمال والوقائع، ومنها قواعد عامة للتشريع، والأحكام الخاصّة، منها: ما هو قطعى الرواية والدلالة لا مجال للاجتهاد فيه ولا معدل عن الحكم به إلا لمانع شرعى، من فوات شرط، كدرء حدّ بشبهة أو عذر ضرورة. وقد أمر عمر رضى الله عنه فى المجاعة ألا يحدّ سارق. ومنها ما هو غير قطعى يعمل فيه باجتهاد من يناط به الحكم والتنفيذ من أمير أو قاض أو قائد جيش، كما تقدم قريبا فى العبادات والمحرمات. وأما القواعد العامة فهى ما تجب مراعاته فى الأحكام المختلفة، وأهمّها فى الإسلام تحرى الحقّ والعدل المطلق العام، والمساواة فى الحقوق والشهادات والأحكام، وحفظ المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة العرف بشرطه، ودرء الحدود بالشبهات، وكون الضرورات تبيح المحظورات، وتقدير الضرورة بقدرها، ودوران المعاملات على اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل، وحسبك بالشواهد من القرآن على قاعدة إيجابى العدل المطلق والشهادة وتحريم الظلم. العدل والمساواة فى الإسلام نصوص القرآن فى إيجاب العدل المطلق والمساواة فيه وحظر الظلم لما كان العدل أساس الأحكام وميزان التشريع وقسطاسه المستقيم، أكد الله تعالى الأمر به والمساواة فيه بين الناس فى السورة المكية والمدنية. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠]، وقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا

стр. 197

حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]، وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا «١» وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: ١٣٥]. أمر الله تعالى المؤمنين بالمبالغة فى القيام بالقسط وهو العدل فإن القوام (بتشديد الواو) صيغة مبالغة للفاعل بالقيام بالأمر وعدم التهاون والتقصير فيه، وبأن تكون شهادتهم فى المحاكمات وغيرها لله لا لهوى ولا مصلحة أحد، ولو كانت على أنفسهم أو والديهم والأقربين منهم، وأن لا يحابوا فيها غنيا لغناه تقربا إليه أو تكريما له، ولا فقيرا لفقره رحمة به وشفقة عليه، ونهاهم عن اتباع الهوى فى الحكم أو الشهادة لأجل كراهة العدل فيهما لمراعاة من ذكر من الناس، وأنذرهم عقابه إن لووا- أى مالوا عن الحق أو أعرضوا عنه-. وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المائدة: ٨]، فهذه الآية متممة لما قبلها، فهناك يأمر بالمساواة فى العدل والشهادة بين النفس وغيرها، وبين القريب والبعيد، وبين الغنى والفقير، وهاهنا يأمر بالمساواة فيهما بين الإنسان وأعدائه مهما يكن سبب عداوتهم، لا فرق فيها بين دينى ودنيوى، فالشنآن البغض والعداوة وقيل مع الاحتقار، فمعنى قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا لا يحملنّكم بغضهم وعداوتهم لكم أو بغضكم وعداوتكم لهم على ترك العدل فيهم، فالعدل بالمساواة أقرب إلى تقوى الله. وأنذر تارك العدل لأجل الشنآن بمثل ما أنذر به تارة للمحاباة، أنذر كلا منهما بأن الله خبير بما يعمله لا يخفى عليه منه شىء، فهو يحاسبه على عمله وعلى نيته وقصده منه، فيثيبه أو يعاقبه على ما يعلم من أمره. فالعدل هو الميزان فى قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [الشورى: ١٧]، وقوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] الآية. فخير الناس

стр. 198

من يصدهم عن الظلم والعدوان هداية الكتاب وهو القرآن، يليهم من يصدهم العدل الذى يقيمه السلطان، وشرهم من لا علاج له إلا حديد السيف والسنان، والمراد به العقاب. فقوام صلاح العالم بالإيمان بالكتاب الذى يحرم الظلم وسائر المفاسد، فيجتنبها المؤمن خوفا من عذاب الله فى الدنيا والآخرة ورجاء فى ثوابه فيهما، وبالعدل فى الأحكام الذى يردع الناس عن الظلم بعقاب السلطان، وبالحديد، والمراد به القوة التى تصد الثورات والفتن وتحفظ الأمن.

стр. 199

حظر الظلم فى الإسلام الشواهد على حظر الظلم ومفاسده وعقابه: ويؤيد قاعدة إقامة العدل ما ورد فى تحريم الظلم والوعيد الشديد عليه؛ فقد ذكر الظلم فى مئات من آيات القرآن أسوأ الذكر، وقرن فى بعضها بأسوإ العواقب فى الدنيا والآخرة، وبأن الجزاء عليه فيهما أثر لازم له لزوم المعلوم للعلة، والمسبّب للسبب، وأن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: ٤٩]، ومن أثره وعاقبته فى الدنيا أنه مهلك الأمم، ومخرب العمران، قال الله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧]، أى ما كان من شأنه ولا من سننه فى نظام الاجتماع أن يهلك الأمم بظلم منه لهم، أو بشرك به يقع منهم «١» وهم مصلحون فى سيرتهم وأعمالهم، وإنما يهلكهم بظلمهم وإفسادهم، كما قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف: ٥٩]، وقال الله تعالى فى الأحكام: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥]، ورد هذا فى حكم القصاص. وحسبنا هذه الشواهد القليلة من الآيات الكثيرة المكررة فى نوعى الظلم، ظلم الأفراد وظلم الأمم، ومن الأول ظلم الإنسان لنفسه وظلمه لغيره، ومنه الظلم فى الحكم والظلم فى القول والعمل من إيذاء بدنى أو مالى أو غيرهما، وفاقا لحكمة التكرار التى بيناها من قبل «٢».

стр. 200

قواعد مراعاة الفضائل فى الأحكام والمعاملات من استقرأ الأحكام الشرعية فى الكتاب والسّنّة بأنواعها من شخصية ومدنية وسياسية وحربية يرى أن الغرض منها كلها قاعدة مراعاة الفضائل فيها من الحق والعدل والصدق والأمان والوفاء بالعهود، والعقود والرحمة والمحبة والمواساة والبر والإحسان، واجتناب الرذائل من الظلم والغدر ونقض العهود والكذب والخيانة والقسوة والغش والخداع، وأكل أموال الناس بالباطل كالربا والرشوة والسحت، وشره وأضره التجارة بالدين والرياء فيه وهو أساس النفاق الدينى الذى هو شر الكفر وأحقره. وأما العقوبات فى الإسلام فهى قسمان؛ (أحدهما): الحدود؛ وهى أقلّها وهى ما فرض من عقاب معين على جرم مبين بالنص كالقتل لحفظ الأنفس، والزنا لحفظ العرض والنسل، والسرقة لحفظ المال، والفساد فى الأرض بقطع الطرق لحفظ الأمن، والسكر لحفظ العقل، وبعض العلماء لا يجعل عقابه حدا لعدم النص فى القرآن ولا فى السنة فى تحديده، والحكمة فى هذه الحدود المعينة إرهاب الأشقياء والفساق، واشترط فى إثبات الزنا شروطا قلّما تتحقق إلا بإقرار الفاعل، وورد فى السنة أمر الزانى بالستر على نفسه وترغيبه عن الإقرار، مع الأمر بدرء الحدود بالشبهات، فقد روى فى الأحاديث المشتهرة مرفوعا من طرق فيها مقال بلفظ: «ادرءوا الحدود بالشبهات» وبلفظ: «ادرءوا الحدود عن عباد الله» وبلفظ: «عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلّوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة». وروى الأخير عن عمر رضى الله عنه وهو مشهور وعليه عامة الفقهاء. وقالوا: إن إقامة الحدود من حق الإمام الأعظم (الخليفة) دون غيره من الحكام. (وثانيهما): التعزير، وهو مفوض إلى اجتهاد الحكام مع وجوب العدل وحفظ المصالح العامة والخاصة وهو الأعم الأشمل. والعبرة فى كل هذه القواعد التى فضل بها الإسلام جميع شرائع الأنبياء وقوانين الحكماء والعلماء، أنها قد جاءت على لسان نبى أمى نشأ بين أميين ليس عندهم شرع منزّل، ولا قانون مدوّن، فهل يعقل أن يكون إلهاما فجأة فى سن الكهولة منبجسا من نفسه، ولم يؤثر عنه قبله شىء من مثله؟

стр. 201

كيف يكون هذا هو مخالف لاستعداد البشر من قبله ومن بعده؟ أم المعقول أنه وحى من ربه؟ ألا إنه لهو وحى ربه كما قال الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ١ - ٤].

стр. 202

المقصد السابع من مقاصد القرآن: الإرشاد إلى الإصلاح المالى تمهيد: بينّا مقاصد القرآن أو أصول فقهه فى إصلاح البشر من طريق التدين والإيمان والعمل والإذعان، ومن طريق العقل والبرهان والفكر والوجدان، ومن طريق الحكم العادل والسلطان، ومن طريق إكمال نوع الإنسان، وما يتعلّق منه بالأفراد، وما يتعلّق منه بوحدة الجماعات والأجناس، وبقى ما يتعلق بفقهه فى إصلاح المفاسد الاجتماعية الكبرى الذى يتوقف كماله على ما تقدّم كله وهى: (١) طغيان الثروة ودولتها. (٢) عدوان الحرب وقسوتها. (٣) ظلم المرأة واستباحتها. (٤) ظلم الضعفة والأسرى وسلب حريتهما، وهو الرقّ المطلق. ذلك بأن جميع حظوظ الدنيا منوطة بها، ولا يتم الإصلاح فيها إلا بتعاون الدين والعقل، والعلم والحكمة والحكم، وإننا نتكلم عليها بالإجمال، مبتدئين بإرشاده فى مسألة المال، والآيات فيها تدور على سبعة أقطاب، وهاك البيان: القطب الأول: القاعدة العامة فى المال؛ كونه فتنة واختبارا فى الخير والشر القاعدة الأساسيّة للقرآن فى المال أنه فتنة، أى اختبار وامتحان للبشر فى حياتهم الدنيوية من معايش ومصالح، إذ هو الوسيلة إلى الإصلاح والإفساد، والخير والشر، والبر والفجور، وهو مثار التنافس فى كسبه وإنفاقه، وكنزه واحتكاره، وجعله دولة بين الأغنياء وتداوله فى المصالح والمنافع بين الناس. وقد كان وما زال مثيرا للعداوات بين الأفراد والجماعات من الأقوام والدول وحلال المشكلات وشفاء المعضلات فيها، حتى ذهب بعض علماء الاجتماع إلى جعله هو السبب

стр. 203

لجميع الانقلابات السياسية والاجتماعية، وكذا الدينية حتى الإسلامية، كما بينت هذا فى التفسير ونقضته بما يعلم برهانه مما هنا، وناهيك من المبالغة فى إكبار أمر المال قول الحريرى فى قصيدة الدينار من المقامة الدينارية: * لولا التقى لقلت جلت قدرته* وقد قصّر علماء الفقه والأدب والتربية من أمتنا فى إعطاء المال حقّه من المباحث المناحى والمقاصد التى دونت فى هذا العصر فى عدة علوم ولكن هذه العلوم ما زادت البشر إلا فسادا، ولا يجدون علاجا لهذا الفساد إلا فى القرآن. قال الله : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٨٦]، وقال تعالى حكاية عن نبيه سليمان ﵇ حين رأى عرش ملكة سبأ مستقرا عنده: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠]، وقال الله تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧]، وقال الله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩]، وقال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ [آل عمران: ١٤]، وقال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٨]، ومثلها فى سورة [التغابن، الآية: ١٥]، ويليها الترغيب فى الإنفاق وقصر الفلاح على الوقاية من شح النفس، وقال الله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: ٤٦]. انظر هذا مع قوله تعالى فى أول هذه السورة وهى الكهف: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: ٧]، والمراد من العمل ما يتعلق بما على الأرض من العمران، وأحسنه أنفعه للناس وأرضاه لله بشكره، ثم ما ضربه فيها من المثل بصاحبى الجنتين، والمثل للحياة الدنيا بنبات الأرض «١». وقال الله تعالى فى تعليل قسمة الفيء بين مستحقيه: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [الحشر: ٧]، والدولة- بضم الدال- المال المتداول، أى: لئلا يكون المال محصورا فى الأغنياء متداولا بينهم وحدهم (وهذا يسمونه اليوم بالرأسمالية).

стр. 204

والشواهد فى فتنة المال فى القرآن كثيرة تجد الكلام عليها فى مواضع من تفسير المنار ولا سيما فى الجزء العاشر منه «١». فمن الآيات فى ارتباط السعادة والفلاح بإنفاق المال، والشقاء بمنعه ما هو للترهيب وما هو للترغيب، وجمع بين الترغيب والترهيب فى قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] «٢»، أى إن منع إنفاق المال فى سبيل الله من أسباب التهلكة. ثم قال فى الترغيب: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وكذا قوله تعالى من سورة الليل: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى [الليل: ٥ - ١١]. هذا كله تفصيل لقوله تعالى قبله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤]، ومعناه بالإجمال والإيجاز: إنّ سعيكم فى الكسب والإنفاق مختلف مبدأ وصفة وغاية وثمرة، فَأَمَّا مَنْ أَعْطى، ما عليه من الحقوق الشخصية والقومية والمصالح الواجبة والمندوبة، وَاتَّقى، سوء عاقبة منعها وضرره فى الأفراد وفى الأمة، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، وهى ما وعد الله من الجزاء على الإحسان بما هو أحسن منه من مضاعفة الثواب بمثل قوله: [النجم: ٣١] وهو شامل لجزاء الدنيا والآخرة فَسَنُيَسِّرُهُ بمقتضى سنتنا فى تأثير صفات النفس من الأعمال، وتأثير الأعمال فى الأحوال الخاصة والعامة لِلْيُسْرى أى الخطة أو الطريقة الفضلى فى اليسر والسهولة والمنفعة له وللناس فيحبه الناس ويحبه الله وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بما عليه من هذه الحقوق وَاسْتَغْنى بماله عن حبّ الناس وحمدهم، وعن حب الله ومثوبته وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى التى بيناها آنفا بعدم طلبها وتحريها بالإعطاء والإنفاق، وإن اعترف بها باللسان فَسَنُيَسِّرُهُ بمقتضى سنتنا المبينة آنفا لِلْعُسْرى من الخطتين، وسوأى الطريقتين فيكون سببا لعسر البشر وعدوا لهم ولربهم، ويكون له شر الجزاء منهم ومنه فى الدارين. ويؤيد ذلك شواهد القطب الثانى من آيات المال وهى:

стр. 205

القطب الثانى: ذم طغيان المال وغروره وصده عن الحق والخير قال الله تعالى فى سورة العلق: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦، ٧]، أى حقّا إن الإنسان ليتجاوز حدود الحق والعدل والفضيلة برؤية نفسه غنيا بالمال، مستغنيا بعينه وكنزه أو قصره على شهواته عما فى إنفاقه من نفع الناس ومرضاة الله تعالى وثوابه فى الآخرة، وقد نزلت هذه وما بعدها فى أبى جهل أشد أعداء النبى ﷺ والإسلام من أول ظهوره وهى ما أول ما نزل فى ذلك. ومثلها فى سورة المسد: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ [المسد: ١، ٢] إلخ «١». ومثلها فى [سورة الهمزة، الآيات: ١ - ٣] وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ، نزلت فى الوليد وأمية بن خلف، وكذا قوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [المدثر: ١١ - ١٧]، وقد نزلت فى الوليد بن المغيرة، وكذا آيات سورة القلم من قوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إلى قوله: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الآيات: ١٠ - ١٥]، وكان هؤلاء أغنى زعماء قريش الذين عادوا النبى ﷺ واستكبروا عن أتباعه بغناهم من أول عهده بتبليغ الدعوة، ثم قال الله تعالى فيهم إذ كان يجمع المال منهم أبو سفيان لقتال يوم بدر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦] وكذلك كان، وفيهم وفى أمثالهم من مترفى أقوام الأنبياء نزل قوله تعالى: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ: ٣٥].

стр. 206

ومن الآيات العامة فى غريزة البشر قوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: ١٢٨]، وقوله من سورة المعارج: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج: ١٩ - ٢١]، الخير المال الكثير، وأكثر الأغنياء منّاعون للمال إلا من استثنى الله بعد هذه الآيات بقوله: إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج: ٢٢] إلخ. بمثل هذه الآيات ينفر الوعاظ النّاس ويزهّدونهم فى المال والدنيا فيبالغون، وإنما المذموم الغرور والطغيان والبطر والاستكبار عن الحق افتتانا بالمال، ولذلك قرنه فى بعض الآيات بالأولاد، وكذا البخل به والشح، وأكل أموال الناس بالباطل كالربا والرشوة والسحت، وشواهده فى آيات القطب الثالث وهى: القطب الثالث: ذم البخل بالمال والكبرياء به والرياء فى إنفاقه قال الله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: ١٨٠]، وقال فى سياق الترغيب فى الإنفاق فى سبيل الله من طيبات الكسب والإخلاص والنهى عن الرياء والمن والأذى فيه: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [البقرة: ٢٦٨]. فسروا الفحشاء بالبخل، أى الشيطان يصدكم عن الإنفاق فى سبيل الله بتخويفكم من الفقر ويأمركم بالبخل الذى فحش شره وضرره، وقال الله تعالى بعد الأمر بالإحسان بالوالدين وبذى القربى واليتامى والمساكين والجيران: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء: ٣٦، ٣٧]، وقال الله تعالى فيمن عاهد الله لئن آتاه من فضله مالا وخيرا ليصدقن منه: فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: ٧٦، ٧٧] وقال الله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: ٣٨] أى: وإن تتولوا عن الإنفاق فى سبيل الله يهلككم بزوال دولتكم ويستبدل بكم قوما آخرين ينفقون أموالهم فى المصلحة العامة من الدفاع عن الملة، وإقامة الحق والعدل فى الأمة. وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً

стр. 207

عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ «١» [النساء: ٢٩]، وقال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٨]، وقال الله تعالى فى اليهود: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [النساء: ١٦١]، وقال الله تعالى فيهم: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: ٤٢] مبالغون فى أكل أموال الناس بالباطل وهو يشمل كل ما ليس له مقابل صحيح مشروع ويدخل فيه الغش والحيل والخداع الدنيوى والدينى والرشوة، والسحت- بالضم الحقير الذى يلزم صاحبه العار ويوصف بالخسة فهو يسحت مروءته أى يذهب بها وقد قلت فى وطن الحكام الظالمين من المقصورة الرشيدية: وكيف لا يسحته الله وهم ... للسحت أكالون فيه والرّشا وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤، ٣٥] الوعيد على كنز المال بمنع تداوله والانتفاع العام به وبمنع الحقوق منه «٢». القطب الرابع: مدح المال والغنى بكونه من نعم الله وجزائه على الإيمان والعمل الصالح قال الله تعالى فى سورة نوح ﵇ حكاية عنه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [نوح: ١٠ - ١٢]، وفى معناه ما حكاه عن هود ﵇ فى سورة [هود، الآية: ٥٢]، بل قال الله تعالى فى بيان نعمته على آدم وحواء وذريتهما بهداية الدين فى آخر قصته من سورة طه: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [١٢٣، ١٢٤] .. الآيات. فجزاء اتباع هداية الدين الحفظ من شقاء الدنيا والفوز بنعمة المعيشة الراضية فيها، وجزاء من أعرض عنها الشقاء ومعيشة الضنك فيها، وفى معناه قوله تعالى من سورة

стр. 208

[الجن، الآية: ١٣]: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً، أى لا يهضم حقه، ولا يظلم بذل يرهقه؛ لأن عزة الإيمان تمنعه وتحفظه، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، ثم قال فى أمر الدنيا: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً «١» [الجن: ١٦، ١٧]. ومن الشواهد على هذه الحقيقة التى غفل عنها المفسرون وغيرهم قوله تعالى: عطفا على الأمر بمنع المشركين من دخول المسجد الحرام: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: ٢٨]، أى وإن خفتم فقرا يعرض لكم بحرمان مكة مما كان ينفقه فيها المشركون فى موسم الحج وغيره فسوف يغنيكم الله تعالى بالإسلام وفتوحه وغنائمه «٢». وكذا قوله تعالى للذين أعطوا الفداء من أسرى بدر: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال: ٧٠]، وكذلك كان، فقد أغنى الله العرب الفقراء بالإسلام فجعلهم أغنى الأمم والأقوام «٣». وقد امتن الله تعالى على نبيه بالغنى بعد الفقر بقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ [الضحى: ٨]، وامتن على قومه بتوفيقهم للتجارة الواسعة برحلة الشتاء والصيف فى سورة خاصة بذلك هى سورة قريش، وسمى المال الكثير خيرا بقوله تعالى فى صفات الإنسان: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨]، وقوله تعالى فيمن يحضره الموت: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ [البقرة: ١٨٠]. وإنما كان المؤمنون المتقون لله الشاكرون لنعمه أحقّ بنعم الدنيا من الكافرين لنعمه والفاسقين الظالمين، لأنهم أحقّ وأجدر بالشكر عليها، والشكر استعمال النعمة فى الحكمة التى منحت لأجلها من الحق والعدل والإحسان والبر والعمران، وهو الذى يرضى الله تعالى فيها، ومن سننه تعالى فيها أنّ الشكر لها بهذا المعنى سبب للمزيد منها، وأن الكفر لها بسوء استعمالها سبب لسلبها أو لسلب فوائدها كما قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ

стр. 209

شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] وقال الله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: ٥٣]. فالمؤمنون والكافرون يشتركون فى أسباب سعة الرزق وكسب المال من زراعة وصناعة وتجارة؛ لأن هذه الأسباب دنيوية لا تختلف باختلاف الأديان كما قال الله تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء: ٢٠]، أى: ما كان ممنوعا عمن يريد به لذات العاجلة، ولا عمن يريد به سعادة الآخرة، وإنما يفضل بعضهم بعضا فى استعمال المال، فاستعماله فى الفسق والشر والظلم والسرف والخيلاء كفر للنعمة وسبب لمحقها نفسها أو محق بركتها، بكثرة الضرر والفساد المترتب عليها، فمن المشاهد أن أكثر الأغنياء المسرفين الفاسقين يفتقرون أو يصابون بالأدواء أو المصائب المنغصة، وأما الأمم المترفة المسرفة الظالمة فتضعف وقد تفقد استقلالها، واستعماله فى البر والخير سبب للمزيد فيها. وقد حققنا هذا الموضوع فى مواضع أخرى، ومنه قوله تعالى فى الزينة والطيبات من الرزق: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: ٣٢]، أى: هى لهم فى الدنيا بالاستحقاق ويشاركهم فيها غيرهم بمقتضى الأسباب، ولكنها تكون فى الآخرة خالصة لهم «١»؛ لأنهم يتوسلون بالشكر لله عليها إلى سعادتها الكاملة الدائمة. ولولا ذلك لجعل زينة الدنيا خاصة بالكافرين كما قال الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. أى ولولا كراهة أن يكون الناس كلهم كفارا بجعل نعيم الدنيا وزينتها للكافرين وحدهم لجعلنا لبيوتهم سقفا وأبوابا من فضة وسلالم من فضة يصعدون عليها إلى غرفات قصورهم، وجعلنا لهم فيها سررا كذلك وزخرفا أى ذهبا، وما كل ذلك إلا متاع الدنيا وهو قليل زائد. بالنسبة إلى نعيم الآخرة العظيم الدائم. ولكن الإنسان يفتتن بالحاضر المشاهد، لذلك جعل الله سعه الدنيا وزينتها بالأسباب الكسبية المشتركة، وجعل المؤمنين أحق بها وأكثر انتفاعا لشكره تعالى عليها بالاعتدال والقصد فى أنفسهم، والتوسعة على غيرهم، كما قررناه آنفا، ويؤيده ما فى القطب الخامس من إرشاد القرآن إلى حفظ المال والاقتصاد فيه.

стр. 210

وهذا التشريع والتثقيف والأدب العالى فى الحضارة الإسلامية يعلو بها على حضارات جميع الأمم المسرفة الفاسقة، فهل كان هذا وما قبله وما يذكر بعده مما نبع من نفس محمد الأمى فى العقد الخامس من عمره، خلافا لطبائع البشر، إذ لم يعهد قط أن يفيض من عقولهم فى هذه السن، ما لم يكونوا فكروا فيه وزاولوه فى سن الصبا والشباب، أم الأقرب إلى عقل المؤمن أن يكون وحيا من الله تعالى؟ كلا الأمرين من الخوارق والعجائب فمن يؤمن بالله يجب عليه أن يقول إنه وحى منه إذ لا يقدر عليه غيره. ومن لا يؤمن به لا يجد أمامه إلا أن يقول إن محمدا أفضل من جميع البشر بنفسه، إذ صدر عنه ما لم يصدر مثله عن غيره، ولا هو من شأن طبيعتهم وغريزتهم فى هذه السن. القطب الخامس: ما أوجب الله من حفظ المال من الضياع بالإسراف والاقتصاد فيه قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النساء: ٥] قيام الشيء وقوامه- بالكسر والفتح- ما يستقيم به ويحفظ ويثبت، أى جعلها قوام معايشكم ومصالحكم، والسفهاء هم المسرفون المبذرون لها؛ لصغر سنهم دون الرشد أو لفساد أخلاقهم وضعف عقولهم: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٥ - ٦]. الابتلاء التجربة والاختبار، أمر باختبارهم وألا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد ظهور الرشد فى أعمالهم، وهو الصلاح والاستقامة فى معاملاتهم، لئلا يضيعوا الأموال فيما يضر أو فيما لا ينفع. وقال الله تعالى فى صفات المؤمنين: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان: ٦٧]، الإسراف: التبذير والإفراط، والقتر والقتور والإقتار: الإقلال والتضييق فى النفقة، يقال: قتر على عياله، ومثله قدر له بالدال مكان التاء ومنه: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت: ٦٢]، وهو مكرر فى عدة سور. وقال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطلاق: ٧]، وهذا نزل في النفقة على المرأة المطلقة فى العدة، وهو إرشاد عام، والقاعدة

стр. 211

فى الأصول أن العبرة بدلالة العموم. لا يقيد بخصوص سبب النزول. وقال فى النفقات العامة: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣]، و (من) للتبعيض، فكل من الغنى ذى السعة، والفقير ذى العسرة، مأمور بأن ينفق مما آتاه الله لا كل ما آتاه الله، وهذا أعظم الأصول الاقتصاد، فمن أنفق بعض ما يكتسب قلما يفتقر. وتقدم فى وصايا سورة الإسراء الحكيمة ذكر آيات النهى عن التبذير والمبالغة فى بسط اليد والمبالغة فى قبضها، وما لكل منهما من سوء العاقبة، قال الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً [الإسراء: ٢٦]. ولولا اقتران تلك الوصايا بحكمها وعللها ومنافعها لما سمّيت حكمة، ألا ترى أنه قال عقب النهى عن التبذير: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [الإسراء: ٢٧]، لأنهم يفسدون نظام المعيشة بإسرافهم، ويكفرون النعمة بعدم حفظها ووضعها فى مواضعها بالاعتدال، ولذلك قال عقبه: وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء: ٢٧]، ثم قال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء: ٢٩] فعلل الإسراف فى الإنفاق بأن عاقبة فاعله أن يكون ملوما من الناس ومحسورا فى نفسه، والمحسور من حسر عنه ستره فانكشف منه المغطى، ويطلق على من انحسرت قوته وانكشفت عن عجزه، والمحسور المغموم أيضا، وكل هذه المعانى تصح فى وصف المسرف فى النفقة، يوقعه إسرافه فى العدم والفقر إلخ، وحسير البصر كليله وقصيره. ويكنى به عمن لا يفكر فى عواقب الأمور. ولو أنّ المسلمين تدبروا هذه الآيات الحكيمة فى الاقتصاد واهتدوا بها لاستغنوا بإرشادها عن جميع الكتب والوصايا فى حفظ ثرواتهم، ولندر أن يوجد فيهم فقير. ولو كان هذا القرآن نابعا من غريزة محمد ﷺ ورأيه وشعوره لما وجدتها فيه، فقد كان حب البذل والإحسان هو الغالب على طبعه، وصاحب هذه الخليقة قلما يفكر فى الاقتصاد. وإنما هى وصايا رب العباد.

стр. 212

القطب السادس: (إنفاق المال فى سبيل الله) آية الإيمان والوسيلة لحياة الأمة وعزة الدولة وسعادة الإنسان هذا هو القطب التهذيبى الأعظم من أقطاب الآيات المنزلة فى المال وأكثرها فيه، وما ذكر قبله فهو وسائل له، وما يذكر بعده فهو بيان للعمل به، وأظهر الشواهد فيه أن الله تعالى جعله هو الفصل بين الإسلام الصحيح المقترن بالإذعان، المبنى على أساس الإيمان، وجعل دعوى الإيمان بدون شهادته باطلة، وإن كانت دعوى الإسلام تقبل مطلقا؛ لأن أحكامه العملية تبنى على الظواهر، والله تعالى هو الذى يحاسب على السرائر، وعليها مدار الجزاء فى اليوم الآخر، فالإسلام عمل قد يكون صوريا غير صادر عن إخلاص وإذعان، والإيمان يقين قلبى يستلزم أعمال الإسلام، ولكن الإسلام الصورى الصادر عن استحسان لا عن نفاق، يكون أقرب الوسائل إلى يقين الإيمان، والأصل فى هذه المسألة قول الله : قالَتِ الْأَعْرابُ «١» آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٤، ١٥]، فقدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس فى تحقيق صحة الإيمان وصدق مدعيه، وقوله: لا يَلِتْكُمْ معناه لا ينقصكم. ويلى هذا الشاهد آية البر الناطقة بأن بذل المال على حبه بالاختيار، أول آيات الإيمان ويليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التى يجيبها إمام المسلمين وسلطانهم بالإلزام، ويليهما سائر أمهات الفضائل ومعالى الأخلاق، وهى قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧] وفى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قولان:

стр. 213

(أحدهما): أعطى المال وبذله على حبه إياه كقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]. (والثانى): أن الضمير فى حبه لله تعالى كقوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: ٨]، أى حب الله تعالى. وتجد بيان الذروة العليا من تفضيل حب الله ورسوله على المال وغيره من متاع الدنيا فى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٢٤]. ومن الآيات فى تفضيل المؤمنين المنفقين على غيرهم وتفاوتهم فى ذلك قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [النساء: ٩٥]. وقال الله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الحديد: ١٠]. وقد ذكر إنفاق المال فى وجوه البر والخير من أمر ونهى ووصف فى عشرات من آيات الذكر الحكيم. وكذلك الصدقة وما تصرف منها من فعل ووصف، وكذلك الزكاة وأبلغ من ذلك التعبير عن التصدق والإنفاق بإقراض الله تعالى ووعد مقرضه بالمضاعفة له فى مثل قوله تعالى فى سورة البقرة الآية (٢)، وسورة الحديد الآية (١١)، وسورة التغابن الآية (١٧). ومن الآيات البليغة فى الترغيب فيه ومضاعفة ثوابه. وبيان آدابه: عشرون آية من أواخر سورة البقرة. هى من أواخر ما نزل من القرآن يتخللها الوعيد الشديد على أكل الربا، فرجعها من الآيات ٢٦١ إلى ٢٨١] مع تفسيرها من الجزء الثالث- تفسير المنار «١». ومن البلاء المبين أن نرى الشعوب الإسلامية فى هذه القرون الأخيرة قد قصرت عن جميع الشعوب القوية فى بذل المال للجهاد فى سبيل الله الذى يحفظ استقلالهم ويعتز به ملكهم، وتعلو به كلمة الله تعالى فيهم، ثم فى غيرهم، وفى طرق البر التى ترتقى بها

стр. 214

أمتهم، وتكون حجّة على سائر الأمم فى تفضيل دينهم على سائر الأديان، وحاجة الأمم إليه لإنقاذ الحضارة من جشع عباد المال، واستذلالهم للملايين من البشر به، وما أفضى إليه من فوضى الشيوعية الدينية والأدبية المشار إليهما فيما يلى: القطب السابع: فى الحقوق المفروضة والمندوبة فى المال والإصلاح المالى فى الإسلام قد عقدت لتفسير قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: ١٠٣] فصلا فى فوائد الزكاة المفروضة والصدقات والإصلاح المالى للبشر وامتياز الإسلام بذلك على جميع الأديان. بينت فيه مكانة المال من حياة الناس، وما له من التأثير فى الثورات والحروب والسياسة والعمران، وغلو بعض الجماعات فى جمعه وادخاره وأنظمته واستغلاله، واستعباد الألوف وألوف الألوف من البشر به، ويدعون فى عرف هذا العصر بالرأسماليين، وقيام جماعات أخرى بالدعوى إلى إبطال النظام الدولى العام فى المال، ووضع نظام آخر لاشتراك جميع الناس فيه ويلقبون بالبلشفيين والشيوعيين، وما بين هذين الفريقين من الجماعات ومن التعادى والخصام. ثم بيّنت أنّ هذه الفتن وما تنذر العالم به من الخراب والدمار لا علاج لها إلا اتباع هداية الإسلام فى الإصلاح المالى، ولخصت أصول هذا الإصلاح فى أربعة عشر أصلا هى: ١ - إقرار الملكية الشخصية وتحريم أكل أموال الناس بالباطل. ٢ - تحريم الربا والقمار. ٣ - منع جعل المال دولة بين الأغنياء. ٤ - الحجر على السفهاء فى أموالهم حتى لا يضيعوها فيما يضرّهم ويضرّ أمتهم. ٥ - فرض الزكاة فى أول الإسلام وجعلها اشتراكية مطلقة باعثها الوجدان لا إكراه الحكام، وإنما تكون كذلك حيث لا حكومة ولا دولة للإسلام. ٦ - نسخها بعد وجود الدولة والحكومة بالزكاة المحدودة بربع العشر فى النقدين والتجارة فى كل عام ما دام النصاب تاما، وبالعشر ونصف العشر فى غلات الزراعة التى عليها مدار الأقوات أو مطلقا، وزكاة الأنعام المعروفة، وفاتنى هنالك ذكر الخمس فى الركاز، وهو ما ينبش من المال المكنوز القديم والمعدن. ٧ - فرض نفقة الزوجية والقرابة.

стр. 215

٨ - إيجاب كفاية المضطر من كل جنس ودين وضيافة الغرباء. ٩ - بذل المال فى كفارات بعض الذنوب. ١٠ - ندب صدقات التطوع للمحتاجين. ١١ - ذم الإسراف والتبذير، والبخل والتقتير. ١٢ - إباحة الزينة والطيبات من الرزق بشرطهما، لتوقف ترقى الصناعة والحضارة عليها. ١٣ - مدح القصد والاعتدال بل إيجابه. ١٤ - تفضيل الغنى الشاكر على الفقير الصابر اهـ. باختصار. وكنت قد شرحت قبله مصارف الزكاة فى تفسير آيتها: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠]. ثم عقدت فصلا آخر فى خلاصة السورة «وهى سورة التوبة» المشتملة على هذه الآيات فى أحكام الأموال فى الإسلام يدخل فى ثلاثة أقسام: ١ - المسائل الدينية والاجتماعية فى الأموال. ٢ - أنواع الأموال ومصارفها. ٣ - فوائد إصلاح الإسلام المالى للبشر. فالرجوع إلى هذه المباحث فى ذلك من التفسير يغنينا عن إعادتها هنا. وخلاصة القول فى هذه القواعد العلمية فى إصلاح ثروة البشر وجعلها خيرا عاما كما سمّاها الله تعالى فى كتابه، واتقاء شرور التنازع عليها- بالوازع الدينى، والتشريع الدولى- إنها هى التى يصلح بها أمر البشر على اختلاف أحوالهم واستعدادهم، فيكونون سعداء فى دنياهم وفى دينهم، ولن تجد مثلها فى دين من الأديان، ولا شىء من كتب القوانين والحكمة البشرية، وإن البشر لعلى خطر عظيم مما سقطوا فيه من التعادى على المال حتى أعيتهم الحيل، وسبيل النجاة ممهدة معبدة أمامهم وهم لا يبصرونها، وهى الإسلام وهداية القرآن: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٢٥١]. وموضوع بحثنا فى هذا المقصد وهو دلائل الوحى المحمدى، أنه لا يعقل أن يكون
следующие страницы →