الإسْلاَم في مجَال التربيَة العَسكريَة
١ - التدريب الفردي (١):
أ- هناك صفات خالدة للجندي الحق، هي التي تميّز الجندي القوي الحق عن الجندي الضعيف المزيّف. وهنا لا بد لي من أن أذكر، أنه ليس كل من ارتدى البزة العسكرية وقضى ردحاً من الزمن في الجيش أصبح جندياً حقاً.
بل لا بد من توافر صفات معينة في الجندي، ليكون جندياً يفيد ولا يضر، ويبني ولا يهدم، ويقاتل ولا يستسلم، ويثبُت ولا يفر.
من هذه الصفات: الطاعة، والطاعة هي ما نُطلق عليه في المصطلحات العسكرية الحديثة تعبير: الضبط.
والضبط معناه إطاعة الأوامر وتنفيذها نصاً وروحاً بدون تردّد وعن طيب خاطر وبحرص وأمانة وإخلاص.
لقد وردت كلمة: (طاع) ومشتقاتها في تسع وعشرين ومئة آية من آيات الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾
[النساء ٤: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧]،
стр. 107
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللََّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء ٤: ٥٩].
والفرق الكبير بين الجندي الجيد والجندي الرديء، هو أن الأول مطيع والثاني غير مطيع، أي أن الأول يتحلى بالضبط المتين، والثاني قليل الضبط، كما يعبر عن ذلك العسكريون المحدَثون.
وقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثال بالطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر؛ وتاريخ الصدر الأول من الإسلام مليء بأمثلة الطاعة التي أدت بالكثير من المسلمين إلى التضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
كما أن الفرق الكبير بين المدنيين والعسكريين، هو أن العسكريين يتحلون بالضبط المتين، ولا جيش بدون ضبط، ولا ينتصر جيش في الحرب على أعدائه بدون ضبط، مهما يكن حَسَن التنظيم، كامل التجهيز، جيد التدريب، قوي القيادة.
ب- ومن صفات الجندي الخالدة: "الصبر" على المشقات العسكرية وفي ميدان القتال.
وقد وردت كلمة (صبر) ومشتقاتها في ثلاث ومئة آية من آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ [آل عمران ٣: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة ٢: ٢٥٠]، وقال تعالى: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ١٣: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل ١٦: ١٢٦]، وقال تعالى:
стр. 108
﴿ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل ١١٠:١٦].
ج- ومن صفات الجندي الخالدة: "الثبات" في الحرب.
والثبات هو القتال إلى آخر إطلاقةٍ من عتاده، وآخر قدرة على الرمي في سلاحه، وآخر رمق من حياته.
وقد وردت كلمة: (ثبت) ومشتقاتها في ثماني عشرة آية من آيات الذكر الحكيم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال ٨: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال ٨: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٤٧: ٧]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة ٢: ٢٥٠]، وقال تعالى: (ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران ٣: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [الأنفال ٨: ١٢].
د- ومن صفات الجندي الخالدة: "الشجاعة"، وهي من أهم مزايا الجندي المسلم، ويكفي أن نذكر أن المسلم لا يجبن أبداً، وأن التولي يوم الزحف بالنسبة للمسلم من الكبائر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ٨: ١٥ - ١٦].
وجعل التولي يوم الزحف من صفات الكفار والمنافقين، قال
стр. 109
تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح ٤٨: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر ٥٩: ١٢]، وقال تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران ٣: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ [الأحزاب ٣٣: ١٥].
ولست أعرف عقيدة سماوية ولا أرضية تحثُّ على الشجاعة حثاً حاسماً جازماً شديداً لا هوادة فيه كما فعلت العقيدة الإسلامية، ويكفي أنها أخرجت الجبناء من مجتمع المسلمين، فالجبن والإسلام على طرفي نقيض، وهما ضدان لا يجتمعان.
وإذا كانت الشجاعة من أهم عوامل النصر على الإطلاق، فإن الشجاعة في العقيدة الإسلامية هي مزية من مزايا المسلم الحق الذي لا يكون مسلماً بدونها.
هـ- ومن صفات الجندي الخالدة: "الحذر واليقظة". قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء٤: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء٤: ١٠٢]، وهي صلاة الخوف كما يعبِّر عنها الفقهاء.
وتدابير صلاة الخوف تدعو إلى الإعجاب، إذ أن هذه التدابير تحرم العدو المتربص من انتهاز الفرصة السانحة في صلاة المسلمين لمباغتتهم بالهجوم، لأن قسماً منهم يصلون، بينما يكون القسم الآخر
стр. 110
في أشد حالات الحذر واليقظة.
وإذا كان الجندي حذراً يقظاً، صَعُبَ على عدوه أن ينال منه شيئاً أو يباغته من مكان لا يتوقعه أو في زمان لا يتوقعه أيضاً، والمباغتة مبدأ من أهم مبادئ الحرب كما هو معروف.
وليس جندياً حقاً من ينام عن عدوه، لأن المبدأ الحصيف في الحرب هو إدخال أسوأ الاحتمالات في الحساب، فإذا كان احتمال هجوم العدو مثلاً واحداً بالمئة، فيجب أن نُدخل في حسابنا أن العدو سيهجم مئة بالمئة! وتطبيقاً لمبدأ الحذر واليقظة، كان المسلمون الأولون في الحرب لا ينامون ولا يُنيمون، وكان من مزايا خالد بن الوليد ﵁ أنه كان لا ينام ولا يُنيم.
وما أصدق المثل العربي القديم: "إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له".
والاستهانة بالعدو اعتماداً على الكثرة الكاثرة أو العدد العديد، يؤدي إلى الكوارث في الحرب، وقد علَّمنا الله درساً عسكرياً سجله القرآن الكريم. فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٩: ٢٥].
إن الاستهانة بالعدو تؤدي إلى الهزيمة، فلا ينبغي لأحد أن يستهين بعدوه قبل لقائه وإحراز النصر عليه. أما المنتصر فمن حقه أن يستهين بعدوه لأنه عرف قابلياته في الحرب، أما قبل خوض العركة فلا بد من أن يُدخِل
стр. 111
في حسابه أسوأ الاحتمالات، وأن يستعد للقائه أعظم استعداد.
وومن تلك الصفات الخالدة للجندي الحق، "أن يجاهد بماله ونفسه في سبيل الله".
وقد وردت كلمة: "جهد" ومشتقاتها في إحدى وأربعين آية من آيات الذكر الحكيم. قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف ٦١: ١١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٩: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٩: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤: ٩٥].
وقد فرض الإسلام على المتخلف عن الجهاد عقاباً نفسياً في الدنيا، إذ يهجر المتخلف أهله حتى زوجه، كما يهجره المسلمون جميعاً ويقاطعونه، وينبذه المجتمع الإسلامي وينظر إليه نظرة احتقار وامتهان، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ (١) [التوبة ٩: ١١٨].
إن عقاب المتخلف عن الجهاد في الإسلام يقتصر عليه فقط ولا يتجازه إلى أهله وعشيرته وسكان قريته ... إلخ. كما حدث في القرن العشرين في بعض الدول الكبرى، إذ نزل العقاب الصارم بأهل المتخلِّف وذوي قرباه وحتى بأهل قريته في بعض الأحيان!.
стр. 112
ويهمنا أن نعرف أن كثيراً من عوائل المتخلفين أُبيدت عن بكرة أبيهم في الدول التي طبقت الحرب الجماعية خلال الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين! أما الإسلام، فقد عاقب المتخلف وحده عقاباً نفسياً صارماً؛ فأين هذا العقاب الذي طبقه المسلمون على المتخلف في القرن الأول الهجري قبل أربعة عشر قرناً من هذا العقاب الجسدي الفظيع الذي طبقته أرقى الدول في القرن العشرين الميلادي؟! لقد سبق الإسلام بتعاليمه العسكرية غيره من التعاليم العسكرية، ليس في هذه الناحية بل في كثير من النواحي العسكرية الأخرى، مما يدعو إلى أعظم التقدير والإعجاب.
ز- ومن تلك الصفات للجندي الحق، "أن يكون مدرَّباً"، والجندي المدرب يتغلب على الجندي غير المدرب بسهولة، ولا قيمة عسكرية للجندي المتخلف في التدريب العسكري.
قال النبي ﷺ : ﴿ارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلَّم الرمي ثم نسيه فليس منا"، وفي رواية: "فهي نعمة جحدها" (١).
تلك هي تعاليم الإسلام في إعداد العسكريين للقتال وهو مانطلق عليه التدريب الفردي في المصطلحات العسكرية الحديثة.
وبهذه التعاليم التي إذا طبقها المسلمون كما طبقها السلف
стр. 113
الصالح، يكون لديهم عسكريون فيهم كل صفات الجندي الخالدة، فالجندي المسلم الحق مطيع لا يعصي، صبور لا يجزع، ثابت لا يتزعزع، شجاع لا يجبن، حذر لا ينام، لا يستهين بعدوه ولا يغفل عنه لحظة، يجاهد بأمواله ونفسه في سبيل الله، يلبي نداء الواجب ولا يتخلف، مدرب على استعمال سلاحه وعلى فنون القتال.
تلك هي صفات الجندي المسلم الحق، فكيف يصبح جيش مؤلفاً من أمثال هؤلاء الجنود؟!.
٢ - التدريب الإجمالي (١):
أ- بين الإسلام أن المصلحة العليا للمسلمين، لا بد أن تكون لها الأسبقية على كل شيء في الدنيا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة ٩: ٢٤].
وجعل الإسلام مقام الشهداء من أعظم المقامات، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٤: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٢: ١٥٤]،
стр. 114
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤: ٧٤].
وعمل الإسلام على تقوية معنويات المجاهدين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال ٨: ٦٥].
وحث الإسلام على الاهتمام بإعداد القوة المادية، قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء ٤: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال ٨: ٦٠].
كما حث الإسلام على إنشاء المعامل الحربية لصنع الأسلحة، وذكر بالحديد خاصة للاستفادة منه في الأغراض العسكرية، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد ٥٧: ٢٥].
وأعد الإسلام تنظيمات عملية للإعفاء من الخدمة العسكرية، وإعلان الحرب، والدعوة إلى الجهاد، وتطهير الجيش، وأساليب القتال، وقضايا الكتمان، والهدنة والصلح، والأسرى، والمحافظة على العهود.
فقد حصر الإسلام أسباب الإعفاء من الخدمة العسكرية في الضعف، ويشمل المرض، والعجز، والشيخوخة، وعدم القدرة على الإنفاق. قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ
стр. 115
لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٩: ٩١].
وحذر الإسلام من التباطؤ في تلبية داعي الجهاد والتثاقل عنه،
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ٣٨ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [التوبة ٩: ٣٨ - ٣٩].
وأمر بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان، ومن الذين يختلفون عن رجاله بالعقيدة، حتى يكون الجيش مؤمناً بعقيدة واحدة لا بعقائد شتى، يعمل جاهداً للدفاع عن عقيدته، ويبذل كل ما يملك في سبيلها، وبذلك يستطيع الفوز في الحرب. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب ٣٣: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ٤٦ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة ٩: ٤٦ - ٤٧].
ب- وأرشد الإسلام إلى الأساليب التعبوية: نظم المواضع
الدفاعية فقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران ٣: ١٢١].
وابتكر أسلوباً جديداً لم تكن العرب تعرفه من قبل هو أسلوب: (الصف) (١)، إذ كانت تقابل بأسلوب: (الكر والفر) (٢)، قال تعالى:
стр. 116
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف ٦١: ٤]، ويطلق هذا الأسلوب القتالي على سورة من سور الذكر الحكيم، هي سورة: (الصف).
ويحذر الإسلام من إذاعة الأسرار العسكرية، ويجعل إذاعتها من شأن المنافقين، ويطالب المؤمنين بالرجوع إلى القيادة العامة، كما يطالبهم بالتثبت مما يصلهم من أنباء قبل الركون إليها والعمل بها. قال تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب ٣٣: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٤: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٤٩: ٦].
تلك لمحات من تعاليم الإسلام في تدريب الجيش وإعداده للحرب، ليكون جيشاً يؤثِرُ المصلحة العامة للمسلمين على المصلحة الخاصة لأفراده وجماعاته؛ وجَعَلَ للشهداء الحياة الخالدة المستمرة، وبذلك قضى على الخوف من الموت نهائياً، وجعل معنويات الجيش عالية على أسس رصينة مستمدة من إعداده المادي وتربيته الروحية، وأمر بالإعداد المادي للجيش حتى ما يفقد عقالاً ولا خطاماً، وحثَّ على بناء المعامل الحربية مستهدفاً الاكتفاء الذاتي لجيش المسلمين، وأعد
стр. 117
تنظيمات رائعة للتجنيد والإعفاء من الخدمة العسكرية ودعوة الاحتياط وإعلان الحرب وتطهير الجيش من غير العقيديين، وعلَّم الجيش أهم الأساليب التعبوية التي يمارسها في القتال.
لا عجب بعد ذلك، أن يبشِّر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، جيش المسلمين في كل زمان ومكان، بأنهم إذا طبقوا تعاليم الإسلام العسكرية نصاً وروحاً، فإنهم لن يغلبوا من قلة أبداً إذا كان تعداد جيشهم يبلغ اثني عشر ألف رجل.
٣ - الحرب العادلة:
ولكن الإسلام لم يكتفِ ببناء الرجال ليكونوا أعضاء نافعين في جيش المسلمين، ولم يكتفِ بإعداد جيش المسلمين مادياً ومعنوياً، بل حرص على تطبيق: (الحرب العادلة) (١) في الجهاد.
ومن المعروف أن الجيش الذي يخوض حرباً عادلة، لإحقاق الحق وإزهاق الباطل والدفاع عن حرية نشر الدعوة وتوطيد أركان السلام، دون أن يظلم رجاله أحداً من الناس، فإن ذلك الجيش يستقتل في حربه ولا بد أن ينتصر.
حذر القرآن الكريم من انتهاز غفلة العدو المعاهَد وأخذه على غرة غدراً، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال ٨: ٥٨].
стр. 118
وأمر الإسلام بتلبية دعوة السلام ووقْف الحرب إذا جنح الأعداء للسلم وظهرت منهم بوادر الصدق والوفاء. قال تعالى: ﴿*وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٦١ وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٨: ٦١ - ٦٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة ٢: ٢٠٨].
بل يصرح الإسلام بأن الثمرة من اتباع الإسلام هي الاهتداء إلى طرق "السلام" والنور، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة ٥: ١٥ - ١٦].
وحرَّم الإسلام قتل الشيخ الكبير والعاجز والمرأة والصبي ورجل الدين المنقطع للعبادة، والفلاَّح المسالم الذي لم يشترك في القتال.
وخيَّر الإسلام القائد بين أن يمنَّ على الأسرى فيطلقهم من غير فدية أو مقابل، أو يأخذ منهم الفدية من مال أو رجال، وذلك بحسب اقتضاء المصلحة العامة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد ٤٧: ٤]. وقد أمر الإسلام بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية، فلا يجوز تعذيبهم ولا التمثيل بهم ولا تعريضهم للجوع والسغب، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا
стр. 119
نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان ٧٦: ٨ - ٩].
وعلَّم الإسلام أتباعه، أن الحرب إذا انتهت باستسلام العدو وانتصار المسلمين، فلا عدوان على الأعراض، ولا تخريب للمدن، ولا استلاب للأموال، ولا إذلال للكرامات، ولا اندفاع وراء الثأر والانتقام؛ وإنما هو الإصلاح والتحرير والعدالة ونشر الخير ومكافحة الشر (١)، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٢٢: ٤١].
وحثَّ الإسلام بصورة خاصة على المحافظة على العهود، وأوجب الوفاء بها، وحرَّم الخيانة فيها والعمل على نقضها، وأرشد إلى أن القصد منها إحلال الأمن والسلم محل الاضطراب والحرب. وحذر أن تكون وسيلةً للاحتيال على سلب الحقوق والوقيعة بالضعفاء. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ٩١ وَلاَ تَكُونُواْ
كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن
تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل ١٦: ٩١ - ٩٢].
وأمر الإسلام أن تكون الحرب لإقرار الحق وإزهاق الباطل لتحرير الضعفاء والمضطهدين، لذلك يقتضي أن تضيق حدودها حتى لا يصطلي بنارها إلا من حمل السلاح وبدأ العدوان، فلا تؤخذ أمة العدو كلها بجريرة جيشها أو حكامها. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ٢: ١٩٠].
стр. 120
تلك هي مجمل الحرب العادلة في الإسلام: ابتعاد من الغدر، ووفاء بالعهود، وإقرار للسلام، ومعاملة إنسانية لغير المحاربين، وتمسك بالمثل العليا الرفيعة في معاملة المغلوبين.
فأين منها حروب القرن العشرين الميلادي؟
٤ - الحرب النفسية:
ولكن تعاليم الإسلام لا تسيطر على المسلم الحق وجيش المسلمين حقاً في ميدان القتال فقط، بل تسيطر على المسلم فرداً وعلى جيش المسلمين في أيام السلام أيضاً.
إن الهدف الحيوي من الحرب، هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو، فإذا انتصر عليه في ميدان الحرب واستطاع أن يحطم طاقاته المادية، فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته المعنوية، ليكون النصر كاملاً يؤدي إلى الاستسلام.
وهنا تبدأ الحرب النفسية التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى وقبل كل شيء.
وفي تاريخ الحروب أمثلة لا تعد ولا تحصى، عن انتصارات استطاعت القضاء على الطاقات المادية، ولكنها عجزت عن القضاء على الطاقات المعنوية، فكانت تلك الانتصارات ناقصة استمرت مدة من الزمن ثم أصبح المهزوم منتصراً والمنتصر مهزوماً.
فكيف يصاول الاسلام الحرب النفسية؟ لعل أهم أهداف الحرب النفسية هي التخويف من الموت
стр. 121
والفقر، ومن القوة الضاربة للمنتصر، ومن محاولة جعل النصر حاسماً بالدعوة إلى الاستسلام، وبث الإشاعات والأراجيف، وإشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري، وإشاعة اليأس والقنوط.
المؤمن حقاً لا يخشى الموت، لأنه يؤمن بأنه لا يموت إلا بأجله الموعود.
قال تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس ١٠: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف ٧: ٣٤] [والنحل ١٦: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٤: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران ٣: ١٥٤].
إن المؤمن الحق، يعتقد اعتقاداً راسخاً، بأن الآجال بيد الله ، وما أصدق قولة خالد بن الوليد ﵁ عندما حضرته الوفاة: "ما في جسمي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء" (١).
والمؤمن حقاً لا يخاف الفقر، لأنه يعتقد اعتقاداً راسخاً، بأن الأرزاق بيد الله ، وأنه يرزق النملة المنفردة في الصخرة المنفردة في البحر المحيط، فكيف ينسى رزقه؟!
стр. 122
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٢١٢﴾ [البقرة ٢: ٢١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن﴾ [الطلاق ٦٥: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال ٨: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿*وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ١١: ٦].
والمؤمن الحق لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون
في أيام الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام وفي أيام الفتح
الإسلامي العظيم بعُدة أو عدد، بل كان انتصارهم بالإسلام. قال
تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ٢: ٢٤٩]،
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ
عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ٦٥ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٨: ٦٥ - ٦٦].
والمؤمن حقاً لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته، فهو لا يستسلم أبداً ولا يفكر بالاستسلام لأنه يؤمن بأن انتصار العدو عليه قد يدوم ساعة ولكنه لا يدوم إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٣: ١٤٠].
والمؤمن حقاً لا يستسلم بعد هزيمته، لأنه يعلم بأن بعد العسر
стр. 123
يسراً، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقين ٦٣: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ١٠: ٦٥].
والمؤمن الحق لا يصدق الإشاعات والأراجيف، ولا يبث الإشاعات والأراجيف، ويقضي على كل ذلك في مهده، ويفضح مروجيها ولا يسكت عنهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٤٩: ٦]، وقال تعالى: ﴿*لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٣: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٤: ٨٣].
والمؤمن حقاً يقاوم الاستعمار الفكري ويصاول الغزو الحضاري الذي لا طائل من ورائه، لأن له من مقومات دينه وتراث حضارته، ما يصونه من تيارات المبادئ الوافدة التي تناقض دينه وتراثه وتذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ١ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ٤ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٥ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ١٠٩: ١ - ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف ١٢: ١٠٨].
والمؤمن حقاً لا يقنط أبداً ولا ييأس من نصر الله ورحمته، قال
стр. 124
تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٣٩: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ [الحجر ١٥: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٠: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت ٤١: ٤٩].
هذا هو أسلوب الإسلام في مصاولة الحرب النفسية، وبهذه الطريقة السهلة العملية يكافح شرور هذه الحرب.
والذين قرؤوا بعض ما صدر في اللغات الأجنبية عن: (الحرب النفسية)، يجدون الأجانب يعقدون أساليب معالجتها تعقيداً لا مزيد عليه.
ومن موازنة أسلوب الإسلام في معالجتها وأسلوب الأجانب، نجد بوضوح عظمة الإسلام في هذه الناحية.
وبهذه الموازنة الموضوعية بين الأسلوبين، تذكرتُ ما قاله (برنارد شو) في رسالته باللغة الإنكليزية التي سماها: (نداء العمل) وتأكدت من صدق قوله وإنصافه، فقد قال: "إن محمداً يجب أن يدعى: منقذ الإنسانية، ولو أن رجلاً مثله تولى قيادة العالم الحديث، لنجح في حل مشكلاته بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة اللذين هو في أشد الحاجة إليهما" (١).
стр. 125
٥ - عزَّة الإسلام:
هذا غيض من فيض من تعاليم الإسلام في بناء الرجال معنوياً ومادياً ليكونوا عناصر مفيدة في المجتمع الإسلامي أولاً، ومن تعاليم الإسلام لتدريب هؤلاء الرجال عسكرياً ليكونوا جنوداً متميزين في الجيش الإسلامي ثانياً، ومن تعاليم الإسلام لإعداد هذا الجيش ليصبح قوة ضاربة يدافع عن الإسلام ويصون كرامة المسلمين ويرسي قواعد السلام والعدل ثالثاً، ومن تعاليم الإسلام في مصاولة الحرب النفسية لوقاية جيش المسلمين والأمة الإسلامية من الانهيار المعنوي رابعاً وأخيراً.
لقد عرضنا لحال العرب في الجاهلية وأثر الإسلام في العرب، وعرضنا لتعاليم الإسلام وبخاصة العسكرية منها.
وحين طبق المسلمون الأولون تعاليم الإسلام، وكانوا ترجمةً عملية تمشي على الأرض لتعاليم الدين الحنيف، انتصروا على أعدائهم ولم تنكس لهم راية، وهذا ما يفسر لنا سر الفتح الإسلامي العظيم الذي امتد خلال ثلاثة وثمانين عاماً (١): من الصين شرقاً إلى قلب فرنسا غرباً، ومن سيبيريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً كما ذكرنا سابقاً.
وحين أعرض المسلمون عن دينهم، وأصبحوا يتمسكون
بالقشور دون اللباب، وبالمظهر دون المخبر؛ تداعت عليهم الأمم
وأصبحوا غثاء كغثاء السيل.
стр. 126
لقد أعزهم الله بالإسلام، ولن يعزوا بغيره.
والإسلام ليس نسباً ولا إرثاً ولا مناطق جغرافية، ولكنه إيمان وعمل وتضحية وفداء.
والمسلمون الذين يتقبَّلون الإسلام بدون تكاليف البذل والتضحية والفداء، ليسوا مسلمين حقاً؛ بل مسلمون بالنسب أو النسبة، فهم وارثون أو جغرافيون.
والمسلمون الذين يصومون ويصلون ويؤدون الفرائض، ثم يقعدون عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ولا يجهزون المجاهدين، ولا يخلفونهم في أهلهم، حين يصبح الجهاد فرض عين أو فرض كفاية ليسوا مسلمين حقاً.
وصدق رسول الله صلوات الله وتسليمه عليه: "من لم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق".
لقد كان شعار المسلمين الأولين قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة ٩: ٥٢]: النصر أو الشهادة.
وكانوا يحرصون على الموت حرص غيرهم على الحياة، وكان أحدهم يردد وهو في الرمق الأخير: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه ٢٠: ٨٤].
لذلك انتصروا في الحرب، وانتصروا في السلام.
ولكن! كيف طبق المسلمون الأولون تعاليم الإسلام العسكرية بخاصته؟
стр. 127
التطبيق العملي في عهد النبوّة
стр. 128
مستهل
(١)
جاءني ذات يوم كبير مذيعي محطة إذاعة عربية كبرى وقال: "إن كاتباً كبيراً ذكر عنك بأن ما تكتبه عليه مسحة دينية".
ومن الصدف أن يزورني قائد من قادة الفدائيين الفلسطينيين في ذلك اليوم وقال: "لماذا تحرص على إبراز الناحية الدينية في كل ما تكتب"؟.
وبالطبع كان ما نقله المذيع الكبير إليَّ، وما قاله القائد الفدائي، هو في معرض النقد، فهما يعتقدان أن القائد العسكري لا ينبغي أن يكون متديناً!!!.
وكنت أحرص على صداقة أخ فلسطيني أعظم الحرص، لأنه من فلسطين التي خالط حبها دمي وتغلغل في قلبي، ولأنه مفكر ألمعي وعالم جليل، ولكنني اضطررت إلى نبذه إلى الأبد، لأنه زعم أن التدين مظهر من مظاهر التخلف، وأن العرب لن يفلحوا ما لم يتخلوا عن الدين.
هذا الذي كان صديقي، يعمل في بلد عربي يتمسك معظم سكانه بالدين الحنيف، وقد زعم أن سر تخلف هذا البلد العربي يكمن في تدين
стр. 129
شعبه، ولكن الذي يبشر بالخير - كما زعم صديقي الذي كان - هو أن طلاب الجامعة في ذلك البلد العربي الشقيق تعلموا احتساء الخمر ولعب الميسر ومغازلة الفتيات، لذلك فالبلد مقبل على التحرر والانعتاق من براثن الجهل والتقاليد البالية.
وحينذاك اجتاحني الغضب الشديد، وزجرته زجراً عنيفاً، وقررت أن أقاطعه نهائياً لانحرافه عن الطريق السوي! أحقاً أن الخمر والميسر والانحلال الخلقي تقود إلى التحرر والانعتاق؟! وكيف؟! ومتى؟! وأين؟! وتسأل هذا الرجل وأمثاله: "هل يحارب الإسلام العلم؟ هل يدعو الإسلام إلى الجهل؟ ماذا تعيب على العقيدة الإسلامية منهجاً للحياة الدنيا وسبيلاً إلى الحق والفضيلة والخير"؟ لماذا إذن نتنكر للإسلام؟ ولمصلحة من هذا التنكر؟ ولماذا ينبغي أن يتخلى القائد العسكري بالذات عن الدين؟ وكيف يمكن أن نتصور القائد العسكري بلا دين؟ إن الذي لا دين له، لا يدافع عن الدين. والذي لا عرض له، لا يدافع عن أعراض الناس. والذي لا يتحلى بالمثل العليا، لا يمكن أن يدافع عن المثل العليا.
وماذا تريد إسرائيل، وماذا يريد أعداء العرب والمسلمين، غير أن يتخلى العرب والمسلمون عن دينهم وعرضهم ومثلهم العليا؟!
стр. 130
هل يمكن أن يدافع الديوثون والبغايا عن الشرف الرفيع؟! هل يمكن أن يدافع المتنكر للمثل العليا عن المثل العليا؟! إن الأيدي الخفية التي لا تريد الخير للعرب والمسلمين، وتعاون إسرائيل في تنفيذ مخططاتها وأحلامها التوسعية الاستيطانية في البلاد العربية، وتؤازر الاستعمار ليبقى إلى الأبد مستحوذاً على خيرات بلاد العرب ودار الإسلام، هي التي تعمل جاهدة لكي يتخلى العرب والمسلمون عن الدين، وبذلك لا تقوم لهم قائمة أبداً.
وقد حدثت حوادث كثيرة، استغل فيها عملاء الاستعمار وإسرائيل قسماً من المسؤولين العرب والمسلمين وحصلوا على معلومات خطيرة منهم بالغواني والمال والخمر والميسر، فهل كان بمقدور أحد أن يستغل هؤلاء لو كانوا يخافون الله حقاً؟! والعاقل من اعتبر بغيره، فما أحرى العرب والمسلمين اليوم بالاعتبار! إني أتحدى كل من يستطيع أن يذكر قائداً عربياً واحداً أو قائداً مسلماً واحداً انتصر على أعدائه، ولم يكن يتحلى بالتدين العميق ويتمسك بالمثل العليا النابعة من صميم تعاليم الدين الحنيف.
لن يستطيع أحدٌ أن يذكر قائداً عربياً واحداً أو قائداً مسلماً واحداً، كان له في ميدان النصر تاريخ، إلا وهو متدين إلى أبعد الحدود.
وكل واحد يستطيع أن يعدّد ما لا يحصى من القادة الملوثين
стр. 131
جنسياً أو حبيبياً كانوا السبب فيما حاق بالعرب والمسلمين من نكبات.
سيد القادات وقائد السادات الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام هو صاحب الشريعة الغراء ونبي المسلمين وخاتم النبيين والمرسلين.
وقادة الفتح الإسلامي العظيم كلهم من صحابة النبي ﷺ ومن التابعين عليهم رضوان الله.
لقد أحصيت عدد القادة الفاتحين الذين حملوا رايات المسلمين شرقاً وغرباً في أيام الفتح الإسلامي العظيم (١١هـ - ٩٤هـ)، فكانوا ستة وخمسين ومئتي قائد عربي مسلم، منهم ستة عشر ومئتا قائد من صحابة النبي ﷺ ، وأربعون قائداً من التابعين بإحسان رضوان الله عليهم (١).
وهؤلاء هم قادة فتح العراق والجزيرة، وقادة فتح فارس، وقادة فتح الشام ومصر، وقادة فتح المغرب العربي، وقادة فتح المشرق الإسلامي، وقادة فتح الأندلس والبحار.
وقد توقف الفتح الإسلامي العظيم عام أربعة وتسعين الهجري، وأصبحت معارك المسلمين بعد ذلك معارك دفاعية عدا فتح مناطق من أوروبا الذي جرى في عهد العثمانيين.
ومع ذلك، فكل القادة الذين انتصروا في صد غارات المعتدين
стр. 132
أو فتحوا بلاداً جديدة كانوا متدينين غاية التدين، وكانوا أمثلة شخصية لرجالهم في التدين والعمل الصالح، ويكفي أن أذكر منهم: أسد بن الفرات فاتح جزيرة (صقلية)، وصلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين، وقطز قاهر التتار، ومحمداً الفاتح فاتح القسطنطينية.
فمن أين جاءت الفكرة السائدة بأن القائد لا ينبغي أن يكون متديناً؟! وكيف استقر هذا الخطأ الشائع في أذهان قسم من العرب والمسلمين بأن القيادة والتدين على طرفي نقيض؟! لا شك أن تلك الفكرة وذلك الخطأ لا مسوغ لهما، وقد روَّجهما أعداء العرب والمسلمين، وصدَّقهما الجهلاء والعملاء والمغرر بهم وطالبوا اللذة من عبيد البطن والفرج.
كيف كان العرب والمسلمون يطبقون تعاليم الإسلام في عهد النبي ﷺ وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم؟ هذا ما سأتطرق إليه بالبحث وشيكاً، لإيراد نماذج حية تدل على التطبيق العملي لتعاليم الإسلام، ونتائج ذلك التطبيق في الميدان العسكري بخاصته.
وقبل أن أدخل في صُلب الموضوع، لا بد لي من تسجيل أربع حقائق ملموسة: الأولى: أن انتشار الإسلام في المناطق العربية أيام النبي ﷺ كان انتشاراً (مستداماً)، إذ لم يخسر المسلمون أي شبر من الأرض التي أصبحت للمسلمين في عهد الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.
стр. 133
الثانية: أن الفتح الإسلامي الذي جرى بقيادة الصحابة عليهم رضوان الله كان فتحاً (مستداماً) أيضاً، لم يخسر المسلمون أي شبر من الأرض إلا واستعيدت بعد مدة من الزمن - كما حدث في احتلال الصليبيين لجزء من فلسطين وسورية ولبنان مثلاً، ثم طُرد الصليبيون وعادت البلاد المغتصبة لأهلها ... ولعل هذه الحقيقة بشارة للعرب والمسلمين، بأن الأرض المحتلة من قِبَل إسرائيل ستعود إلى العرب والمسلمين اليوم أو غداً بإذن الله، ما في ذلك أدنى شك.
والثالثة: أن الفتح الإسلامي بقيادة التابعين عليهم رضوان الله كان فتحاً (مستداماً) أيضاً، لم يخسر المسلمون منه غير الأندلس وجزر البحر الأبيض المتوسط.
والرابعة: أن الفتح الإسلامي في عهد العثمانيين الذي جرى بعد توقف الفتح الإسلامي العظيم سنة أربع وتسعين الهجرية، وهو الفتح الذي اكتسح أجزاء أوروبا لم يكن فتحاً (مستداماً)، إذ خسر المسلمون ما فتحوه هناك، عدا مناطق آسيا الصغرى التي كانت الروم فيها وكانت القسطنطينية عاصمتها.
نستنتج من ذلك، أن الفتح الإسلامي وانتشار الإسلام في عهد النبي ﷺ وفي أيام الصحابة والتابعين كان فتحاً (مستداماً) وانتشاراً خالداً، لأن قادة الفتح الإسلامي وجنوده كانوا (دعاة) ولم يكونوا (غزاة)، فاهتموا بتعميق جذور الدعوة الإسلامية في المناطق التي فتحوها، وكان سلوكهم الشخصي تديناً وورعاً واستقامة خير عون لهم
стр. 134
على تحقيق أهدافهم في الدعوة إلى دين الله.
أما الفتح الإسلامي بعد الصحابة والتابعين ﵃، فلم يكن فتحاً (مستداماً) إلا في مناطق محدودة جداً، لأن قادة الفتح وجنوده كانوا (جباة) ولم يكونوا (دعاة)، لذلك انصبَّ اهتمامهم على السيطرة والنفوذ والاستعلاء وتحصيل الأموال - خلافاً لتعاليم الإسلام - ولم ينصب على نشر الإسلام وإعلاء كلمة الله بالدرجة الأولى.
والآن ... كيف كان التطبيق العملي لتعاليم الإسلام في عهد النبي ﷺ وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم؟ وكيف كان القادة الفاتحون بعد انقضاء مدة الفتح الإسلامي العظيم؟
***
стр. 135
مع الرسول القائد عَليهِ أفضَل الصَّلاة وَالسّلام
стр. 136
في مَكّة المكَرّمَة
(١)
١ - الأهوال:
لست بصدد عرض تطبيق النبي ﷺ لتعاليم الإسلام قولاً وعملاً، لأن أمر ذلك معروف مشهور، كما أن التحدّث عنه استغرق كل كتب الحديث والسيرة المطهرة وكثيراً من المؤلفات القديمة والحديثة، دون أن يستنفد كل أقواله وأعماله. ولا يزال للقائلين والكاتبين في هذا الميدان بكل زمان ومكان مجال فسيح للقول والبحث، لذلك سأقتصر على أمثلة من جهاده بالمال والنفس في سبيل الله، وأمثلة من تضحياته التي تحملها صابراً محتسباً من أجل إعلاء كلمة الله.
كان النبي ﷺ من أشرف بيوتات قريش التي هي أشرف قبائل العرب على الإطلاق (١)، وقد تزوج بخديجة بنت خُوَيلد أم المؤمنين، وكانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم (٢)؛ وقد عرضت خديجة نفسها عليه، فبعثت إليه قائلة: "إني رغبت فيك، لقرابتك وسِطَتك (٣) في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك"، وكانت خديجة يومئذٍ أوسط
стр. 137
نساء قريش نسباً وأعظمهن شرفاً وأكثرهنّ مالاً، كل قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه (١).
وكان رجال قريش يطلقون عليه لقب (الأمين) قبل أن ينزل عليه الوحي (٢).
كان شريفاً في قمة الشرف، وكان موضع ثقة قومه وحبهم، وكانت حالته المادية على أحسن ما يرام قبل بعثته، فكيف استهان بكل ذلك في سبيل الإسلام؟؟!!.
بُعثَ النبي ﷺ ، فبدأ يدعو إلى الله سراً. ثم جهر بالدعوة إلى دين الله، فمشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عم النبي ﷺ فقالوا: "إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا؛ فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلِّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه" ... ولكن النبي ﷺ مضى على ما هو عليه: يُظهِرُ دين الله، ويدعو إليه (٣).
ومشى أشراف قريش إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: "يا أبا طالب! إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا استنهيناك في ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا: من شَتْمِ آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك (٤) في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين"، فعظم على أبي طالب فراق قومه
стр. 138
وعداوتهم، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه (١)، ولكنه قال له: "يا ابن أخي! إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فابْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق"، فقال رسول الله ﷺ : "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته" (٢).
وجعل قريش يجلسون بِسُبل (٣) الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذَّروه إياه وذكروا له أمره (٤). وأغرى رجال قريش برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذّبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مُبادٍ لهم بما يكرهون من عيب دينهم واعتزال أوثانهم وفراقه إياهم على كفرهم. وطلع رسول الله ﷺ يوماً، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: "أأنت الذي تقول كذا وكذا؟! "، لِمَا كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: "نعم، أنا الذي أقول ذلك"، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر الصديق ﵁ دونه وهو يبكي ويقول: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! " (٥).
وخرج رسول الله ﷺ يوماً، فلم يلقه أحد من الناس إلا كذّبه
стр. 139
وآذاه، فرجع إلى منزله وتدثَّر من شدة ما أصابه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (١) [سورة المدثر ٧٤: ١ - ٢].
وذكر عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ
في المسجد الحرام، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد؟ فانبعث رجل فألقاه عليه، فجاءت فاطمة ﵂ فألقته عنه" (٢).
ومرَّ أبو جهل برسول الله ﷺ عند (الصَّفا)، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره (٣).
ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي ملك الحبشة قد منع مَنْ لجأ إليه منهم، وأن الإسلام جعل يفشو في القبائل العربية، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا ذلك في الصحيفة وتواعدوا وتواثقوا على ذلك أيضاً، ثم علّقوا الصحيفة في جوف (الكعبة) توكيداً على أنفسهم؛ فاجتمع بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه شِعْبَه (٤) وأقاموا فيه على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا سراً (٥).
وكان نفر من قريش يؤذون رسول الله ﷺ في بيته، فكان أحدهم
стр. 140
يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته (١)
إذا نُصبت له، حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجراً يتستر به منهم إذا صلى، فكان إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود، فيقف به على بابه ثم يقول: "يا بني عبد مناف! أي جوار هذا"!؟ ثم يلقيه في الطريق (٢).
ومات أبو طالب وماتت خديجة أم المؤمنين ﵂ في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب: بموت خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها؛ وبموت عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً ومَنَعَةً وناصراً على قومه، وكان موتهما قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول: "لا تبكي يا بنيّة، فإن الله مانع أباك" (٣).
وخرج رسول الله ﷺ وحده إلى (الطائف) يلتمس النصرة من (ثقيف) والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله .
وانتهى رسول الله ﷺ إلى (الطائف)، فعمد إلى نفر من (ثقيف)
стр. 141
وأشرافهم، وجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على مَن خالفه من قومه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس والجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، فعمد إلى ظل شجر العنب وجلس فيه يقول: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك؛ لك العُتبى (١) حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"، ثم انصرف من (الطائف) راجعاً إلى مكة حين يئس من خير (ثقيف) (٢).
وتحرّج موقفه في مكة، وقَلَّ نصيره فيها، واشتدت مقاومة قريش
لدعوته، وأصبح مقامه بينهم عسيراً.
٢ - الهجرة:
وكانت بيعة (العَقَبَة) الأولى وبيعة (العقبة) الكبرى، ثم أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة قائلاً: "إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها"، فخرجوا أرسالاً (٣). وأقام رسول الله ﷺ
стр. 142
بمكة المكرمة، ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة (١).
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له أتباع وأصحاب من غيرهم في غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم مَنَعَة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم لأنهم خافوا أن يحاربهم، فاجتمعوا في دار (الندوة) يتشاورون فيما يصنعون من أمر رسول الله ﷺ ، فقال أحدهم: "احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم تربَّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله"، وقال آخر: "نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا، فوالله لا نبالي أين يذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وأُلفَتنَا كما كانت". وقال أبو جهل بن هشام: "والله إن لي لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد! أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً فتىً جَلْداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل (٢) فعقلناه لهم"؛ فتفرَّق القوم على ذلك وهم مجتمعون (٣).
واجتمع الشباب الذين اختارهم أشراف قريش من القبائل لقتل النبي ﷺ على بابه ليلاً يرصدونه متى نام ليثبوا عليه، فلما رأى
стр. 143
رسول الله ﷺ وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب ﵁: "نَم على فراشي، وتسجَّ ببُردي (١) هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لا يخلُص إليك شيء تكرهه منهم" (٢).
هنا تبدو قصة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة! كان أبو بكر الصديق ﵁، قد أعدّ راحلتيه، فأتى رسول الله ﷺ أبا بكر وخرجا من خَوْخَة (٣) لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بجبل (ثَوْر) أسفل مكة، فدخلاه ليلاً وأقاما فيه ثلاثاً" (٤)، وجعلت قريش حين فقدوه مئة ناقة لمن يردّه عليهم، وطلبت قريش رسول الله ﷺ أشد الطلب، حتى انتهوا إلى
باب (الغار)، فقال بعضهم: "إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد" (٥).
وفي (الغار) كان النبي ﷺ يصلي، وكان أبو بكر الصديق ﵁ خائفاً على النبي ﷺ ، فكان يقترب منه ويلصق نفسه به، فيهمس النبي ﷺ بأذن أبي بكر الصدِّيق: "لا تحزن، إن الله معنا".
وحين شعر أبو بكر الصديق ﵁ بدُنُوِّ الباحثين عنهما قال هامساً: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبْصَرَنا"، فأجابه النبي ﷺ : "يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (٦).
وخرجا بعد ثلاثة أيام من (الغار) حين عرفا أن قد سكن الناس
стр. 144
عنهما، ولكن سُراقة بن مالك بن جُعْشَم علم بمكانهما، فركب في أثرهما، فلما اقترب منهما عثر به فرسه وذهبت يداه في الأرض، وسقط عنه، فعرف سراقة حين رأى ذلك أن النبي ﷺ قد مُنع منه (١).
لقد كانت حياة النبي ﷺ بمكة بعد بعثته حتى هجرته إلى المدينة المنورة، كلها جهاداً من أجل التوحيد: توحيد الله، وجمع كلمة الناس.
قضى حياته المباركة في مكة المكرمة لتحقيق هدف واحد، هو: بناء الرجال. وكانت هجرته إلى المدينة المنورة تهدف إلى اجتماع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بجنوده الغر الميامين عليهم رضوان الله، لمواصلة جهادهم لتكون كلمة الله هي العليا، وليظهر الله دينه ولو كره الكافرون.
وكانت عدته في الجهاد المرتقب الوشيك ثمرات ما قدمه من جهود في: بناء الرجال.
...
стр. 145
في المَدينَة المنوَّرة
١ - الأعمال التمهيدية:
قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو لا يملك ديناراً ولا داراً فيها، فنزل ضيفاً مكرّماً معززاً على أبي أيوب الأنصاري ستة أشهر (١)، أنجز خلالها بناء المسجد ومساكنه، وعمل في المسجد ليرغّب المسلمين في العمل (٢)، وجعل ينقل الحجارة بنفسه (٣)، فتمّ للمسلمين ببناء المسجد بناء (الثَّكْنَةِ) الأولى في الإسلام.
ولكي يتفرغ لقتال قريش دون أن تقلقه الجبهة الداخلية في المدينة المنورة، كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار من جهة وبين يهود من جهة ثانية، وادعهم وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشَرَطَ لهم (٤). وقد نصّت تلك المعاهدة بصراحة: "أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن" (٥)، فاستطاع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بهذه المعاهدة أن يجعل أهل المدينة جميعاً على اختلاف أديانهم