← Общие книги

Общие книги · id 8645

بين العقيدة والقيادة

محمود شيت خطاب

Полный текст (561 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تلك التي واجهها أي واحد منا عندما كنا شباباً. فالأشياء المثيرة، وأفلام العصابات (١)، والبيوت المخربة من جراء التهاون في الواجبات الزوجية، ونشر القضايا الجنسية في بعض الصحف (٢)، كل هذه تفرض على الولد المراهق ضغطاً شديداً، وليس من السهل أن ننمي فيه السجية في ظروف كهذه" (٣). ويمضي بالحث على تلقين الأطفال تعاليم الدين فيقول: "لقد سبق أن ذكرت كلمة (الضبط). إن لهذه الكلمة صدى غير حسن عند فريق من الناس، وربما كان السبب هو لأنها غير مفهومة فهماً صحيحاً. إن الأساس الحقيقي للضبط، هو ضبط النفس، وهو ينطوي على فكرة السيطرة على النفس وكبح جماحها، وأن يعيش الإنسان حياة منظمة ومقيدة بقيود اختيارية يفرضها على نفسه، وقد تُعَدّ هذه القيود بمثابة (واجبات) يجب أن نشعر بضرورة القيام بها. إن مفهوم (الواجب) هذا يؤكد أهمية التعاليم الدينية الخاصة بالسيرة الشخصية للإنسان، ويجب أن يُوحَى بهذه التعاليم إلى كل طفل حالما يبدأ بالذهاب إلى الروضة، وينبغي أن يتم ذلك حتماً قبل بلوغه السادسة من عمره" (٤). ويتساءل مونتكومري: "فما هو غرضنا"؟ ويجيب: "إن الغرض هو أن نبثّ في نفوس الشبيبة الاستقامة والشجاعة الأدبية والحمية،

стр. 72

بغية إقامة حصن يتحدى المؤثرات المخربة التي تسعى إلى تحطيم أخلاق أولادنا. وينبغي تدريب هؤلاء على أن يكونوا (نقاطاً قوية) في الأمة، تدافع عن (الأمانة) وسط مغريات تحرض على (الخيانة)، وتدافع عن العمل الجماعي والإخلاص، وعن الجهد الصادق وشعور الواجب الرفيع، بل عن كل شيء فيه خير للبلاد". ثم يقول: "أين يجب أن يبدأ التعليم؟ في البيت طبعاً، ذلك هو المكان الذي يجب أن يبدأ فيه تكوين (السَجِيّه). وينبغي أن يتعلم الولد في البيت أموراً معينة تعد (خطأً) وأخرى تعد (صواباً)، ويجب أن يتعلم أسس الأمانة والإخلاص والصدق والثبات على ما يعتقده صواباً وحقاً، ثباتاً راسخاً برغم ما يواجهه من إغراء. ويجب أن تبدأ أسس هذا التعليم في وقت مبكر، وأن ترسخ في ذهن الطفل عندما يبلغ السادسة من عمره، حتى إذا ما بدأ في الذهاب إلى المدرسة لا يكون فريسة لأية تأثيرات شريرة قد يواجهها" (١). ثم ينعي على العالم تخليه عن المثل العليا، ويتوجه إلى قومه برأيه صريحاً واضحاً: "لكي نخدم بريطانيا ونفتخر بأننا إنكليز، ليس من الضروري أن نملك قنابل ذرية بقدر أمريكا، أو علماء بقدر روسيا، فليست البلاد التي تنقصها القنابل الذرية أو القوات الكبرى هي التي يجب أن تُدعى دولاً من الدرجة الثانية، بل ينبغي أن يطلق ذلك على البلاد التي تعوزها المثل العليا، وهذه المثل تبقى وغيرها يفنى". وقال: "إن أول ما نحتاج إليه هو معالجة الجهل المتفشي بيننا عن الحقائق الأولية للدين" (٢).

стр. 73

ثم وصف آراءه التربوية لإعداد قادة المستقبل بقوله: "وقد لا تكون آرائي مقبولة على العموم، لكنها بسيطة على الأقل، وقد بُنِيَتْ على (مثل عليا) وحقائق أزلية لن تتغير مهما كان العصر الذي نعيش فيه" (١). ويقول: "إني من المؤمنين إيماناً راسخاً بوجوب توجيه الشباب نحو (العُلا) ويجب أن نوضِّح لهم ما ينبغي أن يفعلوه لبلوغ ذلك، وأن نبين لهم السبب. إن ذلك أمر مهم، لأن المستقبل هو للشباب، فهم الذين يجب أن يستلموا المشعل منا. إن مهمتنا أن نوحي إلى الشباب أن يستهدفوا غرضاً أخلاقياً عاماً مبنياً على إيمان واع قوي بالدين. فإذا استطعنا بعدها أن نوحِّد شبابنا وراء قادة يهتمون بهذا الدين كما يهتم الشيوعيون بعقيدتهم، فما من شيء نخشاه؛ لا الأعداء ولا المشكلات الاقتصادية، إذ يمكن التغلب عليهما معاً. إن أهم ما في التربية - وفي الحياة كذلك - هو أن يكون لدى الولد أو الشاب إحساس بالغرض، قوي إلى درجة تمكنه من مواجهة الصعاب والتغلب عليها. إن غرضاً كهذا لا يبنى إلا على عقيدة، ولا يمكن تنمية هذه العقيدة إلا في زمن الصبا. لكنه يجب أن تكون هذه العقيدة حسنة، فالعقيدة السيئة هي السبب في معظم ما نعانيه اليوم من اضطرابات" (٢). وهو يعتبر أن تضليل الولد أو الطفل أخلاقياً من أكبر الجرائم

стр. 74

فيقول: "سئلت ذات مرة عن رأيي في أسوأ جريمة يمكن أن يرتكبها أي رجل؟ فأجبت من غير تردد: تضليل ولد أو طفل أخلاقياً". وأضفت إلى ذلك أقول: "ما من عقوبة تعد قاسية بحق رجل كهذا" (١). وهو يعتبر المثال الشخصي من أهم عوامل التربية فيقول: "سألت صديقاً شاباً في الآونة الأخيرة، وهو تلميذ مدرسة في السادسة عشرة من عمره: ما هو الأمر الهام الذي يعتقد أنه يؤثر في الشباب؟ فأجاب بغير تردُّد: المثال الشخصي، وربما كان جديراً بنا أن نتذكر جميعاً هذا الأمر وأن نعمل به" (٢). ... (٧) ويعود مونتوكومري إلى تلخيص آرائه في التربية فيقول ما ملخصه: "ما هي النصيحة التي أقدمها إلى الشباب؟ كيف يمكنهم أن ينالوا مجد الفتوة"؟ إنني أقدم لهم الوصايا الأربع التالية: "أولاً: ليكن لديك شيء من رزانة الفكر! إن ذلك لا يعني أن الولد أو الشاب لا يجب أن يكون سعيداً نبيهاً، بل بالعكس، ولكن أَنبهُ الناس هو من كان ذا بصيرة وقلب بسيط وضمير طاهر، ومن يحاول متواضعاً وقلبياً التمسك الشديد بقاعدة النبي داود ﵇

стр. 75

الذهبية: (كن حسن النية، وافعل الشيء الصحيح دائماً، فذلك هو الذي يُدخِل الراحة في قلب الإنسان دائماً) (١). إن الملذات التي لا نهاية لها، والفرص الضائعة والامتيازات التي يساء الاستفادة منها، كل هذه الأمور لا تُعَوِّض عن ضياع الفضيلة وفقدان الرجولة وعدم احترام النفس. ثانياً: أوصي بالطاعة، تلك الفضيلة التي يُبنى عليها السلطان، وهي تعني قبول قانون (الواجب) عن رضا قانوناً للحياة. إن الله يفوض شيئاً من سلطته إلى البشر منذ السنين الأولى من حياتنا: يفوضه أولاً إلى أبوينا، ومن ثم إلى الذين يُولُّون علينا؛ فاحترام السلطة إذن واجب مقدس كما هو أمر إلهي، وما من عصر انتهكت فيه حرمة هذا الأمر إلا وساد فيه الفساد. إن آمال الأمم تتعلق بإخلاص أبنائها وتواضعهم، وفي طاعة شبيبتها واحترامهم لمن هم أكبر منهم سناً. ثالثاً: أوصي بالجد والمثابرة، فالوقت المتيسر للعمل والدراسة قصير، وسن الصبا سرعان ما يمر من غير أن نشعر به، إلى دور الشباب، فدور الرجولة. رابعاً: لقد تعلمت في حياتي الخاصة، أن صفات ثلاثاً ضرورية للنجاح: العمل الشاق، والاستقامة المطلقة، والشجاعة الأدبية؛ وهي تعني عدم خوف الإنسان من قول ما يعتقده صواباً والثبات على هذا الاعتقاد" (٢).

стр. 76

وبذلك ينتهي مونتوكومري من عرض آرائه التربوية لإعداد قادة المستقبل. ولعل المدقق في تلك الآراء، يجد أنها تطابق آراء أعلام العرب والمسلمين التربوية، وفي كثير من الأحيان يبدو أكثر (تطرفاً) حتى من السلف الصالح من علمائنا الأعلام. وقد حرصت على أن أنقل نصوص آرائه لأضعها كاملة أمام العرب والمسلمين لعلهم يعرفون طريق الحق والسداد ويعودون إليه، خاصة الذين يرتضون آراء الأجانب ويرضخون لها، ويرفضون آراء قادة الفكر العربي الإسلامي ولا يخضعون لها. كما حرصت على عدم التعليق على آراء مونتكومري، لأنها واضحة ومبسطة؛ ولأفسح المجال للقراء والسامعين لتدبر معانيها بعقولهم وقلوبهم معاً دون اللجوء إلى ما قد يُحدِثه تعليقي عليها من أثر شخصي. إنني أؤيّد آراء مونتكومري في تربية الشباب ليكونوا قادة المستقبل وجنوده، ولكنني لا أجد جديداً عليّ، إذ رددها علماؤنا الأعلام قديماً (١) ولا يزالون يرددونها حتى اليوم؛ ولكن آراء القدماء أصبحت غير ذات موضوع بالنسبة للكثير من العرب والمسلمين، إذا لم تكن ممجوجة منهم، كما أن آراء المخلصين من المحدثين لا تُسمع من

стр. 77

جراء صخب التيار الجارف المضاد، ولا تطبق بحجة أو بأخرى خضوعاً للأفكار الوافدة الهدامة. فلماذا نهدم بيوتنا بأيدينا؟ ولمصلحة من؟. ... (٨) ويعود مونتكومري إلى (مشكلة) الغرب في صراعه الدائر بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكان قد شغل أعلى المناصب القيادية في حلف الأطلسي؛ فينصح الغربيين نتيجة لتجاربه الطويلة في هذا الحلف وفي الحرب العالمية الثانية فيقول: "يجب أن يضمن الغرب المحافظة على تراثنا المسيحي" (١)، فذلك بنظره كفيل لمصاولة الشيوعية، لأن العقيدة لا تكافح إلا بعقيدة كما هو معروف. ويقول في صفات القائد المعنوية: "تتطلب القيادة الصفات الجوهرية التالية: اليقين (٢)، والأمانة، والصلابة، والشجاعة" (٣). ويقول عن تعليل أهمية الصفات المعنوية للقائد: "إن العظمة الحق لا يمكن بلوغها إلا بالفضائل الأخلاقية، فإذا اجتمعت هذه الفضائل مع مواهب أقل نوعاً منها، فإن هذه المواهب ستتحسن، وقد تصبح ملهمة ... ".

стр. 78

"قلما ينجح قائد، بل لا يمكن أن ينجح أبداً، ما لم يمارس الفضائل الدينية" (١). ولكن كيف يمكن إعداد قادة متدينين وشعب متدين؟ يجيب على ذلك مونتكومري فيقول: "وبالإضافة إلى تزويد المدارس بنظام تربوي جيد وبمعلمين ماهرين، ينبغي أن يتيسر فيها نظام سليم للتدريس الديني بالتعاون مع رجال الدين" (٢). ثم يقول عن المثال الشخصي الذي هو التطبيق العملي للنظريات التربوية: "والواقع أن التربية الفكرية والخلقية التي نزود بها أولادنا، هي ليست بنفسها أهم الأمور، بل المهم هو ما سيفعلونه بهذه التربية، والفائدة التي سيجنونها منها في السنين القادمة. ومن الواجب تخصيص قسم من هذه التربية لغرس الصفات التي هي جزء لا يتجزأ من القيادة الجيدة، ويجب أن يقوم بذلك خيرة المعلمين الذين يمكن أن نحصل عليهم، وأن يقوموا به بالمثال الشخصي الحسن الذي يضربونه بأنفسهم لتلاميذهم وطلابهم" (٣). ولم يجد مونتكومري في ختام متن كتابه القيِّم: "السبيل إلى القيادة"، نصيحة يسديها لأبناء دينه وقومه، خيراً من قراءة الإنجيل قبل النوم يومياً فيقول: "إن الإنجيل كتاب ملائم جداً للقراءة قبل النوم" (٤).

стр. 79

كان الأحنف بن قيس التميمي حليم العرب وفاتح (خراسان) و (قاشان) قَلَّ ما خلا إلا دعا بالمصحف، وكان النظر في المصاحف خُلُقاً في الأولين (١). وكانت معارك الفتح الإسلامي تُسْتَفتَح بسورة الأنفال، وكان للمجاهدين دوي كدوي النحل من قراءة القرآن والتسبيح. واليوم؟؟!!. ... (٩) وأخيراً شاء مونتكومري أن تكون (خاتمة) كتابه القَيِّم، تهويمة صوفية بكل ما في هذا التعبير من معانٍ، فهي عبارة عن رؤيا رآها في المنام، لاقى فيها أباه المتوفى قبل سنين، فآثر أن يجعل من هذه الرؤيا خاتمة لكتابه. وكم كنت أتمنى أن أنقل نص هذه الخاتمة أو على الأصح نص الرؤيا، ولكنني أخشى الإطالة دون مُسَوِّغ، لذلك سأقتصر على نقل أهم ما جاء فيها. قال مونتكومري: "كانت الشمس بعد الظهر حارة، وكان يصعب على المرء ألا ينام. وقد فكرت في أبي وفي النصائح الحكيمة التي كان يقدمها لي، فاشتقت إلى نصيحته الآن حول طريقة كتابة خاتمة

стр. 80

الكتاب. وفجأة رأيته!! ... أجل كان بعينه واقفاً بين قواعد نبات الاسبريا الحمراء والبيضاء وعلى ضفة جدول الطاحونة. لقد وَهَبْتُ أبي عندما كنت صبياً كل مودتي وحبي، وإذا كان ثَمَّة قديس على هذه الأرض فهو أبي، وهاهو ذا الآن في حديقتي" (١). ويقول مونتكومري لوالده: "لقد حاولت أن أقوم بواجبي، ولم أخش أحداً في قول الحق أبداً، وبقيت صامداً على آرائي، لكن ذلك سبَّبَ لي مشكلات في بعض الأحيان" (٢). ويجيب أبوه: "أعرف يا ولدي! لقد مرّت لحظات كنت أتساءل فيها هل ستتمكن من التغلب على المصاعب التي تكتنفك؟ لكنك قد تمكنت مستعيناً بإيمانك ... " (٣). ويقول مونتكومري مصوراً رؤياه: "وبدا الرجل الشيخ وكأنه على وشك أن يذهب، فخطوت نحوه خطوة وقلت: أبتي! اِبْقَ معي برهة من الزمن وزودني ببعض الحكم من عالمك، لكي تبعث في نفسي القوة في السنين الباقيات من حياتي ... فالتفت نحوي وقال: "لا يجوز لي أن أبقى طويلاً، وأود أن أقول لك هذا: يتحدث الناس كثيراً في هذه الدنيا كلها عن الحرية، ولكن هناك حرية إيجابية واحدة، هي حرية الاختيار بين الخير والشر، وأن أفضل تعريف لهذه الكلمة التي قلَّما فهمها الناس هي: إن الحرية

стр. 81

التامة هي في خدمة الرب" (١). ويمضي مونتكومري في سرد قصة رؤياه، فينقل ما يقوله أبوه: "عندما أُعايِنُ عالمكم اليوم، ينتابني القلق أحياناً على الجيل الجديد: عندهم مغريات لم نحصل عليها أنا وأنت، ويبدو أنهم ينضجون مبكراً، ولكنّ ذلك يجري في عالم غير مأمون. وهم يميلون إلى أن يجعلوا للأمور (المادية) قيمة كبيرة، وأن يهملوا (القيم الروحية) ... على الشباب أن يتسلح جيداً بالشعور الروحي إذا أراد ألا ينحرف أو أراد ألا يجرفه التيار. "لقد كنت أراقبك ذات مرة وأنت تقول: إن الحرية الحقيقية هي أن يكون لديك الخيار في أن تفعل ما (يجب) أن تفعله لا ما (تريد) أن تفعله ... إن هذه هي الحقيقة بعينها التي تواجه أي ولد، وهي التوفيق بين ما يريد أن يفعله وبين ما يوحي إليه ضميره أن يفعله، وهو حُرٌّ في الاختيار بين الاثنين، فهو وحده الذي يقرر مصيره. ولكنه يحتاج إلى معونة، وفي وسعه أن يستمدها من (صلاته) اليومية ومن الآخرين أمثالك ... " (٢). ويستمر مونتكومري في سرد حلمه فيقول: "ثم غمر المكان سكون مطبق - سكون يشعر به الإنسان، لكنه لم يكن ثمة ما أراه غير أحواض الزهر والشجيرات ... وتولاني الأسى في بادئ الأمر، لكنني سرعان ما رضيت، لأنني علمت بأن الأمر بالنسبة لنا، هنا في هذه الحياة، يجب بل ينبغي أن تكون هذه الحياة حياة إيمان، يصحبها من

стр. 82

حين لآخر رسالة مشجعة أو حلم أو نظرة أو حادثة. فاستيقظت، فإذا أنا أحلم؛ لكنني كنت سعيداً، وأملت أن يهَبَني الله حلماً كهذا مفعماً بذكريات أبي الذي كنت أبجله كثيراً في حياته؛ قوة للسنين الباقيات من عمري. وذهبت إلى داخل الدار حيث مكتب الدراسة، فدوَّنت ذلك كله كخاتمة للكتاب" (١). هكذا اختتم مونتكومري كتابه بهذه التهويمة الصوفية، واختتم تهويمته بقوله: "يجب بل ينبغي أن تكون هذه الحياة حياة إيمان". وقلت: لنفسي لو كتب عسكري عربي أو مسلم ما كتبه مونتكومري عن: علاقة الدين بالقيادة، ثم ختم ما كتبه بمثل هذه التهويمة الصوفية، فماذا كان يقول عنه الناس هنا وهناك؟! بقي أن تعرف أن مونتكومري متدين إلى أبعد الحدود، لم يدخن ولم يعاقر الخمر ولم يكشف ذيله على حرام، وكان في حياته مستقيماً متقشفاً، ومع ذلك فهو أعظم القادة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. فأين من يدعي بأن القيادة والعقيدة متناقضان؟ ...

стр. 83

مَع القَادة الآخرين (١) ربما يتبادر إلى الأذهان أن المشير مونتكومري كتب ما كتبه في مؤلفه: "السبيل إلى القيادة" استجابة لعاطفته الشخصية باعتباره متديناً كثير التدين، فهو يريد أن يحمل غيره من القادة وأبناء الشعب كافة على التمسك بأهداب الدين. إن مونتكومري يهوى الدين، ولكنه لا يميل مع الهوى، ثم إن له تجربة طويلة جداً في الخدمة العسكرية، التزم خلالها بسلوك معيَّن أدى به إلى النصر المؤزر، وأصبح من القادة المشهورين في رأي قسم من قادة الفكر العسكري، ومن أشهر قادة الحرب العالمية الثانية في نظر غيرهم من قادة الفكر العسكري، وهو بكتابه القيم، يقدم عصارة تجربته الطويلة للعسكريين بخاصة وللمدنيين بعامة، ويعتقد جازماً بأن التدين من أهم صفات القائد المنتصر. ومع ذلك فليس مونتكومري وحده قد ذهب هذا المذهب، ولو أنه يمتاز عن غيره في هذه الناحية بأنه رَكَّز عليها وأبرزها وشرحها شرحاً وافياً وأسبغ عليها أهمية خاصة - تستحقها كما أعتقد شخصياً. يقول المشير (ويفل) وهو من القادة البريطانيين البارزين في

стр. 84

الحرب العالمية الثانية: "يجب أن يكون القائد عفيفاً وقوراً، يتحمل المشاق، وأن يكون مؤدباً ودوداً، سهل الاقتراب منه، رزين الطبع" (١). وقد جاء في كتب التدريب الفنية للجيش البريطاني عن صفات القائد ما نصه: "ينحصر أهم واجب للقائد في إصدار القرارات. ولكي تكون قراراته صحيحة، لا تكفيه الشجاعة الشخصية ولا الإرادة القوية الثابتة، ولا تَحَمُّل المسؤولية بلا تردد؛ بل فضلاً عن ذلك عليه أن يكون واقفاً وقوفاً تاماً على مبادئ الحرب، وقادراً على الحكم السريع الواضح، وذا مخيلة مقرونة بمزاج لا تأخذه نشوة الفوز ولا تثبط عزيمته كارثة الخيبة، وأن يكون سابراً لغور الطبع البشري" (٢). أما الأمريكيون فيرون أن القائد هو عنوان قواته، فقد ثبت بالبرهان القاطع أن القوات تتأثر تأثراً كبيراً بسلوك القائد وبالمثل الذي يضربه لها، لذلك يجب أن يتحلى بخصلة نكران الذات. إن الإخلاص للعقيدة كالحماسة يسري بين أفراد القوات العسكرية كالبرق، والعدالة والاستقامة وعدم المحاباة من أهم صفات القائد المؤثرة في قواته. والاستقامة في حياة القائد العامة والخاصة تؤدي إلى ثقة رجاله به وتسري فيهم خصاله الرفيعة.

стр. 85

والصدق ثقة، والصادق موثوق به، والثقة المتبادلة بين القائد والمقود ضرورية إلى أبعد الحدود في الخدمة العسكرية. والشجاع يقود رجاله إلى النصر، والجبان يقودهم إلى الهزيمة. والقائد الشجاع لا تهرب رجاله ما ثبت، والقائد الرعديد تهرب رجاله (١). وقد كان اللواء آيزنهاور القائد العام لقوات الحلفاء في أوروبا في خلال الحرب العالمية الثانية، والذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد، متديناً ورعاً ملتزماً بتعاليم الدين، وقد ذكر وزير خارجيته جون فوستر دالاس في مذكراته، أن آيزنهاور يرضخ لآراء قسيس الكنيسة التي يؤدي فيها صلواته في واشنطن حتى في القضايا السياسية، فكان إذا استعصى عليهم آيزنهاور - كما يقول دالاس - في بعض القضايا، لجؤوا إلى قسيسه لإقناعه، وكان القسيس ينجح في ترويض آيزنهاور كلما أراد ترويضه. ... (٢) أما الفرنسيون، فيرون أن الجدارة الخلقية من أهم مزايا القائد المنتصر، ومجمل آرائهم أن العنصر الأول في جدارة القائد الخلقية هو قابليته لأن يعرف نفسه، لأن معرفة النفس لا غنى عنها لمن يريد أن

стр. 86

يفرض نفسه على الآخرين، وهي تفترض تغلب الإنسان على عيوبه وتنمية مؤهلاته ومزاياه. يجب أن يتحلى القائد بالنزاهة المطلقة والعدالة والصدق، وتشمل النزاهة الحياة الخاصة والرسمية، وعلى الصعيد الرسمي فإنه يتناقض مع النزاهة كل معاملة للآخرين تتسم بالمناورة أو الالتواء أو الأنانية. وليس من النزاهة في شيء إخفاء الحقيقة على من يجب أن يعرفها، ولا القعود عن معرفة الحقيقة بتفاصيلها، وليس من النزاهة في شيء أن يسعى القائد إلى تأمين الفوائد لنفسه على حساب هذا أو ذاك من زملائه أو مرؤوسيه كأن يطعن في كفاية من يَبُزُّه أو ينافسه. وقد كانت العدالة بمعناها الضيق: إعطاء كل ذي حق حقه وإزالة الظلم، أحد واجبات القائد الأساسية. أما في عصرنا وبعد الفصل بين السلطات، فإنصاف المظلوم وإعطاء كل ذي حق حقه مهمة تمارسها سلطة خاصة هي السلطة القضائية. ولكن إذا كانت العدالة بمفهوم الكلمة الحقوقي لم تبق من امتيازات القائد، فالعدالة بمعنى الإنصاف تظل أحد الموجبات التي لا محيد للقادة عن إلزام أنفسهم بها، ذلك أن الجنود الشباب الذين يعايشون القائد أشد تحسساً بالظلم من الذين بلغوا سن النضج. إنهم يقبلون أداء المهام التي يطلب منهم أداؤها، ولا يتذمرون من الأنظمة القاسية، مادام سائداً في أذهانهم أنهم في ظل المساواة والإنصاف. والإنصاف لا يكون بإعطاء كل ذي حَقٍّ حقه، وبمعاملة الجميع

стр. 87

على قدم المساواة، وتجنُّب المحاباة والاستثناء وحسب، بل يجب أن ينظر إلى كل فرد على حدة، فيكافأ أو يعاقب على تصرفه بمعزل عن تصرفات الآخرين. يقول (ريدياه): "إني أتحدى أقوى الناس أن يحمل أحدهم على بذل مجهود جديد إذا لم يكن قد كافأ مجهوده الأول"، ونحن نتحدى أقوى الناس أن يتفادى تكرار غلطة أو هفوة إذا لم يكن قد عاقب الغلطة الأولى. وليس من اليسر - في رأي الفرنسيين - ولا من السهل أن يكون المرء منصفاً، فعلى القائد أن يحذر ما يحب وما يكره باعتباره بشراً، وأن يحذر ميله إلى هذا أو ذاك من مرؤوسيه ونفوره من هذا أو ذاك. وعليه أن يحذر أكثر فأكثر نزعته إلى اعتبار تصرف أو عمل ما في محله لا لشيء إلا لأن هذا العمل أو ذاك التصرف يتفق ورغباته الخاصة أو عواطفه، فالإنسان كثيراً ما ينخدع بعقله أو بقلبه، والإنصاف إنما يتطلب نظرة موضوعية إلى الأشياء. والصدق هو أن تنطبق أفكار المرء وأفعاله على قاعدة سلوك اختارها أو ارتضاها لنفسه، والقائد يجب أن يكون صادقاً مع نفسه ومع رؤسائه ومع جيشه. ففي مجتمع كالجيش، لا يمكن أن يأخذ تيار التفاهم أو التعاون مجراه بين مختلف المناصب والرتب ما لم يكن الصدق شعار الجميع. والصدق هو أساس الثقة والصراحة، به نتفادى الخلافات وما تورثه من حقد وغل، لأنه يجعلها غير ذات موضوع، وقد أصاب (ريدياه) كبد الحقيقة عندما قال: "الصدق هو أمضى سلاح في يد القائد".

стр. 88

والخلق هو طابع الشخصية الجوهري، والقول: إن فلاناً من الناس رجل خلوق هو أجمل مديح يصاغ له، لأن الخلق مزية شاملة تتصل ببقية المزايا بل تدخل فيها. والخلق هو الموقف الواضح والتصرف الحازم والمسؤولية الواعية والصراحة الشجاعة؛ وهو المزية النادرة التي توحي الثقة والاطمئنان، وهو أخيراً أساس الوفاء والمهابة اللذين يستمد منهما القائد نفوذه وتأثيره. والشجاعة ضرورية للقائد، وهي بمدلولها الواسع الثبات في المحنة والاستمرار في الجهد، ورباطة الجأش حيال الخطر. وليست الشجاعة في عدم الشعور بالخوف، بل الشجاعة في التغلب عليه. والتغلب على الخوف هو أول نصر يتعين على القائد إحرازه: من أجله هو، ومن أجل رجاله، ومن أجل وطنه. ومن المزايا الخلقية ميزة يمكن اعتبارها إلى حد ما خاصة بالعسكريين، ونعني بها التجرد أو انعدام الغرض. فالضباط لا يجهلون ألاَّ سبيل لهم إلى الثراء، كما لا يجهلون أن لحرفتهم متطلبات وظروفاً مادية ليس لبقية الحرف مثلها، ككثرة التنقلات وعدم استقرار الحياة العائلية، مما تنتفي معه إمكانية تربية الأولاد تربية حسنة. يجب أن يكون للقائد فكرة واضحة عن هذا كله منذ اللحظة التي يختار فيها حرفته، وينبغي له من ثمَّ أن يحارب في ذاته المرارة والحسد. يجب أن يتحلى القائد بالتجرد، فلا يحاول استغلال المركز المعنوي الذي يتبوأ، ولا يستمد القوة المعنوية التي يحتاج إليها إلا من إدراكه عظمة الرسالة التي يؤديها. عليه أن يكتفي براحة ضميره، وبحسن

стр. 89

تقرير رؤسائه وأقرانه إياه، وبأقليَّة واعية تفهمه، وأن يتذكر أن تعزيز معنويات الجيش وتدعيمها يتوقفان عليه إلى حدٍّ ما. وعلى القائد أخيراً أن يبرهن عن تجرد تام حيال حرفته، فإذا كان بعض أنواع الطموح مشروعاً بل ضرورياً، فقصر الاهتمام على (الوصول) هو داء وبيل، لأنه يفقد القائد توازنه واتزانه، فيقدم على إيثار مصلحته الخاصة على الصلحة العامة، ويصبح لأفعاله حتى الباهر منها في الظاهر بواعث تجردها من كل قيمة معنوية. إن مزايا القائد الخلقية لا تتعلق بحرفته وحسب، بل بحياته كإنسان. هل يستطيع أن يحترم مبادئ الصدق والاستقامة والصراحة احتراماً جدياً في الثكنة أو المكتب، حتى إذا غيَّر محيطه أو هندامه بعد ساعات تخلَّى عن هذه المبادئ وتَنكَّر لها؟! وأي قوة إقناع يمكن أن تكون لمربٍّ يخرق اليوم المبادئ التي علَّمها بالأمس؟ وبأي شعور يصغي إلى درسه مستمعون لا يجهلون شيئاً من سقطاته؟ قال (دوبراك): "غبيٌّ هو القائد الذي يحسب نفسه قادراً على كتمان أخبار سقطاته، فالجندي يعرف عنه أكثر مما يعرف عن نفسه. فالأفضل له أن يجتهد بتقويم اعوجاجه وكبح جماح نزواته بدلاً من أن يحاول عبثاً إخفاء ما لا يمكن إخفاؤه". ويقول اللواء الفرنسي (ويغان): "الجندي الفرنسي يتعشق النقد، وهو لا يرحم رؤساءه الذين يكتشف فيهم نقاط الضعف بسرعة ويجعل منها موضوعاً للتندر" (١). وكم من قائد لا سلطة له ولا نفوذ، لأنه تنكَّب السبيل السوي

стр. 90

في حياته الخاصة، ذلك أن ثمة قضايا يتعيَّن على من يتطوع لخدمتها - كالجيش مثلاً - أن يجتهد في جعل حياته كلها منسجمة معها (١). وكان اللواء ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية السابق متديناً غاية التدين، ولما توفي سنة (١٩٧٠) كتب أحد رجال الدين عنه مقترِحاً: إعطاءه لقب قديس، لأنه كان متمسكاً بدينه كأقوى ما يكون التمسك، ولأنه حرص على مقاومة الرذيلة وإشاعة الفضيلة في فرنسا. وهو القائل: " ... لم يعد الجيش الفرنسي اليوم شاباً، ومهما كان وضعه، فإننا لن نراه قوياً إلا إذا استقى مَثله الأعلى من المشاعر السائدة في عصره، واستخرج من ذلك فضيلة واستقامة" (٢). الجندي كالكاهن لا يتحرك بدافع المصلحة الشخصية، إنه يطيع قاعدة عليا ثابتة نبيلة، لم يصنعها ولا يستطيع التخلي عنها أو يبدلها، فهي تدعمه وترفعه وتساعد على تنمية فضائل قد تكون نادرة في الطبقات العاملة والطبقات الأخرى من غير العسكريين في الأمة. هذه الفضائل: الطاعة، الشجاعة، الإخلاص للواجب حتى الموت، التي ليس لها فرصة للظهور في الحياة المدنية، حيث تنام وتضعف وتتعرض للذبول، ولكن هذه الفضائل تجد أعلى تعبير لها في الحياة العسكرية (٣) ... ...

стр. 91

(٣) وربما يكون الألمان أكثر الغربيين تمسكاً بالتقاليد العسكرية التي هي مُثُلٌ عليا متمثلة بالصدق والاستقامة والشهامة والشجاعة والشرف الرفيع. والمبادئ الخلقية التي تحدَّثنا عنها سابقاً تنطبق تمام الانطباق على ما يؤمن به العسكريون الألمان، وقد وصف مؤلف كتاب (المشير فون رونشيتد) وهوالقائد الألماني الذي كان من أبرز قادة الألمان في الحرب العالمية الثانية، بأنه كان ملتزماً بالفضيلة والدين، وأن أصدقاءه المفضلين لديه القريبين من نفسه هم رجال الدين في كل بلد يحل فيه وكل مدينة يحتلها شرقية كانت أو غربية: يحترمهم أعظم الاحترام ويقدرهم أعمق التقدير، ويصغي إلى نصائحهم ويعمل بها، ويستمع إلى آرائهم الدينية ويناقشها، ويسعد بلقائهم وصحبتهم - حتى في أحرج الظروف الحربية. وكان أول عمل يبدأ به بعد احتلال مدينة من المدن، هو السؤال عن الكنيسة والذهاب إليها، فإذا علم بأن البلد محرومة من الكنائس أو أن كنائسها مغلقة بسبب ظروف الحرب أو لأسباب أخرى، بادر إلى الأمر بفتحها وإقامة الشعائر الدينية فيها للناس. وقد يتساءل المتسائلون: "كيف انتصر الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية وهم لا يؤمنون بالدين"؟!.

стр. 92

وما الحوافز المعنوية للدول الاشتراكية بالنسبة للقادة العسكريين؟ الواقع أن الاتحاد السوفياتي قد تساهل مع أفراد جيشه في القضايا الدينية أيام الحرب العالمية الثانية، فأقبل الناس على دور العبادة، وظهرت الإيقونات والصلبان بالنسبة للمسيحيين والكتب الدينية بالنسبة للمسلمين، لأن المرء حين يداهمه الخطر، فإنه يعود إلى الله ويدعوه سراً وعلانية. وقد طالب الروس الشعوب بإجراء الصلوات في الكنائس من أجل النصر. كما أن تحليِّ القادة بالخلق الكريم أمر يشجعه كل مذهب وكل دين وكل عقيدة؛ سواء أكانت سماوية أم أرضية، فليس هناك من يشجع قواته المسلحة على الانحلال والتفسخ والضياع. وإذا كان الدين هو الحافز الأول للعسكريين الذين يؤمنون بالدين، فإن العقيدة الشيوعية هي الحافز الأول للشيوعيين. على كل حال، فلا بد من عقيدة لأي قائد ولأي جندي يحارب كما يحارب الرجال ... إن الدول الاشتراكية التي تخلت رسمياً عن دين الله، تتمسك رسمياً بعقيدتها الماركسية وتتعصَّب لها، ومهما يكن رأي الناس في هذه العقيدة، إلا أنها عقيدة بالنسبة لمعتنقيها: يؤمنون بها ويضحُّون من أجلها، ويعملون على نشرها بين الناس. ولقد قرأت بعض الكتب الرسمية وغير الرسمية الصادرة في الاتحاد السوفياتي لتدريب الجيش أو لنشر الثقافة العسكرية العامة، فلم أجد في كتاب من تلك الكتب غير الحث على التمسك بالعقيدة الشيوعية

стр. 93

والاستقتال في الدفاع عنها والتضحية بالأموال والأنفس في سبيلها. ويخيل إليّ أن تعصب الشيوعيين العقيديين للعقيدة الشيوعية أشد من تعصب الدول الغربية لعقيدتهم. جاء في كتاب (الاستراتيجية الحربية من وجهة النظر السوفييتية) ما نصه: "إن أفراد القوات المسلحة في الدول الاشتراكية على درجة عالية من الوعي السياسي، ويتمتعون بحب عظيم لوطنهم، والكراهية المقدسة لأعدائه، والولاء العظيم للشعب، والتضحية في تنفيذ الواجب العسكري، والإنسانية الحقة غير المصطنعة، والأخوة في التعاون وفي العلاقات مع المدنيين، والضبط والربط العالي النابع من الفهم، والشجاعة الوطنية، واحترام الكرامة الإنسانية، وحقوق وعادات الدول، التي تجد قوات الدول الاشتراكية نفسها مضطرة إلى دخولها خلال الحروب أو في أوقات السلم، بعرض ما يتطلبه التحالف من مهام ... ". "إن الخصائص الإنسانية التي يتميز بها الفرد السوفياتي والفرد عامة في الدول الإشتراكية، تعتبر لازمة لجميع أفراد القوات المسلحة، وهذه الخصائص تُربَّى في الجنود والضباط بوساطة كل من نظام التعليم المدني والعسكري" (١). وجاء في كتاب (نظام قتال المدرعات) ما نصه: "تفرض القيادة على القائد واجبات جمة أهمها: المحافظة على الروح المعنوي العالية وعلى استعداد القوات الدائم للقتال" (٢).

стр. 94

إن العقيدة ضرورية للغاية للقائد وللجنود أيضاً، والتمسك بعقيدة فاسدة خير من التخلي عن أي عقيدة، وقديماً قالوا: "لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه". وقد كان من جملة أسباب اندحار العرب في حرب حزيران (يونيو) سنة (١٩٦٧)، هو تخليهم عن عقيدتهم السماوية العظيمة. لذلك انتصرت العقيدة الفاسدة التي يتمسك بها يهود على من لا عقيدة لهم .. ويوم يعود العرب إلى عقيدتهم، فلن يُغْلَبوا من قلةٍ أبداً. فما أثر الإسلام في إحراز النصر؟ ...

стр. 95

الإسلام والنّصر

стр. 96

أثر الإسلام في العَربْ (١) (١) حارب النبي ﷺ في غزواته وسراياه (٢) العرب المشركين وانتصر عليهم، فلم يلتحق بالرفيق الأعلى إلا وكانت شبه الجزيرة العربية موحدة تحت لواء الإسلام. كان جنود النبي ﷺ من العرب المسلمين، قليلي العدد، فقراء إلى السلاح والقضايا الإدارية. وكان أعداء المسلمين من العرب المشركين، كثيري العدد، أغنياء بالسلاح والقضايا الإدارية. كان التفوق العَددي والعُدَدي مع العرب المشركين على العرب المسلمين، ولكن الفئة القليلة من العرب المسلمين غلبت الفئة الكثيرة من العرب المشركين بإذن الله. وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم، حارب العرب المسلمون الرومَ وحلفاءهم الغساسنة في معركة (اليرموك) (٣) الحاسمة التي

стр. 97

فتحت أبواب أرض الشام (١) للمسلمين، وحاربوا الفرس وحلفاءهم المناذرة في (القادسية) (٢) الحاسمة التي فتحت أبواب العراق والجزيرة (٣) للمسلمين، وكان الغساسنة والمناذرة من العرب الأقحاح؛ وكانوا أعرقَ مدنيةً وأكثر حضارة، وأغنى مالاً وسلاحاً، وأعرف بأساليب القتال وأقرب إلى قواعدهم من أولئك العرب المسلمين القادمين من قلب الجزيرة العربية. وانتصر العرب المسلمون على العرب غير المسلمين، وعلى غير العرب من اليهود والروم والفرس في أيام الفتح الإسلامي العظيم؛ لا لأنهم عرب وكفى، بل لأنهم عرب مسلمون. لقد كان انتصار العرب المسلمين في عهد النبي ﷺ وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم انتصارَ عقيدة لا مِراء. فما أثر الإسلام في العرب؟ كان العرب في الجاهلية متخلفين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً، فرفع الإسلام مكانتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

стр. 98

كان الفرس مسيطرين على العراق ولهم نفوذ في اليمن، وكان الروم مسيطرين على أرض الشام، وحتى الأحباش كانت لهم صولة وجولة ومكانة في اليمن؛ فأصبح العرب بالإسلام سادة الفرس والروم، وسادة أمم أخرى لا تعد ولا تحصى من الصين شرقاً إلى فرنسا غرباً، ومن سيبيريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً. وكان العرب أقل حضارةً ومدنيةً من الفرس والروم بخاصة، فأصبحوا بعد الإسلام قادة الحضارة العالمية ورواد المدنية في الدنيا. وكانوا فقراء معدمين، يسكنون الخيام في الصحراء أو البيوت البسيطة في القرى والمدن، فأصبحوا بعد الإسلام أغنياء مترفين، يسكنون القصور والبيوت في الحواضر على ضفاف الأنهار. وكانوا من الناحية العسكرية لا يطمعون أن يحموا أرضهم من الفرس والروم وحتى من الأحباش، فأصبحوا بعد الإسلام لا يطمع أحد في حماية أرضه من قوتهم القاهرة التي ملأت الأرض سماحة وعدلاً. لقد كان للإسلام أثر، أي أثر في العرب، بدَّل حالهم إلى أحسن حال، وجعل منهم أمة لها مكانتها ولها اعتبارها ولها تأثيرها في سير الأحداث العالمية الكبرى، ولها كلمتها المسموعة بين الأمم. ولعل الباحثين المنصفين من المسلمين وغير المسلمين، يستطيعون أن يقولوا كثيراً عن أثر الإسلام في العرب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. ولكنني سأقتصر على أثر الإسلام في العرب من الناحية العسكرية

стр. 99

فقط، مذكراً أن العرب لو لم ينتصروا في الحروب ولم ترفرف راياتهم شرقاً وغرباً ولم يصبحوا أقوياء عسكرياً، لما أصبحت لهم مكانة بين الأمم في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ لذلك يمكن القول: إن أثر الإسلام عسكرياً على العرب هو الأساس الأول لمكانتهم السامية بين الأمم، لأن الدول لا تحترم غير الأقوياء، وأن القوي وحده هو الذي يستطيع أن يؤثر في سير الأحداث العالمية، سواء أكان هذا التأثير هدفه الخير للعالم، أم كان هدفه الشر والخراب والدمار. ... (٢) كان للعرب في أيام الجاهلية مزايا متميزة: الذكاء الفطري، وحب الحرية والمساواة، والشجاعة والإقدام، والكرم والسخاء؛ فعمل الإسلام على تطوير هذه المزايا وصقلها، وأفاد منها في أيام السلم والحرب، ونجح في مسعاه أعظم النجاح. وكان للعرب في أيام الجاهلية صفات رديئة: تفرُّق كلمتهم، وفقدان الضبط والنظام بينهم، وعبادة الأصنام والأوثان، وسيطرة روح القبيلة عليهم؛ فعمل الإسلام على محاربتها للقضاء عليها، وانتصر عليها انتصاراً باهراً. وصدق الله العظيم: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران ٣: ١٠٣].

стр. 100

وكان العرب قبل الإسلام، ماهرين في حرب العصابات وفي الفروسية واستعمال السلاح. وكان لديهم قابلية فذة على سرعة الحركة من مكان إلى آخر بسهولة ويسر، وبأقل وقت ممكن، وأقل تكاليف إدارية وأبسطها نفقات وأخفها حملاً ... ولكنهم كانوا متفرقين بأسهم بينهم شديد: وأحياناً على بَكْرٍ أخينا إذا ما لم نَجِدْ إلا أخانا لهذا كانت خبرتهم الحربية وشجاعتهم الفطرية، تذهب عبثاً في المناوشات التي لا تكاد تنتهي بين القبائل العربية وحتى بين الجماعات والأفراد. فلما جاء الإسلام، وحَّد عقائدهم، ووحَّد أهدافهم، فجعل من العقائد المتفرقة المتناقضة المتخلفة عقيدة واحدة هي: الإسلام. وجعل من أهدافهم الكثيرة المتصارعة كالاقتتال من أجل النهب والسلب، والقتال من أجل أخذ الثأر، والحرب من أجل الأمجاد الشخصية، والتفاخر بالغلبة، هدفاً واحداً هو: إعلاء كلمة الله. كما وحَّد الإسلام صفوف العرب، ونظَّمهم، وغرس فيهم روح الضبط والطاعة، وطهَّر نفوسهم، ونقَّى أرواحهم، وقضى على الأنانية وحب الذات، وجعل الفرد يعمل لمصلحة الأمة العليا لا لمصلحة قبيلته أو شخصه، وخلق فيهم انسجاماً مادياً ومعنوياً، فأصبحت - لذلك كله وبذلك كله - قواتهم الضاربة تعمل بنظام وضبط، بقيادة واحدة، لتحقيق هدف واحد، وأصبح المؤمنون في

стр. 101

مشارق الأرض ومغاربها أخوة في الله، يتحابُّون بنور الله بينهم، وهم أمة واحدة، ذات عقيدة واحدة، تحيتها السلام ودينها الإسلام. ... (٣) لقد كان الرسول ﷺ يؤم ألفين في عمرة القضاء، ومئة ألف في حجة الوداع، يسيرون كلهم في نظام أدق نظام: هرولة ومشياً، واستلاماً للركن والحجر الأسود - هذا النظام المتصل بروح الإسلام الذي يأمر بالنظام وينهى عن الفوضى - يؤمن أصحابه بصدقه وينفِّذون تعاليمه التي هي روح هذه القوة وقوامها. وفُرضت الصلاة على المسلمين، ثم قامت صلاة الجماعة التي أدَّاها المسلمون وراء إمام واحد، قلوبهم خاشعة لذكر الله، وصفوفهم متراصة متراصفة ... ومن يرى المسلمين وهم مجتمعون صفوفاً للصلاة تتساوى مناكبهم والأقدام، يؤدون ركعاتها وسجداتها في تناسق مدهش وفي نظام دقيق ووقار، لا يمكن أن يغفل ما لهذه الصلاة المنظمة من قيمة تربوية في نفوس المسلمين. إن العرب أُباة لا يخضعون لمشيئة خارجية، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الشعور التام بالطاعة والنظام، فكانت لهذه الصلاة أهمية بالغة في (إيقاظ) روح النظام والضبط في نفوس العرب المسلمين، لذلك غدا مكان الصلاة أول ميدان حقيقي للتدريب العسكري على الضبط والنظام عند المسلمين.

стр. 102

ثم إن انتظام المسلمين للصلاة، شجع روح الوحدة بينهم، وخلق بينهم شعوراً بالمساواة التي كانت أفكاراً جديدة على بلاد العرب، إذ كانت الوحدة الموجودة حتى ذلك الوقت هي رابطة الدم، فأصبحت الوحدة السائدة هي وحدة العقيدة. لقد وَجَدَ الإسلام بتعاليمه التي تغرس الضبط والنظام في النفوس، وتدعو إلى توحيد الله وتوحيد الصفوف، وتأمر بالجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله، وتنهى عن التخلف والقعود والتولِّي يوم الزحف - أرضاً خصبة في العرب الذين كانت لهم خبرة طويلة في الحروب، والذين لا يهابون الموت ويتعشَّقون الحرية؛ فكان من فضل الإسلام على العرب أنه جمع شملهم ووحَّد قلوبهم وأشاع فيهم الضبط والنظام. وبذلك أصبحوا قوة وجدت لها (متنفَّساً) في توحيد شبه الجزيرة العربية أولاً وفي الفتح الإسلامي العظيم ثانياً. والمعروف أن الجندي لا يمكن أن يقاتل في الحرب قتالاً مستميتاً، ويضحي بروحه مقبلاً غير مدبر، إلا إذا كان يؤمن إيماناً راسخاً بعقيدة تدفعه إلى التضحية والفداء، وتجعله صابراً في البأساء والضراء وحين البأس. والجندي الذي يقاتل بغير إيمان راسخ بعقيدة، لا يمكن أن يَثْبُت في الميدان أبداً. وما يقال عن الجندي، يقال عن الجيش، ويقال عن الأمة أيضاً، فليس الجيش إلا مجموعة من الجنود وضباط الصف والضباط، وليس الجيش إلا جزءاً من الأمة. ***

стр. 103

(٤) ولا شك في أن تعاليم الإسلام، رفعت المستوى العقلي للعرب إلى درجة كبرى، فهذه الصفات التي وصف القرآن بها الله ، نقلتهم من عبادة أوثان وما يقتضيه ذلك من انحطاط في النظر وإسفاف في الفكر - إلى عبادة إله غير المادة: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ٦: ١٠٣]. كان الإله عند أكثرهم إله قبيلة، وإن اتسع سلطانه فإله قبائل أو إله العرب، فأبانه الإسلام إله العالمين ومدبر الكون وبيده كل شيء وعالماً بكل شيء، فاستطاع العربي بهذه التعاليم أن يرقى إلى فَهْمِ إلهٍ لا مادة له، واسع السلطان، واسع العلم، وأفهمهم الإسلام أن دينهم خير الأديان، وأن العالم حولهم في ضلال، وأنَّ نبيَّهم نبيُّ الناس جميعاً، وأنهم ورثته في حمل دعوته إلى الأمم؛ فكان ذلك من البواعث على غزو هذه الأمم يدعونهم إلى دينهم، ويبشرونهم به، فمن دخل فيه كان كأحدهم، له ما لهم وعليه ما عليهم. وكان لعقيدة اليوم الآخر ودار الجزاء والجنة والنار، أثر عظيم في بيع كثير منهم نفوسَهم في سبيل نشر الدعوة: ﴿*إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ٩: ١١١].

стр. 104

وكان للإسلام أثر كبير في تغيير قيمة الأشياء والأخلاق في نظر العرب، فارتفعت قيمة أشياء، وانخفضت قيمة أشياء أخرى، وأصبحت مقومات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس. إن الإسلام رسم مثلاً أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية، وهذان المثلان لا يتشابهان وكثيراً ما يتناقضان، فالشجاعة الشخصية والشهامة التي لا حدَّ لها، والكرم إلى حد الإسراف، والإخلاص التام للقبيلة، والقسوة في الانتقام، وأخذ الثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقول أو فعل - هذه المُثل التي كانت أصول الفضائل عند العرب والوثنيين؛ أصبحت في الإسلام الخضوع لله والانقياد لأوامره والصبر، وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين، والقناعة وعدم التفاخر أو التكاثر وتجنب الكبر والعظمة - هي المثل العليا للمسلم في الحياة (١). إن الإسلام صهر نفسية العرب ونفى عنها الخبَث، فأصبح العربي المسلم لا يكذب ولا يسرق ولا يزني ولا يخون ولا يغش ولا يتجسس، يخلص لعقيدته أكثر مما يخلص لنفسه، ويطيع أوامر الله ورسوله وأولي الأمر (٢)، وبذلك أصبح فرداً مفيداً باع نفسه لله إخلاصاً لعقيدته. هذا العربي المسلم، بهذه المزايا النادرة، أصبح بدون شك عنصراً مفيداً كل الفائدة لتكوين أمة صالحة: تَعْبُدُ رباً واحداً، وتعمل بانسجام وتعاون ونكرانِ ذاتٍ، لتحقيق هدف واحد، هو أن تكون كلمة الله هي العليا.

стр. 105

لقد تصرَّف العربي المسلم فرداً تصرفاً لا يزال يُعتبر من الأعمال الفذة النادرة في حياة البشر: تحمَّل التعذيب والموت صابراً راضياً مطمئناً، وترك أهله وماله مهاجراً إلى الله ورسوله، وضرب بمصلحة الأقربين وعشيرته وقبيلته عرض الحائط حين وجدها تعارض عقيدته ومصلحة المسلمين العليا. وتصرف العربي المسلم ضمن المجموع من أمته تصرفاً لا يزال يُعتبر حتى اليوم مفخرةً من المفاخر: اندفع يجاهد في سبيل حرية نشر عقيدته وحمايتها، فخرجت القوة المؤمنة التي اختزنتها الصحراء عبر الأجيال، تحمل راية الله وتبلّغ عن أمره، فتتابعت انتصاراتها الباهرة، فلم يشهد التاريخ في أحقابه المديدة انتصارات مظفرة وفتحاً مستداماً مثلما شهد انتصارات الفتح الإسلامي العظيم؛ تلك العقيدة التي جعلت العربي المسلم يقاتل قتالاً مستميتاً، ويضحي بروحه من أجلها. وهذه العقيدة هي التي دفعت العربي المسلم إلى التضحية والفداء، وجعلته صابراً في البأساء والضراء وحين البأس، وهذه العقيدة هي التي قادته من نصر إلى نصر، مادام متمسكاً بها، فلمّا أعرض عنها لم يرَ النصر أبداً. لقد جعل الإسلام من العربي عنصراً مفيداً أعظم الفائدة للمجتمع الإسلامي العربي، وجعل من هذا المجتمع قوة عظيمة متماسكة تحرص على السلام ولكنها لا تعرف الاستسلام، وتطلب الموت لتوهب لها الحياة. إن فضل الإسلام على العرب كان عظيماً. ***

стр. 106

الإسْلاَم في مجَال التربيَة العَسكريَة ١ - التدريب الفردي (١): أ- هناك صفات خالدة للجندي الحق، هي التي تميّز الجندي القوي الحق عن الجندي الضعيف المزيّف. وهنا لا بد لي من أن أذكر، أنه ليس كل من ارتدى البزة العسكرية وقضى ردحاً من الزمن في الجيش أصبح جندياً حقاً. بل لا بد من توافر صفات معينة في الجندي، ليكون جندياً يفيد ولا يضر، ويبني ولا يهدم، ويقاتل ولا يستسلم، ويثبُت ولا يفر. من هذه الصفات: الطاعة، والطاعة هي ما نُطلق عليه في المصطلحات العسكرية الحديثة تعبير: الضبط. والضبط معناه إطاعة الأوامر وتنفيذها نصاً وروحاً بدون تردّد وعن طيب خاطر وبحرص وأمانة وإخلاص. لقد وردت كلمة: (طاع) ومشتقاتها في تسع وعشرين ومئة آية من آيات الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٤: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧]،

стр. 107

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللََّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء ٤: ٥٩]. والفرق الكبير بين الجندي الجيد والجندي الرديء، هو أن الأول مطيع والثاني غير مطيع، أي أن الأول يتحلى بالضبط المتين، والثاني قليل الضبط، كما يعبر عن ذلك العسكريون المحدَثون. وقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثال بالطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر؛ وتاريخ الصدر الأول من الإسلام مليء بأمثلة الطاعة التي أدت بالكثير من المسلمين إلى التضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. كما أن الفرق الكبير بين المدنيين والعسكريين، هو أن العسكريين يتحلون بالضبط المتين، ولا جيش بدون ضبط، ولا ينتصر جيش في الحرب على أعدائه بدون ضبط، مهما يكن حَسَن التنظيم، كامل التجهيز، جيد التدريب، قوي القيادة. ب- ومن صفات الجندي الخالدة: "الصبر" على المشقات العسكرية وفي ميدان القتال. وقد وردت كلمة (صبر) ومشتقاتها في ثلاث ومئة آية من آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ [آل عمران ٣: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة ٢: ٢٥٠]، وقال تعالى: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ١٣: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل ١٦: ١٢٦]، وقال تعالى:

стр. 108

﴿ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل ١١٠:١٦]. ج- ومن صفات الجندي الخالدة: "الثبات" في الحرب. والثبات هو القتال إلى آخر إطلاقةٍ من عتاده، وآخر قدرة على الرمي في سلاحه، وآخر رمق من حياته. وقد وردت كلمة: (ثبت) ومشتقاتها في ثماني عشرة آية من آيات الذكر الحكيم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال ٨: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال ٨: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٤٧: ٧]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة ٢: ٢٥٠]، وقال تعالى: (ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران ٣: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [الأنفال ٨: ١٢]. د- ومن صفات الجندي الخالدة: "الشجاعة"، وهي من أهم مزايا الجندي المسلم، ويكفي أن نذكر أن المسلم لا يجبن أبداً، وأن التولي يوم الزحف بالنسبة للمسلم من الكبائر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ٨: ١٥ - ١٦]. وجعل التولي يوم الزحف من صفات الكفار والمنافقين، قال

стр. 109

تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح ٤٨: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر ٥٩: ١٢]، وقال تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران ٣: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ [الأحزاب ٣٣: ١٥]. ولست أعرف عقيدة سماوية ولا أرضية تحثُّ على الشجاعة حثاً حاسماً جازماً شديداً لا هوادة فيه كما فعلت العقيدة الإسلامية، ويكفي أنها أخرجت الجبناء من مجتمع المسلمين، فالجبن والإسلام على طرفي نقيض، وهما ضدان لا يجتمعان. وإذا كانت الشجاعة من أهم عوامل النصر على الإطلاق، فإن الشجاعة في العقيدة الإسلامية هي مزية من مزايا المسلم الحق الذي لا يكون مسلماً بدونها. هـ- ومن صفات الجندي الخالدة: "الحذر واليقظة". قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء٤: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء٤: ١٠٢]، وهي صلاة الخوف كما يعبِّر عنها الفقهاء. وتدابير صلاة الخوف تدعو إلى الإعجاب، إذ أن هذه التدابير تحرم العدو المتربص من انتهاز الفرصة السانحة في صلاة المسلمين لمباغتتهم بالهجوم، لأن قسماً منهم يصلون، بينما يكون القسم الآخر

стр. 110

في أشد حالات الحذر واليقظة. وإذا كان الجندي حذراً يقظاً، صَعُبَ على عدوه أن ينال منه شيئاً أو يباغته من مكان لا يتوقعه أو في زمان لا يتوقعه أيضاً، والمباغتة مبدأ من أهم مبادئ الحرب كما هو معروف. وليس جندياً حقاً من ينام عن عدوه، لأن المبدأ الحصيف في الحرب هو إدخال أسوأ الاحتمالات في الحساب، فإذا كان احتمال هجوم العدو مثلاً واحداً بالمئة، فيجب أن نُدخل في حسابنا أن العدو سيهجم مئة بالمئة! وتطبيقاً لمبدأ الحذر واليقظة، كان المسلمون الأولون في الحرب لا ينامون ولا يُنيمون، وكان من مزايا خالد بن الوليد ﵁ أنه كان لا ينام ولا يُنيم. وما أصدق المثل العربي القديم: "إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له". والاستهانة بالعدو اعتماداً على الكثرة الكاثرة أو العدد العديد، يؤدي إلى الكوارث في الحرب، وقد علَّمنا الله درساً عسكرياً سجله القرآن الكريم. فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٩: ٢٥]. إن الاستهانة بالعدو تؤدي إلى الهزيمة، فلا ينبغي لأحد أن يستهين بعدوه قبل لقائه وإحراز النصر عليه. أما المنتصر فمن حقه أن يستهين بعدوه لأنه عرف قابلياته في الحرب، أما قبل خوض العركة فلا بد من أن يُدخِل
следующие страницы →