وأشرافهم، وجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على مَن خالفه من قومه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس والجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، فعمد إلى ظل شجر العنب وجلس فيه يقول: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك؛ لك العُتبى (١) حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"، ثم انصرف من (الطائف) راجعاً إلى مكة حين يئس من خير (ثقيف) (٢).
وتحرّج موقفه في مكة، وقَلَّ نصيره فيها، واشتدت مقاومة قريش
لدعوته، وأصبح مقامه بينهم عسيراً.
٢ - الهجرة:
وكانت بيعة (العَقَبَة) الأولى وبيعة (العقبة) الكبرى، ثم أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة قائلاً: "إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها"، فخرجوا أرسالاً (٣). وأقام رسول الله ﷺ
стр. 142
بمكة المكرمة، ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة (١).
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له أتباع وأصحاب من غيرهم في غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم مَنَعَة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم لأنهم خافوا أن يحاربهم، فاجتمعوا في دار (الندوة) يتشاورون فيما يصنعون من أمر رسول الله ﷺ ، فقال أحدهم: "احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم تربَّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله"، وقال آخر: "نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا، فوالله لا نبالي أين يذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وأُلفَتنَا كما كانت". وقال أبو جهل بن هشام: "والله إن لي لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد! أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً فتىً جَلْداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل (٢) فعقلناه لهم"؛ فتفرَّق القوم على ذلك وهم مجتمعون (٣).
واجتمع الشباب الذين اختارهم أشراف قريش من القبائل لقتل النبي ﷺ على بابه ليلاً يرصدونه متى نام ليثبوا عليه، فلما رأى
стр. 143
رسول الله ﷺ وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب ﵁: "نَم على فراشي، وتسجَّ ببُردي (١) هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لا يخلُص إليك شيء تكرهه منهم" (٢).
هنا تبدو قصة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة! كان أبو بكر الصديق ﵁، قد أعدّ راحلتيه، فأتى رسول الله ﷺ أبا بكر وخرجا من خَوْخَة (٣) لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بجبل (ثَوْر) أسفل مكة، فدخلاه ليلاً وأقاما فيه ثلاثاً" (٤)، وجعلت قريش حين فقدوه مئة ناقة لمن يردّه عليهم، وطلبت قريش رسول الله ﷺ أشد الطلب، حتى انتهوا إلى
باب (الغار)، فقال بعضهم: "إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد" (٥).
وفي (الغار) كان النبي ﷺ يصلي، وكان أبو بكر الصديق ﵁ خائفاً على النبي ﷺ ، فكان يقترب منه ويلصق نفسه به، فيهمس النبي ﷺ بأذن أبي بكر الصدِّيق: "لا تحزن، إن الله معنا".
وحين شعر أبو بكر الصديق ﵁ بدُنُوِّ الباحثين عنهما قال هامساً: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبْصَرَنا"، فأجابه النبي ﷺ : "يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (٦).
وخرجا بعد ثلاثة أيام من (الغار) حين عرفا أن قد سكن الناس
стр. 144
عنهما، ولكن سُراقة بن مالك بن جُعْشَم علم بمكانهما، فركب في أثرهما، فلما اقترب منهما عثر به فرسه وذهبت يداه في الأرض، وسقط عنه، فعرف سراقة حين رأى ذلك أن النبي ﷺ قد مُنع منه (١).
لقد كانت حياة النبي ﷺ بمكة بعد بعثته حتى هجرته إلى المدينة المنورة، كلها جهاداً من أجل التوحيد: توحيد الله، وجمع كلمة الناس.
قضى حياته المباركة في مكة المكرمة لتحقيق هدف واحد، هو: بناء الرجال. وكانت هجرته إلى المدينة المنورة تهدف إلى اجتماع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بجنوده الغر الميامين عليهم رضوان الله، لمواصلة جهادهم لتكون كلمة الله هي العليا، وليظهر الله دينه ولو كره الكافرون.
وكانت عدته في الجهاد المرتقب الوشيك ثمرات ما قدمه من جهود في: بناء الرجال.
...
стр. 145
في المَدينَة المنوَّرة
١ - الأعمال التمهيدية:
قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو لا يملك ديناراً ولا داراً فيها، فنزل ضيفاً مكرّماً معززاً على أبي أيوب الأنصاري ستة أشهر (١)، أنجز خلالها بناء المسجد ومساكنه، وعمل في المسجد ليرغّب المسلمين في العمل (٢)، وجعل ينقل الحجارة بنفسه (٣)، فتمّ للمسلمين ببناء المسجد بناء (الثَّكْنَةِ) الأولى في الإسلام.
ولكي يتفرغ لقتال قريش دون أن تقلقه الجبهة الداخلية في المدينة المنورة، كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار من جهة وبين يهود من جهة ثانية، وادعهم وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشَرَطَ لهم (٤). وقد نصّت تلك المعاهدة بصراحة: "أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن" (٥)، فاستطاع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بهذه المعاهدة أن يجعل أهل المدينة جميعاً على اختلاف أديانهم
стр. 146
يداً واحدة على أعدائهم (١) وبخاصة على قريش.
ولم يكد يستقر في المدينة المنورة، إلا ونصبت يهود له العداوة بغياً وحسداً وضغناً، وأضاف (٢) إليهم رجال من الأوس والخزرج كانوا أهل نفاق، فظهروا بالإسلام واتخذوه جُنّةً (٣) من القتل ونافقوا في السر، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي ﷺ وجحودهم الإسلام (٤).
وذهب يهود إلى أبعد من ذلك، فحاولوا الوقيعة بين أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد جمع الأوس والخزرج مجلس واحد يتحدثون، فغاظ أحد يهود ما رآه من إلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فأمر هذا اليهودي شاباً يهودياً فقال: "اعمدْ إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم (بُعاث) وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما تقاولوا فيه من الأشعار". وكان يوم (بُعاث) يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج؛ فتكلم القوم عند ذاك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين على الرُّكب، وغضب الفريقان جميعاً وقالوا: "موعدكم الظاهرة (٥) ... السلاح ... السلاح ... ". وخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين! الله ... الله ... أَبِدَعْوَى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية،
стр. 147
واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بين قلوبكم"؟؟!! فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ١٠٠ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ١٠١﴾ ... " (١) [آل عمران ٣: ١٠٠ - ١٠١].
بل ذهب يهود إلى أبعد من ذلك كثيراً، فحاولوا اغتيال النبي ﷺ حين خرج إلى يهود بني (النضير) يستعينهم في ديّة رجلين قتلهما خطأً أحد المسلمين، فاختلى بعضهم ببعض وقالوا: "لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن، فَمَنْ رجلٌ يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة، فيريحنا منه"؟؟ فقال أحدهم: "أنا"! ولكن النبي ﷺ انصرف عنهم (٢)، ففوّت عليهم فرصة اغتياله.
٢ - الجهاد الحاسم:
أ- في بدر:
وبدأ الصراع بين قوات النور القليلة من المسلمين وبين قوات الظلام الكثيرة من المشركين ويهود، وكانت قوات النور ضعيفة بعَدَدها وعُدَدها .. قوية لإيمانها وقيادتها؛ فكان الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام: الأسوة الحسنة للمسلمين في اتباعه في القتال، كما كان الأسوة الحسنة لهم في السلم.
стр. 148
جدول:
الغزوات التي قادها الرسول القائد عليه أفضل الصلاة السلام بنفسه:
١ - غزوة ودّان (الأبواء) قوات المسلمين: ٢٠٠ راكب وراحل قوات أعدائهم: - المكان: ودّان التاريخ: صفر من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: لم يلقَ المسلمون قريشاً، فحالفوا بني ضمرة.
٢ - غزوة بُواط (ناحية رضوى) قوات المسلمين: ٢٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: ١٠٠ راكب وراجل من قريش المكان: بواط التاريخ: ربيع الأول من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: لم يدرك المسلمون قافلة قريش.
٣ - غزوة العُشيرة (من بطن ينبع) قوات المسلمين: ٢٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: قوات من قريش وبني مدلج وبني ضمرة المكان: العُشَيرة التاريخ: جمادى الأولى من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: وادع المسلمون بني مدلج وحلفاءهم بني ضمرة.
٤ - غزوة بدر الأولى قوات المسلمين: ٢٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: قوة خفيفة بقيادة كرز بن جابر الفهري المكان: وادي سفوان بالقرب من بدر التاريخ: جمادى الآخرة من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: فر المشركون بما غنموه من المسلمين ولم يستطع المسلمون إدراكهم.
٥ - غزوة بدر الكبرى قوات المسلمين: ٣٥٠ راكباً وراجلاً معهم فَرَسَان وسبعون بعيراً قوات أعدائهم: ٩٥٠ منهم ٢٠٠ راكب وهم من قريش المكان: بدر التاريخ: رمضان من السنة الثانية للهجرة مجمل النتائج: انتصر المسلمون على المشركين.
стр. 149
٦ - غزوة بني قينقاع قوات المسلمين: مسلمو المدينة قوات أعدائهم: يهود بني قينقاع المكان: المدينة التاريخ: أوائل شوال من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: تطهير داخل المدينة من يهود.
٧ - غزوة بني سُليم قوات المسلمين: ٢٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: بنو سليم وغطفان المكان: قرقرة الكدر بين المدينة ومكة التاريخ: أواخر شوال من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: فرار بنو سُليم وغطفان، وقد تركوا أموالهم للمسلمين.
٨ - غزوة السويق قوات المسلمين: قوة مطاردة خفيفة من المسلمين قوات أعدائهم: ٢٠٠ فارس من قريش المكان: قرقرة الكدر التاريخ: ذو الحجة من السنة الثانية الهجرية مجمل النتائج: فرار قريش من مطاردة المسلمين.
٩ - غزوة ذي أمر قوات المسلمين: ٤٥٠ راكباً وراجلاً قوات أعدائهم: بنو ثعلبة ومحارب المكان: ذو أمر (موضع في نجد) التاريخ: المحرم من السنة الثالثة الهجرية مجمل النتائج: فر بنو ثعلبة ومحارب، وبقي المسلمون في ديار الفارين نحو شهر.
١٠ - غزوة بحران قوات المسلمين: ٣٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: بنو سُليم المكان: بحران على طريق المدينة - مكة التاريخ: ربيع الأول من السنة الثالثة الهجرية مجمل النتائج: فر بنو سليم، فبقي المسلمون في ديارهم نحو شهر.
١١ - غزوة أُحد قوات المسلمين: ٧٠٠ بينهم خمسون فارساً قوات أعدائهم: ٢٩٠٠ من قريش وأحابيشها ومئة من ثقيف بينهم مئة فارس المكان: جبل أُحد في ضواحي المدينة التاريخ: شوال من السنة الثالثة الهجرية مجمل النتائج: استطاع المشركون إيقاع سبعين شهيداً بالمسلمين.
стр. 150
١٢ - غزوة حمراء الأسد قوات المسلمين: ٦٣٠ بين راكب وراجل قوات أعدائهم: ٢٩٧٨ من قريش وأحابيشها وثقيف المكان: حمراء الأسد بين المدينة ومكة التاريخ: شوال من السنة الثالثة الهجرية مجمل النتائج: طارد المسلمون قريشاً وحلفاءها إلى حمراء الأسد بعد انتهاء غزوة أُحد مباشرة، ولكن المشركين انسحبوا.
١٣ - غزوة بني النضير قوات المسلمين: مسلمو المدينة قوات أعدائهم: يهود بني النضير المكان: ضواحي المدينة التاريخ: ربيع الأول من السنة الرابعة الهجرية مجمل النتائج: إجلاء بني النضير عن ضواحي المدينة.
١٤ - غزوة ذات الرِّقاع قوات المسلمين: ٤٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: بنو محارب وثعلبة من غطفان المكان: نجد التاريخ: شعبان من السنة الرابعة الهجرية مجمل النتائج: فر بنو محارب وبنو ثعلبة.
١٥ - غزوة بدر الآخرة قوات المسلمين: نحو ألف راكب وراجل قوات أعدائهم: ٣٠٠ من قريش المكان: بدر التاريخ: شعبان من السنة الرابعة الهجرية مجمل النتائج: عادت قريش أدراجها إلى مكة، ولم تذهب إلى لقاء المسلمين في بدر حسب موعدها.
١٦ - غزوة دومة الجندل قوات المسلمين: ألف راكب وراجل قوات أعدائهم: قبائل دومة الجندل المكان: دومة الجندل التاريخ: ربيع الأول من السنة الخامسة الهجرية مجمل النتائج: فرت القبائل.
١٧ - غزوة بني المصطلق من خزاعة قوات المسلمين: ألف راكب وراجل قوات أعدائهم: بنو المصطلق المكان: المريسيع التاريخ: شعبان من السنة الخامسة الهجرية مجمل النتائج: فر بنو المصطلق بعد معركة قصيرة.
стр. 151
١٨ - غزوة الخندق قوات المسلمين: ثلاثة آلاف قوات أعدائهم: عشرة آلاف المكان: المدينة التاريخ: شوال من السنة الخامسة الهجرية مجمل النتائج: عودة الأحزاب من حصار المدينة خائبين.
١٩ - غزوة بني قريظة قوات المسلمين: ثلاثة آلاف قوات أعدائهم: ٦٠٠ - ٧٠٠ المكان: ضواحي المدينة التاريخ: ذو القعدة من السنة الخامسة الهجرية مجمل النتائج: القضاء على بني قريظة.
٢٠ - غزوة بني لحيان قوات المسلمين: - قوات أعدائهم: بنو لحيان المكان: غرّان التاريخ: جمادى الأولى من السنة السادسة الهجرية مجمل النتائج: فر بنو لحيان.
٢١ - غزوة ذي قَرَد قوات المسلمين: - قوات أعدائهم: غطفان المكان: ذو قَرَد التاريخ: جمادى الأولى من السنة السادسة الهجرية مجمل النتائج: فر بنو غطفان وتركوا الغنائم التي غنموها من المسلمين.
٢٢ - غزوة الحديبية قوات المسلمين: ١٦٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: قريش المكان: الحديبية التاريخ: ذو القعدة من السنة السادسة الهجرية مجمل النتائج: عقد هدنة الحديبية بين المسلمين وقريش.
٢٣ - غزوة خيبر قوات المسلمين: ١٦٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: يهود خيبر المكان: خيبر التاريخ: المحرم من السنة السابعة الهجرية مجمل النتائج: سقوط خيبر واستسلام فدك ووادي القرى وتيماء.
٢٤ - غزوة عمرة القضاء
قوات المسلمين: ١٤٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: قريش المكان: مكة التاريخ: ذو الحجة من السنة السابعة الهجرية مجمل النتائج: بقي المسلمون ثلاثة أيام في مكة بعد أن خرج عنها المشركون.
стр. 152
٢٥ - غزوة فتح مكة قوات المسلمين: عشرة آلاف قوات أعدائهم: قريش وأهل مكة المكان: مكة التاريخ: رمضان من السنة الثامنة الهجرية مجمل النتائج: فتح مكة.
٢٦ - غزوة حُنين قوات المسلمين: ١٢٠٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: هوازن وثقيف المكان: وادي أوطاس قرب الطائف التاريخ: شوال من السنة الثامنة الهجرية مجمل النتائج: اندحار هوازن وثقيف.
٢٧ - غزوة حصار الطائف قوات المسلمين: ١٢٠٠٠ راكب وراجل قوات أعدائهم: ثقيف وقسم من هوازن المكان: الطائف التاريخ: شوال من السنة الثامنة الهجرية مجمل النتائج: لم تستسلم الطائف، فعاد المسلمون إلى المدينة.
٢٨ - غزوة تبوك قوات المسلمين: ثلاثون ألفاً بينهم عشرة آلاف راكب قوات أعدائهم: جيش من الروم وحلفائهم المكان: تبوك التاريخ: رجب من السنة الثامنة الهجرية مجمل النتائج: انسحب الروم من تبوك، فأقام المسلمون فيها نحو عشرين يوماً، وصالحوا قبائل المنطقة.
стр. 153
كان عدد الذين شهدوا غزوة (بدر) من المسلمين بضعة عشر وثلاثمئة رجل (١)، وكان عدد الذين شهدوها من المشركين خمسين وتسعمئة رجل (٢)؛ وكان مع المسلمين سبعون بعيراً وفَرَسان (٣)، وكان مع المشركين مئة فرس وعدد ضخم من الإبل؛ وكان المسلمون حين خرجوا إلى (بدر) تنقصهم الضروريات الإدارية، فدعا لهم النبي ﷺ بقوله: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم. اللهم إنهم عراة فاكسهم. اللهم إنهم جياع فأشبعهم" (٤)، وكان المشركون في وضع إداري متميّز؛ ولكنّ الرسول القائد ﵊ قرر أن يخوض هذه المعركة الحاسمة على الرغم من تفوُّق المشركين على المسلمين بالعَدَد والقضايا الإدارية.
لقد كان النبي ﷺ يقدِّر تمام التقدير ويعلم تمام العلم، ماذا يعنيه اندحار المسلمين في هذه المعركة الحاسمة ... في هذا الصراع الحاسم بين عقيدتين، لذلك دأب على مناشدة ربه ما وعده من النصر فيقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعْبَد"، وأبو بكر الصدِّيق ﵁ يقول: "يا نبيّ الله! بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك" (٥).
وخرج شيبَة وعُتبة ابنا ربيعة والوليد بن عُتبة ودعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار بنو عفراء: معاذ ومعوّذ وعوف
стр. 154
بنو الحارث، فكره النبي ﷺ أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحبَّ أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فقال: "يا بني هاشم! قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيّكم، إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله"، فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي ابن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف (١).
وقاتلوا أولئك المشركين الثلاثة؛ وبذلك استأثر النبي ﷺ لأهله الأقربين بالخطر، وآثر أصحابه الأبعدين بالأمن، فاستشهد يومئذٍ بسبب هذه المبارزة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (٢).
ونزل الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ليباشر القتال بنفسه ضارباً لأصحابه أروع الأمثال في التضحية والفداء، فقد شوهد في أثر المشركين مصلتاً للسيف يتلو هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [سورة القمر: ٤٤ - ٤٥]. قال علي بن أبي طالب ﵁: "لما كان يوم (بدر) وحضر البأس، اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس بأساً يومئذ، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه" (٣).
ب- بعد بدر:
أولاً: وفي غزوة "أُحُد" جُرح وجه النبي ﷺ وكُسرت رباعيته وهُشِمت البيضة على رأسه (٤)، واستشهد عمه حمزة بن عبد المطلب
стр. 155
- ﵁ (١)، واستشهد سبعون من أصحابه (٢)، ﵃ جميعاً.
وقد دفن حمزة في موضع استشهاده، ودفن الشهداء في ساحة المعركة، وقبورهم لا تزال قائمة، تدل على أروع البطولة والإقدام.
ثانياً: وفي غزوة (ذات الرِّقاع) (٣)، حاول رجل من غَطَفان أن يفتك برسول الله ﷺ ، فقد قال هذا الرجل لقومه: "ألا أقتل لكم محمداً"؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ فقال: "أفتك به"! فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: "يا محمد! انظر إلى سيفك هذا"! قال: "نعم"، فأخذه فاستله وجعل يهزه، ثم قال: "يا محمد! أما تخافني"؟ قال: "لا، وما أخاف منك"؟! قال: "أما تخافني وفي يدي السيف"؟! قال: "لا، يمنعني الله منك" (٤).
ثالثاً: وفي غزوة "الخندق" عمل رسول الله ﷺ مع المسلمين بيده في حفر الخندق لينشط المسلمين، وكان ينقل التراب حتى اغبرّ بطنه، وكان المشركون عشرة آلاف، وكان المسلمون ثلاثة آلاف (٥). وازداد موقف المسلمين في المدينة خطراً بعد أن نقض يهود بني "قُريظة" العهد، فبعث رسول الله ﷺ بعض الأنصار فقال: "انطلقوا حتى تنظروا أحق
стр. 156
ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً (١) أعرفه ولا تَفُتُّوا في أعضاد (٢) الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس". فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم: نالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: "مَن رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد" (٣)!!.
ونجم النفاق، وفشى في الناس، وعظم البلاء، واشتد الخوف، وخيف على الذراري والنساء، وكان المسلمون كما قال الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ١٠ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٤) [سورة الأحزاب ٣٣: ١٠ - ١١].
وكانت القضايا الإدارية للمسلمين سيئة للغاية، إذ لبثوا ثلاثة أيام لا يذقون ذواقاً (٥)، وكان بطن النبي ﷺ معصوباً بحجر (٦) من الجوع، ومع ذلك صبر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام صبراً لا مثيل له في التاريخ كله، حتى انسحب المشركون يجرُّون أذيال الخيبة، وحينذاك قال النبي ﷺ : "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، ونحن نسير إليهم" (٧).
стр. 157
رابعاً: وفي غزوة بني "المصطلق" من خزاعة، حاول مشرك اغتيال النبي ﷺ ، فقد أدركته القائلة (١)، فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلّق سيفه، وتفرّق الناس في الشجر يستظلون، فأتاه أعرابي وهو نائم، واخترط سيف رسول الله ﷺ ، فاستيقظ والأعرابي على رأسه مخترطاً سيفه صلتاً، فقال: "مَنْ يمنعك مني؟! " فقال النبي ﷺ : "الله" (٢).
خامساً: وحاول أبو سفيان بن حرب قبل إسلامه اغتيال النبي ﷺ ، فقد قال لنفر من قريش: "ألا أحد يغتال محمداً؟ فإنه يمشي في الأسواق"، فأتاه رجل من الأعراب فقال: "قد وجدتَ أجمع الرجال قلباً وأشدهم بطشاً وأسرعهم شداً، فإن أنت قوّيتَني خرجتُ إليه حتى أغتاله، ومعي خنجر مثل خافية (٣) النسر فأسوره (٤)، ثم آخذ في عير وأسبق القوم عدواً، فإنني هادٍ بالطريق خرِّيتٌ (٥) "، قال: "أنت صاحبنا"، فأعطاه بعيراً ونفقة وقال: "اطْوِ أمرك"، فخرج ليلاً وسار
على راحلته خمساً وصبّح المدينة سادسة. وأقبل يسأل عن رسول الله ﷺ حتى دُلَّ عليه، فعقل راحلته ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ وهو في مسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "إن هذا ليريد غدراً". وذهب الرجل ليحني على رسول ﷺ ، فجذبه أحد الأنصار، فإذا بالخنجر، فسقط من يديه وقال: "دمي! دمي"! فقال رسول الله ﷺ :
стр. 158
(أصدقني ... ما أنت"؟ قال: "وأنا آمن"؟ قال: "نعم"، فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان بن حرب، فخلى عنه رسول الله ﷺ ، فأسلم الرجل (١).
سادساً: وفي غزوة "الفتح" رأى المسلمون رسول الله ﷺ حين دخل مكة المكرمة، ورأسه قد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجم، حتى كادت لحيته تمس واسطة راحلته خشوعاً، وترقرقت في عينيه الدموع تواضعاً وشكراً لله (٢).
وقام رسول الله ﷺ على باب الكعبة خطيباً، فكان مما قاله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو ما يدّعى فهو تحت قدميّ هاتين إلا سِدانة البيت وسِقاية الحاج ... يا معشر قريش! إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللََّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات ٤٩: ١٣] ... يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم"؟! قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٣).
قال عمر بن الخطاب ﵁: "لما كان يوم "الفتح" ورسول الله ﷺ بمكة، أرسل إلى صفوان بن أُمية بن خَلف وإلى أبي
стр. 159
سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، فقلت: قد أمكن الله منهم، أُعرّفهم بما صنعوا!!! فقال النبي ﷺ : "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لاخوته: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١).
وحين كان النبي ﷺ يطوف بالبيت، أراد فضالة بن عُمَيْر بن الملوّح الليثي قتله، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ : "أفضالة"؟! قال: "نعم، فضالة يا رسول الله"، قال: "ماذا كنت تحدّث به نفسك"؟! قال: "لا شيء، كنت أذكر الله "، فضحك النبي ﷺ ثم قال: "استغفر الله"، ثم وضع يده على صدر فضالة، فكان فضالة يقول: "والله ما رفع يده عن صدري، حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه" (٢).
سابعاً: وفي غزوة "حُنَين" انهزم المسلمون لا يلوي أحد منهم على أحد، فانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: "أين أيها الناس؟! هلموا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله". وقد بقي معه نفر من الأنصار والمهاجرين وأهل بيته (٣)، فأمر عمه العباس أن ينادي: "يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة"، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنّت على أولادها يقولون: يا لبيك! يا لبيك! ... وحملوا على المشركين (٤).
стр. 160
خريطة شبه الجزيرة العربية
стр. 161
في ذلك الموقف الحرج للغاية، أراد شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أن يغتال النبي ﷺ ! قال شيبة: "قلت: اليوم أُدرك ثأري ... اليوم أقتل محمداً! فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أُطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع مني"، وكان أبوه قد قُتل يوم "أُحُد" (١).
٣ - القدوة الحسنة:
أ) كانت غنائم يوم (حُنَين) أربعة وعشرين ألف بعير، وأربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أُقيّة من الفضة، وستة آلاف نسمة من السبي (٢)، ولكنّ النبي ﷺ وزع الغنائم وأعاد السبي، ولم يُبْقِ لنفسه شيئاً من المال.
وكان النبي ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير. وفي يوم من الأيام جاءت فاطمة ابنة النبي ﷺ إليه بكسرة خبز، فقال: "ما هذه الكسرة يا فاطمة"؟! قالت: "قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى آتيك بهذه الكسرة"، فقال: "أما إنه أول طعام دخل فَمَ أبيك منذ ثلاثة أيام". وقالت عائشة أم المؤمنين ﵂: "ما شبع آل محمد غداء وعشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق بالله". وخطب رسول الله ﷺ فقال: "والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات"، وما قالها استقلالاً لرزق الله، ولكن أراد أن تتأسى به أمته. وقال ابن عباس: "والله لقد
стр. 162
كان يأتي على آل محمد ﷺ الليالي ما يجدون فيها عشاء". وقالت عائشة أم المؤمنين: "ما شبع رسول الله ﷺ في يوم مرتين حتى لحق بالله، ولارفعنا له فضل طعام عن شبع حتى لحق بالله، إلا أن نرفعه لغائب". وقالت: "كان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها جزاهم الله خيراً". وقالت: "إن آل محمد لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية من طعام برٍّ حتى مضى النبي ﷺ لسبيله". وقالت: "والله لقد كان يأتي على آل محمد ﷺ شهر لا نخبز فيه". وقالت: "لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبزٍ وزيت في يوم مرتين". وقد توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل من يهود بِوسْق (١) من شعير.
وقال أبو هريرة: "إن النبي ﷺ كان يجوع"، فقيل له: وكيف كان ذلك الجوع؟! فقال: "لكثرة مَن يغشاه وأضيافه وقوم يلزمونه لذلك، فلا يأكل طعاماً أبداً إلا ومعه أصحابه وأهل الحاجة يتتبعون من المسجد". وكان النبي ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه: حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسه" (٢).
ب) لم يفكر أبداً بنفسه، كما لم يفكر أبداً بأهله، يسبغ عليهم هذا الترف الذي يشيع بين ذوي الجاه والسلطان، وحين نصره الله تعالى وردّ عنه الأحزاب وفتح عليه (قُرَيْظَة) و (النضير) ظنّ أزواجه أنه اختص بنفائس يهود وذخائرهم، وكنّ تسع نسوة قعدن حوله وقلن:
стр. 163
"يا رسول الله! بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء (١) والخَوَل (٢)، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق"!! وآلمنَ قلبه بمطالبتهنّ له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأبناء الدنيا أزواجهم، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهنَّ ما نزل في أمرهن من تخييرهن في فراقه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ٢٨ ﴿(٣) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤) [سورة الأحزاب ٣٣: ٢٨ - ٢٩]، فبدأ رسول الله ﷺ بعائشة فقال لها: "إني ذاكر لكِ منْكُنَّ أمراً ما أحبّ أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك"، فقالت: "ما هو؟! "، فتلا عليها الآية، فقالت: "أفيكَ أَسْتَأمِر أبويَّ؟! بل أختار الله تعالى ورسوله" ... ثم تتابعن كلهنَّ على ذلك، فسماهنّ الله: أمهات المؤمنين، تعظيماً لحقهنَّ، وتأكيداً لحرمتهنَّ، وتفضيلاً لهنَّ على سائر النساء.
لقد أمره ربه أن يخيِّرهنَّ جميعاً في سراحهنّ فيكنّ كالنساء ويجدن ما شئن من دنيا المرأة، وبين إمساكهنَّ فلا يكنّ في بيعة أخرى تبدأ من حيث تنتهي الدنيا وزينتها، ولا تقتصر الآيتان الكريمتان عن نفي الدنيا وزينة الدنيا عنهنَّ، بل نفت الأمل في ذلك إلى آخر الدهر،
стр. 164
وأماتت معناه في نفوسهنّ بقصر الإرادة منهنّ على هذه الثلاثة: الله في أمره ونهيه، والرسول في شدائده ومكابدته، والدار الآخرة في تكاليفها ومكارهها؛ فليس هناك ظرف ولا رقة ولا عاطفة ولا سياسة لطبيعة المرأة، ولا اعتبار لمزاجها، ولا زلفى لأنوثتها، بل هو تخيير بين ضدين لا تتلوَّن بينهما حالة تكون منهما معاً" (١).
ج) وأخيراً مات النبي ﷺ متأثراً بالسم ذي المفعول البطيء، فقد أهدت امرأة من يهود (خَيبر) شاة مسمومة لرسول الله ﷺ ، فأكل منها وأكل بعض مَنْ كان معه من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء بن معرور، فمات بشر. واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل ذلك الذي أكل، وأمر أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم. وعاش رسول الله ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قبض فيه، فجعل يقول في مرضه: "ما زلتُ أجد من الأكلة التي أكلتها يوم (خيبر) عِداداً، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري" (٢). فتوفى رسول الله ﷺ شهيداً صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه (٣).
٤ - المثال الرائع:
لقد تحمَّل الأذى والتعذيب والتكذيب والمقاطعة والاضطهاد والمطاردة، وهو الشريف الصادق الأمين الذي كان بإمكانه أن يعيش عزيزاً مكرّماً.
стр. 165
واستهان بالوعد والوعيد والمال والمجد، وصبر على شَظَف العيش والجوع والعري والمشقة، وهو القوي الأمين، السيد الثري، الذي كان بإمكانه أن يعيش مصاناً مترفاً.
وقاتل قومه وقبيلته، وعادى من عادى الإسلام وسالم من سالمه، وعرّض نفسه للموت في ساحات القتال مجاهداً (١)، وخارج ميدان الوغى داعياً، وضحى بالأقربين من أهله وبنفسه، وتحمَّل المسؤوليات الجسام التي تنوء بحملها العصبة أولو القوّة من أفذاذ الرجال، واستأثر لنفسه بالأخطار، وآثر رجاله بالأمن، وهو البَر الرحيم الذي كان بإمكانه أن يعيش مرفّهاً بعيداً عن الأخطار.
إنه كان تجسيداً حياً لتعاليم الإسلام عقيدة وعملاً، وتضحية وفداء، وجهاداً بالمال والنفس في سبيل الله، فهو الأسوة الحسنة الباقية أبداً للمسلمين في كل زمان ومكان: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب ٣٣: ٢١].
إنه كان مثالاً حياً للخلق الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤﴾ [سورة ن ٦٨: ٤]، والإسلام في حقيقته وروحه عقيدة وعمل، وتضحية وفداء، وجهاد بالأموال والأنفس، وكلها في جملتها وتفصيلها معنى من معاني الخلق العظيم.
стр. 166
يالله ... ! أيبذل بشر من ذات نفسه ووقته وجهده مثل هذا البذل؟!.
أيضحي إنسان بماله ونفسه وأهله وقومه مثل هذه التضحية؟!.
أيجاهد رجل بما يملك من مال ونفس وغال ورخيص مثل هذا الجهاد؟!.
أيستطيع أحد أن يتحمل كل هذا البذل والتضحية والجهاد؟!.
إن المرء حين يستوعب هذه (الأمثلة) الرائعة المذهلة من بذله وتضحيته وجهاده، يكاد يصعق بروعتها وبهائها وجلالها، فكيف به لو استوعب كل تفاصيل ما بذله من تضحية وجهاد في سبيل الله؟؟.
لقد تأسى أصحابه عليهم رضوان الله به في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف كان ذلك؟؟
***
стр. 167
مع الصحابة
стр. 168
في مَكّة
١ - التعذيب:
لن أستطيع أن أذكر في هذا المكان، كل ما قدمه الصحابة رضوان الله عليهم من تضحيات جسام، حين كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم، لأن تضحياتهم كثيرة جداً ومتعددة الجوانب والأشكال، وحسبي أن أذكر هنا (أمثلة) منها لتكون دليلاً للعرب والمسلمين - خاصة في مثل هذه الأيام.
لقد كان النبي ﷺ من أقل الناس كلاماً، ولكن أفعاله كانت تؤثر في أصحابه وتشع عليهم بالنور اقتباساً من مثاله الشخصي، ولاشيء كالمثال الشخصي يؤثر في الناس؛ أما الكلام وحده دون عمل فلا يؤثر في أحد، فلا موعظة في كلامٍ لم يمتلئ من نفس قائله ليكون عملاً، فيتحوَّل في النفوس الأخرى عملاً ولا يبقى كلاماً.
كان ﵊ يبني الأفراد الصالحين ليكوّن أمة صالحة بالأعمال لا بالأقوال، وقد عمل ما لم يستطع أحد أن يعمل مثله أو قريباً منه، وكان أصحابه بتربيته لهم خير القرون ثم الذي يليهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 169
لقد كان خريجو مدرسة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام رجالاً لا كالرجال.
إنه قدوة الرؤساء والمرؤوسين، والقادة والجنود، وقدوة الأجيال جيلاً بعد جيل، وهو المثل الأعلى للمسلمين وللبشر من مختلف الأجناس.
لقد تحمَّل العربي المسلم التعذيب في سبيل عقيدته، فَعَدَتْ كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، يفتنونهم عن دينهم.
كان بلال بن رباح يخرجه أميَّة بن خلف إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: "لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى"، فيقول وهو في ذلك البلاء: "أَحَدٌ ... أَحدٌ" (١).
وكان بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول: "صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة"، وأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام (٢). وعندما أسلم عثمان بن عفان ﵁، أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية، فأوثقه كتافاً وقال: "ترغب عن ملَّة
стр. 170
آبائك وأجدادك إلى دين محمد؟! والله لا أحلك أبداً حتى تدع ما أنت عليه"، فقال عثمان: "والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه". وقيل: عذّبه عمه بالدخان ليرجع، فما رجع (١).
وعندما أسلم الزبير بن العوام ﵁، علقه عمه في حصير ودخّن عليه ليرجع إلى الكفر، فكان يقول: "لا أكفر أبداً" (٢).
ولاقى سعد بن أبي وقاص معارضة شديدة لإسلامه حتى من أمه! قال سعد: "كنت رجلاً برّاً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الذي أحدثت؟! لتدعنّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فَتُعيَّرَ بي! فقلت لها: لا تفعلي يا أماه، فإني لا أدع ديني! فمكثت يوماً وليلة لا تأكل ولا تشرب، فأصبحت وقد جهدت. فقلت لها: والله لو كان لك ألف نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت هذا الشيء! فلما رأت ذلك مني، أكلت وشربت، فأنزل الله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) ... " (٤).
٢ - في الحبشة:
ولما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء قال لهم:
стр. 171
"لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرَجاً مما أنتم فيه"؛ فخرج عند ذاك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرُّوا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام (١). وهكذا ترك المسلمون المهاجرون ديارهم وأموالهم وأهليهم حرصاً على دينهم.
وقدم المسلمون مكة من الهجرة الأولى إلى الحبشة، لأنهم سمعوا بإسلام قريش، ولكن ظهر لهم أن قريشاً لا تزال على دينها - فاشتد عليهم قومهم، وسطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديداً؛ لذلك أذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الثانية أعظمها مشقة، ولقوا من قريش تعنيفاً شديداً، ونالوهم بالأذى (٢).
وفي الحبشة سأل النجاشي المهاجرين من المسلمين قائلاً: "ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا ديني ولا دين أحد من هذه الملل"؟! وأجابه جعفر بن أبي طالب ﵁ قائلاً: "أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأَمَرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة
стр. 172
وصلة الرحم وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأَمَرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -وعدَّد عليه أمور الإسلام - فصدّقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً. وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا؛ فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحلّ من الخبائث؛ فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا - خرجنا إلى بلادك، واخترناك على سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلَم عندك أيها الملك"! (١).
وبلغ أصحاب النبي ﷺ الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك؛ حتى إذا دَنَوْا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدَّثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوارٍ أو مستخفياً" (٢).
ودخل عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحيّ بجوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان، قال: "والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، لَنَقصٌ كبير في نفسي"!! فمشى إلى الوليد بن المغيرة وقال له: "يا أبا عبد شمس! وفَّت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك"، فقال
стр. 173
له: "يا ابن أخي! لعلَّه آذاك أحد من قومي"؟! قال: "لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره"، فانطلقا إلى البيت الحرام وردَّ عثمان جوار الوليد علانية (١).
وكان أبو بكر الصديق ﵁ حين ضاقت عليه مكة وأصابه الأذى ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه، استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فأذن له. وخرج أبو بكر مهاجراً، حتى إذا سار من مكة يوماً أو يومين، لقيه ابن الدغنّة فقال: "أين يا أبا بكر"؟! فقال: "أخرَجَني قومي وآذوني وضيّقوا عليَّ"! فقال: "ولِمَ؟! فوَالله إنك لتزيّن العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم (٢) ... ارجع وأنت في جواري"؛ فرجع معه - حتى إذا دخل مكة، قام ابن الدغنّة فقال: "يا معشر قريش! إني قد أجرت ابن أبي قُحافة، فلا يعرضنّ له أحد إلا بخير". وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمُح، فكان يصلي فيه، وكان رجلاً رقيقاً إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته؛ فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنّة فقالوا: "يا ابن الدغنّة! إنك لم تجُِر هذا الرجل ليؤذينا ... إنه رجل إذا صلىَّ وقرأ ما جاء به محمد، يرقّ ويبكي، وكانت له هيئة ونحوٌ، فنحن نتخوَّف عليه صبياننا ونساءنا وضعفتنا أن يفتنهم، فائْتِه فمُرْهُ أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء". ومشى ابن الدغنّة إليه فقال: "يا أبا بكر! إني لم أجرك لتؤذي قومك ... إنهم كرهوا مكانك الذي أنت فيه وتأذَّوا
стр. 174
بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت"! فقال أبو بكر: "أو
أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله"، فقال: "اردد عليّ جواري"،
فردّ أبو بكر على ابن الدغنّة جواره (١).
...
стр. 175
في المَدينَة
١ - المجتمع الجديد:
أ- وأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالخروج من مكة إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: "إنَّ الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها"، فخرجوا أرسالاً (١).
وآخى رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: "تآخَوْا في الله أخوين أخوين" (٢)، فقال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: "إني من أكثر الأنصار مالاً، وأنا مقاسمك، وعندي امرأتان، فأنا مطلِّق إحداهما، فإذا انقضت عدَّتها فتزوَّجها"، فقال عبد الرحمن: "بارك الله لك في أهلك ومالك" (٣).
وقد وصف عبد الله بن عمر بن الخطاب هذه المؤاخاة بقوله: "لقد رأيتنا وما الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".
وقال المهاجرون: "يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدِمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير: كفَوْنا المؤونة وأشركونا في
стр. 176
المهنأ (١)، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله" (٢).
ب- وفي المدينة المنورة أظهر المسلمون الأعاجيب في إخلاصهم لعقيدتهم، فقد كان عمير بن سعد في حجر جُلاس بن سويد بن الصامت، إذ خَلَفَ جلاس هذا على أم عمير بعد أبيه، فسمع عمير كلمة نابية قالها جلاس في النبي ﷺ فقال: "والله يا جلاس، إنك لأحب الناس إليَّ وأحسنه عندي يداً وأعزه أن يصيبه شيء يكرهه. ولقد قلت مقالة لئن رفعتُها عليك لأفضحنَّك، ولئن صمتُّ عليها ليهلكنّ ديني، ولأحدهما أيسر عليّ من الآخر"، ثم مشى إلى رسول الله ﷺ ، فذكر له ما قال جلاس (٣).
ج- واجتمع المنافقون يوماً في المسجد، فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم فأُخرجوا من المسجد إخراجاً عنيفاً: قام أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري إلى عمرو بن قيس من بني النجار - وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية، فأخذ برجله فسحبه من المسجد؛ ثم أقبل أبو أيوب أيضاً إلى رافع بن وديعة من بني النجار فلبَّبه (٤) بردائه ثم نتره نتراً (٥) شديداً ولطم وجهه ثم أخرجه من المسجد (٦).
د- وكان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان
стр. 177
بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ١١٨ هَاأَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) [آل عمران ٣: ١١٨ - ١١٩]، فقاطع المسلمون حلفاءهم من يهود (٢).
هـ- وتحمَّل المهاجرون بصبر وجَلَد ما أصابهم من وباء الحمى في المدينة المنورة. قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحُمَّى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسَقَم. وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه ﷺ ، فكان عامر بن فُهَيرة وبلال في بيت واحد، فأصابتهم الحمى؛ فدخلتُ عليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك (٣)، فدنوت من أبي بكر فقلت له: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله (٤) فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول. ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة،
стр. 178
فقلت له: كيف تجدك يا عامر؟ فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهِد بطوقه كالثور يحمي جلده بِرَوقِه (١) فقلت: والله ما يدري ما يقول! وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته (٢) فقال: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة بفسخ وحولي أذخر وجليل (٣) وهل أرِدَن يوماً مياه مِجَنَّةٍ وهل يَبْدوَنْ لي شامة وطفيل (٤) فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ وقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى" (٥).
٢ - في بدر:
وبدأ الصراع الحاسم بين المسلمين وأعدائهم، فأبدى المسلمون في الجهاد ضروباً من التضحية لا مثيل لها في التاريخ كله.
فقد استشار النبي ﷺ أصحابه قبل غزوة (بدر)، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: "يا رسول الله! امض لما أراك الله، فنحن
стр. 179
معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٥: ٢٤]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالله الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى (برك الغِماد) (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له ثم قال: "أشيروا عليَّ أيها الناس"! وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله! إنا براء من ذِمامك (٢) حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ... ، فكان رسول الله ﷺ يتخوَّف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه (٣) بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ ، قال له سعد بن معاذ: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله"؟! قال: "أجل"، قال: " ... فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، فأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لَصُبُرٌ في الحرب صُدقٌ في اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" (٤).
стр. 180
جدول السرايا: ١ - سرية حمزة قوات المسلمين: ٣٠ راجلاً من المهاجرين قائد المسلمين: حمزة بن عبد المطلب قوات أعداء المسلمين: ٣٠٠ راكب قائد أعداء المسلمين: أبو جهل بن هشام المكان: العِبْص التاريخ بالسنة الهجرية: رمضان من السنة الأولى مجمل النتائج: حجز بين الفريقين مجدي ابن عامر الجهني.
٢ - سرية عبيدة ابن الحارث قوات المسلمين: ٦٠ راجلاً من المهاجرين قائد المسلمين: عبيدة بن الحارث قوات أعداء المسلمين: أكثر من ٢٠٠ راكب وراجل قائد أعداء المسلمين: أبو سفيان بن حرب المكان: ماء في الحجاز بوادي رابِغ التاريخ بالسنة الهجرية: شوال من السنة الأولى مجمل النتائج: جرت مناوشات ورمى سعد بن أبي وقاص أول سهم رُمي في الإسلام.
٣ - سرية سعد ابن أبي وقاص قوات المسلمين: ٢٠ راجلاً من المهاجرين قائد المسلمين: سعد بن أبي وقاص قوات أعداء المسلمين: - قائد أعداء المسلمين: - المكان: الخرار التاريخ بالسنة الهجرية: ذو القعدة من السنة الأولى مجمل النتائج: فرَّت قافلة المشركين.
٤ - سرية عبد الله ابن جحش قوات المسلمين: ١٢ من المهاجرين قائد المسلمين: عبد الله بن جحش قوات أعداء المسلمين: ٤ رجال قائد أعداء المسلمين: عمرو بن الحضرمي المكان: نخلة التاريخ بالسنة الهجرية: رجب من السنة الثانية مجمل النتائج: أول قتيل وأول أسير من المشركين. أول غنيمة للمسلمين.