← Общие книги

Общие книги · id 8645

بين العقيدة والقيادة

محمود شيت خطاب

Полный текст (561 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

التطبيق العملي في أيَّام الفَتح الإسلامي العظيم ١١هـ - ٩٤هـ ٦٣٢م - ٧١٢م

стр. 212

مع الصَّحَابة وَالتَابعين ١ - المخطط الأول للفتح: الفتح الإسلامي نَسِيجُ وَحْدِهِ في تاريخ البشر، لا يشبهه فتح ولا يدانيه ولا يقاس به ... فقد خرج المسلمون يعلنون كلمة الله، ويبشرون بدينه، ويبذلون في سبيل ذلك أموالهم وأرواحهم، ويفارقون من أجله ديارهم وأولادهم: لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً. كانت غايتهم إصلاح البشر في أرواحهم وعقولهم وأخلاقهم، وسعادة الناس في دنياهم وآخرتهم؛ فإذا قبلوا الهداية كفوا عنهم، وإن لم يقبلوا فرضوا عليهم الجزية، وإن أبوا قاتلوهم (١). وكان الفاتحون لا يعلنون عن الإسلام بألسنتهم فحسب، ولكنهم كانوا في أخلاقهم ومعاملاتهم وسيرتهم أمثلة حيّة وترجمة عملية لتعاليم الإسلام. لذلك لم ينجلِ الفتح الإسلامي عن غالبين ومغلوبين، وإنما انجلى عن أمة واحدة، لها رب واحد ونبيّ واحد وقرآن واحد وسُنَّة واحدة.

стр. 213

لهذا استقر الفتح الإسلامي وخلد، وبقيت البلاد المفتوحة للإسلام، فكان هذا الفتح فتحاً (مستداماً)، لأنه كان فتح خير وبركة وهداية (١). لقد كان الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام هو المخطط الأول للفتح الإسلامي، فهو الذي رسم بنفسه الخطة التمهيدية التي حملت الجيوش الإسلامية على فتح أرض الشام وتأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية. ذلك أن النبي ﷺ إلى جانب تبليغه الدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته، كان قائداً ماهراً يقظاً لا يغض الطرف عن أي مظهر عدواني قد يَحُطُّ من شأن دعوته أو يعمل على النيل منها، فلم يقف ساكناً إزاء استشهاد رسوله الذي بعثه إلى أمير الغساسنة في (بصرى) (٢)، فأرسل في السنة الثامنة الهجرية (٦٢٩ م) أحد قادته المقربين إليه، وهو زيد بن حارثة الكلبي ﵁ على رأس ثلاثة آلاف رجل إلى الحدود الشمالية الغربية من بلاد العرب. وهناك عند (مؤتة) الواقعة على حدود (البلقاء) (٣) إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر (الميت) التقى المسلمون بقوات الروم (٤). ومهما تكن الخاتمة التي لقيتها غزوة (مؤتة)، فإن نتائجها

стр. 214

وآثارها كانت بعيدة المدى؛ فبينما رأى الروم تلك الغزوة (غارة) من الغارات التي اعتاد البدو شنها للنهب والسلب، كانت غزوة (زيد) هذه في الحقيقة غزوة من نوع جديد لم تقدِّر دولة الروم أهميتها، فهي حرب منظمة كانت لها مهمة خاصة، جعلت المسلمين يتطلعون جدياً لفتح أرض الشام. وفي العام التالي، أي في السنة التاسعة الهجرية (٦٣٠م)، قاد النبي ﷺ بنفسه غزوة (تبوك)، فأظهر للروم وحلفائهم من العرب الغساسنة قوة المسلمين، ثم عاد إلى المدينة المنورة، فكانت غزوة (تبوك) إيذاناً بانطلاق الفتح الإسلامي لتحقيق أهدافه. وفي السنة الحادية عشرة الهجرية (٦٣٢م) أعد الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام جيشاً من المسلمين بقيادة أسامة بن زيد الكلبي (١) للتعرض لقوات الروم وحلفائهم، غير أن النبي ﷺ توفي في يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة الهجرية قبل تحرك ذلك الجيش، فترك لخلفائه خطة واضحة المعالم، وولَّى وجوههم شطر قبلة عيّنها لهم ... وهكذا وقف الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بثاقب نظره على أن أشد الأخطار التي يمكن أن تحل ببلاد العرب وتناوئ دعوته هي في أرض الشام حيث الروم وعمالهم الغساسنة، وقد أثبتت حوادث الفتح الإسلامي في مناطق الروم صدق هذه الإشارة، فكان الروم أشد المحاربين عناداً (٢).

стр. 215

٢ - بعث أسامة: والتحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، وتولى أبو بكر الخلافة، فكان أول أمر أصدره بعد أن تمت له البيعة بالخلافة: "أنفذوا بعث أسامة". ولكن أسامة طلب من عمر بن الخطاب ﵁ أن يرجع إلى المدينة ليستأذن أبا بكر في رجوع الناس قائلاً: "ارجع إلى خليفة رسول الله، فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم (١)، ولا آمن على خليفة رسول الله وثقل (٢) رسول الله يتخطفهم المشركون". وأبلغ ابن الخطاب ﵁ رسالة أسامة إلى أبي بكر الصديق ﵁، فلم يلبث حين سمعها أن ثار ثائره وقال: "لو خطفتني الكلاب والذئاب، لم أردَّ قضاءً قضى به رسول الله ﷺ ". كما رفض أبو بكر الصديق ﵁ رفضاً قاطعاً أن يؤمّر على الجيش غير أسامة قائلاً لعمر بن الخطاب: " ... استعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أنزعه؟! " (٣). وقال الناس لأبي بكر: "إن هؤلاء جند المسلمين، والعرب على ما ترى، فقد انتقضت بك، فلا ينبغي أن تفرق جماعة المسلمين عنك"، فأجابهم أبو بكر: "والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني،

стр. 216

لأنفذت جيش أسامة، كما أمر النبي ﷺ " (١). ورجع أسامة بنفسه إلى أبي بكر الصديق وقال له: "إن رسول الله ﷺ بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، فإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت، فإن معي سراة الناس وخيارهم ... "، فقال أبو بكر: "والله لأن تخطفني الطير أحبَّ إليَّ من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله ﷺ " (٢). لقد كان أبو بكر الصديق ﵁، يريد أن يعلِّم المسلمين أهمية الطاعة وضرورة التحلي بالضبط المتين، فطبّق ذلك على نفسه أولاً ملتزماً بالطاعة إلى أقصى الحدود، حتى يستطيع مطالبة غيره بالطاعة. وكانت بعثة أسامة العنوان الأول لسياسةٍ عامة في الدولة الإسلامية، هي في ذلك الحين خير السياسات. كان قوام تلك السياسة، طاعة ما أمر به رسول الله ﷺ ، وكانت الطاعة -جد الطاعة- مناط السلامة وعصمة المعتصمين من الخطأ الأكبر في ذلك الحين. وحيث يكون التمرُّد هو الخطأ الأكبر، فالطاعة - بل الطاعة الصارمة - هي العصمة التي ليس من ورائها اعتصام. وقد كان التمرد هو الخطر الأكبر في ذلك الحين لا مراء!. كان النفاق يطلع رأسه في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت

стр. 217

القبائل في البادية تتسابق إلى الردة في أنحاء الجزيرة العربية، وكان جند أسامة يودون لو استبدل به أميراً غيره، وكان أسامة أول من يشك في طاعة القوم إياه ويترقب أن يخلفه على البعثة أمير سواه. تمرُّدٌ أو نذيرٌ بتمردٍ في كل مكان!. وطاعةٌ واجبة هنا حيث نبغ التمرد، أو لا سبيل إلى واجب بعد ذلك يطاع. وهنا تسعف الصدِّيق طبيعةٌ هي أعمق الطبائع فيه، فيقول وقد خوّفوه الخطر على المدينة المنورة وجيش أسامة يفارقها: "والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ! ولو أن الطير تخطَّفتنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزنّ جيش أسامة ... ". فلا خطر إذن - في نظر الصديق - أكبر من خطر الاجتراء على حق الطاعة في تلك الآونة، ولو جرّت الكلاب بأرجل البنات والأمهات. لقد رأى أبو بكر الصديق ﵁، أن العصمة - حق العصمة - في رأي واحد لا رأي قبله ولا بعده، وهو الطاعة في غير تردد ولا هوادة ولا إبطاء. وقد ضرب المثل الأعلى في الطاعة التي أرادها، فشيَّعَ جيش أسامة وهو ماشٍ على قدميه، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ يقود دابته بجواره، فقال أسامة: "يا خليفة رسول الله! والله لتركبنَّ أو لأنزلنَّ"، فقال: "والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أُغبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعة".

стр. 218

ثم استأذن أسامة قائلاً: "إن رأيت أن تعينني بعمر، فافعل" (١)، فعاد عمر بإذنه ... بإذن القائد الذي هو في مقام الطاعة هناك، حتى على الخليفة وعلى أكبر الصحابة من بعده (٢). وقبل أن يعود أبو بكر أدراجه إلى المدينة، وقف في جيش أسامة خطيباً وقال: "أيها الناس! أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلّوا (٣)، ولا تغدروا، ولا تمثلوا (٤)، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليه، وتلقون أقوماً قد فحصوا (٥) أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقاً ... اندفعوا باسم الله". وقال لأسامة: "اصنع ما أمرك به نبي الله ﷺ : ابدأ ببلادِ قُضاعة، ثم ائت (آبل) (٦)، ولا تقصرنّ في شيء من أمر رسول لله، ولا يعجلنّ لما خلفت عن عهده" (٧).

стр. 219

وسار أسامة في ثلاثة آلاف رجل (١) يقطع البيد في أيام شديدة الحر من شهر حزيران (يونيو)، وبعد مسيرة عشرين يوماً نزل بجيشه، فأغار على (آبل) الواقعة شمال (مؤتة)، وبثّ خيوله في قبائل قضاعة وأحلافهم، تلك القبائل التي ظاهرت الروم على جيش المسلمين في غزوة (مؤتة)، فبث خيوله في تلك القبائل، وقضى على كل مقاومة صادفها هناك، فما: "رُئي جيش كان أسلم من ذلك الجيش" (٢). وعاد أسامة إلى المدينة بجيشه الظافر، فتلقاه أبو بكر الصديق ﵁ في جماعة من الصحابة وتلقاه أهل المدينة، فدخل المدينة والناس من حوله يرددون قول النبي ﷺ عنه: "إنه خليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً لها" (٣). لقد كان أثر هذه الغزوة عظيماً في المرتدين وغيرهم، فقد شاع في الجزيرة العربية خبرها، فكانت لا تمر بقبيل يريدون الارتداد إلا تخوِّفوا وسكنوا وقالوا فيما بينهم: "لو لم يكن المسلمون على قوة، لما خرج من عندهم هؤلاء"!. وكان أثرها في تأديب القبائل العربية القاطنة على الحدود الشمالية لجزيرة العرب واضحاً، فلم يحرِّكوا ساكناً بعدها أبداً، حتى جاءتهم جيوش المسلمين سنة ثلاث عشرة الهجرية، فدخلوا في الإسلام وأصبحوا من حماته.

стр. 220

ولكنّ أثرها في إبراز الطاعة والحرص على متطلباتها كان عظيماً جداً، فما من جيش يكتب له النصر وما من أمة يكتب لها النصر، إلا إذا كانت الطاعة الحقة طبيعة من طبائعها وسجية من سجاياها. وكان المثال الشخصي الذي ضربه أبو بكر الصديق ﵁ في الحرص على الطاعة، من أعظم الدروس التي ضربها للمسلمين في بداية حياته العملية في الخلافة. ٣ - حرب الردة: أ) وصمم أبو بكر الصديق ﵁ على قتال المرتدين، وكان أكثر العرب قد ارتدوا إلا أهل المدينة ومكة والطائف (١)، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر الصديق: "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"، فقال أبو بكر: "والله لأقاتلنّ مَنْ فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال؛ والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" (٢). وخرج أبو بكر بنفسه شاهراً سيفه راكباً راحلته لقتال أهل الردّة، فجاء علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وأخذ بزمام راحلته وقال: "أين يا خليفة رسول الله ﷺ ؟! أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم (أُحد): شم (٣) سيفك، لا تفجعنا بك، وارجع إلى المدينة، والله

стр. 221

لئن أُصبنا بك لا يكون بعدك نظام أبداً" (١). لقد ثبت أبو بكر الصديق ﵁ ثباتاً عجيباً أمام تيار المرتدين، وقاوم بصبر وتصميم وعناد وإيمان: كل فكرة تدعو لمهادنة المرتدين، فعزم الله لأبي بكر على قتالهم، ما رضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية. فأما الخطة المخزية، فأن يُقِرُّوا بأنْ مَن قُتل منهم في النار ومَن قُتل من المسلمين في الجنة، وأما الحرب المُجْلِية فأن يخرجوا من ديارهم (٢). ونجح أبو بكر الصديق ﵁ في ثباته القوي، فأعاد وحدة العرب في الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام. عن أبي رجاء العطاردي قال: "دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين، ورأيت رجلاً يقبّل رأس رجل وهو يقول: أنا فداؤك! لولا أنت لهلكنا. فقلت: مَن المقبِّل، ومَن المقبَّل؟ قالوا: عمر يقبِّل رأس أبي بكر في قتاله أهل الردّة إذ منعوا الزكاة، حتى أتوا بها صاغرين" (٣). لقد قابل أبو بكر الصديق فتنة الردّة بأحزم ما تقابل به من بدايتها إلى منتهاها، وعالجها علاجها في كل خطوة من خطواتها وكل ناحية من نواحيها، فبادرها بالحزم من صيحتها الأولى، وتعقَّبها بالحزم يوماً بعد يوم، حتى أسلمت مقادها وثابت إلى قرارها (٤). فلم تحل سنة اثنتي عشرة الهجرية (٦٣٣ م) أي بعد عام من وفاة النبي ﷺ إلا وكانت طلائع الجيوش الإسلامية تهدد ملك كسرى في العراق

стр. 222

وملك قيصر في أرض الشام، وتهاجم الامبراطوريتين الساسانية والبيزنطية في عقر داريهما (١). ... خريطة شبه الجزيرة العربية. ...

стр. 223

ب) ولكن، كيف انتصر المسلمون وهم قليلون على المرتدين وهم كثيرون؟. في معركة (اليمامة) كانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، فقالوا: "نخشى علينا من نفسك شيئاً"! فقال: "بئس حامل القرآن أنا إذاً" (١) ... إن الذي يحمل القرآن لا يجبن أبداً. واحتدم القتال في هذه المعركة بين المسلمين من جهة، وبين المرتدين أصحاب مسيلمة الكذاب من جهة أخرى، فقال ثابت بن قيس: "بئسما عوّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين! اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعني المسلمين -". وفي تلك المعركة، قال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم: "لا تَحَوُّز (٢) بعد الرِّحال"، ثم قاتل حتى قتل. وفي تلك المعركة قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك ﵄، وكان إذا حضر الحرب أخذته العُرواء (٣) حتى يقعد عليه الرجال وهو ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله، فإذا بال يثور كما يثور الأسد؛ فلما رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال، فلما بال وثب وقال: "أين يا معشر المسلمين! أنا البراء بن مالك ... هلم إليّ" ... وزحف المسلمون حتى ألجؤوا المرتدين إلى

стр. 224

حديقة الموت وفيها مسيلمة الكذاب، فقال البراء: "يا معشر المسلمين! ألقوني عليهم في الحديقة، فقال الناس: "لا نفعل يا براء"! فقال: "والله لتطرحُنّي عليهم فيها"، فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار، اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها للمسلمين (١). وقال زيد بن الخطاب ﵁ قبل استشهاده في معركة اليمامة: "لا والله، لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو ألقى الله فأكلمه بحجتي! عضّوا على أضراسكم أيها الناس، واضربوا في عدوكم، وامضوا قُدُماً". وقال ثابت بن قيس في تلك المعركة أيضاً: "يا معشر المسلمين! أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه ... أروني كما أُريكم". وقال أبو حذيفة في تلك المعركة أيضاً: "يا أهل القرآن! زينوا القرآن بالفعال" (٢). لقد كان تعداد قوات المسلمين في (اليمامة) نحو ثلاثة عشر ألف مقاتل، وكان تعداد قوات مسيلمة نحو أربعين ألفاً أو أكثر (٣) - أي أنَّ المشركين كانوا متفوقين فواقاً عددياً على المسلمين، كما أن المشركين كانوا يقاتلون في منطقتهم وفي قواعدهم، وكان المسلمون يقاتلون بعيداً

стр. 225

عن منطقتهم وبعيداً عن قواعدهم. وبالرغم من ذلك استشهد من المسلمين ثلاثمئة وستون من المهاجرين والأنصار من سكان المدينة المنورة وحدها، وثلاثمئة من المهاجرين من غير أهل المدينة المنورة، وثلاثمئة من التابعين (١) مع شهداء آخرين، فكان جملة من قتل من المسلمين ألفاً ومئتي شهيد (٢)، منهم خمسمئة من القراء (٣)، ولهذا أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ أن يجمع القرآن لئلا يذهب منه بسبب موت مَن يحفظه (٤). أما بنو حنيفة فقد قتل منهم أربعة عشر ألفاً وقتل منهم في الطلب سبعة آلاف (٥)، أي أن نسبة الشهداء من المسلمين تعادل ستة عشر بالمئة (١٦%) فقط من نسبة قتلى المشركين، بينما كانت نسبة المسلمين الذين شهدوا المعركة واحداً إلى ثلاثة فقط من نسبة المشركين، وهذا يعد أروع انتصار للعقيدة الراسخة وأوضح دليل على أهميتها في القتال. ٤ - في اليرموك: ولما فرغ عِكرمة بن أبي جَهل من قتال الردة، سار مجاهداً إلى أرض الشام أيام أبي بكر الصديق مع جيوش المسلمين، فعسكر بـ (الجرف) على ميلين من المدينة المنورة، فخرج أبو بكر يطوف في

стр. 226

معسكر المسلمين، فبصر بخباء عظيم حوله ثمانية أفراس ورماح وعدة ظاهرة، فانتهى إليه، فإذا بخباء عكرمة، فسلّم عليه أبو بكر وجزاه خيراً (١). وحملت الروم في (اليرموك) حملة أزالوا المسلمين عن مواقعهم، فقال عكرمة: قاتلت رسول الله ﷺ في كل موطن وأفرّ منكم اليوم"؟! ثم نادى: "مَن يبايعني على الموت"؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام وضِرار بن الأزور في أربعمئة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد بن الوليد حتى أُثبتوا جميعاً جراحاً، فمنهم مَن برأ ومنهم مَن قُتِل (٢). وكان عكرمة أعظم الناس بلاء، فكان يركب الأسنة حتى جرحت صدره، فقيل له: "اتقِ الله وارفق بنفسك"، فقال: "كنت أجاهد بنفسي عن اللات والعزّى فأبذلها لها، أفأستبقيها الآن عن الله ورسوله؟! ... لا والله أبداً"، فلم يزد إلا إقداماً (٣). وقد استشهد في (اليرموك) الحارث بن هشام وعكرمة وسُهيل بن عمرو، فأُتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوه: كلما دُفع إلى رجل منهم قال: اسق فلاناً، حتى ماتوا ولم يشربوه. فقد طلب عكرمة الماء، فنظر إلى سهيل ينظر إليه، فقال: "ادفعوه إليه"، فنظر سهيل إلى الحارث ينظر إليه، فقال: "ادفعوه إليه"، فلم يصل إليه حتى ماتوا جميعاً (٤). وقد وُجد بعكرمة بضع وسبعون ما بين طعنة وضربة ورمية (٥).

стр. 227

وقاد خالد بن الوليد ﵁ معركة (اليرموك) الحاسمة، فلما تولى الخلافة عمر بن الخطاب ﵁، عزل خالداً عما كان عليه، وولَّى أبا عبيدة بن الجراح ﵁ مكان خالد (١). فقد كتب عمر إلى أبي عبيدة بعقده وولايته على الشام مكان خالد، وصيّر خالداً موضع أبي عبيدة (٢). ولكن أبا عبيدة لم يخبر خالداً بعزله إكراماً له وإجلالاً (٣)، فلما علم خالد بعزله، قال للناس عن أبي عبيدة: "بعث عليكم أمين هذه الأمَّة". وقال أبو عبيدة عن خالد: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خالد سيف من سيوف الله ... نِعْمَ فتى العشيرة" (٤). ويومئذ قال خالد قولته المشهورة: "لا أقاتل من أجل عمر، ولكن أقاتل من أجل إعلاء كلمة الله"، فكان له بلاء وغناء وإقدام حتى توفي (٥). تلك دروس قيمة من السلف الصالح: قائد كان له في حرب الروم والفرس أثر شديد (٦)، يعزله الخليفة ثم يقول: "إني لم أعزل خالداً عن سخط ولا عن خيانة، ولكن الناس فخَّموه وفُتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع،

стр. 228

وألا يكونوا بعرض فتنة" (١)، فلا يحقد خالد على الخليفة؛ وقد أوصى خالد لعمر عندما حضرته الوفاة (٢). كما لم يحقد خالد على خلفه، ولم يحقد خلفه عليه، بل لا يزداد خلفه إلا تقديراً وإعزازاً لسلفه المعزول، ثم يتقارضان علناً وعلى رؤوس الأشهاد الثناء العاطر!. وفي معركة (اليرموك) قاتلت النساء، فخرجت جويرية بنت أبي سفيان في جولة، وكانت مع زوجها، فقاتلت قتالاً شديداً (٣). وانتصر المسلمون في (اليرموك) وكانوا ستة وثلاثين ألفاً، على الروم وكانوا أربعين ومئتي ألف: ثمانين ألف فارس، وثمانين ألف راجل، وثمانين ألف مقيد بالسلاسل (٤). ٥ - في معركة الجسر: وانتصر أبو عبيد بن مسعود الثقفي (٥) على الفرس في معركة (السقاطية) (٦)، فجاء الدهاقين (٧) إليه بآنية فيها أطعمة فارس وقالوا: "هذه كرامة أكرمناك بها قِرىً لك". قال أبو عبيد: "أأكرمتم الجند وقريتموهم مثله" قالوا: "لم يتيسر، ونحن فاعلون". قال أبو عبيد: "لاحاجة لنا فيه! بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوماً من بلادهم، أهرقوا دماءهم دونه أو لم يهرقوا، فاستأثر عليهم بشيء يصيبه!

стр. 229

لا والله، لا نأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم" (١). وفي معركة (الجسر) وهي معركة (قسّ الناطِف) (٢)، بعث قائد الفرس إلى أبي عبيد: "إما أن تعبروا إلينا ونَدَعكم والعبور، وإما أن تَدَعونا نعبر إليكم". فقال أبو عبيد: "والله لأقطعنّ الفرات إليهم ... لا يكونون أجرأ على الموت منا" (٣). وعبر المسلمون على جسر (المِرْوَحة) (٤) في الضفة الغربية للفرات إلى (قسّ الناطف) في الضفة الشرقية، وكان تعداد جيش المسلمين أقل من عشرة آلاف مقاتل، فلم يمهلهم الفرس بعد عبورهم، بل هاجموهم بعنف شديد. وكان على مقدمة الفرس فِيَلَة مدربة أخافت خيول المسلمين ففرت خيول المسلمين لا تلوي على شيء. واشتد الأمر بالمسلمين، فترجَّل أبو عبيد والناس ومشوا إلى الفرس وصافحوهم بالسيوف، ولكن الفيلة صدّت المسلمين وبعثرتهم، فنادى أبو عبيدة: " احتوشوا (٥) الفيلة، وقطّعوا بِطنها (٦)، واقلبوا عنها أهلها"، ووثب أبو عبيد على فيل أبيض، فقطع حزامه، فوقع الذين على ظهره، ثم ضرب خرطومه بالسيف، ولكن الفيل خبط أبا عبيد وضربه

стр. 230

برجله، فألقاه على الأرض، ووقف فوقه فمات شهيداً. ورأى الناس قائدهم صريعاً، فاستقتلوا وأعملوا سيوفهم في الفيل حتى قتلوه، ثم تتابع سبعة رجال من ثقيف قوم أبي عبيد بن مسعود الثقفي، كلهم يأخذ الراية ويقاتل حتى يموت؛ حتى أخذ الراية المثنى بن حارثة الشيباني (١)، فوقف واللواء بيده ينادي: "يا أيها الناس! دونكم فاعبروا"، ولكنّ عبد الله بن مرثد الثقفي قطع الجسر قائلاً: "يا أيها الناس! موتوا على ما مات عليه أُمراؤكم ... أو نظفر" (٢). وأخيراً استطاع المثنى ترتيب انسحاب المسلمين بعد تكبدهم خسائر فادحة بالأرواح، وتعتبر خطة انسحاب المثنى مثالاً رائعاً لخطط الانسحاب في تاريخ الحرب كله. ٦ - في القادسية: أ) وفي معركة (القادسية) قالت امرأة من (النخع) لبنيها الأربعة الذين شهدوا المعركة: "إنكم أسلمتم فلم تبدّلوا، وهاجرتم فلم تُثْرِبوا، ولم تَنْبُ بكم البلاد، ولم تقحمكم ألسنة؛ ثم جئتم بأمكم عجوز كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس ... والله إنكم لبنو رجل واحد، كما إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت حالكم ... انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره"، فأقبلوا يشتدُّون (٣).

стр. 231

وشهدت الخنساء الشاعرة المشهورة معركة (القادسية)، ومعها بنوها أربعة رجال، فحرَّضتهم على القتال، وأمرتهم بالصبر، وحثتهم على الإقدام. وباشر أولاد الخنساء القتال، وقُتِلوا واحداً بعد واحد، فلما علمت الخنساء باستشهادهم قالت: "الحمد لله الذي أكرمني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته" (١). ب) وفي هذه المعركة أيضاً، كان أبو مِحْجَن الثقفي (٢) في السجن قد قيِّد وحبس في مقر سعد بن أبي وقاص، فصعد إلى سعد حين أمسى يستعفيه فردَّه سعد، فأتى سلمى بنت خصَفة زوج سعد، فقال: "يا سلمى! يا بنت آل خصفة! هل لك إلى خير"؟؟ فقالت: "وما ذاك"؟! فقال: "تخلّين عني وتعيرينني (البلقاء) (٣)، فالله عليّ إن سلّمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجليّ في قيدي"! فقالت: "وما أنا وذاك"! فرجع يرسف في قيوده ويقول: كفى حزناً أن تردّى (٤) الخيل بالقنا (٥) وأُترك مشدوداً في وثاقيا إذ قمتُ عَنَّاني الحديد وأُغلقت مصاريع دوني قد تصمّ المناديا ولله عهد لا أخيس (٦) بعهده لئن فرجت ألا أزور الحوانيا" (٧) فلما سمعت سلمى ذلك رقّت له، فخلّت سبيله وأعطته

стр. 232

الفرس، فقاتل قتالاً عظيماً. وكان يكبّر ويحمل فلا يقف بين يديه أحد، وكان يقصف الناس قصفاً منكراً، فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه (١). ورآه سعد وهو فوق القصر ينظر إلى القتال، فقال: "لولا أن أبا محجن محبوس لقلت: هذا أبو محجن وهذه (البلقاء) تحته". فلما تراجع الناس عن القتال، عاد إلى القصر، وأدخل رجليه في القيد، فأعلمت سلمى سعداً خبر أبي محجن، فأطلقه وقال: "اذهب ... لا أحدُّك أبداً"، فتاب أبو محجن حينئذ وقال: "كنت آنف أن أتركها - يعني الخمرة - من أجل الحد (٢)، فوالله لا أشربها أبداً" (٣). ج) وفي (القادسية) أيضاً، تكبَّد المسلمون خسائر فادحة بالأرواح من جراء هجوم الفيلة عليهم، فأرسل سعد إلى المسلمين من الفرس (٤)، وسألهم عن الفيلة: "هل لها مَقَاتِل"؟ فقالوا: "نعم، المشافر والعيون، لا يُنتفع بها بعدها". وأرسل سعد إلى القعقاع بن عمرو التميمي وأخيه عاصم بن عمرو التميمي وقال لهما: "اكفياني الفيل الأبيض"، وكانت الفيلة كلها آلفة له، وكان بإزائهما. وأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمّين (٥) ليّنين، ودبا في خيل ورَجِل فقالا: "اكتنفوه لتحيّروه"، ثم وضعا رمحيهما معاً في عيني الفيل الأبيض، فنفض الفيل رأسه وطرح سائسه ودلىّ مشفره، فنفحه القعقاع فرمى به

стр. 233

ووقع لجنبه، فقتلوا مَن كان عليه (١). ٧ - في فتح المدائن: وحين عزم سعد بن أبي وقاص ﵁ على فتح (المدائن) عاصمة كسرى، جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "إن عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر (٢)، فلا تخلصون إليه معه وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فيناوشونكم في سفنهم؛ وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، فقد كفاكموهم أهل الأيام، وعطّلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم. وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم". فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد، فافعل ... وندب سعد الناس إلى العبور قائلاً: "مَن يبدأ ويحمي لنا الفراض (٣) حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج"؟ فانتدب له عاصم بن عمرو التميمي ذو البأس، وانتدب بعده ستمئة من أهل النجدات، فاستعمل سعد عليهم عاصماً (٤). وسار عاصم فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة وقال: "مَن ينتدب (معي) لنمنع الفراض من عدوكم ولنحميكم حتى تعبروا"؟ فانتدب له ستون جعلهم نصفين على خيول إناث وذكور، ليكون أساس

стр. 234

العوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمئة على أثرهم. فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا، أعدوا للخيل التي تقدمت للعبور مثلها، فاقتحموا عليهم دجلة وأعاموها إليهم، فلقوا عاصماً في الخيل الأمامية المتقدمة وقد دنا من الفراض، فقال عاصم: "الرماح ... الرماح ... ! أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا، فاطعنوا"، فقتل المسلمون عامة الفرس، ونجا مَن نجا منهم عوراناً (١). ولما رأى سعد عاصماً على الفراض قد منعها، أذن للناس في الاقتحام وقال: "قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه ... حسبنا الله ونعم الوكيل. والله لينصرن الله وليّه وليظهرنّ دينه وليهزمنّ عدوّه، ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم". وتلاحق الناس فى دجلة، وإنهم يتحدثون كما يتحدثون في البر ... ثم خرجوا منه إلى البر ولم يفقدوا شيئاً، إلا أن مالك بن عامر العنبري سقط منه قدح، فقال: "والله إني لعلى حالة ما كان الله ليسلبني قدحي من بين العسكرين"، فلما عبروا ألقته الريح إلى الشاطئ، فتناوله بعض الناس وعرفه صاحبه (٢). وكان أول مَن دخل (المدائن) عاصمة كسرى كتيبة الأهوال بقيادة عاصم بن عمرو التميمي، ثم الكتيبة الخرساء بقيادة أخيه القعقاع بن عمرو التميمي، فأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحداً يخشونه. ونزل سعد القصر الأبيض ثلاثاً، واتخذ إيوان كسرى مصلى دون أن يغيِّر ما فيها من تماثيل، وقرأ في صلاة الفتح حين صلى في إيوان كسرى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ٢٥ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ٢٦ وَنَعْمَةٍ كَانُوا

стр. 235

فِيهَا فَاكِهِينَ ٢٧ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًاءَاخَرِينَ﴾ [سورة الدخان ٤٤: ٢٥ - ٢٨]. وصلَّى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهنّ (١). ٨ - نماذج بطولية: أ) وزحف البراء بن مالك أخو أنس بن مالك في معركة فتح (تُستر) (٢) بين المسلمين والفرس مئة زحفاً، فاستشهد في آخرها بعد أن دعا ربه قائلاً: "اللهم اهزمهم لنا واستشهدني" (٣). وضيَّق المسلمون الحصار على (جَنْدَ يَسابور) (٤)، وفجأة فتحت هذه المدينة أبوابها للمسلمين. وقال أهلها: "رميتم بالأمان فقبلناه وأقررنا بالجزية"، فقال المسلمون: "ما فعلنا"! وسأل المسلمون فيما بينهم، فإذا عبد يدعى (مُكْنِفاً) كان أصله من (جنديسابور) هو الذي كتب لهم هذا الأمان، فكتب أبو سَبرْة بن أبي رُهْم (٥) إلى عمر، فكان جوابه: "إن الله عظَّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، فما دمتم في شك أجيزوهم وفوا لهم" (٦). وقد سجل هذا الحادث عاصم بن عمرو التميمي بالشعر فقال: "لعمري لقد كانت قرابة (مكنفٍ) قرابة صدق ليس فيها تقاطع

стр. 236

أجارهمُ من بعد ذلٍّ وقلةٍ وخوف شديد والبلاد بلاقع فجاز جوار (العبد) بعد اختلافنا وردّ أموراً كان فيها تنازع إلى الركن والوالي المصيب حكومة فقال بحق ليس فيه تخالع" (١) وفي معركة (نهاوند) (٢) قاتل النعمان بن مُقرّن المزنيّ (٣)، وكان قائد المسلمين، حتى استشهد، فتناول الراية أخوه نُعَيم بن مُقرّن المزني (٤)، قبل أن تقع، وسجّى النعمان بثوب، وكتم مصاب أخيه (٥)، حتى لا يؤثر موته في معنويات رجاله. وانتصر المسلمون، وفتحوا (نهاوند)، فجعلوا يسألون عن أميرهم النعمان، فقال لهم أخوه مَعْقِل: "هذا أميركم، قد أقرّ الله عينيه بالفتح وختم له بالشهادة". ودخل المسلمون (نهاوند) فاتحين بعد هزيمة الفرس، وبذلك انتهت معركة (نهاوند) الحاسمة، التي أطلق عليها المؤرخون بحق اسم: (فتح الفتوح) (٦). وكان عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة يتسقَّط أنباء المسلمين لا يكاد يذوق النوم إلا غراراً، فلما جاءه رسول المسلمين من (نهاوند) سأله: "ما وراءك"؟ قال: "البشرى والفتح". وسأل عمر:

стр. 237

"وما فعل النعمان"؟ فقال: "زلّت فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد". قال عمر وقد أفزعه النبأ وهزه: "إنا لله وإنا إليه راجعون"! ولم يتمالك نفسه أن بكى حتى نشج، كأنما أصيب بأعز إنسان لديه. وقال رسول المسلمين إلى عمر: "يا أمير المؤمنين! ما أصيب بعده (١) رجل تعرف وجهه"، فقال عمر: "أولئك المستضعفون من المسلمين، ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنع أولئك بمعرفة عمر" (٢)!؟ ب) وقاتل عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي الترك في (بلنجر) (٣) حتى استشهد، فأخذ الراية أخوه سلمان بن ربيعة الباهلي، فنادى المنادي: "صبراً آل سلمان بن ربيعة"، فقال سلمان: "أوَترى جزعاً" (٤)! وأعاد الكرة سلمان على الترك في منطقة (بلنجر) أيضاً، فاستشهد هناك (٥). وفي (قاليقلا) (٦) حشد الروم حشوداً هائلة لقتال المسلمين،

стр. 238

وكان على رأس الروم قائدهم الكبير (الموريان) فأجمع حبيب بن مَسْلمة الفِهري أن يبيّت (الموريان) قائد الروم؛ وسمعته امرأته يذكر ذلك، فقالت له: "وأين موعدك"؟ فقال: "سرادق موريان أو الجنة". وبيّتَهم حبيب وقتل مَن صادفه في طريقه، فلما وصل سرادق (موريان) وجد امرأته قد سبقته إليها (١). واستعمل معاوية بن أبي سفيان على البحر حين كان على الشام أيام عثمان بن عفان: عبد الله بن قيس الحارثي حليف بني فزارة، فغزا خمسين غزاة بين شاتية وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو الله ألا يبتليه بمصاب أحد من (جنده)، وقد استشهد وحده بعد أن هجم عليه العدو، فقاتلوه وقاتلهم (٢). وحاصر مسلمة بن عبد الملك حصناً من حصون الروم، فندب الناس إلى نقب فيه فما دخله أحد، فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتح الله عليهم، فنادى مسلمة: "أين صاحب النقب"؟ فما جاءه أحد! ... فنادى: "إني أمرتُ الآذِنَ بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت إلا جاء"! ... فجاء رجل فقال: "استأذن لي على الأمير"، فقال له: "أنت صاحب النقب"؟ فقال: "أنا أخبركم عنه"، فأذن له. وقال الرجل للأمير: "إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسوّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو"! فقال مسلمة: "ذلك له"! فقال الرجل: "أنا هو"! فكان

стр. 239

مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: "اللهم اجعلني مع صاحب النقب" (١). ٩ - في إفريقية: أ) وكان الزبير بن العوّام قد هَمّ بالغزو وأراد إتيان (أنطاكية)، فقال له عمر بن الخطاب ﵄: "يا أبا عبد الله! هل لك في ولاية مصر"؟ فقال: "لا حاجة لي فيها، ولكن أخرج مجاهداً وللمسلمين معاوناً، فإن وجدت عمرو بن العاص قد فتح مصر لم أعرض لعمله وقصدت إلى بعض السواحل فرابطت به، وإن وجدته في جهاد كنت معه"، فسار على ذلك (٢). وقدم الزبير على عمرو، فوجده محاصراً حصن (بابلْيون) (٣)، فلم يلبث الزبير أن ركب حصانه وطاف بالخندق المحيط بالحصن، ثم فرّق الرجال حول الخندق (٤). وطال الحصار حتى بلغت مدته سبعة أشهر، فقيل للزبير: "إن بها الطاعون"، فقال: "إنما جئنا للطعن والطاعون" (٥).

стр. 240

وأبطأ الفتح على عمرو بن العاص، فقال الزبير: "إني أهب نفسي لله، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين"، فوضع سلماً وأسنده إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمّام ثم صعد، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعاً، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبّر ومعه السيف. وتحامل الناس على السلّم حتى نهاهم عمرو خوفاً من أن ينكسر، فلما رأى الروم أن العرب قد ظفروا بالحصن انسحبوا، وبذلك فتح حصن (بابليون) أبوابه للمسلمين (١)، فانتهت بفتحه المعركة الحاسمة لفتح مصر. ب) وخرج عقبة بن نافع الفهري من (القيروان) على رأس جيشه، فدعا بأولاده قبل مغادرته (القيروان) وقال لهم: "يا بني! إني قد بعت نفسي من الله ، فلا أزال أجاهد مَن كفر بالله" (٢). وقال عقبة لأولاده: "عليكم سلام الله، وأراكم لا ترونني بعد يومكم هذا"، ثم قال: "اللهم تقبّل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي ودار كرامتي عندك" (٣). ومضى قدماً ينتقل من نصر إلى نصر، حتى وصل إلى (آسفى) (٤) على المحيط الأطلسي، فأدخل قوائم فرسه في البحر المحيط، ثم قال: "يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك" (٥)، ثم

стр. 241

قال: "اللهم اشهد! إني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل مَن كفر حتى لا يُعبد أحد من دونك" (١). ووقف ساعة في البحر المحيط ثم قال لأصحابه: "ارفعوا أيديكم"، ففعلوا، ثم قال: "اللهم إني لم أخرج بطراً ولا أشراً، وإنك لتعلم أنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك (ذو القرنين) وهو أن تعبد ولا يُشرك بك شيء. اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام"، ثم انصرف راجعاً إلى (القيروان) (٢). ولما انتهى إلى ثغر (إفريقية) وهي (طُبنة) (٣)، أذن لمن معه من أصحابه أن يتفرقوا ويقدموا (القيروان) فوجاً فوجاً، ثقة منه بما نال العدو وأنه لم يبق أحد يخشاه (٤). ومال عقبة بخيل يسيرة إلى (تُهْوَذة) (٥)، وكان معه نحو ثلاثمئة فارس (٦)، فلما رآه الروم في قلة طمعوا فيه، فأغلقوا الحصن وشتموه، وهو يدعوهم إلى الإسلام، فلم يقبلوا منه (٧). وبعث الروم إلى (كسيلة) أمير البرانس من البربر، وكان في

стр. 242

عسكر عقبة مضمراً للغدر، فلما أرسل إليه الروم أظهر ما كان يضمره وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة، فقال له أبو المهاجر دينار (١) الذي كان أميراً على إفريقية قبل ولاية عقبة الثانية، وكان يومها موثقاً في الحديد: "عاجله قبل أن يقوي جمعه"، فأطلق عقبة أبا المهاجر وقال له: "الحقْ بالمسلمين وقم بأمرهم، وأنا أغتنم الشهادة"، فلم يفعل وقال: "وأنا أيضاً أريد الشهادة". وكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم، وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم، فقُتِل المسلمون جميعهم (٢) ومعهم عقبة، وقُتِل معه زهاء ثلاثمئة من كبار الصحابة والتابعين في أرض الزاب بـ (تهوذة) (٣) سنة ثلاث وستين الهجرية (٤) (٦٨٣ م). ج) وتولَّى القيادة بعد عقبة: زهير بن قيس البلوي، فاستطاع قتل (كسيلة) والقضاء على مقاومة البربر. وعاد إلى (القيروان) فأبى أن يقيم بها وقال: "إني ما قدمت إلا للجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك"، وكان من رؤساء العابدين وكبراء الزاهدين، فترك القيروان وانصرف عنها، وأمَّ بها كثيراً من أصحابه (٥). ترك (القيروان) آمنة، لخلو البلاد من عدو ذي شوكة، ورحل في جمع كثير إلى مصر، فبلغ الروم خروجه من (إفريقية) إلى (برقة)،

стр. 243

فأمكنهم ما يريدون، فخرجوا إليه في مراكب كثيرة وقوة عظيمة (١) من القسطنطينية وجزيرة صقلية (٢)، فأغاروا على (برقة) وأصابوا بها سبياً كثيراً وقتلوا ونهبوا. ووافق ذلك قدوم جيش زهير، فأمر عسكره بالمسير إلى الساحل طمعاً بأن يدرك سبي المسلمين فيستنقذهم. وأشرف على الروم، فإذا هم في خلق عظيم، فلم يقدر على الرجوع، وقد استغاث المسلمون به وصاحوا، والروم يدخلونهم المراكب، فنادى بأصحابه: "النزول"، فنزلوا، وكان أكثرهم من التابعين. ونزل الروم إليهم، وتلقَّوْهم بعدد عظيم، فالتحم القتال، وتكاثرت عليهم الروم، فقُتِل زهير وأشراف مَن كانوا معه من العرب (٣)، ولم ينج منهم أحد، وعاد الروم بما غنموا إلى القسطنطينية (٤). ١٠ - في الأندلس: وفي رجب سنة اثنتين وتسعين الهجرية (نيسان - أبريل ٧١١م) جهز موسى بن نصير (٥) جيشاً من العرب والبربر تعداده سبعة آلاف مقاتل بقيادة طارق بن زياد (٦)، فعبر البحر من مدينة (سبتة)، ونزل في المنطقة الصخرية التي لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم، أعني: جبل طارق (٧).

стр. 244

فلما بلغ (لذريق (١) Rodrigo) ذلك - وكان قصد بعض الجهات البعيدة لغزوٍ له في بعض أعدائه - رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس، ومعه العَجَلُ تحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين، وعليه مظلة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد. فلما بلغ طارقاً دنوّه قام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حث المسلمين على الجهاد، ورغَّبهم فيه ثم قال: "أيها الناس! أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وَزَرَ (٢) لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم، وتعوّضت القلوب من رُعبها منكم الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أُحذّركم أمراً أنا عنه بنجوةٍ، ولا حملتكم على خطة أرخص متاعٍ فيها النفوس إلا وأنا أبدأُ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات

стр. 245

اليونان، الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُرباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقةً منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمُها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أنني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم (لُذَريق) فقاتِلُهُ إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي. فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يُعْوِزكم بطلٌ عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يُخذَلون" (١). وأكمل المسلمون فتح الأندلس خلال عامين. ١١ - انتصار عقيدة: أ) وليس من شك، أن العرب في أيام الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم، لم يكونوا في مدنيتهم وحضارتهم كالفرس والروم، وحتى العرب المناذرة الذين كانوا في العراق والعرب الغساسنة الذين كانوا في الشام أرقى مدنية وأعرق حضارة من العرب المسلمين القادمين من الجزيرة العربية.

стр. 246

لقد كان أولئك العرب المسلمون من أهل الجزيرة العربية بعيدين عن الحضارة قريبين من البداوة، ولكنهم انتصروا على أصحاب المدنيات العريقة والحضارات التليدة بايمانهم العميق: إيمانهم بما جاء به الإسلام عقيدة وعملاً. ففي معركة (أُلَّيْس) (١) بين الفرس بقيادة (جابان) وبين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد، أعجل خالد الفرس عن طعامهم الذي كانوا قد بسطوه، فلما انهزم الفرس وقف خالد على الطعام وقال: "قد نفلتكموه، فهو لكم". وجلس المسلمون إلى الموائد يتناولون عشاءً شهياً رأى الكثيرون منهم فيه عجباً: رأوا الرُّقاق (٢) ولم يكونوا يعرفونه، فجعلوا يقولون: ما هذه الرقاع البيض؟! ... وجعل مَن عرفها يجيبهم مازحاً: هل سمعتم برقيق العيش! فهذا هو ... لذلك سمي: الرقاق، وكانت العرب تسميها: القِرى (٣). وفي معركة (القادسية) أصاب العرب المسلمون جراباً من كافور، فحسبوه ملحاً لا يشكون أنه ملح! فلما طبخوا جعلوا يلقونه في القِدر فلا يجدون له طعماً، فمر بهم أحد العرب المستوطنين في العراق فقال: "يا معشر المعربين! لا تفسدوا طعامكم، فإن ملح هذه الأرض لا خير فيه! هل لكم أن تأخذوا هذا القميص به"؟ فأخذوه منه

стр. 247

وأعطوْا القميص رجلاً منهم، فلما لبسه جعلوا يطيفون به ويعجبون منه (١) - أي من القميص -!. أما أسلحتهم فكانت على غاية البساطة أيضاً: رماحهم من مُرّان (٢)، وأسنتهم من قرون البقر، يركبون الخيل في الحرب أعراء، فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رَحْلة (٣) من أدَمْ (٤)، ولم يكن ذا ركاب، والركاب من أجود آلات الطاعن برمحه والضارب بسيفه، وكان فارسهم يطعن بالقناة الصماء بينما الجوفاء أخفّ حملاً وأشد طعنة. وكانوا يفخرون بطول القناة ولا يعرفون الطعن بالمطارد (٥)، وإنما القنا الطوال للرجّالة والقصار للفرسان. وكانوا في ابتداء الفتح لا يعرفون من آلات الحرب الرّتيلة (٦) ولا العرّادة (٧) ولا المجانيق ولا الدبابات ولا الخنادق ولا الحسَك (٨)، ولا يعرفون الأقبية (٩) ولا السراويلات ولا تعليق السيوف ولا الطبول ولا البنود (١٠)

стр. 248

ولا التجافيف (١) ولا الجواشن (٢) ولا الرمي بالمنجنيقات ولا الزرق بالنفط والنيران (٣). ولكنّ العرب المسلمين كانوا شجعاناً أذكياء، يحملون عقيدة سامية نذروا أنفسهم لخدمتها وإعلاء شأنها ونشرها بين الناس، لذلك اقتبسوا بسرعة مذهلة الأساليب التعبوية التي لم يكونوا يعرفونها وتسلَّحوا بالأسلحة التي كانوا يفتقرون إليها، وكان إيمانهم العميق هو الحافز الأول لاستكمال إعدادهم العسكري واستعدادهم للحرب، هذا الإيمان هو سلاحهم الأول والأخير في النصر. ب) وقد وصف المثنى بن حارثة الشيباني أثر الإيمان في العرب فقال: "قد قاتلتُ العرب والعجم في الجاهلية، والله لمئة من العجم في الجاهلية كانوا أشد عليّ من ألف من العرب، ولمئة اليوم من العرب أشد عليّ من ألف من العجم. إن الله أذهب بأسهم ووهَّن كيدهم، فلا يروعنكم زهاءً ترونه ولا سواد ولا قسي فُجّ ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كالبهائم، أينما وجهتموها اتجهت" (٤). وهناك ظاهرة تدعو إلى التأمل، فقد كانوا لا يؤمِّرون في الفتوح إلا الصحابة (٥)، وكان عمر بن الخطاب ﵁ لا يولي إلا الصحابة ولا يرضى أبداً أن يعمل صحابي بإمرة غير صحابي (٦).

стр. 249

فقد كان للصحابة بصورة عامة تجارب طويلة مفيدة في القتال تحت لواء الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، اقتبسوا خلالها أعلى ضروب التضحية وأسمى أنواع الفداء وأنبل آداب الحرب وأرفع متطلبات السلام. وكانوا فوق ذلك مؤمنين حقاً بلغوا أعلى درجات الإيمان، لذلك كانوا يقدمون ببسالة على خوض المعارك، فكان القتل فيهم أكثر من غيرهم. ولكن القتل في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منهم في أهل البوادي (١)، لأن المهاجرين والأنصار وأهل القرى كانوا أكثر تماساً بالنبي ﷺ ، لذلك كان إيمانهم أعمق من أهل البوادي وتجربتهم أكثر منهم. وكان القتل في المهاجرين والأنصار أكثر منهم في أهل القرى، لأنهم كانوا أكثر تماساً بالنبي ﷺ ، لذلك كان إيمانهم أعمق من أهل القرى، وتجربتهم أكثر منهم أيضاً. ولعل أصدق دليل على عمق إيمان الصحابة الذين اختلطوا بالنبي ﷺ وارتشفوا من نوره الشريف .. إن الذين ارتدُّوا كانوا من أهل البوادي الذين سمعوا بالنبي ﷺ ولم يروه؛ أما الذين خالطوه ورأوه من الصحابة، فقد ثبتوا على إيمانهم كما جرى لأهل مكة والمدينة والطائف وكما حدث للذين وفدوا على النبي ﷺ من أهل البادية. وكان قادة الفتح الإسلامي يحرصون على الصحابة ويفضلونهم

стр. 250

على غيرهم، لأن إيمانهم العميق يجعل منهم مقاتلين أشداء من الطراز الرفيع. عند مسيرة خالد بن الوليد ﵁ من العراق إلى أرض الشام، أمر أبو بكر الصديق ﵁ أن يأخذ معه نصف الناس، ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني ﵁. وأحضر خالد أصحاب رسول الله ﷺ (الذين كانوا معه)، واستأثر بهم لنفسه تاركاً للمثنى مثل عددهم ممن لم يكن له مع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام صحبة، واستأثر أيضاً لنفسه بمن كان قدم على النبي ﷺ وافداً، تاركاً للمثنى مثل عددهم من أهل القناعة، ثم قسّم سائر الجند قسمين. فلما رأى المثنى صنع خالد غضب وقال: "والله لا أُقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر! وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي ﷺ "، فلما رأى خالد ذلك أرضاه (١). لقد أمدّ رسول الله ﷺ أصحابه بنفحة منه، وكان دائماً أُسوة حسنة لهم، يقتفون آثاره ويهتدون بهديه ولا يحيدون عن تعاليمه أبداً، فكانوا يتسابقون إلى الموت ويحرصون على الاستشهاد (٢). لم يرضَ أبو بكر الصديق ﵁ أن يستعين قادة الفتح بالمرتدين، ولكن عمر بن الخطاب ﵁ أمر باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردّة (٣)، وقد برز من الذين ارتدوا رجال أثبتوا إخلاصهم وكفايتهم مثل طليحة الأسدي، إلا أن عمر أبقاهم جنوداً في
следующие страницы →