لقد كان أولئك العرب المسلمون من أهل الجزيرة العربية بعيدين عن الحضارة قريبين من البداوة، ولكنهم انتصروا على أصحاب المدنيات العريقة والحضارات التليدة بايمانهم العميق: إيمانهم بما جاء به الإسلام عقيدة وعملاً.
ففي معركة (أُلَّيْس) (١) بين الفرس بقيادة (جابان) وبين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد، أعجل خالد الفرس عن طعامهم الذي كانوا قد بسطوه، فلما انهزم الفرس وقف خالد على الطعام وقال: "قد نفلتكموه، فهو لكم".
وجلس المسلمون إلى الموائد يتناولون عشاءً شهياً رأى الكثيرون منهم فيه عجباً: رأوا الرُّقاق (٢) ولم يكونوا يعرفونه، فجعلوا يقولون: ما هذه الرقاع البيض؟! ... وجعل مَن عرفها يجيبهم مازحاً: هل سمعتم برقيق العيش! فهذا هو ... لذلك سمي: الرقاق، وكانت العرب تسميها: القِرى (٣).
وفي معركة (القادسية) أصاب العرب المسلمون جراباً من كافور، فحسبوه ملحاً لا يشكون أنه ملح! فلما طبخوا جعلوا يلقونه في القِدر فلا يجدون له طعماً، فمر بهم أحد العرب المستوطنين في العراق فقال: "يا معشر المعربين! لا تفسدوا طعامكم، فإن ملح هذه الأرض لا خير فيه! هل لكم أن تأخذوا هذا القميص به"؟ فأخذوه منه
стр. 247
وأعطوْا القميص رجلاً منهم، فلما لبسه جعلوا يطيفون به ويعجبون منه (١) - أي من القميص -!.
أما أسلحتهم فكانت على غاية البساطة أيضاً: رماحهم من مُرّان (٢)، وأسنتهم من قرون البقر، يركبون الخيل في الحرب أعراء، فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رَحْلة (٣) من أدَمْ (٤)، ولم يكن ذا ركاب، والركاب من أجود آلات الطاعن برمحه والضارب بسيفه، وكان فارسهم يطعن بالقناة الصماء بينما الجوفاء أخفّ حملاً وأشد طعنة. وكانوا يفخرون بطول القناة ولا يعرفون الطعن بالمطارد (٥)، وإنما القنا الطوال للرجّالة والقصار للفرسان. وكانوا في ابتداء الفتح لا يعرفون من آلات الحرب الرّتيلة (٦) ولا العرّادة (٧) ولا المجانيق ولا الدبابات ولا الخنادق ولا الحسَك (٨)، ولا يعرفون الأقبية (٩) ولا السراويلات ولا تعليق السيوف ولا الطبول ولا البنود (١٠)
стр. 248
ولا التجافيف (١) ولا الجواشن (٢) ولا الرمي بالمنجنيقات ولا الزرق بالنفط والنيران (٣).
ولكنّ العرب المسلمين كانوا شجعاناً أذكياء، يحملون عقيدة سامية نذروا أنفسهم لخدمتها وإعلاء شأنها ونشرها بين الناس، لذلك اقتبسوا بسرعة مذهلة الأساليب التعبوية التي لم يكونوا يعرفونها وتسلَّحوا بالأسلحة التي كانوا يفتقرون إليها، وكان إيمانهم العميق هو الحافز الأول لاستكمال إعدادهم العسكري واستعدادهم للحرب، هذا الإيمان هو سلاحهم الأول والأخير في النصر.
ب) وقد وصف المثنى بن حارثة الشيباني أثر الإيمان في العرب فقال: "قد قاتلتُ العرب والعجم في الجاهلية، والله لمئة من العجم في الجاهلية كانوا أشد عليّ من ألف من العرب، ولمئة اليوم من العرب أشد عليّ من ألف من العجم. إن الله أذهب بأسهم ووهَّن كيدهم، فلا يروعنكم زهاءً ترونه ولا سواد ولا قسي فُجّ ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كالبهائم، أينما وجهتموها اتجهت" (٤).
وهناك ظاهرة تدعو إلى التأمل، فقد كانوا لا يؤمِّرون في الفتوح إلا الصحابة (٥)، وكان عمر بن الخطاب ﵁ لا يولي إلا الصحابة ولا يرضى أبداً أن يعمل صحابي بإمرة غير صحابي (٦).
стр. 249
فقد كان للصحابة بصورة عامة تجارب طويلة مفيدة في القتال تحت لواء الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، اقتبسوا خلالها أعلى ضروب التضحية وأسمى أنواع الفداء وأنبل آداب الحرب وأرفع متطلبات السلام.
وكانوا فوق ذلك مؤمنين حقاً بلغوا أعلى درجات الإيمان، لذلك كانوا يقدمون ببسالة على خوض المعارك، فكان القتل فيهم أكثر من غيرهم. ولكن القتل في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منهم في أهل البوادي (١)، لأن المهاجرين والأنصار وأهل القرى كانوا أكثر تماساً بالنبي ﷺ ، لذلك كان إيمانهم أعمق من أهل البوادي وتجربتهم أكثر منهم.
وكان القتل في المهاجرين والأنصار أكثر منهم في أهل القرى، لأنهم كانوا أكثر تماساً بالنبي ﷺ ، لذلك كان إيمانهم أعمق من أهل القرى، وتجربتهم أكثر منهم أيضاً.
ولعل أصدق دليل على عمق إيمان الصحابة الذين اختلطوا بالنبي ﷺ وارتشفوا من نوره الشريف .. إن الذين ارتدُّوا كانوا من أهل البوادي الذين سمعوا بالنبي ﷺ ولم يروه؛ أما الذين خالطوه ورأوه من الصحابة، فقد ثبتوا على إيمانهم كما جرى لأهل مكة والمدينة والطائف وكما حدث للذين وفدوا على النبي ﷺ من أهل البادية.
وكان قادة الفتح الإسلامي يحرصون على الصحابة ويفضلونهم
стр. 250
على غيرهم، لأن إيمانهم العميق يجعل منهم مقاتلين أشداء من الطراز الرفيع.
عند مسيرة خالد بن الوليد ﵁ من العراق إلى أرض الشام، أمر أبو بكر الصديق ﵁ أن يأخذ معه نصف الناس، ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني ﵁.
وأحضر خالد أصحاب رسول الله ﷺ (الذين كانوا معه)، واستأثر بهم لنفسه تاركاً للمثنى مثل عددهم ممن لم يكن له مع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام صحبة، واستأثر أيضاً لنفسه بمن كان قدم على النبي ﷺ وافداً، تاركاً للمثنى مثل عددهم من أهل القناعة، ثم قسّم سائر الجند قسمين. فلما رأى المثنى صنع خالد غضب وقال: "والله لا أُقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر! وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي ﷺ "، فلما رأى خالد ذلك أرضاه (١).
لقد أمدّ رسول الله ﷺ أصحابه بنفحة منه، وكان دائماً أُسوة حسنة لهم، يقتفون آثاره ويهتدون بهديه ولا يحيدون عن تعاليمه أبداً، فكانوا يتسابقون إلى الموت ويحرصون على الاستشهاد (٢).
لم يرضَ أبو بكر الصديق ﵁ أن يستعين قادة الفتح بالمرتدين، ولكن عمر بن الخطاب ﵁ أمر باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردّة (٣)، وقد برز من الذين ارتدوا رجال أثبتوا إخلاصهم وكفايتهم مثل طليحة الأسدي، إلا أن عمر أبقاهم جنوداً في
стр. 251
جيش المسلمين ولم يولهم قيادة السرايا والجيوش.
وما أصدق قولة خالد بن الوليد ﵁: "ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب، أو أُبشّر فيها بغلام، أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبّح بهم العدو، فعليكم بالجهاد" (١).
ذلك هو أثر الإيمان العميق في إعداد الجندي المسلم ليكون مقاتلاً رهيباً، لذلك كان خير القرون قرن النبي ﷺ ثم الذي يليه والذي يليه كما قال ﵊، في المجالات كافة، ومنها المجال العسكري إعداداً وتربية عسكرية، وإصراراً على النصر وتعميقاً لإرادة القتال، وحرصاً على تطبيق الجهاد الإسلامي نصاً وروحاً.
١٢ - المثال الشخصي:
أ) لقد كان قادة الفتح الإسلامي من الصحابة والتابعين مثالاً شخصياً يحتذي بهم جنودهم ويتأسى بهم الغالبون والمغلوبون على حد سواء.
كانوا التطبيق العملي للإسلام بما فيه من تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله . كانوا يسخِّرون مصالحهم الذاتية لمصلحة المسلمين العامة، وكانوا يؤثرون مصالح المسلمين على مصالحهم الذاتية.
لم تغيرهم المناصب، لأنهم كانوا أرفع من المناصب، ولم تغيرهم
стр. 252
الأموال، لأنها كانت بأيديهم لا في قلوبهم.
كان أبو بكر الصديق ﵁ يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة، قالت جارية من الحي: "الآن لا تحُلَبُ لنا منائح دارنا"، فسمعها أبو بكر فقال: "بلى! لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو ألا يغيّرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه"، فكان يحلب لهم.
وكان رجلاً تاجراً، فكان يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع. ونظر في أمره فقال: "لا والله، ما تصلِح أمور الناس التجارة، وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، ولا بد لعيالي مما يصلحهم"، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج ويعتمر. فلما حضرته الوفاة قال: "ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم"، فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحاً وعبداً صيقلاً (١) وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر: "لقد أتعب مَن بعده".
وكان كل ما أنفقه من بيت المال في ولايته ثمانية آلاف درهم (٢)!!!
ب) وقال عمر بن الخطاب ﵁ في خطبة له: " ... وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله . ولن يغيّر الذي
стр. 253
وليت من خلافتكم من خلقي شيئاً إن شاء الله، إنما العظمة لله وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر تغيّر منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبيّن لكم أمري، وأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فَلْيُوذِنّي، فإنما أنا رجل منكم" (١).
وقال الأحنف بن قيس (٢): "كنا جلوساً بباب عمر، فمرت جارية، فقالوا: سرية أمير المؤمنين! فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له، إنها من مال الله! فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ فقال: إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلّتان: حلّة للشتاء وحلّة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بَعْدُ رجل من المسلمين" (٣).
ولكن، ما نوع الحلتين اللتين يرتديهما عمر، وما نفقته في حجه وعمرته، وما نوع قُوته وقوت أهله؟ قال أنس بن مالك ﵁: "رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع لبد بعضها فوق بعض". وقال: "رأيت عمر بن الخطاب يرمي جمرة العقبة وعليه إزار مرقوع بفروٍ، وهو يومئذٍ والٍ"، وقال: "رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميص له" (٤).
стр. 254
وأنفق عمر في حجته ستة عشر ديناراً فقال: "يا عبد الله بن عمر! أسرفنا في هذا المال" (١). وأنفق في حجته مرة أخرى خمسة عشر ديناراً (٢)، وقد خرج إلى مكة فما ضرب فسطاطاً حتى رجع، وكان يستظل بالنطع (٣).
وقدم أبو موسى الأشعري ﵁ في وفد أهل البصرة على عمر فقالوا: كنا ندخل كل يوم وله خبز ثلاث، وربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها بسمن، وربما وافقناها باللبن، وربما وافقناها بالقدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي بها، وربما وافقناها باللحم الغريض وهو قليل، فقال لنا يوماً: "أيها القوم! إني والله لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم لطعامي، وإني لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرفعكم عيشاً ... لكني سمعت الله ثناؤه عيّر قوماً بأمر فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم﴾ (٤).
وقال الربيع بن زياد الحارثي (٥) لعمر: "إن أحق الناس بطعام ليّن ومركب ليّن وملبس ليّن لأنت"، فرفع عمر جريدة معه وضرب بها رأسه وقال: "أما والله ما أراك أردت بها الله، وما أردت بها إلا مقاربتي" (٦).
стр. 255
وكان يستنفق درهمين كل يوم له ولعياله (١)، ولم يركب دابة عام الرّمادة وقال: "والله لا أركبها حتى تحيي الناس" (٢). وكانت بطنه تقرقر من الزيت ذلك العام، فكان يقول: "تقرقر!! والله لا تأكله - أي السمن- حتى يأكله الناس" (٣).
وكان يقول: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف" (٤).
وعوتب عمر فقيل له: لو أكلت طعاماً طيباً أقوى لك على الحق، فقال: "إني تركت صاحبيّ على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل" (٥).
والمثال الشخصي الذي ضربه عمر للمسلمين في النزاهة والأمانة، جعل كل واحد منهم مثالاً حياً للنزاهة المطلقة والأمانة النادرة. لما قدم على عمر بسيف كسرى ومنطقته ونفائسه قال: "إن أقواماً أدَّوْا هذا لذوو أمانة"، فقال علي بن أبي طالب ﵁: "إنك عففت فعفّت الرعية" (٦).
وبعد طعن عمر وحين كان يعاني سكرات الموت، دخل عليه عبد الله بن عباس ﵄ فجعل يثني على عمر، فقال: "بأي
стр. 256
شيء تثني عليّ؟ بالإمرة أو بغيرها؟ "، قلت: "بكلٍّ"، قال: "ليتني أخرج منها كفافاً لا أجر ولا وزر" (١).
وقال ابن عباس: "قلت لعمر: مصّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل بك وفعل"! فقال: "لوددت أني أنجو منه لا أجر ولا وزر" (٢).
وقيل له وهو على فراش الموت: "أبشر يا أمير المؤمنين لبشرى الله تعالى بصحبة رسول الله ﷺ ، وقدِم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة فقال: "وددت أن ذلك كفاف لا عليّ ولا لي" (٣).
وقال عبد الله بن عامر: "رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أكن شيئاً، ليتني كنت نسياً منسياً" (٤).
ج) ولما مات خالد بن الوليد ﵁ لم يترك إلا فرسه وسلاحه وغلامه (٥)، وقد حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله (٦)، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "يرحم الله أبا سليمان! لقد كنا نظن به أموراً ما كانت" (٧)، إذ كان باستطاعته أن يجمع الأموال الطائلة من فتوحاته الكثيرة، ولكنه أنفقها كلها في سبيل الله، فمات فقيراً.
стр. 257
وكان عمير بن سعد الأنصاري (١) من قادة الفتح الإسلامي في أرض الشام، وقد ولاه عمر بن الخطاب ﵁ مدينة حمص (٢).
وكتب عمر إلى أهل (حمص): "اكتبوا لي فقراءكم"، فكتبوا إليه أسماء الفقراء، وذكروا فيهم عمير بن سعد ﵁ وكان أميراً عليهم. فلما قرأ عمر اسمه قال: "مَنْ عمير بن سعد"؟! فقالوا: أميرنا!! فقال عمر: "فأين عطاؤه"؟ فقالوا: يخرجه كله لا يمسك منه شيئاً! فوجه إليه عمر بمئة دينار، فأخرجها كلها إلى الفقراء، فقالت له امرأته: "لو كنت حبست لنا منها ديناراً واحداً"، فقال: "لو ذكّرتِني فعلت" (٣).
د) وأراد أبو بكر الصديق أن يولِّي أبا عبيدة بن الجراح القيادة العامة في أرض الشام، ولكن أبا عبيدة استعفاه من ذلك (٤)، فأصر أبو بكر على رأيه. فلما تحرج موقف المسلمين في أرض الشام واجتمعوا باليرموك، ولىّ أبو بكر خالد بن الوليد منصب القيادة العامة في أرض الشام بدلاً من أبي عبيدة (٥) الذي بقي على جند (حمص) (٦)، فأعاده عمر بن الخطاب إلى منصب القيادة العامة بعد وفاة أبي بكر (٧) وصيّر
стр. 258
خالداً موضع أبي عبيدة (١).
وكان أبو عبيدة ﵁، لا يكترث بالمناصب، كما كان لا يكترث بالمال، فقد أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف درهم وأربعمئة دينار وقال لرسوله: "انظر ما يصنع"! فقسّمها أبو عبيدة بين الناس، فلما أخبر عمرَ رسولُه بما صنع أبو عبيدة قال: "الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا" (٢).
ولما قدم عمر الشام، تلقاه أمراء الأجناد وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: "أين أخي"! فقالوا: مَنْ؟ قال: "أبو عبيدة"، قالوا: يأتيك الآن! وجاء أبو عبيدة على ناقة مخطومة بحبلٍ، فسلّم عليه، فقال عمر للناس: "انصرفوا عنا". وسار مع أبي عبيدة حتى أتى منزله فنزل عليه، فلم يرَ في بيته إلا سيفه وترسه، فقال عمر: "لو اتخذت متاعاً - أو قال: شيئاً"، فقال: "يا أمير المؤمنين!! إن هذا سيبلغنا المقيل" (٣). وفي رواية أن عمر قال: "اذهب بنا إلى منزلك يا أبا عبيدة"، فقال له: "وما تصنع عندي يا أمير المؤمنين؟! ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ". ودخل عمر بيت أبي عبيدة، فلم يرَ في البيت شيئاً، فقال: "وأين متاعك؟! لا أرى إلا لبداً وصفحة وشناً (٤) وأنت أمير! أعندك طعام"؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة (٥)، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال أبو عبيدة: "قلت لك أنك ستعصر عينيك عليّ يا أمير المؤمنين ... !
стр. 259
يكفيك من الزاد ما بلّغك المحل"، فقال عمر: "غيّرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة" (١).
وأراد عمر بن الخطاب أن يستخرج أبا عبيدة من المنطقة التي أصيبت بوباء الطاعون، فكتب إليه: "سلام عليك. أما بعد! فقد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تُقْبِل"، فعرف أبو عبيدة ما أراد عمر، فكتب إليه: "يا أمير المؤمنين! قد عرفت حاجتك إليّ، وإني في جند المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فخلني عزيمتك"، فلما قرأ عمر هذا الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! أمات أبو عبيدة؟ فقال: "لا، وكأن قد" (٢). وفعلاً مات أبو عبيدة بطاعون (عمواس) (٣) سنة ثمان عشرة الهجرية (٦٣٩م) في خلافة عمر بن الخطاب ﵄ وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة (٤).
هـ) تلك دروس عملية من الصحابة والتابعين تطبيقاً لتعاليم الإسلام بعد التحاق الرسول القائد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام بالرفيق الأعلى، وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم؛ لعل العرب والمسلمين يتعلمون منها ما يجب أن يقدموا إعلاء لكلمة الله في هذه
стр. 260
السنين العجاف التي تداعت عليهم الأمم، واحتل الصهاينة بلادهم وامتهنوا مقدساتهم، وأحرقوا المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
والسؤال الآن: هل يمكن أن يضحي المرء بماله وروحه في سبيل الله بدون الإيمان العميق والتمسك بتعاليم الدين الحنيف؟؟ هل يمكن أن يضحي المرء بماله وروحه وهو محروم من الإيمان العميق بعيد عن التمسك بتعاليم الدين الحنيف؟؟ هيهات ... هيهات ...
***
стр. 261
التطبيق العملي بَعدَ الفَتْحِ الإسْلامي العَظيمْ
стр. 262
مستهل
توقف الفتح الإسلامي العظيم سنة أربع وتسعين الهجرية (٧١٢م) كما ذكرت سابقاً، وأصبحت معارك المسلمين بعد ذلك معارك دفاعية، عدا فتح مناطق من أوروبا في عهد العثمانيين. ومع ذلك فكل القادة الذين انتصروا في صدّ غارات المعتدين أو فتحوا بلاداً جديدة، كانوا متدينين إلى أبعد الحدود، وكانوا أمثلة شخصية لرجالهم في التدين والعمل الصالح.
ولست أعرف قائداً واحداً انتصر انتصاراً حقيقياً كان له أثر سَوْقِيّ (استراتيجي) في مصير الأمة والوطن وكانت له نتائج حاسمة دفاعاً عن الدين أو حماية للبلاد من خطر داهم، إلا وكان هذا القائد متديناً غاية التدين.
ويكفي أن أذكر من هؤلاء القادة المنتصرين أسد بن الفرات فاتح جزيرة (صقلية)، وصلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين، وقطز قاهر التتار، ومحمداً الفاتح فاتح القسطنطينية.
إن انتصارات هؤلاء القادة كانت لها آثار مصيرية كما هو معلوم، وسندلِّل على ذلك بما يتسع له المجال في هذا الكتاب، فهي انتصارات سَوْقية (استراتيجية) وليست انتصارات تعبوية (تكتيكية).
стр. 263
والانتصارات السوقية لها نتائج مصيرية داخلية وخارجية، والانتصارات التعبوية لها نتائج داخلية أو محلية.
والانتصارات السوقية انتصارات مستدامة، والانتصارات التعبوية انتصارات وقتية.
وكل قائد يستطيع أن يحرز انتصارات تعبوية، ولكن أثرها لا يبقى طويلاً، فهي كالحريق في الهشيم يبدو قوياً ساطعاً لأول وهلة ثم يخبو فلا يبقى منه غير الرماد.
ولكن ليس كل قائد يستطيع أن يحرز انتصارات سوقية، ذات أثر باق، فهي كالطود الشامخ تتحطم على صخوره الأجيال.
ومن الطبيعي أن كثيرين من القادة العرب والمسلمين أحرزوا انتصارات تعبوية منذ انحسار مد الفتح الإسلامي حتى اليوم، وقد يكون هؤلاء متدينين وقد يكونون غير متدينين، ولكن لا قيمة لانتصاراتهم لأنها محلية ووقتية وليست مستدامة ومصيرية، فلا يقولنّ قائل: كيف انتصر غير المتدينين منهم؟ إن العبرة بالانتصارات السوقية، التي رفعت شأن العرب والمسلمين، وكانت لها نتائج مصيرية وآثار حاسمة، ولا تزال نتائجها ظاهرة للعيان، وآثارها باقية ملموسة ... وهذه الانتصارات أحرزها القادة المتمسكون بأهداب الدين الحنيف، ولم يحرزها القادة المتفسخون الذين تخلوا عن تعاليم الإسلام أو تهاونوا في التمسك بتعاليمه.
إني أتحدى كل من يستطيع أن يذكر قائداً عربياً واحداً أو قائداً
стр. 264
مسلماً واحداً، أحرز انتصاراً سوقياً واحداً منذ انحسر مد الفتح الإسلامي العظيم حتى اليوم، وهو غير متدين بكل ما في التدين من معان ... ولن يستطيع أحد أن يفعل! ... إن هذا القائد لم يخلق بعد، وأقول: القائد، وأقصد به القائد الأصيل لا القائد المزيف، وشتان بين الأصيل والمزيف.
القائد الأصيل يعمل لأمته ووطنه، والقائد المزيف يعمل لشخصه وأمجاده. وانتصار القائد الأصيل متوقع طبيعي، وانتصار القائد المزيف يناقض طبيعة الأشياء.
وقد رأينا قادة مزيفين، برزوا فجأة واختفوا فجأة، ولم يخلفوا غير الصخب والضجيج ... وما أحوجنا في هذه الظروف إلى القائد الأصيل ... وما أغنانا في هذه الأيام عن القائد المزيف الهزيل ...
***
стр. 265
- ١ -
أسَد بن الفرَات مصَنّفْ كتاب الأسديَة (١) وَفَاتح جَزيرَتي قوصَرة (٢) وصقليَة (٣)
١ - العالِم:
أبو عبد الله أسد بن الفرات بن سنان مولى بني سُلَيْم (٤) من
стр. 266
(نَيْسابور) (١)، ولد في (حران) (٢) سنة اثنين وأربعين ومئة الهجرية (٣) (٧٥٩ م)، فحمله أبوه وكان جندياً في جيش محمد بن الأشعث الخزاعي (٤) إلى (القيروان) (٥)، وهو يومئذ ابن سنتين (٦).
قال أسد بن الفرات: "دخلت مع أبي (القيروان) في جيش ابن الأشعث؛ فأقمنا به خمس سنين، ثم رحلنا إلى (تونس)، فأقمت بها نحو تسع سنين، فلما بلغت ثماني عشرة علمت القرآن في قرية على وادي (بجردة) (٧).
стр. 267
وارتحل أسد من (بجردة) إلى (تونس)، فسمع من علي بن زياد (الموطأ)، وتعلّم منه العلم (١).
وخرج أسد إلى المشرق سنة اثنتين وسبعين ومئة الهجرية (٧٨٨م)، فقصد مالك بن أنس ﵁ في المدينة المنورة، وواظب عليه، وطلب عليه العلم، وسمع منه الموطأ (٢).
وكان تلاميذ مالك يهابونه فلا يسألونه إلا بمقدار، وكان أسد جريئاً في الأسئلة والمناقشة، فألح أسد مرة على مالك بالسؤال، وكان مالك يكره السؤال عن أحكام الحوادث قبل وقوعها، فقال مالك لأسد: "سلسلة بنت سُلَيسِلة ... ! إذا كان كذا وكذا!! ... إن أردت هذا فعليك بالعراق" (٣).
وقبل أن يغادر أسد المدينة المنورة، ودّع هو وصحبه الإمام مالكاً، فقال له مالك: "أوصيك بتقوى الله والقرآن والمناصحة لهذه الأمة" (٤).
وقصد أسد العراق، فلقي في (بغداد) أصحاب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵁: أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهما، فكتب الحديث في العراق، وتفقه به (٥).
стр. 268
وحضر أسد مجالس محمد بن الحسن الشيباني العامة، فلم يكتف بذلك، بل طلب إليه أن يسمح له بوقت يخصه فيه بالدراسة، فقال أسد لمحمد بن الحسن: "إني غريب وقليل النفقة، والسماع عندك نزر، والطلب عندك كثير، فما حيلتي"؟ ... فرحَّب محمد بن الحسن باستزادة تلميذه من العلم، وقال له: "اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتأتي فتبيت عندي، فأُسمعك". قال أسد: "فكنت أبيت في سقيفة بيت يسكن محمد بن الحسن في علوه، فكان ينزل إليّ، ويضع بين يديه قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ورآني نعست، ملأ يده ماء ونضح به على وجهي فأنتبه، فكان ذلك دأبي ودأبه، حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه (١).
وقد أسبغ محمد بن الحسن رعايته المادية والمعنوية على تلميذه أسد، كما كان يفعل السلف الصالح من الأساتذة بتلامذتهم، قال أسد: "كنت جالساً يوماً في حلقة محمد بن الحسن، فصاح صائح: الماء للسبيل ... فقمت مبادراً، فشربت من الماء، ثم رجعت إلى الحلقة، فقال محمد بن الحسن: يا مغربي! ... أشربت ماء السبيل؟! فقلت: أصلحك الله، وأنا ابن سبيل! ... ثم انصرفت.
فلما كان الليل، إذا بإنسان يدق الباب، فخرجت إليه، فإذا خادم محمد بن الحسن فقال: مولاي يقرأ عليك السلام ويقول لك: ما علمت أنك ابن سبيل إلا في يومي، فخذ هذه النفقة، فاستعن بها على حاجتك ... ثم دفع لي صرة ثقيلة. فقلت في نفسي: هذه كلها
стр. 269
دراهم ... ففرحت بها، فلما دخلت منزلي فتحتها، فإذا فيها ثمانون ديناراً" (١).
وأراد أسد المزيد من العلم، فانتقل إلى مصر، وذلك بعد وفاة مالك بن أنس، وهناك حضر مجالس عبد الرحمن بن القاسم وأشهب بن عبد العزيز وغيرهما من أصحاب مالك، ولكن لزم ابن القاسم وأخذ عنه (الأسدية)، التي جمع فيها أجوبة عبد الرحمن بن القاسم عما سأله فيه من فصول الفقه، ثم رتَّبها وبوَّبها بعد ذلك، وأتى بها المغرب فسمّيت: (المدونة الأسدية) أو (الأسدية) فحسب (٢).
وحين ودَّع أسد أستاذه ابن القاسم قبل مغادرته مصر، قال له ابن القاسم: "أوصيك بتقوى الله والقرآن، ونشر هذا العلم" (٣).
وقدم أسد القيروان سنة إحدى وثمانين ومئة الهجرية (٤) (٧٩٧م) بكتابه (الأسدية)، فسمعها منه خلق كثير مع (الموطأ) وغير ذلك من العلوم، وانتشرت إمامته (٥)، فولاه زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب قضاء (إفريقية) (٦) سنة ثلاث ومئتين الهجرية (٨١٨م)، فأقام
стр. 270
خريطة صقليَّة
стр. 271
خريطة فتح أسد بن الفرات
стр. 272
في (القيروان) يقضي بين أهلها بالكتاب والسنة، حتى خرج لغزو (صقلية) (١).
٢ - الفاتح:
أ) قدم (إفريقية) أحد أعاظم قواد الجيش الصقلي وهو (أوفيموس Euphemios) ويسميه المؤرخون العرب (فيمي)، وكان مقدّماً من بطارقة (٢) القيصر على ما يقوله مؤرخو العرب، أو (طومرخان Turmarch)) (٣) ، أي قائد فرقة في جيش (صقلية) المحلى برتبة (عميد) (٤) على ما تقوله المراجع الإيطالية والبيزنطية.
وكانت قد وقعت عداوة بينه وبين والي (صقلية) العام لأسباب شخصية، لأن الوالي العام قد خطف منه مخطوبته، على ما يذكره أحد المراجع الإيطالية، أو لأن (فيمي) كان قد خطف راهبة من ديرها
стр. 273
فعاقبه الوالي بالعزل، على ما يذكره مرجع آخر (١).
أما المصادر العربية، فتذكر أن ملك الروم بالقسطنطينية، استعمل على جزيرة (صقلية) بطريقاً اسمه (قسطنطين) سنة إحدى عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٦م)، فلما وصل إليها استعمل على الأسطول (فيمي)، وكان حازماً شجاعاً، فغزا (إفريقية) وأخذ من سواحلها تجَّاراً ونهب، وبقي هناك مدة مديدة. ثم إن ملك الروم كتب إلى (قسطنطين) يأمره بالقبض على (فيمي) مقدم الأسطول وتعذيبه، فبلغ الخبر (فيمي) فأعلم أصحابه فغضبوا له وأعانوه على المخالفة، وسار (فيمي) في مراكبه إلى (صقلية) واستولى على مدينة (سرقوسة) (٢) (سيراكوزة Siracusa) ، فسار إليه قسطنطين، ولكنه انهزم أمام (فيمي) الذي أصبح ملكاً على (صقلية). ولكن (فيمي) لم يستطع الاحتفاظ بـ (صقلية) طويلاً، إذ هاجمته قوات ملك الروم وهزمته، ففرَّ إلى (إفريقية)، واستغاث بأميرها وهو يومئذٍ زيادة الله بن الأغلب، ودعاه إلى فتح (صقلية)، ووصف له غناها وسهولة الاستيلاء عليها (٣).
стр. 274
وسواء أكان (فيمي) طامعاً من أولئك الطامعين ثار في (سرقوسة) وأخفق، فلجأ إلى المسلمين، أم اختطف فتاة جميلة كانت قد لجأت إلى دير، وشكاه أهلها إلى الإمبراطور، أم أحب (هومونيزا Omoniza) الجميلة واغتصبها منه صاحب (صقلية)، فذهب يستعين بالقيروان؛ سواء أكان هذا السبب أم ذاك، فالذي حدث حقاً، أن (فيمي) لجأ إلى بني الأغلب يطلب منهم المعونة (١)، وقدَّم نفسه لزيادة الله دليلاً وعوناً على فتح (صقلية).
ب) وجمع زيادة الله مجلسه (٢) الحربي من وجوه أهل (القيروان) وفقهائها ومنهم أسد بن الفرات وأبو محرز القاضيان وسحنون بن سعيد الفقيه، واستشارهم في أمر فتح (صقلية).
وانقسم أهل الشورى فريقين: أقلية لا ترى الغزو ولا تشير به؛ فيها سحنون فإنه سأل المجتمعين: "كم بينها وبين الروم"؟ قالوا: "يروح الإنسان مرتين أو ثلاثة في النهار ويرجع" ... قال: "ومن ناحية (إفريقية) "؟ قالوا: "يوم وليلة"، قال: "لو كنت طائراً ما طرت عليها".
ومنهم من قال: "نغزوها ولا نسكنها ولا نتخذها وطناً" (٣). وقال فريق منهم بالإقدام على غزو (صقلية) جهاداً في سبيل الله وإعزازاً لدينه. وكانت بين (صقلية) و (إفريقية) هدنة لم تنقضِ مدتها،
стр. 275
فعرض زيادة الله أمرها على أبي محرز وأسد.
أما أبو محرز، فآثر التريُّث. وأما أسد، فآثر أن يسأل رسل الصقليين ليعرف: هل لديهم في (صقلية) أسرى من المسلمين؟ ... قال أبو محرز: "وكيف نقبل قول الرسل عليهم أو دفعهم عنهم"؟ ... فقال أسد: "بالرسل هادناهم، وبالرسل نجعلهم ناقضين ... قال : ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [سورة محمد ٤٧: ٣٥]، فكذلك لا نتماسك به ونحن الأعلون" (١).
وحلَّت العقدة، وتحلَّل زيادة الله من الهدنة، بعد أن أقرَّ الرسل بوجود الأسرى من المسلمين في (صقلية)، وكانت الهدنة تنص على: "أنه من دخل إليهم من المسلمين، وأراد أن يردوه إلى المسلمين، كان ذلك عليهم (٢)، وقد ثبت باعتراف رسل (صقلية) أن أسرى مسلمين في (صقلية) خلافاً لشروط الهدنة.
ج) وقرر زيادة الله مهاجمة (صقلية)، وأمر بالاستعداد لهذا الهجوم. وسارع أسد إلى الخروج، فكان زيادة الله يتغافل عن ذلك.
فقال أسد: "وجدوني رخيصاً فلم يقبلوني، وقد أصابوا من يجري لهم مراكبهم من النواتية (٣)، فما أحوجهم إلى مَن يجريها لهم بالكتاب والسنة" (٤).
لقد كان أسد يريد أن يكون جندياً من عامة الجند بين المجاهدين،
стр. 276
فكان يريد أن يؤدي واجبه في الجهاد الأصغر محارباً، بعد أن أدى واجبه في الجهاد الأكبر متعلماً وعالماً وقاضياً ومفتياً.
وحين رأى زيادة الله إصرار أسد على الخروج مجاهداً في سبيل الله، أمَّره على تلك الغزوة، وعزم عليه في ذلك، فقال أسد: "أصلح الله الأمير ... من بعد القضاء والنظر في حلال الله تعالى وحرامه، تعزلني وتوليني الإمارة؟ ... "، فقال زيادة الله: "إني لم أعزلك عن القضاء، بل ولّيتك الإمارة، وهي أشرف من القضاء، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت قاضٍ أمير"، فخرج أسد على ذلك، ولم تجتمع الإمارة والقضاء ببلد في (إفريقية) إلا لأسد وحده (١).
د) كان خروج أسد إلى (صقلية) من (سوسة) (٢) يوم السبت النصف من شهر ربيع الأول، سنة اثنتي عشرة ومئتين الهجرية (٣) (١٤ حزيران - يونيو - سنة ٨٢٧ م) (٤) وكان معه في جيشه عشرة آلاف رجل - منهم ألف فارس (٥)، حملتهم مئة سفينة (٦) وخرج لتوديع أسد وجيشه وجوه أهل العلم وجماعة الناس، وقد أمر زيادة الله ألا يبقى أحد من رجاله إلا شَيَّعَه (٧)؛ وقد صهلت الخيل، وضربت الطبول،
стр. 277
وخفقت البنود، فقال أسد: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... يا معشر الناس ... ما بلغت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم فيها، وثابروا على تدوين العلم، تنالوا به الدنيا والآخرة" (١).
هـ) وتحرك أسد على رأس جيشه إلى هدفه (صقلية)، وفي طريقه فتح جزيرة (قوصرة) (٢) الصغيرة (٣) ويبدو أن فتحها كان صلحاً، لأن المسلمين وصلوا إلى ساحل (صقلية) يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومئتين الهجرية (٤) (١٧ حزيران سنة ٨٢٧ م) (٥)، أي بعد أربعة أيام من إقلاعهم من ميناء (سوسة)، بينما
стр. 278
المسافة من (سوسة) إلى (صقلية) يوم وليلة (١)، مما يدلّ على أن المسلمين قضوا ثلاثة أيام في ترصين فتح (قوصرة) ووضع حامية مناسبة فيها، لحماية خط انسحابهم إلى (إفريقية) عند الحاجة (٢).
و) ورست سفن أسد في ميناء (مازر (٣) Mazara) على ساحل (صقلية) الغربي، وهو أقرب ثغور (صقلية) إلى (إفريقية)، وهناك جرى إنزال قوات المسلمين، فلم يجدوا مَن يدافع عن المدينة، لاختلاف أمور الروم، وزهد أهل البلاد في الدفاع عنها لفائدة الروم الغاصبين (٤).
ونفذ أسد على رأس جنده إلى شرق الجزيرة لمقاتلة الروم الذين اجتمعوا حول صاحب (صقلية) بلاطة (بلاته)، واجتمع إلى أسد (فيمي) وأنصاره ليقاتلوا معه، فأبى أسد وطلب إليهم أن يعتزلوهم قائلاً لفيمي: "اعتزلونا، لا حاجة لنا بأن تعينونا" (٥).
ودار القتال في ميدان بين بلرم (٦) (بالرمو Palermo) و (مازر)
стр. 279
سمي باسم بلاطة فيما بعد، وكان الصقليون يفوقون المسلمين عدداً وعُدداً، فقد كان جيش الصقليين مئة ألف وخمسين ألفاً" (١).
وكان أسد في هذه المعركة يحمل اللواء بيد، والسيف بيده الأخرى، وهو يدعو الله؛ فحمل على الروم، وحمل الناس معه، فهزم (بلاطة) وجُرح في هذه المعركة (٢) واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة (٣).
وانتصر المسلمون على جيش الروم المحلِّي في (صقلية)، وفرَّ الروم نحو الجبهة الشرقية، وحشدوا جموعهم حول مدينة (سرقوسة)، فرأى أسد أن يستثمر الفوز (٤) فسار بجيشه يقتفي أثر المنهزمين.
ز) ووقف أسد تحت أسوار (سرقوسة)، ونزل مقاطع الحجارة التي كانت حول المدينة منذ عهد اليونان (٥)، قاطعاً إليها من (مازر) مسافة مئتي كيلو متر، وهي المسافة الفاصلة بين رأس الجسر (٦) الذي نزل فيه المسلمون في مدينة (مازر) وبين (سرقوسة).
стр. 280
وكان هناك عدة من المدن والحصون في شمال (صقلية) لا تزال بيد الروم، وكان خط القتال الناشب بين المسلمين والروم ممتداً في الحقيقة من (سرقوسة) في شرقي الجزيرة إلى بلرم (بالرمو) في شمالها الغربي.
وكان (فيمي) قد بدأ يخشى مغبَّة انتصارات المسلمين، فأخذ يشجِّع الروم على المقاومة ويتجسَّس على المسلمين، ويبعث بأخبارهم إلى الروم، فكان ذلك مما شجَّع الروم على مضاعفة مقاومتهم.
ح) وحاصر أسد (سرقوسة) براً، وحاصرتها سفن المسلمين بحراً، ووصلت الأمداد من (إفريقية)، فبعث أسد إلى (بلرم) الجند والسفن لحصارها.
وفي ذلك الحين وصل إلى مياه (سرقوسة) أسطول بيزنطي بعثه الإمبراطور من (القسطنطينية) لإنجاد الجزيرة، فاشتدَّت مقاومة الروم للمسلمين، وارتفعت معنوياتهم، فنشبت بينهم وبين المسلمين معارك طاحنة في البر والبحر (١).
وتحرج موقف المسلمين، لتكاثر الروم عليهم من جهة، إذ أصبحوا يصاولون جيش الإمبراطورية لا جيش (صقلية) المحلِّي، ولانتشار الوباء في معسكرهم من جهة أخرى، وذلك سنة ثلاث عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٨ م)، فهلك منهم خلق كبير.
ولكن أسداً دأب على القتال، فتوفي وهو محاصر لسرقوسة من
стр. 281
جراحات شديدة أصابته أو متأثراً بالوباء، وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٨م)، ودُفن بذلك الموضع (١).
ط) وتولى القيادة بعد أسد أحد رجاله وهو محمد بن أبي الجواري، فلما رأى تفاقم الأمر على المسلمين، حاول الانسحاب في السفن إلى (إفريقية)، ولكن السفن البيزنطية منعته من ذلك، فأمر عندئذٍ بحرق السفن.
وامتنع المسلمون بداخل الجزيرة، وتفرَّقوا فيها سرايا يغزون بسائطها ويحاصرون قلاعها، حتى جاءتهم الأمداد من (إفريقية)، ووصل لمعاونتهم في الوقت نفسه أسطول أندلسي سنة أربع عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٩م)، فاشتدَّ ساعدهم، ومضوا في فتح الجزيرة وثغورها تباعاً، حتى أتموا افتتاح معظمها. وفي سنة أربع وستين ومئتين الهجرية (٨٧٨م) فتح المسلمون (سرقوسة) آخر معاقل (صقلية)، فتمَّ لهم بذلك افتتاح الجزيرة وأسَّسوا إمارة كانت تابعة في البداية لحكومة (إفريقية)، ثم استقلَّت بعد ذلك عنها حينما سقطت دولة الأغالبة،
стр. 282
فقامت في (صقلية) دولة إسلامية لبثت زهاء قرنين في الجزيرة، حتى استعادها منهم الدوق رجار (روجيرو Ruggero) سنة أربع وستين وأربعمئة الهجرية (١٠٧٢م)، فانتهت بذلك دولة الإسلام في صقلية كما ينتهي الحلم السعيد (١).
стр. 283
لقد كان أسد أول من فتح (صقلية) (١).
٣ - الإنسان:
أ) ولد أسد في (حرَّان) سنة اثنتين وأربعين ومئة الهجرية (٧٥٩ م)، وتوفي شهيداً تحت أسوار (سرقوسة) في (صقلية) سنة ثلاث عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٨ م) ودُفن بذلك الموضع (٢).
تولى القضاء في عهد إبراهيم بن الأغلب مؤسس أسرة الأغالبة، واستمرَّ إلى جانبه أيام الفتنة التي قادها عمران بن مجالد الربعي سنة خمس وتسعين ومئة الهجرية (٨١٠م) مخلصاً للأغالبة، معرضاً عن خصومها. فقد بعث عمران إلى أسد ليخرج معه، فأبى أسد وتمارض، فبعث إليه: "إما أن تخرج، وإلا بعثت من يجرّ رجلك"، فقال أسد: "والله لئن أخرجتني لأنادينّ في الناس: القاتل والمقتول في النار" (٣).
وفي عهد زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، عين أسد فوق منصبه
شيخاً للفتيا (٤) وقاضياً للقضاة (٥).
стр. 284
ب) كان أسد رجلاً صالحاً فقيهاً عالماً (١) ورعاً (٢)، وكان مشهوراً بالعلم والدين (٣)، يكفي أن نذكر من عِلمِه أنه مصنّف كتاب (الأسدية) في فروع المالكية، وهو من أقدم مصادر الفقه المالكي.
قال بعض رجال سليمان بن عمران: "كان أسد إذا قرأ علينا يقول: اسكتوا علِّي أسرد عليكم دوياً في أذني. قال: وربما رأيته يدق بيده على صدره ويقول: يا حسرتا. إن متُّ ليدخلنَّ القبر مني علم كثير". وبسبب أسد ظهر علم أهل الكوفة بالمغرب (٤).
وقد رحل إليه الناس من البلدان وسمعوا عليه وتفقهوا به (٥).
وكان لأسد بيان وبلاغة، إلا أنه بالعلم أشهر منه بالأدب (٦).
لقد ترك أسد آثاراً خالدة في العلم والفتح على حدٍّ سواء.
٤ - القائد:
١) كان انتصار أسد على (بلاطة) في المعارك الأولى التي خاضها على الروم انتصاراً تعبوياً فقط، لأن قوات (بلاطة) كانت قوات الروم المخصصة للدفاع الفوري عن الجزيرة، فكان على أسد أن يستثمر انتصاره التعبوي، وذلك بسرعة اندفاعه لفتح مناطق الجزيرة الحيوية
стр. 285
كافة، ويطلب الأمداد العاجلة لتدعيم قواته بحيث تكون مستعدة لمواجهة قوات الروم الأصلية بعد قدومها من (القسطنطينية)، ودحرها في المعركة الحاسمة المتوقَّعة.
ولا يتم له ذلك إلا بحشد قواته الضاربة في المنطقة الحيوية من الجزيرة، وعدم تشتيتها في جبهة واسعة دون مسوِّغ.
٢) ومن الواضح أن معركة أسد الحاسمة لفتح الجزيرة، بدأت بعد قدوم أمداد الروم إلى (صقلية)، وبذلك أصبح أسد يواجه جيش الإمبراطورية البيزنطية لا جيش الروم المحلي في الجزيرة، لهذا لم تكن قواته كافية في دحر جيش الروم الذي تحشد في (سرقوسة) على الرغم من ورود الأمداد للمسلمين، لأن قوات أسد كانت مبعثرة في جبهة واسعة.
لقد كان أسد يخوض معركته الحاسمة حول أسوار (سرقوسة) المنيعة، فكان عليه أن يحشد قواته كافة في تلك المنطقة الحيوية لإحراز النصر على قوات الروم، لا أن يوزعها في جبهة تمتد إلى حوالي مئتي كيلو متر من (مازر) إلى (سرقوسة) إلى (بلرم) وذلك أدَّى إلى قلب خطط أسد رأساً على عقب، فقد أصبحت خططه (دفاعية)، بينما كان يجب أن تبقى (هجومية)، والدفاع - كما هو معلوم - لا يؤدي إلى الفتح الذي هو هدف أسد الحيوي.
٣) إن إرسال أسد قسماً من قواته الضاربة إلى (بلرم)، وتوزيع قسم من قواته في مناطق أخرى، في مثل ذلك الوقت، وفي مثل تلك