← Общие книги

Общие книги · id 8645

بين العقيدة والقيادة

محمود شيت خطاب

Полный текст (561 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

جراحات شديدة أصابته أو متأثراً بالوباء، وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٨م)، ودُفن بذلك الموضع (١). ط) وتولى القيادة بعد أسد أحد رجاله وهو محمد بن أبي الجواري، فلما رأى تفاقم الأمر على المسلمين، حاول الانسحاب في السفن إلى (إفريقية)، ولكن السفن البيزنطية منعته من ذلك، فأمر عندئذٍ بحرق السفن. وامتنع المسلمون بداخل الجزيرة، وتفرَّقوا فيها سرايا يغزون بسائطها ويحاصرون قلاعها، حتى جاءتهم الأمداد من (إفريقية)، ووصل لمعاونتهم في الوقت نفسه أسطول أندلسي سنة أربع عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٩م)، فاشتدَّ ساعدهم، ومضوا في فتح الجزيرة وثغورها تباعاً، حتى أتموا افتتاح معظمها. وفي سنة أربع وستين ومئتين الهجرية (٨٧٨م) فتح المسلمون (سرقوسة) آخر معاقل (صقلية)، فتمَّ لهم بذلك افتتاح الجزيرة وأسَّسوا إمارة كانت تابعة في البداية لحكومة (إفريقية)، ثم استقلَّت بعد ذلك عنها حينما سقطت دولة الأغالبة،

стр. 282

فقامت في (صقلية) دولة إسلامية لبثت زهاء قرنين في الجزيرة، حتى استعادها منهم الدوق رجار (روجيرو Ruggero) سنة أربع وستين وأربعمئة الهجرية (١٠٧٢م)، فانتهت بذلك دولة الإسلام في صقلية كما ينتهي الحلم السعيد (١).

стр. 283

لقد كان أسد أول من فتح (صقلية) (١). ٣ - الإنسان: أ) ولد أسد في (حرَّان) سنة اثنتين وأربعين ومئة الهجرية (٧٥٩ م)، وتوفي شهيداً تحت أسوار (سرقوسة) في (صقلية) سنة ثلاث عشرة ومئتين الهجرية (٨٢٨ م) ودُفن بذلك الموضع (٢). تولى القضاء في عهد إبراهيم بن الأغلب مؤسس أسرة الأغالبة، واستمرَّ إلى جانبه أيام الفتنة التي قادها عمران بن مجالد الربعي سنة خمس وتسعين ومئة الهجرية (٨١٠م) مخلصاً للأغالبة، معرضاً عن خصومها. فقد بعث عمران إلى أسد ليخرج معه، فأبى أسد وتمارض، فبعث إليه: "إما أن تخرج، وإلا بعثت من يجرّ رجلك"، فقال أسد: "والله لئن أخرجتني لأنادينّ في الناس: القاتل والمقتول في النار" (٣). وفي عهد زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، عين أسد فوق منصبه شيخاً للفتيا (٤) وقاضياً للقضاة (٥).

стр. 284

ب) كان أسد رجلاً صالحاً فقيهاً عالماً (١) ورعاً (٢)، وكان مشهوراً بالعلم والدين (٣)، يكفي أن نذكر من عِلمِه أنه مصنّف كتاب (الأسدية) في فروع المالكية، وهو من أقدم مصادر الفقه المالكي. قال بعض رجال سليمان بن عمران: "كان أسد إذا قرأ علينا يقول: اسكتوا علِّي أسرد عليكم دوياً في أذني. قال: وربما رأيته يدق بيده على صدره ويقول: يا حسرتا. إن متُّ ليدخلنَّ القبر مني علم كثير". وبسبب أسد ظهر علم أهل الكوفة بالمغرب (٤). وقد رحل إليه الناس من البلدان وسمعوا عليه وتفقهوا به (٥). وكان لأسد بيان وبلاغة، إلا أنه بالعلم أشهر منه بالأدب (٦). لقد ترك أسد آثاراً خالدة في العلم والفتح على حدٍّ سواء. ٤ - القائد: ١) كان انتصار أسد على (بلاطة) في المعارك الأولى التي خاضها على الروم انتصاراً تعبوياً فقط، لأن قوات (بلاطة) كانت قوات الروم المخصصة للدفاع الفوري عن الجزيرة، فكان على أسد أن يستثمر انتصاره التعبوي، وذلك بسرعة اندفاعه لفتح مناطق الجزيرة الحيوية

стр. 285

كافة، ويطلب الأمداد العاجلة لتدعيم قواته بحيث تكون مستعدة لمواجهة قوات الروم الأصلية بعد قدومها من (القسطنطينية)، ودحرها في المعركة الحاسمة المتوقَّعة. ولا يتم له ذلك إلا بحشد قواته الضاربة في المنطقة الحيوية من الجزيرة، وعدم تشتيتها في جبهة واسعة دون مسوِّغ. ٢) ومن الواضح أن معركة أسد الحاسمة لفتح الجزيرة، بدأت بعد قدوم أمداد الروم إلى (صقلية)، وبذلك أصبح أسد يواجه جيش الإمبراطورية البيزنطية لا جيش الروم المحلي في الجزيرة، لهذا لم تكن قواته كافية في دحر جيش الروم الذي تحشد في (سرقوسة) على الرغم من ورود الأمداد للمسلمين، لأن قوات أسد كانت مبعثرة في جبهة واسعة. لقد كان أسد يخوض معركته الحاسمة حول أسوار (سرقوسة) المنيعة، فكان عليه أن يحشد قواته كافة في تلك المنطقة الحيوية لإحراز النصر على قوات الروم، لا أن يوزعها في جبهة تمتد إلى حوالي مئتي كيلو متر من (مازر) إلى (سرقوسة) إلى (بلرم) وذلك أدَّى إلى قلب خطط أسد رأساً على عقب، فقد أصبحت خططه (دفاعية)، بينما كان يجب أن تبقى (هجومية)، والدفاع - كما هو معلوم - لا يؤدي إلى الفتح الذي هو هدف أسد الحيوي. ٣) إن إرسال أسد قسماً من قواته الضاربة إلى (بلرم)، وتوزيع قسم من قواته في مناطق أخرى، في مثل ذلك الوقت، وفي مثل تلك

стр. 286

الظروف يتنافى ومبدأ (حشد القوة) (١) من أهم مبادئ الحرب (٢) وبذلك أصبح أسد ضعيفاً في منطقة (سرقوسة) ومنطقة (بلرم) أيضاً. وقد كان في إمكانه أن يترك قواتاً صغيرة (للمشاغلة) فقط في المواقع الثانوية، والإفادة من قواته كافة في المعركة الحاسمة التي تدور رحاها حول (سرقوسة). ٤) كان أسد مؤمناً حقاً، يتحلَّى بمعنويات عالية، وشجاعة فائقة، ولكن ذلك كله ليس كافياً للقائد المتميز، إذ يحتاج مضافاً إلى تلك المزايا - إلى مزية الخبرة العملية في أمور القتال، ومزية التدريب على فنون الحرب. والخبرة العملية في الشؤون الحربية، يحصل عليها القائد، بممارسة القتال، والتدريب المستمر على استعمال السلاح، فكلما كثرت مشاهد القائد، ودأب على التدريب: ازدادت خبرته ونمت وأينعت. إن الخبرة العملية لا تأتي بالدراسة النظرية فحسب، بل بالممارسة العملية. وقد تعمل الدراسة النظرية على تهذيب الخبرة العملية، وتقوية أصولها، والإسراع في نضج ثمراتها، إلا أن الدراسة النظرية وحدها، لا تكفي مطلقاً في هذا المجال.

стр. 287

إن القائد الحق، هو الذي يمتلك الطبع الموهوب، والعلم المكتسَب، والتدريب العملي على فنون القتال، والخبرة العملية تطبيقاً لمبادئ الحرب في ساحات الحروب. لقد كانت تعوز أسداً الممارسة الكافية للحروب، والخبرة العملية الضرورية لمعالجة متطلّباتها. ٥) لقد كان أسد مؤمناً غاية الإيمان بقدسية الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، فكان مجاهداً من الطراز الأول. إنه كان يتمنى على الله أن ينال ثواب المجاهدين الصابرين المحتسبين، فعمل جاهداً على تحقيق هذه الأمنية الغالية حقاً، وعندما أصابت المسلمين مجاعة في (صقلية)، عرض أحد زعمائهم على أسد، أن يرجع بالمسلمين إلى (إفريقية)، فقال أسد: "ما كنت لأكسر غزوة على المسلمين، وفي المسلمين خير كثير" (١). لقد رفض أسد العودة بالمسلمين إلى قواعدهم في (إفريقية)، على الرغم من المجاعة التي حاقت بهم، لأنه لم يرد أن يحرم نفسه ولا أن يحرم مَن معه من المسلمين فضل الجهاد، فنال هو، ونال كثيرٌ من رجاله، أعلى مراتب المجاهدين: الشهادة في سبيل الله. ٦) وكان من مزايا قيادته، أنه كان يتمتع بعقلية منظَّمة في تصريف أمور قيادته، تلك العقلية المنظَّمة التي كانت نتيجة لدراساته الفقهية الطويلة. قال لفيمي: "اجعلوا على رؤوسكم سيما (علامة)

стр. 288

تعرفون بها، لئلا يتوهَّم واحد منا، أنكم من هؤلاء المواقفين لنا، فيصيبكم مكروه"، فجعلوا على رؤوسهم الحشيش، فكانت تلك سيماهم (١)، مما يدلُّ على تفكيره المنظَّم، الذي يتغلغل في تفاصيل الأمور. ٧) إنه مجاهد أصيل، كان له في قتال الروم آثار مشهورة، ومقامات مذكورة (٢) ولكنه كان قاضياً في قيادته، يتحكَّم فقهه وورعه في تصريف أمور جنده، فكان كما قال: "أصابوا من يجري لهم مراكبهم من النواتية، فما أحوجهم إلى من يجريها لهم بالكتاب والسنة" (٣)، فهو يتلو الأوراد ويزمزم ويقرأ سورة (يس) وغيرها من سور القرآن الكريم في أوج معمعان المعركة (٤) ويرفض معاونة غير المسلمين له في حربه، لأنه كان يؤمن إيماناً عميقاً، أنَّ النصر من عند الله، لا من عند أحد غيره. كان رأس سلاحه في حربه: تقوى الله وحده، وكثرة ذكره، والاستعانة به، والتوكل عليه، والفزع إليه، ومسألته التأييد والنصر والسلامة والظفر (٥)، وكان مقداماً شجاعاً مجاهداً صابراً، يثق بنفسه (٦)، ويثق برجاله، ويبادلونه ثقة بثقة وحباً بحب، له ماضٍ ناصع مجيد.

стр. 289

٥ - أسد في التاريخ: يذكر التاريخ لأسد، أنه كان إماماً من أئمة المسلمين، وشيخاً من شيوخ الإفتاء، ورئيساً من رؤساء القضاة. ويذكر له، أنه أول من جمع القضاء والقيادة في (إفريقية). ويذكر له، أنه كان عالماً عاملاً، يجاهد بعلمه ويجاهد بسيفه؛ ولم يكن عالماً قاعداً، يجاهد بلسانه، لا يجاهد بماله أو سنانه. ويذكر له، أنه أول مَن فتح كثيراً من (صقلية). ويذكر له، أنه قدم روحه ضحية من أجل إعلاء كلمة الله، فخضب أرض (صقلية) بسيل من دمه الطاهر، فسقط مضرجاً بدمائه ولم يسقط السيف والقلم من يديه. ويذكر له، أنه آثر الجهاد في ساحات الوغى بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء، على التنعُّم بالمراكز العليا في القضاء والإفتاء، بما فيها من لذَّة السلطة والحكم والجاه. رضي الله عن المجاهد الصابر، التقي النقي، قاضي القضاة، وشيخ الإفتاء، إمام الفقهاء، قائد القضاة وقاضي القادة، القائد الفاتح، البطل الشهيد: أسد بن الفرات. ***

стр. 290

- ٢ - صَلاَح الدّين الأيوبي قَاهر الصَليبيينَ ومحرّر بيت المقدسْ ١ - أيامه الأولى: كان صلاح الدين الأيوبي بطل معركة (حطِّين)، ومحرِّر بيت المقدس، وقاهر الصليبيين: حسنةً من حسنات نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي الشهيد، كما كان الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ حسنة من حسنات أبي بكر الصدِّيق ﵁؛ لأنَّ نور الدين الشهيد هو الذي جمع الشمل ورصَّ الصفوف، ووحَّد العرب، ووجَّه المسلمين إلى حرب الصليبيين، وهو الذي "طبَّق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله، وكان من الزُّهد والعبادة على قدم عظيم، وكان يصلي كثيراً من الليل، وكان عارفاً بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصُّب، وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل دمشق وحمص وحماه وسيزر وحلب وبعلبك وغيرها، وبنى المدارس الكثيرة الحنفية والشافعية" (١)، وانتصر على الصليبيين في معارك كثيرة، واستعاد منهم كثيراً من المدن والمناطق الإسلامية، وبذلك مهَّد السبيل لصلاح الدين الأيوبي، وفتح أمامه الطريق الذي سلكه بعده.

стр. 291

كما كان أبو بكر الصدِّيق ﵁ هو الذي حارب المرتدّين وأعاد الوحدة العربية تحت لواء الإسلام في الجزيرة العربية، وبدأ معارك الفتح الإسلامي العظيم، وبذلك مهَّد السبيل لعمر بن الخطَّاب، فكان عمر حسنةً من حسنات أبي بكر، كما كان صلاح الدين حسنةً من حسنات نور الدين محمود الشهيد. وحسبنا أنَّ هؤلاء القادة كانوا يعملون لإعلاء كلمة الله لا لأمجاد شخصيَّة ومطامع ذاتية، وما أعظم دعاء نور الدين الشهيد في أعقاب كل صلاة: "اللهمَّ انصر المسلمين، ولا تنصر عبدك نور الدين"، ممَّا يدلُّ على أنَّه كان يعمل لله وحده لا لنفسه، وللمسلمين لا لذاته. ولد صلاح الدين الأيوبيّ سنة اثنتين وثلاثين وخمسمئة الهجرية (١١٣٧م)، بقلعة (تكريت) (١)، وكان أبوه والياً عليها (٢). وانتقل أبوه أيوب بن شاذي يوم ولادة صلاح الدين إلى مدينة (الموصل) ومعه ولده، واستقرَّ هناك في رعاية عماد الدين زنكي صاحب (الموصل)، وعمل وأخوه أسد الدين شيركوه في جيش صاحب الموصل وحضرا عدَّة معارك وبرهنا على مقدرةٍ فائقةٍ في القتال (٣). ولمَّا استولى عماد الدين زنكي سنة أربع وثلاثين وخمسمئة

стр. 292

الهجرية (١١٣٩م) على بعلبك (١)؛ عهد بها إلى أيوب وعيَّنه والياً عليها، ممَّا يدلُّ على ثقة زنكي بنجم الدين أيوب والد صلاح الدين. وتوفي زنكي واقتسمت أولاده مُلكَهُ من بعده، فتوجَّه صاحب دمشق وحاصر (بعلبك). وشدَّد الحصار عليها، فصالح نجم الدين صاحب دمشق على مال، وانتقل هو وأخوه إلى دمشق وصارا من كبار أمرائها. ولا زال بها أسد الدين شيركوه، حتى اتصل بخدمة الملك العادل نور الدين محمود وصار من أكابر دولته، فرأى منه محمود نجابة وشجاعة، فأعطاه حمص والرحبة وجعله مقدَّم عساكره. فلمَّا صرف نور الدين همته لأخذ دمشق، أمر أسد الدين أن يكاتب أخاه نجم الدين أيوب على المساعدة على فتحها، فكتب أسد الدين إلى أخيه، وقال له: "هذا يجب عليك، فإنَّ مجير الدين (٢)، قد أعطى الفرنج (بانياس) وربَّما سلَّم إليهم دمشق بعد ذلك"؛ فأجابه نجم الدين إلى ما طلب (٣). وملَكَ نور الدين دمشق سنة سبع وأربعين وخمسمئة الهجرية (١١٥٢م)، فصار نجم الدين أيوب وأخوه أسد الدين من أكابر أمراء نور الدين - خاصة نجم الدين، فإنَّ جميع الأمراء كانوا إذا دخلوا على

стр. 293

نور الدين لا يقعد أحد حتى يأمره نور الدين بالقعود، إلاَّ نجم الدين فإنَّه كان إذا دخل قعد من غير إذن (١) ٢ - الوزير: بدأت حياة صلاح الدين العامَّة بمرافقة عمّه أسد الدين شيركوه إلى مصر على رأس جيش جهَّزه نور الدين لإعادة الوزير شاور (٢) إلى منصبه؛ فقد استصحبه عمه معه عن كراهية منه لذلك، ليكون مقدَّم عسكره ومستشاره، فوصلوا إلى (القاهرة) في الثاني من جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمئة الهجرية (١١٦٢ م)، ونصروا شاور على خصمه الذي يقال له الضرغام، وأعادوه إلى منصب الوزارة، ثم غادروا القاهرة في السابع من ذي الحجّة سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمئة الهجرية (٣). وبلغ شاور أنَّ أسد الدين يزمع الاستيلاء على مصر، فكاتب الإفرنج، واتَّفق معهم على الحركة إلى مصر بقواتهم لصدّ جيش أسد الدين. وبلغ ذلك أسد الدين والملك العادل نور الدين، فاشتدَّ خوفهما على مصر أن يستولي عليها الإفرنج. وتجهَّز أسد الدين، وأنفذ معه الملك العادل نور الدين القوات

стр. 294

العسكرية، وألزم صلاح الدين بالمسير مع عمه على كراهية منه لذلك. وتحرَّك جيش أسد الدين من دمشق في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمئة الهجرية (١١٦٦م)، وكان وصولهم إلى مصر مقارباً لوصول الإفرنج إليها. ودارت معارك طاحنة بين جيش أسد الدين من جهة وبين جيش شاور والإفرنج من جهة أخرى، حتى عاد الإفرنج إلى بلادهم، وعاد أسد الدين إلى (دمشق) أيضاً. وكان سبب عوْد الإفرنج؛ أنَّ نور الدين جرَّد الجيوش إلى بلاد الإفرنج، فاستعاد (المنيطرة) (١) منهم، فلمَّا علِمَ الإفرنج بذلك خافوا على بلادهم ورحلوا عن مصر. وكان سبب عوْد أسد الدين ضعف جيشه بسبب ما تكبَّده من خسائر في معاركه، ولكنه لم يعد حتى صالح الإفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر (٢). ولكنَّ الفرنج حشدوا قواتهم وخرجوا يريدون مصر، ناكثين لجميع ما استقرَّ مع المصريين وأسد الدين من الصلح والعهود، طمعاً في احتلال مصر. فلمَّا بلغ ذلك نور الدين جهَّز أسد الدين وبعثه على رأس جيش، فوصل إلى (القاهرة) في أثناء ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمئة الهجرية (١١٦٨م)، وكان مع الحملة صلاح الدين الذي ألحَّ عليه عمه أسد الدين للخروج معه، لأنَّه لم يكن يستطيع

стр. 295

الاستغناء عنه قائداً ومدبِّراً ومشيراً، فانصاع صلاح الدين لإلحاح عمه، وكان يقول عن خروجه هذا: "كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة، وما خرجت مع عمّي باختياري". وحين علم الإفرنج بوصول أسد الدين إلى مصر عن اتفاق بينه وبين أهلها، رحلوا راجعين إلى (القدس) خائبين. وأراد أسد الدين أن يضع حدّاً نهائياً لأطماع الإفرنج في مصر، ولمحاولات (شاور) استدعائهم سرّاً وعلانية لإسناده، لذلك قضى أسد الدين على شاور، وتولى الوزارة مكانه؛ ولكنَّه توفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرى سنة أربعٍ وستين وخمسمئة (٢٣ آذار - مارس ١١٦٩م) بعد أن مكث يدبّر الأمور خلال هذه المدّة القصيرة، فتولَّى مقاليد الوزارة صلاح الدين (١). تولى صلاح الدين الوزارة وعمره اثنتان وثلاثون سنة، استغل كل لحظة من لحظاتها للارتشاف من مناهل العلم وممارسة التجارب العملية. أما أساتذته في العلم فسيرد ذكرها وشيكاً، وأمَّا أساتذته في السياسة والحرب فهم: نور الدين الشهيد، وأبوه نجم الدين، وعمّه أسد الدين شيركوه الذي لم يأخذ حقه كاملاً من المؤرّخين العرب والمسلمين، ولكن المؤرّخين الأجانب عرفوا له قدره، فقال في موته (ستفن سن) ما ترجمته: "إنَّ الخدمات التي أداها عمل شيركوه للإسلام والمسلمين لَجديرة بأن يكتبها التاريخ على صفحاته بأحرف من الذهب، لأنَّه بعد مضيّ عشرين سنة على توليته أمرَ مصر عادت مدينة القدس إلى أيدي المسلمين، كما عاد كثير من البلاد التي كانت بيد الإفرنج،

стр. 296

ولأنَّه كذلك لم يسترح يوماً واحداً من الحروب. ولقد كان ذا نظر بعيد في الأمور، يضع الخطط لنفسه فلا يغيّرها، بل ينفِّذها بكلِّ جدارة وإقدام. ولو مات قبل موته بستة أشهر لكان مصابه أليماً ورزؤه جسيماً على نور الدين وأهله وبلاده، ولكنه مات بعد أن أنهى ما علق في عنقه، وانقضت مهمّته التي تطاول إليها فأدركها، تاركاً ثمرة جهاده وانتصاراته إلى ابن أخيه يوسف صلاح الدين، الذي استحق بكل جدارة شرف الوراثة لهذا البطل الكبير" (١). وبذلك في هذه السن المبكّرة، تهيّأ لصلاح الدين ثلاثة عوامل حاسمة لنجاحه حاكماً وقائداً فذّاً: الطبع الموهوب، والعلم المكتسب، والتجربة العملية. ٣ - السلطان: كانت أول مشكلة خطيرة صادفها صلاح الدين، هي نزول الإفرنج والروم في (دمياط) ومحاصرتها برّاً وبحراً؛ وذلك في صفر من سنة خمس وستين وخمسمئة (١١٧٠م)، ولكنّ صلاح الدين انتصر عليهم وأجلاهم عن البلاد (٢). لقد علم الإفرنج باستقامة أمور صلاح الدين في مصر، فخافوا أن يملك بلادهم ويخرب ديارهم، لذلك عزموا بمعاونة الروم أن يحتلُّوا رأس جسر في (دمياط) ثم يحاولون التغلغل بالعمق لتهديد أمن

стр. 297

مصر أو احتلالها حتى لا يزداد صلاح الدين قوة فتمتنع عليهم مصر أولاً، وتهدّدهم في الأراضي المحتلة من الأرض المقدسة وساحل فلسطين ولبنان. ولكن انتصار صلاح الدين عليهم أدّى إلى ازدياد تخوّفهم من مصر ومن قيادتها الجديدة، كما أثر في معنوياتهم تأثيراً حاسماً. ومن الواضح أن قيادة صلاح الدين قلبت خطط مصر الدفاعية إلى خطط تعرضية كان لها أبلغ الأثر في مصير المنطقة كلها. ومات العاضد آخر الخلفاء الفاطميين في مصر يوم الإثنين العاشر من المحرّم سنة سبع وستين وخمسمئة الهجرية (١١٧١م)، وكان صلاح الدين قد خطب لبني العباس خلفاء بغداد في أواخر أمر العاضد ... وبموت العاضد استقرَّ المُلك لصلاح الدين في مصر، ولكنَّه كان تحت أوامر نور الدين زنكي المعروف بالشهيد صاحب دمشق، فأخذ ينظم قواعد الحكم، ويتأهَّب لقتال الصليبيين في فلسطين والمناطق المحتلة من سواحل بلاد الشام (١). وفي سنة ثمان وستين وخمسمئة الهجرية (١١٧٢م)، خرج بجيشه يريد بلاد (الكرك) (٢)، وإنَّما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع مَن يريد مصر، وكان لا يمكن أن تصل قافلة من بلاد الشام حتى يخرج هو بنفسه يعبرها بلاد العدو، لذلك عزم على توسيع الطريق وتسهيله لتتَّصل البلاد بعضها ببعض وتسهل على السابلة.

стр. 298

وحاصر صلاح الدين (الكرك)، وجرت بينه وبين الإفرنج بعض المعارك، فلم يستطع أن يظفر منها بشيء (١)، ولكنه حصل على معلومات مهمة عن الأرض وقوَّات العدو وأساليب قتاله وتسليحه وتنظيمه وقيادته ونقاط الضعف فيه التي يمكن أن يستغلّها في المستقبل. كما أنَّ صلاح الدين نفَّذ عملياً خطته الهجومية على العدو، فخرجت جيوش مصر إلى خارجها، ولم تبقَ في منطقتها مكتفية بالدفاع عنها. وكانت هذه الغزوة أول غزوة غزاها صلاح الدين خارج مصر. وفي سنة تسع وستين وخمسمئة الهجرية (١١٧٣م) سيَّر صلاح الدين أخاه الأكبر شمس الدين (تورشاه) إلى اليمن للقضاء على حكم عبد النبي بن علي (٢) فمضى إليها وقتل حاكمها الخارجي واستولى على معظم اليمن (٣). وهذا دليل على توطيد حكمه في مصر، وبلوغ جيشه درجة عالية من القوة. وفي يوم الأربعاء حادي عشر من شوال سنة تسع وستين وخمسمئة الهجرية توفي نور الدين زنكي الشهيد في دمشق (٤)، فأصبح صلاح الدين مستقلاًّ استقلالاً تاماً في مصر.

стр. 299

وانتهز الصليبيون سنة سبعين وخمسمئة الهجرية (١٧٧٤م) استِعار ثورة داخلية في منطقة (أسوان)، فطمعوا في غزو مصر وأنزلوا قواتهم في الإسكندرية، ولكن صلاح الدين أمدَّ الإسكندرية بالقوات المسلَّحة، فهرب الصليبيُّون بعد نزول قواتهم بثلاثة أيام (١) فقط. ٤ - في دمشق: وارتبكت أمور بلاد الشام بعد موت نور الدين الشهيد، لأن خَلَفَهُ الملك الصالح إسماعيل كان طفلاً لا ينهض بأعباء المُلك ولا قدرة له على صد الأعداء. لذلك قصدها صلاح الدين سنة سبعين وخمسمئة الهجرية بقوات كبيرة، فدخل دمشق بدون مقاومة (٢). وفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمئة الهجرية (١١٧٧م) قصد حرب الصليبيين، ولكنه اندحر في معركة (الرملة)، لأن الصليبيين باغتوا جيشه قبل إكمال تَعْبِيَتِهِ في ميدان القتال (٣)، فتعلَّم صلاح الدين من هذه المعركة دروساً عملية: إكمال استعدادات المعركة قبل خوضها، وأساليب قتال الإفرنج، وأهمية الحذر الشديد واليقظة في حربهم. وعاد إلى مصر لإكمال إعداد قواته، ثم عاد إلى أرض الشام، ومنها أجرى بعض المعارك لتوحيد أرض الشام وجزيرة ابن عمر تحت قيادته، كما قاتل الإفرنج في بعض الغزوات وانتصر عليهم انتصارات تعبوية (٤).

стр. 300

لقد نظم صلاح الدين الطاقات المادية والمعنوية لمصر وأرض الشام والجزيرة، وحشدها كلها للمجهود الحربي، لغرض طرد الصليبيين من (القدس) والأرض المقدَّسة والبلاد العربية الإسلامية التي احتلوها. كما أصبحت لدى صلاح الدين معلومات تفصيلية عن الصليبيين وخبرة عملية فذة في الأساليب الناجعة في قتالهم وفي قيادة جيوشه في الحرب وإعدادها للقتال، كما أصبح لديه قادة متمرِّسون يعتمد عليهم ويثق بهم. وأمضى في تنظيم الطاقات وتوحيد الصفوف وإعداد القوات للحرب سبع عشرة سنة (١). ٥ - معركة حطين: وجاء موعد اقتطاف ثمرات جهود وجهاد صلاح الدين التي استمرَّت سبع عشرة سنة استغلَّ كل لحظة فيها مجاهداً من أجل الوحدة وموحداً من أجل الجهاد. وكانت أول ثمرات تلك الجهود والجهاد انتصاره في معركة (حطين) (٢) الحاسمة. كانت نُذُرُ المعركة الكبرى واضحة للعيان، فأراد صلاح الدين

стр. 301

أن يُعدَّ لها إعداداً كاملاً، فأرسل إلى قادته في مصر والشام والجزيرة، يستنفر القادرين منهم على حمل السلاح من المجاهدين والقوات النظامية للجهاد. وفي أواخر شهر محرم الحرام من سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية (نيسان - إبريل سنة ١١٨٧م) خرج على رأس قواته من دمشق، وسار إلى (بصرى) (١) ليحمي منها طريق عودة الحُجَّاج من بيت الله الحرام، إذ بلغه أن (رينو دي شاتيون) أمير (الكرك) الذي تسميه المصادر العربية (أرناط) ينوي الفتك بهم. وكان هذا الأمير الإفرنجي من أشدّ الأمراء الصليبيين تعصُّباً وغدراً، وكان قد فتك بالحجاج سابقاً بحملة برية وبحرية خلافاً لعهوده ومواثيقه، حتى إن صلاح الدين أقسم بأنه إن ظفر بهذا الأمير الغادر، فإنه سيقتله بيده. ولما انتهى عَوْد الحُجَّاج، سار صلاح الدين إلى (الكرك) و (الشوبك) (٢) وعاث في أنحائهما. ووافقته جيوش مصر بقيادة أخيه العادل قادمة من طريق (أيلة) (٣)، وكانت قوات الشام والجزيرة تتلاحق في تلك الأثناء وتتحشَّد في دمشق تحت قيادة الملك الأفضل ولد صلاح الدين. وسارت من جيوش دمشق حملة قوية إلى ثغر (عكا) لاقتحامه

стр. 302

وتخريبه، واشتبكت مع الإفرنج وقوات الصليبيين الأخرى، واستولت على كثير من السبي والغنائم. واجتمعت قوات صلاح الدين بقوات ولده الملك الأفضل، فاجتمع من ذلك جيش ضخم يقدر باثني عشر ألف فارس من القوات النظامية وعدد كبير من المتطوّعة المجاهدين. ونزل غربي (طبريَّة) (١) على سطح الجبل بتعبية الحرب منتظراً الإفرنج، وذلك يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية (١١٨٧م)، فلما رأى الإفرنج لا يتحرَّكون، هاجم (طبريَّة) فاستولى على المدينة ولم يستطع الاستيلاء على قلعتها. وبلغ الصليبيُّون ما حلَّ بطبرية، فلم يستطيعوا الصبر بل قصدوها للدفاع عنها. وعلم صلاح الدين بحركة الصليبيين نحو (طبرية)، فترك عليها من يحاصر قلعتها، وقصد قوات الصليبيين، فالتقى الطرفان في أواخر الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية، ولكن الليل حال دون التحام الفئتين. وبات الطرفان وهما على تعبية في أعلى درجات الحذر واليقظة، وطلائع الطرفين بتماس شديد. وفي صبيحة يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر،

стр. 303

التحم القتال واشتدَّ أواره، وذلك في قرية (لوبيا) (١)، فشدَّد صلاح الدين الخناق على الصليبيين، وعزم عزماً أكيداً على إحراز النصر. واستمرَّت المعركة طيلة يوم الجمعة، حتى حلَّ ظلام الليل، وكان الطرفان في أشدِّ حالات التعب والإعياء. وفي صبيحة يوم السبت الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية (٤ من تموز - يوليه - ١١٨٧م)، بدأ القتال عنيفاً قاسياً، وقد علم كلٌّ من الطرفين أنَّ اندحاره يؤدّي إلى إبادته، خاصة صلاح الدين الذي كانت قواته محاصرة بنهر الأردن من الشرق وبلاد العدو من الغرب والشمال والجنوب، فكان في اندحارها هلاكها عن بكرة أبيها؛ لذلك هاجم صلاح الدين بكل قواته - الطلائع والمقدمة والقلب والمجنبتان قوات الصليبيين وزجَّ بكلِّ قواته في المعركة. وانهارت معنويات الصليبيين، فهرب (القومص) (٢) الذي رأى أمارات الخذلان وبوادر الاندحار، وأخذ طريقه إلى (صور) (٣)، فتبعه قسم من المسلمين ولكنه نجا بنفسه. وطوَّق صلاح الدين قوات الصليبيين من كل جانب، وقاتلوهم بالسهام والسيوف والرماح، فانهزمت منهم طائفة، ولكن المسلمين

стр. 304

طاردوها فلم ينجُ منهم أحد. واعتصمت طائفة أخرى من الصليبيين بتل (حطين)، فضايقهم صلاح الدين على التل، وأشعل المسلمون حولهم النيران، فضاق بهم الأمر، وقتلهم العطش. وأقبل الصليبيون زرافات ووحداناً على الأسْر خوفاً من القتل، فكان ممن أُسِرَ (ملك القدس) و (رينوا دي شاتيون) ومقدَّم الاسبتارية (١) وعدد ضخم من الفرسان، كما استولى المسلمون على الصليب الكبير المسمى: (صليب الصلبوت) وهو الذي يزعمون أنَّ فيه قطعة من الخشبة التي صُلِبَ عليها السيد المسيح ﵇. وأُخِذَ الأمراء والأسرى إلى خيمة صلاح الدين، فقتل السلطان بيده رينو دي شاتيون (الأمير أرناط) وفاءً لنذره وجزاءً له على غدره المتكرِّر، وجرأته المثيرة في قطع طريق الحُجَّاج والفتك بهم، ومحاولته السير إلى قبر الرسول ﷺ بقصد الاعتداء عليه (٢). لقد كانت معركة (حطين) من المعارك الإسلامية الحاسمة.

стр. 305

٦ - معارك استثمار الفوز: وبدأت بعد معركة (حطين) الحاسمة، معارك استثمار الفوز، وسارت أعلام صلاح الدين من فتحٍ إلى فتح، وأصبحت ثمرات جهوده وجهاده في خلال سبع عشرة سنة من حكمه تبدو واضحة للعيان، ولعلَّ معركة (حطين) الحاسمة هي الثمرة الأولى لذلك الجهد والجهاد من تلك الثمرات. فقد سار صلاح الدين بعد معركة (حطين) مباشرة للاستيلاء على قلعة (طبرية) التي استعصت عليه قبل تلك المعركة، فنزل يوم الأحد الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية (٥ تموز - يوليه - ١١٨٧م) على (طبرية) وتسلَّم في بقية ذلك اليوم قلعتها، وأقام بها إلى يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ربيع الآخر (١). ورحل طالباً مدينة (عكا)، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء الثامن والعشرين من ربيع الآخر، وقاتلها يوم الخميس، وصلَّى أول جمعة فيها منذ مَلَكها الصليبيُّون بعد أن استولى عليها، واستنقذ مَنْ كان فيها من الأسارى المسلمين، وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع. وفرَّق قوَّاته في بلاد الساحل للاستيلاء على الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فاستُردَّت من الصليبيين: (نابلس) و (حيفا)

стр. 306

و (قيسارية) (١) و (صفورية) (٢) و (الناصرة) بسهولة ويسر (٣). وزحف صلاح الدين إلى (تبنين) (٤)، فنزل عليها يوم الأحد الحادي عشر من شهر جمادى الأولى، وهي قلعة منيعة، فنصب عليها المجانيق، وضيَّق عليها بالزحف الخناق؛ وكان بها رجالٌ أبطال شديدون في دينهم، فاحتاجوا إلى معاناة شديدة. وبعد قتالٍ عنيف استردَّ صلاح الدين (تبنين) من الصليبيين، فدخلها عنوة يوم الأحد الثامن عشر من شهر جمادى الأولى، وأسر مَن بقي فيها حيّاً من المقاتلين. وسار إلى (صيدا) واستردَّها من الصليبيين، فأقام عليها ورتَّب أمورها (٥). وسار صلاح الدين شمالاً حتى أتى (بيروت)، فنازلها يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة (١١٨٧م)، فاشتبك بالصليبيين المدافعين عنها وضيَّق الخناق، حتى استعادها يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى، كما استردَّ

стр. 307

(جُبيلاً) (١) أيضاً (٢). وقصد (عسقلان) (٣) تاركاً مدينة (صور) (٤)، لأن الصليبيين احتشدوا فيها من كل المدن الساحلية، فقدَّر أن استعادة (عسقلان) أيسر من استعادة (صور). وفي يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة اصطدم بالقوات الصليبية الموجودة في (عسقلان) وكان قد استردَّ في طريقه إليها مواضع كثيرة: (الرملة) (٥)، ويَبْنا) (٦) و (الدارون) (٧). وقاتل صلاح الدين الصليبيين في (عسقلان) قتالاً شديداً، حتى استطاع استعادتها يوم السبت، في نهاية جمادى الآخرة. وأقام على (عسقلان) إلى أن استعادت قواته (غزَّة) (٨) و (بيت جبرين) (٩) و (النطرون) (١٠) بغير قتال (١١).

стр. 308

ومن المدهش حقاً أنَّ هذا الزحف الموفَّق عسكرياً إلى أبعد الحدود، تمَّ في أقل من شهر، وبدا كالسيل الجارف لا يقوى على صدّه شيء، وأخذ سلطان الصليبيين يتلاشى ويضعف في الأماكن التي يحتلونها، وأصبح أمرهم واهناً مضطرباً. ٧ - استعادة القدس: كان هدف صلاح الدين الحيوي من حملته الكبرى استرداد بيت المقدس وسحق المملكة الصليبية وإعادة الصلة المباشرة بين مصر وأرض الشام كما كانت قبل الغزو الصليبي. وقد استغلَّ نصره الحاسم في (حطين) مما يدلُّ على براعته في القيادة: عزل بيت المقدس من الشمال ومن المناطق المجاورة لها، فحرمها من الإمداد البريّ، فلم يبقَ لها إلاّ الاعتماد على الإمداد البحري، فاستعاد (عسقلان) والموانئ البحرية الأخرى، لكي يتم عزلها عن البحر. وهكذا أصبحت (القدس) تعتمد على مواردها القتالية الذاتية، وليس لها أمل في معاونتها برّاً أو بحراً من الصليبيين. ومن الواضح أن انتصار صلاح الدين الحاسم في معركة (حطين) أثَّر أسوأ الأثر في معنويات الصليبيين من جهة، ورفع معنويات المسلمين من جهة أخرى. كما أنَّ تطويق بيت المقدس برّاً وبحراً زاد من انهيار معنويات المدافعين عنها، وأصبحوا يتوقعون استسلام المدينة المقدَّسة للمسلمين بين عشية وضحاها.

стр. 309

وقصد صلاح الدين بيت المقدس، فنزلها يوم الأحد الخامس من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية (٢٠ من أيلول - سبتمبر - ١١٨٧م)، وكان نزوله بالجانب الغربي من المدينة المقدَّسة. وكانت القدس مشحونة بالمقاتلين من الخيَّالة والرجَّالة، يُقدَّر عددهم بما يزيد على ستين ألفاً من المقاتلين، عدا ما كان فيها من النساء والصبيان. وانتقل صلاح الدين يوم الجمعة، العشرين من رجب إلى الجانب الشمالي من المدينة المقدَّسة، ونصب عليه المجانيق، وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة، حتى استطاع إحداث ثغرة في السور مما يلي (وادي جهنم) (١). وشعر الصليبيُّون بخطورة الموقف، فبعثوا وفداً منهم إلى صلاح الدين يطلب الأمان، فرفض السلطان في البداية وذكَّر الإفرنج بما فعله أسلافهم عند استيلائهم على القدس وقتل الآلاف العُزَّل من المسلمين. وأخيراً وافق صلاح الدين على منح الأمان للصليبيين، واتَّفق على أن يسلِّم الإفرنج المدينة المقدَّسة، على أن يُؤَمَّنُوا في أملاكهم، وأن يعتبر أهلها أسرى يسمح لهم بالفداء خلال أربعين يوماً، على أن يدفع كلُّ رجلٍ عشرة دنانير، وكلُّ امرأة خمسة دنانير، وكل صبي ديناراً واحداً (٢). ودخل المسلمون بيت المقدس في يوم الجمعة السابع والعشرين

стр. 310

من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية (٢ من تشرين الأول - أكتوبر - ١١٨٧م)، وليلتها كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد (١)، وكان احتلال الصليبيين لبيت المقدس في الثالث عشر من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمئة الهجرية (١٥ من حزيران - يوليه - ١٠٩٩م) حدثاً من أخطر الأحداث التي هزت أركان العالم الإسلامي، وكان قيام المملكة اللاتينية في هذا الركن من العالم العربي والإسلامي، أسطع رمز لعدوان الغرب على الشرق، وأسطع دليل على ما كانت تبيِّته أمم الغرب من العدوان المنظَّم على أمم الشرق. وبالرغم من أنَّ هذا العدوان كان يتَّشح بثوب الدين، وحجَّة إنقاذ قبر المسيح ﵇ من أيدي المسلمين، فإن قيام المملكة اللاتينية الصليبية في بيت المقدس، وقيام الإمارات الصليبية الأخرى في مختلف أنحاء الشام، كان في ذاته أسطع دليل على أنَّ الغايات الدنيوية، وما تنطوي عليه من استلاب الأراضي والمغانم والثروات؛ كانت هي المقصد الأول الذي سعى لتحقيقه أولئك المعتدون (٢). وقد لبثت المملكة الصليبية في بيت المقدس زهاء تسعين عاماً، شوكةً مؤلمةً في قلب العالم الإسلامي، ولكن صلاح الدين استطاع بقيادته الفذَّة استرداد بيت المقدس من الصليبيين، بعد أن بقيت المدينة المقدَّسة تئنُّ تحت وطأة الاحتلال هذه المدَّة الطويلة من عمر الزمن.

стр. 311

وأقام صلاح الدين في بيت المقدس يجمع الأموال ويفرِّقُها على المستحقِّين، وإيصال مَن دفع الفدية إلى (صور). فلمَّا رحل عن القدس يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة الهجرية، لم يبقَ له من الأموال التي جمعها شيء، وكانت مئتي ألف دينار وعشرين ألف دينار (١). وأبدى صلاح الدين غاية الشهامة مع الصليبيين، فأذن للملكة (سيبيل) وغيرها من الأميرات بمغادرة المدينة في حاشياتهن دون فدية، واستوهبه الكثير من الأمراء عدداً من الإفرنج (٢)، كما عالج المرضى وضمَّد الجرحى وأعان الفقراء ومنع الغدر والانتقام، وقاوم الاعتداء، ووفَّى بالعهود والمواثيق، وحمى العُزَّل والأطفال والشيوخ والنساء، وضمن إيصال الإفرنج إلى مدينة (صور) أو إلى الجهة التي يريدونها برّاً وبحراً. ولما ثبت قدم صلاح الدين في بيت المقدس والساحل، قصد مدينة (صور)، لأنَّه علم أنَّه إن أخَّر أمرها ربَّما اشتدَّ، فرحل سائراً إليها حتى أتى (عكا) ونظر في أحوالها، ثم رحل متوجِّهاً إلى (صور) يوم الجمعة الخامس من شهر رمضان. ونزل على (صور) في الثاني والعشرين من شهر رمضان، فضايقها وقاتلها قتالاً عظيماً، واستدعى أسطول مصر، فحاصرها برّاً وبحراً. ولكنه رحل عنها لحلول موسم الشتاء (٣).

стр. 312

٨ - مجمل الفتح: ما حصيلة جهاد وجهود صلاح الدين؟ لقد استعاد طبرية، وعكا، وحيفا، والناصرة، والرملة، وقيسارية، وأرسوف (١)، ويافا، وعسقلان (٢)، وغزة، والداروم، وصيدا، وبيروت، وجبيل، وهونين (٣)، وجبليَّة (٤)، وتبنين، وأنطرسوس، وجبلة (٥)، واللاذقية، والسرفند (٦)، وبيت المقدس، نابلس، والبيرة (٧)، وصفورية (٨)، والطور (٩)، وحصن دبورية (١٠)، والفولة (١١)، وحصن عفربلا (١٢)، وحصن جينين (١٣)،

стр. 313

وسبسطية (١)، وكوكب (٢)، وحصن عفري (٣)، وبيت لحم (٤)، وحصن العازرية (٥)، والبرج الأحمر (٦)، وحصن الخليل (٧)، وبيت جبرين (٨)، وتل الصافية (٩)، وحصن مجدل يابا (١)، وقلعة الجيب الفوقاني (١١)، والجيب التحتاني (١٢)، والنطرون (١٣)، والحصن الأحمر (١٤)، واللد (١٥)، وقلنسوة (١٦)، ويبنى (١٧)، والقاقون (١٨)،

стр. 314

والقيمون (١)، وقلعة الكرك، وقلعة الشوبك (٢)، وقلعة السلع (٣)، والوُعيرة (٤)، وقلعة الجمع (٥)، وقلعة الطفيلة (٦)، وقلعة الهرمز (٧)، وقلعة صفد (٨)، وحصن يازور (٩)، وشقيف أرنون (١٠)، وحصن اسكندرونة (١١)، وقلعة أبي الحسن (١٢)، وبلدة (١٣)، والمرقية (١٤)، وحصن يحمور (١٥)، وبلنياس (١٦)، وصهيون (١٧)، وبلاطنس (١٨)،

стр. 315

وحصن الجماهرية (١)، وقلعة العيذو (٢)، وبكاس (٣)، والشغر (٤)، وبكسرائيل (٥)، والسرمانية (٦)، وقلعة برزوية (٧)، ودربساك (٨)، وبغراس (٩)، والدانور (١٠)، والسوفند (١١). تلك فتوحات عظيمة، دوَّخ بها الصليبيين، وأعطاهم درساً قاسياً لن ينسوه أبداً، وهي تدلُّ على قيادته الفذَّة وجهاده العظيم. فإذا أضفنا إليها توحيده مصر وأرض الشام وجزيرة ابن عمر، فإن صلاح الدين يكون من أعظم قادة المسلمين جهاداً وجهوداً، واخلاصاً وحمية وفتوحاً.

стр. 316

وجاء اليوم الموعود، فمات البطل صلاح الدين في ليلة الأربعاء، السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمئة الهجرية (٤ من آذار - مارس - ١١٩٣م) وهو في السادسة والخمسين من عمره، فكان يوماً لم يصب المسلمون والإسلام بمثله منذ فُقِدَ الخلفاء الراشدون، وغشي القلعة ودمشق والدنيا من الوحشة ما لا يعلمها إلاَّ الله تعالى. قال بهاء الدين بن شداد صاحب النوادر السلطانية: "وبالله لقد كنتُ أسمع من بعض الناس أنَّهم يتمنَّون فداء مَن يعزُّ عليهم بنفوسهم، وما سمعت هذا الحديث إلا على ضربٍ من التجوُّز والترخص إلاَّ من ذلك اليوم، فإنِّي علمت من نفسي ومن غيري لو قُبِل الفداء لفدي بالنفس" (١). وقد دفن ﵁ في دمشق، وقبره معروف. ٩ - الإنسان: كان حَسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة. وكان إذا مرض يستدعي الإمام وحده ويكلِّف نفسه القيام ويصلي جماعة، وكان يواظب على السنن والنوافل، وكانت له ركعات يصلِّيها إن استيقظ ليلاً، وإلاَّ أتى بها قبل صلاة الفجر، وما كان يترك الصلاة مادام عقله عليه، وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلَّى.

стр. 317

وقد مات ولم يحفظ من الأموال ما وجبت عليه الزكاة، وأما صدقة النفل فإنها استنفدت جميع ما ملكه من الأموال، ولم يخلف من خزانته من الذهب والفضة إلاَّ سبعة وأربعين درهماً ناصرية وديناراً واحداً ذهباً، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك. وكان يحرص على الصوم غاية الحرص، فإذا مرض أحصى ما فاته من الصوم وقضاه. وقد شرع بقضاء الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها. وكان الصوم لا يوافق مزاجه، وكان الطبيب يلومه وهو لا يسمع ويقول: "لا أعلم ما يكون"، ولم يزل يقضي حتى قضى ما كان عليه (١). وكان عازماً على أداء فريضة الحج ناوياً له سيما في العام الذي توفي فيه، فإنه صمم العزم عليه، وأمر بالتأهب ولم يبقَ إلا المسير، ولكنه اعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وفراغ اليد من النفقات" (٢). وكان يحبُّ سماع القرآن العظيم، حتى إنه كان يختار إمامه اختياراً، ويشترط أن يكون عالِما بعلوم القرآن متقناً لحفظه. وكان يستقرئ مَن يحضره في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن، فاستحسن قراءته، فقرَّبه وجعل له حظّاً من خاصّ طعامه، ووقف عليه وعلى أبيه جزءاً من مزرعةٍ.

стр. 318

وكان رقيق القلب، خاشع الدمعة، إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان شديد الرغبة في سماع الحديث، ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير، فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه، فأسمع مَن يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصِّين به، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له؛ وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم، سعى إليه وسمع عليه، وقد تردَّد إلى الحافظ الأصفهاني (١) بالإسكندرية وروى عنه أحاديث كثيرة. وكان يحب قراءة الحديث بنفسه، وكان يستحضر العلماء في خلوته، ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرؤها هو، فإذا مرَّ بحديثٍ فيه عبرة رقَّ قلبه ودمعت عينه. وكان كثير التعظيم لشعائر الدين، حسن الظنِّ بالله، كثير الاعتماد عليه، عظيم الإنابة إليه (٢). وكان عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي، وكان

стр. 319

يجلس للعدل في كل يوم إثنين وخميس في مجلس عام، يحضره الفقهاء والعلماء والقضاة، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير، وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفراً وحَضَراً. وكان في كل أوقاته يصغي إلى التظلم، وكان يجمع ما يصل إليه كل يوم دون أن يردَّ قاصداً، وكان يجلس إلى الكاتب ساعة إما بالليل أو النهار ويوقع على كل ورقة شكوى بما يطلق الله على قلبه، ولم يَرُدَّ قاصداً أبداً ولا منتحلاً ولا طالب حاجة، وهو مع ذلك دائم الذكر لله والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم. وكان رؤوفاً بالرعية، ناصراً للدين، مواظباً على تلاوة القرآن العزيز، عالِماً بما فيه عاملاً به، لا يعدوه أبداً (١). وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته وأخذ بقصته، وقد استغاث إليه إنسان من أهل دمشق على ابن أخيه، فأنفذ إليه وأحضره إلى مجلس الحكم ثم جرت محاكمته (٢). وخاصمه رجل، فحضر بنفسه في مجلس القضاء، وجرت محاكمته حسب الأصول. وحكم القاضي لصلاح الدين، فتقدَّم للمحكوم عليه بخلعة ونفقة بالغة (٣). وكان كريماً جداً يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال، حذراً أن

стр. 320

يفاجئهم مُهِمٌّ، لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه، وقد مات وليس في خزائنه إلا دريهمات ودينار واحد فقط (١)!. وكان من أشجع الشجعان، قوي النفس، شديد البأس، عظيم الثبات، مسيطراً على أعصابه، لا يخيفه شيء. وكان لا بد له من أن يطوف حول العدوكل يوم مرة أو مرتين إذا كانت قواته قريبة من العدو، وكان في أثناء نشوب القتال يطوف بين الصفوف ويخترق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتِّب المقدِّمات ويأمرهم بالتقدُّم أو الوقوف في مواضع يراها، وكان في الحرب أقرب ما يكون إلى العدو (٢). لقد كان يقود رجاله من (الأمام)، وكان المثل الأعلى لهم بالشجاعة. وكان شديد المواظبة على الجهاد، عظيم الاهتمام به، وقد كان الجهاد وحبه والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلاَّ برجاله، ولا ميل إلا إلى مَن يذكره ويحثُّ عليه. ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذِّه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظلِّ خيمة تهبُّ بها الرياح يمنة ويسرة. وكان الرجل إذا أراد أن يتقرَّب إليه يحثّه على الجهاد أو يذكر شيئاً من أخبار الجهاد، وقد أُلِّفت له كتب عدة في الجهاد، وكان كثيراً ما يطالع هذه الكتب.
следующие страницы →