وجاء اليوم الموعود، فمات البطل صلاح الدين في ليلة الأربعاء، السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمئة الهجرية (٤ من آذار - مارس - ١١٩٣م) وهو في السادسة والخمسين من عمره، فكان يوماً لم يصب المسلمون والإسلام بمثله منذ فُقِدَ الخلفاء الراشدون، وغشي القلعة ودمشق والدنيا من الوحشة ما لا يعلمها إلاَّ الله تعالى.
قال بهاء الدين بن شداد صاحب النوادر السلطانية: "وبالله لقد كنتُ أسمع من بعض الناس أنَّهم يتمنَّون فداء مَن يعزُّ عليهم بنفوسهم، وما سمعت هذا الحديث إلا على ضربٍ من التجوُّز والترخص إلاَّ من ذلك اليوم، فإنِّي علمت من نفسي ومن غيري لو قُبِل الفداء لفدي بالنفس" (١).
وقد دفن ﵁ في دمشق، وقبره معروف.
٩ - الإنسان:
كان حَسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة. وكان إذا مرض يستدعي الإمام وحده ويكلِّف نفسه القيام ويصلي جماعة، وكان يواظب على السنن والنوافل، وكانت له ركعات يصلِّيها إن استيقظ ليلاً، وإلاَّ أتى بها قبل صلاة الفجر، وما كان يترك الصلاة مادام عقله عليه، وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلَّى.
стр. 317
وقد مات ولم يحفظ من الأموال ما وجبت عليه الزكاة، وأما صدقة النفل فإنها استنفدت جميع ما ملكه من الأموال، ولم يخلف من خزانته من الذهب والفضة إلاَّ سبعة وأربعين درهماً ناصرية وديناراً واحداً ذهباً، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك.
وكان يحرص على الصوم غاية الحرص، فإذا مرض أحصى ما فاته من الصوم وقضاه. وقد شرع بقضاء الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها. وكان الصوم لا يوافق مزاجه، وكان الطبيب يلومه وهو لا يسمع ويقول: "لا أعلم ما يكون"، ولم يزل يقضي حتى قضى ما كان عليه (١).
وكان عازماً على أداء فريضة الحج ناوياً له سيما في العام الذي توفي فيه، فإنه صمم العزم عليه، وأمر بالتأهب ولم يبقَ إلا المسير، ولكنه اعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وفراغ اليد من النفقات" (٢).
وكان يحبُّ سماع القرآن العظيم، حتى إنه كان يختار إمامه اختياراً، ويشترط أن يكون عالِما بعلوم القرآن متقناً لحفظه.
وكان يستقرئ مَن يحضره في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن، فاستحسن قراءته، فقرَّبه وجعل له حظّاً من خاصّ طعامه، ووقف عليه وعلى أبيه جزءاً من مزرعةٍ.
стр. 318
وكان رقيق القلب، خاشع الدمعة، إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته.
وكان شديد الرغبة في سماع الحديث، ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير، فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه، فأسمع مَن يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصِّين به، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له؛ وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم، سعى إليه وسمع عليه، وقد تردَّد إلى الحافظ الأصفهاني (١) بالإسكندرية وروى عنه أحاديث كثيرة.
وكان يحب قراءة الحديث بنفسه، وكان يستحضر العلماء في خلوته، ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرؤها هو، فإذا مرَّ بحديثٍ فيه عبرة رقَّ قلبه ودمعت عينه.
وكان كثير التعظيم لشعائر الدين، حسن الظنِّ بالله، كثير الاعتماد عليه، عظيم الإنابة إليه (٢).
وكان عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي، وكان
стр. 319
يجلس للعدل في كل يوم إثنين وخميس في مجلس عام، يحضره الفقهاء والعلماء والقضاة، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير، وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفراً وحَضَراً.
وكان في كل أوقاته يصغي إلى التظلم، وكان يجمع ما يصل إليه كل يوم دون أن يردَّ قاصداً، وكان يجلس إلى الكاتب ساعة إما بالليل أو النهار ويوقع على كل ورقة شكوى بما يطلق الله على قلبه، ولم يَرُدَّ قاصداً أبداً ولا منتحلاً ولا طالب حاجة، وهو مع ذلك دائم الذكر لله والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم.
وكان رؤوفاً بالرعية، ناصراً للدين، مواظباً على تلاوة القرآن العزيز، عالِماً بما فيه عاملاً به، لا يعدوه أبداً (١).
وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته وأخذ بقصته، وقد استغاث إليه إنسان من أهل دمشق على ابن أخيه، فأنفذ إليه وأحضره إلى مجلس الحكم ثم جرت محاكمته (٢).
وخاصمه رجل، فحضر بنفسه في مجلس القضاء، وجرت محاكمته حسب الأصول. وحكم القاضي لصلاح الدين، فتقدَّم للمحكوم عليه بخلعة ونفقة بالغة (٣).
وكان كريماً جداً يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال، حذراً أن
стр. 320
يفاجئهم مُهِمٌّ، لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه، وقد مات وليس في خزائنه إلا دريهمات ودينار واحد فقط (١)!.
وكان من أشجع الشجعان، قوي النفس، شديد البأس، عظيم الثبات، مسيطراً على أعصابه، لا يخيفه شيء. وكان لا بد له من أن يطوف حول العدوكل يوم مرة أو مرتين إذا كانت قواته قريبة من العدو، وكان في أثناء نشوب القتال يطوف بين الصفوف ويخترق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتِّب المقدِّمات ويأمرهم بالتقدُّم أو الوقوف في مواضع يراها، وكان في الحرب أقرب ما يكون إلى العدو (٢).
لقد كان يقود رجاله من (الأمام)، وكان المثل الأعلى لهم بالشجاعة.
وكان شديد المواظبة على الجهاد، عظيم الاهتمام به، وقد كان الجهاد وحبه والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلاَّ برجاله، ولا ميل إلا إلى مَن يذكره ويحثُّ عليه. ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذِّه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظلِّ خيمة تهبُّ بها الرياح يمنة ويسرة.
وكان الرجل إذا أراد أن يتقرَّب إليه يحثّه على الجهاد أو يذكر شيئاً من أخبار الجهاد، وقد أُلِّفت له كتب عدة في الجهاد، وكان كثيراً ما يطالع هذه الكتب.
стр. 321
قال يوماً وهو على البحر قرب (عكا): "في نفسي أنه متى ما يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسَّمتُ البلاد وأوصيتُ وودَّعت، وركبت هذا البحر إلى جزائرهم (١)، أتتبعهم فيها حتى لا أُبقي على وجه الأرض مَن يكفر بالله أو أموت" (٢).
وأمره عالم جليل (٣) ألا يخاطر بنفسه؛ فقال له: "أنا أستفتيك: ما أشرف الميتات"؟ فقال العالم الجليل: "الموت في سبيل الله"! فقال: "غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات" (٤).
قال ابن شداد: "ولقد رأيته بمرج عكا، وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل، كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه، بحيث لا يستطيع الجلوس، وإنما يكون متَّكئاً على جانبه إن كان بالخيمة. وامتنع عن مدّ الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس، وكان يأمر أن يفرّق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو، وقد رتَّب الناس ميمنة وميسرة وقلباً تعبية القتال، وكان مع ذلك كلّه يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر، يطوف على الكتائب والوحدات، ومن العصر إلى صلاة المغرب وهو صابر على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل، وأنا أتعجَّب من ذلك فيقول: "إذا ركبتُ يزول عني ألمها حتى أنزل" (٥).
стр. 322
وكان حليماً إلى أبعد الحدود، قال ابن شداد: " ... تقدم إليه مملوك، وعرض عليه قصته (١) لبعض المجاهدين، فقال له: ... أخِّرها ساعة ... "ولم يفعل المملوك، وقرب القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده، وفتحها بحيث يقرؤها، فوقف على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه، فقال: رجل مستحق. فقال المملوك: يوقع المولى له، فقال: ليست الدواة حاضرة الآن.
"وكان جالساً في باب الخيمة بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها، والدواة في صدرها، والخيمة كبيرة، فقال له المخاطب: هذه الدواة في صدر الخيمة! ... وليس لهذا معنى إلاَّ أمره إياه بإحضار الدواة، فالتفت فرأى الدواة فقال: والله لقد صدق.
"ثم امتدَّ على يده اليسرى، ومدَّ يده اليمنى فأحضرها ووقَّع له، فقلتُ: قال الله تعالى في حقِّ نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وما أرى المولى إلاَّ قد شاركه في هذا الخلق، فقال ما ضرَّنا شيء ... قضينا حاجته، وحصل الثواب" (٢).
وكان كثير المروءة، ندي اليد، كثير الحياء، مبسوط الوجه لمن يَرِدُ عليه من الضيوف، لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده، ولا يخاطبه بشيء إلاَّ وينجزه.
стр. 323
وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافراً، وكان يكرم مَن يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار، وكان يوصي رجاله المقرَّبين بألاَّ يفضلوا عمن يجتاز بالمكان الذي هو فيه من المشايخ المعروفين إلاَّ أحضروهم عنده ليراهم ويقدِّم لهم الهدايا.
ومَثُلَ بين يديه أسير إفرنجي وقد هابه، فرقَّ له ومَنَّ عليه وأطلق سراحه.
وجاءته يوماً امرأة إفرنجية، وكانت ابنتها قد اختطفت، فقالت له: "قيل لي (١): إنَّ الملك رحيم، ونحن نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه، فأخرجوني إليك، ولا أعرف بنتي إلاَّ منك "، فرقَّ لها ودمعت عينه وحرَّكته مروءته، فلم يقر له قرار إلاَّ بعد العثور على ابنتها وتسليمها لها، ثم حُمِلَتْ حتى أعيدت إلى معسكر الإفرنج.
وكان حسن العشرة، لطيف الأخلاق، طيِّب الفكاهة، حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم، عارفاً بسيرهم وأحوالهم، حافظاً لأنساب خيلهم، عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها، بحيث يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره.
وكان حسن الخلق، يسأل الواحد من رجاله عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس، لا يذكر أحد بين يديه إلاَّ بالخير. وكان طاهر السمع، فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير. وكان طاهر
стр. 324
اللسان، فما سُمع يشتم أحداً قط. وكان طاهر القلم، فما كتب بقلمه إيذاء مسلم قطّ.
وكان حسن العهد والوفاء، فما أحضر بين يديه يتيم إلاَّ وترحَّم على مخلفيه، وجبر قلبه وأعطاه أرزاق مخلفه. فإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه، سلَّمه إليه، وإلاَّ أبقى له من أرزاق مخلفه ما يكفي حاجته، وسلَّمه إلى مَنْ يعتني بتربيته ويكفلها.
وكان لا يرى شيخاً إلاَّ ويرقُّ له ويعطيه ويحسن إليه (١)، ولا يرى محتاجاً إلاَّ مدَّ إليه يد العون.
ذلك هو صلاح الدين: رجل لا كالرجال، لا يتكرر مثله إلا نادراً، مؤمن بالله إيماناً راسخاً، تقي نقي ورع، عامل عالم، يحب العلم ويُقبل عليه، ويحتضن العلماء ويشجعهم، كريم كالريح المرسلة، شجاع كالأسد، صبور مصابر، مجاهد لإعلاء كلمة الله، حليم عادل ذو مروءة وشهامة، يرعى الضعفاء والأيتام والشيوخ، يعمل للمصلحة العامة لا لنفسه، قائدٌ ماهر وجنديٌّ متميِّز.
مات وفي يده السيف، ورحل عن الدنيا وهو فقير، ولكنه بقي مِلْءَ السمع والبصر، سيرته مسك مضمَّخ بالنور.
لقد عاش حياته موحِّداً من أجل الجهاد ومجاهداً من أجل التوحيد.
стр. 325
١٠ - في المصادر الأجنبية:
وقد يتبادر إلى الأذهان أنّ المصادر العربية والإسلامية وحدها تثني على صلاح الدين وعلى أعماله البطولية وتسجل تاريخه بمدادٍ من نور.
والواقع أنّ هذه المصادر لم تخلد في تاريخها وعلى صفحاتها غير الذين وحدوا من أجل الجهاد وجاهدوا من أجل التوحيد.
ومنذ جاء الإسلام، وبدأ الفتح الإسلامي العظيم، وأصبحت للمسلمين دولة عظيمة لا تغيب الشمس عن أرضها، حتى ضعف المسلمون وتداعت عليهم الأمم من كل جانب إلى يومنا هذا، حكم العربَ والمسلمين، كثيرٌ من الخلفاء والملوك والأمراء والحكام والرؤساء والقادة، فلم تذكر المصادر العربية والإسلامية من هؤلاء بالثناء العاطر في صفحاتها المشرفة الخالدة، غير الذين وحدوا من أجل الجهاد وجاهدوا من أجل التوحيد.
وهؤلاء الذين خلَّدتهم تلك المصادر بحق، يُعَدُّون على الأصابع، أما سائر ذوي السلطان والجاه فقد نسيهم التاريخ أو ذكرهم في صفحاته المظلمة، ولو نسيهم أسوة بغيرهم لكان خيراً لهم.
ولا عبرة بالكتب التافهة التي سطرها المنافقون والتافهون في أيامهم على صفحات الكتب نفاقاً وارتزاقاً أو على صفحات الصحف والمجلاَّت تزلُّفاً واختلاقاً. فقد حكم الناس بالموت على تلك الكتب القديمة والحديثة وهي في مهدها، كما حكموا على الصحف والمجلاَّت الحديثة بالاستخفاف والازدراء.
стр. 326
وقد ذهب الزبد إلى غير رجعة، ومكث في الأرض ما ينفع الناس، والناس يعرفون الذين يخدمون أهدافهم العليا بصدق وإخلاص، وقد يُغَشُّون ساعة، ولكنهم لا يُغشُّون إلى قيام الساعة.
وأكبر الظنِّ أنَّ الذين لا يخلصون في خدمتهم ويتظاهرون بالإخلاص، لا يغشّون غير أنفسهم، وحتى الأقلام المأجورة التي سخَّروها للتسبيح بحمدهم، يعرف أصحابها حقيقة أمرهم وحقيقة مَن يكتبون عنهم، والمصير المحتوم لما يكتبون! إن صلاح الدين لم يحظَ بتقدير المؤلِّفين العرب والمسلمين فحسب، بل حظي بتقدير المنصفين من مؤلفي الغرب الصليبيين. بل إن تقديره تجاوز المنصفين من المؤلفين الغربيين القدامى والمحدثين إلى غير المنصفين أيضاً، ولكن بشكل آخر هو: التركيز على أهمية القضاء عليه في حياته بشتَّى الوسائل، وبثّ الإشاعات الكاذبة عنه خوفاً منه وتقديراً لأهميته الشخصية في إحراز النصر (١).
وحتى الذين حاربوه من الإفرنج، قوَّموه وقدَّروا له فضله وشجاعته ومروءته وأعجبوا أيما إعجاب بمزاياه الحميدة وخصاله الفذَّة.
لقد أحرز صلاح الدين النصر على أعدائه بسجاياه النادرة، قبل أن يحرز عليهم النصر بقواته المسلَّحة النظامية وقوات المتطوعين من المجاهدين.
стр. 327
ولعلَّ من المفيد إيراد أمثلة من تقدير المؤلفين الغربيين لصلاح الدين سواء كان ذلك التقدير بصورة ثناء أو بصورة أخرى غير الثناء تُقَيِّم صلاح الدين كما يُقَيِّمه الثناء.
يقول (١) (شامب دور Albert Champdor) في ترجمته لصلاح الدين: "إنَّ صلاح الدين كان أنقى قادة العرب، وإليه يرجع الفضل في التمهيد لنهضة الإسلام السياسية، وإنَّه كان على الصليبيين أن يواجهوا في صلاح الدين حاكماً ذكياً ماهراً مرهوب الجانب، عرف كيف يفرض على خصومه التقدير والاحترام لشجاعته ونزاهته وأمانته وسموّ خُلُقه، تلك الخصائص الخلقية التي كان الشرق قد فقدها في قادته منذ زمن بعيد".
ويعجب المؤرِّخ (شامب دور) من أنَّ صلاح الدين الذي كان سيد الشرق والقائم على كل ما فيه من ثروات وخيرات، قد مات فقيراً معدماً حتى إن أهله اضطروا إلى اقتراض المال الذي أعدُّوا به شؤون جنازته يوم موته.
ويقول المؤرخ (سوبر هاييم Soberheim) : " إنَّ صلاح الدين لم يكن متعصِّباً ولم يكن ليحمل ضغينة أو بغضاء للصليبيين باعتبارهم بشراً ولا للمسيحيين الخاضعين لحكمه، لذلك لم يضرب الصليبيين كمسيحيين، بل كان يضربهم كأعداء بادؤوا العرب العداء وجاؤوا ليضربوا الإسلام في دياره".
стр. 328
ويستطرد هذا المؤرخ متصدياً للجانب الإنساني في صلاح الدين، فيقول: "إنَّ صلاح الدين آثر -دائماً- أن يكون حكمه قائماً على العدل واللّين والمحبة، وإنه على الرغم من شجاعته الحربية التي حققت له العديد من الانتصارات في ميادين القتال، كان يكره أن تقع عيناه على دمٍ مراق، وكان يحسّ الألم يحزُّ في نفسه لما تجلبه الحروب من ويلات ولما يصيب المقاتلين في معاركها. ولم يستخدم في حكمه الحديد والنار والسم، فظلَّ على رأس الإسلام حامياً للمسلمين بغير ما عنف ولا هوى، مستنداً في كل تصرُّفاته إلى مبادئ الشرف والمحبة، تلك المبادئ التي استطاع بها أن يمكِّن من سلطان العرب والمسلمين".
وقد استثارت انتصارات صلاح الدين حنق رجال الدين المسيحيين عليه، فانبرى الناسك (كريكوار) الذي نُصِّبَ إذ ذاك بابا في الفاتيكان باسم: (كريكوار الثامن)، وحمل لواء الدعوة لحملة صليبية ثالثة، وراح يحرِّض كل مَن بلغ سنَّ القتال على حمل السلاح لإنقاذ الأرض المقدَّسة، وأمر المسيحيين بالصوم والصلاة، وأجبر ملوكهم على عقد هدنة يحرم فيها القتال فيما بينهم لمدة سبعة أعوام يتفرَّغون خلالها لقتال المسلمين. كذلك جدَّد كرادلة الكنيسة قَسَمَهُم القديم، فعادوا وأقسموا على أن يتخلَّوا عن أبَّهتهم الدينية وجاههم الكنسي وألاَّ يمتطوا الخيل، وأن يعيشوا على الكَفاف من الصدقات، وأن يطوفوا العالم المسيحي يستفزّونه على الإسلام، وأن يظل أمرهم على هذه الصورة حتى تعود إليهم أورشليم.
وقد خلف البابا كريكوار الثامن: البابا (كليمنت) الذي طبَّق
стр. 329
سنّة سلفه، فوهب الغفران ومنح الامتيازات لكلّ من يخف للقتال في الأرض المقدَّسة، وأخذ خطباؤه يطوفون الممالك المسيحية ليشوِّهوا بالباطل سمعة صلاح الدين بمفترياتهم وأضاليلهم.
ولم يقف رجال الكنيسة لإثارة المسيحيين عند هذا الحد، بل إنَّهم راحوا يخترعون قصصاً تصور ألواناً من العذاب يعانيها المسيحيون في الشرق، كما أنَّ الكهنة والأحبار دأبوا إذ ذاك على لون آخر من الدعاية، فكانوا يخلعون ملابسهم الكهنوتية على ملأ من الناس ويتدرَّعون بدلاً منها بدروع الحرب، وكذلك راحوا يقسمون بألاَّ يمنحوا أحداً صكّاً من صكوك الغفران ما لم يكتب النصر للمسيحية على الإسلام.
يقول (شامب دور): "كما تمكَّنت فرنسا بفضل البابوات من زعامة الغرب والمسيحيين، فقد تمكَّنت مصر أيضاً بفضل صلاح الدين من الزعامة على المسلمين والعرب قاطبة ... لقد كان للملك آموري الفضل في تحذير الغرب من خطر صلاح الدين، فهو أول من تكهَّن بتألُّق نجمه حينما كان صلاح الدين في مستهلّ كفاحه ومطلع تاريخه العظيم، وقد نبَّه آموري الغرب إلى أن الضرورة تقتضي إخضاع مصر لإقامة دولة إفرنجية فيها، وصمَّم هذا الملك على غزوها والاستيلاء عليها، ليحول بذلك دون قيام جبهة عربية قوية متحدة دينياً وسياسياً تعيد إلى العرب أمجاد الدولة العربية الأولى. كما أن آموري قد بصَّر الغرب بخطر وحدة العرب والمسلمين وحذَّره إياها، مؤكِّداً أنَّ هذه الوحدة إنما تقوم على أنقاض المسيحية،
стр. 330
وأنَّ هذا المصير المخيف لا مناص منه طالما كان صلاح الدين على رأس مصر وسورية معاً، مما يحقِّق الوحدة بينهما لتصبحا مصدر تهديد للغرب".
ولقد ذهب الملك آموري في مخاوفه من صلاح الدين إلى أبعد من هذا، فتكهَّن للغرب بأنَّ صلاح الدين الأيوبي قد تغريه انتصاراته وقوته، فيقوم بتكوين مملكة تمتدُّ من (النيل) إلى (الفرات) و (دجلة)، فيصبح في المركز الذي يستطيع منه أن يسدِّد الضربة القاضية إلى الدول الإفرنجية التي أقامها الصليبيون في فلسطين وعلى شواطئ لبنان. وأكَّد آموري أن قوَّة صلاح الدين وانتصاراته لا تعدو أن تكون مقدّمة لنضال يطول مستقبلاً بين المسيحيين في الغرب والمسلمين في الشرق، إلى أن يستفحل أمره ويعمّ خطره، فينتهي إلى النضال بين العالَمَين الغربي والعربي، يناضل فيها الغرب من أجل الاحتفاظ بما مكَّن له من أسباب القوة وقواعده التي تهدد الإسلام وتحول بينه وبين استرداد قوته وجمع العناصر التي تتيح له الانتصار على الغرب، ويناضل فيه العرب من أجل الذَّودِ عن استقلالهم والسيادة على بلادهم.
وبعث الملك آموري جيوشه إلى مصر، بدعوى الدفاع عن عرش الخليفة الفاطمي، ولكن قوات صلاح الدين أجبرت آموري على الانسحاب.
وعاد آموري لغزو مصر عن طريق البحر، فحاصر مدينة (دمياط)، ولكن صلاح الدين أجبره على الجلاء عن الأراضي المصرية كما مرَّ بنا سابقاً.
стр. 331
وأدرك آموري أمام قوة صلاح الدين المتزايدة، أنَّه لم يعد له أمل في القضاء على صلاح الدين في ساحة القتال، فأخذ يدبِّر المؤامرات لاغتياله. وأرسل أحد أعوانه إلى مصر في مهمة رسمية، كان ظاهرها تحيات وتمنيات الملك الصليبي إلى صلاح الدين، وباطنها الاتصال بالمتمرّدين -آنئذٍ - على سلطة صلاح الدين واغتياله، ولكن هذه المؤامرات باءت بالإخفاق، وعزَّزت مكانة صلاح الدين.
واستخدم قادة الغرب شتَّى الوسائل للإيقاع بصلاح الدين: استخدموا الرشوة والجواري والمال، وسَعوا إلى عقد المحالفات مع ذوي المطامع السياسية، ولكن صلاح الدين بحلمه واستقامته تغلَّب على المنافسين له والطامعين في ملكه من قادة الغرب والقادة المحلِّيين أيضاً.
وفي ذلك يقول (شامب دور): "لقد كانت معجزة حقاً أن يتمكَّن صلاح الدين من البقاء في الحكم دون الركون إلى وسائل القوة والبطش بخصومه أو القضاء عليهم، وأعجب من هذا أن يتمكن هذا القائد العربي من إقامة إمبراطورية عربية قوية في مدى محدود من السنوات، على الرغم من كل هذه المناورات، وعلى الرغم من أن الحروب الصليبية كان يقودها ويدير معاركها، ويلظى نارها زعماء المسيحية والخاصة من الغرب ممن يزعمون لأنفسهم رسالات الدين والخلق، ويتصفون بطابع الفكر والاتجاهات الروحية - على الرغم من ذلك كله، فإنَّه في غمار تلك الحملات الصليبية وباسمها ارتُكِبت أحطّ الجرائم من قتلٍ للأبرياء وسلبٍ للآمنين وسبيٍ للنساء، مما لم يكن له مثيل في تاريخ الحروب في الشرق ... ".
стр. 332
ويقول (غليوم دي تير) الذي أرَّخ للحروب الصليبية: "إن الصليبي كان يرى في الشرقي -فحسب- عدوَّه اللدود مسلماً كان الشرقي أو مسيحياً"، ويضرب هذا المؤرِّخ مثلاً على مذابح الصليبيين، بغزوة الفرسان القساوسة لمدينة (بلبيس) (١)، حيث كانت مجزرة للأقباط لاقوا فيها حتفهم على أبشع صور القسوة، دون أن يرحم الفرسان القساوسة الشيوخ من الضحايا ولا الأطفال الرُّضَّع والنساء الضعيفات.
أما عن علاقة الصليبيين ببعضهم، فقد كانت على أسوأ حال. ومن الأمثلة على ذلك أنَّه عندما تمَّ النصر لصلاح الدين وارتدَّت الحملة الصليبية الثالثة، لم يجد الصليبيون المندحرون غير النبذ والإساءة والتنكيل من أمراء الفرنج الذين استوطنوا أنطاكية وطرابلس. بل إن هؤلاء الأمراء فرضوا عليهم الضرائب ونهبوا متاعهم، ثم منعوهم من الدخول إلى مدنهم. ويروي مؤرخو الغرب أن المهزومين من جنود الصليبيين في الحملة الثالثة لم يلاقوا معاملة إنسانية رحيمة إلا ممن كانوا يعتبرونهم أعداء لهم من العرب والمسلمين الذين وفَّروا لهم العطف والإيواء كلاجئين، كما أمر صلاح الدين أن يُعامَلوا بالحسنى، وأن توزَّع عليهم الخيام والأغذية دون ثمن إلى أن يتمكَّنوا من ركوب البحر والعودة إلى بلادهم.
وكانت هناك طائفة من اللاجئين أمر صلاح الدين بنقلهم جميعاً
стр. 333
إلى الإسكندرية لتسهيل عودتهم إلى بلادهم على سفن جنوا وبيزا وفينيسيا ومارسيليا، إلاَّ أنَّ قادة هذه السفن امتنعوا عن نقلهم معهم إلى أوروبا دون أن يتقاضوا منهم أجور السفر قبل الرحيل ودون أن يتزوَّد كل واحد منهم بزاد يكفيه طيلة أيام سفره. ولما طلب قادة هذه السفن من الحاكم العربي لميناء الإسكندرية أن يعيد إليهم أجهزة السفن التي أودعوها مخازن الميناء طبقاً لما كان متَّبَعاً في ذلك الوقت، وكان قد تبيَّن للحاكم أن هذه السفن تمتنع عن نقل أولئك اللاجئين من جنود الصليبيين لعجزهم عن أداء نفقات السفر، فدُهشَ لتصرُّف تجار الغرب الذين لم يتحرَّجوا من ترك أبناء جنسهم ودينهم تحت رحمة الأقدار يعيشون على صدقات العرب، مؤثرين على نقلهم في سفنهم نقل السلع ومختلف البضائع، ولم يقبل قادة السفن وساطة الحاكم العربي لإعادة الصليبيين إلى بلادهم إلا بعد أن قامت السلطات العربية بتقديم جميع المؤن التي تكفيهم طوال أيام رحلتهم.
وقد أصرَّ الحاكم العربي على إلزام قادة السفن برعاية مَن حملتهم سفنهم من الصليبيين، واشترطوا على أنفسهم في وثيقة مكتوبة ألا ينزلوا أحداً منهم إلا في موانئ بلاده، وأن يعتبروهم في ظلِّ الحماية الإسلامية حتى يبلغوا برّ الأمان في شواطئ فرنسا وإيطاليا.
يقول (شامب دور): "هكذا كان سلوك المسلمين والعرب في حربهم مع الصليبيين المنهزمين واللاجئين بعد اندحار حملتهم وإخفاقها ... وإنه لموقف كريم حقاً وإنساني إذا قورن بموقف بني جنسهم الذين امتنعوا عن معاونتهم ما لم يتقاضوا الثمن نقداً وسلفاً ... ". وهكذا كان موقف الشرق من الغرب في ظل صلاح الدين، ذلك البطل الذي تعتبر سيرته
стр. 334
من أعظم سِيَرِ البطولة وأخلدها وأروعها (١).
إن صلاح الدين انتصر بمُثُلِهِ العليا النابعة من صميم تعاليم الإسلام، فغزا القلوب بمبادئه السامية وأخلاقه المثالية، قبل أن يغزو الرقاب بسلاحه ورجاله (٢).
فما أحوجنا اليوم إلى أمثال صلاح الدين قائداً، وإلى صلاح الدين للأرض المقدسة والمسجد الأقصى اليوم!.
...
стр. 335
- ٣ -
المَلك المظَفَّر قطز قَاهر التَّتَار
١ - السلطان:
الملك المظفر قُطُز قاهر التتار، هو السلطان الملك المظفّر سيف الدين قطز المعزّى، تسلطن بعد خلع الملك المنصور علي بن الملك المعز أيبك (١) في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمئة الهجرية (٢) (١٢٥٩م) بعد أن تفاقم خطر التتار وأصبحت مصر مهدَّدة بغزوهم الوشيك.
وكانت مصر على إثر وفاة سلطانها الملك الصالح (٣) ومقتل ولده الملك المعظَّم (٤)، قد رفعت على عرشها امرأةً هي: (شجرة الدُّرّ) أرملة الملك الصالح (٥)، فكانت أول ملكة كما كانت آخر ملكة اعتلت عرش مصر الإسلامية.
стр. 336
وأُقيم للسلطنة نائب قوي هو الأمير عز الدين أيبك كبير المماليك البحرية، ليعاون شجرة الدر في تدبير الأمور. وبالرغم مما أبدته شجرة الدر من حزم وبراعة في تسيير أمور الدولة وتصفية الموقف مع الصليبيين وإجلائهم عن مصر، فقد كان جلوس امرأة على عرش مصر نذيراً بوقوع الفتن والاضطرابات، حيث أبى معظم الأمراء أن يحلفوا يمين الطاعة للملكة الجديدة. لذلك رأت شجرة الدر أن تتزوَّج من الأمير عز الدين أيبك، فلما لم تفلح هذه الخطوة في تهدئة الأمور، رأت أن تتنازل عن العرش لزوجها، فتولىَّ الأمير عز الدين أيبك عرش مصر باسم الملك المعز، وذلك في آخر ربيع الثاني سنة ثمان وأربعين وستمئة الهجرية (١) (١٢٥٠م)، وحكم مصر زهاء سبع سنين.
وكانت شجرة الدر وراء زوجها تعاونه في تصريف الأمور، حتى دبَّ الخلاف بين الزوجين، لاعتزام المعز الزواج، فدبَّرت له شجرة الدر مؤامرة لاغتياله، ونفَّذتها في بيتها يوم الثلاثاء ٢٣ من ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٥٧م).
وتولَّى الملك المنصور، يوم الخميس الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٥٧ م)، وكان عمره خمس عشرة سنة (٢)، فلم يكن قادراً على تحمُّل أعباء المُلك في ظروف حرجة للغاية، إذ كانت البلاد مهدَّدة بالغزو التتري، لذلك خلعه قطز وتولَّى المُلْكَ مكانه، وكان هدفه: حرب التتار، وإنقاذ مصر بخاصة
стр. 337
والبلاد العربية بعامة من خطر غزوهم الكاسح.
٢ - الموقف العام:
ولعلَّ في عرض الموقف العصيب التي كانت تجتازه مصر والبلاد العربية من جرَّاء الغزو التتري الجارف، ما يُبرِز مبلغ التضحية التي بذلها قطز في قبوله تحمُّل المسؤولية حينذاك في بَلد مهدد بغزوٍ خارجيٍّ ماحق وبارتباك داخلي فظيع، وقد كان بإمكانه أن يستمتع بالسلطة الفعلية بالرغم من بقاء الملك المنصور في الحكم دون أن يكون المسؤول الأول في مثل تلك الظروف الحرجة، ولكنه آثر المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، فقضى أولاً على الارتباك الداخلي ووضع الأمور في نصابها، ثم وجَّه كل همه إلى العدو الخارجي، فاستطاع بأعجوبة خارقة حقّا إحراز النصر وإنقاذ مصر والبلاد العربية من التتار وقواتهم الضاربة.
ففي سنة أربع وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٥٦م) مَلَكَ التتار سائر بلاد الروم بالسيف، فلما فرغوا من ذلك نزل هولاكو بن طولوي بن جنكيزخان على بغداد، وذلك في صفر سنة ست وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٥٨ م)، ودخلوها دخول الضواري المفترسة، وقتلوا مئات الألوف من أهلها، ونهبوا خزائنها وذخائرها، وقضوا على الخلافة العباسية وعلى معالم الحضارة الإسلامية، ثم قتلوا الخليفة المستعصم بالله وأفراد أسرته وأكابر دولته.
وتقدَّم التتار إلى بلاد الجزيرة (جزيرة ابن عمر) واستولوا على (حران) و (الرُّها) و (ديار بكر) في سنة سبع وخمسين وستمئة الهجرية
стр. 338
(١٢٥٩ م)، ثم جاوزوا الفرات ونزلوا على (حلب) في سنة ثمان وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٦٠ م)، واستولوا عليها وأحرقوا المساجد وجرت الدماء في الأزقَّة.
ووصل التتار إلى دمشق، وسلطانها الناصر يوسف بن أيوب، فخرج هارباً وخرج معه أهل القدرة (١)، ودخل التتار إلى دمشق وتسلموها بالأمان، ثم غدروا بأهلها.
وتعدَّوا دمشق، فوصلوا إلى (نابلس) ثم إلى (الكرك) وبيت المقدس (٢)، وتقدَّموا إلى (غزة) دون أن يلقوا مقاومة تُذكر. واضطر هولاكو فجأة إلى مغادرة سورية بعد أن جاءته الأخبار بوفاة أخيه الأكبر (منكوقاآن) في الصين، وبتنازع أخويه الآخرين (قوبيلاي) و (أريق بوكا) ولاية العرش (٣).
وقد استثمر التتار (حرب الصاعقة) التي تعتمد على سرعة الحركة، كما استثمروا (حرب الأعصاب) إلى أقصى مدى، فنشروا الذعر والخوف من بطشهم في كل مكان، وحيثما اتَّجهت قواتهم كانت تسبقهم الأقاصيص عن طغيانهم وقسوتهم ومذابحهم (٤).
٣ - موقف أوروبا: وفرحت أوروبا المسيحية بانتصار التتار، فقد كانوا من أصدقاء
стр. 339
المسيحيين، وفيهم بعض النصارى، ولهولاكو نفسه زوجة مسيحية، فضلاً عن أن القائد الذي ولي أمر سورية عندما غادرها هولاكو كان مسيحياً (١). كل هذا جعل البابوات وحكَّام غرب أوروبا ينظرون إلى التتار وكأنهم حلفاؤهم في قتال المسلمين.
والواقع أنَّ فكرة تكوين حلف من الأوروبيين والتتار لتدمير البلاد الإسلامية كانت موضع تفكير البابوات في عصور متتالية، وكانت سياسة هؤلاء تهدف إلى نشر الدين المسيحي بين التتار. وقد تبادل التتار وحكَّام غرب أوروبا (٢) البعوث، وعلى سبيل المثال فقد دعا لويس التاسع قسماً من رجال أمير التتار إلى فرنسا، حيث فاوضهم على عقد اتفاقية عسكرية تنص على أن يقوم طرفاها بعمليات حربية على العرب والمسلمين، يكون دور التتار فيها غزو العراق وتدمير بغداد والقضاء على الخلافة الإسلامية، ويكون دور الصليبيين حماية هذا الغزو التتري من الجيوش المصرية وتجريد جيوشهم لمنع نجدة القوات المصرية للمسلمين في آسيا، وبالأحرى تقوم بعزل مصر عزلاً تاماً عن سائر البلاد العربية.
ولم يكفِ لويس التاسع عن العمل لاستمالة التتار وتسخير قوتهم المدمرة لضرب الإسلام، ففي السابع والعشرين من كانون الثاني (يناير) سنة ١٢٤٩م أرسل إلى أمير التتار هدايا ثمينة حملها إلى الأمير وفدٌ على رأسه الراهب الدومنيكي (أندريه دي لونجيمو)، ومما يُذكَر أنه كان من بين هذه الهدايا قطعة من الصليب المقدَّس وصوَر للعذراء ومختلف
стр. 340
النماذج الصغيرة لعديد من الكنائس.
يقول الأسقف (دي مسنيل Du Mesnil) نائب مدير البعثات التبشيرية في روما، في كتابه عن الكنيسة والحملات الصليبية: "اشتهر هولاكو بميله إلى المسيحيين النسطوريين، وكانت حاشيته تضم عدداً كبيراً منهم، من بينهم قائده الأكبر (كتبغا)، وهو تركي الجنس مسيحي نسطوري، كما كانت الأميرة (دوكس خاتون) زوجة هولاكو مسيحية أيضاً. وقد لعب نفوذ الأميرة على زوجها دوراً خطيراً تفخر به الكنيسة في تجنُّب أوروبا المسيحية أهوال الغزو التتري وتوجيه غزوهم إلى العرب والمسلمين في الشرق العربي، حيث ذبحت قوات التتار العرب والمسلمين في مذابح بغداد، في الوقت الذي أبقت فيه على المسيحيين في تلك المدينة، فلم تمسَّهم في أرواحهم أو أموالهم بأذى، كما لعبت الأميرة دوراً في إغراء زوجها باحتلال سورية الإسلامية".
ويصف الأسقف حملة التتار فيقول: "لقد كانت الحملة التترية على الإسلام والعرب حملة صليبية بالمعنى الكامل لها، حملة مسيحية نسطورية. وقد هلَّل لها الغرب وارتقب الخلاص على يد هولاكو وقائده المسيحي (كتبغا)، الذي تعلَّق أمل الغرب في جيشهما، ليحقِّق له القضاء على المسلمين، وهو الهدف الذي أخفقت في تحقيقه الجيوش الصليبية، ولم يعد للغرب أمل في بلوغه إلاَّ على أيدي التتار خصوم العرب والمسلمين".
وقد بادر (هاتون الأول) ملك أرمينية و (بوهومونت السادس) أمير طرابلس، وأمراء الإفرنج في صور وعكا وقبرس؛ بادر هؤلاء إلى
стр. 341
عقد حلف مع التتار، يقوم على أساس القضاء على المسلمين كافة في آسيا، وتسليم هؤلاء الأمراء بيت المقدس.
ويقول (دي ميسنيل) في كتابه عن تاريخ التبشير: "إن المسيحيين
هم الذين حرَّضوا هولاكو على الرحيل عن سورية إلى بلاده ومحاربة أخيه هناك بسبب موالاته للإسلام".
وأخيراً انتهى أمل الصليبيين بدخول التتار في الإسلام، وفي ذلك يقول الأسقف (دي ميسنيل) واصفاً هذه الخاتمة: "وهكذا نرى الإسلام الذي كان قد أشرفت قوته على الزوال، يستردّ مكانته، ويستعيد قوَّته، ويصبح أشدّ خطراً من ذي قبل" (١).
لقد كانت مهمة قطز صعبة جداً، لأنه كان عليه أن يواجه الخطر الداخلي المتمثِّل بالارتباك والفوضى في نظام الحكم والصراع على السلطة. وفي نفس الوقت كان عليه أن يواجه الخطر الخارجي المتمثِّل بالغزو التتري الداهم المتحالف مع الصليبيين في الغرب والشرق على حدٍّ سواء.
كل ذلك يجعلنا نقدر أعظم التقدير إقدام قطز على تحمُّل المسؤولية المباشرة دفاعاً عن الإسلام والمسلمين في أحرج فترة من فترات التاريخ.
٤ - زحف التتار:
قبل مغادرة هولاكو سورية، أرسل رسولاً من رجاله وبرفقته
стр. 342
أربعون رجلاً من الأتباع إلى (قطز)، يحملون كتاباً من هولاكو إلى السلطان جاء فيه: "من ملك الملوك شرقاً وغرباً القائد الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء. يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم، يتنعَّمون بأنعامه، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك. يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أنَّا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه وسلطنا على مَن حلَّ به غضبه. فلكم بجميع البلاد معتبر وعن عزمنا مزدجر.
فاتَّعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ؛ فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرقّ لمن شكى. وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد، وطهَّرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد. فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب. فأي أرض تأويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم؟! فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص. فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال.
فالحصون عندنا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمَع. فإنَّكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عند كلام، وخنتم العهود والأيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان، فأبشروا بالمذلَّة والهوان، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فمن طلب حربنا ندم، ومَن قصد أماننا سلم. فإن أنتم لشرطنا وأمرنا
стр. 343
أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هلكتم، فلا تهُلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذَّر مَن أنذر. وقد ثبت عندكم أن نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلَّطَنا عليكم مَن له الأمور المقدَّرة والأحكام المدبَّرة. فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل ... فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا بردِّ الجواب، قبل أن تضرب الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منَّا جاهاً ولا عزَاً، ولا كافياً ولا حرزاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم خالية. فقد أنصفناكم إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذَّرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم، والسلام علينا وعليكم، وعلى مَن أطاع الهدى، وخشي عواقب الرَّدى، وأطاع الملك الأعلى.
"ألا قُل لمصرٍ ها هلاون (١) قد أتى ... بحدِّ سيوفٍ تُنتضى وبواترِ يصير أعزُّ القوم أذِلَّةً ... ويلحق أطفالاً لهم بالأكابر" (٢) وكان ذلك في سنة ثمانٍ وخمسين وستمئة الهجرية (أوائل سنة ١٢٦٠م).
فلمَّا سمع قطز ما في الكتاب، جمع الأمراء، واتَّفقوا على قتل الرسل، فقُبِضَ على الرُّسل، واعتُقلوا، وأُمِرَ بإعدامهم، فأُعدموا توسيطاً (٣) كلٌّ أمام باب من أبواب القاهرة، وعُلِّقت رؤوسهم على باب (زويلة) (٤).
стр. 344
لقد كان قطز قد عقد العزم على حرب التتار، وكان قراره نهائياً لا رجعة عنه، إذ هو المسوِّغ الوحيد لاستيلائه على السلطة.
فقد تواترت المعلومات الموثوق بها عن زحف التتار باتجاه مصر، كما علم المصريون باستيلاء التتار على سورية وفلسطين، كما وصل إلى القاهرة كمال الدين عمر بن العديم (١) رسولاً من الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب والشام يطلب من قطز النجدة على قتال التتار. وجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم فيما يعتمد عليه من أمر التتار، وأن يؤخذ من الناس ما يُستعان به على جهادهم.
وحضر أصحاب الرأي في دار السلطنة بقلعة الجبل، وحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام والقاضي بدر الدين السنجاري قاضي الديار المصرية، وأفاضوا في الحديث، فكان الاعتماد على ما يقوله ابن عبد السلام، وخلاصة ما قال: "إنَّه إذا طرق العدوّ بلاد الإسلام، وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألاَّ يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا ما لكم من الحوائص (٢) المذهَّبة والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساوَوْا هم والعامة. وأما أخذ الأموال من العامة، مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة، فلا".
стр. 345
وانفضَّ المجلس على ذلك، ولم يتكلَّم السلطان وهو الملك المنصور علي بن الملك المُعزّ أَيْبَك لعدم معرفته بالأمور ولصغر سنّه، فلهج الناس بخلع المنصور وسلطنة قطز حتى يقوم بهذا الأمر المهم (١).
فقد علم قطز أنه لا بدَّ من خروجه من مصر على رأس قواته العسكرية لقتال التتار، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ما يريد لأن الآراء مغلولة لصغر السلطان، ولأنَّ الكلمة مختلفة، فجمع قطز أصحاب الرأي من العلماء والأمراء، وعرَّفهم أنَّ الملك المنصور هذا صبيٌّ لا يحسن التدبير في مثل هذا الوقت الصعب، ولا بدَّ أن يقوم بأمر الملك رجلٌ شهمٌ يطيعه كل أحد، وينتصب للجهاد في التتار، فأجابه الجميع: ليس لها غيرك (٢)! لقد كان الجواب على رسالة هولاكو هو: القتال، ولا شيء غير القتال.
وكان هذا القرار متَّفَقاً عليه من الجميع قبل وصول وفد هولاكو وقبل وصول رسالته إلى القاهرة.
ولم يكن إعدام الوفد إلاَّ حافزاً جديداً لقطز وقواته على القتال، دون أن يتركوا الباب مفتوحاً لحلٍّ آخر غير القتال.
وهذا موقف لقطز، في مثل الظروف التي كانت تحيط به، موقف يُحمَد عليه، لأنَّه انتزع آخر أمل من نفوس المتردِّدين والانهزاميين في احتمال رضوخ قطز إلى مطالب التتار، فقال قطز قولته الحاسمة: "إنَّ
стр. 346
الرأي عندي هو أن نتوجَّه جميعاً إلى القتال، فإذا ظفرنا فهو المراد، وإلاَّ فلن نكون مسلمين أمام الخلق" (١).
٥ - الحشد:
خرج قطز يوم الإثنين الخامس عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٦٠ م) بجميع عسكر مصر ومَن انضمَّ إليهم من عساكر الشام ومن العرب والتركمان وغيرهم من قلعة الجبل في القاهرة يريد معسكر (الصالحية) معسكر مصر الكبير في شرق الدلتا.
وقبل ذلك وفي نفس اليوم، أحضر قطز رسل هولاكو وأعدمهم، ليضع قواته المسلَّحة (٢) أمام الأمر الواقع: لا مفرَّ من القتال.
ونوديَ في القاهرة والفسطاط وسائر إقليم مصر بالخروج إلى الجهاد، وتقدَّم قطز إلى جميع الولاة بحثِّ الأجناد للخروج إلى القتال، وسار حتى وصل إلى (الصالحية) وتكامل حشد قواته، فجمع الأمراء وكلَّمهم في الرحيل، فأبَوا كلّهم عليه وامتنعوا من الرحيل، فقال لهم: "يا أمراء المسلمين! لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجِّهٌ، فمَن اختار الجهاد يصحبني، ومَن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإنَّ الله مطَّلعٌ عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين" ... وتكلّم الأمراء الذين اختارهم وحلَّفهم مؤيّدين له في
стр. 347
المسير، فلم يسع البقية غير الموافقة، ثم انفضَّ الجميع.
لقد جمع قطز قادته قبل المسير، وشرح لهم خطورة الموقف، وذكَّرهم بما وقع من التتار في البلاد التي غزَوها من شنيع السفك والتخريب، وما ينتظر مصر وأهلها من مصير مروّع إذا نجح التتار في اجتياحها، وحثَّهم -وهو يبكي- على بذل أرواحهم في سبيل إنقاذ الإسلام والمسلمين من هذا الخطر الداهم، فضجَّ القادة بالبكاء، ووعدوا ألاَّ يدَّخروا وسعاً ولا تضحية في سبيل مقاتلة التتار وإنقاذ مصر والإسلام من شرِّهم (١).
ولكن لماذا خاف قادة قطز التتار؟ كان هولاكو في خلق لا يحصيهم إلاَّ الله، ولم يكن من حين قدومهم على بلاد المسلمين سنة ستة عشرة وستمئة الهجرية (١٢١٩م) يلقاهم عسكر إلاَّ فَلّوه (٢)، وكانوا يقتلون الرجال، ويسبون النساء الأسرى وينهبون الأموال (٣)، لذلك آثر قادة قطز بعد إكمال حشد قواتهم حماية مصر لا غير، لكثرة عدد التتار واستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، لأنَّ التتار لم يقصدوا إقليماً إلاَّ فتحوه ولا عسكراً إلاَّ هزموه، ولم يبقَ خارج حكمهم إلاَّ مصر والحجاز واليمن. وقد هرب جماعة من المغاربة الذين كانوا بمصر إلى الغرب، وهرب جماعة من الناس إلى اليمن والحجاز، والباقون بقوا في وَجَلٍ عظيم وخوف
стр. 348
شديد، يتوقَّعون دخول العدو وأخذ البلاد (١).
لقد كانت المعنويات منهارة، فلا عجب أن يبذل قطز كل جهده لرفع معنويات قادته ورجاله بخاصة والشعب المصري بعامة، وأن يستحثّ القادرين على حمل السلاح للجهاد بأرواحهم والقادرين على تقديم الأموال للجهاد بأموالهم، وأن يحشد كلّ طاقاته المادية والمعنوية للحرب، فلا يعلو صوت على صوت المعركة، ولا يُقبل عذر من أحد قادر على الجهاد بماله وروحه، وقد قدَّم قطز لجيشه مثالاً شخصياً رائعاً في الجهاد بماله وروحه في سبيل الله.
كما أن قطز صمَّم على لقاء التتار خارج مصر، وألاَّ ينتظرهم في مصر للدفاع عنها على الأرض المصرية، وذلك حتى يجنّب مصر ويلات الحرب أولاً، وحتى يرفع معنويات رجاله ومعنويات المصريين ثانياً، وحتى يوحي للتتار بأنه لا يخافهم فيؤثِّر ذلك في معنوياتهم ثالثاً، ولأن المدافع لا ينتصر مطلقاً إلاَّ في نطاق ضيق محدود بعكس المهاجم الذي يؤدِّي انتصاره إلى كارثة تحيق بعدوه رابعاً، ولأنَّ الهجوم أنجع وسائل الدفاع خامساً وأخيراً.
إن تصميم قطز على قبول المعركة خارج مصر كان قراراً عسكرياً
فذّاً.
٦ - المعركة:
وخرج قطز من مصر في الجحافل الشامية والمصرية في شهر
стр. 349
رمضان من سنة ثمانٍ وخمسين وستمئة الهجرية (١٢٦٠م)، وغادر معسكر (الصالحية) بجيشه، ووصل مدينة (غزة) والقلوب وجلة (١).
وكان في (غزة) جموع التتار بقيادة (بيدر)، وكان (بيدر) قد أخبر قائده (كَتْبُغا نُوين) الذي كان في سهل (البقاع) (٢) بالقرب من مدينة (بعلبك) (٣) بزحف جيش قطز، فردَّ عليه: "قف مكانك وانتظر".
ولكن قطز داهم (بيدر) قبل وصول (كتبغا نوين)، فاستعاد (غزَّة) من التتار، وأقام بها يوماً واحداً ثم غادرها شمالاً باتجاه قوات التتار (٤).
وكان (كتبغا نوين) مقدم التتار على جيش هولاكو لما بلغه خروج قطز وكان بالبقاع، وقد عقد مجلساً استشارياً واستشار ذوي الرأي في ذلك، فمنهم مَن أشار بعدم الملتقى بجيش قطز في معركة، والانتظار حتى يجيئه مددٌ من هولاكو ليقوى على مصاولة الجيش المصري، ومعنى ذلك مشاغلة جيش قطز بالقوات المتيسّرة لديه ريثما ترده النجدات التي تضمن له النصر. ومنهم من أشار بغير ذلك: قبول المعركة، اعتماداً على قوات التتار التي لا تُقهر، وهكذا تفرَّقت الآراء. وكان رأي (كتبغا نوين) قبول المعركة، ومواجهة جيش قطز، فتوجه من فوره
стр. 350
جنوباً (١) باتجاه القوات المصرية.
وكان هذا أول الوهن: اختلاف الآراء، وظهور رأي يحبّذ الانسحاب انتظاراً للنجدات، وإعلان رأي يحبّذ عدم الانسحاب وقتال قطز.
وبعث قطز طلائع قواته بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري لمناوشة التتار واختبار قواتهم، واستحصال المعلومات المفصَّلة عن تنظيمها وتسليحها، فالتقى بيبرس بطلائع التتار في مكان يقع بين (بيسان) و (نابلس) يدعى: (عين جالوت) في (الغَور) غور الأردن، وشاغل التتار حتى وافاه قطز على رأس القوات الأصلية من جيشه (٢).
وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك من سنة ثمانٍ وخمسين وستمئة الهجرية (٦ أيلول - سبتمبر - ١٢٦٠م) نشبت بين الجيشين المتقابلين معركة حاسمة، وكان التتار يحتلون مرتفعات سهل (عين جالوت)، فانقضُّوا على جيش قطز تطبيقاً لحرب الصاعقة التي يمارسها التتار في حروبهم، تلك الحروب التي تعتمد سرعة الحركة بالخيَّالة، وكان القتال شديداً لم يُرَ مثله حتى قتل من الطائفتين جماعة كثيرة.
وتغلغل التتار عمقاً واخترقوا ميسرة قطز، فانكسرت تلك الميسرة كسرة شنيعة، ولكنَّ قطز حمل بنفسه في طائفة من جنده، وأسرع
стр. 351
لنجدة الميسرة حتى استعادت مواقعها.
واستأنف قطز الهجوم المضاد بقوات (القلب) التي كانت بقيادته المباشرة وكان يتقدَّم جنوده وهو يصيح: "وا إسلاماه ... وا إسلاماه". واقتحم قطز القتال وباشر ذلك بنفسه، وأبلى في ذلك اليوم أعظم البلاء، وكانت قوات القلب مؤلَّفة من المتطوّعين المجاهدين أتباع الطرق الصوفية وغيرهم من الذين خرجوا يطلبون الشهادة ويدافعون عن الإسلام بإيمان، فكان قطز يشجع أصحابه ويحسّن لهم الموت، ويُضرب به المثل بما يفعله من إقدام ويبديه من استبسال.
وكان قطز قد أخفى معظم قواته النظامية المؤلفة من المماليك في شِعَب التلال لتكون كمائن، وبعد أن كرَّ بالمجاهدين كرَّة بعد كرَّة حتى زعزع جناح التتار، برز المماليك من كمائنهم وأداموا زخم الهجوم بشدة وعنف.
وكان قطز أمام جيشه يصيح: "وا إسلاماه ... يا الله!! انصر عبدك قطز على التتار"، وكان جيشه يتبعه مقتدياً بإقدامه وبسالته، فقُتِل فرس قطز من تحته، وكاد يُعرَّض للقتل لولا أن أسعفه أحد فرسانه فنزل له عن فرسه.
وسار قطز إلى قيادة رجاله متغلغلاً في صفوف أعدائه، حتى ارتبكت صفوف التتار، وشاع أن قائدهم (كتبغا نوين) قد قُتِل، فولّوا الأدبار لا يلوون على شيء.
كان (كتبغا نوين) يضرب يميناً وشمالاً غيرة وحمية، وكان يكرُّ
стр. 352
على المسلمين، فرغَّبه جماعة من أتباعه في الهرب، ولكنه لم يستمع إليهم وقال: "لا مفرَّ من الموت هنا، فالموت مع العزة والشرف خيرٌ من الهرب مع الذلِّ والهوان".
ورغم أن جنوده تركوه، فقد ظلَّ يقاتل حتى قُتِل.
وفي رواية أخرى أن جواده كبا به، فأسره المسلمون. وكانت هناك مزرعة للقصب بالقرب من ساحة القتال، فاختفى فيها فوجٌ من التتار، فأمر قطز جنوده بأن يضرموا النار في تلك المزرعة وأحرقوا فوج التتار جميعاً.
وبدأ المسلمون فوراً بمطاردة التتار، كما طاردهم المسلمون
الذين لم يكونوا من جيش قطز، حتى دخل قطز (دمشق) في أواخر شهر رمضان المبارك، فاستقبله أهلها بالابتهاج.
وامتدَّت المطاردة السريعة إلى قرب مدينة (حلب)، فلما شعر التتار باقتراب المسلمين منهم تركوا ما كان بأيديهم من أسارى المسلمين، ورموا أولادهم فتخطَّفهم الناس وقاسوا من البلاء ما يستحقونه (١).
٧ - أسباب النصر:
يجدر بنا أن نتوقَّف قليلاً لمعرفة أسباب انتصار قطز على التتار.
стр. 353
إنَّ كل الحسابات العسكرية تجعل النصر إلى جانب التتار بدون أدنى شك.
أولاً: كان لقادة التتار تجارب طويلة في الحروب، ولم تكن لقطز وقادته مثل تجارب قادة التتار ولا ما يقاربها.
والقائد المجرِّب أفضل من القائد غير المجرِّب قطعاً.
ثانياً: كانت معنويات التتار قادةً وجنوداً عالية جداً، لأنهم تقدَّموا من نصر إلى نصر، ولم تُهزم لهم راية من قبل أبداً.
وكانت معنويات قادة قطز وجنوده منهارة، وقد خرج أكثر القادة كُرهاً.
وقد استغلَّ التتار حرب الأعصاب، فكانوا ينتصرون بالرعب، مما يؤثر في معنويات أعدائهم.
والجيش الذي يتحلَّى بالمعنويات العالية، ينتصر على الجيش الذي تكون معنوياته منهارة.
ثالثاً: كانت كفاية جيش التتار متفوقة فواقاً كاسحاً على كفاية جيش قطز، لأن جيش التتار خاض معارك كثيرة، لذلك كانت تجربته العملية على فنون القتال باهرة إلى أبعد الحدود.
أما جيش قطز؛ فقليل التجربة العملية، قليل التدريب.
والجيش الذي يتحلَّى بالكفاية - خاصة في ميدان التدريب العملي ينتصر على الجيش الذي لا كفاية عملية لديه.
стр. 354
رابعاً: كان جيش التتار متفوقاً على جيش قطز عدداً وعُدَداً، وقد ازداد تعداد جيش التتار بالذين التحقوا بهم من المواليد والمرتزقة والصليبيين بعد احتلال أرض الشام.
والتفوُّق بالعدد والعُدد من عوامل إحراز النصر.
خامساً: كان جيش التتار يتميَّز بفرسانه المدرَّبين، وكان تعداد فرسانه كبيراً، مما ييسِّر له سرعة الحركة، ويؤدي إلى تطبيق حرب الصاعقة التي كانت من سمات حرب التتار.
والجيش الذي يتحلَّى بسرعة الحركة يتغلَّب على الجيش الذي لا يتحلَّى بهذه المزية.
سادساً: كانت مواضع جيش التتار في (عين جالوت) أفضل من مواضع الجيش المصري، لأنَّ تلك المواضع كانت محتَلَّة من التتار قبل وصول الجيش المصري إلى المنطقة حيث كانت تحت سيطرتهم. وللأرض أثرٌ عظيمٌ في إحراز النصر.
سابعاً: كان جيش التتار متفوِّقاً على جيش قطز في قضاياه الإدارية، إذ كان يستند على قواعده القريبة في أرض الشام، وهي التي استولى عليها واستثمر خيراتها. بينما كانت قواعد الجيش المصري الإدارية بعيدة عنه، لأنه كان يعتمد على مصر وحدها في إعاشته، والمسافة بين مصر و (عين جالوت) طويلة، خاصة في تلك الأيام التي كانت القضايا الإدارية تُنقل على الدواب والجمال مخترقة الصحارى والقفار.
стр. 355
هذا التفوُّق الساحق الذي كان بجانب التتار، له نتيجة متوقَّعة واحدة، هي إحراز النصر على الجيش المصري أسوة بانتصاراتهم الباهرة على الروم والفرس والعرب والأمم الأخرى في زحفهم المظفر الطويل.
ولكن الجيش المصري انتصر على جيش التتار، فكيف حدث ذلك؟ أولاً: قدَّم شيوخ مصر وعلى رأسهم العز بن عبد السلام إرشاداتهم الدينية لقطز، فنفذها بكل أمانة وإخلاص، وأمر رجاله بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فخرج الجيش من مصر تائباً منيباً طاهراً من الذنوب.
وكان على رأس المجاهدين: القادرون من شيوخ مصر على السفر وحمل السلاح وتحمُّل أعباء الجهاد.
ثانياً: قيادة قطز الذي كان يتحلَّى بإرادة القتال بأجلى مظاهرها، فكان مصمِّماً على قتال التتار مهما تحمَّل من مشاق وتضحيات وصعاب.
ولعل إصراره على مهاجمة التتار خارج مصر، وعدم بقائه في مصر، واختياره الهجوم دون الدفاع، واستبعاده خطة الدفاع، هو الذي جعل رجاله قادةً وجنوداً في موقف لا يؤدِّي إلاَّ إلى الموت أو النصر، ممَّا جعلهم يستقتلون في الحرب، لأنه لم يكن أمامهم في حالة الهزيمة غير الفناء.
ثالثاً: إيمان قطز بالله واعتماده عليه، وإيمان المتطوِّعين من