لنجدة الميسرة حتى استعادت مواقعها.
واستأنف قطز الهجوم المضاد بقوات (القلب) التي كانت بقيادته المباشرة وكان يتقدَّم جنوده وهو يصيح: "وا إسلاماه ... وا إسلاماه". واقتحم قطز القتال وباشر ذلك بنفسه، وأبلى في ذلك اليوم أعظم البلاء، وكانت قوات القلب مؤلَّفة من المتطوّعين المجاهدين أتباع الطرق الصوفية وغيرهم من الذين خرجوا يطلبون الشهادة ويدافعون عن الإسلام بإيمان، فكان قطز يشجع أصحابه ويحسّن لهم الموت، ويُضرب به المثل بما يفعله من إقدام ويبديه من استبسال.
وكان قطز قد أخفى معظم قواته النظامية المؤلفة من المماليك في شِعَب التلال لتكون كمائن، وبعد أن كرَّ بالمجاهدين كرَّة بعد كرَّة حتى زعزع جناح التتار، برز المماليك من كمائنهم وأداموا زخم الهجوم بشدة وعنف.
وكان قطز أمام جيشه يصيح: "وا إسلاماه ... يا الله!! انصر عبدك قطز على التتار"، وكان جيشه يتبعه مقتدياً بإقدامه وبسالته، فقُتِل فرس قطز من تحته، وكاد يُعرَّض للقتل لولا أن أسعفه أحد فرسانه فنزل له عن فرسه.
وسار قطز إلى قيادة رجاله متغلغلاً في صفوف أعدائه، حتى ارتبكت صفوف التتار، وشاع أن قائدهم (كتبغا نوين) قد قُتِل، فولّوا الأدبار لا يلوون على شيء.
كان (كتبغا نوين) يضرب يميناً وشمالاً غيرة وحمية، وكان يكرُّ
стр. 352
على المسلمين، فرغَّبه جماعة من أتباعه في الهرب، ولكنه لم يستمع إليهم وقال: "لا مفرَّ من الموت هنا، فالموت مع العزة والشرف خيرٌ من الهرب مع الذلِّ والهوان".
ورغم أن جنوده تركوه، فقد ظلَّ يقاتل حتى قُتِل.
وفي رواية أخرى أن جواده كبا به، فأسره المسلمون. وكانت هناك مزرعة للقصب بالقرب من ساحة القتال، فاختفى فيها فوجٌ من التتار، فأمر قطز جنوده بأن يضرموا النار في تلك المزرعة وأحرقوا فوج التتار جميعاً.
وبدأ المسلمون فوراً بمطاردة التتار، كما طاردهم المسلمون
الذين لم يكونوا من جيش قطز، حتى دخل قطز (دمشق) في أواخر شهر رمضان المبارك، فاستقبله أهلها بالابتهاج.
وامتدَّت المطاردة السريعة إلى قرب مدينة (حلب)، فلما شعر التتار باقتراب المسلمين منهم تركوا ما كان بأيديهم من أسارى المسلمين، ورموا أولادهم فتخطَّفهم الناس وقاسوا من البلاء ما يستحقونه (١).
٧ - أسباب النصر:
يجدر بنا أن نتوقَّف قليلاً لمعرفة أسباب انتصار قطز على التتار.
стр. 353
إنَّ كل الحسابات العسكرية تجعل النصر إلى جانب التتار بدون أدنى شك.
أولاً: كان لقادة التتار تجارب طويلة في الحروب، ولم تكن لقطز وقادته مثل تجارب قادة التتار ولا ما يقاربها.
والقائد المجرِّب أفضل من القائد غير المجرِّب قطعاً.
ثانياً: كانت معنويات التتار قادةً وجنوداً عالية جداً، لأنهم تقدَّموا من نصر إلى نصر، ولم تُهزم لهم راية من قبل أبداً.
وكانت معنويات قادة قطز وجنوده منهارة، وقد خرج أكثر القادة كُرهاً.
وقد استغلَّ التتار حرب الأعصاب، فكانوا ينتصرون بالرعب، مما يؤثر في معنويات أعدائهم.
والجيش الذي يتحلَّى بالمعنويات العالية، ينتصر على الجيش الذي تكون معنوياته منهارة.
ثالثاً: كانت كفاية جيش التتار متفوقة فواقاً كاسحاً على كفاية جيش قطز، لأن جيش التتار خاض معارك كثيرة، لذلك كانت تجربته العملية على فنون القتال باهرة إلى أبعد الحدود.
أما جيش قطز؛ فقليل التجربة العملية، قليل التدريب.
والجيش الذي يتحلَّى بالكفاية - خاصة في ميدان التدريب العملي ينتصر على الجيش الذي لا كفاية عملية لديه.
стр. 354
رابعاً: كان جيش التتار متفوقاً على جيش قطز عدداً وعُدَداً، وقد ازداد تعداد جيش التتار بالذين التحقوا بهم من المواليد والمرتزقة والصليبيين بعد احتلال أرض الشام.
والتفوُّق بالعدد والعُدد من عوامل إحراز النصر.
خامساً: كان جيش التتار يتميَّز بفرسانه المدرَّبين، وكان تعداد فرسانه كبيراً، مما ييسِّر له سرعة الحركة، ويؤدي إلى تطبيق حرب الصاعقة التي كانت من سمات حرب التتار.
والجيش الذي يتحلَّى بسرعة الحركة يتغلَّب على الجيش الذي لا يتحلَّى بهذه المزية.
سادساً: كانت مواضع جيش التتار في (عين جالوت) أفضل من مواضع الجيش المصري، لأنَّ تلك المواضع كانت محتَلَّة من التتار قبل وصول الجيش المصري إلى المنطقة حيث كانت تحت سيطرتهم. وللأرض أثرٌ عظيمٌ في إحراز النصر.
سابعاً: كان جيش التتار متفوِّقاً على جيش قطز في قضاياه الإدارية، إذ كان يستند على قواعده القريبة في أرض الشام، وهي التي استولى عليها واستثمر خيراتها. بينما كانت قواعد الجيش المصري الإدارية بعيدة عنه، لأنه كان يعتمد على مصر وحدها في إعاشته، والمسافة بين مصر و (عين جالوت) طويلة، خاصة في تلك الأيام التي كانت القضايا الإدارية تُنقل على الدواب والجمال مخترقة الصحارى والقفار.
стр. 355
هذا التفوُّق الساحق الذي كان بجانب التتار، له نتيجة متوقَّعة واحدة، هي إحراز النصر على الجيش المصري أسوة بانتصاراتهم الباهرة على الروم والفرس والعرب والأمم الأخرى في زحفهم المظفر الطويل.
ولكن الجيش المصري انتصر على جيش التتار، فكيف حدث ذلك؟ أولاً: قدَّم شيوخ مصر وعلى رأسهم العز بن عبد السلام إرشاداتهم الدينية لقطز، فنفذها بكل أمانة وإخلاص، وأمر رجاله بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فخرج الجيش من مصر تائباً منيباً طاهراً من الذنوب.
وكان على رأس المجاهدين: القادرون من شيوخ مصر على السفر وحمل السلاح وتحمُّل أعباء الجهاد.
ثانياً: قيادة قطز الذي كان يتحلَّى بإرادة القتال بأجلى مظاهرها، فكان مصمِّماً على قتال التتار مهما تحمَّل من مشاق وتضحيات وصعاب.
ولعل إصراره على مهاجمة التتار خارج مصر، وعدم بقائه في مصر، واختياره الهجوم دون الدفاع، واستبعاده خطة الدفاع، هو الذي جعل رجاله قادةً وجنوداً في موقف لا يؤدِّي إلاَّ إلى الموت أو النصر، ممَّا جعلهم يستقتلون في الحرب، لأنه لم يكن أمامهم في حالة الهزيمة غير الفناء.
ثالثاً: إيمان قطز بالله واعتماده عليه، وإيمان المتطوِّعين من
стр. 356
المجاهدين الصادقين الذين خرجوا طلباً للشهادة.
إنَّ أثر المجاهدين في معركة (عين جالوت) كان عظيماً جداً في إحراز النصر؛ والمتعمِّق في دراسة هذه المعركة عسكرياً، يستنتج بكلِّ وضوح هذا الاستنتاج.
حين اطمأنَّ قطز إلى نصر الله، ترجَّل عن فرسه، ومرَّغ وجهه في التراب وقبَّلها، وسجد لله شكراً على ما أولاه من نصر باهر، وحمد الله وأثنى عليه ثناءً عاطراً.
لقد كان انتصار المسلمين في (عين جالوت) على التتار انتصار عقيدة لا مراء.
٨ - الشهيد:
لم تمضِ أسابيع قلائل، حتى طُهِّرَتْ بلاد الشام كلها من بقايا التتار؛ فرتَّب أمور البلاد، واستناب على دمشق أحد رجاله، ثم خرج من دمشق عائداً إلى مصر إلى أن وصل إلى (القُصَير) (١)، وبقي بينه وبين (الصالحية) المعسكر الذي حشد فيه قواته قبل الحركة لقتال التتار مرحلةً واحدة، ورحلت قوَّاته إلى جهة (الصالحية)، انقضَّ عليه الأمير بيبرس وعدد من رجاله وقتلوه على مقربة من خيمته، وذلك في يوم السبت السادس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمئة الهجرية (تشرين الأول - أكتوبر - ١٢٦٠م)، ولم يمضِ يومان حتى
стр. 357
حلَّ مكانه في المُلك قاتِلُهُ باسم الملك الظاهر.
وقد دُفِن قطز موضع قتله، وكثر أسف الناس وحزنهم عليه.
وكان قبره يُقصَد دائماً للزيارة، فلما بلغ ذلك بيبرس أمر بنبشه ونقله إلى غير ذلك المكان وعُفِّي أثره.
وكانت سلطة قطز سنة إلا يوماً واحداً.
وكان قطز بطلاً شجاعاً مقداماً حسن التدبير، يرجع إلى دين وإسلام وخير، كما قال فيه الذهبي: "وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوَّض الله شبابه بالجنة ورضي عنه" (١).
وكان صادقاً عزيز النفس، كريم الأخلاق، مجاهداً من الطراز الأول، ولم يكن يوصف بكرم ولا شُحٍّ بل كان متوسِّطاً في ذلك (٢).
قُتل قاهر التتار مظلوماً، فخسر روحه وربح الدنيا والآخرة، وسجَّله التاريخ في أنصع صفحاته. ﵁ وأرضاه، وجعله قدوة صالحة لقادة العرب والمسلمين، فما أشبه غزو التتار بغزو الصهاينة، وما أحوجنا اليوم إلى مثله قائداً يتَّخذ الهجوم مبدأً ولا يكتفي بالدفاع، ويقاتل الصهاينة في الأرض المحتلَّة، ولا ينتظر أن يقاتلوه في أرضه.
...
стр. 358
- ٤ -
السلطان محَمَّد الفَاتح فَاتح القسطنطينيَّة
١ - أيامه الأولى:
كان فتح القسطنطينية من الأحداث العالمية الكبرى، فقد كان إيذاناً بانتهاء العصر الوسيط وبداية العصر الحديث.
وقد ظلَّت القسطنطينية عشرة قرون معقلاً للمسيحية، لم تستسلم للغزاة الطامعين بها، وثبتت أمام تسعة وعشرين حصاراً، حتى فتحها محمد الفاتح فأصبحت معقلاً للمسلمين حتى اليوم.
وُلِدَ محمد الفاتح في السادس والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمانمئة الهجرية (٢٠ من نيسان - أبريل - ١٤٢٩م)، وتولَّى السلطنة مرَّتين في حياة والده مراد الثاني الذي كان ورِعاً متديِّناً، فتنازل عن السلطة لابنه محمد، ثم ذهب إلى (مغنيسيا) في آسيا الصغرى ليقضي بقية حياته في عزلةٍ وطمأنينة، ويتفرَّغ في هذه الخلوة إلى عبادة الله والتأمُّل في ملكوته. ولكنَّ أعداء الدولة العثمانية انتهزوا فرصة تخلِّي مراد الثاني عن العرش وتوليِّ ابنه محمد الفاتح البالغ من العمر إذ ذاك أربع عشرة سنة من عمره، فقرَّروا طرد الأتراك من أوروبا. وعاد مراد
стр. 359
الثاني إلى العرش، وهزم أعداءه الخارجيين، ثم عاد إلى خلوته متنازلاً عن العرش. ولكن جنود الانكشارية في (ادرنه) ثاروا وشغبوا وهاجوا، فعاد السلطان مراد الثاني ثانية إلى العرش وقضى على الفتنة الداخلية، وأعاد الأمور إلى نصابها.
وفي الثالث من المحرَّم سنة خمس خمسين وثمانمئة الهجرية (٥ من شباط - فبراير - ١٤٥١ م) توفي السلطان مراد.
وفي اليوم السادس عشر من محرَّم سنة خمس وخمسين وثمانمئة
الهجربة (١٨ من شباط - فبراير - ١٤٥١م) تولَّى محمد الفاتح عرش آبائه وأجداده وهو في الثانية والعشرين من عمره.
لقد تدرَّب محمد الفاتح على إدارة الدولة عملياً قبل وفاة والده: تدرَّب على نطاق محلّي، لأنَّه تولى إدارة مناطق من الدولة، فكان المسؤول الأول عنها؛ وتدرَّب على نطاق الدولة كلها حين تولى السلطنة مرَّتين في حياة والده، فعرف كيف يتحمَّل المسؤولية كاملةً في حياة والده، وأفاد من هذه التجارب العملية بعد وفاة أبيه، وعرف كيف يواجه مشاكل الدولة والحكومة، وخبر الرجال وكشف مواطن الضعف والقوة فيهم. كما درس نظم الدول الداخلية وقدَّر مهمَّتها الخارجية ومشاكلها الدولية.
كما تدرَّب على القيادة العسكرية في حياة والده، إذ كان معه في المعارك التي خاضها في أواخر حياته، فتعلَّم من والده الذي كان قائداً متميِّزاً أساليب إدارة القتال والسيطرة على القوات العسكرية في الميدان.
стр. 360
٢ - محاولات الفتح الأولى:
ركَّز محمد الفاتح بعد تولِّيه السلطنة كلّ اهتمامه على فتح القسطنطينية، فكان أمر فتحها يشغل كلّ تفكيره ويسيطر على عقله وقلبه، فكأنَّه تولَّى منصبه لتحقيق هذا الهدف الحيويّ.
ومن المعروف أنَّ المسلمين اهتمُّوا كثيراً بفتح القسطنطينية منذ أيام الدولة الإسلامية الأولى، وقد حاول قسم من الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وسلاطين بني عثمان قبل محمد الفاتح أن يفتحوا القسطنطينية، ولكنَّ محاولاتهم لم يُكتَب لها النجاح.
كانت أول محاولة للمسلمين لفتح القسطنطينية في خلافة عثمان بن عفان ﵁، وذلك في أواخر سنة اثنتين وثلاثين الهجرية (٦٥٣ م)، إذ قصدها جيشٌ بقيادة معاوية بن أبي سفيان أمير الشام يومئذٍ، فاخترق آسيا الصغرى حتى ضفاف البسفور. كما قصدها أسطول إسلامي بقيادة بُسْر بن أبي أرطاة لدعم الجيش الإسلامي البرّي، فتحرَّك من (طرابلس الغرب) صوب القسطنطينية ولكن هذه المحاولة لم تنجح (١).
وفي سنة أربع وأربعين الهجرية (٦٦٤م) كانت الحملة الثانية في عهد معاوية بن أبي سفيان، ولكن هذه المحاولة لم تنجح أيضاً.
وفي سنة تسع وأربعين الهجرية (٦٦٩م) أعاد معاوية الكرَّة لفتح القسطنطينية، فبعث جيشاً ضخماً بقيادة سفيان بن عوف ومعه يزيد بن معاوية وجماعة من أكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار منهم
стр. 361
عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو أيوب الأنصاري. وسار الأسطول الإسلامي بقيادة بُسر بن أبي أرطاة، واخترق مضيق الدردنيل دون مقاومة.
واستمرَّ حصار المدينة برّاً وبحراً سبعة أعوام دون جدوى، فانسحب المسلمون سنة ثمان وخمسين الهجرية (٦٧٨ م) إلى قواعده (١).
وفي سنة ست وتسعين الهجرية (٧١٥ م) تولى الخلافة سليمان بن عبد الملك، فأعاد الكرَّة وانتدب أخاه مَسْلَمَة بن عبد الملك وأمره ألاَّ يبرح القسطنطينية حتى يفتحها أو يأتيه أمره. وسار مسلمة في أوائل سنة ثمان وتسعين الهجرية (٧١٦ م) مخترقاً هضاب الأناضول، وفتح عدَّة مدن وحصون للروم، ثم بدأ حصار القسطنطينية، فحاصرها ثانية في اليوم الثاني من محرَّم سنة تسع وتسعين الهجرية (١٥ آب - أغسطس - ٧١٧م)، ولكن لم تمضِ أسابيع قلائل على حصارها حتى توفي سليمان بن عبد الملك في العاشر من صفر سنة تسع وتسعين الهجرية (٧١٧م)، ودخل فصل الشتاء وكان شديد البرد، فانسحب مسلمة إلى ثغور الشام (٢).
ولم تحاول الخلافة بعد ذلك أن تعمل جادَّة لافتتاح القسطنطينية، وإن كانت جيوشها قد اقتربت بعد ذلك غير مرَّة من هذه العاصمة.
وقد وقعت أشهر هذه الغزوات أيام الخليفة المهدي من بني العباس، حيث سار ولده هارون الرشيد في صيف سنة خمس وستين ومئة الهجرية (٧٨٣م) غازياً للدولة البيزنطية، فاخترق هضاب الأناضول
стр. 362
حتى أشرف على ضفاف البسفور الآسيوية، وعسكر فوق تلال خريسوبوليس (أسكوتاري) في مواجهة القسطنطينية. وكان على عرش القياصرة يومئذٍ طفل هو قسطنطين السادس، ومقاليد الحكم بيد أمه الإمبراطورة إيريني (ريني)، فهزم المسلمون البيزنطيين هزيمةً نكراء، واضْطرَّت إيريني أن تعقد الصلح وأن تتعهَّد بدفع جزية سنوية للمسلمين (١).
وكانت أول محاولة للعثمانيين لفتح القسطنطينية في سنة ثمان وتسعين وسبعمئة الهجرية (١٣٩٥ م)، ولكن وصول تيمورلنك إلى حدود الدولة العثمانية الشرقية اضطر السلطان (بايزيد) على التخلِّي عن الحصار (٢).
وقد كانت القسطنطينية محطَّ أنظار العثمانيين ومعقد آمالهم، منذ بداية حكمهم، فأوصى السلطان عثمان مؤسس الدولة العثمانية خلفاءه بفتحها، فلم توفق السلاطين بعد عثمان في تحقيق هدفهم، حتى جاء السلطان محمد الفاتح، فكتب الله له أن يكون فاتح هذه المدينة العظيمة، ومن يومها حمل لقب: الفاتح.
وكما تعرَّضت القسطنطينية لمحاولات فتحها من المسلمين، تعرَّضت أيضاً عبر تاريخها الطويل لمحاولات غزوها من غير المسلمين، ولم تَسلَم حتى من الصليبيين؛ فقد تحوَّلت الحملة الصليبية الرابعة عن هدفها الأصلي وهو غزو بلاد المسلمين، فاحتلَّت القسطنطينية سنة
стр. 363
إحدى وستمئة الهجرية (١٢٠٤ م)، ونهبت أملاكها ودمَّرت معالمها ومزَّقت أكبر دولة مسيحية في العصور الوسطى. ولكنّ البيزنطيين استطاعوا أن يستعيدوا عاصمتهم سنة ستين وستمئة الهجرية (١٢٦١م) بعد نصف قرن تقريباً من الحكم اللاتيني وبعد كثير من التضحيات والخسائر بالأرواح والممتلكات وكثير من الجهد والعناء.
٣ - أهمية القسطنطينية:
تحتل مدينة القسطنطينية موقعاً سوْقياً (استراتيجياً) فريداً، حَبَتْهُ الطبيعة بأهم عوامل الدفاع الطبيعية التي تساعد المدافعين عنها على الثبات. تحوطها من الشرق مياه البسفور، وتحدُّها من الغرب والجنوب مياه (المرمرة)، ويقسمها القرن الذهبي إلى قسمين عظيمين هما: (بيرا) وهو القسم الشمالي الشرقي، وإستانبول وهو المدينة البيزنطية
الحقيقية. وتحتل إستانبول مثلثاً عظيماً من المرتفعات الصخرية تشرف قاعدته على (المرمرة) وضلعه الأيمن على مياه القرن الذهبي والميناء، وكان كل من هذين الجانبين يحرسهما سور واحد. أما الضلع الثالث وطوله ستة أميال، فهو الجانب المتَّصل بأرض القارة الأوروبية، يحميه خط مزدوج من الأبراج والحصون المنيعة، وخندق عميق مزدوج، وفيه اثنا عشر باباً، وفي كل زاوية من زوايا المثلث الثلاث قلعة منيعة.
وكانت مياه القرن الذهبي الذي يحمي ضلع المدينة الشمالي الشرقي، تغلق بسلسلة حديدية هائلة يمتد طرفاها عند مدخله بين سور (غلطه) وسور إستانبول (١).
стр. 364
وهكذا تهيَّأت أسباب الدفاع المديد لهذه المدينة: أسباب طبيعية، وأسباب صناعية، مما جعلها موقعاً حصيناً وقلعةً آمنة، ومن الصعب على الغزاة احتلالها.
كما أنَّ هذه المدينة تحتلّ موقعاً فريداً في العالم، فهي تقع عند ملتقى القارَّتين آسيا وأوروبا.
وقد نوَّه نابليون بوجهٍ خاص بأهميّتها وخطورتها، فقال في شأنها: "لو كانت الدنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها". وقد ذكر نابليون في مذكراته التي كتبها في منفاه بجزيرة (سانت هيلانا): أنه حاول عدَّة مرات الاتفاق مع روسيا على اقتسام الإمبراطورية العثمانية، ولكن وقعت القسطنطينية كل مرَّة عقبة كؤوداً دون الاتفاق، فقد كانت روسيا تلحّ في امتلاكها، ونابليون يصرّ على عدم تسليمها، إذ كانت هذه المدينة وحدها في نظره تساوي إمبراطورية كاملة، وهي بعد بمثابة مفتاح العالم، من استولى عليها استطاع أن يسيطر على العالم بأجمعه. وقد كان نابليون في أشد الحاجة إلى صداقة روسيا لمواجهة عدوَّته اللدود إنكلترا، ولكنَّه برغم ذلك لم يستطع أن يضحّيَ بالقسطنطينية (١).
ومن المعروف أن الإمبراطورية العثمانية عندما شاخت، أصبح الغربيون يطلقون عليها اسم: (الرجل المريض)، وقد استطاع هذا المريض أن يبقى حيّاً بفضل مدينة القسطنطينية، لأنَّ الروس والبريطانيين والفرنسيين والألمان وغيرهم من دول الاستعمار، كانوا
стр. 365
يختلفون دوماً على القسطنطينية، فكلّ دولة تريدها لنفسها، وفي نفس الوقت لا تسمح لغيرها باحتلالها. وحين احتل الحلفاء مدينة القسطنطينية بعد الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨م)، اختلفوا على امتلاكها، فعاونوا مصطفى كمال سرّاً وعلانية على إجلائهم جميعاً عنها، إذ كانت كل دولة من تلك الدول المحتلَّة، تفضّل أن تعود إلى الأتراك على أن تصبح ملكاً لغيرها.
وقد أصبحت هذه المدينة ضرورية للعثمانيين بعد أن امتدَّ ملكهم فشمل مناطق آسيوية وأوروبية شاسعة، فكان لا بدَّ لهم من فتحها لتكون نقطة التقاء أملاكهم في أوروبا وآسيا من جهة، وليزيلوا من أمامهم حصناً حصيناً يهدِّد وجودهم في عقر دارهم ويفصل أملاكهم إلى شطرين كبيرين، وكان وجودها بالنسبة للعثمانيين تحت سيطرة البيزنطيين نقطة ضعف في دولة بني عثمان، ومكمن خطر داهم عانوا منه الأمرَّين في تاريخهم الطويل.
٤ - آخر الأباطرة:
أ) وحين تولَّى محمد الفاتح، كان على عرش بيزنطة قسطنطين الحادي عشر الذي اعتلى العرش سنة ثلاث وخمسين وثمانمئة الهجرية (١٤٤٩م) (١) وهو في ريعان الشباب. وكان على يقين أن عاصمته مهددة بأفدح الأخطار، وأنَّ قواته ضعيفة بالنسبة لقوات العثمانيين، وأنَّ عليه أن يبذل قصارى جهده لاستقدام قوات من دول الغرب المسيحية لمعاونته في صدِّ العثمانيين دفاعاً عن القسطنطينية.
стр. 366
وقد حاول الزواج بمارية الصربية أرملة السلطان مراد الثاني والد محمد الفاتح، وذلك عقب عودتها إلى وطنها بعد وفاة زوجها، وكان محمد الفاتح يحترمها كثيراً ويعرف لها مكانتها وقدرها، ويعتبرها كوالدته، ففكَّر قسطنطين أنَّ زواجه بها قد يحميه من محمد الفاتح.
وبرغم أنَّها كانت في الحلقة الخامسة من عمرها، إلاَّ أن قسطنطين الشاب القوي قَبِلَ هذا الزواج مؤمَّلاً من ورائه أن يكسب قوة والدها (جورج برانكوفتش) وعطف محمد الخامس. ولكن هذه الفكرة تلاشت، لأن مارية نذرت نفسها لله واعتزلت الناس، وقبعت في أحد الأديرة.
وحاول قسطنطين مصاهرة إمبراطور (طرابزون) وهو داوود كومنينوس كما أشار عليه رجال بلاطه، كما حاول مصاهرة ملك الكرج (جورجيا) علَّه يجد منه المساعدة في وقت الحاجة؛ لأنَّ الكرج بلاد بدوية، رجالها أشداء أقوياء، ولكن لم يتمّ هذا الزواج لنشوب الحرب بينه وبين العثمانيين.
ويُقال أيضاً إن قسطنطين فكَّر في الزواج بابنة رئيس جمهورية البندقية (فينيسيا)، لكنه ما لبث أن عدل عنه خوفاً من الرأي العام الذي كان يتَّهمه بالميل إلى اللاتين. بيد أنَّ هذا العدول عن الزواج اعتبرته البندقية إهانة لها، فكان ذلك من أسباب تثاقلها عن نصرة قسطنطين حينما أحاطت به الأخطار واشتدَّ الحصار على القسطنطينية. ب) ومن جهة أخرى لم ييأس قسطنطين من معونة الغرب، واعتقد أنَّ اشتداد الخطر على القسطنطينية وإحداق المسلمين بها
стр. 367
سيحمل الغرب على المبادرة إلى نجدته ونصرته، فبعث إلى جميع ملوك الغرب وأمرائه يستصرخهم ويستغيث بهم، كما بعث إلى البابا نقولا الخامس، يستنصره وينذره بأنه إذا سقطت القسطنطينية بيد العثمانيين فإنهم سيهاجمون بعد ذلك إيطاليا نفسها. وذكر قسطنطين قبوله لما اتفق عليه في مجمع فلورنسة الكنسي من أمر توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، واعتذر عمَّا كان من مسلك الروم تجاهه وتجاه توحيد الكنيستين. وكان قسطنطين في ذلك مثل من سبقه من الأباطرة، لم يقبل هذا الاتحاد إلا طمعاً في نيل المعونة من دول الغرب الكاثوليكية، أما في قرارة نفسه فلم يكن أقل عداءً من بطريرك الكنيسة الشرقية ومن الشعب البيزنطي للاَّتين ومذهبهم الديني وكل ما جاء من روما (١). وذهبت محاولات قسطنطين سدى، كما كانت استغاثاته صرخة في واد.
٥ - نقض العهد:
ومن المذهل حقّاً أن يتصرَّف قسطنطين تصُّرفاً أهوج، وهو يعرف عزم العثمانيين على فتح القسطنطينية، فقد استثار محمداً الفاتح ونقض العهد الذي كان بينه وبين العثمانيين، فانتهز محمد الفاتح هذه الفرصة السانحة، وصمم علناً على فتح القسطنطينية.
ذلك أن الفاتح عقب توليه السلطنة عقد السلام مع قسطنطين وغيره والحكَّام، ورضي أن يخصِّص راتباً كبيراً للأمير العثماني (أورخان) الذي كان معتقلاً في القسطنطينية. ويبدو أن قسطنطين أغراه
стр. 368
هذا التسامح من جانب محمد الفاتح، فانتهز أول فرصة للغدر به، فإن محمداً الفاتح لم يكد يجلس على عرش السلطنة، حتى ثار به إبراهيم أمير القرمان وأثار معه عدَّة أشخاص، زعم أنهم أبناء الأمراء القدامى لكرميان وإيدين ومنتشا، ودفعهم إلى هذه الأقاليم ليستولوا على ميراثهم. وبعث محمد الفاتح قوات لقتاله وسار هو في أثرهم. وفوجئ إبراهيم بهذا الزحف السريع، ووجد أنه أضعف من أن يناجز الجيش العثماني، فكفَّ عن القتال وتقدَّم إلى السلطان الفاتح بنفسه باكياً مستعطفاً، وقدَّم إليه ابنته توكيداً لخضوعه، وتعهد أن يخرج معه في حملاته المقبلة، على أن يحتفظ بإمارته. ورقَّ الفاتح لبكائه، وقبل منه ما طلب، وعفا عما كان منه (١).
وانتهز قسطنطين زحف محمد الفاتح إلى آسيا الصغرى لقمع ثورة إبراهيم أمير القرمان، فبعث إليه وفداً يطلب منه أن يدفع فوراً نفقات الأمير أورخان، ويدفعها مضاعفة، وإلا فإنه سيطلق سراح هذا الأمير ويثيره عليه ويمدّه بجيش من عنده ويجلسه على عرش السلطنة العثمانية!! ... ولا يبعد أن يكون ثمة تواطؤ وتآمر بين هذين الرجلين: إبراهيم وقسطنطين على الإيقاع بالفاتح والقضاء على دولته، وقد غرَّتهما حداثة سنه.
ولا يبعد أن يكون قسطنطين قد أراد إظهار عضلاته حتى يخيف الفاتح ويختبر حقيقة نياته المبيَّتة.
стр. 369
وذهب رسل قسطنطين إلى محمد الفاتح بآسيا الصغرى يحملون إليه الإنذار والوعيد، فلم يرَ السلطان الفاتح أن يقابل هذا العدو بمثله قبل الانتهاء من أمر أمير القرمان، وكان فوق ذلك بعيداً عن مقرّ دولته بأدرنه في أوروبا، حتى لا يعمد قسطنطين إلى قطع خط الرجعة أو عرقلة خطوط مواصلاته وسد المسالك البحرية التي تربط بين جبهة القتال وقواعده ... لذلك أحسن مقابلة رسل قسطنطين ولايَنَهم في القول ووعدهم بالنظر في طلبهم.
وما إن عاد السلطان إلى أدرنه، حتى أمر بإلغاء الراتب الذي خصّص لأورخان، وأخذ يعدُّ العُدَّة لحصار القسطنطينية والقضاء على هذه المدينة التي ما فتئت تهدد الدولة العثمانية من حين إلى حين.
والواقع أنَّ تصرُّف محمد الفاتح مع رسل قسطنطين في تلك الظروف الحرجة التي كان يجتازها وهو في حرب لا يعلم أحد نتائجها، وخط رجعته تحت رحمة البيزنطيين، وخطوط مواصلاته البريَّة والبحرية تحت رحمتهم أيضاً؛ لذلك تمالك نفسه، وسيطر على أعصابه، وكتم نياته وأظهر الموافقة وهو يخفي الرفض، وعزم عزماً أكيداً على تحقيق حلم آبائه وأجداده في فتح القسطنطينية.
لقد كان محمد الفاتح مع والده مراد الثاني في حرب الصليبيين، فشهد بنفسه الهلع الذي انتاب المسلمين عندما سمعوا بأنَّ جموع الصليبيين قد أحاطت بهم من البر والبحر، وسمع والده السلطان مراد قبل معركة (وارنه) يقسم: "لئن كشف الله عني هذا البلاء؛ لأزحفنَّ لساعتي إلى القسطنطينية"، وقد برَّ بيمينه فزحف إليها وحاصرها،
стр. 370
ولكن وسائله لم تعنه على فتحها. ولم يكن للسلطان مراد وهو شيخ كبير من العزم والقوة والمصابرة ما لابنه محمد، فكرَّر له قبل وفاته وصاة جدّه عثمان بفتح القسطنطينية، وأدرك السلطان الفاتح نفسه بأنه لن يستقر له أمن ولا طمأنينة ما بقيت القسطنطينية العاصمة الطبيعية لإمبراطوريته في يد أعدائه.
لقد عانى العثمانيون ما عانوا من الدولة البيزنطية، وحين عجزت بيزنطة عن منازلتهم في ميادين القتال، عمدت إلى منازلتهم بالدسّ والمكيدة والفتنة، فهي تارةً تثير عليهم أمراء آسيا في الشرق، وتارة تؤلّب عليهم أمراء الغرب، وتارة تحرّض عليهم هؤلاء وهؤلاء وتغريهم بقتال العثمانيين.
ولم ينسَ محمد الفاتح أنَّ بيزنطة هي التي حرَّضت تيمورلنك على قتال آبائه وأجداده، فسبَّبت ما نزل بالدولة العثمانية من نكبة وبلاء.
ولم ينسَ أنَّ القسطنطينية تفتح أبوابها لكل خارج على الدولة العثمانية، كما كانت تعتقل الأمراء (العثمانيين) وتحبسهم لديها، ثم تهدّد بهم السلاطين العثمانيين وتطلقهم في اللحظة المواتية، وتجر على الدولة العثمانية بذلك حرباً أهلية دامية.
وهو يعلم أنَّ طريق الاتصال بين الجزء الآسيوي من الدولة العثمانية والجزء الأوروبي منها تسيطر عليه القسطنطينية، وفي وسعها قطعه أو عرقلته، ولم يكن للعثمانيين أسطول يؤمّن لهم السيادة في بحر (مرمره)، وطالما هدَّدت القسطنطينية الجزء الأوروبي من الدولة العثمانية بالخطر الداهم، فكانت هذه المدينة شوكة في جسم الدولة
стр. 371
العثمانية وخنجراً مسموماً لطعنها من الخلف في أخطر الظروف والأحوال (١).
كان لا بدَّ من وضع حدٍّ نهائي لمشكلة القسطنطينية، وكان أمر فتحه بالنسبة للدولة العثمانية قضية حياة أو موت.
ولكن السلطان الفاتح كان ملتزماً بعهدٍ قطعهُ على نفسه في بداية حكمه لقسطنطين: أن يسالمه ولا يحاربه إذا التزم قسطنطين بهذا العهد. ونقض قسطنطين العهد، فتحلَّل محمد الفاتح من عهده، فندم قسطنطين ولات ساعة مندم، وشعر بما يعدّه الفاتح، فتملَّكه الفزع واستخذت قواه وكفَّ عن تهديداته، بعد فوات الأوان.
٦ - التمهيد للفتح:
كانت مجمل خطة محمد الفاتح لفتح القسطنطينية: عزلها بقطع الاتصال بينها وبين البلاد الأخرى، وتطويقها بقوات جسيمة، والتضييق عليها بالحصار المديد، ودكّ حصونها بالمدفعية، ثم القيام بهجوم وإدامة زخم الهجوم، حتى تستسلم المدينة.
وقد توقَّع محمد الفاتح أن تهب أوروبا المسيحية لنجدة قسطنطين، فكان أول ما قام به الفاتح من استعدادات عقد اتفاقات سلمية مع البندقية والمجر والأفلاق والبوسنة وغيرها من الدول والإمارات، وعقد هدنة مع هونياد المجري لمدة ثلاث سنوات.
وشرع في بناء قلعة منيعة على الشاطئ الأوروبي من البسفور بإزاء
стр. 372
القلعة التي بناها بايزيد الأول على الشاطئ الآسيوي عند أضيق موضع من القناة، ليُحكِم بذلك إغلاق هذا الممر المائي ويحول دون وصول أي مساعدة قد تأتي من اتجاه البحر الأسود.
وكانت القلعة الجديدة مواجهة لأسوار القسطنطينية وعلى بعد نحو خمسة أميال من تلك الأسوار.
وقد استقدم الفاتح مواد البناء وآلاف العمال والبنّائين من جميع أنحاء إمبراطوريته، واشترك بنفسه مع كبار رجال دولته والقضاة والفقهاء في أعمال البناء، فخلعوا ملابسهم الزاهية الثمينة وانتشروا بين العمال وزاحموهم بمناكبهم في نقل الأتربة والأحجار ومواد البناء.
وازدادت مخاوف قسطنطين واشتدَّ هلعه وتبخّر غروره، فلم يعد يطالب بمضاعفة نفقات الأمير أورخان، بل بعث إلى السلطان الفاتح يتضَّرع ويلتمس منه أن يكفّ عن بناء القلعة! وأجاب الفاتح رسل قسطنطين: "ليس فيما أقوم به ما يهدِّد مدينتكم، إنما هي أسباب الحيطة أَتَّخِذها لدولتي، وليس في ذلك أي نقض للعهد. إن لكم القسطنطينية بأسوارها، وليس لكم وراء ذلك من شيء! هل نسيتم ما انتاب والدي من الفزع عندما تحالف إمبراطوركم مع المجر وأراد منعه من عبور البحر إلى أوروبا، وسدَّت سفنه المضيق، فاضطرَّ مراد أن يستعين بالجنويين؟ لقد كنت حينذاك في أدرنه، وكنت لا أزال فتىً يافعاً، وقد ارتعد المسلمون من الخوف والفزع، وكنتم تسخرون منهم وتشتمون. لقد أقسم والدي في موقعة (وارنه) ليقيمنَّ قلعة ههنا على الشاطئ الأوروبي، وها أنذا أبرّ بيمينه،
стр. 373
وليس لكم الحق أو القوة في منع ما أقوم به الآن في أرضي، فإنَّ كلا الشاطئين لي. أما الشاطئ الآسيوي فلأنه يسكنه المسلمون، وأما الشاطئ الأوروبي فلأنَّ الروم قد هجروه، وأنتم لا تقدرون على الدفاع عنه. اذهبوا إلى سيدكم وأخبروه أن السلطان العثماني الآن يختلف عن أجداده، فإنَّ لي عزماً فوق عزمهم، وقوة فوق قوتهم .. انصرفوا الآن إلى دياركم بسلام، ووالله ما جاءني أحدٌ منكم بعد ذلك بمثل هذه الرسالة إلا قتلته" (١).
ولم تمضِ ثلاثة أشهر حتى تمَّ بناء هذه القلعة الضخمة الجبَّارة، في شكل مثلث سمك جدارها عشرون قدماً، في كل زاوية منها برج ضخم مغطَّى بالرصاص سمكه اثنان وثلاثون قدماً. ونصبت على الشاطئ مجانيق ومدافع ضخمة وقد صوَّبت أفواهها على القناة تمنع السفن من المرور، ومن ثمّ سمّيت هذه القلعة الجديدة: (بوغاز كسن) أي قاطع البوغاز، وعرفت بعد ذلك بـ (رومللي حصار) أو قلعة الرومللي، ووقفت أمام أختها القلعة التي بناها (بايزيد) على الشاطئ الآسيوي والتي تدعى: (كوزل حصار) أي القلعة الجميلة أو (أناطولي حصار) التي أمر الفاتح بترميمها وتقويتها.
وقد تمَّ بناء هذه القلعة الجديدة في شعبان سنة ست وخمسين وثمانمئة الهجرية (أواخر آب - أغسطس - ١٤٥٢م). كان الهدف من بناء هذه القلعة الجديدة إلى جانب سيطرتها على
стр. 374
مدخل البسفور، أن تكون قاعدة عسكرية لعملياته الحربية في أوروبا ومستودعاً لمواد التموين وللأسلحة والذخيرة.
وتولىّ قيادة القلعة (فيروز آغا) وبإمرته أربعمئة من قوات الانكشارية، وكانت أوامر السلطان لهذه الحامية واضحة صريحة جازمة: ألاَّ يسمح لأية سفينة أجنبية بالمرور إلا بعد تفتيش دقيق ودفع الضريبة المقرَّرة، وإن أبت أن تطيع أطلقت عليها النيران وأغرقت.
وفي اليوم الثاني عشر من شعبان سنة ستٍ وخمسين وثمانمئة الهجرية (٢٨ آب - أغسطس ١٤٥٢ م) قصد الفاتح على رأس قسم من قواته (١) القسطنطينية، ثم عاد بعد ثلاثة أيام إلى (أدرنه).
كان هدفه من هذه العملية: استطلاع أسوار وأبراج المدينة واختبار مدى قوتها واستعدادها، ومن المؤكَّد أنَّ الفاتح كانت لديه معلومات مفصَّلة عن الأسوار المحيطة بالقسطنطينية والأبراج الموجودة فيها، ولكنه أراد أن يكمل تلك المعلومات باستطلاعه الشخصي، وأن يؤثِّر في معنويات الروم ويبلبل أفكارهم، فلا يعرفون بصورة أكيدة: أيريد حقاً فتح المدينة، أم يريد تهديدهم.
ولعلَّه أراد بهذه الزيارة أن يختبر ردَّ فعل دول الغرب تجاه إقدام المسلمين على محاصرة القسطنطينية، ولعلَّه أراد بها تضليل قسطنطين بأن العثمانيين لا ينوون فتح عاصمته بل يريدون تهديده فحسب.
ومضى الفاتح يكمل معدَّاته للحصار، لأنَّه أدرك أنه سيكون حصاراً طويلاً شاقّاً، ولكي يتم عزل القسطنطينية ويحكم تطويقها،
стр. 375
بعث قائده (طرخان) في شهر شوال (بداية تشرين أول - أكتوبر) إلى (المورة) لمناجزة حاكمَيْها توماس وديمتريوس ومنعهما من مساعدة أخيهما قسطنطين إمبراطور القسطنطينية، كما أرسل فريقاً من قواته لتطهير المناطق المجاورة لهذه المدينة.
وبذلك أكمل الفاتح الأقسام التمهيدية من خطة فتح القسطنطينية، ومن الواضح أنه كان معنيّاً باستكمال أدق الاستحضارات، ليكون نجاح خطته مضموناً، فلا يترك ثغرة قد تؤدي إلى إخفاقه في فتح المدينة كما أخفق آباؤه وأجداده من قبل.
كانت فكرة فتح القسطنطينية قد استحوذت على محمد الفاتح وسيطرت على جميع جوارحه، حتى كاد لا يتحدَّث إلا في هذا الأمر، ولا يأذن لأحد ممن يجالسونه بالحديث في غيره، لدرجة أن أصبح أمر الفتح همَّه الذي يشغله بالليل والنهار حتى أرَّقه وحرمه من النوم.
وأقبل الشتاء، فاغتبط قسطنطين بذلك، وظن أنَّ البرد سيعوق الاستعدادات الحربية للعثمانيين، وبعث قسطنطين إلى الفاتح يحاول صرفه عما هو بسبيله، فقال الفاتح للرسل: "إذا كان إمبراطوركم يخشى الحرب، فليسلّم لي القسطنطينية، وأقسم أن جيشي لن يتعرَّض لأحد في نفسه أو ماله، ومَن شاء بقي في المدينة وعاش فيها في أمن وسلام، ومَن شاء رحل عنها وذهب لما أراد في أمن وسلام أيضاً" (١). وأيقن قسطنطين ألاَّ مناص من الحرب، فحاول تخريب قلعة
стр. 376
(رومللي) التي بناها الفاتح، ولكن العثمانيين تصدَّوا للروم وردُّوهم على أعقابهم.
وحدثت بعد ذلك مناوشات بين العثمانيين والروم، كما نشب القتال في بعض القرى المجاورة للقسطنطينية بين الطرفين هلك فيه كثير من الروم.
وأحكم الفاتح الطوق على القسطنطينية، فاشتدَّ الذعر بقسطنطين، وأمر بإغلاق أبواب المدينة، وقبض على جميع من فيها من رعايا العثمانيين، وكان فيهم قسمٌ من غلمان السلطان الفاتح، فأطلق قسطنطين سراحهم وردَّهم إلى سيدهم وبعث معهم رسالة خطية إلى السلطان محمد يقول فيها: "لما كان من الجليّ أنّك تريد الحرب أكثر من السلام، ولما كنتُ غير مستطيع أن أقنعك بإخلاصي واستعدادي لأن أكون لك تابعاً، لذا فالأمر لله، وسأوجّه وجهي إلى الله، فإذا كانت إرادته تقضي بأن تصبح هذه المدينة مدينتك، فلا مردَّ لقضاء الله وقدره. وأما إذا ألهمك الرغبة في السلام، فسأكون سعيداً ما بقيت، ومع ذلك فإني أعفيك من كلّ تعهداتك واتفاقاتك معي، وسأغلق أبواب هذه المدينة وأدافع عن شعبي إلى آخر قطرة من دمي ... ".
٧ - محاولات قسطنطين:
وجدَّ قسطنطين في إصلاح أسوار المدينة وأبوابها وتكديس المواد التموينية والأسلحة والعتاد وإعداد قواته المسلحة للقتال.
وبعث قسطنطين إلى الغرب مرة أخرى يستغيثه ويستنجده، وأعلن في رسالته للبابا أنه قد قبل ما قرَّره مجمع فلورنسة في توحيد
стр. 377
الكنيستين الشرقية والغربية، وطلب إليه أن يرسل مَن ينفِّذ ذلك، واستعجله في إرسال المعونة والنجدة. ولم يكن موقف ملوك الغرب وأمرائه تجاه القسطنطينية في هذه المرة خيراً من موقفهم من قبل، فقد شغلتهم منازعاتهم ومشاكلهم الخاصة عن تلبية استغاثة قسطنطين، وكان للاختلافات الطائفية بين الكنيستين الشرقية والغربية أثر في سكوت حكام الغرب عن نجدة البيزنطيين.
ومع ذلك بدأت قوات رمزية بسيطة ترد إلى القسطنطينية، قد لا يكون لها أثر مادي على سير المعركة، ولكن كان لها أثر معنوي لا شكَّ فيه، خاصة في سكان المدينة الذين استبدَّ بهم الخوف والهلع من مصيرهم المرتقب.
فقد جاءت سفينتان من البندقية استطاعتا أن تمرقا إلى البسفور
وتلقيا مراسيهما في القرن الذهبي.
وجاء الكاردينال (إيزيدور) مبعوث بابا روما ومعه مئتا مقاتل لنجدة المدينة ولإتمام توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، وتبعته ثماني سفن من جزيرة (كريت) تحمل النبيذ للمحاصَرين.
ثم جاء المغامر الجنوي (جون جستنيان) (١) على سفينة محمَّلة بالمؤن والذخائر، ومعها سفينة أخرى، وكان معه سبعمئة مقاتل. وقد استقبله الإمبراطور استقبالاً رائعاً وعيَّنه قائداً عاماً للقوات المدافعة عن القسطنطينية.
стр. 378
وبدأ القائد العام الجديد ينظّم أمر الدفاع عن القسطنطينية، فوضع مدافعه الصغيرة على الأسوار، وقسَّم المدافعين على حسب شعوبهم وأجناسهم، وخصص لكلٍّ واجباته، وقام بتدريب الرهبان والمدنيين الذين يجهلون فنّ الحرب وليس لديهم من وسائلها إلا الحماسة لها، والرغبة في قتال المسلمين، لإنقاذ مدينتهم وسكانها والتضحية بأرواحهم فداءً لها.
وخصص الإمبراطور لجون جستنيان وأتباعه مهمة الدفاع عن النقط الخطيرة والأبواب المهمة، وكان جون مقاتلاً مغواراً ذائع الصيت في الشجاعة والمهارة في فنون القتال، وقد جاء من تلقاء نفسه للدفاع عن القسطنطينية عندما علم بما حاق بها من خطر، فوعده قسطنطين بأن يكافئه بجزيرة من جزر الأرخبيل إذا ما صدَّ الأتراك ونجت القسطنطينية من أخطارهم.
لقد تمخَّضت دول أوروبا، فولدت نحو ألف مقاتل نجدة للقسطنطينية، فنافست بذلك الجبل الذي تمخَّض فولد فأرة! وقرَّر قسطنطين الاعتماد على نفسه وعلى مناعة القسطنطينية للدفاع عنها، كما قرَّر وضع سلسلة لإغلاق ممر القرن الذهبي أمام السفن المعادية (١)، تبدأ من طرف المدينة الشمالي وتنتهي عند حي (غلطه)، تلك المدينة الجنوبية المستقلة التي ترك لسكانها أمر حمايتها عند طرفها الشمالي، وهذه السلسلة هي التي وقفت أمام الأسطول العثماني وعملت على حماية السفن البيزنطية التي تجمَّعت وراءها، وكان لها شأن كبير ودور هام في الدفاع عن المدينة المحاصَرة.
стр. 379
٨ - إكمال الإعداد:
في خلال ذلك كان محمد الفاتح في عاصمته (أدرنه) يضاعف أهبته بعزم لا يعرف الكلل، وكانت قواته المسلحة تحشد في العاصمة التي أصبحت معسكراً كبيراً، وقد تجمَّع فيها الجنود العثمانيون من آسيا وأوروبا من النظاميين والمجاهدين، وكانت حماسة الجيش العثماني للقتال عظيمة، وكان رجاله يعتقدون بأنهم يؤدُّون مهمة سامية في الحياة ويقومون بحرب مقدَّسة يبتغون من ورائها المثوبة من الله وينتظرون نصره، يشاركهم الشيوخ وعلماء الدين ويشدُّون أزرهم ويستثيرون روح الجهاد والتضحية في الجند.
وفي تلك الأثناء حضر إلى الفاتح المهندس المجري (أوربان) وهو أمهر صانع للمدافع في زمانه، وكان قد طاف ببعض بلدان أوروبا وعرض صناعته على بعض ملوكها، فلم يصغِ إليه أحد. وقصد هذا المهندس القسطنطينية ولبث هناك زمناً يعرض خدماته على قسطنطين، غير أن الإمبراطور ضنَّ عليه بالمال.
وفرَّ أوربان إلى محمد الفاتح الذي استقبله استقبالاً حسناً، وبالغ في الحفاوة به، وفتح له أبواب خزائنه وغمره بالمال والعطايا، وعرف كيف يستغله أحسن استغلال، وسهَّل له كل الوسائل لإتمام إنتاج المدافع، ووضع تحت تصرفه ما طلبه من آلات وعمَّال فنيين.
وسأله السلطان: "هل يمكنك أن تصنع مدافع أضخم من التي صنعتها حتى الآن"؟
стр. 380
وأجاب أوربان: "في استطاعتي أن أصنع لك مدفعاً يدكّ أسوار القسطنطينية ولو كانت في مناعة أسوار بابل، غير أني مهندس ولست جندياً فلا أعرف أين توضع المدافع".
وضحك محمد الفاتح وقال: "أنا الجنديّ ما عليك إلاَّ أن تصنع المدافع التي أريدها، أما أين توضع وكيف تصوَّب، فدع ذلك لي".
وشرع أوربان في صنع المدافع، يعاونه في ذلك المهندسان
التركيان صاربجة ومصلح الدين، ويشرف عليهم السلطان بنفسه.
وبعد ثلاثة أشهر صنع المدافع التي طلبها منه الفاتح، وكان من بينها مدفع ضخم عملاق لم يُرَ مثله قطّ في ضخامته وكبر حجمه، يزن سبعمئة طن وتزن القنبلة الواحدة التي يطلقها هذا المدفع اثني عشر ألف رطل، ويجرّه مئة ثور يساعدها مئة من الرجال الأشداء يزحفون به زحف السلحفاة. وعندما أُريد تجربته لأول مرة في أدرنه أنذر السلطان سكان المنطقة، فسمع دويّه على بعد ثلاثة عشر ميلاً، وسقطت قذيفته على بعد ميل، وغاصت في الأرض ستة أقدام. وقد قطع هذا المدفع الطريق من أدرنه إلى مربضه أمام أسوار القسطنطينية في شهرين، وهو طريق يقطع عادة في يومين!!.
وصنع أوربان إلى جانب هذا المدفع الضخم الذي دعوه بـ (المدفع السلطاني) لأنه سلطان المدافع، مدافع أخرى من عيارات مختلفة، فأصبحت بذلك قوة المدفعية العثمانية متفوّقة على قوى المدفعية كلها في العالم، وكان لهذا التفوُّق أثره الحاسم في فتح القسطنطينية وفي فتوح العثمانيين في أوروبا وغيرها في أيام محمد الفاتح وخلفائه من بعده.
стр. 381
ورأى السلطان الفاتح أنَّ الطريق إلى القسطنطينية من ناحية الدردنيل لا تزال مفتوحة، تدخل منها السفن المعادية وتخرج في حرية تامة، فأمر بالإسراع في بناء سفن جديدة وإصلاح السفن القديمة وحشدها في بحر مرمرة لمنع أي سفينة معادية من تموين القسطنطينية، وقد بلغ عدد هذه السفن على اختلاف أنواعها وأحجامها أربعمئة سفينة (١)، كان المسلَّح منها تسليحاً تاماً اثنتي عشرة سفينة فقط.
وفي يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (٣٠ من آذار - مارس - ١٤٥٣م) كان الفاتح قد أتمَّ استعداداته العسكرية: طهَّر المنطقة المحيطة بالقسطنطينية من العدوّ وسيطر عليها وضمن عدم معاونة الدول المسيحية القريبة من القسطنطينية لها عند نشوب القتال، وكدَّس الأسلحة والعتاد والذخيرة والقضايا الإدارية وسيطر على المنافذ المائية للقسطنطينية، وحشد القوات المسلَّحة النظامية وغير النظامية، وحرَّض قوَّاته على القتال، وبثَّ فيهم روح الجهاد، ورفع معنوياتهم بالعقيدة الراسخة المستمدَّة من تعاليم الدين الحنيف.
٩ - الزحف:
زحف محمد الفاتح بجيشه إلى القسطنطينية، وما إن وصل إلى مشارف المدينة حتى خطبهم خطبة بليغة حثَّهم فيها على الجهاد وصدق القتال، وقرأ عليهم في ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المبشّرة بفتح القسطنطينية، وأبان لهم أي أجر يحوزون بفتحها الذي سيعزّ
стр. 382
الإسلام ويرفع قدره بين الأمم. وكان في طليعة الجيش: الشيوخ والعلماء والدراويش يتقدَّمهم الشيخ العالم العامل آق (١) شمس الدين والمولى أحمد الكوراني والمولى خسرو والأشراف من آل بيت النبي ﷺ ، وكان الجميع يدعون الله أن ينصر جيش المسلمين ويبيّض وجوه المقاتلين.
وفي يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (٥ من نيسان - أبريل - ١٤٥٣ م) بلغ الجيش الإسلامي أمام أسوار القسطنطينية، وكان منظراً من أروع ما روى التاريخ: جموع زاخرة من الجند بين مشاة وخيّالة ومدفعية وهندسة ... إلخ ... بأعلامهم الخفَّاقة المزهوة، وقوافل النقلية مثقلة بمواد التموين والعتاد والذخيرة. واختلطت صيحات الرجال بصهيل الخيل، وامتزج التكبير بالموسيقى العسكرية (٢)، وكانت تعلو رؤوس الناس عمائم بيض هي عمائم العلماء العاملين. ولما آن وقت صلاة الظهر نشر السلطان سجادته واستقبل القبلة وكبّر للصلاة وكبّر الجيش اللجب في صوت جهير رهيب وراء إمامه وقائده.
وشرع السلطان بعد ذلك يتأهَّب لحصار القسطنطينية، فعبَّأ جنده ونظَّمه ووزَّع العدد والآلات، ووضع كل شيء في موضعه ونسَّقه تنسيقاً يدلّ على براعته الفائقة في الفنون العسكرية.
стр. 383
١٠ - الحصار:
وفي اليوم التالي، يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (٦ من نيسان - أبريل - ١٤٥٣ م) بدأ حصار القسطنطينية.
ولكي ندرس خطة الفاتح في الحصار، لا بدَّ لنا من معرفة طبيعة المدينة المحاصَرة وأبرز عوارضها الطبيعية والصناعية - بخاصة التي سيرد ذكرها في عمليات الحصار والفتح.
مدينة القسطنطينية مثلثة الشكل، جانب منها على بحر (مرمرة) وجانب على ميناء القرن الذهبي، ويمتدّ على طول كلٍّ منهما سور واحد. أما الجانب الثالث فيقع في الجهة الغربية ويصل المدينة بأوروبا وحوله خطان من الأسوار طولهما أربعة أميال يمتدَّان من شاطئ بحر (مرمرة) إلى شاطئ القرن الذهبي، يبلغ ارتفاع السور الداخلي منهما نحو أربعين قدماً، وقد دُعِمَ بأبراج طولها ستون قدماً، والمسافة بين كلّ برج وآخر نحو مئة وثمانين قدماً. ويبلغ ارتفاع السور الخارجي نحو خمسة وعشرين قدماً، وقد حُصّن بأبراج شبيهة بأبراج السور الداخلي، وإن كانت أصغر حجماً من الأولى قليلاً، وهذا السور الخارجي وحده كان من القوة والمناعة بحيث يكفي لحماية أي مدينة من مدن العصور الوسطى. وبين هذين السورين: الداخلي والخارجي؛ أرض مكشوفة متوسط عرضها نحو خمسين أو ستين قدماً. ويقع أمام السور الخارجي سور ثالث ليس بذي خطر، يسهل اقتحامه ويمكن أن نطلق عليه: متراساً، وبين السور الخارجي والمتراس أرض مكشوفة
стр. 384
أيضاً، أمامها مباشرة خندق واسع يبلغ عرضه نحو ستين قدماً، ويعتبر هذا الخندق الخط الدفاعي الأمامي عن القسطنطينية.
وللسور الخارجي أبواب كثيرة، والتي جاء ذكرها في أثناء الحصار هي: باب (أدرنه)، وباب المدفع (طوب قبو) وكان القدماء يسمُّونه باب القدّيس رومانوس، والباب العسكري.
لقد خُلقت القسطنطينية صالحة للدفاع عنها إلى أبعد الحدود برّاً وبحراً، لذلك استعصى فتحها على الغزاة عبر القرون الطويلة.
وعوارضها الطبيعية والصناعية، جعلت من الميسور الدفاع عنها بقوات صغيرة بالنسبة لقوات المهاجمين.
***
стр. 385
مخطط للخطوط الدفاعية عن القسطنطينية
стр. 386
لذلك كانت مهمة محمد الفاتح في فتح القسطنطينية شاقة وعسيرة، فلا عجب أن يبذل ما بذله من جهود جبَّارة مضنية إعداداً لقواته المسلَّحة البحرية والبريّة على حدٍّ سواء، وفتح خزائنه على مصراعيها لإكمال استعداداته العسكرية، حتى ينهض بهذا الواجب الشاق العسير.
كانت خطة الفاتح لحصار المدينة تتلخَّص بتقسيم قوَّاته إلى ثلاثة أقسام:
أ) الميمنة، وتتألف من جنود الأناضول بقيادة إسحاق باشا ومحمود بك، وتمتدّ من بحر مرمرة أقصى جناحها الجنوبي إلى (طوب قبو).
ب) الميسرة، وتتألف من جنود أوروبا والمجاهدين والجنود غير النظاميين بقيادة (قره جه باشا)، وتمتدّ من ميناء القرن الذهبي أقصى جناحها الشمالي إلى باب (أدرنه) بمواجهة السور.
ج) القلب، ويتألف من جنود الانكشارية والجنود المختارة بقيادة محمد الفاتح، ويواجه الجزء الأوسط من السور الذي يمتد من (طوب قبو) إلى باب (أدرنه)، وهذا الجزء من السور يعتبر أضعف جزء فيه، إذ يقع في وادي (ليكوس)، وقد وجَّه إليه أشد الهجوم.
وقد أقام الفاتح مقرّ قيادته خلف القلب.
والواقع أن هذه الخطَّة مرنة جدّاً، إذ ولَّى كل قسم من أقسام جيشه قيادة خاصة به، وأعطى حرية العمل للقادة ضمن قواطعهم تطبيقاً للخطة العامة وتنفيذاً لتفاصيلها، ومع ذلك سيطر على زمام القيادة العليا، لتأمين التعاون الكامل بين قواته في الحصار.
ولكي يحرم القسطنطينية من معاونة الجنويين في حي (غلطه) أمر
стр. 387
زغنوس باشا مع فرقته بالتعسكر على المرتفعات المشرفة على هذا الحي، لمراقبة الجنويين ومنعهم من إمداد المدينة المحاصَرة ومراقبة الشاطئ الشمالي من القرن الذهبي، وأمره الفاتح أن يقيم جسراً عند نهاية الميناء لتسهيل الاتصال ونقل الجنود من إحدى الضفتين إلى الأخرى عند الحاجة، وليتمكن من الاشتراك في الهجوم على المدينة من ناحية البر، وبذلك أصبحت فرقة زغنوس احتياطاً عاماً لقوات الفاتح بالإضافة إلى واجباتها الأخرى.
ونصب السلطان أمام السور البري المدافع بالنسبة لمدياتها، فوضع ذات المدى القصير قريبة من الأسوار وحماها بالجنود والتحصينات، ووضع ذات المدى المتوسط خلفها، ووضع ذات المدى الطويل خلف المدافع الثانية، وبذلك رتَّب مدفعيته بالعمق، ووضع لها خطة مفصَّلة لقصف الأسوار. وكانت المدفعية العثمانية مؤلفة من أربع عشرة سرية مدفعية (١)، وقد نصب المدفعية الضخمة منها مقابل باب رومانوس، ومنذ ذلك الوقت عرف هذا الباب باسم: (طوب قبو) (٢).
وانتشرت السفن العثمانية في بحر (مرمرة) لمنع ما قد يأتي من السفن المعادية من الغرب لإنجاد القسطنطينية ومراقبة السور الواقع على بحر (مرمرة). وقد أمر السلطان قائد بحريته (بالطه أوغلي) بتطهير بحر (مرمرة) والاستيلاء على جزر الأمراء (٣)، وقد استولى عليها بالطه أوغلي وانتشل منها المعتقلين والمسجونين من السجون والدهاليز المظلمة التي كانوا فيها وأطلق سراحهم، ثم وضع في هذه الجزر حاميات عثمانية.
стр. 388
خريطة
стр. 389
وخشي قسطنطين أن تقتحم هذه السفن ميناء القرن الذهبي وتحاصر المدينة من تلك الناحية، فقد كان السور القائم هناك أضعف الأسوار كلها، ومن هذا الجانب دخل الصليبيون القسطنطينية سنة إحدى وستمئة الهجرية (١٢٠٤ م)، فشدَّد الحراسة على هذا الميناء.
كما أعدَّ قسطنطين كل ما استطاع إعداده من جند وعتاد ومواد تموينية لمقاومة هذا الحصار ومحاولة صدّه، ووزع جنوده على أسوار القسطنطينية، واتَّخذ هو مقرَّه جانب قلب الجيش العثماني ما بين باب (أدرنه) و (طوب قبو) ومعه القائد الجنوي (جستنيان) الذي ولاَّه منصب قائد الدفاع العام كما ذكرنا سابقاً.
وقد اختلف المؤرخون في تقدير الجيش العثماني، فالمؤرخون البيزنطيون القدامى (١) يبالغون في تقديره ويرفعونه إلى ثلاثمئة ألف مقاتل أو أربعمئة ألف مقاتل. ومن الواضح - كما قال الأستاذ (مازاس) -: "إنَّ هؤلاء المؤرخين يبالغون في تعداد الجيش العثماني بقصد تهوين شأن الهزيمة التي نزلت بالروم" (٢) وتهوين شأن النصر الذي أحرزه العثمانيون. ويقدِّر قسم من المؤرخين الغربيين الجيش العثماني بمئة وخمسين ألفاً أو مئة وستين ألفاً وهو تقدير أقرب إلى الاعتدال، وإليه ذهب قسم من المؤرخين العثمانيين أنفسهم (٣).
أما المدافعون عن القسطنطينية، فقد اتفق الكتَّاب المعاصرون من
стр. 390
الروم على وجه يشبه الإجماع على تقديرهم بثمانية آلاف مقاتل، ويكاد يُجمع المؤرخون الأوروبيون المحدثون على الأخذ بهذا التقدير، وقدَّروا أنَّ نصف هؤلاء المدافعين من الروم، والنصف الآخر من اللاتين.
أما مؤرخو الأتراك المحدثون (١)، فيستبعدون هذا التقدير ويستقلُّونه ويرونه نوعاً من الاعتذار للروم عن هزيمتهم، وهم يعدُّون عدد المدافعين بما لا يقلّ عن ستين ألفاً.
والواقع أن تقدير الروم عدد المدافعين بثمانية آلاف مقاتل ليس معقولاً، إذ شارك في الدفاع عن القسطنطينية حتى الرهبان والقسس وغيرهم من المدنيين دفاعاً عن دينهم أو حمية.
كما أن المدينة المحاصَرة استوعبت كل الروم الذين أجلوا عن مدنهم وقراهم التي فتحها العثمانيون قبيل فتح القسطنطينية وتكدَّسوا في داخل المدينة المحاصَرة.
فإذا قدَّرنا عدد الروم في القسطنطينية بما لا يقل عن نصف مليون نسمة، فإن الجيش المدافع عنها لا يقل عن خمسين ألف مقاتل، لأن القاعدة العسكرية تنصّ على أن القادرين على حمل السلاح من مجموع السكان يبلغ عشرة بالمئة.
والقاعدة العسكرية في قتال المدن، تنصّ على أن نسبة المهاجم إلى المدافع تكون ثلاثين للمهاجم وواحداً للمدافع، نظراً لاحتماء المدافع بالحصون والقلاع والأسوار والأبنية والشوارع والمزارع والبساتين.