← Общие книги

Общие книги · id 8645

بين العقيدة والقيادة

محمود شيت خطاب

Полный текст (561 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لذلك كانت مهمة محمد الفاتح في فتح القسطنطينية شاقة وعسيرة، فلا عجب أن يبذل ما بذله من جهود جبَّارة مضنية إعداداً لقواته المسلَّحة البحرية والبريّة على حدٍّ سواء، وفتح خزائنه على مصراعيها لإكمال استعداداته العسكرية، حتى ينهض بهذا الواجب الشاق العسير. كانت خطة الفاتح لحصار المدينة تتلخَّص بتقسيم قوَّاته إلى ثلاثة أقسام: أ) الميمنة، وتتألف من جنود الأناضول بقيادة إسحاق باشا ومحمود بك، وتمتدّ من بحر مرمرة أقصى جناحها الجنوبي إلى (طوب قبو). ب) الميسرة، وتتألف من جنود أوروبا والمجاهدين والجنود غير النظاميين بقيادة (قره جه باشا)، وتمتدّ من ميناء القرن الذهبي أقصى جناحها الشمالي إلى باب (أدرنه) بمواجهة السور. ج) القلب، ويتألف من جنود الانكشارية والجنود المختارة بقيادة محمد الفاتح، ويواجه الجزء الأوسط من السور الذي يمتد من (طوب قبو) إلى باب (أدرنه)، وهذا الجزء من السور يعتبر أضعف جزء فيه، إذ يقع في وادي (ليكوس)، وقد وجَّه إليه أشد الهجوم. وقد أقام الفاتح مقرّ قيادته خلف القلب. والواقع أن هذه الخطَّة مرنة جدّاً، إذ ولَّى كل قسم من أقسام جيشه قيادة خاصة به، وأعطى حرية العمل للقادة ضمن قواطعهم تطبيقاً للخطة العامة وتنفيذاً لتفاصيلها، ومع ذلك سيطر على زمام القيادة العليا، لتأمين التعاون الكامل بين قواته في الحصار. ولكي يحرم القسطنطينية من معاونة الجنويين في حي (غلطه) أمر

стр. 387

زغنوس باشا مع فرقته بالتعسكر على المرتفعات المشرفة على هذا الحي، لمراقبة الجنويين ومنعهم من إمداد المدينة المحاصَرة ومراقبة الشاطئ الشمالي من القرن الذهبي، وأمره الفاتح أن يقيم جسراً عند نهاية الميناء لتسهيل الاتصال ونقل الجنود من إحدى الضفتين إلى الأخرى عند الحاجة، وليتمكن من الاشتراك في الهجوم على المدينة من ناحية البر، وبذلك أصبحت فرقة زغنوس احتياطاً عاماً لقوات الفاتح بالإضافة إلى واجباتها الأخرى. ونصب السلطان أمام السور البري المدافع بالنسبة لمدياتها، فوضع ذات المدى القصير قريبة من الأسوار وحماها بالجنود والتحصينات، ووضع ذات المدى المتوسط خلفها، ووضع ذات المدى الطويل خلف المدافع الثانية، وبذلك رتَّب مدفعيته بالعمق، ووضع لها خطة مفصَّلة لقصف الأسوار. وكانت المدفعية العثمانية مؤلفة من أربع عشرة سرية مدفعية (١)، وقد نصب المدفعية الضخمة منها مقابل باب رومانوس، ومنذ ذلك الوقت عرف هذا الباب باسم: (طوب قبو) (٢). وانتشرت السفن العثمانية في بحر (مرمرة) لمنع ما قد يأتي من السفن المعادية من الغرب لإنجاد القسطنطينية ومراقبة السور الواقع على بحر (مرمرة). وقد أمر السلطان قائد بحريته (بالطه أوغلي) بتطهير بحر (مرمرة) والاستيلاء على جزر الأمراء (٣)، وقد استولى عليها بالطه أوغلي وانتشل منها المعتقلين والمسجونين من السجون والدهاليز المظلمة التي كانوا فيها وأطلق سراحهم، ثم وضع في هذه الجزر حاميات عثمانية.

стр. 388

خريطة

стр. 389

وخشي قسطنطين أن تقتحم هذه السفن ميناء القرن الذهبي وتحاصر المدينة من تلك الناحية، فقد كان السور القائم هناك أضعف الأسوار كلها، ومن هذا الجانب دخل الصليبيون القسطنطينية سنة إحدى وستمئة الهجرية (١٢٠٤ م)، فشدَّد الحراسة على هذا الميناء. كما أعدَّ قسطنطين كل ما استطاع إعداده من جند وعتاد ومواد تموينية لمقاومة هذا الحصار ومحاولة صدّه، ووزع جنوده على أسوار القسطنطينية، واتَّخذ هو مقرَّه جانب قلب الجيش العثماني ما بين باب (أدرنه) و (طوب قبو) ومعه القائد الجنوي (جستنيان) الذي ولاَّه منصب قائد الدفاع العام كما ذكرنا سابقاً. وقد اختلف المؤرخون في تقدير الجيش العثماني، فالمؤرخون البيزنطيون القدامى (١) يبالغون في تقديره ويرفعونه إلى ثلاثمئة ألف مقاتل أو أربعمئة ألف مقاتل. ومن الواضح - كما قال الأستاذ (مازاس) -: "إنَّ هؤلاء المؤرخين يبالغون في تعداد الجيش العثماني بقصد تهوين شأن الهزيمة التي نزلت بالروم" (٢) وتهوين شأن النصر الذي أحرزه العثمانيون. ويقدِّر قسم من المؤرخين الغربيين الجيش العثماني بمئة وخمسين ألفاً أو مئة وستين ألفاً وهو تقدير أقرب إلى الاعتدال، وإليه ذهب قسم من المؤرخين العثمانيين أنفسهم (٣). أما المدافعون عن القسطنطينية، فقد اتفق الكتَّاب المعاصرون من

стр. 390

الروم على وجه يشبه الإجماع على تقديرهم بثمانية آلاف مقاتل، ويكاد يُجمع المؤرخون الأوروبيون المحدثون على الأخذ بهذا التقدير، وقدَّروا أنَّ نصف هؤلاء المدافعين من الروم، والنصف الآخر من اللاتين. أما مؤرخو الأتراك المحدثون (١)، فيستبعدون هذا التقدير ويستقلُّونه ويرونه نوعاً من الاعتذار للروم عن هزيمتهم، وهم يعدُّون عدد المدافعين بما لا يقلّ عن ستين ألفاً. والواقع أن تقدير الروم عدد المدافعين بثمانية آلاف مقاتل ليس معقولاً، إذ شارك في الدفاع عن القسطنطينية حتى الرهبان والقسس وغيرهم من المدنيين دفاعاً عن دينهم أو حمية. كما أن المدينة المحاصَرة استوعبت كل الروم الذين أجلوا عن مدنهم وقراهم التي فتحها العثمانيون قبيل فتح القسطنطينية وتكدَّسوا في داخل المدينة المحاصَرة. فإذا قدَّرنا عدد الروم في القسطنطينية بما لا يقل عن نصف مليون نسمة، فإن الجيش المدافع عنها لا يقل عن خمسين ألف مقاتل، لأن القاعدة العسكرية تنصّ على أن القادرين على حمل السلاح من مجموع السكان يبلغ عشرة بالمئة. والقاعدة العسكرية في قتال المدن، تنصّ على أن نسبة المهاجم إلى المدافع تكون ثلاثين للمهاجم وواحداً للمدافع، نظراً لاحتماء المدافع بالحصون والقلاع والأسوار والأبنية والشوارع والمزارع والبساتين.

стр. 391

فإذا قدَّرنا عدد المدافعين من الروم بما لا يقل عن خمسين ألف مقاتل، فإن انتصار العثمانيين عليهم وهم بين ثلاثمئة ألف مقاتل وأربعمئة ألف مقاتل يعتبر مفخرة للعثمانيين، لأن نسبة المهاجمين إلى المدافعين لا تزيد على ستة على واحد أو ثمانية على واحد في أكثر تقدير. تلك هي الحقيقة، أما الدفاع عن هزيمة الروم بشتَّى المعاذير، فلا سند له نتيجة للدراسة العسكرية الفنية. ١١ - المناوشات: أخذت المدفعية العثمانية تقصف أسوار القسطنطينية ليلاً ونهاراً، وكان لاصطدام القنابل بالأسوار دويٌّ هائل يملأ نفوس سكان القسطنطينية رعباً وهلعاً وبخاصة في ساعات الليل الهادئ البهيم، وقد أثَّر ذلك في معنويات المحاصَرين تأثيراً سيئاً. واستبسل الفريقان، فكان المدافعون يبادرون فوراً إلى إصلاح ما يصيب الأسوار من عطب، بينما يندفع العثمانيون بين الحين والحين بكلّ بسالة وإقدام لاقتحام الأسوار. واستطاعت المدفعية العثمانية أن تهدّ جزءاً من السور الخارجي عند وادي (ليكوس)، فاندفع العثمانيون نحو الثغرة في اليوم الثامن عشر من نيسان - أبريل - ١٤٥٣ م وتسلَّقوا السور بالسلالم. وقذف (جستنيان) بجميع جنوده المدرَّعين إلى موضع الثغرة، فاشتدَّ القتال بين الطرفين وانهمرت السهام والنبال من كل جانب حتى حل ظلام الليل، فأمر الفاتح رجاله بالانسحاب بعد أن استحصل على

стр. 392

مزيد من المعلومات عن الروم. وفي نفس ذلك اليوم، حاولت بعض السفن العثمانية تحطيم السلسلة القائمة على مدخل ميناء (القرن الذهبي) واقتحامه، ولكن سفن الروم والطليان التي كانت أكثر ارتفاعاً من السفن العثمانية الصغيرة القصيرة، استطاعت صبّ قنابلها ونيرانها على السفن العثمانية وصدّها بعد تكبيدها خسائر بالأرواح والسفن. هذان النصران التعبويان في البرِّ والبحر، رفعا معنويات المدافعين عن القسطنطينية من جهة، وشحذا همم العثمانيين من جهة أخرى. وفي صبيحة الجمعة أحد عشر من ربيع الأول (في صبيحة اليوم العشرين من نيسان - أبريل - ١٤٥٣ م) ظهرت في بحر (مرمرة) خمس سفن قادمة من الغرب تحمل الرجال والمعدَّات والمؤن: أربع منها بعث بها البابا وجنوا، والخامسة للأمبراطور، وكان سكان القسطنطينية يتوقَّعون وصول مثل هذا المدد ويترقَّبونه. وما إن علم الفاتح بأمر هذه السفن حتى ترك مقرَّه وأسرع على حصانه إلى شاطئ (غلطه) وأمر قائد بحريته (بالطه أوغلي) بملاقاة هذه السفن وقال له: "إما أن تستولي على هذه السفن وإما أن تغرقها، وإذا لم توفق في ذلك فلا ترجع إلينا حيّاً". وتحفَّز (بالطه أوغلي) في مجموعة من سفنه لملاقاتها وقتالها، ووقف السلطان مع رجاله على ساحل (غلطه) ينتظرون المعركة، ولكن سفن العثمانيين لم تقوَ على مصاولة السفن النصرانية الخمسة، لأن السفن العثمانية بنيت قبيل البدء في حصار القسطنطينية على عجل، فجاءت غير محكمة البناء ولا متقنة الصنع. ولم يكن هناك في السفن

стр. 393

العثمانية غير ثماني عشرة سفينة كانت على شيء من القوة، أما سائر السفن فكانت لا تعدو أن تكون قوارب صغيرة مكشوفة مملوءة بالجند، ولم تكن مسلَّحة بالمدافع، ذلك أن العثمانيين كانوا حديثي العهد بالبحرية وأساليب قتالها، وكان الطليان في ذلك الحين سادة البحر بلا منازع. وكانت السفن النصرانية فوق ذلك محكمة البناء متفوِّقة بالحجم والقوة كاملة العدة والعتاد، وقد لبس رجالها الدروع والزرود، وأخذوا يطلقون قنابلهم ونيرانهم الفتَّاكة على القوارب العثمانية الصغيرة، وهي تحاول بمجاذيفها الخشبية مغالبة الريح الشديدة التي كانت تعوقها عن التقدُّم. وسكنت الريح فجأة، فتوقَّفت السفن الخمس عن المسير وانكمشت أشرعتها، وكانت قد قاربت مدخل (القرن الذهبي). وانتهز (بالطه أوغلي) هذه الفرصة، فانقضَّ بسفنه على السفن الخمس محاولاً إحراقها بالنار، ولكن سرعان ما يصبّ عليها الماء فيطفئها. وعاود (بالطه أوغلي) الهجوم مرة بعد أخرى، حتى أصيبت إحدى عينيه. واحتدم القتال، واستقتل العثمانيون، وتساقط منهم عدد كبير من الشهداء. وكان الفاتح على شاطئ (غلطه) يراقب المعركة بعين لا تطرف وهو لا يكاد يستقر فوق ظهر جواده، فلمَّا رأى ما حاق برجاله من قتل وسفنه من تدمير، لم يتمالك نفسه فاندفع نحو البحر حتى غاص جواده إلى صدره. وكانت السفن على مرمى حجر منه، وكان يلوّح لبالطه أوغلي بأعلى صوته: "يا قبطان ... ! يا قبطان ... ! ".

стр. 394

وكانت الشمس قد بدأت تغيب، وفجأة هبَّت الريح من الجنوب قوية فنشرت السفن الخمس أشرعتها ومرقت من بين السفن العثمانية بخفّة واندفاع وانفلتت إلى (القرن الذهبي)، حيث أنزلت السلسلة الضخمة، ثم شدَّها الروم مرة أخرى ووصلت السفن الخمس سالمة. وهكذا انتهت معركة (غلطه) البحرية بخسارة فادحة في السفن والبحارة العثمانيين، فخرج السلطان من الماء وقد ابتلَّت أطراف ثيابه وعلاها ماء البحر الممزوج بالدم، وعاد إلى معسكره وهو مُطرق في صمت رهيب. أما سكان القسطنطينية فقد غمرتهم موجة من الفرح والاغتباط بما أحرزوه من نصر، وزاد أملهم وثقتهم في المستقبل، ولاح لهم أنهم سيهزِمون العثمانيين ويردُّونهم على أعقابهم عن أسوار القسطنطينية. أما السلطان فقد أنَّب (بالطه أوغلي) وعزله من منصبه وعيَّن مكانه حمزة باشا. كما استفاد الفاتح من مدفعيته، فضاعف قصفها للأسوار، في محاولة لرفع معنويات رجاله والتأثير في معنويات المدافعين عن القسطنطينية. ١٢ - سفن البر: أخذ السلطان يفكِّر في خطة تؤدي إلى إدخال سفنه في القرن الذهبي للسيطرة على هذا الميناء وحصار القسطنطينية من أضعف جوانبها وإضعاف الدفاع عن السور البري وتشديد المراقبة على سكان

стр. 395

مدينة (غلطه) من الجنويين الذين يعملون بوجهين: وجهٌ معه ووجهٌ مع أعدائه، ثم تسهيل المواصلات مع قاعدته في (رومللي حصار). وقد حاولت السفن العثمانية مرات عديدة تحطيم السلسلة الضخمة القائمة عند مدخل الميناء فلم توفَّق، وكان أحد طرفي السلسلة يقع في شاطئ (غلطه) مدينة الجنويين، وكانت العلاقة بينهم وبين السلطان علاقة سلام وإن كانوا يميلون بعواطفهم إلى الروم ويتمنَّون لهم النصر. ولاحت للسلطان فكرة بارعة هي نقل السفن العثمانية من مرساها في (بشكطاش) إلى (القرن الذهبي)، وذلك بجرِّها على الطريق البرّي الواقع بين الميناءين مبتعداً عن حيّ (غلطه) خوفاً على سفنه من الجنويين. كانت المسافة بين الميناءين نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة، بل كانت وهاداً وتلالاً. وأمر الفاتح فعبّدت الأرض وسوِّيت، وأتى بألواح خشبية دُهنت بالزيت والشحم ورصفت على الطريق الممهَّد لها بطريقة تسهل انزلاق السفن عليها وجرّها، واختار السفن الخفيفة وأمر بتزليقها على هذه الألواح المدهونة فنشرت أشرعتها وجرّها العمّال فسارت وكأنَّها تجري على البحر. وكان أصعب جزء من الطريق هو نقل السفن على انحدار التلال المرتفعة، إلاَّ أنَّه بصفة عامة كانت السفن العثمانية صغيرة الحجم خفيفة الوزن نسبياً.

стр. 396

وقد تمَّ للسلطان نقل السفن في ليلة واحدة هي ليلة ٢١ - ٢٢ نيسان (أبريل سنة ١٤٥٣ م)، وكان مجموع ما نُقل في تلك الليلة سبعين سفينة نقلت من البسفور إلى القرن الذهبي عبر الطريق البرّي. وقد صرف الفاتح أنظار الروم في القسطنطينية والجنويين في (غلطه) وهم أقرب الناس إلى اكتشاف نقل السفن، فقد نصب على الهضاب الواقعة خلف أسوار (غلطه) كثيراً من المدافع فقصفت ميناء (القرن الذهبي) بخاصة قصفاً مركّزاً طيلة يوم ١١ نيسان - أبريل -، وقد أصيبت إحدى سفن الروم فغرقت، كما احتمت بقية السفن بأسوار (غلطه). وفي نفس الوقت حاولت السفن العثمانية عدَّة مرَّات اقتحام السلسلة القائمة عند مدخل القرن الذهبي دون جدوى. كما ضاعفت المدفعية القائمة تجاه السور البرّي للقسطنطينية قصفها الشديد ليلاً ونهاراً. وقد نجحت هذه الخطة في صرف انتباه الروم والجنويين عما كان يجري من نقل السفن برّاً، لذلك لم يحاول أحد عرقلة نقلها بهجوم مضاد أو قصف بالمدفعية. كانت هذه الخطة الجريئة الحصيفة مباغتة كاملة للروم، مع أن فكرة نقل السفن برّاً فكرة قديمة استخدمت في الماضي، ولكن تطبيقها وتنفيذها بهذه السرعة وبهذه الدقة وبهذا الكتمان جعلها مباغتة للروم أثَّرت في معنوياتهم أسوأ تأثير. فقد استيقظ أهل القسطنطينية في صباح يوم ٢٢ نيسان - أبريل - على صيحات المسلمين: "الله أكبر ... الله أكبر"، تمتزج بأنغام

стр. 397

موسيقاهم العسكرية، عقب نزولهم في ميناء (القرن الذهبي)، وأطلُّوا من فوق أسوارهم ليروا تحت أعينهم سبعين سفينة عثمانية في الميناء برجالها ومعدَّاتها، فانتابهم الهلع والفزع وانهارت معنوياتهم انهياراً شديداً. ودفعت السفن العثمانية إلى أعلى الميناء حيث الماء ضحضاح وتحميها القوات البرية العثمانية من الضفتين، فلا تجرؤ السفن المعادية الراسية في الميناء على الدنوّ منها، وأمر السلطان الفاتح بعد ذلك بأن يُبنى جسر عائم، فجمعت الصفائح والصناديق الخشبية وشُدّت ببعضها بالكلاليب والحبال الضخمة، وثبتت عليها ألواح من الخشب، ثم نُصبت عليها المدافع لقصف الجانب المواجه للميناء من أسوار القسطنطينية، فأصبحت سفن الروم في (القرن الذهبي) مطوَّقة من جانبين بالسفن العثمانية: من أعلى الميناء ومن خارجه أيضاً، وهي لا تكفُّ عن محاولة تحطيم السلسلة القائمة عند مدخله، فأصبحت السفن النصرانية بذلك في خوف دائم وحذر شديد. ١٣ - القتال البحري: واضطر قسطنطين أن يضع في جانب السور المشرف على ميناء (القرن الذهبي) عدداً مناسباً من الجنود لحمايته ومراقبة السفن العثمانية. ثم دعا (جستنيان) وبعض كبار رجال الجيش واجتمع بهم في كنيسة (سانت ماري) وشاورهم في أمر السفن العثمانية التي استقرَّت في ميناء القرن الذهبي، فأجمع رأي المؤتمرين على وجوب التخلُّص منها وذلك بمباغتتها ليلاً وإحراقها.

стр. 398

وأخذ (جاكومو كوكو Jacomo Coco) من أهل البندقية على نفسه قيادة هذه الحملة التدميرية، فتسَّرب الخبر إلى الجنويين في (غلطه) فأبلغوه إلى السلطان الفاتح. وفي نفس الوقت أرسلوا وفداً إلى المؤتمرين طالب قسطنطين بعدم الاستعجال في أمر خطير كهذا، وأن يشاركوهم في الحملة التدميرية بشرط أن تؤجَّل العملية يوماً واحداً، ليكونوا يداً واحدة على العثمانيين. وقبل قسطنطين ما عرضه وفد الجنويين عليه، وتأجَّل تدمير السفن العثمانية إلى ليلة أخرى. وفي فجر يوم ٢٤ نيسان (أبريل)، بعث الجنويون مرة أخرى إلى السلطان الفاتح يخبرونه بما تمّ بين المؤتمرين، فحشد الفاتح من فوره عدداً من الجند ومعهم المدافع والأسلحة الكافية لاقتناص السفن المعادية. وفي الهزيع الأخير من يوم ٢٤ نيسان - أبريل - غادرت السفن النصرانية ميناء (غلطه) للانقضاض على السفن الإسلامية، وكان الليل حالك السواد، فلم تكد السفن النصرانية تقلع وتبدأ الإبحار حتى لمح بعضهم ناراً تُضاء في قمة برج (غلطه) كأنما تنذر العثمانيين بإقلاع السفن لتنفيذ الخطة التدميرية. ومضت السفن النصرانية في سيرها، فلما قاربت الهدف أبى القائد البندقي إلا أن يكون له السبق في تدمير السفن العثمانية، فدلف بسفينته إلى الأمام. ولم تكد تتقدَّم خطوات أخرى إلى الأمام باتجاه السفن العثمانية، حتى دهمتها قنبلة ضخمة أعقبتها قنبلة أخرى مماثلة،

стр. 399

ففلقتها وابتلعها اليمُّ في لمح البصر بمن فيها وما فيها. ولم تعلم السفن الأخرى في الظلام الدامس بما حل بسفينة (كوكو)، ولعلَّها اعتقدت أنه هو الذي أطلق قنابله على السفن العثمانية، فدلفت سفينة أخرى إلى الأمام، ولم تكد تتقدم بضع خطوات حتى دهمتها قنبلة شديدة الانفجار فحرقتها هي الأخرى. وأسرع رجالها إلى سدِّ الثلمة وعادوا بها مسرعين، وقد أوشكت على الغرق. وفرَّت بقية السفن الرومية مذعورة بعد ملاحقتها بالقنابل، وأسر العثمانيون قسماً من بحَّارة السفينة الغارقة وقتلوهم، فانتقم قسطنطين لذلك وعلَّق على أسوار القسطنطينية رؤوس مئتين وستين من الأسرى العثمانيين. وجهَّز قسطنطين حملة ثانية لحرق السفن العثمانية بقيادة (جستنيان)، ولكنها لم تكن أكثر حظّاً من سابقتها وأخفقت في مهمتها. ولم يكن من الممكن أن تظلَّ السفن العثمانية والسفن الرومية قابعة في ميناء (القرن الذهبي) بغير صدام، فما لبث أن نشبت بينهما معارك محليَّة ومناوشات يومية، وكانت سجالاً بينهما. وفي خلال ذلك لم تتوقف المدفعية العثمانية عن إطلاق قنابلها على أسوار القسطنطينية، بينما بذل المحاصَرون قصارى جهدهم لسدّ الثغرات وتطهير الخنادق من الأنقاض. ١٤ - تضييق الخناق: بدأ سكان القسطنطينية منذ أوائل شهر مايس - يونيو - من سنة ١٤٥٣ م يشعرون بتناقص المواد التموينية داخل المدينة المحاصَرة

стр. 400

وخاصة الخبز والنبيذ، فاضطرَّ كثير من المقاتلين أن يغادروا مواقعهم للبحث عن غذائهم وغذاء عوائلهم، وهذا أخطر ما يصادفه المحاربون في أثناء القتال، لأن المحارب الذي لا يجد ما يطعمه لا يقوى على القتال: "الجندي يمشي على بطنه"، كما يقولون، ولأن المحارب تنهار معنوياته إذا علم أنَّ مَن يعول لا يجدون ما يَطْعَمُون. وأمر قسطنطين بأن يحمل الزاد (الطعام) إلى المقاتلين في مواقعهم، لكي لا تستهدف الأسوار لمباغتة العثمانيين، كما أمر بتوفير الطعام لعوائل المقاتلين. وسأل قسطنطين البنادقة عن أسباب تخلُّف البندقية عن إرسال النجدة والمعونة إلى القسطنطينية تنفيذاً للاتفاق بينهما في ٢٦ كانون الثاني - يناير - سنة ١٤٥٣ م. وفي أثناء هذه الظروف القاسية فكَّر قسطنطين في إرسال سفينة لحثَّ أسطول البندقية في بحر الأرخبيل على الإسراع لمعاونة القسطنطينية، ولكن هذه السفينة التي كانت تحمل آخر أمل للعاصمة البيزنطية لم تجد أسطول البندقية فعادت خائبة حزينة. في ذلك الحين شنَّ العثمانيون هجوماً عنيفاً على أسوار القسطنطينية، فاشتدَّ الضيق والكرب والبلاء على المحصورين. وأشار خاصة قسطنطين عليه وفي مقدِّمتهم البطريرك وجستنيان بالخروج من القسطنطينية إلى بعض الأمكنة القريبة المجاورة، ويستنجد بنفسه مَن حوله من النصارى لعلَّهم يخفُّون إلى نجدته، ولكنه رفض هذا الرأي وعزم على البقاء في عاصمته حتى النهاية. وهذا يدلُّ على انهيار معنويات قادة المحاصَرين، فلو أن

стр. 401

قسطنطين غادر القسطنطينية لغادرها رجاله وعلى رأسهم قادته، ولكن قراره على الثبات جعلهم يثبتون. وبعث قسطنطين رسلاً آخرين إلى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وسائر بلاد الإفرنج يحملون الكتب إلى أمرائها وملوكها تبيّن لهم الخطر المحدق بالقسطنطينية ووجوب المبادرة إلى إرسال المعونة والنجدة قبل فوات الأوان. وعمد الفاتح إلى تشديد الخناق على القسطنيطينية من ناحية السور القائم على ميناء (القرن الذهبي). ولما رأى أنّ السفن الرومية الكبيرة القوية الراسية في الميناء والبالغ عددها نحو ثلاثين سفينة، قد عاقت سفنه الصغيرة الموجودة هناك عن تسديد ضرباتها إلى السور، كما وقفت حارسة قوية على السلسلة التي تسد مدخل الميناء، صمَّم على إغراق هذه السفن بطريقة جدية، فنصب على الهضاب الواقعة خلف (غلطه) مدافع جديدة ضخمة أخذت تقصف الميناء بشدَّة، وقد أصابت إحدى القنابل سفينة جنوية تجارية فأغرقتها في الحال. وذعرت بقية السفن الرومية ولاذت بأسوار (غلطه)، فأصبحت بنجوة من قصف المدفعية العثمانية. واشتكى الجنويون إلى الفاتح من إغراق سفنهم وهم على الحياد حريصون على السلام، وكان الفاتح يعرف حقيقة أمرهم وموقفهم من القتال الدائر بينه وبين أهل القسطنطينية، فأجاب بأنه كان يجهل جنسية السفينة المغرقة وكان يحسبها تابعة للعدو، ووعدهم بالتعويض العادل فيما بعد.

стр. 402

وظلَّت السفن العثمانية تهاجم ميناء (القرن الذهبي) مرة بعد مرة، كما ظل العثمانيون من ناحية البر يهاجمون السور مرة بعد مرة، وكان الفاتح يرى من إدامة زخم الهجوم براً وبحراً ليلاً ونهاراً إلى إنهاك قوى المحاصَرين مادياً ومعنوياً، حتى أرهق أعصاب المحاصَرين وأصبحت نفوسهم مرهقة مكدودة تثور لأتفه الأسباب. ونتيجة لذلك تكرر النزاع في القسطنطينية بين البنادقة والجنويين، وكثيراً ما انتهت تلك المنازعات إلى الاقتتال في شوارعها، فيهرع إليهم قسطنطين وقد أخضلت عيونه بالدمع يضرع إليهم ويناشدهم الله إلا كفوا عن هذا النزاع والشجار، وأن ينصرفوا إلى قتال عدوهم المشترك. وعقد قسطنطين مؤتمراً حربياً، فاقترح أحد رجاله مباغتة العثمانيين بهجوم شديد يستهدف بالدرجة الأولى مخازن المؤن ومستودعات السلاح والعتاد، فإن ذلك حريٌّ بإحياء العزيمة وبعث الهمة في رجاله، ولكن صرف النظر عن تنفيذ هذه الخطة لاستحالة نجاحها. وفيما هم مجتمعون جاءهم جندي وأخبرهم بأن العثمانيين شنُّوا هجوماً شديداً باتجاه وادي (ليكوس)، فوثب قسطنطين على فرسه وانطلق به حُضراً حتى وصل إلى موضع الهجوم حيث كان القتال لا يزال محتدماً على أشده بين العثمانيين والروم. وزج قسطنطين بقواته الاحتياطية لصد هجوم العثمانيين، وذهب كثير من الناس إلى الكنائس يصلُّون ويتضرَّعون حتى مطلع الفجر عندما بلغهم انسحاب العثمانيين إلى قواعدهم، وكان ذلك في يوم الجمعة الثاني من جمادى الأولى (اليوم الثاني عشر من مايس - مايو).

стр. 403

وفي يوم الأحد الرابع من جمادى الأولى (يوم ١٤ مايس - مايو) نقل محمد الفاتح مدافعه من هضاب (غلطه) لتساعد المدفعية الموجودة عند باب (القدّيس رومانوس)، وليضاعف قصف أضعف نقطة في السور البري. وقد قاوم المدافعون مقاومةً باسلة، وسدُّوا الثغرات التي أحدثتها مدفعية العثمانيين في السور. ١٥ - الحرب النفسية: إلى جانب هذه الهجمات التي قامت بها القوات العثمانية في البر والبحر، كان الفاتح يفاجئ عدوه من حين لآخر بفن جديد من فنون القتال والحصار وحرب الأعصاب. فقد سمع المحصورون من سكان القسطنطينية ذات ليلة يوم ١٦ مايس (مايو) ضربات شديدة تحت الأرض، أخذت تعلو وتقترب شيئاً فشيئاً كأنها تتلمَّس طريقاً للخروج. وحُمِل هذا الخبر إلى قسطنطين وقادته، فخفُّوا إلى مصدر الضربات، وهناك أدرك المهندسون الروم لأول وهلة أن العثمانيين يحفرون أنفاقاً خارج السور ليدخلوا المدينة من تحت الأرض. وأمر قسطنطين أن يحفر الروم نفقاً باتجاه نفق المسلمين إلى مسافة بعيدة، حتى إذا التقى النفقان خرج العثمانيون بدورهم من نفقهم لخوض معركة، خاضوها في أرض حددها لهم العدو. وكان العثمانيون لا يعلمون شيئاً عما يدبَّر لهم، فاستمروا يحفرون بعزم ودأب. وما إن وصلوا إلى الفجوة التي حفرها الروم حتى تملَّكهم الفرح وظنُّوا أنهم

стр. 404

اهتدوا إلى سرداب خفي يوصل إلى المدينة، ولكن فرحهم لم يطل، فلم تكد أعينهم تلمح السماء، حتى صبَّ الروم عليهم الغاز والنفط والمواد الملتهبة، فمنهم من اختنق ومنهم من احترق، ومنهم من عاد أدراجه خائباً. ولكن هذا الإخفاق لم يفتّ في عضد المسلمين، فعاودوا حفر الأنفاق مرة بعد مرة في مواضع مختلفة من المنطقة الممتدة بين (أكرى قبو) وشاطئ (القرن الذهبي)، إذ كانت هذه المنطقة أصلح مكان للقيام بالحفر، وظلُّوا على ذلك حتى أواخر أيام الحصار. وأصاب الروم من جرَّاء ذلك خوف عظيم وفزع لا يوصف، حتى صاروا يتسمَّعون بين حين وحين إلى مواطئ أقدامهم، وكثيراً ما كان يخيِّل إليهم الخوف أن الأرض ستنشق ويخرج منها الجنود العثمانيون. ولم يكن هذا العمل سهلاً هيناً، فإنَّ هذه الأنفاق التي حفرها العثمانيون قد أودت بحياة كثير منهم ماتوا اختناقاً واحتراقاً في باطن الأرض، كما وقع كثيرٌ منهم في أيدي الروم فقُطعت رؤوسهم وقُذف بها إلى معسكر السلطان. ولم يكد سكان القسطنطينية يستفيقون من الدهشة التي انتابتهم من أنفاق العثمانيين التي حفروها تحت مدينتهم، حتى باغتهم الفاتح باختراع جديد من وسائل الحصار تفتقت عنه ألمعيته وعبقريته الفذة؛ فقد استيقظ أهل القسطنطينية صباح يوم الأحد الثاني عشر من جمادى الأولى (يوم ٢١ مايس - مايو)، فإذا بهم يرون أمامهم قلعة ضخمة

стр. 405

شاهقة من الخشب أكثر ارتفاعاً وسموقاً من السور الخارجي، ذات ثلاث طبقات كسيت كلها بالجلود السميكة المبللة بالماء لئلا تؤثِّر فيها النار والنبال، وكان في كل طبقة منها عدد من الجنود يحملون القذائف ومختلف معدَّات القتال، وتحمل في أسفلها التراب والأحجار والأخشاب لردم الخنادق، وفي أعلاها سلالم من الحبال عصبت أطرافها كلاليب تلقى على أعلى السور فتنشب فيه ويمر عليها الجنود كالقنطرة أو الجسر، بينما النبالة يصوِّبون نبالهم على كل مَن يظهر رأسه من السور، ولم يكن بمقدور المدافعين عن المدينة نصب مدافعهم الكبيرة على الأسوار، لأن اهتزازها عند إطلاق القنابل منها قد يزلزل الأسوار ويهدّها. وقد هال أهل القسطنيطينية أمر هذه القلعة الجبَّارة، ووقف قسطنطين ومن معه من أهل المدينة ينظرون إليها في عجب ودهشة وفزع، وقد شهد المؤرخ البندقي (باربارو) الذي شهد هذه القلعة بنفسه فقال: "لو اجتمع نصارى القسطنطينية على أن يصنعوا مثل هذه القلعة، لما صنعوها في شهر، وقد صنعها المسلمون في ليلة واحدة بل في أقل من أربع ساعات". وأقيمت هذه القلعة الجبارة تجاه باب القديس رومانوس (طوب قبو) الذي يدافع عنه المغامر الإيطالي (جستنيان)، فلم يعد في إمكان المحاصَرين إصلاح الثغرات الخارجية التي تدكها المدفعية العثمانية طالما هذه القلعة واقفة بالمرصاد، بل أخذت القذائف الحجرية الضخمة تنهال من هذه القلعة نفسها فدكَّت أحد أبراج السور القريبة عند (طوب قبو). واندفع المسلمون نحو هذه الثغرة، واقتربت القلعة إلى السور، وتسلَّق قسم من الجنود العثمانيين السور بالسلالم، وحمي

стр. 406

القتال واشتدَّ الخطر على المدينة. ولاح لقسطنطين أن الهزيمة في هذه المعركة ستؤدي إلى كارثة قاصمة، فاستبسل هو ورجاله في القتال. وطلب إحضار مواد سريعة الالتهاب تحرق كلّ ما يصادفها ولا يطفئها الماء، وأخذ المدافعون يقذفون بهذه المواد الملتهبة قلعة العثمانيين، فما لبثت أن احترقت الجلود المبللة بالماء التي تكسو القلعة والتهمتها النار. وانتهت المعركة بتحطيم أربعة أبراج وامتلاء الخندق بالتراب والحجارة، وانسحب العثمانيون بعد حلول الظلام. ونظر الفاتح إلى قلعته الخشبية التي أصبحت كومة من الرماد، فابتسم قائلاً: "غداً نصنع أربعة منها". لقد كان الفاتح يقاتل عدوه بأسلوبين: أسلوب الحرب الاعتيادية، وأسلوب الحرب النفسية. وكان بحق كتلة من النشاط والعزم والتصميم، ومثالاً حياً للقيادة البارعة النادرة القادرة. ١٦ - اليأس: أصبح سكان القسطنطينية في همّ دائم وقلق لا ينقطع، يتطلَّعون ذات اليمين وذات الشمال وإلى فوقهم وأسفلهم، لا يدرون أين يدهمهم الخطر والهلاك. وبات الناس في القسطنطينية على مثل هذه الحال من الخطر والتخوُّف والتوجُّس، لا يغمض لهم جفن ولا يستقرّ بهم مضجع،

стр. 407

فكان لذلك أثر في إرهاق أعصابهم ونهك قواهم وتوهين عزائمهم، ففتر نشاطهم وكلَّت أيديهم شيئاً فشيئاً عن سد الثغرات التي أخذت تتسع في عدة مواضع من السور. وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من جمادى الأولى (الثالث والعشرين من مايس - مايو)، عادت السفينة التي أرسلها قسطنطين إلى بحر الأرخبيل للتفتيش عن أسطول البندقية الذي كانت القسطنطينية تؤمل أن ينجدها في ساعة محنتها، فأدخل بحَّارتها على قسطنطين وأخبروه بأنهم جابوا بحر الأرخبيل عرضاً وطولاً ولم يلقوا سفينة واحدة من سفن البندقية، فاغرورقت عينا قسطنطين بالدموع. وانتشر هذا النبأ الأليم في أرجاء القسطنطينية، وانتشر معه الألم والحزن وخيبة الأمل. وهكذا قطع المحصورون كل أمل في مجيء النجدة من الغرب، ووضعوا كل أملهم في هذا السور الضخم العملاق الذي لم تنقطع مدفعية العثمانيين عن قصفه لحظة واحدة من ليل أو نهار، واستحوذ اليأس والقنوط على بطريرك القسطنطينية فاعتزل منصبه واختلى في أحد الأديرة ليقضي بقية حياته في الصلاة والعبادة والاستغفار. وفي صبيحة يوم الأربعاء الخامس عشر من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (اليوم الرابع والعشرين من مايس - مايو) عقد مؤتمر في قصر الإمبراطور حضره قسطنطين ووكيل البطريرك وكبار رجال الجيش للتشاور والتداول، وكان يسود المؤتمر جو من التشاؤم واليأس، وارتسمت على وجه قسطنطين أمارات الجهد والإعياء. وجرت مناقشة الآراء، وأظهر وكيل البطريرك يأسه من

стр. 408

إنقاذ المدينة، فاقترح على الإمبراطور أن يغادرها وينجو بنفسه قائلاً: "إذا لم نستطع إنقاذ المدينة، فلا أقل من أن ننقذ الإمبراطور". ووقع هذا الاقتراح وقعاً شديداً على نفس قسطنطين فأغمي عليه، فلما أفاق من غشيته أعادوا عليه الاقتراح، ولكنه أصرَّ على البقاء في المدينة مهما تكن العواقب. وفي خلال هذا المؤتمر الحزين، كان يسمع من بعيد دويّ القنابل العثمانية وهي تدكّ الأسوار، وصيحات الجنود تتعالى بالتهليل والتكبير. وامتطى الإمبراطور جواده كدأبه كل يوم ليفتش مواقع الجنود، وكان يتوقَّف بين موقع وآخر ويترجَّل عن جواده ويصعد إلى أعلى السور وينظر إلى معسكر العثمانيين، ثم يهبط ويستأنف طوافه وقلبه يتفطر ألماً وحسرة. وحدثت في ذلك الوقت بعض الأحداث والظواهر الطبيعية كان لها أثر سيِّئ في المعنويات، لا سيما معنويات أُناس كسكان القسطنطينية اجتمع عليهم الجهد والإعياء واليأس والقنوط من طول ما عانوا من أهوال الحصار وويلاته والإيمان العميق بالخرافة والطِّيَرَة، فقد خرج في يوم السابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (الخامس والعشرين من مايس - مايو) موكب من الرجال والنساء حملوا معهم تمثال العذراء، وأخذوا يجوبون أنحاء القسطنطينية وهم يستغيثون ويتضرَّعون. وفيما كان الموكب يخترق طرقات المدينة، إذ سقط التمثال من أيدي حامليه ووقع إلى الأرض، فارتفعت صيحات الفزع والألم

стр. 409

وتسابقوا إلى رفعه، وتشاءموا بهذا الحادث ورأوا فيه نذيراً بسقوط المدينة. ولم يمضِ وقت طويل، حتى ثارت زوبعة شديدة وبرقت السماء وأرعدت، ثم تهاطل المطر غزيراً مدراراً، فطغى الماء وعاق الناس عن السير. وفي يوم السبت السابع عشر من جمادى الأولى (اليوم السادس والعشرين من مايس - مايو)، تجمَّعت السحب والضباب في السماء وتكاثفت، ثم انقضَّ نيزك من السماء على قبة كنيسة (آيا صوفيا) كاد يخطف الأبصار، فازداد الناس تشاؤماً واشتدَّ بهم الفزع، واعتقدوا أنَّ الله قد تخلى عنهم وعن مدينتهم. وقصد وكيل البطريرك وقسم من كبار الرهبان قسطنطين ونصحوا له بمبارحة المدينة، فقد ظهرت أمارات تدلُّ على قرب سقوطها بيد العثمانيين بعد أن رفع الله عنها حمايته ورعايته. وما أن سمع قسطنطين هذا القول حتى غشي عليه وسقط إلى الأرض، وعندما أفاق قال لمن حوله: "إذا كانت هذه هي إرادة الله، فأين نفرّ من غضبه؟! سأبقى هنا وأموت معكم". وكان هناك أناس في المدينة تداعب أخيلتهم أطياف من الأماني والتعلاَّت تبعث في نفوسهم شعاعاً من الأمل والنور في هذا الجو المظلم الكئيب. وكان فريق من هؤلاء الناس يذكرون كيف حاصر السلطان مراد الثاني والد السلطان الفاتح مدينة القسطنطينية وأطبق عليها بخيله ورَجِلِهِ، ولكن اضطر آخر الأمر أن يرفع الحصار عنها، وكان فريق من هؤلاء يردِّدون نبوءة مشهورة ذائعة وهي أن العثمانيين إذا انتصروا

стр. 410

سيزحفون حتى يبلغوا كنيسة (آيا صوفيا) وهناك يهبط ملك من السماء فيقهرهم ويردّهم على أعقابهم. هكذا كانت حال القسطنطينية في أيامها الأخيرة وهي تدنو من نهايتها، تتوزعها الأوهام والأماني والنبوءات. أما قسطنطين وجنوده، فكانوا يعرفون الحالة على حقيقتها ويدركون خطر الموقف وشدة بأس العدو. ١٧ - قبيل الهجوم العام: مضت سبعة أسابيع والحصار قائم على قدم وساق، وقد تهدَّمت أجزاء كثيرة من السور وأبراجه وامتلأ الخندق بالأنقاض، بعد أن كلَّت أيدي المحصورين عن رفعها. وأصبحت أمام السلطان الفاتح ثلاثة مسالك للهجوم واقتحام المدينة: الأول ما بين (تقفور) وباب (أدرنه)، والثاني في (وادي ليكوس) عند باب القديس رومانوس (طوب قبو) وهو أكثر الأماكن تهدُّماً وانهياراً، والثالث بالقرب من الباب العسكري الثالث. واعتقد الفاتح أن السبيل للفتح قد تمهَّد أمامه، وأن الوقت قد حان للقيام بالهجوم العام. ولكنه قبل أن يُقدِم على تنفيذ خطة الهجوم العام، بعث برسالة إلى قسطنطين يدعوه فيها إلى تسليم المدينة قبل أن يستمر القتال وتراق الدماء وتكون المدينة غنيمة للفاتحين. وأوفد إليه إسماعيل اسفنديار أوغلو الذي كانت تربطه بقسطنطين صحبة قديمة، وعرض عليه أن

стр. 411

يسلّم القسطنطينية بعد أن وصلت إلى ما وصلت إليه من الخراب والبؤس والشقاء وتهدَّمت أسوارها، وأن يجنّب الأطفال والنساء والشيوخ أهوال الحروب وويلاتها، وعرض عليه باسم السلطان أن يكون حاكماً على (الموره) كما كان من قبل. أما سكان المدينة فمن أراد الرحيل عنها بما شاء من أمواله، ومَن آثر البقاء فيها ضَمِن لهم السلطان الأمان على أنفسهم وأموالهم وأولادهم. فإن أبى قسطنطين هذا، فلا ينتظرنَّ غير الحرب الشعواء الضروس التي لا ترحم. واجتمع قسطنطين برجاله وأهل مشورته وعرض عليهم رسالة الفاتح، فمال قسم منهم إلى تسليم المدينة، ولكنّ جستنيان ونفراً من رجال الحرب أصرُّوا على مواصلة القتال مهما تكن نتائجه. وكان ذلك رأي قسطنطين، فقال لرسول الفاتح: "إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم، وإنه يرضى أن يدفع له الجزية. أما القسطنطينية، فإنه قد أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته؛ فإما أن يحتفظ بعرشها أو يدفن تحت أسوارها". فلما بلغ الفاتح جواب قسطنطين قال: "حسناً، عما قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش، أو يكون لي فيها قبر". وعمد السلطان الفاتح إلى مضاعفة قوة مدفعيته واستمرار قصفها للأسوار بدون انقطاع، وقد تمكَّن المهندسون من ابتكار مدفع جديد يرمي قنابله إلى أعلى فتتخطى الأسوار وتسقط في قلب المدينة، كما هي الحال في مدافع الهاون، وكانت المدفعية قبل ذلك ترمي بصورة مستقيمة، فتصيب الأسوار ولا تتخطاها، وبابتكار المدافع الجديدة أصبحت المدينة كلها لا الأسوار وحدها تحت رحمة قصف المدفعية العثمانية.

стр. 412

وبالإضافة إلى ذلك، عقد السلطان الفاتح مؤتمراً حربياً في مقرّه حضره وزراؤه وكبار قادة جيشه والشيوخ والعلماء للنظر في الموقف الراهن وما يجب اتخاذه من مقرَّرات لمعالجته، وطلب الفاتح إلى الحاضرين أن يعلن كل منهم رأيه بصراحة وفي حرية تامة. وأشار قسم من الحاضرين بالمبادرة إلى الهجوم العام فوراً على المدينة، قبل أن يتسرَّب اليأس إلى نفوس الجنود. وقال الوزير العجوز خليل باشا: "إن الحميَّة والحماس شيء جميل يستحق الثناء والتقدير، ولكن يجب التريُّث والتبصُّر قبل الهجوم على قلعة قوية كالقسطنطينية، فقد حاصرت أكبر الجيوش في العالم هذه القلعة أكثر من سبع وعشرين مرة انتهت كلها بالخيبة والإخفاق. والمهم ليس ضرب الحصار على المدينة، بل الاستيلاء عليها، وقد مضى الآن أكثر من أربعين يوماً على حصارنا لها، وبذلنا في ذلك أغلى التضحيات وأفدحها، ولم تبدُ أية بارقة للنجاح؛ فالأنفاق التي حفرناها لم تجدنا شيئاً، والقلاع الخشبية حُرِقت، والمهندسون قُتلوا. وقد أشرت من قبل بدء الحصار، أن هذا العمل أمر عسير لن يحقق الغاية التي نريدها، وقد ظهر لكم الآن صدق قولي ورجاحة رأيي بعد أن مضى عليه أكثر من أربعين يوماً. وإذا أحسنَّا الغرض والظن واستولينا على القسطنطينية، فإن شعوب النصرانية في العالم كله ستتألَّب علينا وتزحف إلينا بجموع لا قِبَلَ لنا بها، ولن تدعنا حتى تسترد القسطنطينية من أيدينا. فخيرٌ لنا أن نقنع بجزية كبيرة نطلبها من قسطنطين ونرفع الحصار عن المدينة ونعود إلى ديارنا في الوقت الذي نستطيع أن نفعل ذلك بأمان".

стр. 413

ولم يكن كلام خليل باشا يخلو من التعريض والنقد للسلطان، وكان الفاتح قد لمس في خليل باشا ما يثير الريبة والشك وما يستحق المؤاخذة والعقاب، ولكنه أغضى وأمسك عنه وأسرَّ الأمر في نفسه حتى تواتيه الفرصة. فما زاد الفاتح بعد أن أتمَّ خليل باشا كلامه أن تبسَّم، ثم التفت إلى زغنوس باشا وسأله رأيه. وكان زغنوس لا يزال في عنفوان الشباب، شديد العزم وثّاب الهمة، وهو الذي كان يشرف على حفر الأنفاق تحت أسوار القسطنطينية لاقتحامها من بطن الأرض. قال زغنوس: "حاشا وكلاّ أيها السلطان! أنا لا أقبل أبداً ما قاله خليل باشا، فما أتينا هنا إلا لنموت لا لنرجع. إن خليل باشا أراد بما قاله أن يخمد فيكم نار الحمية ويقتل الشجاعة، ولكنه لن يبوء إلا بالخيبة والخسران. إن جيش إسكندر الكبير الذي قام من اليونان وزحف إلى الهند وقهر نصف آسيا الكبيرة الواسعة لم يكن أكبر من جيشنا، فإذا كان ذلك الجيش قد استطاع أن يستولي على تلك الأراضي العظيمة الواسعة، أفلا يستطيع جيشنا أن يتخطَّى هذه الكومة من الأحجار المتراكمة؟! وقد أعلن خليل باشا أن دول الغرب ستزحف إلينا وتنتقم منا، ولكن ما الدول الغربية هذه؟! هل هي الدول اللاتينية التي شغلها ما بينها من خصام وتنافس؟ هل هي دول البحر الأبيض المتوسط التي لا تقدر على شيء غير القرصنة واللصوصية؟ ولو أن تلك الدول أرادت نصر بيزنطة لفعلت وأرسلت إليها الجند والسفن؛ ولنفرض أن أهل الغرب بعد فتحنا القسطنطينية هبُّوا إلى الحرب وقاتلونا، فهل سنقف منهم مكتوفي الأيدي بغير حراك؟! أوَليس لنا جيش يدافع عن كرامتنا وشرفنا؟

стр. 414

"يا صاحب السلطنة! أمَّا وقد سألتني رأيي، فلأعلنها كلمة صريحة: يجب علينا أن تكون قلوبنا قوية كالصخر، ويجب أن نواصل الحرب دون أن يظهر علينا أقل ضعف أو خور. لقد بدأنا أمراً، فواجب علينا أن نتمَّه، ويجب أن نزيد هجماتنا قوة وشدة، ونفتح ثغرات جديدة وننقضّ على العدو بشجاعة. لا أعرف شيئاً غير هذا، ولا أستطيع أن أقول شيئاً غير هذا". وبدت على وجه الفاتح أمارات البِشْر والانشراح لسماع هذا القول، والتفت إلى القائد طرخان يسأله رأيه، فأجاب على الفور: "إن زغنوس باشا قد أصاب فيما قال، وأنا على رأيه يا سلطاني". ثم سأل الشيخ آق شمس الدين والمولى الكوراني عن رأيهما، وكان الفاتح يثق بهما كل الثقة، فأجابا: إنهما على رأي زغنوس باشا، وقالا: "يجب الاستمرار في الحرب، وبالعناية الصمدانية سيكون لنا النصر والظفر". وسرت الحمية في جميع الحاضرين، وابتهج السلطان الفاتح واستبشر بدعاء الشيخين بالنصر والظفر، ولم يملك نفسه من القول: "مَن كان من أجدادي في مثل قوتي"؟! والواقع أن الفاتح لم يقل هذا القول تفاخراً ومباهاة، بل قاله لرفع معنويات قادته العسكريين وقادته السياسيين وقادته الدينيين. ومع ذلك فهو صادق في تقدير قوته، إذ كان يتفوَّق على أجداده بعدد رجاله وضخامة مدفعيته وبأسطوله البحري. وانفرد الفاتح بعد المؤتمر بوزيره زغنوس باشا وقال له: "يجب ألا نضيّع شيئاً من الوقت، فقد دكّت الأسوار، وأعدت العدة للهجوم،

стр. 415

وتخيّرنا مواضعه؛ فاذهب إلى الجنود وأخبرهم أن ساعة الهجوم قد أزفت، وانظر أثر هذا القول فيهم، وارجع به إليّ". وذهب زغنوس باشا إلى المعسكر، وجمع الجند حوله، وقال لهم: "إن سلطاننا المعظَّم يرى أنَّ الحصار والغارات التي دامت سبعة أسابيع كافية، وآن أوان الهجوم العام، ولا أدري متى يصدر أمره به، وأظنَّه قريباً جداً .. لقد حانت الساعة لكي تُظهروا شجاعتكم وبسالتكم في هذا الهجوم، ولا ريب في أنه يحتاج إلى أعظم الجهد وأكبر التضحيات، فهل أنتم مستعدُّون"؟ ولم يكد زغنوس باشا يلقي سؤاله، حتى جلجل هذا المعسكر الواسع المترامي بدويّ كهزيم الرعد، وهتف الجند بصوت واحد: "الله أكبر ... الله أكبر". وعاد زغنوس باشا إلى الفاتح ليخبره بما رأى وسمع، فاطمأنَّ السلطان إلى أن رجاله عند حسن ظنّه، وأنَّ معنوياتهم عالية جداً، وأنهم مستعدُّون للتضحية والفداء. وفي يوم الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى السابع والعشرين من مايس (مايو) أمر الفاتح جنوده بالصيام تطهيراً وتزكية للنفوس وتقوية للعزيمة والإرادة. وزار الفاتح في ذلك اليوم سور القسطنطينية من بحر (مرمره) إلى القرن الذهبي يستطلع أجزاءه بدقّة ويتفحَّص ما أحدثته المدفعية فيه من ثغرات، والمواضع التي لا تزال تحتاج إلى الدكّ والهدم منه. ولم تنقطع المدفعية طوال ذلك اليوم واليوم التالي عن قصف

стр. 416

السور وبخاصة المواضع التي رمَّمها المحاصَرون. وفي مساء ذلك اليوم أوقد الجنود العثمانيين النيران والمشاعل والقناديل، وأشعلت الشموع على رؤوس الرماح حول معسكرهم، وتصاعد الضوء إلى الفضاء في توهُّج ونور، وتشرَّبت مياه بحر (مرمره) والبسفور باللون الأحمر واستحالت السماء إلى قبة حمراء. وتعالت صيحات المسلمين وهم يهتفون بأعلى صوتهم: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". يقول رئيس الأساقفة (ليونارد Leonard) الذي شهد هذا المنظر الرائع بأم عينيه، إذ كان في القسطنطينية مع المحصورين: "لو أنك سمعت مثلنا صيحاتهم المتوالية المتصاعدة إلى السماء: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) لأخذتك الروعة والإعجاب". وأمضى السلطان يوم الإثنين التاسع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية الثامن والعشرين من مايس (مايو) في إكمال استعداداته الأخيرة، فطاف بالسور مرة أخرى ليكمل استطلاعه الشخصي المفصَّل؛ كما فتَّش جنوده، ليتعرَّف على درجة استعدادهم وحالتهم المعنوية. وقصد في نفس اليوم إلى مَرْسى أسطوله في (بشكطاش) يصحبه حمزة باشا أمير البحر، ليطلع بنفسه على ما اتخذه من الاستعدادات. وسأل الفاتح قائد بحريَّته حمزة باشا إن كان ثمة نقص في شيء، فأجابه: "إنَّ كل شيء قد تمَّ، وإنَّنا في انتظار أوامركم لتنفيذها"؛ فطلب إليه الفاتح أن يشترك جميع الأسطول في الهجوم العام، ويصفّ

стр. 417

سفنه حول السور الواقع على بحر (مرمره)، ويتسلَّقه الجنود بالسلالم والحبال، ويقتحمون المدينة. ثم بعث الفاتح إلى سكان (غلطه) من الجنويين يحذرهم من مساعدة القسطنطينية، فقد كان على علم تام بما كانوا يفعلونه طوال أيام الحصار. وكان الفاتح كلما مر بجمع من جنده خطبهم وأثار فيهم الحمية والنخوة، وأبان لهم أنهم بفتح القسطنطينية سينالون شرف الدنيا والآخرة، ويأمن العثمانيون بفتحها دسائس هذه المدينة التي طالما مالأت عليهم الأعداء والمتآمرين، وسيكون لأول جندي يرفع راية الإسلام فوق سور القسطنطينية الجزاء الأوفى والإقطاعات الواسعة وأجر الله في الجنَّة. وكان الشيوخ والعلماء يتلون عليهم آيات القتال والجهاد، وما أعدَّ الله للمجاهدين من حسن الجزاء، ثم يقولون لهم: "لقد نزل سيدنا محمد ﷺ عند هجرته إلى المدينة المنورة في دار أبي أيوب الأنصاري، وقد قصد أبو أيوب إلى هذه البقعة ونزل هنا" (١). وكان هذا القول يلهب الجند ويبعث في نفوسهم أشدّ النخوة والحمية الدينية، فيسجدون إلى الأرض، ويدعون الله ويبتهلون إليه أن يتم لهم النصر المبين. وعاد الفاتح إلى مقرّه، فدعا إليه قادة جيشه وأصدر إليهم التعليمات الأخيرة، ثم ألقى عليهم الخطبة التالية: "إذا تمَّ لنا فتح القسطنطينية تحقَّق فينا حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ومعجزة من

стр. 418

معجزاته، وسيكون من حظّنا ما أشاد به هذا الحديث من التمجيد والتقدير؛ فأبلغوا أبناءنا العساكر فرداً فرداً، أنَّ الظفرَ العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدراً وشرفاً، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغرَّاء نصب عينيه، فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم، وليتجنبوا الكنائس والمعابد ولا يمسُّوها بأذى، ويدعوا القسس والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون". وأخلد الجنود العثمانيون إلى الراحة والنوم استجماماً للقوة والنشاط واستعداداً للقتال الذي أزف موعده، وخيَّم على المعسكر الإسلامي سكون عميق شامل أثار دهشة سكان القسطنطينية وأثار فيما بينهم كثيراً من التساؤل والقلق، وأحسَّ الناس في المدينة أن هبوب العاصفة قد اقترب، وأن الهجوم العام وشيك الوقوع، فدقّت أجراس الكنائس تدعو الناس إلى الصلاة والدعاء والاستعداد والتأهب. وأرهقت أعصاب كثير من المحصورين في هذا الجو المتوتّر، وضاقت بهم أنفسهم وعيل صبرهم، ففرُّوا إلى معسكر المسلمين ينشدون فيه الأمن والسلامة والطمأنينة لأنفسهم، فأحسن المسلمون لقياهم ومعاملتهم. وقد التجأ إلى المعسكر الإسلامي فيمن التجأ الراهب (بترو) في ثلاثمئة من أصحابه، فأكرمهم المسلمون وأحسنوا معاملتهم. ووقع ذلك موقعاً حسناً في نفس الراهب وشرح الله صدره للإسلام، فأسلم وعُرِف منذ ذلك الحين بمحمد بترو. وكانت الجاسوسية تعمل بحذق ونشاط من جانبي الروم والعثمانيين على السواء، فكانت لقسطنطين عيون وجواسيس في المعسكر

стр. 419

العثماني يتنسطون الأخبار ويكتبونها في ورقة، حتى إذا ما جن الليل ثبتوها في السهام وقذفوا بها إلى المدينة، وكذلك كان يفعل جواسيس السلطان داخل القسطنطينية. وقد أظهر الروم البخل والشح حتى في هذا الوقت الذي تستهدف فيه مدينتهم لأعظم الأخطار، فقد خبَّأ الأغنياء أموالهم وكنوزهم وضنُّوا بها على وطنهم، فصارت فيما بعد غنيمة باردة للعثمانيين، كما أبى كثير من الروم أن ينقلوا الأحجار والتراب إلى السور إلا إذا أخذوا أجراً على هذا العمل، واضطرَّ اللاتين أن يدفعوا لهم ما طلبوا. ولكن الروم واللاتين قصدوا الكنائس وعلى رأسهم قسطنطين للدعاء! ١٨ - الهجوم العام: في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (٢٩ مايس - مايو - ١٤٥٣ م) سمعت فجأة في المعسكر العثماني دقة ضخمة بالطبل إيذاناً للجند بالتأهُّب أعقبتها ثلاث دقَّات أخرى مثلها، ثم تتابعت الدقات في جميع أرجاء المعسكر ونفخ في الأبواق وتصاعدت التكبيرات مجلجلة مدوية من اتجاهي البر والبحر. وكان لذلك كله دوي هائل مخيف في ذلك السكون العميق المظلم، أثار الفزع والرعب في قلوب أهل القسطنطينية، وهرع كثير منهم إلى الكنائس التي دقت أجراسها، وانطلق الجنود العثمانيون يهجمون على سور القسطنطينية من البر والبحر طبقاً للخطة المرسومة التي وضعها الفاتح وأصدرها إلى قادته.

стр. 420

وكان أشد الهجوم وأعنفه قد ركز نحو وادي (ليكوس) الواقع بين (طوب قبو) في الجنوب، وباب (أدرنه) في الشمال. وكان هذان البابان يقعان على نشز مرتفع، ويقع الوادي بينهما متطامناً منخفضاً، وكان السور القائم في تلك المنطقة وبخاصة الجانب الذي يلاصق (طوب قبو) قد تهدَّم تهدُّماً كبيراً، فأقام جستنيان مكانه متراساً قوياً تحصَّن به. وقد قسَّم الفاتح جنوده الذين يقاتلون في هذه المنطقة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول مؤلف من جنود الرومللي والمتطوعين المستجدِّين من أجناس مختلفة، وقد تقدَّم هؤلاء الجنود إلى الأمام، حتى إذا صاروا على مرمى قوس من السور توقفوا وأخذوا يمطرونه بالقذائف والسهام، فردَّ عليهم المدافعون بالمثل. واندفع فجأة تحت هذا الوابل من القذائف والسهام كثير من المهاجمين نحو السور وأقاموا عليه مئات السلالم لتسلّقه، فأسرع المدافعون وقلَّبوا هذه السلالم بمن كان عليها، وقذفوا وراءهم الصخور والأحجار الضخمة. ولم يمنع ذلك المهاجمين من معاودة تسلُّق السور مرة بعد مرة، ونجح قسم كبير منهم في ارتقائه واحتلال موطئ قدم عليه. وحدث صراع عنيف بالسلاح الأبيض، فالتحم الطرفان في معركة ضارية استمات فيها جستنيان ورجاله، واستطاعوا ردّ المهاجمين على أعقابهم، وقد استمرَّ هذا القتال العنيف نحو ساعتين. وأمر السلطان هذا القسم من الجند بالانسحاب، ودفع إلى الهجوم القسم الثاني من جنوده وهم جنود الأناضول. أما المدافعون

стр. 421

فقد ظنُّوا لأول وهلة عند انسحاب المهاجمين أنهم قد دحروا العثمانيين، ولكنهم لم يكادوا يتنفسون الصعداء، حتى بوغتوا بهجوم أشدّ وطأة وعنفاً من الهجوم الأول، فقد كان جنود الأناضول أحسن تدريباً وأفضل تنظيماً وأشدَّ ضبطاً وأكثر مراساً في القتال. ومن الواضح أن السلطان كان يرمي من هجومه الأول استنزاف طاقات المدافعين وإرهاقهم، قبل أن يضربهم الضربة الشديدة القاضية، فاستخدم جنوده الذين كانوا من الدرجة الثانية تنظيماً وتدريباً وضبطاً وتجربة، واستطاع تحقيق هدفه الابتدائي من الهجوم. كانت أشعة الفجر قد بدأت تنير المكان، وبذلك انتهى هجوم العثمانيين الليلي ليبدأ هجومهم النهاري. واندفع العثمانيون يهاجمون السور، وقد لبس قسم منهم الدروع وهم يهلِّلون ويكبِّرون، وأقام كثير منهم السلالم للتسلُّق. وأدرك قسطنطين خطورة الموقف، فأتى إلى هذا المكان بمزيد من الجند وآلات الرمي والقذف، ونصب مدافع صغيرة؛ ونشط جستنيان وجنوده المدرَّعون، وقاوموا هذا الهجوم مقاومة عنيفة باسلة، وصبُّوا قذائفهم ونيرانهم الحامية على المهاجمين، وقلبوا السلالم التي أُسندت إلى السور، ولكن ذلك لم يزد العثمانيين إلا حماسة وشدة في القتال وتصميماً على إحراز النصر. ووقف الفاتح على ظهر حصانه يرقب هذه المعركة الدامية، وكان أشد القتال يجري على السور نفسه، حيث التحم المهاجمون والمدافعون بالسلاح الأبيض، ولكن القذائف والسهام التي صبَّت بكثافة على

стр. 422

المهاجمين كبَّدتهم خسائر فادحة بالأرواح. وأمر السلطان الفاتح بانسحاب جنوده، كما أمر بتكثيف نيران المدفعية على السور ومواقع المدافعين، فنصبت المدافع في أقرب مكان من السور، وأخذت تقصف المنطقة التي يدافع عنها جستنيان. وتحت ستار قصف المدفعية الكثيف زحف الجنود العثمانيون، وهاجموا مرة أخرى السور، ولكن جستنيان وجنوده ثبتوا لهذا الهجوم أيضاً. وبينما كان القتال مستعراً عنيفاً مريراً عند السور البرّي، كان هناك قتال آخر لا يقلّ عنفاً وشدّة وضراوة في البحر؛ فقد أخذت السفن العثمانية بقيادة أمير البحر حمزة باشا في بحر (مرمره) وكذلك السفن العثمانية الراسية في (القرن الذهبي) أمكنتها من السور، وأخذ الجنود يطلقون عليه قذائفهم ونبالهم، وأخذ فريق منهم يتسلقونه بالسلالم والحبال وغيرها من أدوات التسلُّق، والتحموا في صراعٍ دامٍ مع المدافعين الذين هبُّوا إلى قذف السلالم إلى البحر وإطلاق النيران والسهام والقذائف على الجنود العثمانيين. وقد أثار هذا الهجوم الشديد من ناحية البحر الفزع والرعب بين سكان القسطنطينية، وجأرت أصواتهم بالدعاء والضراعة، ودقّت أجراس الكنائس دقات شديدة متوالية. وظلَّ الصراع على جانبي السور البحري على هذا النحو من الشدّة والعنف إلى آخر الحصار؛ وإذا كان العثمانيون لم يفلحوا في اقتحام المدينة من ناحية الأسوار البحرية، فإنهم شغلوا عدداً كبيراً من المدافعين الذين كان بالإمكان استخدامهم لتقوية الدفاع على الأسوار البرية.

стр. 423

أما جنود الأناضول الذين كانوا يهاجمون وادي (ليكوس)، فقد أمرهم محمد الفاتح بالانسحاب، وكان المدافعون قد بلغوا أقصى المدى من الكلال والجهد والإعياء، وكان الفاتح يرمي من هذه الهجمات المتواصلة إرهاق المدافعين وإجهادهم واستنزاف طاقاتهم قبل أن يضربهم الضربة الأخيرة القاضية. واغتبط جستنيان ورجاله بانسحاب العثمانيين، وارتفعت صيحات الفرح والنصر من جوانب السور، وقال جستنيان للأمبراطور قسطنطين وقد طفح وجهه بالبشر: "يا صاحب الجلالة! اطمئنوا، فإن سيوفنا قد ردَّت العدو". ولم يكد جستنيان يأخذ قسطه من الراحة، ولم يكد السلطان الفاتح يسحب رجاله من السور، حتى أمر مدفعيته بقصف السور بشدة وعنف، ثم جاء بالقسم الثالث من جنوده وهم الانكشارية وكانوا خير الجند تدريباً وتنظيماً وضبطاً وحنكة وبسالة وقيادة، وأصدر إليهم أوامر الهجوم. كان تنفيذ خطة الهجوم في هذه المرة أكثر إحكاماً ودقة، وكان الشيوخ والعلماء يشجعونهم ويحرضونهم على القتال والجهاد، وكان الصبح قد أضاء وأمكن رؤية كل شيء بسهولة ووضوح. وقاد السلطان الفاتح بنفسه هؤلاء الجنود إلى حافة الخندق، وهناك أمر الرماة والنبالة بأن يمطروا المدافعين بالنبال والسهام بحيث لا يقدر أحد منهم أن يطل برأسه من فوق السور. وتحت هذا الستار الكثيف من النبال المنهمرة الكثيفة، زحف

стр. 424

الانكشارية وهاجموا السور كالأسود، وكان هجوماً هائلاً اهتزَّت له جوانب القسطنطينية؛ وفي مثل لمح البصر، أقام كثير منهم السلالم على السور وقفزوا منها إلى أعلى السور في خفَّة مدهشة؛ وكانت تكبيراتهم العالية ودقات الطبول الضخمة وقصف المدفعية الكثيف تُحدث دوياً يصمّ الآذان وتلقي الرعب والفزع في نفوس سكان القسطنطينية وتؤثر في معنوياتهم وتزعزعها وتؤدي بها إلى الانهيار. وحمي وطيس القتال وبلغ أقصى مداه من العنف والشدة، لاسيما عند (طوب قبو) وباب (أدرنه)، وقد أدرك الفريقان أنها الساعة الأخيرة الحاسمة من تلك المعركة التي بدأت من خمسين يوماً. وأصيب جستنيان بجرح بالغ عجز عن احتماله، فأزمع على الانسحاب من الميدان لتضميد جرحه، وطلب إلى الإمبراطور أن يتولَّى القيادة مكانه. وارتاع قسطنطين لهذا الأمر، ورجا جستنيان ملحّاً في رجائه ألاَّ يترك مكانه، فإنَّ ذلك سيفتّ في عضد الجند ويثبّط عزيمتهم في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى مَن يشدّ أزرهم، وإن مصير المدينة كلها متوقّف على قراره، ولكن جستنيان أصرَّ على أن يُنقل في الحال إلى سفينته الراسية في الميناء. ويظهر أنه كان قد أَيِسَ من استمرار الدفاع وصدّ العثمانيين عن القسطنطينية، فآثر الانسحاب والنجاة بنفسه. ونُقل القائد الجنوي إلى سفينته الراسية وراء السلسلة في (القرن الذهبي)، ومن هناك نُقل إلى جزيرة (خيوس) حيث قضى نحبه، بل لعله قد مات قبل وصوله إليها. وتولَّى قسطنطين القيادة المباشرة بنفسه، وحاول رفع معنويات

стр. 425

رجاله المنهارة دون جدوى. وكان هجوم الانكشارية يزداد عنفاً وشدَّة في هذه المنطقة، وارتقى كثير منهم أنقاض السور، وثبتوا أقدامهم فيها. واشترك السلطان الفاتح بنفسه في هذه المرحلة الأخيرة من الصراع، فاجتاز الخندق بحصانه، وأخذ يدير القتال بنفسه. ولم يمضِ وقت طويل على انسحاب جستنيان وتولّي قسطنطين مكانه في القيادة بمنطقة (طوب قبو)، حتى انطلقت من الجهة الشمالية للسور صيحات عالية مفزعة ما لبثت أن سرت في جميع أنحاء المدينة وهي تدوي: لقد دخل العثمانيون المدينة ... والتفت قسطنطين إلى الشمال، فإذا الأعلام العثمانية ترفرف على بعض الأبراج القريبة من باب (أدرنه). وكان يقود القوات العثمانية في هذه المنطقة (قره جه بك)، وقد حاول من قبل ذلك اقتحام هذا الباب فأخفق، فجمع قواته وشنَّ عليه هجوماً آخر أشدّ عنفاً وقوة، فزحزح المدافعين عن أماكنهم، ووثب جنوده على أنقاض السور المتراكمة إلى جنوب هذا الباب، وتمكَّن أحدهم من قتل قائد الحامية، وبمقتله انهارت مقاومة المدافعين، فولّوا هاربين وتدفَّقت جموع العثمانيين نحو المدينة. فلما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية المرفرفة، أطلق العنان لفرسه واتَّجه نحو الشمال ليستخبر عن الأمر بنفسه، فإذا جموع العثمانيين تتدفَّق إلى المدينة كالسيل. ونزل قسطنطين عن حصانه، وخلع ملابسه الامبراطورية وسلَّ سيفه وأخذ يخبط به ذات الشمال
следующие страницы →