← Общие книги

Общие книги · id 8645

بين العقيدة والقيادة

محمود شيت خطاب

Полный текст (561 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فقد ظنُّوا لأول وهلة عند انسحاب المهاجمين أنهم قد دحروا العثمانيين، ولكنهم لم يكادوا يتنفسون الصعداء، حتى بوغتوا بهجوم أشدّ وطأة وعنفاً من الهجوم الأول، فقد كان جنود الأناضول أحسن تدريباً وأفضل تنظيماً وأشدَّ ضبطاً وأكثر مراساً في القتال. ومن الواضح أن السلطان كان يرمي من هجومه الأول استنزاف طاقات المدافعين وإرهاقهم، قبل أن يضربهم الضربة الشديدة القاضية، فاستخدم جنوده الذين كانوا من الدرجة الثانية تنظيماً وتدريباً وضبطاً وتجربة، واستطاع تحقيق هدفه الابتدائي من الهجوم. كانت أشعة الفجر قد بدأت تنير المكان، وبذلك انتهى هجوم العثمانيين الليلي ليبدأ هجومهم النهاري. واندفع العثمانيون يهاجمون السور، وقد لبس قسم منهم الدروع وهم يهلِّلون ويكبِّرون، وأقام كثير منهم السلالم للتسلُّق. وأدرك قسطنطين خطورة الموقف، فأتى إلى هذا المكان بمزيد من الجند وآلات الرمي والقذف، ونصب مدافع صغيرة؛ ونشط جستنيان وجنوده المدرَّعون، وقاوموا هذا الهجوم مقاومة عنيفة باسلة، وصبُّوا قذائفهم ونيرانهم الحامية على المهاجمين، وقلبوا السلالم التي أُسندت إلى السور، ولكن ذلك لم يزد العثمانيين إلا حماسة وشدة في القتال وتصميماً على إحراز النصر. ووقف الفاتح على ظهر حصانه يرقب هذه المعركة الدامية، وكان أشد القتال يجري على السور نفسه، حيث التحم المهاجمون والمدافعون بالسلاح الأبيض، ولكن القذائف والسهام التي صبَّت بكثافة على

стр. 422

المهاجمين كبَّدتهم خسائر فادحة بالأرواح. وأمر السلطان الفاتح بانسحاب جنوده، كما أمر بتكثيف نيران المدفعية على السور ومواقع المدافعين، فنصبت المدافع في أقرب مكان من السور، وأخذت تقصف المنطقة التي يدافع عنها جستنيان. وتحت ستار قصف المدفعية الكثيف زحف الجنود العثمانيون، وهاجموا مرة أخرى السور، ولكن جستنيان وجنوده ثبتوا لهذا الهجوم أيضاً. وبينما كان القتال مستعراً عنيفاً مريراً عند السور البرّي، كان هناك قتال آخر لا يقلّ عنفاً وشدّة وضراوة في البحر؛ فقد أخذت السفن العثمانية بقيادة أمير البحر حمزة باشا في بحر (مرمره) وكذلك السفن العثمانية الراسية في (القرن الذهبي) أمكنتها من السور، وأخذ الجنود يطلقون عليه قذائفهم ونبالهم، وأخذ فريق منهم يتسلقونه بالسلالم والحبال وغيرها من أدوات التسلُّق، والتحموا في صراعٍ دامٍ مع المدافعين الذين هبُّوا إلى قذف السلالم إلى البحر وإطلاق النيران والسهام والقذائف على الجنود العثمانيين. وقد أثار هذا الهجوم الشديد من ناحية البحر الفزع والرعب بين سكان القسطنطينية، وجأرت أصواتهم بالدعاء والضراعة، ودقّت أجراس الكنائس دقات شديدة متوالية. وظلَّ الصراع على جانبي السور البحري على هذا النحو من الشدّة والعنف إلى آخر الحصار؛ وإذا كان العثمانيون لم يفلحوا في اقتحام المدينة من ناحية الأسوار البحرية، فإنهم شغلوا عدداً كبيراً من المدافعين الذين كان بالإمكان استخدامهم لتقوية الدفاع على الأسوار البرية.

стр. 423

أما جنود الأناضول الذين كانوا يهاجمون وادي (ليكوس)، فقد أمرهم محمد الفاتح بالانسحاب، وكان المدافعون قد بلغوا أقصى المدى من الكلال والجهد والإعياء، وكان الفاتح يرمي من هذه الهجمات المتواصلة إرهاق المدافعين وإجهادهم واستنزاف طاقاتهم قبل أن يضربهم الضربة الأخيرة القاضية. واغتبط جستنيان ورجاله بانسحاب العثمانيين، وارتفعت صيحات الفرح والنصر من جوانب السور، وقال جستنيان للأمبراطور قسطنطين وقد طفح وجهه بالبشر: "يا صاحب الجلالة! اطمئنوا، فإن سيوفنا قد ردَّت العدو". ولم يكد جستنيان يأخذ قسطه من الراحة، ولم يكد السلطان الفاتح يسحب رجاله من السور، حتى أمر مدفعيته بقصف السور بشدة وعنف، ثم جاء بالقسم الثالث من جنوده وهم الانكشارية وكانوا خير الجند تدريباً وتنظيماً وضبطاً وحنكة وبسالة وقيادة، وأصدر إليهم أوامر الهجوم. كان تنفيذ خطة الهجوم في هذه المرة أكثر إحكاماً ودقة، وكان الشيوخ والعلماء يشجعونهم ويحرضونهم على القتال والجهاد، وكان الصبح قد أضاء وأمكن رؤية كل شيء بسهولة ووضوح. وقاد السلطان الفاتح بنفسه هؤلاء الجنود إلى حافة الخندق، وهناك أمر الرماة والنبالة بأن يمطروا المدافعين بالنبال والسهام بحيث لا يقدر أحد منهم أن يطل برأسه من فوق السور. وتحت هذا الستار الكثيف من النبال المنهمرة الكثيفة، زحف

стр. 424

الانكشارية وهاجموا السور كالأسود، وكان هجوماً هائلاً اهتزَّت له جوانب القسطنطينية؛ وفي مثل لمح البصر، أقام كثير منهم السلالم على السور وقفزوا منها إلى أعلى السور في خفَّة مدهشة؛ وكانت تكبيراتهم العالية ودقات الطبول الضخمة وقصف المدفعية الكثيف تُحدث دوياً يصمّ الآذان وتلقي الرعب والفزع في نفوس سكان القسطنطينية وتؤثر في معنوياتهم وتزعزعها وتؤدي بها إلى الانهيار. وحمي وطيس القتال وبلغ أقصى مداه من العنف والشدة، لاسيما عند (طوب قبو) وباب (أدرنه)، وقد أدرك الفريقان أنها الساعة الأخيرة الحاسمة من تلك المعركة التي بدأت من خمسين يوماً. وأصيب جستنيان بجرح بالغ عجز عن احتماله، فأزمع على الانسحاب من الميدان لتضميد جرحه، وطلب إلى الإمبراطور أن يتولَّى القيادة مكانه. وارتاع قسطنطين لهذا الأمر، ورجا جستنيان ملحّاً في رجائه ألاَّ يترك مكانه، فإنَّ ذلك سيفتّ في عضد الجند ويثبّط عزيمتهم في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى مَن يشدّ أزرهم، وإن مصير المدينة كلها متوقّف على قراره، ولكن جستنيان أصرَّ على أن يُنقل في الحال إلى سفينته الراسية في الميناء. ويظهر أنه كان قد أَيِسَ من استمرار الدفاع وصدّ العثمانيين عن القسطنطينية، فآثر الانسحاب والنجاة بنفسه. ونُقل القائد الجنوي إلى سفينته الراسية وراء السلسلة في (القرن الذهبي)، ومن هناك نُقل إلى جزيرة (خيوس) حيث قضى نحبه، بل لعله قد مات قبل وصوله إليها. وتولَّى قسطنطين القيادة المباشرة بنفسه، وحاول رفع معنويات

стр. 425

رجاله المنهارة دون جدوى. وكان هجوم الانكشارية يزداد عنفاً وشدَّة في هذه المنطقة، وارتقى كثير منهم أنقاض السور، وثبتوا أقدامهم فيها. واشترك السلطان الفاتح بنفسه في هذه المرحلة الأخيرة من الصراع، فاجتاز الخندق بحصانه، وأخذ يدير القتال بنفسه. ولم يمضِ وقت طويل على انسحاب جستنيان وتولّي قسطنطين مكانه في القيادة بمنطقة (طوب قبو)، حتى انطلقت من الجهة الشمالية للسور صيحات عالية مفزعة ما لبثت أن سرت في جميع أنحاء المدينة وهي تدوي: لقد دخل العثمانيون المدينة ... والتفت قسطنطين إلى الشمال، فإذا الأعلام العثمانية ترفرف على بعض الأبراج القريبة من باب (أدرنه). وكان يقود القوات العثمانية في هذه المنطقة (قره جه بك)، وقد حاول من قبل ذلك اقتحام هذا الباب فأخفق، فجمع قواته وشنَّ عليه هجوماً آخر أشدّ عنفاً وقوة، فزحزح المدافعين عن أماكنهم، ووثب جنوده على أنقاض السور المتراكمة إلى جنوب هذا الباب، وتمكَّن أحدهم من قتل قائد الحامية، وبمقتله انهارت مقاومة المدافعين، فولّوا هاربين وتدفَّقت جموع العثمانيين نحو المدينة. فلما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية المرفرفة، أطلق العنان لفرسه واتَّجه نحو الشمال ليستخبر عن الأمر بنفسه، فإذا جموع العثمانيين تتدفَّق إلى المدينة كالسيل. ونزل قسطنطين عن حصانه، وخلع ملابسه الامبراطورية وسلَّ سيفه وأخذ يخبط به ذات الشمال

стр. 426

وذات اليمين، حتى كلَّت يده وأصابه أحد الجنود العثمانيين بضربة سيف قاتلة، فخرَّ صريعاً مضرَّجاً بالدماء. وصاح صائح بأن الإمبراطور قد قُتِل، فزاد ذلك في فزع سكان القسطنطينية ورعبهم. ولم يقف بعد ذلك شيء في وجه العثمانيين لدخول المدينة، فقد تفتَّحت لهم جميع الأبواب والمنافذ، بعد أن فرَّ حماتها وذهبوا يلتمسون النجاة لأنفسهم. واشتدَّ الهرج والمرج في المدينة، واختلط الحابل بالنابل، وتزاحم الناس يدفع بعضهم بعضاً، كل يطلب النجاة فلا يدري أين يجدها. أما عن القتال في جانب البحر، فقد ناجز العثمانيون من فوق سفنهم الراسية في بحر (مرمره) المدافعين، وظلُّوا على ذلك إلى أن رُفعت الأعلام العثمانية فوق الأبراج القائمة على السور البري، فرآها المدافعون، فخارت قواهم واستخذت عزائمهم، فمنهم من استسلم، ومنهم مَن فرَّ مع الفارّين. وانتهت صفحة من صفحات تاريخ القسطنطينية الطويل بهزيمة البيزنطيين، وبدأت صفحة جديدة من صفحات تاريخها الطويل بفتح العثمانيين. وكان آخر سطر من سطور آخر صفحة من صفحاتها البيزنطية: أن قسطنطين آخر أباطرة الروم مات بشرف في ساحة القتال، وآثر شرفه على حياته، فسقط صريعاً ولم يسقط السيف من يده. وكان أول سطر من سطور أول صفحة من صفحات العثمانية،

стр. 427

أن السلطان الفاتح، صمَّم أن يكون له عرش في القسطنطينية أو يكون له قبر فيها، فاعتلى العرش لأنه طلب الموت فوهبت له الحياة. ليت قادة العرب والمسلمين اليوم يتلقَّون هذا الدرس الثمين. ١٩ - الفاتح في القسطنطينية: وقف محمد الفاتح وهو على صهوة جواده ينظر إلى جنوده وهم يدخلون من كل حدبٍ وصوب مدينة القسطنطينية ترفرف عليهم أعلام النصر، وأقبل عليه كبار رجاله تطفح وجوههم بالبشر والسعادة يهنِّئونه بالفتح، فكان الفاتح يجيبهم: "حمداً لله، ليرحم الله الشهداء، ويمنح المجاهدين الشرف والمجد ولشعبي الفخر والشكر". أما أهل القسطنطينية فقد تملَّكهم الخوف والذعر، إذ كانوا يعتقدون أن العثمانيين وحوشٌ كاسرة. ولعلَّهم ذكروا دخول الصليبيين مدينتهم قبل قرنين ونصف، وما ارتكبوه فيها من التقتيل والتدمير والتحريق. وكان معظم سكان القسطنطينية قد لجؤوا إلى الكنائس وبخاصة كنيسة آياصوفيا التي غصَّت بجموعهم، وغلقوا على أنفسهم الأبواب. وعند الظهيرة توجَّه الفاتح إلى القسطنطينية على ظهر جواده، يحفّ به كبار رجال دولته وحرسه، وقد أعجبته المدينة بآثارها الرائعة ومبانيها الفخمة، وكان ألوف من العثمانيين يحيطون بموكبه. ولما بلغ الفاتح منتصف المدينة توقَّف عن السير وقال لمن حوله من الجند: "أيها الغزاة المجاهدون! حمداً لله وشكراً، لقد أصبحتم فاتحي

стр. 428

القسطنطينية. قال رسول الله ﷺ : (لتفتحنَّ القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش) "، ثم هنَّأهم بالنصر ونهاهم عن القتل والنهب والسلب، وأمرهم أن يكونوا أهلاً للشرف الذي حباهم به الرسول ﷺ . وترجَّل الفاتح عن فرسه، واستقبل الكعبة وسجد على الأرض، وحثا التراب على رأسه شكراً لله على ما منحه من توفيق ونصر. ثم استأنف سيره إلى كنيسة آياصوفيا، ولما اقترب منها، وصلت إلى سمعه أصوات خافتة حزينة هي أصوات الصلوات والدعوات التي كانت تجري فيها. وقصد الفاتح إلى أحد أبواب الكنيسة، وكان باباً منيعاً حصيناً، فوجده مغلقاً. وعلم الراهب بمقدم الفاتح، فأمر بفتح ذلك الباب على مصراعيه، وانتاب الناس خوف عظيم وفزع لحضور السلطان، وتوجَّسوا شرّاً وقطعوا ما كانوا فيه من الصلاة والدعاء، وساد بينهم لغط وضجيج؛ فما كان من الفاتح إلا أن طلب من الراهب أن تستمر الصلاة كما كانت من قبل، وأن يبقى كل إنسان في مكانه دون أن يجزع، فتمّت الصلاة في هدوء وأمان. وسجد الفاتح مرة أخرى سجدة الشكر، وأخذ يحمد الله ويشكره، ثم طلب إلى الراهب أن يأمر المصلين بالعودة إلى منازلهم آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يعود كل إنسان إلى ما كان يمارسه من قبل من عمل وحرفة. ونزل هذا الكلام برداً وسلاماً على هؤلاء الناس الذين كانوا يتوقَّعون أن ينزل بهم أشدّ أنواع البطش والتنكيل، وشاعت في نفوسهم الراحة والطمأنينة، وبعث الفاتح إلى مختلف أرجاء المدينة نفراً من رجاله لتأمين الناس وليعودوا

стр. 429

إلى حياتهم العادية. وفيما كان الفاتح يطوف بأرجاء كنيسة آيا صوفيا، إذ سمع قرعاً ونقراً من ورائه، فالتفت فرأى أحد جنوده يضرب بفأس في يده عموداً من المرمر كانت معلقة عليه إحدى الصور المقدسة عن المسيحيين. واقترب الفاتح من الجندي وقال له غاضباً: "ماذا تعمل"؟! فأجابه الجندي الأمي بكل بساطة: "ألستَ مسلماً؟ أريد محو آثار الكفار"! فقال له الفاتح: "ليس من الحق تخريب المعبد"، ثم خطف الفأس من يده وضربه بها على رأسه. وكان نفرٌ من الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة خوفاً من القتل، فلما سمعوا بما فعله الفاتح، ولمسوا حسن رعايته للنصارى، خرجوا من مخابئهم وأعلنوا إسلامهم، وعرف أحدهم الذي كان أكبرهم سناً باسم: بابا محمد (١). وأمر السلطان الفاتح بعد ذلك بتحويل تلك الكنيسة إلى مسجد، وطلب إلى أحد العلماء الذين كانوا برفقته أن يؤذن، فجلجل صوته بالأذان، وأدَّى صلاة العصر، وأعلن أنه سيصلي صلاة الجمعة القادمة في المسجد الجديد. وقصد إلى قصر الإمبراطور، وتجوَّل في صالاته وغرفه، وقد كان مهملاً بدت عليه الوحشة والظلام والكآبة. وسأل الفاتح عن قسطنطين وجستنيان ونوتاراس، فلم يأته منهم غير نوتاراس الذي كان يقوم بالإدارة المدنية في القسطنطينية أثناء

стр. 430

الحصار. وقد أحسن الفاتح لقاءه وسأله عن الإمبراطور، فأجاب بأنه لا يعلم عنه شيئاً. فسأله السلطان عن مصير جستنيان فأجاب: "إن كل ما يعلمه عنه أن عقب إصابته بالجرح، نقل إلى سفينة راسية بميناء القرن الذهبي"، فأرسل الفاتح من فوره قسماً من رجاله إلى (طوب قبو) للبحث عن الإمبراطور، كما أرسل أناساً آخرين إلى الميناء للبحث عن السفينة التي يرقد فيها جستنيان وإنزاله إلى البرّ وإحضار أمهر الأطباء لمعالجته. وقد كان السلطان بطلاً يكرم البطولة ولو كانت في ألدّ أعدائه، وكان قد أظهر إعجابه بجستنيان عندما كان يدافع عن السور بحذق ومهارة وبسالة. وجاء جندي يحمل رأس قسطنطين وقد ظنَّ أنه جاء بما يفرح السلطان، فسأل الفاتح نوتاراس إن كان حقاً هو رأس قسطنطين، فأجاب بالإيجاب وهو يبكي. وعزَّ على السلطان أن يمثّل بالإمبراطور ويُزدرى على هذا النحو، فأمر بقطع رأس ذلك الجندي الذي ارتكب هذه المثلة وأن يُحتفل بدفن الإمبراطور قسطنطين بما يليق بمكانته ومنزلته (١). وسلك السلطان الفاتح نحو أهل القسطنطينية سياسة التسامح والرأفة، وأمر جنوده بحسن معاملة مَن في أيديهم من الأسرى والرفق بهم، وقد بذل الفاتح ما كان في وسعه لتخفيف آلامهم وفكّ أسرهم، وفدى عدداً من كبار الأسرى بماله الخاص. وكان كثير من سكان

стр. 431

القسطنطينية قد فرُّوا من المدينة عندما دخلها العثمانيون خوفاً من القتل، فأصدر الفاتح بياناً عاماً دعا فيه هؤلاء الفارين للعودة إلى مدينتهم ومنازلهم، وأمَّنهم على حياتهم وأموالهم، ودعا إلى عودة التجار والحرفيين إلى أسواقهم لمزاولة أعمالهم ومهنهم، ووعد الجميع بحريّة العبادة وممارسة شعائر دينهم. وكان الفاتح يعلم أن الروم متمسِّكون بدينهم، فرأى أن خير ما يجمع شملهم ويشجعهم على العودة إلى بلدهم والاطمئنان إلى حكمه هو أن يظهر العناية بالناحية الدينية. وكانت البطريركية إذ ذاك شاغرة، فعمل على تنصيب بطريرك رومي جديد بنفس المراسيم الفخمة التي كانت تتبع في عهد الأباطرة الأُوَل؛ فاجتمع الأساقفة وانتخبوا (جناديوس) بطريركاً لهم، وقد كان من أقوى المعارضين لاتحاد الكنيستين الشرقية والغربية. وبعد انتخابه سار في موكب حافل من الأساقفة إلى الفاتح، فاحتفى به أعظم احتفاء، وبالغ في تكريمه والترحيب به، وتناول معه الطعام على مائدته، وتحادث معه حديثاً طويلاً، ثم قدَّم إليه بعد ذلك عصا البطريركية وقال له: "إنك البطريرك، وليحفظك الله، واعتمد دائماً على صداقتي ومودّتي، وتمتَّع بكل ما كان يتمتَّع به سلفك من الحقوق والامتيازات". ولما همَّ البطريرك بالانصراف، نهض له الفاتح ورافقه إلى باب القصر، وأعانه على ركوب الجواد المطهَّم الذي أُعد له، وأمر وزراءه وكبار رجال دولته أن يصحبوه إلى مقره الذي هُيِّئ له. وقد تأثر البطريرك لما لقيه من محمد الفاتح من بالغ الحفاوة،

стр. 432

وشعر بشيء من الخجل، فقال للسلطان: "إنَّ الأباطرة النصارى لم يفعلوا قط مثل هذا لمن سبقه من البطاركة". وأصدر الفاتح بعد ذلك مرسوماً للبطريرك أمَّنه فيه على شخصه، وجعله برتبة الوزراء، وعهد إليه النظر في أمور الروم من الناحيتين الدينية والمدنية كالزواج والطلاق والميراث، فأصبح البطريرك بذلك زعيماً دينياً وسياسياً للروم. ولم تمضِ بضعة أيام على فتح القسطنطينية، حتى ساد الأمن والسكينة ربوع المدينة، واستأنف الناس حياتهم المدنية العادية في أمن وسلام. وكان الدوق نوتاراس كما ذكرنا قد قابل السلطان ولقي منه كل حفاوة ورعاية. وقد عاتبه السلطان على عدم تسليم المدينة بعد أن أرسل إليها الإنذار الأخير، فأجاب نوتاراس بأن استمرار المقاومة يرجع إلى الجنود الأجانب وإلى الرسائل التي كان يبعثها أحد وزراء السلطان إلى قسطنطين يحثه فيها على مواصلة المقاومة وعدم الاستسلام، ويطمعه في رفع الحصار، وقد اهتمَّ قسطنطين بهذه الرسائل وعمل بها. وما إن سمع خليل باشا هذا حتى ظهر عليه الارتباك والخوف، وكان واقفاً بجانب السلطان فصاح: "كلا يا سلطاني! من المستحيل أن يوجد في معيَّتكم من يرتكب مثل هذا الخزي والعار. إنَّ هذا الكافر يفتري كذباً، فلا تسمحوا له بالكلام واقطعوا رأسه"، فقال له السلطان: "فلماذا ترتبك إذن؟! ألا تجيب على هذه التهم الموجهة إليك؟! " وعزله السلطان عن الوزارة وعهد بها إلى محمود باشا، ورعايةً لكبر سن خليل باشا، اكتفى بمصادرة أمواله وحبسه، وقد بقي في السجن حتى وافاه الأجل المحتوم.

стр. 433

وأمَّا نوتاراس فقد صفح عنه السلطان وأكرمه ووهب له ولأولاده مالاً كثيراً، وذهب في اليوم التالي إلى بيته لعيادة زوجته المريضة، فواساها وأسبغ عليها من عطفه ورعايته. ولكن نوتاراس ومَن معه من نبلاء الروم أغرتهم هذه المعاملة الحسنة من الفاتح وأطمعتهم، فأخذوا يأتمرون لإخراج المسلمين من القسطنطينية، وبعثوا رسلاً إلى إيطاليا يدعون إلى حملةٍ صليبيةٍ ضدَّهم، فأمر السلطان الفاتح باعتقالهم وقتلهم. واستعرض الفاتح جنوده بعد فتح القسطنطينية استعراضاً عسكرياً، ومثل هذا الاستعراض من التقاليد العسكرية التي لا تزال متَّبعة في الجيوش الحديثة حتى اليوم، ثم أُقيمت بين الجنود مسابقة في الرماية بمختلف الأسلحة، فأقبلوا عليها بشوقٍ وكفاية. والحقُّ أنَّ الجنود العثمانيين المشاة منهم والفرسان والمدفعية أبدوا مهارةً فائقةً في التصويب الدقيق أثناء الحصار، فحرَّم رماة السهام على المدافعين عن الأسوار الظهور من شرفاتها، ودكَّ جنود المدفعية تلك الأسوار وكانت إصاباتهم مركزةً تركيزاً مباشراً، وكان لتدريب العثمانيين على الرماية تدريباً راقياً أثرٌ كبيرٌ في إحراز النصر. وقد أقام الفاتح لجنوده بعد انتهاء مسابقة الرماية مآدب حافلةً كرَّم فيها الأبطال الذين برزوا في القتال، والأبطال الذين تفوقوا في الرماية بخاصَّة، وسائر الجنود والمجاهدين والعلماء والشيوخ الذين شهدوا الفتح. وقد استمرت المآدب ثلاثة أيام، أُقيمت خلالها الزينات والمهرجانات والأفراح، وكان السلطان الفاتح يخدم جنوده بنفسه، وقد وزَّع عليهم العطايا والهدايا والمنح.

стр. 434

وفي أثناء الاحتفالات خطب الشيخ العالم الورع آق شمس الدين الذي شحن الجنود بطاقاتٍ دينيةٍ مذهلةٍ في أيام الحصار، فقال: "يا جنود الإسلام! اعلموا واذكروا أن النبي ﷺ قال في شأنكم: (لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)، ونسأل الله أن يوفقنا ويغفر لنا جميعاً. أَلا لا تسرفوا ما أصبتم من أموال الغنيمة ولا تبذروا، وأنفقوها في البر والخير لأهل هذه المدينة، واسمعوا لسلطانكم وأطيعوه وأحِبُّوه"، ثم التفتَ إلى الفاتح وقال له: "يا سلطاني! لقد أصبحتَ قرَّة عين آل عثمان، فكن على الدوام مجاهداً في سبيل الله"، ثم صاح مكبِّراً بصوتٍ جهوري جليد (١). وقد اهتدى الشيخ آق شمس الدين بعد فتح القسطنطينية إلى قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري بموضعٍ قريبٍ من سور القسطنطينية، فأمر السلطان الفاتح ببناء المسجد والحجرات والقبَّة على ذلك الموضع. وما إن تمَّ بناء المسجد حتى قصد إليه السلطان وأدَّى فيه الصلاة. وهناك نهض الشيخ آق شمس الدين وسلَّم إليه سيفاً عظيماً، وجرت السنَّة بعد ذلك أن يكونَ تقليد السلطان الجديد وتنصيبه في ذلك المسجد. وبعد ذلك الفتح المبين أُطلقت على السلطان محمد الثاني كنية (أبو الفتح). وقد أثار فتح القسطنطينية أشدَّ الفزع والرعب بين أهل (غلطه)، وكانت هذه المدينة أثناء الحصار تعمل بوجهين، وتنافق الفريقين

стр. 435

المتقاتلين على السَّواء، فكانت تقدِّم معونتها إلى الفاتح وتنقل إليه أسرار الروم العسكرية، وفي نفس الوقت كانت تنقل إلى الروم أسرار العثمانيين العسكرية وترسل جنودها إلى القسطنطينية للدفاع عنها (١)، وتَزويد المحاصَرين بالمواد التموينية والأسلحة. وكان الفاتح على علمٍ بكل ما كانت تفعله (غلطه) ضدَّه أثناءَ الحصار، ولكنَّه آثرَ الإغضاءَ إلى أن تواتيهُ الفرصة المناسبة، فلما فتح القسطنطينية رأى حاكم (غلطه) أن يتفادى الاصطدام بالعثمانيين في حربٍ لا قِبَلَ له بها، فبعث إلى السلطان الفاتح في نفس اليوم الذي فُتحت فيه القسطنطينية وفداً يحمل الهدايا ومفاتيح (غلطه) ويلتمس منه عطفه وأريحيَّته، وطلب الحاكم إلى السكان ألاَّ يقلقوا ويظلوا هادئين رابطي الجأش، وأمر السفينة الراسية في الميناء أن تبقى في أماكنها، وكان الحاكم يرمي من وراء ذلك كله أن ينال أفضلَ ما يمكن نيله من الشروط والمزايا. وجاء زغنوس باشا إلى (غلطه) فأمَّن أهلها باسم السلطان وهدَّأ روعهم، غير أن قسماً من الناس تسللوا في جنح الليل وفرُّوا على السفن، فغضب السلطان الفاتح لذلك، وذكر للوفد الجنوي أنه كان على علم تام بأعمال سكان (غلطه) ومعاونتهم لأهل القسطنطينية أثناء الحصار، وأن ذلك نقض للعهد وخروج على الحياد؛ فطلبوا الصفح من السلطان، وتضرَّعوا إليه في ذلك حتى رضي وعفا عنهم، وأمَّن أهل (غلطه) على حياتهم وأموالهم.

стр. 436

وأصدر زغنوس باشا مرسوماً في هذا الأمر باسم السلطان، ضمن لهم فيه حرية العبادة وبقاء كنائسهم، وأن تكون لهم إدارتهم الداخلية الخاصة وينتخبوا حاكمهم بأنفسهم، وضمن لهم كذلك حرية التجارة في جميع أرجاء الدولة العثمانية براً وبحراً على أن يدفعوا جزية سنوية وتهدم أسوار مدينتهم. وبعد خمسة أيام من فتح القسطنطينية، زار الفاتح مدينة (غلطه)، فنزع عنها جميع الوسائل التي تغريها أو تعينها على العصيان والثورة، فجرَّدها من السلاح وهدم أسوارها من ناحية البر لتكون مفتوحة أمام الجيوش العثمانية، وأبقى على أسوارها من ناحية البحر. ووجد الفاتح كثيراً من البيوت والمحلات في (غلطه) خاوية قد هجرها أهلها وأصحابها، فأمر بإحصاء هذه المباني وتسجيلها في سجل خاص لكي لا يضيع منها شيء. وبعث الفاتح رسولاً خاصاً ومعه رسالة من الحاكم الجنوي إلى الجنويين الذين فرُّوا إلى جزيرة (خيوس) يدعوهم للعودة إلى (غلطه) حيث يستعيدون جميع أملاكهم، وأمهلهم ثلاثة أشهر - وهي مدة كافية لانجلاء الموقف ومعرفة الحقائق بعيداً عن التهويل والدعايات المعادية والإشاعات المغرضة -، فإن عادوا خلال هذه المدة أعيدت إليهم جميع أملاكهم ومتاجرهم وأموالهم وأمتعتهم، وإلا أصبحت للدولة. وقد كان استسلام مستعمرة (غلطه) أسوأ ما نزل من الكوارث بجمهورية (جنوا) الإيطالية، فضاعفت نشاطها وجهودها في محاربة العثمانيين، وأخذت تؤلِّب دول أوروبا لشنّ حرب صليبية شاملة عليها.

стр. 437

والواقع أن معاملة الفاتح لسكان القسطنطينية - وبخاصة إذا قورنت بمعاملة الفاتحين في أيامه، تعتبر معاملة مثالية حقاً. وإذا قورنت هذه المعاملة الحسنة بمعاملة الصليبيين السيئة حين استولوا على القسطنطينية قبل قرنين ونصف من ذلك العهد، نجد سماحة المسلمين وأريحيتهم مع النصارى أفضل بكثير من معاملة الصليبيين لإخوانهم في الدين. وهذا الفرق الشاسع في المعاملة، اعترف به المؤرخون المنصفون من المسيحيين، أما غير المنصفين فلا عبرة لادّعاءاتهم، ولا قيمة لافتراءاتهم لأنهم يصدرون عن حقد وضغينة ويخضعون لنوازع الهوى لا لحقائق التاريخ (١). ٢٠ - صدى الفتح: كان حصار محمد الفاتح للقسطنطينية هو الحصار العثماني الخامس لعاصمة الدولة الشرقية، وقد حاصرها (بايزيد) مرتين، ثم حاصرها ولده موسى لثالث مرة، وحاصرها مراد الثاني الحصار

стр. 438

الرابع، ثم كان الحصار الخامس والأخير على يد محمد الفاتح. وحوصرت القسطنطينية منذ تأسيسها تسعاً وعشرين مرة، وسقطت في أيدي الغزاة سبع مرات، كانت في كل مرة تعود بعدها إلى مُلك القياصرة، وسقطت للمرة الثامنة في يد محمد الفاتح، وكانت خاتمة القياصرة وخاتمة الدولة الرومانية الشرقية، وكان خروجها لأول مرة من حظيرة النصرانية إلى حظيرة الإسلام. وهكذا سقطت القسطنطينية في يد العثمانيين بعد حصار صارم دام ثلاثة وخمسين يوماً، بعد قتال عنيف أبدى فيه العثمانيون أعظم ضروب الإقدام والجرأة والشجاعة، وبذلك سقطت هذه المدينة بعد حياة طويلة حافلة دامت منذ أنشأها قسطنطين ألفاً ومئة وخمسة وعشرين عاماً. وقد كان سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين حادثاً جللاً، اهتزت له أوروبا النصرانية من أقصاها إلى أقصاها، ورأت فيه نذيراً مزعجاً لتجدّد قوى الإسلام. والحق أن النصارى قد انبعث فيهم نوع من الروح الصليبية القديمة، وتداعى النصارى إلى طرح الحزازات والاختلافات والاتحاد ضد العثمانيين. وأنحى الكاردينال (سنت أنج Saint Ange) باللوم على اللاتين وقرَّعهم على تخاذلهم عن نجدة الروم، وألقى عليهم تبعة هذه الكارثة المفجعة. وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثراً بنبأ سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين، وجدَّ في توحيد الدول الإيطالية وتأليبها على قتالهم، ورأس مؤتمراً عُقِد في روما أعلنت الدول المشتركة فيه عزمها على التهادن فيما بينها وتوجيه جميع

стр. 439

جهودها وقواها ضد العدو المشترك. وكاد هذا الحلف الصليبي يتم لولا أن البابا اشتدَّ عليه أثر الصدمة العنيفة من نبأ سقوط القسطنطينية فأضناه الكمد والهمّ فمات في ٢٥ من آذار (مارس) سنة ١٤٥٥م، وترك لخلفائه مواصلة العمل لإكمال ما شرع فيه. وكان من أعظم الناس تأثراً باستيلاء العثمانيين على القسطنطينية فيليب الطيب دوق (بورغنديا)، وقد كان هذا الدوق بطبعه ذا نزعة صليبية عارمة، وكان من أشد الناس حماسة لقتال العثمانيين من قبل سقوط القسطنطينية. فلما استولى العثمانيون على هذه المدينة وجاءه رسول البابا سنة ١٤٥٣ م يستحثّه على قتال محمد الفاتح، التهب حماسة وحمية واستنفر جميع النصارى إلى هذا القتال، وذهب بنفسه إلى ألمانيا يستنهض إمبراطورها فريدريك الثالث الذي وعده خيراً. وبعث هذا الإمبراطور بدوره إلى ملك فرنسا شارل السابع، ولم يكن شارل في حاجة إلى مثل هذه الإثارة والتحريض، فقد كان يتحفز حمية وشوقاً إلى قتال العثمانيين، ولكن كان عليه إذ ذاك أن يواجه عدواً آخر أكثر قرباً منه وأشد خطراً عليه وهم الإنكليز، فرأى أن ينهي أمره معهم أولاً، ثم يتفرغ بعد ذلك للعثمانيين، واكتفى آنئذٍ بأن عاون في تقوية تحصينات جزيرة (رودس) التي كان يتوقع أن يغزوها السلطان الفاتح. أما الدوق فيليب الطيب، فإنه ما إن عاد إلى (فلاندرس) حتى أقام حفلة تمثيلية في مدينة (ليل Lille) لاستثارة الحمية والنخوة، دعا إليها نبلاء قومه. وعرض في هذه الحفلة منظراً يمثل سقوط القسطنطينية واستغاثتها بحماة النصرانية، وأعلن الدوق بعد ذلك أنه سيسير بنفسه إلى قتال العثمانيين، وحذا حذوه جميع النبلاء والفرسان.

стр. 440

ولم تلبث أن تحولت فكرة قتال العثمانيين إلى قتال المسلمين كافة وغزو بلادهم انتقاماً للقسطنطينية (١). أما النصارى الذين كانوا يجاورون السلطان الفاتح أو يتاخمونه في (طرابزون) و (آماسيا) وبلاد (الموره) و (لسبوس) وغيرها، فقد اضطرهم قربهم من الفاتح أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم إلى السلطان في (أدرنه) لتهنئته على انتصاره العظيم، وكان في مقدمة هؤلاء المهنئين رسل حاكمي (الموره) أخوي الإمبراطور قسطنطين. ولم يجد السلطان الفاتح بدّاً من مواصلة الحرب إزاء الثورة العارمة والسخط الشديد في أوروبا، فاستطاع أن يقضي على كل الدول النصرانية القريبة من (بيزنطة)، فقضى على قوات البلقان والبلغار، وهزم المجر هزيمة ساحقة. عند ذلك بدأت أوروبا تنصرف عن حرب العثمانيين، إذ وجدت أن بُعد المسافة وسوء المواصلات في ذلك الوقت، يحول دون قتال

стр. 441

العثمانيين. وظهر واضحاً أن هذه الاتفاقيات ووحدة الصف المسيحي لو تمَّت؛ فإنها لا تستطيع قهر العثمانيين أو التغلُّب عليهم، وبخاصة بعد معركة (نيكوبوليس) التي دافع فيها العثمانيون عن مركزهم بنجاح أذهل ملوك أوروبا وأمراءها وشعوبها، وكانت نتيجة هذه المعركة خيبة أمل المسيحيين بدرجة لم يعد معها من السهل استثارة الأوروبيين من جديد لحرب المسلمين. كما أن هذه الحملات كانت تستلزم جمع المال الوفير للاستعداد للحرب، ولتحرير الأسرى بعد الحرب، ولم يعد الأوروبيون يطمئنون بسهولة إلى إنفاق أموالهم في حملات غير مضمونة النتائج ولا مأمونة العواقب. ولكن بالرغم من ذلك لم تكن البابوية زعيمة المسيحية لتنصرف إلى اليأس أو تخلد إلى السكون، فكانت تخشى اعتداء العثمانيين على البلاد المجاورة لهم والتي تخضع للنفوذ البابوي الديني، فحوّلت البابوية الفكرة الصليبية من محاولة انتزاع الأرض المقدسة من المسلمين إلى صراع دفاعي هدفه إنقاذ أوروبا الكاثوليكية من العثمانيين. لذلك حاول البابا بيوس الثاني بكل ما أوتي من مقدرة خطابية ومهارة سياسية تأييد الفكرة الصليبية الجديدة، وحاول توحيد أوروبا ضد العثمانيين. فقد حاول أولاً أن يقنع العثمانيين باعتناق الدين المسيحي، ولكنه لم يرسل البعثات التبشيرية لذلك الغرض إلى القسطنطينية أو إلى (أدرنه) وبلاد العثمانيين الأخرى، بل اكتفى بإرسال خطاب إلى السلطان الفاتح يطلب منه أنْ يعضد المسيحية كما عضدها من قبله قسطنطين وكلوفيس، وأن يكفِّر عن خطاياه باعتناق المسيحية ويُخلِص لهذا الدين.

стр. 442

وبالطبع كانت محاولته هذه عبثاً من العبث، وأكبر الظن أنه كان يعلم مقدماً بأن الفاتح لا يوافق على هذه الدعوة ولا يعتبرها دعوة جدّيّة تستحق أقل الاهتمام. ولما أخفق البابا في محاولته هذه، لجأ إلى خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، وذلك عن طريق إقناع الدول المسيحية بتكوين حملة صليبية جديدة ضد العثمانيين؛ ولكن الدول الأوروبية والجمهوريات الإيطالية لم تنفذ هذا المشروع بالرغم من الخطر الذي يهدد معظمها، وبالرغم من أن القيام بحملة صليبية مازالت من المثل العليا الأوروبية. فقد وعدت بعض الدول بالاستعداد لتحقيق فكرة البابا، وعندما جاء وقت العمل اعتذرت دول عديدة بكثرة مشاغلها ومتاعبها الداخلية، وانتهى الأمر باتفاق الملكيات الأوروبية والجمهوريات الإيطالية في (لودي) على الاتحاد ضد العثمانيين وذلك في عام (١٤٥٤ م)، ولكن ذلك الاتفاق سرعان ما تحطَّم، فقد انفصلت (البندقية) عن الاتحاد وعقدت معاهدة صداقة وحسن جوار مع العثمانيين رعاية لمصالحها التجارية وغيرها في الشرق الأدنى، وقامت الحرب على قدم وساق في شبه الجزيرة الإيطالية، واهتم الكاثوليك باضطهاد أتباع (يوحنا هوس) أكثر من اهتمامهم بمحاربة المسلمين. وكانت إنكلترا منهمكة في مشاغلها الدستورية وحروبها الأهلية. أما فرنسا فقد خرجت من حرب المئة عام وهي في حالة داخلية لا تسمح لها بإشعال حرب ضد العثمانيين، كما كانت إسبانيا تناضل في ذلك الوقت في سبيل وحدتها القومية ضد المسلمين في الأندلس.

стр. 443

لقد قدَّرت البابوية وقدرت دول الغرب الخطر الحقيقي الداهم نتيجة لسقوط القسطنطينية بيد العثمانيين، وقد شعروا جميعاً أنهم بفقد هذه المدينة فقدوا أعظم عضد وأمنع معقل يحمي النصرانية في المشرق، وشعرت الأمم النصرانية كلها بأنها تواجه موجة جديدة من الخطر الداهم مشحونة بالويل والثبور على حاضرها ومستقبلها. لقد بدأت الفتوح العثمانية تنساب بسرعة مذهلة إلى شمال البلقان وجازت إلى ما وراء الدانوب، وبدأت القوة البحرية العثمانية تتوغَّل في مياه البحر الأبيض المتوسط وتهدد سيادة البندقية وجنوا البحرية، وكان استيلاء الفاتح على ثغر (أوترانتو) في جنوب إيطالية سنة (١٤٨٠ م) عاملاً جديداً في إذكاء الفزع والروع في إيطالية وباقي الأمم النصرانية. والحقيقة أن سقوط القسطنطينية كان فاتحة لسلسلة طويلة من الفتوح والانتصارات العثمانية الباهرة في البر والبحر، ولم يأتِ أواسط القرن السادس عشر حتى استطاع العثمانيون أن يبسطوا سلطانهم على مناطق شاسعة في أوروبا الوسطى مثل المجر ورومانيا وجنوب بولونيا وأجزاء من شرق النمسا، وزحف العثمانيون على (فْيِنَّا) وحاصروها لأول مرة في سنة (١٥٢٩ م)، ثم حاصروها للمرة الثانية في سنة (١٦٨٣ م)، وبالرغم من إخفاق العثمانيين في هذين الحصارين الشهيرين، فإن مجرَّد وصول الفتوح العثمانية الى قلب أوروبا النصرانية على هذا النحو، كان مثار الروع في جميع الأمم الأوروبية، وكان في أحيان كثيرة عاملاً من عوامل جمع كلمة العروش النصرانية واتحادها على مقاومة الخطر المشترك ورد الغزاة إلى الجنوب والشرق. ولم تستطع الدول الأوروبية أن تفعل شيئاً حاسماً ضد العثمانيين

стр. 444

نظراً لظروفها الداخلية واستشراء العداوة فيما بينها، كما أن العثمانيين كانوا في أوج قوتهم وعظمتهم، وكانوا يسيرون على الطريق الصحيح إدارة وتنظيماً وقيادة. لقد كان سقوط القسطنطينية كارثة قاصمة للدول الغربية، وكان نصراً حاسماً للإسلام والمسلمين. فقد استقبلت دول الشرق الإسلامي فتح القسطنطينية بأعمق مشاعر الفرح والحبور، بعكس استقبال دول الغرب لهذا الفتح، إذ عمَّ الفرح والابتهاج بين المسلمين في ربوع آسيا وإفريقية. وما إن وصل رسل السلطان الفاتح إلى مصر والحجاز وفارس والهند وهي أكبر الدول الإسلامية في ذلك الوقت يحملون نبأ هذا الفتح حتى هلَّل المسلمون وكبَّروا، وأذيعت البشائر من منابر المساجد وأقيمت صلوات الشكر، وزُيِّنَت المنازل والشوارع والدكاكين والحوانيت، وعلِّقت على الجدران والحوائط الأعلام والأقمشة المختلفة الألوان، وأمضى الناس في هذه البلاد أياماً كأحسن ما تكون أيام الأعياد الإسلامية روعة ورونقاً وبهاء. وندع المؤرخ المصري المعاصر أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور الناس وحالهم في القاهرة بعد أن وصل إليها رسول السلطان الفاتح ورفقته في الثالث والعشرين من شوال سنة سبع وخمسين وثمانمئة الهجرية (٢٧ من تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٤٥٣ م) بنبأ فتح القسطنطينية ومعهم الهدايا وأسيران من عظماء الروم، قال: "قلت ولله الحمد والمنَّة على هذا الفتح العظيم، وجاء القاصد المذكور ومعه أسيران

стр. 445

من عظماء اسطنبول، وطلع بهما إلى السلطان - سلطان مصر إينال - وهما من أهل قسطنطينية وهي الكنيسة العظمى باسطنبول، فسُرَّ السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم، ودُقَّت البشائر لذلك، وزُيِّنت القاهرة بسبب ذلك أياماً. ثم طلع القاصد المذكور، وبين يديه الأسيران إلى القلعة في يوم الإثنين الخامس والعشرين من شوال، بعد أن اجتاز القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة، وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت والأماكن وأمعنوا في ذلك إلى الغاية، وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل ... " (١). ويقول ابن تغري بردي في كتاب آخر: "ثم طلع قاصد متملك بلاد الروم ورفقته إلى القلعة من غير أن يحضر القضاة، وتمثَّلوا بين يدي السلطان، وقدَّموا ما معهم من الهدية التي أرسل بها مرسلهم، وكانت تسعة أقفاص ... ، فقبلها السلطان ورحَّب به، ثم أنزل إلى محل إقامته ومعه رفقته وهم يتفرَّجون في الزينة، وكانت عظيمة واستمرت أياماً، وتغالى العوام في شأنها مع استمرار دق البشائر في صباح كل يوم أياماً" (٢). ويقول ابن إياس صاحب كتاب (بدائع الزهور): "فلما بلغ ذلك دقت البشائر بالقلعة ونودي في القاهرة بالزينة، ثم إن السلطان عيَّن برسباي أمير خور ثاني رسولاً إلى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح". وما يقال عن الأفراح التي أقيمت بمصر، يقال عن الأفراح التي أقيمت في كل بلد إسلامي في آسيا وإفريقية. لقد كان من حق المسلمين أن يحتفلوا بهذا النصر الإسلامي الحاسم.

стр. 446

خريطة البلقان

стр. 447

٢١ - الفتوح: أ) كان فتح القسطنطينية أول الغيث، ثم انهمرت الفتوح عليه. وليس في نيّتي تفصيل فتوحه، ولكنني سأمر عليها مرَّ الكرام لإعطاء صورة مختصرة جداً عنها. لقد كانت للعثمانيين سيادة على كثير من أجزاء البلقان، ولكنها كانت سيادة مزعزعة تقوى حيناً وتضعف حيناً، ولكن بعد أن وضع الفاتح يده على القسطنطينية - مفتاح أوروبا الشرقية - تيسرت الطريق وتوطدت سيادة العثمانيين، وبدأت حقاً إمبراطوريتهم في أوروبا، وسهل على محمد الفاتح فتح البلاد الصربية واليونان والأفلاق (١) والقريم والجزر الرئيسية في بحر الأرخبيل، وتم ذلك كله في خلال بضعة وعشرين عاماً من حكمه، ولم يزد خلفاؤه من بعده شيئاً ذا بال على فتوحاته بأوروبا. وكان أول هدف قصده الفاتح هو صربية التي تحدها من الغرب الدولة المجرية الكاثوليكية، وكان الصرب متعصبين لمذهبهم الأرثوذكسي تعصب الروم له. وكانت بعض أجزاء صربية تحت سيطرة العثمانيين، وكان بعض أجزائها تحت سيطرة المجر، وكانت إذا جاءها الخطر من قبل العثمانيين لاذت بالمجر، وإذا جاءها الخطر من قبل المجر لاذت بالعثمانيين. وكان أمير صربية إذ ذاك (جورج برنكوفيتش)، وبالرغم من أنه كان يدفع الجزية للعثمانيين لم يكن في الحقيقة مخلصاً في تبعيّته لهم، بل كان يخادعهم ويداجيهم ويتربص بهم، أو كما قال السلطان الفاتح نفسه

стр. 448

عنه: "كان يُظهر الصداقة ويُبطن العداوة". فلما جاءه رسول هونياد المجري يعرض عليه الاشتراك في الحلف الذي ستعقده بعض الدول الأوروبية ضد الفاتح الذي عظم خطره على أوروبا بعد فتحه القسطنطينية، بادر إلى الموافقة عليه وتأييده. ولم يخف أمر ذلك على السلطان الفاتح الذي كان يبث العيون والأرصاد في كل مكان. ولتفادي هذا الخطر، بادر إلى غزو صربية قبل أن تتخذها القوات المتحالفة قاعدة للهجوم على العثمانيين، فلما علم جورج برنكوفيتش بزحف السلطان الفاتح نحوه، أمر الناس أن يلجؤوا إلى الأماكن الحصينة وفرّ هو إلى المجر بعد أن وعدهم أنه سيأتيهم بالمدد والقوة من هناك. وأفزع ذلك البابا وشرع للنصارى صلاة التبشير فتدق النواقيس ويتوجه النصارى إلى العذراء يسألون العون ويطلبون النصر على العثمانيين، وطلب البابا إلى الناس في جميع بلاد النصرانية ألا يغفلوا عن دق الناقوس صباح كل يوم والذي سماه: ناقوس الأتراك. ودعا البابا أهل أوروبا إلى قتال العثمانيين، واختار هونياد المجري ليتولى قيادة الحملة الصليبية يعاونه في ذلك مندوبه (جان أنجيلو Jean Angelo) وذلك الراهب الخطيب المتحمس (جان كابسترانو) وكثير غيرهما من رجال الدين. وتكوَّن حلف صليبي ضد العثمانيين اشترك فيه ملك المجر وملك (أرجونة) وعدة من أمراء إيطاليا ودوق (بورغنديا) والبنادقة والجنويون وفرسان (رودس) وألمانيا وبوهيميا وبولندا وصربية. ولم ينتظر الفاتح حتى يدهمه الهجوم، بل سار إلى بلغراد في مئة

стр. 449

وخمسين ألف مقاتل، وحاصر تلك المدينة براً وبحراً، ودارت معارك طاحنة حولها، وتكبد الفريقان خسائر فادحة، وجرح السلطان الفاتح في فخذه جرحاً بليغاً نزف الدم منه فسقط عن ظهر جواده مغشياً عليه، وكاد يقع في الأسر لولا استقتال رجاله دفاعاً عنه. وانسحب السلطان الفاتح بجنوده، وأقيمت الاحتفالات في جميع أنحاء العالم المسيحي لاسيما روما مقر البابوية، حيث أقيمت احتفالات ومهرجانات عظيمة، وأمر البابا بأن يتخذ اليوم السادس من أغسطس سنة (١٤٥٦م) وهو اليوم الذي انتصر فيه الجيش الصليبي على العثمانيين (عيد التجلي). وأعاد السلطان الفاتح الكرة على صربية، فانتصر انتصارات حاسمة على الصربيين سنة ثلاث وستين وثمانمئة الهجرية (١٤٥٩م)، فأصبحت صربية عدا بلغراد ولاية من ولايات العثمانيين من ذلك الحين. كما أصبحت (البوسنة) كلها سنة سبع وستين وثمانمئة الهجرية (١٤٦٣م) ولاية من ولايات العثمانيين، وأقبل أهلها على اعتناق الإسلام. كما أصبحت (الهرسك) بعد عام ولاية من ولايات العثمانيين، وأقبل أهلها على اعتناق الإسلام. وأصبحت (أثينا) في حكم العثمانيين نهائياً سنة أربع وستين وثمانمئة الهجرية (١٤٦٠ م)، كما أصبحت (الموره) ولاية عثمانية أيضاً في السنة نفسها، وبذلك أصبحت اليونان كلها للدولة العثمانية.

стр. 450

وفي سنة ست وستين وثمانمئة الهجرية (١٤٦٢م) أكمل السلطان الفاتح ضم جزر بحر الأرخبيل إلى الدولة العثمانية. وفي سنة أربع وثمانين وثمانمئة الهجرية (١٤٧٩م) استتب الأمر للعثمانيين في الأفلاق ( Valachia) وهي من رومانيا. ومهد لفتح البوغدان ( Moldavia) حتى استسلمت لابنه بايزيد الثاني سنة اثنتين وستين وتسعمئة الهجرية (١٥٥٤م). وفتح أماصرة وهي مدينة على البحر الأسود في آسيا سنة خمس وستين وثمانمئة الهجرية (١٤٦١هـ). واستولى على إمارة سينوب الواقعة على البحر الأسود في آسيا في السنة نفسها. وفتح أرضروم في السنة نفسها أيضاً، وكانت قد حالفت الصليبيين ضد السلطان محمد الفاتح. وفتح (طرابزون) (١) أيضاً، وكان إمبراطورها قد حالف الصليبيين ضد السلطان محمد الفاتح، وقد تم فتحها في سنة ست وستين وثمانمئة الهجرية (أواخر سنة ١٤٦١م). وبذلك قضى السلطان محمد بما أظهره من حسن السياسة ونفاذ البصيرة وقوة العزيمة وسرعة الحركة على تلك المحالفة الكبرى

стр. 451

أو المؤامرة الكبرى التي دبرت للقضاء عليه وعلى دولته، وقد كانت تلك المؤامرة معقد آمال كبيرة للمشتركين فيها لاسيما امبراطور طرابزون وأمير أرضروم والبابا. كما طهّر الفاتح حدوده الشمالية من كل خطر، فامتدت أملاكه حتى البحر الأسود شمالاً. ب) وجدّ البابا (١) في إعداد حملة صليبية جديدة، وقد أرادها هذه المرة أن تكون حملة فريدة، إذ قرر أن يخرج بنفسه في هذه الحملة، وكتب إلى الأمراء في البندقية وبورغنديا للخروج مع قواتهم حتى يلقي في نفوس المسلمين الروع والرهبة. وفي يوم ٢٢ من تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٤٦٣ م أذاع البابا منشوراً حماسياً بليغاً على جميع النصارى دعاهم فيه إلى الحرب المقدسة ضد العثمانيين، وأعلن أن احتشاد الجيوش سيكون في مدينة (أنكون (٢) Ancone) ، وأنذر أنّ صواعق الكنيسة ستنزل على المتخاذلين والذين يعكرون صفو السلام في الداخل بمحاربة بعضهم بعضاً. ولكي يجمع البابا أكبر قدر من المال، أمر ببيع صكوك الغفران في جميع أرجاء القارة الأوروبية، وجعل لكل ذنب ثمناً محدداً، والصك الكامل لغفران جميع الذنوب كان ثمنه عشرين ألف فلورن. وفي يوم (١١ من تشرين الثاني سنة ١٤٦٣ م) كتب البابا إلى دوق البندقية:

стр. 452

"إنه عزم أن يقوم في الصيف القادم بحملة ضد العثمانيين بصحبة الكرادلة والجنود المغاوير ... ". وكتب البابا إلى أمير ألبانيا وغيره يحثهم على حشد جنودهم للحرب المقدسة ضد العثمانيين. ولم يكن السلطان الفاتح في غفلة عما يدبره البابا وحلفاؤه ويعدونه لمحاربته، فحاول أن يفسد هذه المحالفة الصليبية الكبرى ضده، ولكنه أخفق في مسعاه فلم يبق أمامه إلا أن يعتمد على نفسه وعلى قوته، وتأهب لملاقاة الحملة الصليبية التي ستهاجمه من أوروبا وآسيا. واطمأن البابا إلى نجاح خطته، ورسخ في قلبه أن الحملة القادمة ستقضي قضاء مبرماً على الدولة العثمانية، وفي (١١ من حزيران - يونيو - ١٤٦٤م) أدى البابا بيوس الثاني آخر صلواته في كنيسة الرسل بروما، ثم بدأ سيره إلى (أنكون) ليبحر منها إلى الشرق. وهذه أول مرة في تاريخ البابوية والنصرانية وآخر مرة أيضاً، يخرج فيها البابا من روما ليتولى قيادة حملة صليبية بنفسه، وقد انتابت البابا عند بدء سفره من روما حمى خفيفة، ولكنه لم يحفل بها وطلب إلى أطبائه ألا يذكروا عن ذلك لأحد شيئاً. لم تمضِ على رحلته ثلاثة أيام، حتى بلغه أن جموع الصليبيين المحتشدين في مدينة (أنكون) يجأرون بالشكوى لأنهم لا يجدون ما يستعينون به على السفر، فأوفد إليهم البابا: الكاردينال (جان كرفجال Jean Carvajal) لتهدئتهم. ولم يكد يقترب البابا من بحر

стр. 453

الأدرياتيك حتى شاهد مجموعات من الصليبيين وهم يعودون إلى أوطانهم، قد انصرفوا عن هذه الحملة المقدسة!. وكان بين المحتشدين في (أنكون) عدد كبير من رجال الحرب الأشداء المدربين على القتال، ولكنهم لما وجدوا أن الكنيسة لا تدفع إليهم شيئاً غير صكوك الغفران، ازْوَرُّوا عنها وانصرفوا إلى بلادهم ساخطين ساخرين!! ... وكان قد توافد كثير من العامة والبسطاء من أرجاء أوروبية كثيرة إلى (أنكون) بدون سلاح ولا أرزاق ولا مال، دفعتهم الحماسة الدينية الساذجة التي تتأجج في صدورهم، وكانوا واثقين أنهم سيُزَوَّدون بكل ما يحتاجون إليه من سلاح وأرزاق ومال إن لم يكن ذلك بوسيلة من وسائل الأرض فبمعجزة من معجزات السماء ... وطال بهم الانتظار، وألحّ عليهم الجوع، ولم يغن عنهم البابا شيئاً، لذلك فترت عزيمتهم وخابت آمالهم، وعادوا أدراجهم إلى أوطانهم في حالة يرثى لها. والتقوا بالبابا وهو يتهادى في محفته، فحزّ في نفسه أن يكون أول ما تقع عليه عينه انصراف هؤلاء إلى بلادهم، وأول ما تسمع أذنه قولهم: "هل نشبع بصكوك الغفران؟! هل نطعم أهلنا صكوك الغفران"؟!. وقال البابا فيما قال: " ... على أني لن أخوض غمار القتال بنفسي، فإن ضعف بنيني وجلال الكهنوتية التي لا يليق بها الضرب بالسيف يحملانني على الابتعاد عنه. ولكنني سأجثو على ركبتيَّ على كوثل (١) مرتفع أو على قمة جبل، وبين يديّ القربان المقدس،

стр. 454

وستحيطون أنتم بي (١) من حولي، وندعو الله بقلوب خاشعة ذليلة أن يهب النصر لجنودنا"، وكان هذا نص كلامه حين خطب الكرادلة. ومن الواضح أن البابا كان يزمع أن يحوز النصر على العثمانيين الأقوياء بالدعوات!! وحطَّ البابا رحاله في (أنكون) ينتظر ما سيمده به ملوك وأمراء أوروبا من جند وعتاد وسلاح ومواد تموينية وسفن حربية وسفن نقل، ولكنه لم يجد شيئاً مما كان قد أمّل، إذ لم تؤت دعوته ما كان يتوقعه؛ ففرنسا قد شغلتها دسائس ملكها لويس الحادي عشر ومكائده، وألمانية قد شملتها الفوضى والاضطرابات تحت حكم إمبرطورها الضعيف فردريك الثالث، وأمير البندقية التحق بالبابا كرهاً لا طوعاً، واعتذر دوق البندقية عن الالتحاق بالحملة متعللاً بعدم قدرته على السير بنفسه وبأسباب داخلية. واغتم البابا لعدم تلبية دعوته غماً شديداً، وثارت به العلل والأسقام، ورزحت تحت وطأتها القاتلة شيخوخته الذابلة. وعندما شاهد أسطول البندقية في الميناء على أهبة السفر قال فى توجع وحسرة: "لقد كنت قبل اليوم أنشد الأسطول لأبحر به فلا أجده، وهاهو ذا اليوم يحضر إليّ فلا يجدني"، فقد أحس الوهن يسري في جسمه، وشعر بدنو أجله، فدعا إليه جميع الكرادلة لتوديعهم، وطلب منهم أن يصلُّوا لأجله.

стр. 455

خريطة تبين مدى اتساع رقعة الدولة العثمانية في عهد السلطان الفاتح وأهم الفتوحات العثمانية في آسيا الصغرى.

стр. 456

ومات البابا بيوس الثاني بين أيدي الكرادلة في (١٤ من آب - أغسطس - ١٤٦٤م). وهكذا انتهت الحملة الصليبية الفريدة التي دعا إليها البابا بيوس الثاني للقضاء على الدولة العثمانية. على أن أثرها لم يقف عند هذا الإخفاق وهذه المأساة المحزنة، فإنها فوق ذلك أشاعت في نفوس النصارى نوعاً من القنوط واليأس من إعداد أي حملة صليبية أخرى ضد العثمانيين. ولم يفت البابا بيوس الثاني قبل موته بعد أن تحقق من إخفاق الحملة التي أعدها أن يعود إلى محاولته الأولى، فوجّه نداء آخر إلى السلطان الفاتح دعاه فيه إلى التنصر. وكان ذلك آخر عمل قام به البابا بيوس الثاني في سبيل النصرانية. ج) ونشب القتال بين العثمانيين والبندقية في (الموره) واليونان وجزر بحر الأرخبيل ودامت الحرب ثلاث سنوات انتهت سنة (١٤٦٤م)، فلم يكن لها من نتيجة غير الدمار والخراب على الروم الذين أخذوا يلوذون بالعثمانيين وينشدون حمايتهم. كما نشب القتال بين العثمانيين وإمارة (القرمان) التي كانت واحدة من الإمارات العشر التي قامت على أنقاض الدولة السلجوقية، وكانت أشدّها بأساً وأقواها شكيمة وأوسعها رقعةً، انتهت في ربيع سنة خمس وسبعين وثمانمئة الهجرية (١٤٧١م)، بفتح (القرمان) وضمها إلى الدولة العثمانية.

стр. 457

واختار الكرادلة بول الثاني من أهل البندقية ليكون خلفاً لبيوس الثاني، فلم تكد تتم مراسم تتويجه حتى جمع الكرادلة وشاورهم في أنجع الوسائل للقيام بالحرب المقدسة ضد العثمانيين. وما لبث البابا أن شغل عن هذا الأمر وانصرف إلى محاربة ملك بوهيميا (جورج بوديبراد George Podebrad) لحماية المنحرفين عن الكثلكة في بلاده. ووجَّه الفاتح الذي صمم أن ينزل ضربة قوية بالبندقية حملة إلى مستعمرتها الكبرى جزيرة (نيجربون Negrpont) التي تُعدّ من أكبر جزر بحر الأرخبيل والتي تقع في الناحية الغربية من هذا البحر لا يفصلها عن الأرض اليابسة اليونانية غير قناة بحرية تعرف بقناة (أوريب Euripe) ، فاستطاع اقتحامها في اليوم الثالث عشر من محرم الحرام سنة خمس وسبعين وثمانمئة الهجرية (١٢ من تموز - يوليو - ١٤٧٠م). وكان لسقوط (نيجربون مجنّ المسيحية وحصنها دوي هائل في الغرب بأسره، فإن الناس في أوروبا إلى ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن قوة العثمانيين في البر وحده، وكان فتح هذه الجزيرة دليلاً على أن قوة العثمانيين في البحر أيضاً، وبذلك أصبحت الشواطئ الإيطالية مفتوحة أمام العثمانيين. لذلك انصرف البابا بولص الثاني بكل قواه إلى جعل إيطاليا كلها جبهة واحدة أمام العثمانيين، فربطها بحلف واحد وثيق أذيع على الناس يوم (٢٢ من كانون الأول - ديسمبر - ١٤٧٠م) وأقيمت له الأفراح والأعياد في كل مكان. ولم يكتفِ البابا بولص الثاني بهذه الجبهة الإيطالية المتحدة،

стр. 458

بل أراد أن يقيم سداً منيعاً في كل موضع قد يتقدم منه العثمانيون، فأصلح ما بين الإمبراطور فردريك الثالث وماتياس كورفان ملك المجر وجعلهما يداً واحدة على العثمانيين. واستطاع الصليبيون الاتصال بأمير تركماني هو أوزون (١) حسن وعقد محالفة معه، وكان يحكم الحدود الشرقية للدولة العثمانية، ولكن السلطان الفاتح انتصر على جيش أوزون حسن سنة ثمان وسبعين وثمانمئة الهجرية (١٤٧٣م) في إقليم أرزنجان وكبَّده خسائر فادحة. وعلى أثر وفاة البابا بولص الثاني في (تموز سنة ١٤٧١م)، خلفه على كرسي البابوية (سيكست الرابع Sixte IV) ، فواصل جهود سلفه في محاربة العثمانيين، ورأى أن أول خطوة يجب خطوها في هذا السبيل هو أن يستأصل جميع أسباب الشقاق والنزاع بين ملوك أوروبا ويصلح ما بينهم ويوحّد جهودهم وقواهم ويوجهها جميعاً نحو غاية مشتركة هي تحطيم الدول العثمانية؛ لذلك بعث كردنالاً ليصلح ما بين لويس الحادي عشر ملك فرنسا وشارل (دون بورغنديا) ويزيل ما بينهما من خلاف ويؤلبهما على محمد الفاتح، ولمثل هذا الغرض بعث كردنالاً آخر إلى ملكي (أرجونة) في إسبانيا والبرتغال وكردنالاً ثالثاً إلى ملكي بولندا والمجر، وجمع البابا كل ما قدر عليه من مال لتجهيز الحملة الصليبية إلى الشرق. على أن الرسل الذين بعثهم إلى مختلف الملوك لم يحرزوا في أداء رسالتهم ما كان ينتظره من النجاح والتوفيق، وأسفرت الجهود الأخيرة

стр. 459

التي بذلها البابا عن تكوين حلف ثلاثي بينه وبين البندقية ونابولي عرف باسم حلف (كارافا Garaffa) ، وهو اسم المندوب البابوي الذي إليه يرجع أكبر الفضل في عقده. وكانت البندقية قد أرسلت أسطولها البحري إلى الشرق بقيادة (بترو موسينجو)، وقد وجَّه حملته هذه نحو آسيا، حيث يكون أغلب سكانها من المسلمين. وتشجيعاً لجنوده وعد بأن يمنح دوقة ذهبية مكافأة لكل من يأتيه برأس مسلم، وهي مكافأة سخية مغرية أدت إلى قتل آلاف من نصارى الروم وقدمت رؤوسهم على أنها رؤوس مسلمين! ووعد بمنح ثلاث دوقات ذهبية لمن يأتيه بأسير رجلاً كان أو امرأة. وكان (موسينجو) قد قام بتخريبات واسعة النطاق في شواطئ آسيا الصغرى، عندما جاءته في أوائل محرم الحرام سنة سبع وسبعين وثمانمئة الهجرية (منتصف حزيران - يونيه - ١٤٧٢م) أمداد من السفن: ست عشرة منها أرسلتها نابولي، وتسع عشرة أرسلها البابا. وانضمت إلى هذا الأسطول الصليبي بعد ذلك سفينتان لرودس، فبلغت وحداته بذلك خمساً وتسعين سفينة. أغارت هذه السفن على (انطالية) وهي مدينة تجارية كبيرة في جنوب آسيا الصغرى حافلة بمختلف البضائع، وأغارت على شواطئ (أيونيا)، وأغارت على (أزمير)، فدمروا المساجد والكنائس وقتلوا المسلمين والمسيحيين. وفي السنة التالية أي سنة ثمان وسبعين وثمانمئة الهجرية

стр. 460

(١٤٧٣م) تلقى (موسينجو) أمراً بأن يتبع في حملته القادمة الأوامر التي يصدرها الأمير التركماني الخائن أوزون حسن ويحاول الاتصال به، فواصل تخريباته في آسيا الصغرى التي كان يصحبها دائما أشد ضروب القسوة والفتك والتدمير وانتهاك المحرمات والمقدسات. ولكن (موسينجو) عاد إلى جزيرة (قبرس) بعد أن جاءه نبأ هزيمة أوزون حسن التي أدت إلى وقف الحملات النصرانية البحرية على مدن آسيا الصغرى. وطلب الفاتح إعداد ثلاثمئة سفينة للقيام بغزوة جديدة، وأمر بالتقدم نحو شبه جزيرة القريم في السادس والعشرين من محرم الحرام سنة ثمانين وثمانمئة الهجرية (أول حزيران - يونيو - ١٤٧٥م)، ففتح مدينة (كفه) وهي أكبر قاعدة تجارية للجنويين في القريم، وفتح شبه جزيرة القريم بسهولة. وبسيطرة العثمانيين على القريم وسيطرة أسطولهم على البحر الأسود، أصبح هذا البحر بحيرة عثمانية لا ينازعهم في سيادتها منازع. وبقي أمام السلطان الفاتح ألد أعدائه: البندقية. وهاجم الفاتح المدن التي تخضع للبنادقة، بل هاجمهم في عقر دارهم، فاجتمع مجلس الشيوخ وقرر عقد صلح مع الفاتح وذلك يوم (٢ من مايس - مايو - ١٤٧٨م)، ولكن موافقة البندقية على شروط الفاتح جاءته متأخرة، لأنه كان في طريقه على رأس جيشه إلى (ألبانيا). وفي اليوم الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين
следующие страницы →