ومات البابا بيوس الثاني بين أيدي الكرادلة في (١٤ من آب - أغسطس - ١٤٦٤م).
وهكذا انتهت الحملة الصليبية الفريدة التي دعا إليها البابا بيوس الثاني للقضاء على الدولة العثمانية. على أن أثرها لم يقف عند هذا الإخفاق وهذه المأساة المحزنة، فإنها فوق ذلك أشاعت في نفوس النصارى نوعاً من القنوط واليأس من إعداد أي حملة صليبية أخرى ضد العثمانيين.
ولم يفت البابا بيوس الثاني قبل موته بعد أن تحقق من إخفاق الحملة التي أعدها أن يعود إلى محاولته الأولى، فوجّه نداء آخر إلى السلطان الفاتح دعاه فيه إلى التنصر.
وكان ذلك آخر عمل قام به البابا بيوس الثاني في سبيل النصرانية.
ج) ونشب القتال بين العثمانيين والبندقية في (الموره) واليونان وجزر بحر الأرخبيل ودامت الحرب ثلاث سنوات انتهت سنة (١٤٦٤م)، فلم يكن لها من نتيجة غير الدمار والخراب على الروم الذين أخذوا يلوذون بالعثمانيين وينشدون حمايتهم.
كما نشب القتال بين العثمانيين وإمارة (القرمان) التي كانت واحدة من الإمارات العشر التي قامت على أنقاض الدولة السلجوقية، وكانت أشدّها بأساً وأقواها شكيمة وأوسعها رقعةً، انتهت في ربيع سنة خمس وسبعين وثمانمئة الهجرية (١٤٧١م)، بفتح (القرمان) وضمها إلى الدولة العثمانية.
стр. 457
واختار الكرادلة بول الثاني من أهل البندقية ليكون خلفاً لبيوس الثاني، فلم تكد تتم مراسم تتويجه حتى جمع الكرادلة وشاورهم في أنجع الوسائل للقيام بالحرب المقدسة ضد العثمانيين. وما لبث البابا أن شغل عن هذا الأمر وانصرف إلى محاربة ملك بوهيميا (جورج بوديبراد George Podebrad) لحماية المنحرفين عن الكثلكة في بلاده.
ووجَّه الفاتح الذي صمم أن ينزل ضربة قوية بالبندقية حملة إلى مستعمرتها الكبرى جزيرة (نيجربون Negrpont) التي تُعدّ من أكبر جزر بحر الأرخبيل والتي تقع في الناحية الغربية من هذا البحر لا يفصلها عن الأرض اليابسة اليونانية غير قناة بحرية تعرف بقناة (أوريب Euripe) ، فاستطاع اقتحامها في اليوم الثالث عشر من محرم الحرام سنة خمس وسبعين وثمانمئة الهجرية (١٢ من تموز - يوليو - ١٤٧٠م).
وكان لسقوط (نيجربون مجنّ المسيحية وحصنها دوي هائل في الغرب بأسره، فإن الناس في أوروبا إلى ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن قوة العثمانيين في البر وحده، وكان فتح هذه الجزيرة دليلاً على أن قوة العثمانيين في البحر أيضاً، وبذلك أصبحت الشواطئ الإيطالية مفتوحة أمام العثمانيين.
لذلك انصرف البابا بولص الثاني بكل قواه إلى جعل إيطاليا كلها جبهة واحدة أمام العثمانيين، فربطها بحلف واحد وثيق أذيع على الناس يوم (٢٢ من كانون الأول - ديسمبر - ١٤٧٠م) وأقيمت له الأفراح والأعياد في كل مكان.
ولم يكتفِ البابا بولص الثاني بهذه الجبهة الإيطالية المتحدة،
стр. 458
بل أراد أن يقيم سداً منيعاً في كل موضع قد يتقدم منه العثمانيون، فأصلح ما بين الإمبراطور فردريك الثالث وماتياس كورفان ملك المجر وجعلهما يداً واحدة على العثمانيين.
واستطاع الصليبيون الاتصال بأمير تركماني هو أوزون (١) حسن وعقد محالفة معه، وكان يحكم الحدود الشرقية للدولة العثمانية، ولكن السلطان الفاتح انتصر على جيش أوزون حسن سنة ثمان وسبعين وثمانمئة الهجرية (١٤٧٣م) في إقليم أرزنجان وكبَّده خسائر فادحة.
وعلى أثر وفاة البابا بولص الثاني في (تموز سنة ١٤٧١م)، خلفه على كرسي البابوية (سيكست الرابع Sixte IV) ، فواصل جهود سلفه في محاربة العثمانيين، ورأى أن أول خطوة يجب خطوها في هذا السبيل هو أن يستأصل جميع أسباب الشقاق والنزاع بين ملوك أوروبا ويصلح ما بينهم ويوحّد جهودهم وقواهم ويوجهها جميعاً نحو غاية مشتركة هي تحطيم الدول العثمانية؛ لذلك بعث كردنالاً ليصلح ما بين لويس الحادي عشر ملك فرنسا وشارل (دون بورغنديا) ويزيل ما بينهما من خلاف ويؤلبهما على محمد الفاتح، ولمثل هذا الغرض بعث كردنالاً آخر إلى ملكي (أرجونة) في إسبانيا والبرتغال وكردنالاً ثالثاً إلى ملكي بولندا والمجر، وجمع البابا كل ما قدر عليه من مال لتجهيز الحملة الصليبية إلى الشرق.
على أن الرسل الذين بعثهم إلى مختلف الملوك لم يحرزوا في أداء رسالتهم ما كان ينتظره من النجاح والتوفيق، وأسفرت الجهود الأخيرة
стр. 459
التي بذلها البابا عن تكوين حلف ثلاثي بينه وبين البندقية ونابولي عرف باسم حلف (كارافا Garaffa) ، وهو اسم المندوب البابوي الذي إليه يرجع أكبر الفضل في عقده.
وكانت البندقية قد أرسلت أسطولها البحري إلى الشرق بقيادة (بترو موسينجو)، وقد وجَّه حملته هذه نحو آسيا، حيث يكون أغلب سكانها من المسلمين. وتشجيعاً لجنوده وعد بأن يمنح دوقة ذهبية مكافأة لكل من يأتيه برأس مسلم، وهي مكافأة سخية مغرية أدت إلى قتل آلاف من نصارى الروم وقدمت رؤوسهم على أنها رؤوس مسلمين! ووعد بمنح ثلاث دوقات ذهبية لمن يأتيه بأسير رجلاً كان أو امرأة.
وكان (موسينجو) قد قام بتخريبات واسعة النطاق في شواطئ آسيا الصغرى، عندما جاءته في أوائل محرم الحرام سنة سبع وسبعين وثمانمئة الهجرية (منتصف حزيران - يونيه - ١٤٧٢م) أمداد من السفن: ست عشرة منها أرسلتها نابولي، وتسع عشرة أرسلها البابا. وانضمت إلى هذا الأسطول الصليبي بعد ذلك سفينتان لرودس، فبلغت وحداته بذلك خمساً وتسعين سفينة.
أغارت هذه السفن على (انطالية) وهي مدينة تجارية كبيرة في جنوب آسيا الصغرى حافلة بمختلف البضائع، وأغارت على شواطئ (أيونيا)، وأغارت على (أزمير)، فدمروا المساجد والكنائس وقتلوا المسلمين والمسيحيين.
وفي السنة التالية أي سنة ثمان وسبعين وثمانمئة الهجرية
стр. 460
(١٤٧٣م) تلقى (موسينجو) أمراً بأن يتبع في حملته القادمة الأوامر التي يصدرها الأمير التركماني الخائن أوزون حسن ويحاول الاتصال به، فواصل تخريباته في آسيا الصغرى التي كان يصحبها دائما أشد ضروب القسوة والفتك والتدمير وانتهاك المحرمات والمقدسات.
ولكن (موسينجو) عاد إلى جزيرة (قبرس) بعد أن جاءه نبأ هزيمة أوزون حسن التي أدت إلى وقف الحملات النصرانية البحرية على مدن آسيا الصغرى.
وطلب الفاتح إعداد ثلاثمئة سفينة للقيام بغزوة جديدة، وأمر بالتقدم نحو شبه جزيرة القريم في السادس والعشرين من محرم الحرام سنة ثمانين وثمانمئة الهجرية (أول حزيران - يونيو - ١٤٧٥م)، ففتح مدينة (كفه) وهي أكبر قاعدة تجارية للجنويين في القريم، وفتح شبه جزيرة القريم بسهولة.
وبسيطرة العثمانيين على القريم وسيطرة أسطولهم على البحر الأسود، أصبح هذا البحر بحيرة عثمانية لا ينازعهم في سيادتها منازع.
وبقي أمام السلطان الفاتح ألد أعدائه: البندقية.
وهاجم الفاتح المدن التي تخضع للبنادقة، بل هاجمهم في عقر دارهم، فاجتمع مجلس الشيوخ وقرر عقد صلح مع الفاتح وذلك يوم (٢ من مايس - مايو - ١٤٧٨م)، ولكن موافقة البندقية على شروط الفاتح جاءته متأخرة، لأنه كان في طريقه على رأس جيشه إلى (ألبانيا).
وفي اليوم الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين
стр. 461
وثمانمئة الهجرية (١٥ من حزيران - يونيو - ١٤٧٨م) استسلمت (كرويا) المدينة المنيعة الحصينة في ألبانيا للفاتح.
وفي اليوم الثالث من ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وثمانمئة الهجرية (٢٦ من كانون الثاني - يناير - ١٤٧٩م) وقع ممثل البندقية باسم حكومته معاهدة الصلح بينها وبين السلطان الفاتح، وبمقتضاها تخلت البندقية عن (أرجوس) و (نيجربون)، وسلمت (لنموس) وجميع ألبانيا ماعدا بضعة مواقع على الساحل، وتدفع للسلطان الفاتح تعويضاً حربياً قدره مئة ألف دوقة، وضريبة سنوية قدرها عشرة آلاف دوقة.
وكانت هذه الشروط هي الشروط التي أصر على فرضها السلطان الفاتح على البندقية ليقبل معاهدة الصلح معها.
وأصبح في وسع الأسطول العثماني بعد إبرام هذه الاتفاقية أن يجوب بحار المشرق بحرية وأمان، كما جعل كبرى الدول الإيطالية فوق ذلك طوع يدي الفاتح.
وفي اليوم الرابع من جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وثمانمئة الهجرية (١١ من آب - أغسطس - ١٤٨٠م) استولى العثمانيون على مدينة (أوترانتو) الإيطالية. واستحوذ الفزع على البابا سيكست الرابع ولاح له أن روما ستسقط بيد العثمانيين كما سقطت القسطنطينية من قبل، وزاد في فزعه ما شاع من أن العثمانيين سينزلون في ساحل (مارس Marches) في وسط إيطاليا، فهمّ البابا بالفرار من إيطاليا، ولكنه تلبث
قليلاً، وأذاع على أمراء النصرانية رسالة يدعوهم فيها أن يتصافوا
стр. 462
ويتهادنوا فيما بينهم ويوجهوا جميع قواهم ضد العثمانيين.
وحشد أمراء إيطاليا قواتهم، ولكنهم لم يستطيعوا زعزعة العثمانيين عن مواضعهم.
وحشد السلطان الفاتح جيشاً ضخماً في (أسكدار)، وغادر السلطان القسطنطينية في أوائل الربيع من سنة ست وثمانين وثمانمئة الهجرية (١٤٨١م) ليتولى قيادة جيشه، ولكن المنية عاجلته في (أسكدار)، فمات القائد البطل وبقي الجنود بلا قيادة.
٢٢ - وقع النعي:
كان قائد الحملة الإيطالية كدك أحمد باشا لا يزال في الميناء الألباني (فالو) يتهيأ للإبحار بجيشه الجديد إلى (أوترانتو) حينما بلغه نعي السلطان الفاتح، فعدل عن السفر وعاد أدراجه إلى القسطنطينية.
وما لبث أن ذاع نبأ الوفاة في الشرق والغرب، فأحدث دوياً هائلاً اهتزت له النصرانية والإسلام على السواء.
أما النصرانية فقد كانت هزتها هزة فرح وابتهاج، وتلقت النبأ كأحسن ما تتلقى أعظم البشرى. وكانت جزيرة (ردوس) لقربها من المدينة التي توفي فيها السلطان الفاتح أسبق إلى معرفة النبأ، فغمرها فيض من الغبطة والفرح لا يوصف، إذ كانت تتخوف من هجوم جديد يشنه عليها السلطان الفاتح بنفسه، فلم يكد يصل إليها نبأ وفاته حتى أمر رئيسها بإقامة صلوات الشكر على نجاتهم من هذا: "العدو المخيف".
стр. 463
ولم يكن ملك نابولي أقل ابتهاجاً بتلقي هذا النبأ، فقد تنفس الصعداء، وبادر فعرض على الجيش العثماني المعسكِر في (أوترانتو) أن ينسحب منها بأمان ويعينه على الرحيل منها. ولكن الجنود العثمانيين أبوا أول الأمر أن يصدقوا نبأ وفاة سلطانهم وحسبوه خدعة لبلبلة أفكارهم وإضعاف عزيمتهم، وأصروا على البقاء في أماكنهم. ولما رأى دوق (كلابريا) منهم ذلك، شن عليهم القتال وهجم عليهم هجوماً شديداً، وجعل شجعان رجاله في مقدمة الجيش، ولكن العثمانيين ردوهم على أعقابهم مدحورين.
ولم يمضِ على ذلك غير قليل، حتى جاءهم النبأ اليقين عن وفاة
السلطان محمد الفاتح، فانتابهم من ذلك هم شديد وحزن عميق، فقد كانوا يرجون أن يستأنفوا زحفهم لفتح جميع إيطاليا بعد أن استولوا على مفتاحها في الجنوب. وعرض ملك نابولي مرة أخرى على الجنود العثمانيين أن ينسحبوا آمنين على حياتهم وأمتعتهم وعتادهم. وقبل العثمانيون ذلك هذه المرة، وشرعوا ينسحبون عن إيطاليا، ولكن الإيطاليين لم يفوا بما تعهدوا فاعتقلوا قسماً من الجنود الانكشارية الذين كانوا في المؤخرة وصفدوهم بالسلاسل.
على أن ما أقامه رئيس فرسان (ردوس) وملك (نابولي) من مباهج وأفراح واحتفالات لوفاة السلطان الفاتح، لا يكاد يعدّ شيئاً إلى جانب ما أقامته (روما) من مباهج وأفراح واحتفالات. وكان أشد الناس اغتباطاً فيها بطبيعة الحال البابا سيكست الرابع الذي حاول الفرار من روما حين اقترب العثمانيون من مقر عرشه. فلم يكد يبلغه
стр. 464
وفاة محمد الفاتح حتى أمر بفتح جميع الكنائس وأقيمت فيها الصلوات والاحتفالات، وسارت المواكب العامة تجوب الشوارع والطرقات وهي تنشد أناشيد النصر والفرح بين طلقات المدافع. وظلت هذه الاحتفالات والمهرجانات قائمة في روما طيلة ثلاثة أيام. ولم تفعل البابوية مثل ذلك قط لموت أي رجل من رجال الإسلام من قبل ولا من بعد. ولا غرو فقد حاربت البابوية السلطان الفاتح بكل ما ملكت من قوة وحيلة طيلة ثلاثين عاماً، وألّبت عليه ملوك وأمراء ورؤساء الغرب والشرق، فلم يغن ذلك عنها شيئاً، وحاولت أن تستميله وحببت إليه اعتناق النصرانية وأغرته بملك الخافقين والمجد القاهر في الأرض، فلم تفلح في مسعاها وباءت بالإخفاق الشنيع.
وظل السلطان الفاتح في جهاده يمضي قُدُماً لا يصده شيء، حتى أنزل جنوده في جنوب إيطاليا، فارتاعت البابوية وأوشكت أن تلقى مصرعها، ولكن القدر المحتوم كان قد جعل للفاتح أجلاً ينتهي عنده، لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، فتخلصت النصرانية من أعظم خطر كان يهددها.
انطفأت فجأة الآمال الضخام التي كانت معقودة على قيادة محمد الفاتح بانطفاء حياته الغالية، وكان موته نكبة عظيمة للإسلام والمسلمين، فلا عجب أن بكاهُ المسلمون بحرارة ولوعة في جميع أرجاء الأرض، وحزنوا عليه حزناً شديداً، وأقيمت المآتم في كل أرض إسلامية على النطاقين الرسمي والشعبي.
لقد أدّى واجبه كاملاً لدينه وأمته، وجاهد في الله حق جهاده،
стр. 465
ولعلّ فرح أعدائه من جهة وحزن المسلمين لفقده من جهة أخرى، خير دليل على مبلغ جهاده لإعلاء كلمة الله.
لقد كان رجلاً حقاً، وكان أمة في رجل ورجلاً في أمة، ومثله في الرجال قليل.
٢٣ - الإنسان:
أ) وربما يتبادر إلى الأذهان أن السلطان الفاتح كان رجل حرب وسياسة، أمضى كل عمره في الغزو والجهاد والفتح، فلم يترك أثراً في ميادين الحياة العامة الأخرى.
إن حياة الفاتح لا تتصل بالحرب والسياسة فحسب، وإنما
تتصل بالثقافة والفكر والعلم والفن والإدارة والحكم أيضاً، وقد كانت للسلطان الفاتح في كل هذه الميادين جولات باهرة لا تقلّ روعة وعظمة عن جولاته في ميداني الحرب والسياسة.
قضى الفاتح أيام طفولته بمدينة (أدرنه) وكانت عاصمة العثمانيين، فاهتم أبوه السلطان مراد الثاني بتنشئته وتربيته جسمياً وعقلياً: دربه على ركوب الخيل ورمي القوس والضرب بالسيف، وعندما شبّ وترعرع ولاّه أبوه بعض الولايات بآسيا الصغرى يتدرّب فيها على شؤون الحكم والإدارة، ثم أخذ أبوه يستصحبه معه بين حين وآخر إلى بعض المعارك ليعتاد الحرب، ويتعلم القيادة العسكرية، ويتمرّس بالقتال وأساليبه.
وقد عني أبوه من جهة أخرى عناية فائقة بتعليم ابنه محمد الفاتح
стр. 466
وتثقيفه، غير أن محمداً أظهر أول الأمر جموحاً وإعراضاً شديداً عن التعليم والدرس، ولم يسلس قياده لأحد من المعلمين الذين ندبهم أبوه لتعليمه!.
وسأل أبوه عن رجل ذي جلالة ومهابة وشدة، فدُلّ على المولى أحمد بن إسماعيل الكوراني الذي كان طويل القامة كثّ اللحية مهيب الطلعة، فأعطاه السلطان مراد قضيباً ليضرب به. ودخل على محمد الفاتح والقضيب في يده وقال له: "أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري"، فضحك منه محمد وسخر من كلامه، فعاجله المولى الكوراني بضربة قوية ارتاع لها الفتى الشموس ثم استخذى لها، وأدرك أنه أمام معلم من نوع جديد يختلف عمن سبقه كل الاختلاف. وكأنما كانت هذه الضربة الأولى الحازمة التي تلقاها محمد هي الطلسم الذي أعاده إلى رشده، إذ أقبل بعدها على التعليم بنهم وجدّ ونشاط، فما مضى عليه غير قليل من الوقت حتى ختم القرآن الكريم. واستبشر والده بذلك واغتبط، وغمر المولى الكوراني بالعطايا والأموال الغفيرة.
ولم يسمع السلطان مراد بعد ذلك بأستاذ برع في علم من العلوم أو مهر في فن من الفنون أو اشتهر بخصلة من خصال الفضيلة، إلا ويستدعيه ويبعثه إلى ابنه محمد لتعليمه وتأديبه (١)، وفي مقدمتهم المولى محمد بن فرامز خسرو: " وكان إماماً بارعاً مفنناً محققاً نظاراً طويل
стр. 467
الباع راسخ القدم" (١)، وتلقى العلم على كثيرين غيره.
وإلى جانب هؤلاء الشيوخ والفقهاء، أحضر السلطان مراد إلى ابنه أساتذة في الرياضيات والجغرافية والفلك والتاريخ واللغات المختلفة. وقد حذق محمد الفاتح من هذه اللغات - فضلاً عن لغته التركية - العربية والفارسية واللاتينية واليونانية.
ولم ينقطع محمد الفاتح بعد توليه السلطنة عن التعلم والدرس، فما توسّم في رجل نبوغاً أو تضلعاً في علم من العلوم إلا اتخذه معلماً لنفسه. وأكب الفاتح على دراسة التاريخ، لا سيما ما يتعلق بسير عظماء الشرق والغرب، فقرأ بإمعان حياة القياصرة، وأعجب بشخصية الإسكندر المقدوني، فقد لمح فيها صورة من نفسه ورأى فيها قوة النفس وصحة العزم وسرعة التنفيذ بعد إحكام الخطة وعدم التردد. كما قرأ سيرة النبي ﷺ وسير الخلفاء الراشدين وقادة الفتح الإسلامي وسير الخلفاء والأمراء والقادة المسلمين. كما اهتم بوجه خاص بفلسفة أرسطو والرواقيين والفلسفة الإسلامية واتخذ له في ذلك أساتذة من العلماء النابهين.
وكان أول ما عني به السلطان الفاتح بعد فتح القسطنطينية أن أنشأ المدارس والمعاهد وعمل على نشرها في جميع أرجاء دولته. وقد كانت أول مدرسة في الدولة العثمانية هي التي أنشأها السلطان أورخان بمدينة (أزنيق)، وسار مَنْ بعده من السلاطين على منواله، وانتشرت
стр. 468
المدارس في (بروسه) و (أدرنه) وغيرها من المدن.
أما السلطان الفاتح فقد بزّ أسلافه ومن جاء بعده من السلاطين في هذا المضمار: بزَّهم بما كان له من الثقافة العالية الممتازة، وبما بذله من جهود كبيرة في نشر العلم وإنشاء معاهده، وما أدخله من الإصلاح والتنظيم في مناهج التعليم، وما أسبغه من رعاية كريمة غامرة على أهل العلم والأدب والفن.
فقد أنشأ السلطان الفاتح المدارس وبثها في المدن الكبيرة والصغيرة، بل أنفذها إلى القرى النائية وأوقف عليها الأوقاف العظيمة، ونظم هذه المدارس ورتبها على درجات ومراحل ووضع لها المناهج وحدد العلوم والمواد التي تدرس في كل مرحلة، واتخذ لها الامتحانات، فلا ينتقل طالب من مرحلة إلى أخرى إلا بعد أداء امتحان دقيق عسير. وكان السلطان الفاتح يحضر هذه الامتحانات ويشهدها بنفسه، كما كان يزور هذه المدارس بين حين وآخر ويستمع إلى الدروس التي يلقيها الأساتذة، ثم يوصي الطلبة بالجد والاجتهاد، ويجزل العطاء للنابغين من الأساتذة والطلبة، وكان التعليم في جميع هذه المدارس بالمجان.
وكانت المواد التي تدرس في هذه المدارس: النحو والصرف والمنطق وعلم الكلام وعلم الأدب والحساب، وعلوم البلاغة من البيان والبديع والمعاني، والهندسة والهيئة والفقه والحديث والتفسير.
وأشهر المدارس التي أنشأها الفاتح هي المدارس الثمان التي أنشأها على جانبي مسجده الذي بناه بالقسطنطينية، على كل جانب منه
стр. 469
أربع مدارس يتوسطها صحن فسيح، لذلك سميت هذه المدارس أيضاً بمدارس الصحن، وفيها يقضي الطالب المرحلة الأخيرة من دراسته.
وألحقت بهذه المدارس مساكن للطلبة يتناولون فيها طعامهم، كما يتناولون منحة مالية شهرية، وكانت الدراسة في هذه المدارس تجري في جميع أيام السنة. وأنشئت بجانب المدارس مكتبة خاصة، وكان يشترط في الرجل الذي يتولى أمانة هذه المكتبة أن يكون من أهل الصلاح والعلم عارفاً بأسماء الكتب والمؤلفين، ويعير الطلبة والمدرّسين ما يطلبونه من الكتب بطريقة منظَّمة دقيقة، ويسجل أسماء الكتب المستعارة في سجل خاص. وهذا الأمين مسؤول عن الكتب التي بعهدته، بل مسؤول عن سلامة أوراقها، وتفتش هذه المكتبة كل ثلاثة أشهر على الأقل.
وأدخل السلطان الفاتح في مناهج التعليم نظام التخصص، فجعل للعلوم النقلية والنظرية قسماً خاصاً وللعلوم العملية التطبيقية قسماً خاصاً أيضاً.
وحذا العلماء والوزراء حذو سلطانهم، وتنافسوا في إنشاء المدارس والمعاهد، مما أدى إلى انتشار العلم وازدهاره. وقد أضفى السلطان الفاتح على المدرسين والأساتذة رعاية كريمة سابغة، ووسع لهم في المعيشة ليتفرغوا للعلم والتعليم.
وليس أعرف بمكانة العلماء وأقدارهم ممن مارس العلم وجهد في سبيله، وقد كان السلطان الفاتح عالماً بحق بكل ما تحمله الكلمة من معان، فقرَّب إليه العلماء وأعلى شأنهم ورفع قدرهم وشجعهم على
стр. 470
العمل والإنتاج وبسط لهم يداً ندية سخية لا تضنّ بالبذل والعطاء.
وكان السلطان الفاتح يجلّ العالم لعلمه وفضله أياً كان جنسه ودينه وموطنه، وقد حدث بعد فتح (القرمان) أن أمر بنقل العمال والصنَّاع إلى القسطنطينية، غير أن وزيره روم محمد باشا اشتدَّ في الأمر وتعسَّف الناس وأصابهم منه عنت ورهق، وكان من بينهم نفر من أهل العلم والفضل في مقدمتهم الشيخ أحمد جلبي بن السلطان أمير علي من سلالة العالم الصوفي المشهور جلال الدين الرومي، فلما علم السلطان الفاتح بأمره اعتذر إليه وأعاده إلى وطنه مع رفقائه تحفُّ بهم مظاهر التجلَّة والتكريم مثقلين بالهدايا. ومما يلفت النظر أن السلطان الفاتح لم يبعث شخصية من شخصياته إلى الشيخ جلبي أحمد للاعتذار إليه عن سوء معاملة روم محمد باشا له، بل ذهب إليه بنفسه واعتذر إليه وأعاده مع من أراد من صحبه إلى موطنه معزَّزاً مكرَّماً.
وفي فتوحه كان يشدِّد على عدم قتل الأسرى من العلماء وأصحاب المعارف، وحدث بعد هزيمة أوزون حسن أن وقع في يد العثمانيين عدد كبير من الأسرى، فأمر الفاتح بتخلية سبيل العلماء مثل القاضي محمد الشريحي الذي كان من فضلاء الزمان والسيد محمد المنشي وكثير غيرهما من العلماء والفضلاء، وأكرمهم وأحسن معاملتهم وأغدق عليهم العطايا السخية وأسند إليهم المناصب العالية في الدولة.
وبعد فتح (طرابزون) وقع في أسر الجيش العثماني شاعر من الروم يدعى: (جورج أموير تزس) كان قد وصل إلى الفاتح ذكره وشهرته العلمية، فأحسن لقياه واستصحبه معه إلى القسطنطينية وأصبح من خاصته، ورفع الفاتح منزلته ومنحه أعطيات واسعة،
стр. 471
وصار يذاكره في المسائل الفلسفية وغيرها، وقد شرح الله صدر هذا الفيلسوف فيما بعد ودخل في الإسلام.
وكان السلطان الفاتح يتطامن صاغراً متخشعاً أمام العلماء وأهل الورع والتقى، ويستشيرهم في أخطر أموره، وينصت إلى نصائحهم ويتقبَّلها بقبول حسن، وينفذ تعاليمهم نصّاً وروحاً.
حدث بعد فتح القسطنطينية أن دخل السلطان الفاتح على الشيخ الزاهد المتصوِّف آق شمس الدين في خيمته وهو مضطجع فلم يقم له.
وقبَّل السلطان الفاتح يد الشيخ وقال: "جئتك لحاجة عندك"، قال: "ما هي"؟ قال الفاتح: "أريد أن أدخل الخلوة عندك أياماً". قال الشيخ: "لا"! فأعاد عليه السلطان هذا الطلب مراراً والشيخ يقول: "لا"! فغضب السلطان الفاتح وقال: "إن واحداً من الأتراك يجيء إليك وتدخله الخلوة بكلمة واحدة"؟ فقال الشيخ: "إنك إذا دخلت الخلوة، تجد هناك لذَّة فتسقط السلطنة من عينك وتختلّ أمورها فيمقت الله إيانا. والغرض من الخلوة تحصيل العدالة، فعليك أن تفعل كذا وكذا ... " وذكر ما بدا له من النصائح؛ ثم أرسل إليه الفاتح ألفي دينار، فلم يقبلها الشيخ. وقام السلطان الفاتح، فودَّعه الشيخ وهو مضطجع على جنبه كما كان، ولما خرج السلطان الفاتح قال لابن ولي الدين: "ما قام الشيخ لي"، وأظهر التأثُّر من ذلك، فقال ابن ولي الدين: "إن الشيخ شاهد فيكم الغرور بسبب هذا الفتح الذي لم يتيسَّر للسلاطين العظام، وإن الشيخ مُرَبٍّ فأراد بذلك أن يدفع عنكم الغرور". وبعد يوم دعا الشيخ آق شمس الدين في الثلث الأخير من الليل، فبادر إليه الأمراء يقبِّلون يد الشيخ. قال الشيخ: "وجاء
стр. 472
السلطان محمد خان والليل مظلم، وما أدركته بالبصر بسبب الظلمة، ولكن عرفه روحي فعانقته وضممته إليّ ضمّاً شديداً، حتى ارتعد وكاد أن يسقط فما خليته إلى أن يزول عنه الحال". وقال السلطان الفاتح: "كان في قلبي شيء في حقّ الشيخ، فلما ضمَّني إليه انقلب ذلك حباً"، ثم إنه دخل مع الشيخ الخيمة، فصاحب معه حتى طلع الفجر؛ وأذَّن الشيخ للصلاة، وصلَّى السلطان خلفه، ثم قرأ الشيخ الأوراد والسلطان جالسٌ أمامه على ركبتيه يستمع الأوراد (١).
وحدث أيضاً أن السلطان الفاتح بعث مع أحد رجاله بمرسوم إلى المولى الكوراني وكان إذ ذاك يتولَّى قضاء العسكر، فوجد فيه أمراً يخالف الشرع، فمزَّقه وضرب مَن جاء به وحمله إليه. وشقَّ ذلك على السلطان الفاتح وتغلبت عليه سَوْرة الغضب، فعزل الكوراني من منصبه ووقع بينهما نفور وجفوة.
ورحل المولى الكوراني إلى مصر حيث احتفى به سلطانها قايت باي وأكرمه غاية الإكرام، وأقام عنده مدَّة من الزمن.
وما لبث الفاتح أن ندم على ما كان منه، فكتب إلى السلطان قايت باي يلتمس منه أن يرسل إليه المولى الكوراني، فحكى السلطان قايت باي كتاب الفاتح ثم قال: "لا تذهب إليه فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو"، فقال المولى الكوراني: "نعم هو كذلك، إلا أن بيني وبينه محبة عظيمة كما بين الوالد والولد، وهذا الذي جرى بيننا شيء آخر، وهو يعرف ذلك مني ويعرف أني أميل إليه بالطبع، فإذا لم أذهب
стр. 473
إليه يفهم أن المنع من جانبك فيقع بينكما عداوة". فاستحسن قايت باي هذا الكلام، وأعطاه مالاً جزيلاً، وهيَّأ له ما يحتاج إليه من حوائج السفر، وبعث معه هدايا عظيمة إلى السلطان الفاتح (١).
وحين وصل المولى الكوراني إلى القسطنطينية، أسند الفاتح إليه القضاء ثم الإفتاء، وأجزل له العطاء، وأكرمه إكراماً لا مزيد عليه.
وكان العلماء والشيوخ يصحبون الفاتح في غزواته وحروبه، فكانوا في كل ميدان من ميادين القتال في طليعة الجيش إلى جانب السلطان: يثيرون الحمية الدينية، ويتلون على الجنود آيات الجهاد والنصر، ويقاتلون كما يقاتل الجنود، ويضربون لهم أروع الأمثال في الشجاعة والإقدام.
وقد دأب محمد الفاتح منذ كان أميراً على (مغنيسيا) على مراسلة العلماء والمثقَّفين من الأمراء في فارس ومصر والعراق والهند وغيرها.
وبقي الفاتح على هذه السنَّة الحسنة بعد تولِّيه السلطنة، وضاعف ما كان يسبغه على العلماء والأدباء من تكريم ورعاية ومنح، فكان يرسل إلى خوجه جهان أول كتَّاب الهند في زمانه ألف دوقة في كل عام، وكذلك إلى المولى عبد الرحمن الجامي من أعاظم علماء وشعراء فارس في ذلك العهد.
وممن كان يكاتبهم السلطان الفاتح من علماء مصر الشيخ محمد بن سليمان المحيوي المعروف بالكافياجي، وهو أستاذ السيوطي العالم المصري المعروف، وقد أثنى عليه العلماء والمؤرخون المصريون
стр. 474
ثناءً عظيماً لعلمه وفضله وخلقه وورعه (١) وكان الفاتح يكاتبه ويهدي إليه الهدايا السنية.
وما سمع السلطان الفاتح قطّ عن عالم في مملكته أصابه عوز وإملاق إلا بادر إلى مساعدته ومنحه ما يستعين به على الحياة والعيشة الرضيَّة. بل إنه جعل للعالم الذي يعتزل عمله لسبب من الأسباب راتباً خاصاً يُعرف بـ (راتب التقاعد) يستعين به على تكاليف الحياة صوناً له عن ذلّ السؤال وصوناً للعلم أن يمتهن، ولا يقلّ هذا الراتب في كثير من الأحيان عن الراتب الذي كان يتقاضاه في أثناء عمله.
وكان من أثر ما أفاضه السلطان محمد الفاتح على العلم وأهله من رعاية سابغة وتقدير كريم وبذل سخيّ، أن توافد إلى رحابه العلماء والأدباء والشعراء والفنانون من كل حدب وصوب، واجتمع في بلاده من جميع هؤلاء عدد عديد من العرب والترك والفرس والروم واللاتين.
وكان السلطان الفاتح يقضي الأوقات التي يستجم فيها بالقسطنطينية من الحروب في عقد المجالس العلمية والأدبية، فيباحث العلماء في المسائل العلمية ويعقد بينهم المناظرات المختلفة. وقد يشتدّ وطيس بعضها وتمتدّ عدة أيام.
وجرت عادة الفاتح في شهر رمضان أن يستحضر إلى قصره بعد صلاة الظهر جماعة من العلماء المتضلّعين في تفسير القرآن، فيقوم في كلّ
стр. 475
مرة واحد منهم بتفسير آيات من القرآن الكريم وتقريرها، ويناقشه في ذلك سائر العلماء ويجادلونه. وكان الفاتح يشترك أيضاً في هذه المناقشات، فكان هذا الدرس الديني بمثابة امتحان لهؤلاء العلماء واختبار لمقدرتهم وكفايتهم، فيبعثهم ذلك على التنافس في الإجادة والإتقان.
والحق أنَّ العالم في حضرة الفاتح كان عرضة للسؤال والامتحان، وكان يعجبه من العالم أن يكون حاضر العلم سريع الإجابة. وقد حدث يوماً أن سأل السلطان الفاتح وهو في طريق عودته إلى القسطنطينية المولى محيي الدين المعروف بابن المغنيسي الذي اشتهر بالجدّ في التحصيل والإكباب على الدرس، عن بيت عربي فقال المولى: "أتفكَّر فيه بالمنزل ثم أجيب"! فقال الفاتح لبعض رجاله: "أحضروا مولانا سراج الدين"، فحضر. وسأله السلطان عن ذلك البيت فقال: "هو للشاعر الفلاني من قصيدته الفلانية من البحر الفلاني"، ثم قرأ البيت وحقَّق معناه، فقال السلطان الفاتح لابن المغنيسي: "ينبغي أن يكون العالم هكذا في العلم والمعرفة والتتبع" (١).
وحتى في ميادين الحرب، كان السلطان الفاتح ينتهز الفترات التي تتوقف فيه رحى القتال، فيعمد إلى مناظرة مَن يكون معه من العلماء، وبلغ حبّه لأهل العلم ومجالسهم أنَّه نبذ ملابس السلطنة الفاخرة وآثر عليها لباس العلماء وتزيا بزيّهم.
ولم يكن السلطان الفاتح أقل ولعاً وكلفاً بندوات الأدباء
стр. 476
والشعراء ومجالسهم، ولا غرو فقد كان هو نفسه شاعراً، وكان يكتب أشعاره باسم: (عوني)، وهو يعد أول شاعر من السلاطين اتَّخذ لنفسه اسماً مستعاراً، وللفاتح ديوان شعر باللغة التركية.
وكان الفاتح يطرب لسماع الشعر في أي لغة من اللغات التي كان يحذقها، ويتمثَّل بالشعر في بعض المناسبات، كما تمثَّل ببيت من الشعر الفارسي عند دخوله قصر الإمبراطور قسطنطين. وحدث بعد فتح القسطنطينية أن رفع إليه الشاعر الإيطالي (فيليف Philelphe) رسالة وقصيدة يلتمس منه فيهما إطلاق نسوة من ذوي قرباه وقعن في أسر العثمانيين، فأمر السلطان الفاتح من فوره بإطلاق سراحهنّ بغير فدية (١).
وكان طبيعياً بعد ذلك كلّه، أن يطنب الشعراء والأدباء في مدح السلطان الفاتح لما أسداه إلى العلم والأدب من كريم الرعاية وجميل التقدير والتشجيع، وقد مدحه كل شاعر باللغة التي يحسنها.
وفي المجالس العلمية والأدبية التي كان يحضرها الفاتح، كان يحرص أشدَّ الحرص على أن يسودها جو الوقار العلمي وآداب المناظرة والحديث، فكان يطلب إلى كل مناظر أن يكون أميناً في قوله وفي إيراد كلام مناظره، فلا يدلس ولا يغالط. وكان يكره من رجل العلم النفاق والغرور والادعاء ويبتغي منه أن يكون قدوة حسنة للناس في القول والعمل. ولا يتغاضى الفاتح عن عالم صدر منه ما يجافي الدين أو المروءة، فإنه يبعده من مجلسه
стр. 477
ويقطع اتصاله به ولو كان من المقرَّبين إليه.
وينكر على الشعراء التبذُّل والمجون والدعارة، ويعاقب الشاعر الذي يخرج عن آداب المجتمع أو يطرده من بلاطه، ولا غرو فقد نشأ الفاتح منذ صغره على خير ما ينشأ أمراء زمانه تربية وأدباً.
وعمد السلطان الفاتح إلى إذكاء روح العمل والإنتاج وتنشيط الحركة العلمية بجميع وسائل التشجيع المعنوية والمادية، وكثيراً ما كان يطلب إلى نفر من العلماء الكتابة في موضوع واحد، ليدفعهم التنافس والتسابق إلى الإجادة والإتقان، ثم يمنح المتسابقين مكافآت جزيلة ويخصّ المتفوّقين بالخلع السنية، فازدهرت النهضة الفكرية في حياته وخصب الإنتاج وكثر التأليف.
ولم يفت السلطان الفاتح الثاقب البصر أن يستعين بالنقل والترجمة في بعث النهضة الفكرية ونشر العلم والمعرفة بين قومه، فأمر بنقل كثير من الآثار المكتوبة بالعربية واليونانية واللاتينية إلى اللغة التركية. من ذلك كتاب: (مشاهير الرجال) لبلوتارك، وقد علَّق
الأستاذ بيوري على ذلك بقوله: " ... فإذا كان السلطان الفاتح نفسه يعرف اللغة الرومية، فلا شك أنه قد أمر بترجمته لتعميم نشره وفائدته بين رعاياه" (١). كما نقل إلى التركية من العربية كتاب: (التصريف) في الطب لأبي القاسم الزهراوي الطبيب الأندلسي مع زيادات في صور الآلات الجراحية وأوضاع المرضى أثناء إجراء العمليات الجراحية.
وقد عثر السلطان الفاتح بعد فتح القسطنطينية بكتاب بطليموس
стр. 478
في الجغرافية وخريطة له، فقام بمطالعته ودراسته مع العالم الرومي جورج أميروتزوس، ثم طلب إليه الفاتح وإلى ابنه (ابن العالم الرومي) الذي كان يجيد اللغتين الرومية والعربية بترجمة الكتاب إلى العربية وإعادة رسم الخريطة مع التحقيق في أسماء البلدان وكتابتها بوضوح باللغتين العربية والرومية، وكافأهما على هذا العمل بعطايا مجزية.
وليس أدل على اهتمام الفاتح باللغة العربية من أنه طلب إلى الأساتذة بالمدارس الثمان التي أنشأها حول مسجده في القسطنطينية أن يجمعوا بين الكتب الستة في علم اللغة كالصحاح والتكملة والقاموس وأمثالها. ودعم الفاتح حركة التأليف والترجمة لنشر المعرفة بين رعاياه بالإكثار من نشر المكاتب العامة، وأنشأ له في قصره خزانة خاصة احتوت غرائب الكتب والعلوم، وعيَّن المولى لطفي أميناً عليها، وكانت تضم اثني عشر ألف مجلَّد عندما احترقت عام (١٤٦٥م). وجدير بالذكر هنا أن الفاتح كان كثيراً ما يستعيض عن مال الجزية بالكتب والمخطوطات، فمن ذلك أنه طلب مرة من إحدى الجمهوريات الإيطالية أن تدفع له الجزية ببعض المخطوطات الإيطالية.
ب) على أن أهم ما يسترعي النظر والالتفات في السلطان الفاتح، هو ما اتصف به في الناحيتين الدينية والعلمية على السواء من رحابة صدر وسعة أفق وسماحة نفس وإدراك صحيح لمعنى حرية الضمير وحرية الرأي والقول وتطبيقاً لتعاليم القرآن الكريم: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [سورة البقرة ٢: ٢٥٦]. فبرغم ما بلغه من سعة الملك وقوة السلطان ونفاذ الكلمة؛ لم يشأ أن يفرض دينه على أحد، ولم يشأ أن يفرض رأيه على أحد.
стр. 479
كان (هونياد) المجري إبَّان قتاله للعثمانيين قد طلب إلى برنكوفيتش الصربي أن يمضي هو الآخر في قتال العثمانيين، فسأله برنكوفيتش: "وماذا تصنع بديننا إذا أنت انتصرت على الأتراك"؟ فأجاب هونياد: "أحمل الناس على اعتناق الكاثوليكية، وأقيم الكنائس الكاثوليكية في كل مكان"، وكان الصربيون يتَّبعون الكنيسة الشرقية.
ووجَّه برنكوفيتش نفس السؤال إلى السلطان الفاتح، فأجاب: "أقيم إلى جانب كل مسجد كنيسة، والناس أحرار في دينهم، فمن شاء ذهب إلى المسجد، ومن شاء ذهب إلى الكنيسة" (١).
ويزداد تقديرنا لهذه المعاني المعنوية في نفس الفاتح، إذا نظرنا إلى العصر الذي عاش فيه، عصر التعصُّب الديني والفكري - لاسيما في الغرب الأوروبي، حيث تلطَّخت أقطاره بالمذابح والمجازر البشرية الفاجعة ضد المخالفين في العقيدة والرأي. ومذبحة (سانت بارتلمي Saint - Barthelemy) التي حدثت في فرنسا بعد نحو قرن من وفاة السلطان الفاتح وفتك فيها الكاثوليك بموافقة ملك فرنسا شارل التاسع بمواطنيهم البروتستانت غيلة وغدراً، وذبحوهم ذبح الخراف: حادثة معروفة مشهورة.
ولماذا نذهب بعيداً، والمذابح بين الكاثوليك والبروتستانت قائمة على قدم وساق في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد نشبت معارك طاحنة بين الطائفتين المسيحيتين عام (١٩٧٠ و ١٩٧١) في إيرلندا على مسمع ومشهد من العالم كله!!
стр. 480
لقد كان السلطان الفاتح بطبعه بحاثة طالباً للعِلم محبّاً للعلماء شديد الكلف بالعلوم التطبيقية (١) والعلوم الدينية بخاصة.
وكان مسلماً صادق الإسلام، مؤمناً قوي الإيمان، وكان أول ما رضع من لبان العلم والمعرفة في صغره هو القرآن الكريم. وكان أثناء وجوده في القسطنطينية لا تفوته صلاة الجماعة بالمسجد الجامع، وكانت خطبه في السلم والحرب تفيض حمية ونخوة على الدين الحنيف.
وقد كان لفتح القسطنطينية حوافز كثيرة ذكرنا قسماً منها، ولكن الحافز الديني كان له مكان عظيم في نفس محمد الفاتح دفعه إلى الاستقتال في الحرب والإصرار على الفتح. وقد ذكر الفاتح هذا الحافز في كلماته قبل المعركة وفي أثنائها وبعدها، وعزم على أن يفوز بتحقيق البشارة النبوية في الحديث الشريف: "لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش جيشها" (٢).
وهذا الحديث الشريف يطالعك مكتوباً في أبرز مكان من مسجد الفاتح في القسطنطينية الذي بناه الفاتح وحرص على تتويجه بهذا الحديث النبوي الشريف.
وكان سعيداً أعظم السعادة بفتح القسطنطينية، لأنه استبشر بهذا الحديث النبوي الشريف، كما استبشر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بتحقيق هذه البشارة النبوية.
стр. 481
كما وردت أحاديث تبشر بهذا الفتح في صحيح مسلم ﵁ (١).
ولتديُّن السلطان الفاتح، فقد كان لرجال الدين في نفسه مكانة عظيمة، ومن خير ما أسداه نحو العلم والعلماء ما ابتدعه من التنسيق والتنظيم في درجات العلماء ومراتبهم، والتمييز بين المناصب والوظائف كالتدريس والقضاء، وقد جعل التدريس نفسه درجات وكذلك القضاء درجات، فلا يشغل وظيفة من هذه الوظائف إلا من ثبتت كفايته وأهليَّته لها. أما الوظائف الصغيرة التي ليست بذات خطر كالإمامة أو الأذان في مسجد، فكان يكفي فيمن يشغلها أن يكون قد أصاب قدراً من الثقافة الدينية. وكان السلطان الفاتح يحتفظ في قصره بثبت فيه أسماء العلماء ومنزلة كل منهم في العلم، وما له من كفاية وإنتاج، فإذا ما خلا منصب من المناصب الكبيرة في الدولة رجع إلى هذا السجل واختار للمنصب الشاغر أصلح العلماء له.
وقد أظهر السلطان الفاتح في الناحية الإدارية كفاية ومقدرة لا تقلان عن كفايته ومقدرته في الناحيتين السياسية والعسكرية.
وقد كان أول ما قام به عقب توليه السلطنة أن عزل الموظفين القدامى غير الأكفاء وعيَّن مكانهم الأكفاء، واتخذ الكفاية وحدها أساساً في اختيار رجاله ومعاونيه وولاته.
واهتمَّ الفاتح بالناحية المالية، فوضع القواعد المحكمة الصارمة في جباية أموال الدولة، وقضى على إهمال الجباة وتلاعبهم، وحارب
стр. 482
الرشوة والمرتشين بشدة.
وكان الفاتح شديد الحرص على العدالة الدقيقة الحازمة في كل جزء من أجزاء مملكته، شديد الحرص على تحقيق الرفاهية والرخاء لجميع رعاياه.
وكان عند خروجه إلى بعض الغزوات والحروب كثيراً ما يتوقف في بعض أطراف مملكته ويأمر بنصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم، ويرفع إليه من يشاء من الناس شكواه ومظلمته.
وكان مما قصد إليه الفاتح من تعلم اللغات الأجنبية كاللاتينية والرومية أن يتمكن من الاتصال المباشر بشعوبه العديدة ذات اللغات المختلفة ويقف على أحوالها بنفسه.
وقد عني الفاتح بوجه خاص برجال القضاء الذين يتولون الحكم والفصل في أمور الناس، فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلعين في الفقه والشريعة ومن المتصفين بالإنصاف والنزاهة والاستقامة وحسب، بل لا بد إلى جانب ذلك أن يكونوا موضع تجلة واحترام بين الناس، وأن تُكفى مؤونتهم المادية كفاية تامة، سدّاً لسبل الإغراء والرشوة؛ فوسَّع لهم الفاتح في المعيشة كل التوسعة، وأحاط منصبهم بهالة مهيبة من الحرمة والجلالة والقداسة.
أما القاضي المرتشي، فلم يكن له عند السلطان من جزاء غير القتل.
وكان كثيراً ما يعس بالليل ويجوب الطرقات والدروب، ليتعرَّف أحوال الناس بنفسه، ويتسمَّع إلى شكاواهم.
стр. 483
أما فيما يتعلَّق بالأعمال المتصلة بالعمران والأغراض السلمية، فقد أكثر الفاتح من إنشاء المباني العامة والطرق والجسور في أرجاء مملكته.
وأنشأ الفاتح كثيراً من المساجد والمعاهد والقصور والمستشفيات والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة.
ولا بدَّ لنا هنا من وقفة قصيرة لننظر في إعجاب ودهشة إلى ذلك النظام الدقيق الذي وضعه السلطان الفاتح للمستشفيات أو دور الشفاء كما يسميها العثمانيون، فقد كان يعهد بكل دار من هذه الدور إلى طبيب، ثم زيد إلى اثنين من حذَّاق الأطباء من أي جنس كان، يعاونهما كحال وجرَّاح وصيدلي وجماعة من الخدم والبوابين. ويشترط في جميع المشتغلين بدور الشفاء أن يكونوا من ذوي القناعة والشفقة والإنسانية، ويجب على الأطباء أن يعودوا المرضى مرتين في اليوم، وألا تصرف الأدوية لهؤلاء المرضى إلا بعد التدقيق في إعدادها. وأكثر من هذا كله أنه كان يشترط في طبَّاخ المستشفى أن يكون عارفاً بطهي الأطعمة
والأصناف التي توافق المرضى منها، وكان العلاج والأدوية في هذه المستشفيات بالمجان، ويغشاها جميع الناس بدون تمييز بين أجناسهم وأديانهم.
وقد كان السلطان الفاتح شديد الحدب على الفقراء والمساكين برّاً بهم، ولم يكن في صدقاته وإحسانه نحوهم يفرِّق بين المسلم وغير المسلم، حتى لُقِّب بأبي الخيرات وأبي الحسنات.
وعني الفاتح بالتجارة والصناعة وعمل على إنعاشهما بكل
стр. 484
الأسباب والوسائل، وكان من أثر ذلك أن عمَّ الرخاء وساد اليسر والرفاهية في جميع أرجاء البلاد، وفي عهده ضربت النقود الذهبية لأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية.
وبالرغم مما بلغه الفاتح من سعة المُلك وعظم السلطان وعزة المجد والقوة، فإنه لم يداخله البطر والغرور، وبقي متواضعاً يخفض جناحه لجميع الناس وبخاصة أهل العلم، وكان يزور العلماء في دورهم ويتناول ما يقدِّمونه إليه من طعام وشراب، وكان في ملبسه ومأكله أقرب إلى التقشُّف والزهادة، وكان أستاذه المولى الكوراني يعظه دائماً ويخاطبه باسمه، وإذا لقي السلطان يسلم عليه ولا ينحني له ويصافحه ولا يقبِّل يده ولا يذهب إليه يوم عيد إلا إذا دعاه.
وكثير من العلماء في عهد الفاتح كانوا على مثال المولى الكوراني في الإباء والصرامة والحرص على قول الحق، لا يغضبون إلا له ولا يرضون إلا له، يجبهون الوزراء ورجال الدولة بل السلطان الفاتح بأشد القول وأعنفه، لا يخشون لومة لائم ولا يبتغون من وراء ذلك إلا صلاح الدين والدنيا.
وكان إذا أنكر أحدٌ من العلماء على الفاتح شيئاً هدده بالخروج من مملكته أو يصلح ما ينكر، ولم يكن أشق على نفس الفاتح من أن يرى عالماً يخرج من بلاده، وقد وجد الفاتح في هؤلاء العلماء العاملين خير عون له وسند في تنفيذ سياسته التي كان يتوخَّى منها نشر العدل والرخاء في شعبه.
لقد مات قبل السلطان الفاتح عظماء في الإسلام، ومات بعده
стр. 485
عظماء، فلم تحفل النصرانية بموت أحد منهم مثلما حفلت بموت هذا
السلطان، وقد رأينا فيما تقدَّم ما أقامته البابوية في روما من الحفلات
والمهرجانات الصاخبة ابتهاجاً بموته، وظلَّت الرهبة من الفاتح تخيِّم
على أوروبا حقبةً طويلة من الزمن، وظلَّت ذكراه تلقي الفزع والرعب
في قلوب أهلها إلى عشرات السنين بعد وفاته.
وفي سنة (١٦٨١ م) أي بعد موت السلطان الفاتح بقرنين، ألَّف
مؤرخ فرنسي يدعى (جييه) كتاباً في تاريخ حكم السلطان محمد الفاتح،
وأهدى كتابه هذا إلى لويس الرابع عشر أو لويس الأكبر أعظم ملوك
فرنسا وأعظم ملوك عصره. وقد قال المؤلف في مقدمة كتابه: "إنه إذ
يسأل الله لملك فرنسا طول البقاء وأن يهب له المجد والسؤدد والقوة
والسعادة، يرجو من الله كذلك ألا يظهر مرة أخرى على وجه الأرض
حاكم كالسلطان محمد الفاتح؛ فقد كان حكمه بلاء ونكبة على
النصارى والنصرانية ... وهذا ما يجب أن يتمنَّاه دوماً بدون انقطاع
لا الفرنسيون وحدهم، بل جميع الشعوب النصرانية الأخرى".
ومع ذلك لم يشتهر أحد من السلاطين العثمانيين لدى الأوروبيين
وكثر تحدثهم عنه، مثل السلطان الفاتح، وهو أول سلطان عثماني بل
أول حاكم إسلامي أطلق عليه الأوروبيون لقب: (السيد العظيم Grand
Seigneur) .
ولد محمد الفاتح في السادس والعشرين من رجب سنة ثلاث
وثلاثين وثمانمئة الهجرية (٢ من نيسان - أبريل - ١٤٢٩ م).
وتولى السلطنة في السادس عشر من محرم الحرام سنة خمس
стр. 486
وخمسين وثمانمئة الهجرية (١٨ من شباط - فبراير - ١٤٥١م) وهو في الثانية والعشرين من عمره.
وتوفي في مدينة (أسكدار) يوم الخميس الرابع من ربيع الأول سنة ست وثمانين وثمانمئة الهجرية (٣ من مايس - مايو - ١٤٨١م) وهو في الثانية والخمسين من عمره بحساب السنة الشمسية وفي الثالثة والخمسين من عمره بحساب السنة القمرية حكم فيها إحدى وثلاثين سنة تقريباً.
ويُعدُّ الفاتح أعظم سلاطين آل عثمان طراً، وأعظم ملوك عصره، ويصح أن يقال: إنه كان محور السياسة الدولية في عهده وصاحب الكلمة الأولى في الشؤون العالمية. وقد اتصلت علاقاته السياسية وحروبه بالقارات الثلاث: آسيا وإفريقية وأوروبا، ووطَّد
السيادة العثمانية في أوروبا توطيداً راسخاً. وقد مدَّ قسم من خلفائه حدود الدولة العثمانية بفتوحات جديدة في المجر، ولكنها لم تثبت ولم تعمر طويلاً، فما عتمت أن زالت وانمحت. أما فتوحات السلطان محمد الفاتح، فقد ظلَّت في معظم أجزائها ثابتة راسخة إلى ما بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
لقد كان محمد الفاتح فذّاً عظيماً في كل ميدان من ميادين الحياة.
كان فذّاً عظيماً في ثقافته وعلمه، عاش طوال حياته تلميذاً لا يكفُّ عن الحرص على المعرفة، حامياً للعلوم والآداب والفنون، أسبغ على أهلها أكرم رعاية وأسناها، وقدَّر كرامة الإنسان وجعل حرية الضمير وحرية الفكر والقول مشاعاً لجميع الناس.
стр. 487
وكان عظيماً فذّاً في حروبه وسياسته، قلَّما ارتدَّ عن غاية استهدفها، لا يبطره الظفر إذا انتصر، ولا تقعده الهزيمة إذا انكسر.
وكان فذّاً في إدارته لملكه، وحُسن حكمه لرعاياه، وسماحته نحو أهل الأديان الأخرى.
وكان فذّاً عظيماً في تديُّنه وورعه وتقواه، وفي استقامته وعدله وتقشُّفه، وفي خضوعه للحق ولو كان مرّاً" (١).
رضي الله عن القائد الفاتح، الإداري الحازم، السياسي البارع، التقي النقي، المجاهد الصادق، السلطان محمد الفاتح قاهر الروم وفاتح القسطنطينية.
...
стр. 488
الخاتمة
(١)
لا تقتصر صفة القيادة على القادة العسكريين إلا في معناها الخاص، أما في معناها العام فتشمل قيادات شتَّى، كالقيادة السياسية، والقيادة الصناعية، والقيادة العلمية، والقيادة الفنية، والقيادة الدينية، والقيادة العائلية.
وإذا أردنا التوسع في أنواع القيادات، فإن كل فرد في المجتمع يمارس من خلال منصبه أو مهنته وفي بيته أو من موقع عمله، نوعاً معيناً من القيادة في نطاق واجبه الرسمي أو المهني أو الشخصي، فهو قائد يتحمَّل أعباء القيادة، وصدق رسول الله ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
ولكن هناك قيادات كبيرة ذات مسؤوليات ضخمة وأهمية خاصة، وهناك قيادات أقل ضخامة وأهمية. وإذا جاز لنا أن نشبِّه كل نوع من أنواع القيادات بالهرم، فإن القيادات العليا هي قمة الهرم، وهذه هي المسيطرة الموجِّهة الرائدة؛ بينما تشكِّل القيادات الصغرى قاعدة الهرم، وهي ذات المسؤوليات المحدودة، ثم تتصاعد تلك
стр. 489
المسؤوليات كلما ارتفعت القيادات عن القاعدة واقتربت من القمة، ويمكن أن نطلق على درجات القيادات بين قمة الهرم وقاعدته تعبير: تسلسل القيادات.
وكل قائد يؤثِّر في أتباعه بمثاله الشخصي، فإذا كان مستقيماً صالحاً تأثَّروا باستقامته وصلاحه، وإذا كان منحرفاً فاسداً تأثَّروا بانحرافه وفساده.
وما أصدق المثل العربي القائل: "الناس على دين ملوكهم".
لذلك كان التزام القائد بالمثل العليا ضرورياً بالنسبة للقائد العسكري والقائد المدني أيضاً، وهذه المثل العليا التي هي العقيدة الصالحة هي من مزايا القائد المنتصر عسكرياً، وهي من سمات القائد المدني الناجح؛ فلا نصر في الحرب بدون عقيدة، ولا نجاح في السلام بدون عقيدة.
ولكن هناك فروقاً بين القيادة العسكرية والقيادة المدنية بأنواعها المختلفة، تجعل للعقيدة أهمية خاصة للقائد العسكري. وأستطيع أن أقول بكل اطمئنان وثقة: إن القائد العسكري بدون عقيدة راسخة يقود رجاله إلى كارثة وهزيمة ولا يقودهم إلى نصر أو ظفر أبداً.
وتاريخ الحروب في كل زمان ومكان خير دليل على ما أقول.
الفرق الأول بين القائد العسكري والقائد المدني، أن المثال الشخصي للقائد العسكري، يؤثِّر في أتباعه بسرعة خاطفة، ولا يظهر في أتباع القائد المدني بمثل تلك السرعة؛ لأن طبيعة عمل القائدين في السلم والحرب تؤدي إلى أن يكون تأثير القائد العسكري في أتباعه
стр. 490
حاسماً ومصيرياً إلى أبعد الحدود. ذلك لأن التماسَّ الشخصي بين القائد العسكري ومرؤوسيه أكثر بكثير مما هو عليه في القائد المدني وأتباعه، فالواجبات العسكرية تحتم أن يعيش القائد العسكري مع رجاله يومياً مدة طويلة، قد تبدأ غالباً قبل الدوام الرسمي وتنتهي بانتهاء الواجب اليومي دون التقيُّد بساعات عمل معينة محدودة، وقد يمكث العسكريون في الثكنة أو المعسكر أضعاف ما يمكثونه في دورهم وبين أهليهم.
كما أن القائد العسكري يواجه أتباعه يومياً في التدريب والتهذيب والمحاضرات وفي الواجبات العسكرية كالحراسات والخفارات - موجِّهاً ومراقباً، ومدرباً ومعلماً، ومرشداً ومقوِّماً.
لذلك وصف الجيش بأنه مدرسة الشعب، ووصف القادة بأنهم معلمو الشعب.
وتماسُّ القائد بأتباعه في أيام التدريب الإجمالي بعيداً عن المدن وفي أيام الحرب، يستمر كل الوقت ويستغرق كل ساعات الليل والنهار.
وأعرف كثيراً من الضبَّاط، أنكرهم أطفالهم الصغار حين عادوا إلى أهلهم من معسكرات التدريب أو من الحرب، لطول بقائهم بعيدين عن عوائلهم، وهذا ما لا يحدث بالنسبة للمدنيين إلا نادراً وفي ظروف شاذّة.
والفرق الثاني بين القائد العسكري والقائد المدني، أن التجنيد الإلزامي الذي تطبّقه أكثر الدول في العالم، جعل كل فرد من أفراد الشعب جندياً في الخدمة العملية أو في خدمة الاحتياط: منهم مَن يؤدِّي
стр. 491
الخدمة العسكرية، ومنهم مَن سيأتي دوره للخدمة العسكرية، ومنهم مَن تسرَّح من الجيش بعد أداء الخدمة العسكرية ... وهذا يتيح للقائد العسكري الاتصال بمختلف أفراد الشعب باستمرار ويؤثِّر فيهم، بينما القائد المدني يؤثر في قطاع خاص محدود من أفراد الشعب ضمن نطاق واجبه ومحيطه.
والفرق الثالث، هو أن القائد العسكري يؤثر في أتباعه بإصدار الأوامر كقاعدة وبالإقناع كاستثناء، لأن طبيعة الحياة العسكرية تتسم بالضبط المتين وإطاعة الأوامر وتنفيذها دون تردُّد؛ بينما القائد المدني يؤثِّر في أتباعه بالإقناع كقاعدة وبإصدار الأوامر كاستثناء، لأن الحياة المدنية لا تتسم بالضبط المتين وإطاعة الأوامر بدون مناقشة واقتناع.
والذي يحدث عملياً أن الجندي المستجدّ (يتطبَّع) بسجايا قائده، وبمرور الزمن يصبح (التطبُّع) في الجندي (طبعاً)، فيقضي حياته في الخدمة العسكرية وحياته بعد انقضائها متَّجهاً إلى (الخير) إذا كان قائده (خيِّراً)، وإلى (الشر) إذا كان قائده (شريراً).
وقد رأيت جنوداً مسرَّحين، يعملون في واجبات مدنية، لا ينفكُّون يذكرون قادتهم العسكريين لأنهم أحسنوا تدريبهم وتربيتهم، فكانوا عناصر مفيدة في المجتمع لسلوكهم المتميِّز المستقيم، نتيجة لخدمتهم العسكرية بقيادة متميزة مستقيمة.
والفرق الرابع والأخير، هو أن القائد العسكري له أثر مصيري في شعبه ووطنه، لأنه بالعقيدة الراسخة يقود إلى النصر وبدونها يقود إلى الاندحار. أما القائد المدني فيكون تأثيره محليّاً لا شاملاً، ومرحلياً
стр. 492
لا مستداماً، ومحدوداً لا مصيرياً.
كان المرحوم الفريق الركن حسين فوزي يشغل منصب رئيس أركان الجيش العراقي عام ١٩٣٨م.
وكان قائداً متميزاً في علمه وخلقه وحرصه واستقامته، وكان متمسّكاً بأهداب الدين الحنيف.
وفجأة انتشرت المساجد في الثكنات، وأقبل الضباط على الصلاة اقتداءً بقائدهم.
وفي يوم من الأيام وكنت يومها برتبة ملازم في مدرسة الخيَّالة، تلقينا إشارة من مقرّ المدرسة بأن والدة رئيس أركان الجيش قد توفيت، وسيشيَّع جثمانها إلى مثواه الأخير من جامع الإمام الأعظم في ضاحية (الأعظمية) القريبة من بغداد.
وتجمَّع ضباط مدينة بغداد في الجامع، فلما أقيمت الصلاة على المتوفاة، اصطفَّ جميع الضباط دون استثناء للصلاة! وكان الإنكليز مسيطرين على الجيش العراقي في ذلك الحين، فلم يستطيعوا السكوت عن هذا القائد طويلاً، وأحالوه على التقاعد قبل أن يكمل عاماً في منصبه الرفيع.
ولو بقي هذا القائد الطاهر في منصبه سنوات، لتبدَّل حال الجيش العراقي إلى أحسن حال.
ولكنَّ الاستعمار كان ولايزال بالمرصاد للقادة المتميّزين.
стр. 493
(٢)
إن العقيدة الراسخة ضرورية لكل قائد عسكري ومدني، ولكل فرد من أفراد الشعب، ولكنها بالنسبة للقائد العسكري قضية مصيرية، وهي التي تميّز بين القائد الحق والقائد المزيّف.
وليس قائداً حقّاً مَن لا يتحلَّى بالعقيدة الراسخة التي تجعله موضع ثقة رؤسائه ومرؤوسيه على حد سواء.
وليس هناك شخص واحد يولي ثقته قائداً متفسخاً منحلاًّ، لا رادع يردعه ولا ضمير يؤنبه.
وتبادل (الثقة) بين القائد ورجاله، تجعلهم يسيرون وراءه إلى الموت، وهم لا يسيرون قطعاً إلى الموت وراء قائد لا يثقون به.
ولكنَّ القول بأن العقيدة الراسخة ضرورية لكل قائد لا تغني عن كل قول، فالواقع أنها الأساس الرصين للقيادة الرصينة المنتصرة، وعلى هذا الأساس تبنى صفات القائد المنتصر الأخرى.
وكما يُشَيَّد البناء الشامخ المتين على أساس قوي متين، كذلك تشيّد كل صفات القائد المنتصر على أساس العقيدة الراسخة المتينة، وبدون هذه العقيدة لا قيمة لصفات القائد الأخرى كما لا قيمة للبنيان المشيد على جرف هار.
بل يمكن القول، بأن العقيدة الراسخة في القائد هي التي تتيح الظروف الملائمة له لتنمية صفات القيادة الأخرى فيه وتهذيبها، فهي
стр. 494
أول الطريق لبناء الصفات القيادية المتميزة.
فإذا تيسَّرت العقيدة الراسخة في القائد، بدأ طريقه على هدي وبصيرة، وكان الأمل كبيراً في نجاحه قائداً منتصراً.
ولكن العقيدة وحدها بدون توفّر صفات القيادة الأخرى في القائد، لا تكفي للقائد المنتصر الذي يؤمل على يديه للبلاد والأمة خير كثير.
وقد كان الصحابة عليهم رضوان الله في قمة التقوى والورع، ولكن الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ولَّى المناصب القيادية قسماً من صحابته توفرت فيهم العقيدة الراسخة أولاً والصفات القيادة الأخرى ثانياً.
وسار على هدي النبي ﷺ من بعده خلفاؤه الراشدون.
وسار على هدي الرسول القائد والخلفاء الراشدون كل مَنْ يريد خدمة (أمته) لا خدمة (شخصه) الكريم.
ومجمل صفات القائد المنتصر هي: العقيدة الراسخة، والمحبة المتبادلة بينه وبين رجاله، والثقة المتبادلة بينهما، والشخصية القوية النافذة، والإرادة الصلبة الحازمة، والخلق القويم، والقابلية على بناء الرجال تدريباً وتهذيباً، والحظ الموفق السعيد، والعقل الراجح الحصيف، والتربية العملية للإدارة والقتال، والسمعة الحسنة المشرفة، والعلم العسكري المتين، والمثال الشخصي الرفيع، والحذر واليقظة، والحرص الشديد، والشجاعة النادرة، والخبرة بالرجال، والضبط القوي المتين، والعمل الدائب المستمر بدون كلل ولا ملل، وإجراء
стр. 495
التفتيش الدقيق على أتباعه وقضاياهم الإدارية، والتنظيم المنطقي السليم، والتبعية المتميزة المبتكرة، والشورى، والصبر الجميل، وتحمُّل المسؤولية، والقابلية البدنية، وإتقان مبادئ الحرب، وإصدار القرارات الصحيحة بسرعة، والمعنويات العالية.
تلك هي مجمل صفات القائد المتميّز المنتصر، مقتبسة من المصادر العسكرية الأصيلة، ولعلَّ أول هذه الصفات وأهمها على الإطلاق، هي صفة: العقيدة الراسخة.
ولا بدَّ من توفر أربعة شروط في القائد المتميز المنتصر: الطبع الموهوب، والعلم المكتسب، والتجربة العملية، والعقيدة الراسخة.
الطبع الموهوب هبة من هبات الله ، فكلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، قائداً أو مهندساً أو طبيباً أو أستاذاً أو عاملاً أو فلاَّحاً.
ولكن الطبع الموهوب لا يكفي، بل لا بدَّ من إتقان العلوم العسكرية بالدرس والتمحيص والبحث والتدقيق - خاصة في هذا العصر الذي تطوَّرت فيه العلوم العسكرية، وأصبح لاثنين وستين علماً من العلوم الأخرى علاقة مباشرة بالعلوم العسكرية.
ويأتي دور التجربة العملية، وذلك بتسخير الطبع الموهوب والعلم المكتسب لميدان التطبيق العملي.
أعرف قادة في ذروة العلم المكتسب والتجربة العملية، ولكنهم لا يملكون الطبع الموهوب، فكانوا مدراء مكاتب لا قادة ميدان.
وأعرف قادة فيهم الطبع الموهوب والعلم المكتسب، ولكن