الخدمة العسكرية، ومنهم مَن سيأتي دوره للخدمة العسكرية، ومنهم مَن تسرَّح من الجيش بعد أداء الخدمة العسكرية ... وهذا يتيح للقائد العسكري الاتصال بمختلف أفراد الشعب باستمرار ويؤثِّر فيهم، بينما القائد المدني يؤثر في قطاع خاص محدود من أفراد الشعب ضمن نطاق واجبه ومحيطه.
والفرق الثالث، هو أن القائد العسكري يؤثر في أتباعه بإصدار الأوامر كقاعدة وبالإقناع كاستثناء، لأن طبيعة الحياة العسكرية تتسم بالضبط المتين وإطاعة الأوامر وتنفيذها دون تردُّد؛ بينما القائد المدني يؤثِّر في أتباعه بالإقناع كقاعدة وبإصدار الأوامر كاستثناء، لأن الحياة المدنية لا تتسم بالضبط المتين وإطاعة الأوامر بدون مناقشة واقتناع.
والذي يحدث عملياً أن الجندي المستجدّ (يتطبَّع) بسجايا قائده، وبمرور الزمن يصبح (التطبُّع) في الجندي (طبعاً)، فيقضي حياته في الخدمة العسكرية وحياته بعد انقضائها متَّجهاً إلى (الخير) إذا كان قائده (خيِّراً)، وإلى (الشر) إذا كان قائده (شريراً).
وقد رأيت جنوداً مسرَّحين، يعملون في واجبات مدنية، لا ينفكُّون يذكرون قادتهم العسكريين لأنهم أحسنوا تدريبهم وتربيتهم، فكانوا عناصر مفيدة في المجتمع لسلوكهم المتميِّز المستقيم، نتيجة لخدمتهم العسكرية بقيادة متميزة مستقيمة.
والفرق الرابع والأخير، هو أن القائد العسكري له أثر مصيري في شعبه ووطنه، لأنه بالعقيدة الراسخة يقود إلى النصر وبدونها يقود إلى الاندحار. أما القائد المدني فيكون تأثيره محليّاً لا شاملاً، ومرحلياً
стр. 492
لا مستداماً، ومحدوداً لا مصيرياً.
كان المرحوم الفريق الركن حسين فوزي يشغل منصب رئيس أركان الجيش العراقي عام ١٩٣٨م.
وكان قائداً متميزاً في علمه وخلقه وحرصه واستقامته، وكان متمسّكاً بأهداب الدين الحنيف.
وفجأة انتشرت المساجد في الثكنات، وأقبل الضباط على الصلاة اقتداءً بقائدهم.
وفي يوم من الأيام وكنت يومها برتبة ملازم في مدرسة الخيَّالة، تلقينا إشارة من مقرّ المدرسة بأن والدة رئيس أركان الجيش قد توفيت، وسيشيَّع جثمانها إلى مثواه الأخير من جامع الإمام الأعظم في ضاحية (الأعظمية) القريبة من بغداد.
وتجمَّع ضباط مدينة بغداد في الجامع، فلما أقيمت الصلاة على المتوفاة، اصطفَّ جميع الضباط دون استثناء للصلاة! وكان الإنكليز مسيطرين على الجيش العراقي في ذلك الحين، فلم يستطيعوا السكوت عن هذا القائد طويلاً، وأحالوه على التقاعد قبل أن يكمل عاماً في منصبه الرفيع.
ولو بقي هذا القائد الطاهر في منصبه سنوات، لتبدَّل حال الجيش العراقي إلى أحسن حال.
ولكنَّ الاستعمار كان ولايزال بالمرصاد للقادة المتميّزين.
стр. 493
(٢)
إن العقيدة الراسخة ضرورية لكل قائد عسكري ومدني، ولكل فرد من أفراد الشعب، ولكنها بالنسبة للقائد العسكري قضية مصيرية، وهي التي تميّز بين القائد الحق والقائد المزيّف.
وليس قائداً حقّاً مَن لا يتحلَّى بالعقيدة الراسخة التي تجعله موضع ثقة رؤسائه ومرؤوسيه على حد سواء.
وليس هناك شخص واحد يولي ثقته قائداً متفسخاً منحلاًّ، لا رادع يردعه ولا ضمير يؤنبه.
وتبادل (الثقة) بين القائد ورجاله، تجعلهم يسيرون وراءه إلى الموت، وهم لا يسيرون قطعاً إلى الموت وراء قائد لا يثقون به.
ولكنَّ القول بأن العقيدة الراسخة ضرورية لكل قائد لا تغني عن كل قول، فالواقع أنها الأساس الرصين للقيادة الرصينة المنتصرة، وعلى هذا الأساس تبنى صفات القائد المنتصر الأخرى.
وكما يُشَيَّد البناء الشامخ المتين على أساس قوي متين، كذلك تشيّد كل صفات القائد المنتصر على أساس العقيدة الراسخة المتينة، وبدون هذه العقيدة لا قيمة لصفات القائد الأخرى كما لا قيمة للبنيان المشيد على جرف هار.
بل يمكن القول، بأن العقيدة الراسخة في القائد هي التي تتيح الظروف الملائمة له لتنمية صفات القيادة الأخرى فيه وتهذيبها، فهي
стр. 494
أول الطريق لبناء الصفات القيادية المتميزة.
فإذا تيسَّرت العقيدة الراسخة في القائد، بدأ طريقه على هدي وبصيرة، وكان الأمل كبيراً في نجاحه قائداً منتصراً.
ولكن العقيدة وحدها بدون توفّر صفات القيادة الأخرى في القائد، لا تكفي للقائد المنتصر الذي يؤمل على يديه للبلاد والأمة خير كثير.
وقد كان الصحابة عليهم رضوان الله في قمة التقوى والورع، ولكن الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ولَّى المناصب القيادية قسماً من صحابته توفرت فيهم العقيدة الراسخة أولاً والصفات القيادة الأخرى ثانياً.
وسار على هدي النبي ﷺ من بعده خلفاؤه الراشدون.
وسار على هدي الرسول القائد والخلفاء الراشدون كل مَنْ يريد خدمة (أمته) لا خدمة (شخصه) الكريم.
ومجمل صفات القائد المنتصر هي: العقيدة الراسخة، والمحبة المتبادلة بينه وبين رجاله، والثقة المتبادلة بينهما، والشخصية القوية النافذة، والإرادة الصلبة الحازمة، والخلق القويم، والقابلية على بناء الرجال تدريباً وتهذيباً، والحظ الموفق السعيد، والعقل الراجح الحصيف، والتربية العملية للإدارة والقتال، والسمعة الحسنة المشرفة، والعلم العسكري المتين، والمثال الشخصي الرفيع، والحذر واليقظة، والحرص الشديد، والشجاعة النادرة، والخبرة بالرجال، والضبط القوي المتين، والعمل الدائب المستمر بدون كلل ولا ملل، وإجراء
стр. 495
التفتيش الدقيق على أتباعه وقضاياهم الإدارية، والتنظيم المنطقي السليم، والتبعية المتميزة المبتكرة، والشورى، والصبر الجميل، وتحمُّل المسؤولية، والقابلية البدنية، وإتقان مبادئ الحرب، وإصدار القرارات الصحيحة بسرعة، والمعنويات العالية.
تلك هي مجمل صفات القائد المتميّز المنتصر، مقتبسة من المصادر العسكرية الأصيلة، ولعلَّ أول هذه الصفات وأهمها على الإطلاق، هي صفة: العقيدة الراسخة.
ولا بدَّ من توفر أربعة شروط في القائد المتميز المنتصر: الطبع الموهوب، والعلم المكتسب، والتجربة العملية، والعقيدة الراسخة.
الطبع الموهوب هبة من هبات الله ، فكلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، قائداً أو مهندساً أو طبيباً أو أستاذاً أو عاملاً أو فلاَّحاً.
ولكن الطبع الموهوب لا يكفي، بل لا بدَّ من إتقان العلوم العسكرية بالدرس والتمحيص والبحث والتدقيق - خاصة في هذا العصر الذي تطوَّرت فيه العلوم العسكرية، وأصبح لاثنين وستين علماً من العلوم الأخرى علاقة مباشرة بالعلوم العسكرية.
ويأتي دور التجربة العملية، وذلك بتسخير الطبع الموهوب والعلم المكتسب لميدان التطبيق العملي.
أعرف قادة في ذروة العلم المكتسب والتجربة العملية، ولكنهم لا يملكون الطبع الموهوب، فكانوا مدراء مكاتب لا قادة ميدان.
وأعرف قادة فيهم الطبع الموهوب والعلم المكتسب، ولكن
стр. 496
تنقصهم التجربة العملية، فكانوا أقرب إلى الهواة منهم إلى القادة المحترفين.
وأعرف قادة فيهم الطبع الموهوب والعلم المكتسب، ولكن تنقصهم التجربة العملية، فكانوا أقرب إلى الهُواة منهم إلى القادة المحترفين.
وأعرف قادة فيهم الطبع الموهوب والتجربة العملية، ولكن ينقصهم العلم المكتسب، فكانوا أقرب إلى المغامرة منهم إلى الفن العسكري الأصيل.
وأعرف موظفاً في قسم الترجمة التابع لمديرية التدريب العسكري، كان حجة في العلوم العسكرية يحفظها عن ظهر قلب، ولكنه بدون تجربة عملية وطبع موهوب، فكان لا يستطيع قيادة دجاجة واحدة.
وأعرف قادة فيهم الطبع الموهوب والعلم المكتسب والتجربة العملية، ولكن تنقصهم العقيدة الراسخة، فلم يكونوا موضع ثقة رجالهم، وكانوا بوادٍ ورجالهم بواد.
والمهمّ في هذه الظروف التي تجتازها الأمة العربية، هو اختيار القائد المناسب للقيادة المناسبة؛ فيجب على أولياء العرب والمسلمين أن يولوا كل عمل قيادي أصلح من يجدونه لذلك العمل بعيداً عن الأهواء والأغراض الشخصية.
وقد كنت ولا أزال وسأبقى واثقاً كل الثقة مؤمناً غاية الإيمان، بأن الأمة التي أنجبت الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام
стр. 497
والقادة الراشدين وقادة الفتح الإسلامي من الصحابة والتابعين أمثال خالد بن الوليد والمثنّى بن حارثة الشيباني وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجرَّاح وعمرو بن العاص وعقبة بن نافع وطارق بن زياد ومحمد بن القاسم وقتيبة بن مسلم الباهلي ﵁ م؛ وأنجبت القادة المنتصرين بعد الفتح الإسلامي من أمثال أسد بن الفرات فاتح صقلية وقطز قاهر التتار وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح ... هذه الأمة العريقة لن تعجز أبداً عن إنجاب أمثالهم من القادة الفاتحين.
فأين مَن يجد القائد المناسب للقيادة المناسبة، بعيداً عن الهوى وعن المصالح الشخصية؟ ... أين؟؟.
أين المسؤول العربي أو المسلم، الذي يرتفع إلى مستوى إيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة؟!.
قال رسول الله ﷺ : ﴿مَنْ وَليَ من أمر المسلمين شيئاً، فولَّى رجلاً وهو يجد مَن هو أصلح منه للمسلمين، فقد خان الله ورسوله".
وفي رواية: "مَن قلَّد رجلاً عملاً على عصابة (١) وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين" (٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "مَن وَليَ من أمر المسلمين شيئاً، فولَّى رجلاً لمودَّة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين" (٣).
стр. 498
فيجب على كل من وليَ شيئاً من أمر المسلمين، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع: أصلح من يقدر عليه؛ ولا يقدِّم الرجل لكونه طلب الولاية أو سَبَقَ في الطلب، بل ذلك سبب المنع. فقد جاء في الصحيحين: البخاري ومسلم، عن النبي ﷺ : "أنَّ قوماً دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: إنَّا لا نولي أمرنا هذا من طلبه".
إن اختيار القائد المناسب للقيادة المناسبة، أمانة في أعناق المسؤولين، وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال ٨: ٢٧].
وقد دلَّت سنَّة رسول الله ﷺ على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، مثل قوله لأبي ذر حين سأله أن يولّيه منصباً من المناصب: "إنها أمانة، وإنه يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" (١).
وروى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إذا ضُيِّعت الأمانة، انتظر الساعة"، قيل: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِّد (٢) الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
والذي يدهش حقّاً في أقوال النبي ﷺ ، هو حرصه الشديد على إبراز نموذج رفيع لتفكير: (رجل الدول) حسب الاصطلاحات الحديثة، فقد كان عليه أفضل الصلاة والتسليم: (رجل الدولة) بكل ما يعنيه هذا التعبير.
стр. 499
ولعلَّ أبرز صفاته ﵊، قابليَّته الفذَّة على استعمال الرجل المناسب للعمل المناسب، لذلك استطاع بكل كفاية: (بناء الرجال)، فلما التحق بالرفيق الأعلى كان لدى المسلمين قادة وحكام وقضاة وإداريون وكتَّاب وشعراء ورجال سياسة ... إلخ.
وقد حوكم سكرتير أحد الأحزاب عام (١٩٦٢م) لأنه كان عميلاً لدولة معادية، فقيل له: إنك سكرتير الحزب ومؤسسه ورائده، وقد خدمته عشرين عاماً طويلة، فماذا صنعت لخدمة الأجنبي؟ فقال: "كنت أضع الرجل في العمل الذي لا يناسبه" ... ترى كم من رجالنا يفعل مثل ذلك وهو لا يدري؟!! وإلى متى نضع المهندس في موضع الطبيب، والطبيب في موضع المهندس، والضابط في موضع الإداري، والإداري في موضع الضابط؟؟!!
(٣)
أ) ولعل الذين دققوا بإمعان، في سِيَرِ قادة العرب والمسلمين الفاتحين في أيام الفتح الإسلامي العظيم، وفي سِيَرِ قادة العرب والمسلمين المنتصرين بعد أيام الفتح الإسلامي العظيم، قد وجدوا أن (القاسم المشترك) في صفاتهم جميعاً، على اختلاف أجناسهم وطبائعهم والزمان الذي عاشوا فيه والمكان الذي ترعرعوا فوق أرجائه والظروف التي أحاطت بهم والبيئة التي تأثروا بها - على اختلاف كل هذه المؤثرات التي تبني السجية وتشيّد الشخصية وتوجه الرجال - هذا (القاسم المشترك) بينهم جميعاً هو تمسكهم بتعاليم الدين الحنيف، ورغبتهم الصادقة في إعلاء كلمة الله.
стр. 500
كانوا أبطال الإسلام لا أبطال شعوبهم التي ينتسبون إليها، وكانت الفكرة الإسلامية تملأ نفوسهم ومشاعرهم: يضطرمون بها ولا يؤمنون بغيرها. ولم تكن تحدوهم في جهادهم أية فكرة قومية أو عنصرية أو إقليمية.
فإذا نحن أسبغنا على هؤلاء القادة الفاتحين والمنتصرين أو على مشاريعهم وأهدافهم وجهادهم في سبيل الله أية صفة أخرى غير الصفة الإسلامية، وإذا نحن نسبناها إلى بواعث قومية أو عنصرية أو إقليمية، فإنا بذلك نجني على سِيَر هؤلاء الأبطال الإسلاميين العظام، إذ نجرِّدهم من أروع الحوافز البطولية وأشرفها، كما نجني على الواقع وحقائق التاريخ.
لقد كانوا قادة (مبادئ) لا قادة (مصالح).
كما كان وراء كل قائد من القادة الفاتحين والمنتصرين عالم عامل من علماء الدين، يُذْكي الشعور الديني، ويحرّض على القتال، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويرفع المعنويات، ويصاول الحرب النفسية، ويبشّر بالنصر، ويكافح الانهزاميين.
وكان القادة جميعاً يستشيرون هؤلاء العلماء العاملين، الذين كانوا يعتبرون العلم (عبادة) ولا يعتبرونه (تجارة).
قادة الفتح الإسلامي من الصحابة والتابعين، كانوا في الوقت نفسه علماء عاملين، يحملون السيف بيد والمصحف بيد أخرى، وكانوا قادة ودعاة في آن واحد، يفتحون من أجل الدعوة، ويَعْرِضون الإسلام على الناس بدون إكراه.
стр. 501
والقادة المنتصرون كانوا يحرصون أن يكون إلى جانبهم في الميدان أشهر العلماء العاملين، وقد مرت بنا فيما سلف أسماء قسم من هؤلاء العلماء الأجلاء.
هذه العقيدة الراسخة التي كان يتحلى بها القادة، وأولئك العلماء الأعلام الذين كانوا وراء أولئك القادة، جعل القادة الفاتحين والمنتصرين يقودون رجالهم من (الأمام)، يقولون لهم: "اتبعونا"، ولا يقودون رجالهم من (الخلف)، يقولون لهم "تقدموا إلى الأمام"، ثم يستأثرون بالأمن والدعة والراحة.
وهذا الإقدام، وهذه الشجاعة، أثر من آثار العقيدة الراسخة، تلك العقيدة التي يستثير كوامنها العلماء العاملون والشيوخ المجاهدون.
كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عبد الرحمن بن نعيم: "إن العمل والعلم قريبان، فكن عالماً بالله عاملاً له؛ فإن أقواماً علموا ولم يعملوا، فكان علمهم عليهم وبالاً" (١).
والعالم بدون عمل، كالتربة الخصبة بدون زرع؛ والعمل أهم من العلم، وربّ عالم يبهر الناس بعلمه ولكنه لا يعمل بهذا العلم، أفضل منه الذي يعمل بعلمه القليل.
والشيطان أعلم العلماء، ولكنه يضر ولا ينفع؛ وأي عامل يفيد بعمله ولا يضر، أنفع للمصلحة العامة من أعلم العلماء بدون عمل.
стр. 502
والعالم العامل أحرص الناس على الجهاد وأكثرهم فائدة في ميدان القتال، لأنه يرفع المعنويات، ويقوي العزائم، ويشجع على الثبات، ويحرّض على الاستقتال.
وللعلماء العاملين تاريخ مشرف في الجهاد، وقد استشهد ثلاثمئة صحابي في رواية - وخمسمئة صحابي في رواية أخرى - من القراء في معركة (اليمامة) تحت لواء خالد بن الوليد ﵁ في حرب الردّة، والقراء هم علماء الصحابة العاملون.
وقد كان مع كل قائد فاتح في أيام الفتح الإسلامي العظيم علماء عاملون من (الدعاة) يطهرون نفوس أفراد الجيش قبل نشوب القتال، ويباشرون الحرب بعد نشوبها، ويدعون الناس إلى الإسلام بالحسنى والموعظة الحسنة بعد إحراز النصر.
وما يقال عن قادة الفتح الإسلامي، يقال عن القادة المنتصرين بعد توقف هذا الفتح.
كان وراء قطز العالم العامل الشيخ العز بن عبد السلام وأضرابه، وكان وراء صلاح الدين الشيخ ابن شداد وأمثاله، وكان لا يسمع بعالم عامل إلا استقدمه ورحّب به وجالسه وخالطه واستمع بشوق إليه.
وكان وراء السلطان محمد الفاتح الشيخ آق شمس الدين والشيخ الكوراني وأمثالهما كثير من العلماء العاملين.
وقد بلغ إعجاب السلطان الفاتح بالعلماء، أنه اتخذ زيّهم ونبذ زيّ السلاطين. وقد كان للفاتح - كما مر بنا - دويّ في العالم كله وأثر
стр. 503
عظيم في السياسة الدولية، وتأثير حاسم في الملوك والأباطرة والرؤساء والأمراء وذوي السلطان، ولكنه كان يخضع خضوعاً كاملاً للعلماء العاملين، لأنهم ورثة الأنبياء، وقد لمس أثرهم في جيوشه وتأثيرهم في نفوس رجاله، وعزوفهم عن الدنيا، وحبهم للخير، وحرصهم على النصر، فكانوا له خير عون في السلام والحرب.
وقد استشهد قائد القضاة وقاضي القادة أسد بن الفرات في ميدان الشرف، وطلب ابن تيمية الشهادة في معارك كثيرة، ولكن الله كرّمه بالجروح ولم يكرمه بالشهادة.
وأمثال أسد بن الفرات والعز بن عبد السلام وابن تيمية من العلماء العاملين كثير، وقد كان لهم أثر حاسم في إحراز النصر.
وإذا كان القائد العسكري هو المسؤول الأول عن قيادة جيشه من القضايا السوقية والتعبوية والإدارية، أو بمعنى آخر المسؤول الأول عن الناحية المادية في الجيش؛ فإن العالم العامل، هو المسؤول الأول عن القضايا الدينية، أو بمعنى آخر المسؤول الأول عن الناحية المعنوية.
والناحية المعنوية في كل جيش لا تقل أهمية عن الناحية المادية، إذ لا ينتصر جيش لا يتحلى بالمعنويات العالية - كما هو معروف.
إن حاجة العرب والمسلمين اليوم إلى علماء عاملين، لا تقل عن حاجتهم إلى قادة ماهرين؛ وأهمية أطباء الروح لا تقل عن أهمية أطباء البدن.
ب) إن أثر القائد في جنوده يفوق حدود الوصف.
стр. 504
والقادة الأفذاذ يغيّرون التاريخ، ويؤثرون في حاضر الأمم ومستقبلها، ويبدلون حالها إلى أحسن حال.
لقد كان العرب قبل الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ضعفاء متفرقين، فأصبحوا بقيادته أقوياء موحدين.
وكانوا يخشون الفرس والروم، فأصبح الفرس والروم يخشونهم.
وأصبحت مصر بقيادة صلاح الدين دولة قوية، فعادت بعد وفاته دولة ضعيفة.
وقد عجز الخلفاء والملوك والسلاطين قبل محمد الفاتح عن فتح القسطنطينية، وبفضل قيادته فُتحت القسطنطينية وفُتحت عشرات من بلدان الروم وغير الروم في أوروبا.
وبالإمكان ضرب ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من الأمثال عن أثر القادة الأفذاذ في أممهم.
وما يقال عن أثرهم في الأمم يقال عن أثرهم في الجيوش والفيالق والفِرَق والتشكيلات الكبرى والوحدات الصغرى.
أعرف فرقاً وتشكيلات ووحدات كانت ضعيفة هزيلة،
فأصبحت بين عشية وضحاها بفضل قادتها الجدد قوية متينة.
وقد رأيت وحدات عسكرية تؤدي شعائر الله، لأن قائدها يؤدي تلك الشعائر، ورأيت وحدات قريبة من الشيطان بعيدة من الله اقتداء بقائدها.
والقائد الذي يثبت أمام الأعداء، يثبت رجاله أعظم الثبات،
стр. 505
والقائد الذي يهرب من الميدان يسبقه جنوده في الهروب إلى ساحة الأمان.
وقد كان جيش الألمان في الحرب العالمية الثانية في الجبهة الإفريقية ضعيفا مندحراً، فأصبح بقيادة المشير رومل قوياً منتصراً.
وكان الجيش الثامن البريطاني في الحرب العالمية الثانية في شمال إفريقيا قبل تولي المشير مونتكومري قيادته جيشاً منهزماً، فأصبح بقيادة مونتكومري جيشاً مظفراً.
إن فضائل القائد تنتقل إلى رجاله بالعدوى، كما أن رذائله تنتقل إليهم بالعدوى أيضاً، لذلك كان اختيار القائد العقيدي خدمة للجيش والأمة والبلاد.
وتولي قائد تافه مقاليد القيادة، من مصلحة العدو ما في ذلك أدنى شك.
ولعل اختيار القائد العقيدي الذي يتسم بصفات القيادة الأخرى ضرورة حيوية للعرب والمسلمين - خاصة في مثل هذه الأيام.
واختيار القائد غير الملتزم بالعقيدة الراسخة، مهما تكن صفاته القيادية الأخرى، من مصلحة العدو أيضاً دون ريب.
وقد جرّب العرب والمسلمون في ظروف مختلفة ومناسبات شتى، قادة لا عقيدة لهم فكان ضررهم أكبر من فائدتهم، وكان هدمهم أكثر من بنائهم، على الرغم من تيسر بعض الصفات القيادية المتميزة في قسم منهم.
стр. 506
فقد استطاع هؤلاء تكديس الأسلحة، ونجحوا في القضايا المادية، ولكنهم أخفقوا في (بناء الرجال)، ونجحوا في (تحطيم الرجال).
وكانت النتيجة أن الأسلحة الضخمة والأعداد الهائلة من الجنود، لم تُجْدِ نفعاً حين التقى الجمعان.
إن الجيش ليس كتلاً ضخمة هائلة من البشر والسلاح، بل لا بد أن تكون المعنويات العالية التي هي العقيدة الراسخة إلى جانب السلاح والبشر، ليكون جيشاً حقاً، وإلا فسيبقى جيشاً من قوارير ... ولا أزيد ... ثم إن قادة إسرائيل متمسكون بالعقيدة الصهيونية التي هي عبارة عن الدين اليهودي والقومية اليهودية.
والعقيدة لا تقاوم إلا بعقيدة أصلح منها وأفضل، لها مقومات البقاء، لأن البقاء للأصل، وتلك هي سنة الحياة.
والتمسك بعقيدة فاسدة، أفضل من عدم التمسك بأية عقيدة.
وقد انتصرت إسرائيل بالعقيدة اليهودية على العرب الذين تخلوا عن عقيدتهم، وهكذا انتصرت العقيدة الفاسدة على من لا عقيدة لهم، وتلك هي سنة الحياة أيضاً.
قال هيرتزل في خطابه الافتتاحي الذي ألقاه في المؤتمر الصهيوني الأول عام (١٨٩٧م) المعقود في مدينة (بال) السويسرية: "الصهيونية هي العودة إلى حظيرة اليهودية قبل أن تصبح الرجوع إلى أرض يهود".
стр. 507
وكتب هيرتزل في كراس (الدولة اليهودية): "الإيمان يوحّد فيما بيننا". وقال: "أريد تربية أولادي وتنشئتهم على الاعتقاد بالإله التاريخي". وقال: "لم يكن الله ليبقينا على قيد الحياة طيلة العصور الفائتة لو لم يكن لنا دور نلعبه في تاريخ البشر" (١).
وفي جيش إسرائيل حاخامات على رأسهم حاخام الجيش الأكبر، وهم يتمتعون بسلطات دينية في الجيش لا نظير لها في الجيوش العالمية الأخرى.
وفي جيش إسرائيل، تُجرى مسابقات سنوية في التوراة دراسةً وحفظاً وتفسيراً، يكرّم المتفوقون فيها أعظم التكريم وينالون أغلى الجوائز.
كما أن الجيش الإسرائيلي يقيم الشعائر الدينية عند حائط المبكى، وأفراد سلاح المظلات الإسرائيلي يؤدون قَسَم الولاء لإسرائيل عند هذا الحائط: يحملون البندقية بيد والتورات بيد أخرى.
وقد كان (بنغوريون) يقول ولا يزال: "لا معنى لإسرائيل بدون القدس؛ ولا معنى للقدس بدون الهيكل"، ويريد هيكل سليمان الذي تعتزم إسرائيل إقامته على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.
وحين وصلت قوات إسرائيل إلى (سيناء) سجد أفرادها على الرمال وقبلوا ذراتها على اعتبارها من الأماكن المقدسة لديهم.
ولما احتل الإسرائيليون مدينة (أريحا) الواقعة في غور فلسطين
стр. 508
عام (١٩٦٧م)، انتظروا صدح البوق قبل دخول المدينة تنفيذاً لتعاليم التوراة.
وقد أطلقوا على خطة النفير التي طبقوها في حرب سنة (١٩٦٧م): (خطة نفير سليمان)، وذكروا أنهم اقتبسوها من التوراة.
وحين هرّب الصهاينة ستة زوارق حربية من ميناء (شربورغ) يوم ٢٦ كانون الأول (ديسمبر) سنة (١٩٧٠م)، فلما وصلت سالمة إلى مدينة (حيفا) قال دايان: "إن الزوارق الستة التي أبحرت دون أسلحة ودون حراسة، واستطاعت التزود بالوقود في البحر ... ذلك لأنها لم تكن مزودة بأربع محركات فحسب، بل وأيضاً بنعمة إلهية وبروح علوية ... ! وهذا ما أشار إليه الكتاب المقدس: (كانت الفوضى تعمُّ الأرض، وروح الله تشمل الماء) " (١).
تلك هي نبذة من أقوال زعماء إسرائيل، وذلك هو مبلغ تمسكهم
بالدين.
أما العرب!! أما المسلمون!!
(٤)
ولست أستطيع أن أفهم، كيف يستسيغ عربي أو مسلم يتمتع بكامل عقله، ويدّعي الإخلاص لأمته، أن العقيدة الإسلامية تتناقض
стр. 509
مع القيادة، وأنها لا تقود إلى النصر.
إن تعاليم الإسلام، تُعِدُّ المسلم ليكون جندياً متميزاً في جيش المسلمين، وتزوّده بإرادة القتال، وتكوّن جيشاً لا يُغلب من قلة أبداً.
وحين تمسّك المسلمون بهذه التعاليم، في حياة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام وأيام الفتح الإسلامي العظيم، بهروا العالم بإنجازاتهم العسكرية الفذة، وثلُّوا عرش كسرى وزعزعوا عرش قيصر وحملوا رايات المسلمين شرقاً وغرباً من نصر حاسم إلى نصر حاسم.
وقد أثبت الباحثون المسلمون وغير المسلمين أيضاً، أن انتصارات المسلمين يومذاك كانت انتصارات عقيدة بدون أدنى شك.
وفي تاريخ المسلمين الطويل، بعد توقف الفتح الإسلامي العظيم، حدثت انتصارات محلية في دول معينة ومناطق معينة، بسبب عودة تلك الدول بشكل محدود ولمدة محدودة إلى التمسك بأهداب الدين الحنيف.
كما أن تاريخ الحرب العربي والإسلامي، أثبت بصورة قاطعة أن النصر والمجد كانا حليفين للقادة المتدينين، وأن الهزيمة والعار كانا حليفين للقادة غير المتدينين.
وحين ترك العرب والمسلمون روح تعاليم الإسلام واكتفوا بالمظاهر فقط، لم تنتصر لهم راية أبداً، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١٣: ١١]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال ٨: ٥٣].
стр. 510
ولم ينتصر جيش إلا وله (قضية) يدافع عنها ويؤمن أفراده بأنها تستحق أن يضحوا من أجلها بالروح، و (القضية) - كما يعبر عنها المحدثون - هي العقيدة الراسخة أو المصلحة العامة، أو هي العقيدة والمصلحة في آن واحد.
المسلمون الأولون مثلاً، كانت (القضية) التي حاربوا من أجلها، هي إعلاء كلمة الله، فكانت حروبهم من أجل العقيدة.
والحلفاء والمحور في الحرب العالمية الثانية، كانت (القضية) التي حاربوا من أجلها، هي مصالحهم القومية والوطنية.
وشتان بين حرب (العقيدة) وحرب (المصلحة): الأولى حرب عادلة، والثانية حرب غير عادلة.
وقد انتبه المؤرخ ابن خلدون إلى أهمية (العقيدة) بالنسبة للعرب، فقال في مقدمته: "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم"، وقد عقد في مقدمته فصلاً ضافياً لإثبات ذلك (١).
تلك حقائق معروفة، ولكنّ أعداء العرب والمسلمين يشوهون الحقائق، ليسهل عليهم السيطرة والاستغلال، لأنهم يعرفون أن الأمة بدون عقيدة لا تقوى على تحمل أعباء القتال، وتُؤْثِر الاستسلام مع الذل على الحرب مع العزة.
ولست ألوم أعداء العرب والمسلمين على حربهم الإسلام
стр. 511
ومقاومتهم التمسك بتعاليمه ومعاداتهم المتقين الأخيار، لأنهم حريصون على مصالحهم في الوطن العربي والبلاد الإسلامية، حريصون على بقاء العرب والمسلمين ضعفاء لاحول لهم ولا قوة؛ وعودة العرب والمسلمين إلى الإسلام من جديد، يهدد مصالح أعدائهم ويقضي عليها قضاءً مبرماً.
ولكنني ألوم قسماً من العرب والمسلمين الذين يصدقون مزاعم أعداء أمتهم وعقيدتهم، ويعملون بسذاجة أو غباء أو خضوعاً للأيدي الخفية على إشاعة تلك المزاعم بين المواطنين.
بعد نكسة عام (١٩٦٧م) تعالت أصوات عربية مريبة، تدَّعي بأن أسباب النكسة تمسك العرب بالدين، وبأن من أسباب النصر التخلي عن الدين.
وأصحاب هذه الأصوات المريبة، تسبغ على نفسها ألقاباً علمية تارة وشعارات براقة تارة أخرى!! وأتساءل: هل يجهل هؤلاء أن العرب تنكروا للدين منذ زمن بعيد؟ فكيف إذاً كان الدين من أسباب النكسة؟ وأتساءل: هل من الصدفة توقيت ترديد هذه المزاعم بعد النكسة مباشرة، أم هي الأيدي الخفية العميلة التي تدفع إلى ترديدها في مثل هذا الوقت بالذات؟ إن أمر هؤلاء المغرَّر بهم أو العملاء مكشوف، ولكن ياليت قومي يعلمون!
стр. 512
ثم أعود إلى قسم من العسكريين الذين استقرَّ في أذهانهم أن القيادة تناقض العبادة، وأتساءل: كيف يمكن أن يستقر مثل هذا الخطأ الفاحش في الأذهان؟ وهل له سند من تاريخ العرب والمسلمين أو من واقعهم؟ هل في الإسلام ما يعطل الطاقات المادية والمعنوية من بعيد أو قريب أو فيه ما يشحذها؟.
إن هؤلاء الذين استقر في أذهانهم هذا الخطأ يستحقون أعنف اللوم، ويستحقون في الوقت نفسه أعظم الرثاء.
وأخيراً ألوم المسؤولين الذين بيدهم أمور الناس، لأنهم يستطيعون تصحيح الأوضاع وإعادة الأمور إلى مجاريها، ثم يقفون موقف المتفرج ولا يفعلون شيئاً.
(٥)
كيف يمكن إعادة (بناء الرجال) ليكونوا عناصر مفيدة في المجتمع العربي الإسلامي وقوة الحاضر ودعامة المستقبل؟ كيف يمكن إعادة: (بناء الأمة)، لتكون خير أمة أخرجت للناس؟؟ إن (الفرد) العربي والمسلم، له حقوق وعليه واجبات، وعليه تقع مسؤولية جزء كبير أو صغير في (بناء الأمة) ضمن نطاق عائلته ووظيفته ومهنته.
و (الدولة) العربية الإسلامية، لها حقوق على الأفراد وعليها
стр. 513
واجبات تجاههم، وعليها تقع مسؤولية كبرى في (بناء الأمة) ضمن نطاق واجباتها ومسؤولياتها.
ولا بد للفرد أن يؤدي ما عليه من حقوق للدولة، ليطالبها بما له عليها من واجبات.
ولابد للدولة أن تؤدي ما عليها من حقوق للفرد، لتطالبه بما لها عليه من واجبات.
ولا بد أن يتعاون (الفرد) مع (الدولة)، وتتعاون (الدولة) مع (الفرد) بكل أمانة وإخلاص في مجال بناء (الفرد) و (الأمة)، حتى تنهض الأمة من كبوتها وتستعيد سيرتها الأولى.
ويخيل إليّ أن (التعاون) ليس على ما يرام بين (الفرد) و (الدولة)، فالفرد ينتظر من الدولة أن تعمل كل شيء وهو لا يكاد يفعل شيئاً، والدولة تطالب الفرد بواجباته ولا تؤدي له حقوقه، والفرد يضع اللوم كله على الدولة، والدولة تضع اللوم كله على الفرد.
وعلى سبيل المثال، كثيراً ما نسمع (الفرد) ينتقد استهتار الشباب بالقيم الدينية ويعزي هذا الاستهتار إلى تقصير (الدولة) في القيام بواجبها.
هؤلاء الشباب أبنائي وبناتي وأبناء غيري وبناتهم، فهل فكر كل (فرد) بواجبه نحو ذريته؟ أليس من واجب (الفرد) أن يغرس في أبنائه وبناته القيم الدينية، ليحول دون تفسخهم وضياعهم وانحلالهم أخلاقياً؟؟
стр. 514
ولست أشك في تقصير (الدولة)، فهل يستسلم (الفرد) ولا يؤدي واجبه نحو أولاده؟
ولست أنوي وضع خطة تفصيلية لبناء الرجال، لأن ذلك يحتاج إلى كتاب خاص ودراسة خاصة، لا مكان لها في هذا الكتاب.
ولكنني أنوي وضع الخطوط العريضة لخطة (بناء الرجال)، مركّزاً على تهيئة قادة المستقبل بصورة خاصة.
ولا أدعي لنفسي ما لا أملك، فلست من رجال التربية، ولكن خبرتي الطويلة في العمل العسكري تربية للجنود والضباط، وخبرتي الخاصة مما تعلمته من أبوي في تربيتي ومما تعلمته من تجربتي العملية في تربية أولادي، تجعلني أملك رصيداً من التجارب العملية في التربية قد يكون عرضها مفيداً للفرد وللدولة أيضاً.
ويا حبذا لو عرض كل ذي تجربة عملية تجربته لغيره، فقد تكون حصيلة هذه التجارب ثروة تربوية لا تقدر بثمن.
أ) الفرد:
أولاً: فاقد الشيء لا يعطيه، والمحروم من التربية السليمة لا يمكن أن يربي غيره تربية سليمة.
وأقصد أن يبدأ المرء بنفسه، فيطهرها ويقوّم معوجّها وينفي عنها الخبث.
وإذا كان أبواه قد قصّرا في تربيته لسبب من الأسباب، أو كانت مدرسته قد قصرت في تربيته أيضاً، فلا يقنط من إصلاح نفسه ولا ييأس.
стр. 515
إن الدنيا لا تزال بخير، والمربون الأخيار معروفون، وبإمكانه اللجوء إلى أحدهم ليقتبس منه النور والصلاح.
ثانياً: يجب أن يتحمل الآباء والأمهات واجباتهم كاملة في تربية أطفالهم، فلا ينبغي وضع عبء التربية كله على المدرسة، ولا ينبغي إهمال التربية اعتماداً على المدرسة.
يجب تلقين الأطفال مبادئ الدين الحنيف وأسس الخلق القويم في البيت قبل الالتحاق بالمدرسة.
وقد سألني صحفي زعم أن الآباء والأمهات فقدوا سيطرتهم على أبنائهم من الجيل الجديد، وأن السيطرة انتقلت من الأبوين إلى الأولاد، فقال: "هل تعاني مشاكل من تصرفات أولادك"؟ فقلت: "مشاكل! ولماذا أعاني المشاكل؟!! إن الذين يعانونها قد تأخروا في توجيه أطفالهم، ولو بدؤوا بهذا التوجيه حين كان الطفل صغيراً لغرسوا فيه الدين والفضيلة، ولما عانوا مشاكل من تصرفاته".
إن البيت هو المدرسة الأولى للأطفال، وفيه يوجهون إلى الخير أو إلى الشر. وكل فرد من الأفراد يذكر ما تلقاه وهو طفل من أبويه في البيت من سجايا حميدة أو بالعكس، وما تلقاه وهو طفل صغير قد يبقى معه حتى يرحل عن الدنيا.
إن الأطفال الصغار يقتبسون صفات آبائهم وأمهاتهم، والمثال الشخصي الرفيع يؤثر فيهم أعمق التأثير، فمن خاف على عقبه وعقب عقبه فليتق الله.
стр. 516
والأطفال المنحرفون، والشباب المنحرف، هم نسخة طبق الأصل من آبائهم وأمهاتهم ولا عبرة بالشواذ.
وتبدأ تربية الطفل الصغير مبكراً، حتى إذا بلغ الرابعة أو الخامسة من عمره والتحق بروضة الأطفال، كان مسلحاً بالتربية السليمة، وهي التربية الأساسية التي تكون قاعدة رصينة للتربية التي يتلقاها في الروضة وبعدها في المدرسة والجامعة ومن تجارب الحياة.
ثالثاً: بعد التحاق الطفل بروضة الأطفال والولد بالمدرسة والشاب بالجامعة، لا بد أن يراقب الأبوان تصرفات أولادهما، فينصحان ويوجهان ويقفان موقفاً حازماً في حال ظهور أي بادرة من بوادر الانحراف على الأطفال والأولاد والشباب.
ولست أشك أن الوالدين إذا أدَّيا واجبهما التربوي نحو الطفل قبل التحاقه بروضة الأطفال أو المدرسة الابتدائية، فإن احتمال انحراف الطفل في دور الطفولة والشباب سيكون قليلاً.
إن الطفل كالعجين، يمكن تشكيله بأي شكل، لذلك كانت تربيته تربية سليمة مستمدة من تعاليم الدين الحنيف في مرحلة الطفولة مهمة للغاية وحاسمة في حياته المقبلة.
وكل طفل يولد على الفطرة، وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما يقول النبي ﷺ .
رابعاً: لقد سمعت كثيراً من الآباء يبدون تذمرهم من انحراف أولادهم في دور المراهقة والشباب.
стр. 517
ولكنني رأيتهم يكتفون بالتذمر ولا يفعلون شيئاً لمعالجة الانحراف، وحجتهم في ذلك أن متطلبات العصر تحتم ذلك، أو أن الأولاد كلهم منحرفون، أو أن ازدحام أعمالهم تحول دون التفرغ لأولادهم ... إلخ، من المعاذير ... إن متطلبات العصر، وانحراف أكثر الأولاد، لا يسوغان بالضرورة ترك الحبل على الغارب للأولاد والسكوت عن الانحراف. كما أن ازدحام الأعمال على الأبوين لا يسوغ السكوت عن انحراف أولادهما.
ولو سألني سائل: هل الأفضل أن تعمل الأم لتترك أطفالها تحت رحمة غيرها مما يؤدي إلى انحرافهم، أو تتفرغ لتربية أطفالها تربية سليمة تاركة عملها خارج الدار؟ لأجبت بدون تردد: "تربية الأطفال تربية سليمة أهمّ من العمل الخارجي، وبناء رجال المستقبل أهم من المال ومن العيش الرغيد".
وماذا يفيد الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه.
لقد بالغنا بتوظيف الفتيات في الوظائف الحكومية، وأرى أن وظيفتها في تربية أطفالها أهم من كل وظيفة أخرى. وقد حدثت مآسٍ كثيرة من جراء تغيب الأم عن بيتها، لأن الأطفال حرموا من التربية الصالحة.
أليس من الغريب أن يبقى محمد وأسامة وخالد عاطلين عن العمل، ثم نطالب خولة ورقيّة وفاطمة بالعمل؟
стр. 518
هل استوعب العمل كل أبنائنا حتى نطالب بناتنا بالعمل؟ ولماذا نقلّد غيرنا بكل شيء حتى بما هو السبب في خراب بيوتهم؟! إن في بلادنا أزمة بطالة، وليس فيها أزمة نقص في الأيدي العاملة. فلماذا لا يعمل الشباب أولاً، فإذا احتجنا إلى مزيد من الأيدي العاملة لجأنا إلى الشابات؟؟ ولماذا لا نترك الفتاة تعمل ضمن واجبها المقدس: تربية الأطفال؟ وإذا كان هناك مسوّغ لعمل المرأة في حقل التعليم والطبابة والتمريض، فما المسوغ لعملها في حقل الوظائف الأخرى؟ ولكن، هل الوظيفة وحدها تشغل المرأة العربية والإسلامية اليوم؟ يا ليت! ... إنها تشغل نفسها في السهرات والزيارات والملاهي، وتشغل نفسها في حوانيت التجميل وتجار السلع، فمتى تتفرَّغ لرعاية أطفالها؟! والأب أيضاً هو الآخر يقضي معظم أوقاته خارج الدار سدى ... فمن لرعاية الأطفال المساكين!! إن الأولاد أمانة لدى الوالدين، ورب البيت الذي لا يربي أطفاله تربية سليمة مبكراً، حتى يستطيع السيطرة عليهم في دور المراهقة والشباب، وحتى يُطَعِّمهم بمصل التربية السليمة حماية لهم من
стр. 519
الانحراف، وحتى يربي عناصر مفيدة قوية مؤمنة تفيد الأمة في حاضرها ومستقبلها - هذان الوالدان مقصران في حق نفسيهما، ومقصران في حق أولادهما، وخائنان لأمانتهما وجبانان.
والذي يدع عرضه نهباً لأعين الفسقة من الناس، ثم لا يأمر أولاده بسلك طريق الحشمة والعفاف، خائن وجبان وديوث.
ودعنا من حججهم الواهية ومعاذيرهم التافهة، فهم لا يستحقون غير التقريع والاحتقار.
ب) الدولة:
أولاً: إعادة النظر في إعداد مناهج تربية النشء العربي والإسلامي، وتطهيرها من المواد التي دسها المستعمرون والعملاء والمخربون فيها، ووضع مناهج تربوية جديدة على أسس مستمدة من تعاليم الدين الحنيف.
إن تفشي التردي الخلقي نتيجة للمناهج التربوية الملغومة، لا يخدم أحداً غير إسرائيل وأعداء العرب والمسلمين.
فلماذا نخرب بيوتنا بأيدينا؟.
إن إعداد (المعلم) إعداداً سليماً هو مفتاح الإصلاح التربوي، فلا بد من إعارة هذه الناحية الحيوية أعظم درجات الاهتمام.
يجب أن ندخل التعليم الديني في روضات أطفالنا ومدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، وأن نعدّ مناهج هذا التعليم باستشارة علماء الدين الحنيف، فأهل مكة أدرى بشعابها.
стр. 520
لقد رأيت في سجون قاسم العراق ضباطاً من ذوي الرتب العالية ووزراء سابقين وموظفين كباراً لا يصلُّون.
وسألت أحدهم في يوم من الأيام، وكان محكوماً عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت: "لماذا لا تصلي"؟! وأطرق الرجل ولم يُجب! وأعدت عليه الكرة مرات، وأخيراً قال لي بالحرف الواحد: "لا أعرف أصلي".
وعلمته الوضوء والصلاة خلال دقائق معدودات، ومن يومها أقبل على الصلاة بلهفة وشوق، وأصبح عابداً متبتلاً.
يجب أن يتعلم التلميذ والطالب كيف يؤدي فرائض الله في البيت، ويجب أن يتلقى تفاصيل تعاليم الدين في روضته ومدرسته ومعهده وجامعته، حتى يصبح متفقهاً في الدين يفيد نفسه ويفيد الآخرين.
ويجب أن ندخل في مناهجنا التعليمية حفظ أجزاء من القرآن الكريم، حتى نقوّم ألسنة التلاميذ والطلاب بالنطق العربي السليم، وحتى ننور قلوبهم بكلمات الله، وحتى يفيدهم ما حفظوه من الكتاب العزيز في الصلاة.
إن القرآن الكريم ليس كتاب المسلمين الأول فحسب، بل هو كتاب العربية الأول أيضاً، وحفظ القرآن الكريم أو أجزاء منه ينمّي ملكة ضبط الألفاظ العربية الفصحى والنطق بها.
стр. 521
وقد سئل الأب أنستانس ماري الكرملي عن سر إتقانه العربية الفصحى فقال: "لأنني أحفظ القرآن".
وما ذكره الكرملي، اعترف به بلغاء المسيحية.
ومن المؤسف حقاً، أن التعليم الديني حورب في البلاد العربية والإسلامية محاربة لا هوادة فيها من المستعمرين وأذنابهم، حتى تلاشى هذا التعليم أو كاد.
ومن المذهل حقاً أن قسماً من رجال التربية والتعليم العرب والمسلمين، بعد رحيل الاستعمار عن البلاد العربية والإسلامية، هم الذين ذبحوا التعليم الديني في المدارس والمعاهد والجامعات بغير سكين.
فهل يمكن أن نصدق أن ذلك جرى عفواً، أم أن الأيدي الخفية كانت وراء الأكمة، فسخَّرت التافهين والإمَّعات وأشباه الرجال والعملاء من رجال التعليم العرب والمسلمين لوضع مخططاتها التخريبية موضع التنفيذ في مناهج تربية النشء الجديد.
ثانياً: يجب إقامة المساجد في كل مدرسة ومعهد وكلية، وحث التلاميذ والطلاب على أداء فريضة الصلاة.
إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهل ذلك يضر بالمصلحة العامة؟ وقد دأب التلاميذ والطلاب على القيام بسفرات داخلية وخارجية، وهذا حسن جداً لفوائد الأسفار في تنمية المعلومات
стр. 522
والتجارب الشخصية، ولكن لماذا لا نقوم بسفرات إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج والعمرة، ولو مرة واحدة في القطر كله في كل عام؟؟ أليس من الغريب أن يشرّق التلاميذ والطلاب ويغرّبوا في سفراتهم المتعددة الكثيرة، ولا يزوروا الديار المقدسة للحج والعمرة؟! لقد سافرت إلى الحج حين كنت في السنة الثالثة من المدرسة المتوسطة (١) وكنت يومها في الخامسة عشرة من عمري، مع جماعة من التلاميذ والمدرسين والأساتذة ورجال التعليم في العراق، بمناسبة افتتاح الطريق البري (طريق بغداد - النجف - حائل - المدينة المنورة - مكة الكرمة) عام (١٩٣٥م)، وهو الطريق البري القديم الذي يسمى بطريق: السيدة زبيدة زوج الخليفة هارون الرشيد والذي هجر بعد سقوط مدينة بغداد بيد التتار بقيادة هولاكو، فأثَّر سفري إلى الديار المقدسة في نفسي تأثيراً لا تمحوه الأيام، ووجّهني إلى طريق الخير والسداد والنور، وكان تأثيره ولا يزال في نفسي عظيماً.
فلماذا لا نكرر هذه التجربة على أكبر عدد ممكن من التلاميذ والطلاب والأساتذة والمدرسين ورجال التعليم وغيرهم؟؟!!.
ثالثاً: إن مناهج التربية والتعليم في البلاد العربية والإسلامية قد وضعت من خبراء الاستعمار المختصين في التربية القائمة على أساس علم النفس من أجل تحقيق المصالح المادية للمستعمرين، فكوَّنوا الأجهزة التربوية التي تنهض بهذا الهدف التخريبي، بحيث ينشأ الطفل
стр. 523
والشاب العربي المسلم مسلوباً من كل المقومات الثقافية التي تتعارض مع مصالح الاستعمار.
وحين رحل المستدمر إلى غير رجعة بإذن الله، ورثت البلاد العربية والإسلامية هذه المناهج التربوية المريبة وهذه الأجهزة التي وضعها الاستعمار لتنفيذها، من دون أي تصفية أو مراجعة جوهرية، فبقي التعليم الموروث من عهد الاستعمار يؤدي وظيفته كما كان يؤديها في عهد المستعمرين، أي أنه لا يزال يُكوِّن جيلاً مسلوباً من قيمه الأصلية الضرورية لتكوين الشخصية العربية والإسلامية المتميزة.
هل يصدق عاقل أن مناهجنا التربوية لا تزال حتى اليوم تحتوي على مواد تشوِّه تاريخنا وتشكِّك في عقيدتنا؟ ولمصلحة مَنْ يبقى هذا التشويه والتشكيك حتى اليوم؟ لا بد من عقد مؤتمرات لرجال التربية والتعليم (المخلصين) في كل بلد عربي وإسلامي، لتطهير مناهج التعليم من الفساد، وعقد مؤتمر شامل في نطاق الدول العربية والإسلامية على أساس تلك الدراسات المحلية أو القطرية، لتوحيد الثقافة العربية الإسلامية من جهة، ولتكون هذه المناهج التعليمية قادرة على بناء الشخصية العربية الإسلامية المتميزة الصالحة للقيام برسالتها المنشئة البنَّاءة في القرن العشرين.
وبهذا نكون قد أنقذنا الشخصية العربية الإسلامية من التميع والضياع.
كتب المرحوم الفريق الأول الركن طه الهاشمي الذي كان رئيساً
стр. 524
لأركان الجيش العراقي، ثم تقلد منصب رئيس وزراء العراق - كتب في مذكراته يقول: "بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها بسقوط الدولة العثمانية، عاد الضباط العراقيون الذين كانوا يعملون في جيش العثمانيين إلى العراق.
وحين تأسس الجيش العراقي في أول العشرينات من هذا القرن، طالب أولئك الضباط بتعيينهم في ذلك الجيش الجديد.
وكان الإنكليز قد استعمروا العراق، وكانو مسيطرين سيطرة كاملة على كل مرافقه ومؤسساته، ومنها الجيش.
وعارض الموظف المسؤول في السفارة البريطانية ببغداد أمر تعيين أولئك الضباط في الجيش العراقي الجديد، وكان سبب معارضته أن أولئك الضباط العراقيين على جانب عظيم من الإخلاص، فهو يخشى أن يربوا الضباط والجنود الجدد تربية صالحة تجعلهم في النهاية يتنكرون للاستعمار.
ولكن المس (بيل) التي كانت من أركان السفارة البريطانية حين ذاك قالت للموظف البريطاني المعارض: لا تخش من هؤلاء الضباط، لأن خبراءنا في التربية والتعليم قد وضعوا المناهج التربوية التي تذيب الشخصية العربية الإسلامية، وتجعل من المتعلمين موظفي مكاتب لا مجاهدين".
فإذا كان هناك مسوِّغ لوضع هذه المناهج لتحقيق هذا الهدف للاستعمار، فما المسوغ للحرص على بقائها في عهد الاستقلال؟! إني أطالب المسؤولين في وزارات التربية والتعليم العربية
стр. 525
والإسلامية بموازنة المناهج التربوية التي وضعها المستعمرون، بالمناهج التربوية التي لا تزال سائدة في وزاراتهم إلى اليوم، ليروا أن الفروق بين المناهج الأولى والثانية لا تكاد تذكر، أو أنها باقية على شكلها القديم نصاً وروحاً، أو أنها تغيرت تغيرات طفيفة لا تُسمن ولا تغني من جوع، أو أنها تبدلت إلى الأسوأ - وهنا تسكب العَبَرات ... !
هذا هو الواقع الذي هو أغرب من الخيال.
رابعاً: يقتضي مراقبة تصرفات الأطفال في روضة الأطفال والتلاميذ في المدارس والطلاب في المعاهد والجامعات، كما يقتضي مراقبة تصرفات المدرسين والأساتذة والموظفين والضباط والجنود، لوضع حد بكل حزم للانحراف والمنحرفين أخلاقياً.
إن الحرية التي بدون قيود هي (الفوضى)، والحرية الحقة هي التصرف في إطار الفضيلة والنزاهة والخلق الكريم.
أما التصرف في إطار الرذيلة والانحلال باسم الحرية والتحرر، فذلك من مصلحة إسرائيل ومَنْ وراء إسرائيل من أعداء العرب والمسلمين.
إن عقلاء الأجانب ومفكريهم يبدون أعمق الأسف والأسى لانحلال شبابهم خُلُقياً نتيجة لحرية الرذيلة، مما أدى إلى تفسخ الأسر وزيادة نسبة الطلاق وإحجام الشباب عن الزواج.
فلماذا نستورد الانحلال من وراء الحدود باسم التمدن والحرية ... إلى آخره من النعوت والمسميات والشعارات؟!
стр. 526
إن الصهيونية العالمية وراء إشاعة الفحشاء بين الناس، وهي تركز على إشاعتها بين العرب والمسلمين بخاصة لكي يسهل عليها تحقيق أطماعها التوسعية في البلاد العربية: من النيل إلى الفرات.
ومتى شاعت الفاحشة في أمة فاقرأ على حاضرها ومستقبلها السلام.
لابدَّ من رسم الخطط الكفيلة لوضع حد حاسم للانهيار الخلقي إذا أردنا حقاً خدمة أمتنا وبلادنا، فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت، وإلا فالأمة بدون أخلاق غثاء كغثاء السيل لا قيمة لها ولا وزن، ولا تنجح في سِلْم ولا تنتصر في حرب.
خامساً: على الدولة أن تشجع الفضيلة وتحارب الرذيلة، ولعل من أنجع وسائل الدولة للقضاء على المنكر والحث على المعروف، تولية الملتزمين بالفضيلة والدين مقاليد الأمور حتى يكونوا أسوة حسنة لغيرهم.
وهناك آراء متعددة في رذائل الاستعمار والمستعمرين، ولكنني أرى أنَّ أقبح تلك الرذائل هو أن المستعمرين ولّوا مقاليد الأمور أراذل القوم المستعبَدين وأغدقوا عليهم المناصب والجاه والمال والترف، فقلد هؤلاء الأراذل غيرهم من ضعفاء النفوس، فشاعت الرذيلة وانحسرت الفضيلة وقلَّ الإحسان.
لقد أتى على العرب والمسلمين حينٌ من الدهر في عهد الاستعمار، اعتقدوا فيه أنَّ السبيل الوحيد للتقدم في معارج المناصب الحكومية هو الانحلال والفساد، وهذا هو في نظري أفدح كوارث الاستعمار.
стр. 527
ولست أخشى على أمة تتمسك بالفضيلة من أن تهون أو تضعف، ولكن الخشية على أمة لا أخلاق لها.
على الدولة أن تمنع الخمور في حفلاتها الرسمية تمهيداً لمنعها نهائياً، وشكراً للثورة الليبية التي منعت الخمور في بلادها وحرَّمت البغاء العلني، فقد سلكت طريق الحق والصواب، وأدت واجبها للشعب والبلاد. وشكراً لكل بلد عربي وإسلامي لا خمور فيه ولا بغاء، لأن البلد العربي الذي يحمي هذه الفاسد ليس عربياً ولا مسلماً.
وعسى أن تكون الثورة الليبية رائدة للدول العربية والإسلامية في إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
وعلى الدول أن تمنع استيراد الأفلام الخليعة، وأن تمنع عرض التمثيليات اللا أخلاقية في الإذاعة المرئية ونقلها في الإذاعة المسموعة، وأن تمنع مجلات الجنس وقصص المخدع.
لقد نقلنا المراقص الخليعة بالإذاعة المرئية في كل منزل، فالله ... الله ... في أخلاق أولادنا وشبابنا.
سادساً: على الدولة اختيار أبرز العلماء العاملين للنهوض بواجب التوعية الدينية في الإذاعة والصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى، وفي المساجد والنوادي والمدارس والمعاهد والجامعات وقاعات المحاضرات والجمعيات والنقابات.
كما يجب إعداد جدول محاضرات متسلسلة يلقيها هؤلاء العلماء العاملون في المدارس والكليات والوحدات والتشكيلات العسكرية.
وعلى الدولة أن تعرف للعلماء العاملين حقهم ومكانتهم، وأن
стр. 528
تفسح لهم المجال للنهوض بواجباتهم الدينية بين مختلف قطاعات الشعب وبمختلف الوسائل الإعلامية وفي شتى الظروف والمناسبات.
لقد كان للعلماء العاملين تاريخ مجيد في إذكاء الروح المعنوية وتطهير النفوس والتحريض على الجهاد، ومن المعروف أن ثورة عام (١٩١٩ م) في مصر تفجرت من الأزهر الشريف، وثورة عام (١٩٢١ م) في العراق قادها العلماء الأعلام، وثورة ليبيا ضد الطليان قادها المجاهدون الصادقون، وثورة تونس تفجرت من (الزيتونة)، وثورة المغرب تفجرت من (القرويين)، وثورة الجزائر فجرتها جمعية العلماء الجزائرية.
فمتى تعود للعلماء العاملين مكانتهم، ومتى يعودون لقيادة المجاهدين؟؟
ولكي يفرض العلماء العاملون أنفسهم على الأحداث العربية والإسلامية، لا بد لهم من جانبهم أن يضاعفوا نشاطهم العلمي والعملي كما فعل أسلافهم من قبل.
وكمثال على نشاطهم العلمي المرتقب، أن يعالجوا قضايا العصر - وما أكثرها - ووضع الحلول الدينية المناسبة لها، لإبراز أثر الدين في الحياة.
وكمثال على نشاطهم العملي المرتقب، أن يتقدموا الصفوف جهاداً بالأموال والأنفس في سبيل الله، وأن يتكلموا بالدم لإعلاء كلمة الله، وألا يقتصروا على الكلام بالكلمات.
مرة ثانية!
стр. 529
ما أحوجنا اليوم إلى علماء عاملين كأسد بن الفرات والعز بن عبد السلام وابن تيمية وآق شمس الدين ...
سابعاً: على المسؤولين عن اختيار طلاب الكليات العسكرية وتلاميذ المدارس العسكرية، التدقيق الشديد على اختيار العناصر المؤمنة القوية الأمينة، وعدم اختيار غير الملتزمين بالخلق المتين وتعاليم الدين الحنيف.
ومن المعروف أن هناك شروطاً عقلية وبدنية لاختيار التلاميذ والطلاب العسكريين.
فهل نتوقع من المسؤولين أن يضيفوا إلى تلك الشروط العقلية والبدنية شروطاً أخلاقية ودينية؟
لئن فعلوا لَيَتَكوَّننّ لدينا نواة لجيش لا يغلب أبداً.
كما يجب اختيار الضباط المتدينين من ذوي الكفايات العسكرية العالية، ليكونوا ضباطاً مدربين ومعلمين في المدارس العسكرية، لأن هؤلاء الضباط سيطبعون التلاميذ والطلاب العسكريين بطابعهم ويكونون قدوة حسنة لهم.
كما يجب إقامة الشعائر الدينية في المدارس والكليات العسكرية، وإدخال محاضرات دينية لها مساس بالقضايا العسكرية (الشهيد في الإسلام - عقاب المتخلفين في الإسلام - الحرب الإجماعية في الإسلام - الجهاد - إرادة القتال في الإسلام - الكتمان في الإسلام - الإسلام والحرب النفسية - أثر الإسلام في إحراز النصر - تاريخ الرسول القائد
стр. 530
عليه أفضل الصلاة والسلام - معارك الفتح الإسلامي - قادة الفتح الإسلامي ... إلخ).
ومن المهم تشييد مسجد في كل مدرسة وكلية عسكرية، وتعيين إمام من العلماء العاملين لهذا المسجد، ينهض بإقامة الشعائر الدينية وإلقاء المحاضرات الدينية، ويرشد التلاميذ والطلاب إلى أمور دينهم.
ثامناً: يجب حث العسكريين كافة على إقامة الصلاة وأداء الفرائض الدينية الأخرى.
كما يجب إقامة المساجد في الثكنات والمعسكرات والوحدات والتشكيلات.
ومن الضروري منع الخمر والميسر منعاً صارماً في المعسكرات والثكنات ونوادي الضباط.
ولابد من (إمام) في كل وحدة عسكرية وفي كل ثكنة ومعسكر دائمي، لقيادة العسكريين من الناحية الدينية.
وألفت الأنظار إلى أهمية اختيار أئمة الجيش من بين العلماء العاملين، لا من بين العلماء المتعطلين.
إن (الإمام) يستطيع أن يفعل الكثير في ميدان الإرشاد الديني إذا أراد أن يفعل وكانت له قابلية علمية رصينة وهِمَّة للعمل ورغبة في الخدمة.
تاسعاً: من الضروري إجراء المسابقات الدينية بين العسكريين، كإتقان تلاوة القرآن الكريم وإتقان حفظه أو حفظ أجزاء منه،